النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة العنكبوت / الآيات : ٤٧ - ٤٩
الحرب، ومن قال وصرح بأن الله ولداً أو له شريك أو يده مغلولة، فالآية على هذا منسوخة في مهادنة من لم
يحارب، قال قتادة هي منسوخة بقول الله تعالى ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ [التوبة: ٢٩].
قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يتوجه في معنى الآية إنما يتضح مع معرفة الحال في وقت نزول
الآية، وذلك أن السورة مكية من بعد الآيات العشر الأول، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب
جزية ولا غير ذلك، وكانت اليهود بمكة وفيما جاورها فربما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج
في أمر الدين وتكذيب، فأمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم بالمحاجة إلا بالحسنى دعاء إلى الله تعالى
وملاينة، ثم استثنى من ظلم منهم المؤمنين إما بفعل، وإما بقول، وإما بإذاية محمد صلى الله عليه وسلم،
وإما بإعلان كفر فاحش كقول بعضهم عزير ابن الله ونحو هذا، فإن هذه الصنيفة استثني لأهل الإسلام
مقارضتها بالتغيير عليها والخروج معها عن التي هي أحسن، ثم نسخ هذا بعد بآية القتال والجزية وهذا قول
قتادة وقوله تعالى: ﴿وقولوا آمنا﴾ الآية، قال أبو هريرة كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية فيفسرونها
بالعربية للمسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، ﴿وقولوا
آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلَهنا وإلَهكم واحد ونحن له مسلمون﴾. وروى عبد الله بن مسعود أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا إما أن تكذبوا
بحق وإما أن تصدقوا بباطل)).
قوله عز وجل :
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ فَالَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ،
وَمَا يَجْحَدُ بِشَايَئِنَآ إِلَّا الْكَفِرُونَ ﴿﴿ وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِشَبٍ وَلَا تَخُلُهُ بِيَمِنِكَّ
﴿ بَلْ هُوَ ءَايَتُ بَيْنَتُ فِىِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ
إِذَا لَّأَ رْتَابَ الْمُبْطِلُونَ لِ
بِشَايَتِنَآ إِلََّ الظَّالِمُونَ
تقدم في الآية التي قبل هذه ما يتضمن نزول شرع وكتاب من عند الله على أنبياء قبل محمد عليه
السلام فحسن لذلك عطف ﴿كذلك أنزلنا﴾ على ما في المضمر، أي وكما أنزلنا على من تقدمك أنزلنا
إليك، و﴿الكتاب﴾ القرآن، وقوله ﴿فالذين آتيناهم الكتاب﴾ يريد التوراة والإنجيل، أي فالذين كانوا في
عصر نزول الكتاب وأوتوه حينئذ ﴿يؤمنون به﴾ أي كانوا مصدقين بهذا الكتاب الذي أنزلناه إليك، فالضمير
في ﴿به﴾ عائد على القرآن، ثم أخبر عن معاصري محمد صلى الله عليه وسلم أن منهم أيضاً ﴿من يؤمن
به﴾ ولم يكونوا آمنوا بعد، ففي هذا إخبار بغيب بينه الوجود بعد ذلك، ثم أنحى على الجاحدين من أمة قد آمن
سلفها في القديم وبعضها في الحديث، وحصل الجاحدون في أخس رتبة من الضلال، ويشبه أن يراد
أيضاً في هذا الإنحاء كفار قريش مع كفار بني إسرائيل، ثم بين تعالى الحجة على ((المبطلين)) المرتابين ما
وضح أن مما يقوي نزول هذا القرآن من عند الله أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء به في غاية الإعجاز
والطول والتضمن للغيوب وغير ذلك وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا يتلو كتاباً ولا يخط حرفاً ولا سبيل له
---------- -
----

٣٢٢
.....
تفسير سورة العنكبوت / الآيات : ٥٠ - ٥٢
إلى العلم، فإنه لو كان ممن يقرأ ﴿لارتاب المبطلون﴾ وكان لهم في ارتيابهم متعلق، وأما ارتيابهم مع
وضوح هذه الحجة فظاهر فساده، وقال مجاهد: كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن محمداً لا يخط ولا
يقرأ كتاباً فنزلت هذه الآية، وذكر النقاش في تفسير هذه الآية عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي صلى الله
عليه وسلم حتى كتب وأسند أيضاً حديثاً إلى أبي كبشة السلولي مضمنه أنه عليه السلام قرأ صحيفة
لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله ضعيف، وقول الباجي رحمه الله منه، وقوله تعالى: ﴿بل هو
آيات بينات﴾ إضراب عن مقدر من الكلام يقتضيه ما تقدم كأنه قال: ليس الأمر كما حسبوا ﴿بل هو﴾ وهذا
الضمير يحتمل أن يعود على القرآن، ويؤيده أن في قراءة ابن مسعود ((بل هي آيات))، ويحتمل أن يعود
على محمد صلى الله عليه وسلم ويؤيده أن قتادة قرأ ((بل هو آية بينة)) على الإفراد، وقال: المراد النبي صلى
الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على أمر محمد صلى الله عليه وسلم في أنه لم يتل ولا خط، وبكل احتمال
قالت فرقة، وكون هذا كله ﴿آيات﴾ أي علامات ﴿في صدور﴾ العلماء من المؤمنین بمحمد، يراد به مع
النظر والاعتبار. و﴿الظالمون﴾ و﴿المبطلون﴾، قيل يعم لفظهما كل مكذب بمحمد صلى الله عليه وسلم
ولكن عظم الإشارة بهما إلى قريش لأنهم الأهم، قاله مجاهد، وقال قتادة: ﴿المبطلون﴾ اليهود.
قوله عز وجل :
وَقَالُوْ لَوْلَا أَنْزِلَـ عَلَيْهِ ءَايَتٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّمَا الْآَيَتُّ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنْنَذِيرٌ مُبِينُ
٥٠
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةٌ وَذِكْرَى
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ قُلٌّ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِى السَّمَنُونِ
وَالْأَرْضُِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْبَطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
الضمير في ﴿قالوا﴾ لقريش ولبعض اليهود، لأنهم كانوا يعلمون قريشاً مثل هذه الحجة يقولون: لم لا
يأتيكم بمثل ما جاء به موسى من العصا وغيرها، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم
وعلي بن نضر عن أبي عمرو ((آية من ربه))، وقرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص عن عاصم ((آيات من
ربه))، فأمر الله تعالى نبيه أن يعلم أن هذا الأمر بيد الله عز وجل ولا يستنزله الاقتراح ولا التمني وأنه بعث
نذيراً ولم يؤمر بغير ذلك، وفي مصحف أبي بن كعب ((قالوا لو ما يأتينا بآيات من ربه قل إنما الآيات))، ثم
احتج عليهم في طلبهم آية بأمر القرآن الذي هو أعظم الآيات ومعجز الجن والإنس فقال: ﴿أو لم يكفهم
أنا أنزلنا عليك الكتاب﴾، ثم قرر ما فيه من ((الرحمة والذكرى)) للمؤمنين، فقوله ﴿أو لم يكفهم﴾، جواب
لمن قال ﴿لولا أنزل﴾، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت بسبب قوم من المؤمنين كتبوا عن اليهود بطائق
أخبروهم بشيء من التوراة فكتبوه، فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ((كفى بها ضلالة قوم
أن رغبوا عما آتاهم به نبيهم إلى ما أتى به غيره))، ونزلت الآية بسببه.

٣٢٣
تفسير سورة العنكبوت / الآيات : ٥٣ - ٥٥
قال الفقيه الإمام القاضي: والتأويل الأول أجرى مع نسق الآيات، ثم أمر تعالى نبيه بالإسناد إلى أمر
الله تعالى وأن يجعله حسبه ﴿شهيداً﴾ وحاكماً بينه وبينهم بعلمه وتحصيله جميع أمورهم، وقوله
﴿بالباطل﴾، يريد بالأصنام والأوثان وما يتبع أمرها من المعتقدات، والباطل، هو أن يفعل فعل يراد به أمر
ما، وذلك الأمر لا يكون عن ذلك الفعل، والأصنام أريد بأمرها الأكمل والأنجح في زعم عبادها وليس
الأكمل والأنجح إلا رفضها فهي إذاً باطل، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَآ أَجَلٌ مُسَمَّى لَّجَآءَ هُ الْعَذَابُّ وَلَيَأْنِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
٥٣
يَوْمَ يَغْشَنُهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن
٥٤
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ!
تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُواْمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ
٥٥
قوله ﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ يراد به كفار قريش في قولهم ائتنا بما تعدنا، وغير ذلك من
استدعائهم على جهة التعجيز والتكذيب عذاب الله الذي يتوعدهم محمد صلى الله عليه وسلم به، ثم أخبر
تعالى أنه يأتيهم ﴿بغتة﴾ أي فجأة وهذا هو عذاب الدنيا وهو الذي ظهر يوم بدر في السنين السبع .
ثم ذكر تعالى أن تأخره إنما هو حسب الأجل المقدور السابق، وقال المفسرون عن الضحاكُ أن
((الأجل المسمى)) في هذه الآية الآجال ..
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف يرده النظر، والآجال لا محالة ﴿أجل مسمى﴾ ولكن ليس
هذا موضعها، ثم توعدهم تبارك وتعالى بعد عذاب الآخرة في قوله ﴿يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم
لمحيطة بالكافرين﴾، كرر فعلهم وقبحه، وأخبر أن وراءهم إحاطة جهنم بهم وقال عكرمة فيما حكى
الطبري إن ﴿جهنم﴾ ها هنا أراد بها البحر.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقوله تعالى: ﴿يوم يغشاهم﴾ ظرف يعمل فيه قوله
﴿محيطة﴾، و﴿يغشاهم﴾ معناه يغطيهم من كل جهة من جهاتهم، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي
((ويقول)) أي ويقول الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((ونقول)) بالنون، فإما أن تكون نون العظمة أو
نون جماعة الملائكة، وقرأ ابن مسعود ((ويقال)) بياء وألف وهي قراءة ابن أبي عبلة، وقوله تعالى: ﴿ذوقوا﴾
توبيخ، وتشبيه مس العذاب بالذوق، ومنه قوله ﴿ذق إنك أنت العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩]، ومنه قول
أبي سفيان: ذق عقق ونحو هذا كثير، وقوله تعالى: ﴿ما كنتم تعملون﴾ أي بما في أعمالكم من اكتسابكم.
قوله عز وجل :
كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْمَوْتِّ ثُمَّإِلَيْنَا تُرْ جَعُونَ
يَعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّأَرْضِى وَسِعَةٌ فَإِيَّنَ فَأَعْبُدُونِ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَمُبَوِّتَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَا تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ
٥٧

٣٢٤
----..
تفسير سورة العنكبوت / الآيات : ٥٦ - ٦٣
◌َالَّذِينَ صَبَرُواْ وَ عَلَى رَبِهِمْ يَنَوَكَّلُونَ
٥٨
فِيَأْ نِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ لـ
٥٩
هذه الآيات نزلت في تحريض المؤمنين الذين كانوا بمكة على الهجرة، فأخبرهم تعالى بسعة أرضه
وأن البقاء في بقعة على أذى الكفار ليس بصواب، بل الصواب أن تلتمس عبادة الله في أرضه، وقال ابن
جبير وعطاء ومجاهد: إن الأرض التي فيها الظلم والمنكر تترتب فيها هذه الآية وتلزم الهجرة عنها إلى بلد
حق، وقاله مالك، وقال مطرف بن الشخير قوله ﴿إن أرضي واسعة﴾ عدة بسعة الرزق في جميع الأرض،
وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر ((يا عباديَ)) بفتح الياء، وقرأ ابن عامر وحده ((إن أرضيَ)) بفتح الياء
أيضاً، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بسكونها، وكذلك قرأ نافع وعاصم ((أرضي)) ساكنة، وقوله تعالى:
﴿فإياي﴾ منصوب بفعل مقدر يدل عليه الظاهر تقديره ﴿فإياي﴾ اعبدوا ﴿فاعبدون﴾ على الاهتمام أيضاً
في التقديم، وقوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون﴾ تحقير لأمر الدنيا ومخاوفها كأن
بعض المؤمنين نظر في عاقبة تلحقه في خروجه من وطنه أنه يموت أو يجوع ونحو هذا، فحقر الله تعالى
شأن الدنيا، أي أنتم لا محالة ميتون ومحشورون إلينا، فالبدار إلى طاعة الله عز وجل والهجرة إليه أولى ما
يمتثل، وقرأ الجمهور ((ترجعون)) بالتاء من فوق، ورويت عن عاصم بالياء من تحت وذكرها أبو حاتم عن
أبي عمرو، وقرأ أبو حيوة ((كل نفس ذائقةٌ)) بالتنوين ((الموتّ)) بالنصب، ثم وعد المؤمنين العاملين بسكنى
الجنة تحريضاً منه تعالى، وذكر الجزاء الذي ينالونه، وقرأ جمهور القراء ((لنبوئنهم)) من المباءة أي لننزلنهم
ولنمكننهم ليدوموا فيها، و﴿غرفاً﴾ مفعول ثان لأنه فعل يتعدى إلى مفعولين، وقرأ حمزة والكسائي
(نثوينهم)) من أثوى يثوي وهو معدى ثوى بمعنى أقام وهي قراءة على بن أبي طالب رضي الله عنه وابن
مسعود والربيع بن خيثم وابن وثاب وطلحة، وقرأها بعضهم ((لنَّينهم)) بفتح الثاء وتشديد الواو معدى
بالتضعيف لا بالهمزة، فقوله ﴿غرفاً﴾ نصب بإسقاط حرف الجر التقدير في غرف، وقرأ يعقوب ((لنبوينهم))
بالياء من تحت، وروي عن ابن عامر ((غُرُفاً)) بضم الغين والراء، ثم وصفهم تعالى بالصبر والتوكل وهاتان
جماع الخير كله أي الصبر على الطاعات وعن الشهوات.
قوله عز وجل :
وَكَأَبِّنْ مِّنِ دَابَةٍلَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)وَلَبِنِ سَأَلْتَّهُمْ مَّنْ
خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَنَّى يُؤْفَّكُونَ (٦) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ مَن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ
٦٢
يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
فَأَحْيَا بِهِالْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ
٦٣
﴿كأين﴾ بمعنى كم، وهذه الآية أيضاً تحريض على الهجرة لأن بعض المؤمنين فكر في الفقر
والجوع الذي يلحقه في الهجرة وقالوا غربة في بلد لا دار لنا فيه ولا عقار ولا من يطعم فمثل لهم بأكثر
الدواب التي تتقوت ولا تدخر ولا تروي في رزقها، المعنى فهو يرزقكم أنتم، ففضلوا طاعته على كل

٣٢٥
تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٦٤ - ٦٧
شيء، وقوله تعالى: ﴿لا تحمل﴾ يجوز أن يريد من الحمل أي لا تستقل ولا تنظر في ادخار، وقاله ابن
مجلز ومجاهد وعلي بن الأقمر.
قال الفقيه الإمام القاضي: والادخار ليس من خلق الموقنين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لابن عمر: «كيف بك إذا بقيت في حثالة من الناس يخبئون رزق سنة بضعف اليقين))، ويجوز أن يريد من
الحمالة أي لا تتكفل لنفسها ولا تروي فيه، ثم خاطبه تعالى بأمر الكفار وإقامة الحجة عليهم بأنهم إن سئلوا
عن الأمور العظام التي هي دلائل القدرة لم يكن لهم إلا التسليم بأنها لله تعالى، و﴿يؤفكون﴾ معناه
يصرفون، ونبه تعالى على خلق السماوات وخلق الأرض وتسخير الكواكب وذكر عظمها فاقتضى ذلك ما
دونه، ثم نبه على ((بسط الرزق)) وقدره لقوم، وإنزال المطر من السماء، وهذه عبر كفيلة لمن تأمل بالنجاة
والمعتقد الأقوم، ثم أمر تعالى نبيه بحمده على جهة التوبيخ لعقولهم وحكم عليهم بأن ﴿أكثرهم لا
يعقلون﴾ ولا يتسدد منهم نظر.
قوله عز وجل :
وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهُوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِىَ الْحَيَوَانُ لَوْكَانُواْيَعْلَمُونَ
٦٥
فَإِذَا رَكِبُواْ فِ الْفُلْكِ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَنْهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ
٦٤
صىے
لِيَكْفُرُ واْبِمَآ ءَاتَّيْنَهُمْ وَلِيَتَمَثَّعُوْ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿﴿ أَوَلَمْ يَرَوْأَنَّا جَعَلْنَا حَرَمَاءَاِمِنَّا وَيُنَخَطّفُ
٦٧
النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفِاَ لْبَطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ
وصف الله تعالى ﴿الدنيا﴾ في هذه الآية بأنها ﴿لهو ولعب﴾ أي ما كان منها لغير وجه الله تعالى،
فأما ما كان الله فهو من الآخرة، وأما أمور الدنيا التي هي زائدة على الضروري الذي به قوام العيش والقوة
على الطاعات فإنما هو ﴿لهو ولعب﴾، وتأمل ذلك في المطاعم والملابس والأقوال والمكتسبات وغير
ذلك، وانظر أن حالة الغني والفقير في الأمور الضرورية واحدة كالتنفس في الهواء وسد الجوع وستر العورة
وتوقي الحر والبرد وهذه عظم أمر العيش، و﴿الحيوان﴾ و﴿الحياة﴾ بمعنى واحد، وهو عند الخليل
وسيبويه مصدر كالهيمان ونحوه، والمعنى لا موت فيها قاله مجاهد وهو حسن، ويقال أصله حييان فبدلت
إحداهما واواً لاجتماع المثلين، ثم وقفهم تعالى على حالهم في البحر عند الخوف العظيم، فإن كل بشر
ينسى كل صنم وغيره ويتمسك بالدعاء والرغبة إلى الله تعالى، وقوله ﴿إذا هم يشركون ﴾ أي يرجعون إلى
ذكر أصنامهم، وتعظيمها، وقوله ﴿ليكفروا﴾ نصب بلام كي، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم
((وليتمتعوا)) بكسر اللام، وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي ((وليتمتعوا)» بسكون اللام على صيغة الأمر التي هي
للوعيد والتهديد، والواو على هذا عاطفة جملة كلام، لا عاطفة فعل على فعل وفي مصحف أبي بن كعب
((فتمتعوا فسوف تعلمون))، وفي قراءة ابن مسعود ((لسوف تعلمون)) باللام، ثم عدد تعالى على كفار قريش
نعمته عليهم في الحرم في أنه جعله لهم آمناً لا خوف فيه من أحوال العرب وغارتهم وسوء أفعالهم من
القتل وأخذ الأموال ونحوه، وذلك هو ((التخطف)) الذي كان الناس بسبيله، ثم قررهم على جهة التوبيخ

٣٢٦
تفسير سورة العنكبوت / الآيتان: ٦٨، ٦٩
على إيمانهم بالباطل وكفرهم بالله وبنعمته، وقرأ جمهور القراء ((يؤمنون)) بالياء من تحت وكذلك
((يكفرون))، وقرأهما بالتاء من فوق الحسن وأبو عبد الرحمن.
قوله عز وجل :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْكَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّاجَآءَهُمْ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَنْوَى لِلْكَافِرِينَ
٦٩
(٨) وَالَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ
قررهم عز وجل على حال من ﴿افترى على الله كذباً أو كذب﴾ بآياته، وهذه كانت حالهم وأعلمهم
أنه لا أحد ﴿أظلم﴾ منهم، وهذا في ضمنه وعيد شديد، ثم بين الوعيد أيضاً بالتقرير على أمر جهنم،
و ((المثوى)) موضع الإقامة، وألفاظ هذه الآيات في غاية الاقتضاب والإيجاز وجمع المعاني، ثم ذكر تعالى
حال أوليائه والمجاهدين فيه، وقرر ذلك بذكر الكفرة والظلمة ليبين تباين الحالتين، وقوله ﴿فينا﴾، معناه
في مرضاتنا وبغية ثوابنا. قال السدي وغيره: نزلت هذه الآية قبل فرض القتال.
قال الفقيه الإمام القاضي: فهي قبل الجهاد العرفي وإنما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته،
قال الحسن بن أبي الحسن: الآية في العباد، وقال عياش وإبراهيم بن أدهم: هي في الذين يعلمون، وقال
النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عمل بما علم علمه الله ما لم يعلم))، ونزع بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿واتقوا
الله ويعلمكم الله﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في
العمل بما علمنا، وقال أبو سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدو فقط بل هو نصر الدين
والرد على المبطلين وقمع الظالمين، وعظمه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنه مجاهدة النفوس في
طاعة الله عز وجل وهو الجهاد الأكبر، قاله الحسن وغيره وفيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم
((رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))، وقال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد
اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور فإن الله يقول ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، وقال
الضحاك: معنى الآية ﴿والذين جاهدوا﴾ في الهجرة ﴿لنهدينهم﴾ سبل الثبوت على الإيمان، و((السبل)) ها
هنا يحتمل أن تكون طرق الجنة ومسالكها، ويحتمل أن تكون سبل الأعمال المؤدية إلى الجنة والعقائد
النيرة، قال يوسف بن أسباط: هي إصلاح النية في الأعمال وحب التزيد والتفهيم، وهذا هو أن يجازى العبد
على حسنة بازدياد حسنة وبعلم يقتدح من علم متقدم وهي حال من رضي الله عنه، وباقي الآية وعد،
و((مع)) تحتمل أن تكون هنا اسماً ولذلك دخلت عليها لام التأكيد، ويحتمل أن تكون حرفاً ودخلت اللام
لما فيها من معنى الاستقرار كما دخلت في ((إن زيداً لفي الدار)).
كمل تفسير سورة العنكبوت والحمد لله رب العالمين
.

٣٢٧
تفسير سورة الروم / الآيات : ١ - ٦
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
◌ُوَرَةُ الْتُوفِزْ
هذه السورة مكية. ولا خلاف أحفظه في ذلك.
قوله عز وجل :
الماـ
ءُ ولا
غُلِبَتِ الزُّومُ
فِيِضْعِ
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
٢
سِنِينَْلِلَهِالْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ" أَبِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ
وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَ
٥
مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
يَعْلَمُونَ
تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية، وقرأ الجمهور ((غُلبت)) بضم الغين وقالوا
معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد: في الجزيرة وهو موضع بين
العراق والشام، وقال عكرمة: وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل: بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر
الكفار فبشر الله عباده بأن الروم ﴿سيغلبون في بضع سنين﴾ وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد
الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر ((غَلَبت)) الروم بفتح الغين واللام، وتأويل
ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله
تعالى عباده بأنهم ﴿سيغلبون﴾ أيضاً ﴿في بضع سنين﴾، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى
والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيغلبون» أنه بفتح الياء يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو
أنه قرأ أيضاً ((سيُغلبون)) بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، و ﴿أدنى
الأرض﴾ معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من ﴿أدنى الأرض﴾ بالقياس إلى مكة
وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله: [الطويل]
بيشرب أدنى دارها نظر عال
تنورتها من أذرعات وأهلها
وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي ﴿أدنى﴾ بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي ﴿أدنى﴾
إلى أرض الروم، قال أبو حاتم: وقرىء ((أداني الأرض))، وقرأ جمهور الناس ((غلَبهم)) بفتح اللام كما يقال
أحلب حلباً لك شطره، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول، وروي
في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن

٣٢٨
تفسير سورة الروم / الآيات: ١ -٦
الروم ﴿سيغلبون في بضع سنين﴾ أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة
أي تقطيعها وقال أبو عبيدة: من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر
الصديق إلى المسجد فقال لهم: أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم ﴿سيغلبون في
بضع سنين﴾ فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته
بالبكر فلنتناحب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة: وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن
خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له ((إن البضع إلى
التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل))، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة
أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر،
وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا
اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن
تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل
الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب ...
قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه
أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه
من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله
ويريحهم منه. و﴿سنين﴾، يجمع كجمع من يعقل عوضاً من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة
أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على أن جمعه خارج عن قياسه ونمطه ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن
ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال ﴿لله الأمر﴾ أي إنفاذ الأحكام ﴿من قبل
ومن بعد﴾ أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، و﴿قبل﴾ و﴿بعد﴾ ظرفان بنيا على الضم لأنهما
تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين
فبينا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما
المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضاً أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما في إظهار ما أضيفا إليه،
وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق
إلا الضم فبنيا عليه، ومن العرب من يقول ((من قبلٍ ومن بعدٍ)) بالخفض والتنوين.
قال الفراء: ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف، وقوله تعالى:
﴿ويومئذ﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل
والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله ﴿بعد﴾، ثم
استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس ﴿يفرح المؤمنون بنصر الله﴾، وعلى هذا
الاحتمال مشى المفسرون، والنصر الذي ﴿يفرح﴾ به ﴿المؤمنون) يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم
على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص
المؤمنين على عدوهم وهذا أيضاً غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل

٣٢٩
تفسير سورة الروم / الآيتان: ٧، ٨
أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن
هذا ضرب من النصر عظيم، وقوله تعالى: ﴿وعدَ الله﴾ نصب على المصدر المؤكد، وقوله ﴿ولكن أكثر
الناس لا يعلمون﴾ يريد الكفار من قريش والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا
یخلف وأن ما يورده نبيه حق .
قال القاضي أبو محمد: هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل، وقد حكى الطبري وغيره روايات يردها
النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده﴾ بعد غلبة الروم
لفارس ووصول الخبر بذلك، وهذا يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال.
قوله عز وجل :
أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْفِىّ أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللَّهُ
يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمٌَّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ
٨
لَكَفِرُونَ
وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما ﴿يعلمون ظاهراً من الحياة
الدنيا﴾، واختلف الناس في معنى ﴿ظاهراً﴾ فقالت فرقة معناه بيناً أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم
إنما هي علوم البهائم، وقال ابن عباس والحسن والجمهور: معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان
الصناعات والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة: معناه ذاهباً زائلاً أي يعلمون
أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة قول الهذلي :
وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
وعيرها الواشون أني أحبها
وقال سعيد بن جبير: إن قوله ﴿ظاهراً من الحياة الدنيا﴾ إشارة إلى ما يعلم من قبل الكهنة مما يسترقه
الشياطين، وقال الروماني: كل ما يعلم بأوائل العقول فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو الباطن.
قال القاضي أبو محمد: وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم بـ ((الغفلة)) والإعراض عن أمر
الآخرة وكرر الضمير تأكيداً، وغفلة الكافر هي على الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر
همه يأخذ من هذه الآية بحظ ، نوّر الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا فلم
تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى: ﴿في أنفسهم﴾ يحتمل معنيين: أحدهما أن
تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع، ثم أخبر عقب هذا
المعنى بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض، فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من
فكرفي نفسه علم حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه، والمعنى الثاني أن تكون النفس ظرفاً للفكرة
في خلق السماوات والأرض فيكون قوله ﴿في أنفسهم﴾ تأكيداً لقوله ﴿يتفكروا﴾ كما تقول انظر بعينك
واسمع بأذنك، فقولك بأذنك تأكيد، وقوله ﴿إلا بالحق﴾ أي بسبب المنافع التي هي حق واجب يريد من

٣٣٠
تفسير سورة الروم / الآيات: ٩ - ١٣
الدلالة عليه والعبادة له دون فتور، والانتصاب للعبرة ومنافع الأرزاق وغير ذلك، ﴿وأجل﴾ عطف على
((الحق)) أي وبأجل مسمى وهو يوم القيامة، ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية من في هذا
العالم، ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفرة بذلك المعنى فعبر عنه ﴿بلقاء﴾ الله لأن لقاء الله هو عظم
الأمر وفيه النجاة أو الهلكة.
قوله عز وجل :
أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوَاْ أَشَتَّمِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ
اُلْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتُهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
وَلَكِنْ كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
هذا أيضاً توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين لم يعملوا بحسب
العبرة وخوف العاقبة .
قال القاضي أبو محمد: ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم أسر لأن كافة من سار
من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله
تعالى: ﴿وأثاروا الأرض﴾ يريد بالمباني والحرث والحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة
للأرض بعضها حقيقة وبعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان والمتاع، إثارة للأرض، وقرأ أبو جعفر
((وآثاروا)) بمد الهمزة قال ابن مجاهد: ليس هذا بشيء، قال أبو الفتح: وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت
ألف ونحوه قول ابن هرمة: [الوافر]
ومن ذم الرجال بمنتزاح
فأنت من الغوائل حين ترمى
قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن، وقرأ أبو حيوة ((وآثروا الأرض)) بالمد بغير ألف بعد
الثاء من الأثرة، والضمير في ﴿عمروها﴾ الأول للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين
يتضمن الوعد والتخويف من عدل الله تعالى.
قوله عز وجل :
﴿ اللَّهُ يَبْدُّؤْأ
ثُتَ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَنُواْ السُّوَىَ أَنْ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَايَسْتَهْزِءُونَ
اُلْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُ ثُمَّإِلَيْهِ نُجَعُونَ ﴿٦ وَيَوْمَ تَّقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ اَلْمُجْرِمُونَ ﴿ وَلَمْ يَكُنَ لَّهُم
مِّن شُرَكَآَبِهِمْ شُفَعَؤُ أْ وَكَانُواْبِشُرَّكَابِهِمْ كَفِرِينَ
١٣
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((عاقبةُ)) بالرفع على أنها اسم ﴿كان﴾ والخبر يجوز أن يكون ﴿السوأى﴾
ويجوز أن يكون ﴿أن كذبوا﴾ وتكون ﴿السوأى﴾ على هذا مفعولاً بـ ﴿أساءوا﴾ وإذا كان ﴿السوأى﴾ خبراً

٣٣١
تفسير سورة الروم / الآيات: ١٤ - ١٨
فـ ﴿أن كذبوا﴾ مفعول من أجله ولا يصح تعلقه بـ ﴿أساءوا﴾ لأن في ذلك فصلاً بين
الصلة والموصول بخبر ﴿كان﴾، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((عاقبةَ)) بالنصب على أنها خبر
مقدم واسم ﴿كان﴾ أحد ما تقدم، و﴿السوأى) مصدر كالرجعى والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة
لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح
الهمزة وياء التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن ((السوّى)) بشد الواو دون همز، وقرأ
الأعمش وابن مسعود ((السوء)) بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال ((السوء والسوأى))
اقرأبما شئت، قال ابن عباس ﴿أساءوا﴾ هنا بمعنى كفروا و﴿السوأى﴾ هي النار والتكذيب ﴿بآيات الله﴾،
تعالى غير الاستهزاء بها فلذلك عدد عليهم الفعلين، ثم أخبر تعالى إخباراً مطلقاً لجميع العالم بالحشر
والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود ((يُبدِىء)) بضم الياء وكسر الدال، وقرأ جمهور القراء ((ترجعون))
بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء، وقوله ﴿ويوم﴾ منصوب بـ ﴿يبلس﴾، والإبلاس
الكون في شر مع اليأس من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة القراء
بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بفتحها، وأبلس الربع
إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول العجاج:
قال نعم أعرفه وأبلسا
یا صاح هل تعرف رسماً مکرسا
وقرأ عامة القراء ((ولم يكن لهم)) بالياء من تحت، وروي عن نافع ((تكن)) بالتاء من فوق، و((الشركاء))
المشار إليهم هم الأصنام أي الذين كانوا يجعلونهم شركاء لله بزعمهم.
وقوله ﴿وكانوا﴾ معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر عنه بالماضي لتيقن الأمر
وصحة وقوعه .
قوله عز وجل :
فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِى
١٤
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَبِذٍ يَنَفَرَّقُونَ
رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا وَلِقَآٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِ اُلْعَذَابِ
® وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَتِ
مُحْضَرُونَ ﴿ فَسُبْحَنَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
﴿يتفرقون﴾ معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة: فرقة والله لا اجتماع بعدها،
و﴿يحبرون﴾ معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير:
﴿يحبرون﴾ معناه يسمعون الأغاني، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس ﴿يحبرون﴾ يكرمون وفي
المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب: [الطويل]
فراق كقيص السن فالصبر انه لكل أناس عبرة وحبور

٣٣٢
تفسیر سورة الروم / الآيات: ١٩ - ٢٢
هذا على هذه الرواية، ويروى عثرة وحبور، وهي أكثر وذكر تعالى ((الروضة)) لأنها من أحسن ما يعلم
من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن،
ومنه قول الأعشى : [البسيط]
خضراء جاد عليها مسل هطل
وما روضة من رياض الحزن معشبة.
ومنه قول كثير: [الطويل]
فما روضة طيبة الثرى تمج الندا جثجائها وعرارها
قال الأصمعي : ولا یقال ((روضة)) حتى يكون فيها ماء يشرب منه، و ﴿محضرون﴾ معناه مجموعون له
لا يغيب أحد عنه، وقوله تعالى: ﴿فسبحان الله﴾ خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في
هذه الأوقات، كأنه يقول إذ هذه الفرق هكذا من النعمة والعذاب فجدوا أيها المؤمنون في طريق الفوز
برحمة الله، وقال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات: المغرب والصبح
والعصر والظهر، قالوا والعشاء هي الآخرة في آية أخرى في ﴿زلفاً من الليل﴾ [هود: ١١٤] وفي ذكر أوقات
العورة، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة من الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على الصلوات الخمس. لأن قوله تعالى
﴿حين تمسون﴾ يتضمن الصلاتين، وقوله ﴿وله الحمد في السماوات والأرض﴾ اعتراض بين الكلامين من
نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته، وقرأ عكرمة ((حيناً تمسون وحيناً تصبحون)) والمعنى حين
تمسون فيه .
قوله عز وجل :
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيْتَ مِنَ الْحَيّ وَيُحِ اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاأَ وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ () وَمِنْ
وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَّكُمْ مِّنْ
٢٠
ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجَا لِتَسْكُنُواْإِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ قَوَدَّةً وَرَحْمَةٌ إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمِ
يَتَفَكَّرُونَ ﴿ وَمِنْ ءَايَئِهِ، خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفُ أَلِّنَنِكُمْ وَأَلْوَنِكُمْ إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّلْعَلِمِينَ
﴿الحي﴾ و﴿الميت﴾ في هذه الآية يستعمل حقيقة ويستعمل مجازاً، فالحقيقة المني يخرج منه
الإنسان والبيضة يخرج منها الطائر وهذه بعينها ميتة تخرج من حي وما جرى هذا المجرى، وبهذا المعنى
فسر ابن عباس وابن مسعود وقال الحسن: المعنى المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
قال الفقيه الإمام القاضي: وروي هذا المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية عندما
كلمته بالإسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والمجاز إخراج النبات الأخضر من الأرض وإخراج
الطعم من النبات وما جرى هذا المجرى، ومثل بعد إحياء الأرض بالمطر بعد موتها
.

٣٣٣
تفسیر سورة الروم / الآيات: ٢٣ - ٢٥
بالدثور والعطش، ثم بعد هذا الأمثلة القاضية بتجويز بعث الأجساد عقلاً ساق الخبر بأن كذلك
خروجنا من القبور. وقرأت فرقة ((يخرجون)) بالياء من تحت، وقرأ عامة القراء ((تُخرجون)) بالتاء
المضمومة، وقرأ الحسن وابن وثاب والأعمش وطلحة بفتح التاء وضم الراء، و﴿من﴾ في قوله ﴿ومن آياته
أن خلقكم﴾ للتبعيض، وقال ﴿خلقكم﴾ من حيث خلق أباهم آدم قاله قتادة، و ﴿تنتشرون﴾ معناه
تتصرفون وتتفرقون في الأغراض والأسفار ونحوها، وقوله ﴿من أنفسكم﴾ يحتمل أن يريد خلقه حواء من
ضلع آدم فحمل ذلك على جميع النساء من حيث أمهم مخلوقة من نفس آدم، أي من ذات شخصه،
ويحتمل أن يريد من نوعكم ومن جنسكم، و((المودة والرحمة)) على بابها المشهور من التواد والتراحم، هذا
هو البليغ، وقال مجاهد والحسن وعكرمة: عنى بـ((المودة)) الجماع وبـ ((الرحمة)) الولد، ثم نبه تعالى على
خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان وهذه عظم مواقع العبرة من هذه الآيات، وقوله
﴿وألوانكم﴾ يحتمل أن يريد البياض والسواد وغيرهما، ويحتمل أن يريد ضروب بني آدم وأنواعهم نعم
وأشخاص الأخوة ونحوهم تختلف بالألوان ونعم الألسنة وبذلك تصح الشهادات والمداينات وتقع الفروق
والتعيين فهكذا تبين النعمة، وقرأ جمهور القراء (للعالمين)) بفتح اللام، وقرأ حفص عن عاصم ((للعالمين))
بكسر اللام فالأولى على أن هذه الآية هي نفسها منصوبة لجميع العالم والثانية على معنى أن أهل الانتفاع
بالنظر فيها إنما هم أهل العلم.
قوله عز وجل :
وَمِنْ ءَايَئِهِ، مَنَا مُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِّن فَضْلِهٍِّ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَسْمَعُونَ ﴿﴿ وَمِنْ ءَايَنِهِ، يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَيُخْىء
وَمِنْ ءَايَئِهِ: أَن تَقُوَمَ
٢٤
بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٥
السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ، ثُمَ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةٌ مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ
ذكر تعالى النوم ﴿بالليل والنهار﴾ وعرف النوم إنما هو بالليل وحده، ثم ذكر الابتغاء ﴿من فضله﴾ كأنه
فيهما وإنما معنى ذلك أنه عم بالليل والنهار فسمى الزمان وقصد من ذلك تعديد آية النوم وتعديد آية ابتغاء
الفضل فإنهما آيتان تكونان في ليل ونهار، والعرف يجيز كل واحدة من النعمتين أي محلها من الأغلب وقال
بعض المفسرين في الكلام تقدیم وتأخير.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وإنما أراد أن يرتب النوم لليل والابتغاء للنهار ولفظ الآية لا
يعطي ما أراد، وقوله تعالى: ﴿يريكم) فعل مرتفع لما حذفت ((أن)) التي لو كانت لنصبته فلما حل الفعل
محل الاسم أعرب بالرفع .
ومنه قول طرفة: [الطويل]
ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى
وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي

٣٣٤
تفسير سورة الروم / الآيات: ٢٦ - ٢٨
قال الرماني: وتحتمل الآية أن يكون التقدير: ﴿ومن آياته﴾ آية ﴿يريكم البرق﴾ وحذفت الآية لدلالة
من عليها ومنه قول الشاعر:
وما الدهر إلا تارتان فمنهما
التقدير فمنها تارة أموت.
أموت وأخرى ابتغى العيش أكدح
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا على أن ﴿من﴾ للتبعيض كسائر هذه الآيات، ويحتمل في هذه
وحدها أن تكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية فلا يحتاج إلى تقدير ((أن)) ولا إلى تقدير («آية))، وإنما يكون الفعل
مخلصاً للاستقبال وقوله ﴿خوفاً وطمعاً﴾، قال قتادة ﴿خوفاً﴾ للمسافر ﴿وطمعاً﴾ للمقيم.
قال الفقيه الإمام القاضي: ولا وجه لهذا التخصيص ونحوه بل فيه الخوف والطمع لكل بشر، قال
الضحاك: الخوف من صواعقه والطمع في مطره، وقوله تعالى: ﴿أن تقوم السماء والأرض﴾ معناه تثبت،
كقوله تعالى ﴿وإذا أظلم عليهم قاموا﴾ [البقرة ٢٠] وهذا كثير، وقيل هو فعل مستقبل أحله محل الماضي
ليعطي فيه معنى الدوام الذي هو في المستقبل، والدعوة من الأرض هي البعث و ﴿من الأرض﴾ حال
للمخاطبين كأنه قال: خارجين من الأرض، ويجوز أن يكون ﴿من الأرض﴾ صفة للدعوة.
قال الفقيه الإمام القاضي: و﴿من﴾، عندي ها هنا لانتهاء الغاية كما تقول دعوتك من الجبل إذا كان
المدعو في الجبل، والوقف في هذه الآية عند نافع ويعقوب الحضرمي على ﴿دعوة﴾، والمعنى بعد إذا
أنتم تخرجون من الأرض، وهذا على أن ﴿من﴾ لابتداء الغاية، والوقف عند أبي حاتم على قوله ﴿من
الأرض﴾، وهذا على أن ﴿من﴾ لانتهاء الغاية، قال مكي: والأحسن عند أهل النظر أو الوقف في آخر الآية
لأن مذهب الخليل وسيبويه في ﴿إذا﴾ الثانية أنها جواب الأولى كأنه قال: ثم إذا دعاكم خرجتم وهذا أسدٌ
الأقوال.
وقرأ حمزة والكسائي ((تَخرجون)) بفتح التاء، وقرأ الباقون ((تُخرجون)) بضم التاء.
قوله عز وجل :
وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُوَهُوَ
٦
وَلَهُ مَن فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَُّ قَتِنُونَ
أَهْوَثُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُّ ◌ُلْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِبِزُ الْحَكِيْمُ ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا
مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَارَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ
تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٢٨
اللام في ﴿له﴾ الأولى لام الملك، وفي الثانية لام تعدية لـ ((قنت)) إذ ((قنت)) بمعنى خضع في طاعته
وانقياده، وهذه الآية ظاهر لفظها العموم في القنت والعموم في كل من يعقل، وتعميم ذلك في المعنى لا
يصح لأنه خبر، ونحن نجد كثيراً من الجن والإنس لا يقنت في كثير من المعتقد والأعمال، فلا بد أن عموم
،

٣٣٥
تفسير سورة الروم / الآيات: ٢٦ - ٢٨
ظاهر هذه الآية معناه الخصوص، واختلف المتأولون في هذا الخصوص أين هو، فقال ابن عباس وقتادة: هو
في القنت والطاعة وذلك أن جميع من يعقل هو قانت للّه في معظم الأمور من الحياة والموت والرزق والقدرة
ونحو ذلك، وبعضهم يبخل بالعبادة وبالمعتقدات فلا يقنت فيها فكأنه قال كل له قانتون في معظم الأمور
وفي غالب الشأن، وقال ابن زيد ما معناه: إن الخصوص هو في الأعيان المذكورين كأنه قال ﴿وله من في
السماوات والأرض﴾ من ملك ومؤمن، وقوله ﴿يبدأ الخلق﴾ معناه ينشئه ويخرجه من العدم، وجاء الفعل
بصيغة الحال لما كان في هذا المعنى ما قد مضى كآدم وسائر القرون وفيه ما يأتي في المستقبل، فكانت
صيغة الحال تعطي هذا كله، و﴿يعيده﴾ معناه يبعثه من القبور وينشئه تارة أخرى، واختلف المتأولون في
قوله ﴿وهو أهون عليه﴾، فقال ابن عباس والربيع بن خيثم: المعنى وهو هين ونظيره قول الشاعر: (لعمرك
ما أدري وأني لأوجل) بمعنى لوجل، وقول الآخر (بيت دعائمه أعز وأطول)، وقولهم في الأذان الله أكبر
وقال الآخر وهو الشافعي :
فتلك سبيل لست فيها بأوحد
واستشهد بهذا البيت أبو عبيدة وهذا شاهده كثير، وفي مصحف ابن مسعود ((وهو هين عليه))، وفي
بعض المصاحف و((كل هين عليه))، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة: المعنى وهو أيسر عليه، وإن
كان الكل من اليسر عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر وما يعطيهم
النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البداءة للتمرن والاستغناء عن الروية
التي كانت في البدأة، وهذان القولان الضمير فيهما عائد على الله تعالى، وقالت فرقة أخرى: الضمير في
﴿عليه﴾ عائد على الخلق.
قال الفقيه الإمام القاضي: فهذا بمعنى المخلوق فقط، وعلى التأويلين الأولين يصح أن يكون
المخلوق أو يكون مصدراً من خلق، فقال الحسن بن أبي الحسن إن الإعادة أهون على المخلوق من
إنشائه لأنه في إنشائه يصير من حالة إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ونحو هذا، وفي الإعادة إنما يقوم في حين
واحد، فكأنه قال وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالاً، وقال بعضها: المعنى ((وهو أهون)) على
المخلوق أن يعيد شيئاً بعد إنشائه، أي فهذا عرف المخلوقين فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب
الخالق .
قال الفقيه الإمام القاضي: والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى ويؤيده قوله تعالى ﴿وله المثل
الأعلى﴾ لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد بالمخلوق على الخالق وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم
خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به تكييف ولا تماثل مع شيء و ((العزة
والحكمة))، صفتان موافقتان لمعنى الآية، فبهما يعيد وينفذ أمره في عباده كيف شاء، ثم بين تعالى أمر
الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد
تملكونهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهمّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس من
شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان
هذا فيكم فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم

٣٣٦
تفسير سورة الروم / الآيات: ٢٩ -٣٢
عندكم بجوانبكم، هذا تفسير ابن عباس والجماعة .
وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير، وقرأ الناس ((كخيفتكم أنفسكم)) بنصب السين، وقرأ
ابن أبي عبلة ((أنفسُكم)) بضمها، وقرأ الجمهور ((نفصل)) بالنون حملاً على ﴿رزقناكم﴾، وقرأ عباس عن
أبي عمرو ((يفصل)» بالياء حملاً على ﴿ضرب لكم مثلاً﴾.
قوله عز وجل :
بَلِ أَتَّبَحَ الَّذِينَ ظَلَمُوْأَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِى مَنْ أَضَلَ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ
٣٩
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَ نَبْدِيْلٌ لِخَلْقِ اللّهِ ذَلِكَ الْدِينُ
مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَلَا
اَلْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوْ شِيَعًا كُلَّ حِزْبٍ بِمَا
٣١
تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
٣٢
لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
الإضراب بـ ﴿بل﴾ هو عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول: ليس لهم حجة ولا معذرة فيما
فعلوا من تشريكهم مع الله تعالى، بل اتبعوا أهواءهم جهالة وشهوة وقصداً لأمر دنياهم، ثم قرر على جهة
التوبيخ لهم على من يهدي إذا أضل الله، أي لا هادي لأهل هذه الحال، ثم أخبر أنه لا ناصر لهم، ثم أمر
تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه للدين المستقيم وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه هي تقويم المقصد
والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه، و﴿حنيفاً﴾، معناه
معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة، وقوله ﴿فطرةَ الله﴾ نصب على المصدر، كقوله ﴿صبغة
الله﴾ [البقرة: ١٣٨] وقيل هو نصب بفعل مضمر تقديره اتبع والتزم ﴿فطرة الله﴾، واختلف الناس في
((الفطرة)) ها هنا، فذكر مكي وغيره في ذلك جميع ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه وفي بعض ذلك
قلق، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن
يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه قال ﴿فأقم وجهك
للدين﴾ الذي هو الحنيف وهو ﴿فطرة الله﴾ الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض، ومنه
قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه)) الحديث، فذكر
الأبوين: إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة وقوله تعالى: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ يحتمل تأويلين:
أحدهما أن يريد بها هذه الفطرة المذكورة أي اعلم أن هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخلق، ولا يجيء
الأمر على خلاف هذا بوجه، والآخران أن يكون قوله ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ إنحاء على الكفرة اعترض به
أثناء الكلام كأنه يقول أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفار قد خلق الله لهم الكفر
ولا تبديل لخلق الله أي إنهم لا يفلحون، وقال مجاهد: المعنى لا تبديل لدين الله، وهو قول ابن جبير
والضحاك وابن زيد والنخعي .

٣٣٧
تفسير سورة الروم / الآيات: ٣٣ - ٣٥
قال القاضي أبو محمد: وهذا معناه لا تبديل للمعتقدات التي هي في الدين الحنيف فإن كل شريعة
هي عقائدها، وذهب بعض المفسرين في هذه الآية إلى تأويلات منها قول عكرمة، وقد روي عن ابن
عباس ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، ومنها قول بعضهم في الفطرة
الملة على أنه قد قيل في الفطرة الدين وتأول قوله ﴿فطر الناس﴾ على الخصوص أي
المؤمنين، وقيل ((الفطرة)) هو العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين أخرجهم نسماً من
ظهره، ونحوه حديث معاذ بن جبل حين مر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال يا معاذ ما قوام هذه
الأمة؟ قال: الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين والطاعة وهي العصمة فقال
عمر: صدقت، و﴿القيم﴾ بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة، وقوله ﴿منيبين﴾ يحتمل أن
يكون حالاً من قوله ﴿فطر الناس عليها﴾ لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في المؤمنين،
ويحتمل أن يكون حالاً من قوله ﴿أقم وجهك﴾ وجمعه لأن الخطاب بإقامة الوجه للنبي صلى الله عليه
وسلم ولأمته، نظيرها قوله ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ الطلاق: ١]، والمنيب الراجع المخلص المائل
إلى جهة ما بوده ونفسه، و((المشركون)) المشار إليهم في هذه الآية هم اليهود والنصارى، قاله قتادة وقال ابن
زيد: هم اليهود، وقالت عائشة وأبو هريرة: هي في أهل القبلة .
قال الفقيه الإمام القاضي: فلفظة الإشراك على هذا فيها تجوز فإنهم صاروا في دينهم فرقاً،
و((الشيع)) الفرق واحدها ((شيعة))، وقوله ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ معناه أنهم مفتونون بآرائهم
معجبون بضلالهم، وذلك أضل لهم، وقرأت فرقة ((فارقوا دينهم)) بالألف.
قوله عز وجل :
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّدَ عَوْرَبَهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ
◌ْلِيَكْفُرُواْبِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٦) أَمْ أَنَزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًّا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ
٣٣
بِمَا كَانُواْبِهِ مُشْرِكُونَ
هذا ابتداء إنحاء على عبدة الأصنام المشركين بالله عز وجل غيره بين الله تعالى لهم أنهم كسائر البشر في
أنهم إذا مسهم ﴿ضر دعوا الله﴾ وتركوا الأصنام مطرحة ولهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، فـ ﴿إذا
أذاقهم﴾ رحمته أي باشرهم أمره بها، والذوق مستعار، إذا طائفة تشرك به أصناماً ونحو هذا، و﴿إذا﴾
للمفاجأة فلذلك صلحت في جواب ﴿إذا﴾ الأولى بمنزلة الفاء وهذه الطائفة هي عبدة الأصنام.
قال الفقيه الإمام القاضي: ويلحق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين إذا جاءهم فرج بعد شدة فعلقوا
ذلك بمخلوقين أو بحذق آرائهم وغير ذلك لأن فيه قلة شكر لله تعالى، ويسمى تشريكاً مجازاً، وقوله
تعالى ﴿ليكفروا﴾ اللام لام كي، وقالت فرقة هي لام الأمر على جهة الوعيد والتهديد،
وأما قوله تعالى: ﴿فتمتعوا﴾ فأمر على جهة الوعيد، والتقدير قل لهم يا محمد ﴿فتمتعوا﴾
وقرأ أبو العالية ((فيتمتعوا) بياء قبل التاء وذلك عطف على ﴿ليكفروا﴾ أي لتطول أعمارهم

٣٣٨
تفسير سورة الروم / الآيات: ٣٦ -٣٨
على الكفر، وفي حرف ابن مسعود ((فليتمتعوا))، وروي عن أبي العالية ((فُيُمتعوا)) بضم الياء دون تاء أولى،
وفي مصحف ابن مسعود ((تمتعوا)) هكذا قال هارون، وقرأ عامة الناس ((تعلمون)) بالتاء على المخاطبة، وقرأ
أبو العالية ((يعلمون)) بالياء على ذكر الغائب.
وقوله ﴿أم﴾ بمعنى بل وألف الاستفهام كأنه أضرب عن صدر الكلام ورجع إلى هذه الحجة،
و ((السلطان)) هنا البرهان من رسول أو كتاب ونحوه، والسلطان في كلام العرب جمع سليط كرغيف ورغفان
وغدير وغدران فهو مأخوذ من التسلط والتغلب، ولزم هذا الاسم في العرف الرئيس لأنه سليط بوجه الحق
ولزمه اسم جمع من حيث أنواع الغلبة والملك عنده، وقال قوم: هو اسم مفرد وزنه فعلان، وقوله تعالى:
﴿فهو يتكلم﴾ معناه أن يظهر حجتهم وينطق بشركهم قاله قتادة، فيقوم ذلك مقام الكلام، كما قال تعالى
﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق﴾ [الجاثية: ٢٩].
قوله عز وجل :
® أَوَلَمْ
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةٌ فَرِحُواْ بِهَا وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا فَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
يَرَوْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الْرِزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦) فَثَانِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ
وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
٣٨
لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة ذكر في هذه الآية الأمر أيضاً من
الطرف الآخر بأن تنال الرحمة ثم تعقب الشدة فلهم في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك وقلة شكر، ولهم في
هذه فرج وبطر ثم قنط ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، والمقل والمكثر إلا من ربطت
الشريعة جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند السراء، ولم
يبطر عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، وقوله تعالى: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أي إن الله يمتحن الأمم
ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله يسيء وحده
ويصاب وحده، وفي الأغلب يعفو الله عن كثير، و((القنط)) اليأس الصريح، وقرأ أبو عمرو وجماعة ((يقنطون))
بكسر النون، وقرأ نافع والحسن وجماعة ((يقنَطون)) بفتحها، وجواب الشرط في قوله ﴿إن تصبهم﴾ قوله
﴿إذا هم يقنطون﴾ وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها، فهي بمنزلة الفاء لا يبتدأ بها ويجاب بها الشرط، وأما
(إذا)) التي للشرط أو التي فيها معنى الشرط فهما يبدأ بهما ولا يكون فيهما جواب الشرط، ثم ذكر تعالى
الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال وهو أن الله تعالى يخص من يشاء من عباده ببسط
الرزق ويقدر على من شاء منهم فينبغي لكل عبد أن يكون راجياً ما عند ربه، ثم أمر تعالى نبيه أمراً تدخل
الأمة فيه وهذا على جهة الندب إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال
الحسن: ﴿حقه﴾ المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم

٣٣٩
تفسير سورة الروم / الآيات: ٣٩ - ٤١
((في المال حق سوى الزكاة وذلك للمسكين وابن السبيل حق)) وبين أن حق هذين إنما هو في المال وغير
ذلك معهما لا غناء له وكذلك يلزم القريب المعدم الذي يقضي حقه أن يقضي أيضاً حق قريبه في جودة
العشرة و﴿وجه الله﴾ هنا جهة عبادته ورضاه و﴿المفلحون) الفائزون ببغيتهم البالغون لآمالهم.
قوله عز وجل :
وَمَآءَاتَّيْتُم مِّن رِّبًا لِيَرَبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانَيْتُمْ مِّن ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اُللَّهِ
◌َ اَللَّهُالَّذِى خَلَقَكُمْ ثُمَّرَزَقَكُمْ ثُمَّيُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْهَلْ مِنْ
٣٩
فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ
٤٠
شُرَّكَبِكُمْ مَن يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِّنْ شَىْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
وَالْبَحْرِيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
٤١
قرأ جمهور القراء ((وما آتيتم)) بمعنى وما أعطيتم، وقرأ ابن كثير ((ما أتيتم)) بغير مد بمعنى ما فعلتم كما.
تقول أتيت صواباً وأتيت خطأ، وأجمعوا على المد في قوله ﴿وما آتيتم من زكاة﴾. و((الربا)) الزيادة،
واختلف المتأولون في معنى هذه الآية فقال ابن عباس وابن جبيروطاوس: هذه آية نزلت في هبات الثواب.
قال الفقيه الإمام القاضي: وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فهو وإن
كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى، وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النخعي : نزلت في قوم
يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة
النفع، وقال الشعبي: معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحداً وخف به لينتفع في دنياه فإن ذلك النفع الذي
يجزى به الخدمة ﴿لا يربو عند الله﴾.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله قريب جزء من التأويل الأول، ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية
النهي عن الربا في التجارات لما حض عز وجل على نفع ذوي القربى والمساكين وابن السبيل أعلم أن ما
فعل المرء من ربا ليزداد به مالاً وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس فإن ذلك ﴿لا يربو عند الله﴾ ولا يزكو
بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة، وما أعطى الإنسان من زكاة تنمية لماله وتطهيراً يريد بذلك وجه الله تعالى
فذلك هو الذي يجازى به أضعافاً مضاعفة على ما شاء الله تعالى له، وقال السدي: نزلت هذه الآية في ربا
ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش، وقرأ جمهور القراء السبعة ((ليربو)) بالياء وإسناد الفعل
إلى الربا، وقرأ نافع وحده ((لتُربوا)) بضم التاء على وزن تفعلوا بمعنى تكونوا ذوي زيادة، وهذه قراءة ابن
عباس وأهل المدينة الحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي، قال أبو حاتم هي قراءتنا، وقرأ أبو مالك ((لتربوها))
بضمير المؤنث، و((المضعف)) الذي هو ذو أضعاف من الثواب كما المؤلف الذي له آلاف، وكما تقول
أخصب إذا كان ذا خصب. وهذا كثير، ومنه أربى المتقدم في قراءة من قرأ ((لتُربوا)) بضم التاء، ثم
كرر مخاطبة الكفرة في أمر أوثانهم فذكر أفعال الله تعالى التي لا شريك له فيها وهي الخلق والرزق والإماتة
والإحياء ولا يمكن أن ينكر ذلك عاقل، ووقف الكفار على جهة التقرير والتوبيخ هل من شركائهم أي الذين

٣٤٠
تفسير سورة الروم / الآيات: ٤٢ - ٤٤
جعلوهم شركاء من يفعل شيئاً من ذلك، وهذا الترتيب بـ ﴿ثم﴾ هو في الآحاد شيئاً بعد شيء، ومن هنا
أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم، ثم نزه
تعالى نفسه عن مقالتهم في الإشراك، وقرأ الجمهور ((يشركون)) بالياء من تحبّ، وقرأ الأعمش وابن وثاب
بالتاء من فوق، ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي في قوله ﴿ظهر الفساد في
البر والبحر﴾، واختلف الناس في معنى ﴿البر والبحر﴾ في هذه الآية، فقال مجاهد ﴿البر﴾ البلاد البعيدة
من البحر، و﴿البحر﴾ السواحل والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار، وقال قتادة ﴿البر﴾ الفيافي
ومواضع القبائل وأهل الصحاري، و﴿البحر﴾ المدن جمع بحرة.
قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن
أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ ((في البر
والبحور))، ورويت عن ابن عباس، وقال مجاهد أيضاً: ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه، وفي
البحر أخذ السفن غضباً، وقال بعض العباد ﴿البر﴾ اللسان و﴿البحر﴾ القلب، وقال الحسن بن أبي
الحسن ﴿البر والبحر﴾ هما المعروفان المشهوران في اللغة.
قال الفقيه الإمام القاضي : وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فیھما هو بارتفاع البرکات ونزول رزایا
وحدوث فتن وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر، قال ابن عباس: الفساد في البحر انقطاع
صيده بذنوب بني آدم وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع الله عنها هذه، والأمر
بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم
قد كان الظلم عم الأرض براً وبحراً، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس
عاقبة إذنابهم لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿بما كسبت﴾ تقديره
جزاء ما كسبت، ويحتمل أن تتعلق الباء بـ ﴿ظهر﴾ أي كسبهم المعاصي في البر والبحر هو نفس الفساد
الظاهر، والترجي في ((لعل)) هو بحسب معتقداتنا وبحسب نظرنا في الأمور، وقرأ عامة القراء والناس
(ليذيقهم)) بالياء، وقرأ قنبل عن ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي ((لنذيقهم)» بالنون ومعناهما
بين، وقرأ أيضاً أبو عبد الرحمن ((لتذيقهم)) بالتاء من فوق .
قوله عز وجل :
فَأَقِمْ
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ [®)
وَجْهَكَ لِلِينِ الْقَيِِّ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِىَ يَوْمَ لَّا مَرَّلَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَيِذٍ يَصَّدَعُونَ (®] مَن كَفَرَفَعَلَيْهِ
كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَلِحَا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
٤٤
هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم بكفرهم وإشراكهم، ثم
أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه، والمعنى اجعل قصدك ومسعاك الدين أي لطريقه ولأعماله
واعتقاداته، و﴿القيم﴾ أصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء و أدغمت
٠٠٠