النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ تفسير سورة القصص / الآيات: ٨٠ - ٨٢ ثياب حمر، وقال ابن زيد: خرج هو وجملته في ثياب معصفرة، وقيل: في ثياب الأرجوان، وقيل غير هذا، وأكثر المفسرون في تحديد زينة قارون وتعيينها بما لا صحة له فاختصرته، وباقي الآية في اغترار الجهلة والأغمار من الناس بين. قوله عز وجل : وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًاً وَلَا يُلَقَّدِهَا إِلَّا الضَِّرُونَ ﴿ فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ كَانُواْ كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ بِاَ لْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌ لَوْلَا أَنْ مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَّاً وَيْكَنَُّلَا يُفْلِحُ ٨٢ اُلْكَفِرُونَ أخبر الله تعالى عن ﴿الذين أوتوا العلم﴾ والمعرفة بالله تعالى وبحق طاعته والإيمان به أنهم زجروا الأغمار الذين تمنوا حال قارون وحملوهم على الطريقة المثلى من أن النظر والتمني إنما ينبغي أن يكون في أمر الآخرة، وأن حالة المؤمن العامل الذي ينتظر ﴿ثواب الله﴾ تعالى ﴿خير﴾ من حال كل ذي دنيا، ثم أخبر تعالى عن هذه النزعة وهذه القوة في الخير والدين أنها لا يلقاها أي يمكن فيها ويخولها إلا الصابر على طاعة الله وعن شهوات نفسه، وهذا هو جماع الخير كله، والضمير من ﴿يلقاها﴾ عائد على ما لم يتقدم له ذكر من حيث الكلام دال عليه، فذلك يجري مجرى ﴿توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] و﴿كل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦] وقال الطبري الضمير عائد على الكلمة قوله ﴿ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً﴾ أي لا يلقى هذه الكلمة ﴿إلا الصابرون﴾ وعنهم تصدر، وروي في ((الخسف)) بقارون وبداره أن موسى عليه السلام لما أمضه فعل قارون به وتعديه عليه ورميه بأمر المرأة وغير ذلك من فعله به استجار الله تعالى وبكى وطلب النصرة فأوحى الله تعالى إليه لا تهتم فإني أمرت الأرض أن تطيعك في قارون وأهله وخاصته وأتباعه، فقال موسى للأرض خذيهم فأخذت منهم إلى الركب فاسغاثوا يا موسى يا موسى، فقال خذيهم فأخذتهم شيئاً شيئاً وهم يستغيثون به كل مرة وهو يلج إلى أن تم الخسف بهم، فأوحى الله تعالى إليه يا موسى استغاثوا بك فلم ترحمهم لو بي استغاثوا أو إلي تابوا الرحمتهم وكشفت ما بهم، وقال قتادة ومالك بن دينار: روي لنا أنه يخسف به كل يوم قامة فهو يتجلجل إلى يوم القيامة. و((الفئة)) الجماعة الناصرة التي يفيء إليها الإنسان الطالب للنصرة، وقصة قارون هي بعد جوازهم اليم لأن الرواة ذكروا أنه كان ممن حفظ التوراة وكان يقرؤها، ثم أخبر تعالى عن حال ﴿الذين تمنوا مكانه بالأمس﴾ وندمهم واستشعارهم أن الحول والقوة لله تعالى. وقوله ﴿ويكأن﴾ مذهب سيبويه والخليل أن ((وي)) حرف تنبيه، وهي منفصلة من ((كأن)) لكن أضيفت في الكتاب لكثرة الاستعمال، والمعنى أنهم نبهوا من خاطبوه ثم قالوا بين الاخبار وعلى جهة التعجب : ٣٠٢ تفسير سورة القصص / الآيات: ٨٣ - ٨٥ والتثبت كأن الله يبسط، وقال أبو حاتم وجماعة من النحويين ((ويك)) هي ويلك حذفت اللام منها لكثرة الاستعمال وجرت في الكلام كذلك ومنه قول عنترة: [الكامل] ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها قيل الفوارس ويك عنتر أقدم فكأن المعنى ويلك اعلم أن الله ونحو هذا من الإضمار، وقالت فرقة من النحويين ﴿ويكأن﴾ بجملتها دون تقدير انفصال كلمة بمنزلة قولك ألم تر أن. قال الفقيه الإمام القاضي: ويقوى الانفصال فيها على ما قاله سيبويه لأنها تجيء مع ((أنَّ))، ومع ((أنْ)) وأنشد سيبويه ويكأنْ من يكن له نشب يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضر وهذا البيت لزيد بن عمرو بن نفيل، وقرأ الأعمش ((لولا من الله)) بحذف ((أن)) وروي عنه ((لولا منُّ)) برفع النون وبالإضافة إلى الله تعالى، وقرأ الجمهور ((لخُسِف)) بضم الخاء وكسر السين، وقرأ عاصم بفتح الخاء والسين، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف ((لانخسف)) كأنه فعل مضارع أريد به أن الأرض كانت تبتلعه، وروي عن الكسائي أنه كان يقف على ((وي))، ويبتدىء ((كأن))، وروي عنه الوصل كالجماعة، وروي عن أبي عمرو أنه كان يقف ((ويك)) ويبتدىء ((أن الله)) وعلى هذا المعنى قال الحسن إن شئت ((ويكان)) أو ((يكان)) بفتح الهمزة وبكسرها، وكذلك في ﴿ويكأنه﴾. قوله عز وجل : تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَالِلَّذِينَ لَأَيُرِدُ ونَ عُلُوا فِ الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ جَ مَنْجَآءَ بِاَ لْحَسَنَةٍ فَلَهُ خَّرٌ مِّنْهَا وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴿ إِنَّالَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَاذُكَ إِلَى مَعَاٍ قُل ◌َّ أَعْلَمُ مَن جَآءَ بَلْهُدَى وَمَنْهُوَ فِ ضَلَالٍمُّبِينٍ هذا إخبار مستأنف من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يراد به إخبار جميع العالم وحضهم على السعي بحسب ما تضمنته الآية، وهذا الحض يتصمن الإنحاء على حال قارون ونظرائه، والمعنى أن الآخرة ليست في شيء من أمر قارون إنما هي لمن صفته كذا وكذا، و((العلو)) المذموم هو بالظلم والانتحاء والتجبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم وذلك أن تريد أن يكون شراك نعلك أفضل من شراك نعل أخيك، و((الفساد)) يعم وجوه الشر، ومما قال العلماء هو أخذ المال بغير حق ﴿والعاقبة للمتقين)، خبر منفصل جزم معناه إما في الدنيا وإلا ففي الآخرة ولا بد، ثم وصف تعالى أمر جزاء الآخرة أنه ﴿من جاء﴾ بعمل صالح ﴿فله خير﴾ من القدر الذي يقتضي النظر أنه مواز لذلك العمل هذا على أن نجعل ((الحسنة) للتفضيل، وفي القول حذف مضاف أي من ثوابها الموازي لها ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية أي له خير بسبب حسنته ومن أجلها. : ٣٠٣ تفسير سورة القصص / الآيات : ٨٦ - ٨٨ وأخبر تعالى أن السيئة لا يضاعف جزاؤها فضلًا منه ورحمة، وقوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾، معناه أنزله عليك وأثبته، والفرض أصله عمل فرضة في عود أو نحوه فكأن الأشياء التي تثبت وتمكن وتبقى تشبه ذلك الفرض، وقال مجاهد معناه أعطاك القرآن وقالت فرقة في هذا القول حذف مضاف، والمعنى ((فرض عليك أحكام القرآن))، واختلف المتأولون في معنى قوله ﴿لرادك إلى معاد﴾، فقال جمهور المتأولين: أراد إلى الآخرة، أي باعثك بعد الموت، فالآية على هذا مقصدها إثبات الحشر والإعلام بوقوعه، وقال ابن عباس وأبو سعيد الخدري وغيرهما: ((المعاد)) الجنة وقال ابن عباس أيضاً وجماعة: ((المعاد)) الموت. قال الفقيه الإمام القاضي: فكأن الآية على هذا واعظة ومذكرة، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد ((المعاد)) مكة، وهذه الآية نزلت في الجحفة مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته إلى المدينة، قال أبو محمد: فالآية على هذا معلمة بغيب قد ظهر للأمة ومؤنسة بفتح، و((المعاد)) الموضع الذي يعاد إليه وقد اشتهر به يوم القيامة لأنه معاد الكل، وقوله تعالى: ﴿قل ربي أعلم) الآية، آية متاركة للكفار وتوبيخ، وأسند الطبري في تفسير قوله ﴿لرادك إلى معاد﴾ قال إلى الجنة، قال وسماها معاداً إما من حيث قد دخلها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء وغيره وإما من حيث قد كان فيها آدم عليه السلام فهي معاد لذريته . قال الفقيه الإمام القاضي: وإنما قال هذا من حيث تعطي لفظة ((المعاد)) أن المخاطب قد كان في حال يعود إليها وهذا وإن كان مما يظهر في اللفظ فيتوجه أن يسمى معاداً ما لم يكن المرء قط فيه تجوزاً، ولأنها أحوال تابعة للمعاد الذي هو النشور من القبور. قوله عز وجل : وَمَا كُنْتَ تَرْجُواْ أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَبُ إِلَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكٌَ فَلَا تَكُونَنَ ظَهِيرًا لِلْكَفِرِينَ ﴿ وَلَا يَصُدُّنَكَ عَنْ ءَايَتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكٌَ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكٌ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَّلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَدَّلَهُ الْحُكْرُ ٨٨ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قال بعض المفسرين: قوله تعالى: ﴿وماكنت ترجو) الآية ابتداء كلام مضمنه تعديد النعمة على محمد صلى الله عليه وسلم وأن الله تعالى رحمه رحمة لم يحتسبها ولا بلغها أمله، وقال بعضهم بل هو متعلق بقوله تعالى ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ [القصص: ٨٥] أي وأنت بحال من لا يرجو ذلك، وقوله تعالى: ﴿يلقى إليك) عبارة عن تقليده النبوءة وتبليغ القرآن. كما تقول: ألقى فلان إلى فلان بالرياسة ونحو هذا، وقوله تعالى: ﴿إلا رحمة﴾ نصب على استثناء منقطع، و ((الظهير)) المعين أي اشتد يا محمد في تبليغك ولا تلن ولا تفشل فتكون معونة للكافرين بهذا الوجه أي بالفتور عنهم، وقوله تعالى: ﴿ولا يصدنك﴾، أي بأقوالهم وكذبهم وأذاهم، ولا تلتفت نحوه وامض لشأنك، وقرأ يعقوب ((ولا يصدنْك)) بجزم ٣٠٤ تفسير سورة القصص / الآيات : ٨٦ - ٨٨ النون، وقوله ﴿وادع إلى ربك﴾، وجميع الآيات تتضمن المهادنة والموادعة، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وسبب هذه الآية ما كانت قريش تدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه من تعظيم أوثانهم وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمر الغرانيق، وقوله تعالى: ﴿ولا تدع مع الله إلهاً آخر﴾ نهي عما هم بسبيله، فهم المراد وإن عري اللفظ من ذكرهم، وقوله تعالى: ﴿إلا وجهه﴾ قالت فرقة: هي عبارة عن الذات، المعنى هالك إلا هو، قاله الطبري وجماعة منهم أبو المعالي رحمه الله، وقال الزجاج: إلا إياه، وقال سفيان الثوري: المراد إلا ذا وجهه، أي ما عمل لذاته ومن طاعته وتوجه به نحوه ومن هذا قول الشاعر: ((رب العباد إليه الوجه والعمل)) ومنه قول القائل أردت بفعلى وجه الله تعالى ومنه قوله عز وجل: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾ [الأنعام: ٥٢] وقوله تعالى: ﴿له الحكم﴾ أي فصل القضاء وإنفاذ القدرة في الدنيا والآخرة، وقوله: ﴿وإليه ترجعون) إخبار بالحشر والعودة من القبور، وقرأ الجمهور (تُرجَّعون)) بضم التاء وفتح الجيم، وقرأ عيسى ((تَرجِعون)) بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ أبو عمرو بالوجهين. ٣٠٥ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ١ - ٣ بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ سُورَةُ الْجَنْكِتُوتِ هذه السورة مكية. إلا الصدر منها العشر الآيات فإنها مدنية نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وفي هذا الفصل اختلاف وهذا أصح ما قيل فيه. قوله عز وجل : المـ ﴿﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُواْ أَنْ يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ ٣ تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وقرأ ورش ((ألمّ احسب)) بفتح الميم من غير همز بعدها وذلك على تخفيف الهمزة وإلقاء حركتها على الميم، وهذه الآية نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفرة من المؤمنين قال مجاهد وغيره، فنزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله تعالى في عباده اختباراً للمؤمنين وفتنة ليعلم الصادق ويري ثواب الله له ويعلم الكاذب ويري عقابه إياه . قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب وفي هذه الجماعة فهي بمعناها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، موجود حكمها بقية الدهر،. وذلك أن الفتنة من الله تعالى والاختبار باق في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضاً كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن ولكن التي تشبه نازلة المؤمنين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر، وقال عبد الله بن عبيد بن عمير: نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر إذ كان يعذب في الله تعالى ونظرائه، وقال الشعبي: سبب الآية ما كلفه المؤمنون من الهجرة، فهي الفتنة التي لم يتركوا دونها، لا سيما وقد لحقهم بسببها أن اتبعهم الكفار وردوهم وقاتلوهم، فقتل من قتل ونجا من نجا، وقال السدي: نزلت في مسلمين كانوا بمكة وكرهوا الجهاد والقتال حين فرض على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، و((حسب))، معناه ظن، و﴿أن﴾ نصب بـ ((حسب)) وهي والجملة التي بعدها تسد مسد مفعولي ((حسب)) و﴿أن﴾ الثانية في موضع نصب على تقدير إسقاط حرف الخفض تقديره ((بأن يقولوا))، ويحتمل أن يقدر ((لأن يقولوا))، والمعنى في الباء واللام مختلف وذلك أنه في الباء كما تقول تركت زيداً بحاله، ٣٠٦ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٤- ٧ وهي في اللام بمعنى من أجل أن حسبوا أن إيمانهم علة للترك، و﴿الذين من قبلهم﴾، يريد بهم المؤمنين مع الأنبياء في سالف الدهر، وقرأ الجمهور ((فليعلمن)) بفتح الياء واللام الثانية، ومعنى ذلك ليظهرن عليهم ويوجدن منهم ما علمه أزلاً، وذلك أن علمه بذلك قديم وإنما هذه عبارة عن الإيجاد بالحالة التي تضمنها العلم القديم، والصدق والكذب على بابهما أي من صدق فعله قوله ومن كذبه ونظير هذا قول زهير: [البسيط] ليث بعثّر يصطاد الرجال إذا ما كذب الليث عن أقرانه صدقا قال النقاش، قيل إن الإشارة بـ ﴿صدقوا﴾ هي إلى مهجع مولى عمر بن الخطاب لأنه أول قتيل قتل من المؤمنين يوم بدر، وقالت فرقة: إنما هي استعارة وإنما أراد بها الصلابة في الدين أو الاضطراب فيه وفي جهاد العدو ونحو هذا، وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ((فليُعلِمن)) بضم الياء وكسر اللام، وهذه القراءة تحتمل ثلاثة معان أحدها أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا، بمعنى يوقفهم على ما كان منهم، والثاني أن يكون المفعول الأول محذوفاً تقديره ليعلمن الناس أو العالم هؤلاء الصادقين والكاذبين، أي يفضحهم ويشهرهم، هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر، وذلك في الدنيا والآخرة، والثالث أي يكون ذلك من العلامة أي لكل طائفة علماً تشهر به، فالآية على هذا ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم ((من أسر سريرة ألبسه الله رداءها)) وعلى كل معنى منها ففيها وعد للمؤمنين الصادقين ووعيد للكافرين، وقرأ الزهري الأولى كقراءة الجمهور والثانية كقراءة عليّ رضي الله عنه. قوله عز وجل : مَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ ٤ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّعَاتِ أَنْ يَسْمِقُونَاً سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ! أَجَلَ اللَّهِلَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (®] وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ، إِنَّاللَّهَ لَغَنِّ عَنِ الْعَلَمِينَ (جَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَنَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِى كَانُواْ ٧ يَعْمَلُونَ معادلة للألف في قوله ﴿أحسب﴾ [العنكبوت: ١] وكأنه عز وجل قرر الفريقين، قرر المؤمنين على ظنهم أنهم لا يفتنون وقرر الكافرين ﴿الذين يعملون السيئات﴾ في تعذيب المؤمنين وغير ذلك على ظنهم أنهم يسبقون عقاب الله ويعجزونه، وقوله تعالى: ﴿الذين يعملون السيئات﴾، وإن كان الكفار المراد الأول بحسب النازلة التي الكلام فيها فإن لفظ الآية يعم كل عاص وعامل سيئة من المسلمين وغيرهم، وقوله ﴿ساء ما يحكمون﴾ يجوز أن يكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي فهي في موضع رفع، ويجوز أن يكون في موضع نصب على تقدير ساء حكماً يحكمونه، وقال ابن كيسان: ﴿ما﴾ مع ﴿يحكمون﴾ في موضع المصدر كأنه قال: ساء حكمهم، وفي هذه الآية وعيد للكفرة الفاتنين، وتأنيس وعده بالنصر للمؤمنين : : : ٣٠٧ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٨ - ١١ المفتونين المغلوبين، ثم أخبر تعالى عن الحشر والرجوع إلى الله تعالى في القيامة بأنه آت إذ قد أجله الله تعالى وأخبر به، وفي قوله ﴿من كان يرجو لقاء الله﴾، تثبيت، أي من كان على هذا الحق فليوقن بأنه آت وليتزيد بصيرة، وقال أبو عبيدة ﴿يرجو) ها هنا بمعنى يخاف، والصحيح أن الرجاء ها هنا على بابه متمكناً ، قال الزجاج: المعنى لقاء ثواب الله، وقوله تعالى: ﴿وهو السميع العليم)، معناه لأقوال كل فرقة، و﴿العليم﴾ معناه بالمعتقدات التي لهم، وقوله تعالى: ﴿ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه﴾، إعلام بأن كل واحد مجازى بفعله فهو إذاً له، وهو حظه الذي ينبغي أن لا يفرط فيه فإن الله غني عن جهاده و ((غني عن العالمين)) بأسرهم، وهاتان الآيتان نبذ على سؤال الطائفة المرتابة المترددة في فتنة الكفار التي كانت تنكر أن ينال الكفار المؤمنين بمكروه وترتاب من أجل ذلك، فكأنهم قيل لهم من كان يؤمن بالبعث فإن الأمر حق في نفسه، والله تعالى بالمرصاد، أي هذه بصيرة لا ينبغي لأحد أن يعتقدها لوجه أحد، وكذلك من جاهد فثمرة جهاده له فلا يمن بذلك على أحد، وهذا كما يقول المناظر عند سوق حجته من أراد أن يرى الحق فإن الأمر كذا وكذا ونحو هذا فتأمله، وقيل: معنى الآية ومن جاهد المؤمنين ودفع في صدر الدين فإنما جهاده لنفسه لا لله فالله غني . قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره المفسرون وهو ضعيف، وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾ الآية إخبار عن المؤمنين المهاجرين الذين هم في أعلى رتبة من البدار إلى الله تعالى رفع بهم عز وجل وبحالهم ليقيم نفوس المتخلفين عن الهجرة وهم الذين فتنهم الكفار إلى الحصول في هذه المرتبة ع و ((السيئات))، الكفر وما اشتمل عليه ويدخل في ذلك المعاصي من المؤمنين مع الأعمال الصالحات واجتناب الكبائر، وفي قوله عز وجل ﴿ولنجزينهم أحسن﴾ حذف مضاف تقديره ثواب أحسن الذي كانوا يعملون. قوله عز وجل : وَوَضَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيِّهِ حُسْنَّاً وَ إِن جَهَدَاَ لِتُشْرِكَ بِى مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً إِلَىَ مَرْجِعُكُمْ فَأُنْبِئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنْدْ خِلَنَّهُمْ فِيِ الصَّالِحِينَ ◌َ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَاِاللَّهِ فَإِذَا أُوْذِىَ فِاللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابٍ اُللَّهِ وَلَيِن جَاءَ نَصْرٌ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّاكُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اَللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِ صُدُورِ الْعَلَمِينَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَفِقِينَ قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه﴾ الآية، روي عن قتادة وغيره أنها نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص، وذلك أنه هاجر فحلفت أمه أن لا تستظل بظل حتى يرجع إليها ويكفر بمحمد فلج هو في هجرته، ونزلت الآية، وقيل نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وذلك أنه اعتراه في دينه نحو من هذا بعد أن خدعه أبو جهل ورده إلى أمه الحديث في كتاب السيرة، ولا مرية أنها نزلت فيمن كان من المؤمنين بمكة يشقى بجهاد أبويه في شأن الإسلام أو الهجرة فكان القصد بهذه الآية النهي عن طاعة الأبوين في مثل هذا، لعظم الأمر ٣٠٨ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٨ - ١١ وكثرة الخطر فيه مع الله تعالى، ثم إنه لما كان بر الوالدين وطاعتهما من الأمر الذي قررته الشريعة وأكدت فيه وكان من القوي عندهم الملتزم قدم الله تعالى النهي عن طاعتهما، وقوله (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً﴾ على معنى أنا لا نخلّ ببر الوالدين لكنا لا نسلطه على طاعة الله لا سيما في معنى الإيمان والكفر وقوله: ﴿حسناً﴾ يحتمل أن ينتصب على المفعول، وفي ذلك تجوز ويسهله كونه عاماً لمعان، كما تقول وصیتك خیراً أو وصیتك شراً، عبر بذلك عن جملة ما قلت له، ویحسن ذلك دون حرف جر کون حرف الجر في قوله ﴿بوالديه﴾ لأن المعنى ﴿ووصينا الإنسان﴾ بالحسن في فعله، مع والديه، ونظير هذا قول الشاعر: [الرجز] عجبت من دهماء إذ تشكونا ومن أبي دهماء إذ يوصينا خيراً بها فكأننا جافونا ويحتمل أن يكون المفعول الثاني في قوله ﴿بوالديه﴾ وينتصب ﴿حسناً﴾ بفعل مضمر تقديره يحسن حسناً، وينتصب انتصاب المصدر، والجمهور على ضم الحاء وسكون السين، وقرأ عيسى ((حَسَناً)) بفتحهما، وقال الجحدري في الإمام مكتوب ((بوالديه إحساناً) قال أبو حاتم يعني ((في الأحقاف))، وقال الثعلبي في مصحف أبي بن كعب ((إحسانا))، ووجوه إعرابه كالذي تقدم في قراءة من قرأ ((حسناً)). وقوله تعالى: ﴿إِلَيَّ مرجعكم﴾ وعيد في طاعة الوالدين في معنى الكفر، ثم كرر تعالى التمثيل بحالة المؤمنين العاملين، ليحرك النفوس إلى نيل مراتبهم، وقوله تعالى: ﴿لندخلنهم في الصالحين﴾ مبالغة على معنى في الذين هم في نهاية الصلاح وأبعد غاياته وإذا تحصل للمؤمنين هذا الحكم تحصل ثمره وجزاؤه وهو الجنة، وقوله تعالى: ﴿ومن الناس) الآية إلى قوله ﴿المنافقين﴾ نزلت في قوم من المسلمين كانوا بمكة مختفين بإسلامهم، قال ابن عباس: فلما خرج كفار قريش إلى بدر أخرجوا مع أنفسهم طائفة من هؤلاء فأصيب بعضهم فقال المسلمون كانوا أصحابنا وأكرهوا فاستغفروا لهم فنزلت ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧]، قال فكتبت لمن بقي بمكة بهذه الآية أي لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة وردوهم إلى مكة فنزلت فيهم هذه الآية، ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله﴾ الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك فخرجوا ويئسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾ [النحل: ١١٠]، فكتب لهم بذلك أن الله قد جعل لكم مخرجاً فخرجوا فلحقهم المشركون فقاتلوهم فنجا من نجا وقتل من قتل، وقال ابن زيد: نزل قوله تعالى: ﴿جعل فتنة الناس) الآية في منافقين كفروا لما أوذوا، وقوله تعالى: ﴿جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾ أي صعب عليه أذى الناس حين صده وكان حقه أن لا يلتفت إليه وأن يصبر له في جنب نجاته من عذاب الله، ثم أزال تعالى موضع تعلقهم ومغالطتهم أن جاء نصر، ثم قررهم على علم الله تعالى بما في صدورهم أي لو كان يقيناً تاماً وإسلاماً خالصاً لما توقفوا ساعة ولركبوا كل هول إلى هجرتهم ودار نبيهم وقوله تعالى: ﴿وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين﴾، تفسيره على حد ما تقدم في نظيره، وهنا انتهى المدني في هذه السورة. ٣٠٩ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ١٢ - ١٥ قوله عز وجل : وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْأُتَّبِعُواْ سَبِلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ وَمَاهُمْ يَحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُمْ مِّنْ شَىْءٍ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالَا مَّعَأَنْقَالِهِمِّ وَلَيُسْئَلُنَّ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ يَوْمَ الْقِيمَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (ّ ﴿ فَأَنْحَيْنَهُ وَأَصْحَبَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَهَاَ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الْطُّوفَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ١٥ ءَايَةً لِّلْعَلَمِينَ روي أن قائل هذه المقالة الوليد بن المغيرة، وقيل بل كانت شائعة من كفار قريش قالوا لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم ادخلوا في أمرنا وأقروا بآلهتنا واعبدوها معنا ونحن ليقيننا أنه لا بعث بعد الموت ولا رجوع نتضمن لكم حمل خطاياكم فيما دعوناكم إليه إن كان في ذلك درك كما تزعمون، وقولهم ﴿ولنحمل﴾ إخبار أنهم يحملون خطاياهم على جهة التشبيه بالثقل ولكنهم أخرجوه في صيغة الأمر لأنها أوجب وأشد تأكيداً في نفس السامع من المجازاة وهذا نحو قال الشاعر [مدثار بن شيبان النمري]: [الوافر] لصوت أن ينادي داعيان فقلت ادعي وأدع فإن أندى ولكونه خبراً حسن تكذيبهم فيه، فأخبر الله عز وجل أن ذلك باطل وأنهم لو فعلوه لم ينحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياه التي تختص به، وقرأ الجمهور ((ولنحملْ)) بجزم اللام، وقرأ عيسى ونوح القاري ((ولنحمل)) بكسر اللام وقرأ داود بن أبي هند ((من خطَّيهم)) بفتح الطاء وكسر الياء وحكى عنه أبو عمرو أنه قرأ ((من خطيئاتهم)) بكسر الطاء وهمزة وتاء بعد الألف، وقال مجاهد: الحمل هو من الحمالة لا من الحمل على الظهر. ثم أخبر تعالى عن أولئك الكفرة أنهم يحملون أثقالهم من كفرهم الذي يجترحونه ويتلبسون به، و﴿أثقالاً مع أثقالهم﴾ يريد ما يلحقهم من إغوائهم لعامتهم وأتباعهم فأنه يلحق كل داع إلى ضلالة كفل منها حسب الحديث المشهور، ((أيما داع إلى هدى فاتبع عليه فله مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً وأيما داع دعا إلى ضلالة)) الحديث. قال القاضي أبو محمد: وهي وإن كانت من ﴿أثقالهم﴾ فلكونها بسبب غيرهم وعن غير كفر تلبسوه فرق بينها وبين ﴿أثقالهم) ولم ينسبها إلى غيرهم بل جعلها في رتبة أخرى فقط فهم فيها إنما يزرون بوزر أنفسهم، وقد يترتب حمل أثقال الغير بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم ((أنه يقتص للمظلوم بأن يعطى من حسنات ظالمه فإن لم يبق للظالم حسنة أخذ من سيئات المظلوم فطرحت عليه))، وقوله تعالى: ﴿وليسألن﴾، يريد على جهة التوبيخ والتقريع لا على جهة الاستفهام والاستعلام، و﴿يفترون﴾، معناه يختلقون من الكفر ودعوى الصاحبة والولد لله تعالى وغير ذلك، وقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحاً﴾ الآية ٣١٠ تفسير سورة العنكبوت / الآيتان : ١٦، ١٧ قصة فيها تسلية لمحمد عليه السلام عما تضمنته الآيات قبلها من تعنت قومه وفتنتهم للمؤمنين وغير ذلك، وفيها وعيد لهم بتمثيل أمرهم بأمر قوم نوح، والواو في قوله ﴿ولقد﴾ عاطفة جملة كلام على جملة، والقسم فيها بعيد، وقوله تعالى: ﴿أرسلنا﴾، ﴿فلبث﴾، هذا العطف بالفاء يقتضي ظاهره أنه لبث هذه المدة رسولاً يدعو، وقد يحتمل أن تكون المدة المذكورة مدة إقامته في قومه من لدن مولده إلى غرق قومه، وأما على التأويل الأول فاختلف في سنيه التي بعث عندها، فقيل أربعون، وقيل ثمانون، وقال عون بن أبي شداد: ثلاثمائة وخمسون، وكذلك یحتمل أن تكون وفاته علیه السلام عند غرق قومه بعد ذلك بيسير. وقد روي أنه عمر بعد ذلك ثلاثمائة وخمسين عاماً وأنه عاش ألف سنة وستمائة وخمسين سنة، وقوله تعالى: ﴿فأخذهم الطوفان﴾ يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد اختلف في ذلك فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض وهي المختصة بقوم نوح، وقالت فرقة: هي الجمهور: إنما غرقت المعمورة كلها. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو ظاهر الأمر لاتخاذه السفينة ولبعثه الطير يرتاد زوال الماء ولغير ذلك من الدلائل، وبقي أن يعترض هذا بأن يقال كيف غرق الجميع والرسالة إلى البعض، فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصاص نبي بأمة ليس هو بأن لا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بأن لا يؤخذ بقتال غيرها ولا بيث العبادات فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة والناس حولها يعبدون الأوثان ولم يكن الناس يومئذ كثيراً بحكم القرب من آدم فلا محالة أن دعاءه إلى توحيد الله كان قد بلغ الكل فنالهم الغرق لإعراضهم وتماديهم، و﴿الطوفان﴾ العظيم الطامي، ويقال ذلك لكل طام خرج عن العادة من ماء أو نار أو موت ومنه قول الشاعر: فجاءهم طوفان موت جارف ٠٠ و((طوفان)) وزنه فعلان بناء مبالغة من طاف يطوف إذا عم من كل جهة، ولكنه كثر استعماله في الماء خاصة وقوله تعالى: ﴿وهم ظالمون)، يريد بالشرك، ﴿وأصحاب السفينة﴾ قد تقدم في غير هذه السورة الأختلاف في عددهم، وهم بنوه وقوم آمنوا معه، والضمير في قوله ﴿وجعلناها﴾ يحتمل أن يعود على ﴿".فينة﴾ ويحتمل أن يعود على العقوبة، ويحتمل أن يعود على النجاة، والآية هنا العبرة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه، قال قتادة: أبقاها آية على الجودي. قوله عز وجل : وَإِبْرَهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوَةٌ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ وَأَشْكُرُوْ لَهُ، إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ١٧ يجوز أن يكون ﴿إبراهيم﴾ معطوفاً على ((نوح))، ويجوز أن يكون معطوفاً على الضمير في ﴿أنجيناه﴾ [العنكبوت: ١٥]، ويجوز أن ينصبه فعل تقديره ((واذكر إبراهيم)).، وهذه القصة أيضاً تمثيل - ٠ ٣١١ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ١٨ - ٢٠ لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عبدة أصنام فدعاهم إبراهيم إلى توحيد الله تعالى وعبادته، ثم قرر لهم ما هم عليه من الضلال، وقرأ جمهور الناس، ((تخلقون إفكآ))، وقرأ ابن الزبير وفضيل ((إفكا)) على وزن فعل وهو مصدر كالكذب والضحك ونحوه، واختلف في معنى ﴿تخلقون﴾ فقال ابن عباس هو نحت الأصنام وخلقها. سماها ﴿إفكآ﴾ توسعاً من حيث يفترون بها الإفك في أنها آلهة، وقال مجاهد: هو اختلاق الكذب في أمر الأوثان وغير ذلك، وقرأ عبد الرحمن السلمي وعون العقيلي وقتادة وابن أبي ليلى ((وتخَلَّقون إفكا)) بفتح الخاء وشد اللام وفتحها، و((الإفك)) على هذه القراءة الكذب ثم وقفهم على جهة الاحتجاج عليهم بأمر تفهمه عامتهم وخاصتهم وهو أمر الرزق، فقرر أن الأصنام لا ترزق، وأمر بابتغاء الخير عند الله تعالى وخصص ﴿الرزق﴾ لمكانته من الخلق فهو جزء يدل على جنسه كله، ويقال شكرت لك وشكرتك بمعنى واحد، ثم أخبرهم بالمعاد والحشر إليه . قوله عز وجل : أَوَلَمْ يَرَوْأ ١٨ وَإِنْ تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمٌَّ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّ الْبَلَغُ الْمُبِينُ كَيْفَ يُبْدِىُّ اَللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ ٢٠ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اَللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ في قوله تعالى ﴿وإن تكذبوا﴾ الآية وعيد، أي قد كذب غيركم وعذب وإنما على الرسول البلاغ، وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف عنه ((أو لم تروا)) بالتاء، وقرأ الباقون ((أو لم يروا)) بالياء، الأولى على المخاطبة والثانية على الحكاية عن الغائب. وقرأ الجمهور ((يبدىء)) وفرأ عيسى وأبو عمرو بخلاف والزهري ((يبدأ)) وهذه الإحالة على ما يظهر مع الأحيان من إحياء الأرض والنبات وإعادته ونحو ذلك مما هو دليل على البعث من القبور والحشر، ويحتمل أن يريد ﴿أو لم يروا﴾ بالدلائل والنظر كيف يجوز أن يعد الله الأجسام بعد الموت وهو تأويل قتادة، وقال الربيع ابن أنس: كيف يبدأ خلق الإنسان ثم يعيده إلى أحوال أخر حتى إلى التراب، وقال مقاتل ﴿الخلق) في هذه الآية الليل والنهار، ثم أمر تعالى نبيه، ويحتمل أن يكون إبراهيم، ويحتمل أن يكون محمداً، إن كان في قصة إبراهيم اعتراض بين كلامين بأن يأمرهم على جهة الاحتجاج بالسير في الأرض والنظر في كل قطر وفي كل أمة قديماً وحديثاً، فإن ذلك يوجد أن لا خالق إلا الله تعالى ولا يبتدىء بالخلق سواه، ثم ساق على جهة الخبر أن الله تعالى يعيد وينشىء نشأة القيام من القبور، وقرأت فرقة ((النشأة))، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((النشاءة)) على وزن الفعالة وهي قراءة الأعرج، وهذا كما تقول رأفة ورآفة، وقرأ الباقون (النشأة)) على وزن الفعلة، وقرأ الزهري ((النشّة)) بشين مشددة في جميع القرآن، والبعث من القبور يقوم دليل العقل على جوازه وأخبرت الشرائع وقوعه ووجوده. قوله عز وجل : يُعَذِبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ ﴾ وَمَآ أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِي ٣١٢ - تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٢١ - ٢٥ السَّمَاءِ وَمَالَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَإِّ وَلَا نَصِيرِ ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُ واْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَلِقَآبِهِ، أُوْلَئِكَ يَبِسُواْ مِن رَّحْمَتِى وَأَوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ المعنى ييسر من يشاء لأعمال من حق عليه العذاب وييسر من يشاء لأعمال من سبقت له الرحمة فيتعلق الثواب والعقاب بالاكتساب المقترن بالاختراع الذي لله تعالى في أعمال العبد، ثم أخبر أن إليه المنقلب وأن البشر ليس بمعجز ولا مفلت ﴿في الأرض ولا في السماء﴾، ويحتمل أن يريد بـ ﴿السماء﴾ الهواء علواً أي ليس للإنسان حيلة صعد أو نزل حكى نحوه الزهراوي ويحتمل أن يريد ﴿السماء﴾ المعروفة أي لستم ﴿بمعجزين في الأرض ولا﴾ ولو كنتم ﴿في السماء﴾، وقال ابن زيد معناه ولا من في السماء معجز إن عصى ونظروه على هذا بقول حسان بن ثابت: [الوافر] أمن يهجو رسول الله منا ویمدحه وینصره سواء والتأويل الأوسط أحسنها. ونحوه قول الأعشى : [الطويل] ولو كنت في جب ثمانين قامة ليعتورنك القول حتى تهزه ولقيت أسباب السماء بسلم وتعلم أني لست عنك بمحرم و((الولي)) أخص من ((النصير، وقرأ يحيى بن الحارث وابن القعقاع ((بيسوا)) من غير همز، قال قتادة ذم الله تعالى قوماً هانوا عليه فقال ﴿أولئك يئسوا من رحمتي﴾. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم من قوله تعالى ﴿أو لم يروا كيف﴾ [العنكبوت: ١٩] إلى هذه الآية المستأنفة، يحتمل أن يكون خطاباً لمحمد ويكون اعتراضاً في قصة إبراهيم، ويحتمل أن يكون خطاباً لإبراهيم ومحاورة لقومه، وعند آخر ذلك ذکر جواب قومه. قوله عز وجل: فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ، إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَقْتُلُوهُ أَوْحَرِّقُوهُ فَأَنْجَنُهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا أَتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَنًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ثُمَّيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْ وَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِن ◌َّصِرِين ٢٥ قرأ الجمهور ((جوابَ)) بالنصب، وقرأ الحسن ((جوابُ)) بالرفع، وكذلك قرأ سالم الأفطس، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم لما بين إبراهيم الحجج وأوضح أمر الدين رجعوا معه إلى الغلبة والقهر والغشم وعدوا عن طريق الاحتجاج حين لم يكن لهم قبل به فتآمروا في قتله أو تحريقه بالنار، وأنفذوا أمر تحريقه حسبما قد اقتص في غير هذا الموضع، ((وأنجاه الله)) تعالى من نارهم بأن جعلها عليه برداً وسلاماً، قال كعب ٣١٣ تفسير سورة العنكبوت / الآيتان: ٢٤، ٢٥ الأحبار: ولم تحرق النار إلا الحبل الذي أوثقوه به، وجعل ذلك آية وعبرة ودليلاً على وحدانيته لمن شرح صدره ويسره للإيمان أي هذا الصنف ينتفع بالآية والكفار هي عليهم عمى وإن كانت في نفسها آية للكل، ثم ذكر تعالى أن إبراهيم عليه السلام قررهم على أن اتخاذهم الأوثان والأنصاب إنما كان اتباعاً من بعضهم لبعض وحفظاً لموداتهم ومحباتهم الدنياوية، وأنهم يوم القيامة يجحد بعضهم بعضاً ويتلاعنون لأن توادهم كان على غير تقوى، والأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين، وقرأ عاصم في رواية الأعمش عن أبي بكر عنه («مودةٌ)) بالرفع ((بينكم)» بالنصب وهي قراءة الحسن وأبي حيوة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي في رواية المفضل ((مودةُ)) بترك التنوين والرفع ((بينكم)) بالخفض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية أبي زيد ((مودةً بينكم)) بالتنوين والنصب ونصب ((بين))، وقرأ حمزة ((مودةً)) بالنصب وترك التنوين والإضافة إلى ((بين))، فأما قراءتا الرفع في ((مودة)» فوجههما أن يكون ((ما)) بمعنى الذي وفي قوله ﴿اتخذتم﴾ ضمير عائد على الذي، وهذا الضمير هو مفعول أول لـ ﴿اتخذتم﴾، و﴿أوثاناً﴾ مفعول ثان، و ((مودة)) خبر ((إن)) في قراءة من نونها، وفي قراءة من لم ينونها ويجوز أن تكون ((ما)) كافة ولا يكون في قوله ﴿اتخذتم﴾ ضمير ويكون قوله ﴿أوثاناً﴾ مفعولاً لقوله ﴿اتخذتم﴾ ثم يقتصر عليه، ويقدر الثاني آلهة أو نحوه، كما يقدر قوله تعالى ﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ [الأعراف: ١٥٢] أي إلهاً ﴿سينالهم غضب﴾ [الأعراف: ١٥٢]، ويكون قوله ((مودةً)) خبر ابتداء تقديره هو مودة وفي هذه التأويلات مجاز واتساع في تسمية الأوثان ((مودة)) أو يكون ذلك على حذف مضاف، وأما من نصب مودة فعلى أن ((ما، كافة وعلى خلو ﴿اتخذتم﴾ من الضمير والاقتصار على المفعول الواحد كما تقدم ويكون نصب ((المودة)» على المفعول من أجله، ومن أضاف ((المودة)) إلى ((البين)) في القراءتين بالنصب والرفع تجوز في ذلك وأجرى الظرف مجرى الأسماء، ومن نصب ((بينكم)) في قراءتي الرفع والنصب في ((مودة)) فكذلك يحتمل أن ينتصب انتصاب الظروف ويكون معلقاً بـ ((مودة)) وكذلك ﴿في الحياة الدينا﴾ ظرف أيضاً متعلق بـ ((مودة)) وهو مصدر عمل في ظرفين من حيث افترقا بالمكان والزمان ولو كانا لواحد منهما لم يجز ذلك، تقول رأيت زيداً أمس في السوق ولا تقول رأيت زيداً أمس البارحة اللهم إلا أن يكون أحد الطرفين جزءاً للآخر، رأيت زيداً أمس عشية، ويجوز أن ينتصب ((بينكم)) على أنه صفة لـ ((مودة)»، فهنا محذوف مقدر تقديره ((مودة)) ثابتة ((بينكم))، وفي الظرف ضمير عائد على ((مودة)) لما حذفت ثابتة استقر الضمير في الظرف نفسه، وقوله ﴿في الحياة الدنيا﴾ ظرف في موضع الحال من الضمير الكائن في ﴿بينكم﴾ بعد حذف ثابتة فهذه الحال متعلقة بـ «مودة)» وجاز تعلقها بها، وهي قد وصفت لأن معنى الفعل فيها، وإن وصفت فلا يمتنع أن يعمل معنى الفعل إلا في المفعول، فأما في الظرف والحال فيعمل، قال مكي : ويجوز أن يكون ﴿في الحياة﴾ صفة ثابتة لـ ((مودة)) ويكون فيها مقدر مستقرة وفيها ضمير ثان عائد إلى ((مودة)) فالتقدير على هذا مودة ثابتة بينكم مستقرة في الحياة الدنيا. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يكون قوله ((مودة)» في قراءة من نصب مفعولاً ثانياً لقوله ﴿اتخذتم﴾ ويكون في ذلك اتساع فتأمله، وفي مصحف أبي بن كعب ((مودة بينهم)) بالهاء وفي مصحف ابن مسعود ((إنما مودّة بينكم)). : ٣١٤ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٢٦ - ٣١ قوله عز وجل : فَامَنَ لَهُ لُولٌ وَقَالَ إِنِى مُهَاجِرٍ إِلَى رَبِّ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُاُلْحَكِيمُ ﴾ وَوَهَبْنَا لَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتَّيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِينَ أَوَلُوطَا إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَامِنْ أَحَدٍمِنَ ٢٧ ٢٨ الْعَلَمِينَ ﴿فآمن﴾ معناه فصدق وهو فعل يتعدى بالباء وباللام والقائل ﴿إني مهاجر﴾ هو إبراهيم عليه السلام قاله قتادة والنخعي . وقالت فرقة: هو لوط عليه السلام، ومما صح من القصص أن إبراهيم ولوطاً هاجرا من قريتهما كوثا وهي في سواد الكوفة من أرض بابل إلى بلاد الشام فلسطين وغيرها، وقال ابن جريج: إلى حزان، ثم أمرا بعد إلى الشام وفي هذه الهجرة كانت سارة في صحبة إبراهيم واعتراهما أمر الملك، والمهاجر، النازع عن الأمر وهو في عرف الشريعة من ترك وطنه رغبة في رضى الله تعالى، وقد ذهب بهذا الاسم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الفتح، وقوله ﴿العزيز الحكيم) مع الهجرة إليه، صفتان بليغتان يقتضي استحقاق التوكل عليه، وفي قوله ﴿إلى ربي﴾، حذف مضاف كأنه يقول إلى رضى ربي أو نحو هذا، و﴿إسحاق﴾ بن إبراهيم هو الذي بشر به في شيخه، وبشر بـ ﴿يعقوب﴾ من ورائه فهو ولد إسحاق، ﴿والكتاب﴾ اسم الجنس أي جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم جميع الكتب المنزلة التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، وعيسى عليه السلام من ذريته، وقوله ﴿أجره في الدنيا﴾، يريد في حياته وبحيث أدرك ذلك وسر به، والأجر الذي آتاه الله هو العافية من النار ومن الملك الجائر والعمل الصالح والثناء الحسن قاله مجاهد، وأن كل أمة تتولاه، قاله ابن جريج، والولد الذي قرت به العين بحسب طاعة الله، قاله الحسن ثم أخبر عنه أنه في الآخرة في عداد الصالحين الذين نالوا رضى الله وفازوا برحمته وكرامته العليا، وقوله تعالى ﴿ولوطاً﴾ نصب بفعل مضمر تقديره واذكر لوطاً، و﴿الفاحشة﴾ إتيان الرجال في الأدبار وهي معصية ابتدعها قوم لوط. قوله عز وجل : أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرْ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ﴿ قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴿ وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالَّوَاْ إِنَّا مُهْلِكُواْ 1. ٣١ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْظَلِمِينَ تقدم القول في القرآن في ﴿أئنكم﴾،واختلف الناس في قطع السبيل المشار إليه ها هنا، فقالت فرقة: ٣١٥ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٣٢ - ٣٥ كان قطع الطريق بالسلب فاشياً فيهم، وقال ابن زيد: كانوا يقطعون الطرق على الناس لطلب الفاحشة فكانوا يخيفون، وقالت فرقة: بل أراد قطع سبيل النسل في ترك النساء وإتيان الرجال، وقالت فرقة: أراد أنهم لقبح الأحدوثة عنهم يقطعون سبل الناس عن قصدهم في التجارات وغيرها، و((النادي)) المجلس الذي يجتمع فيه الناس وهو اسم جنس لأن الأندية في المدن كثيرة فكأنه قال وتأتون في اجتماعكم حيث اجتمعتم. واختلف الناس في ﴿المنكر﴾، فقالت فرقة كانوا يحذفون الناس بالحصباء ويستخفون بالغريب والخاطر عليهم وروته أم هاني عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت حلقهم مهملة لا يربطهم دين ولا ١ مروءة، وقال مجاهد ومنصور: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم وبعضهم يرى بعضاً، وقال القاسم بن محمد : منكرهم أنهم كانوا يتفاعلون في مجالسهم، ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس كانوا يتضارطون ويتصافعون في مجالسهم، وقال مجاهد أيضاً: كان أمرهم لعب الحمام وتطريف الأصابع بالحناء والصفير والحذف ونبذ الحياء في جميع أمورهم وقد توجد هذه الأمور في بعض عصاة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فالتناهي واجب، فلما وقفهم لوط على هذه القبائح رجعوا إلى التكذيب والدجاج فقالوا ﴿ائتنا﴾ بالعذاب، أي أن ذلك لا يكون ولا تقدر عليه، وهم لم يقولوا هذا إلا وهم مصممون على اعتقاد كذبه، وليس يصح في الفطرة أن يكون معاند يقول هذا، ثم استنصر لوط عليه السلام ربه عليهم، فبعث ملائكة العذابهم ورجمهم بالحاصب فجاؤوا إبراهيم أولاً مبشرين بإسحاق ومبشرين بنصرة لوط على قومه، وكان لقاؤهم لإبراهيم على الصورة التي بينت في غير هذه الآية، فلفظة ((البشرى)) في هذه الآية تتضمن أمر إسحاق ونصرة لوط، ولما أخبره بإهلاك القرية على ظلمهم أشفق إبراهيم على لوط فعارضهم بأمره حسبما يأتي . قوله عز وجل : قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطَأْ قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِيَتَهُ وَأَهْلَهُ: إِلََّ أَمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ اُلْغَيِينَ ﴿ وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطَاسِيَّ بِهِمْ وَضَافَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوْ لَا تَّخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلََّ أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ﴿ إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (*) وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآءَايَةٌ بَيْنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ٣٥ روي عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السلام لما علم من قبل الملائكة أن قرية لوط تعذب أشفق على المؤمنين فجادل الملائكة وقال لهم: أرأيتم إن كان فيهم مائة بيت من المؤمنين أتتركونهم، قالوا ليس فيهم ذلك، فجعل ينحدر حتى انتهى إلى عشرة أبيات، فقال له الملائكة ليس فيهم عشرة ولا خمسة ولا ثلاثة ولا اثنان، فحينئذ قال إبراهيم ﴿إن فيها لوطاً﴾ فراجعوه حينئذ بأنا ﴿نحن أعلم بمن فيها﴾ أي لا تخف أن يقع حيف على مؤمن، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ((لَنَّجّينَه)) بفتح النون الوسطى وشد الجيم و ((منَجُوك)) بفتح النون وشد الجيم. ٣١٦ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٣٦ - ٣٨ وقرأ حمزة والكسائي ((لننْجينه)) بسكون النون وتخفيف الجيم، ((ومنْجوك))، بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ((لننجّينه)) بالتشديد و((منجوك)) بالتخفيف، وقرأت فرقة ((لننجينه)) بسكون النون الأخيرة من الكلمة وهذا إنما يجيء على أنه خفف النون المشددة وهو يريدها، وامرأة لوط هذه كانت كافرة تعين عليه وتنبه على أضيافه، و((الغابر)) الباقي ومعناه ﴿من الغابرين﴾ في العذاب، وقالت فرقة ﴿من الغابرين﴾ أي ممن عمر وبقي من الناس وعسا في كفره، والضمير في ﴿بهم﴾ في الموضعين، عائد على الأضياف الرسل، وذلك من تخوفه لقومه عليهم فلما أخبروه بما هم فيه فرج عنه، وقرأ عامة القراء ((سِيء)) بكسر السين، وقرأ عيسى وطلحة بضمها، و((الرجز»، العذاب، وقوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾، أي عذابهم بسبب فسقهم، وكذلك كل أمة عذبها الله، فإنما عذبها على الفسوق والمعصية لكن بأن يقترن ذلك بالكفر الذي يوجب عذاب الآخرة، وقرأ أبو حيوة والأعمش ((يفسِقون)) بكسر السين، وقوله تعالى: ﴿ولقد تركنا منها﴾ أي من خبرها وما بقي من أثرها، فـ (من)) لابتداء الغاية ويصح أن تكون للتبعيض على أن يريد ما ترك من بقايا بناء القرية ومنظرها، و((الآية)) موضع العبرة وعلامة القدرة ومزدجر النفوس عن الوقوع في سخط الله تعالى، وقرأ جمهور القراء ((منزِلون)) بتخفيف الزاي، وقرأ ابن عامر ((منزّلون)) بشد الزاي وهي قراءة الحسن وعاصم بخلاف عنهما، وقرء الأعمش ((إنا مرسلون)) بدل ﴿منزلون﴾، وقرأ ابن محيصن ((رُجزاً)) بضم الراء. قوله عز وجل : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى اُلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ حَثِمِينَ ٣٧ وَعَادًا وَثَمُودَأْ وَقَد تَبَّيَّنَ لَكُمْ مِّن مَّسَكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ نصب ﴿شعيباً﴾ بفعل مضمر يحسن مع إلى تقديره بعثنا أو أرسلنا، فأمر شعيب بعبادة الله تعالى والإيمان بالبعث واليوم الآخر ومع الإيمان به يصح رجاؤه، وذهب أبو عبيدة إلى أن المعنى وخافوا، و﴿تعثوا﴾، معناه تفسدون، يقال عثا يعثر وعث يعث وعاث يعيث وعثى يعثي إذا فسد، وأهل ﴿مدين) قوم شعيب هذا على أنها اسم البلدة، وقيل ﴿مدين﴾ اسم القبيلة وأصحاب الأيكة وغيرهم، وقيل هم بعضهم ومنهم وذلك أن معصيتهم في أمر الموازين والمكاييل كانت واحدة. و﴿الرجفة﴾ ميد الأرض بهم وزلزلتها عليهم وتداعيها بهم وذلك نحو من الخسف، ومنه الإرجاف بالإخبار، و((الجثوم)) في هذا الموضع تشبيه، أي كان همودهم على الأرض كالجثوم الذي هو للطائر والحيوان، ومنه قول لبيد: [الكامل] غلب على خضل العضاة جثوم. فغدوت في غلس الظلام وطيره ٠٠ .. ٠ ٠ ٣١٧ تفسير سورة العنكبوت / الآيتان: ٣٩، ٤٠ وقوله ﴿وعاداً﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره واذكر عاداً، وقيل هو معطوف على الضمير في قوله ﴿فأخذتهم﴾، وقال الكسائي هو معطوف على قوله ﴿ولقد فتنا الذين من قبلهم﴾ [العنكبوت: ٣]، وقرأ، ((وثموداً)) عاصم وأبو عمرو وابن وثاب، وقرأ((وثمود)) بغير تنوين أبو جعفر وشيبة والحسن، وقرأ ابن وثاب ((وعادٍ وثمودٍ)) بالخفض والتنوين، ثم دل عز وجل على ما يعطي العبرة في بقايا ﴿مساكنهم﴾ ورسوم منازلهم ودثور آثارهم، وقرأ الأعمش ((تبين لكم مساكنهم)) دون ((من))، وقوله تعالى: ﴿وزين لهم﴾ عطف جملة من الكلام على جملة، و﴿السبيل﴾، هي طريق الإيمان بالله ورسله، ومنهج النجاة من النار، وقوله، ﴿مستبصرين﴾، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك معناه لهم بصيرة في كفرهم وإعجاب به وإصرار عليه فذمهم بذلك، وقيل لهم بصيرة في أن الرسالة والآيات حق لكنهم كانوا مع ذلك يكفرون عناداً ويردهم الضلال إلى مجاهله ومتالفه، فيجري هذا مجرى قوله تعالى في غيرهم ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ [النمل: ١٤]، وتزيين الشيطان هو بالوسواس ومناجاة ضمائر الناس، وتزيين الله تعالى الشيء هو بالاختراع وخلق محبته والتلبس به في نفس العبد. قوله عز وجل: وَقَرُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَمَنْ وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ قُوسَى بِالْبَيْنَتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِ الْأَرْضِ وَمَا كَانُوْسَِقِينَ جَافَكُلَّا أَخَذْ نَابِذَنْبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَابِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْأَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٤٠ نصب ﴿قارون﴾ إما بفعل مضمر تقديره اذكر وإما بالعطف على ما تقدم، و﴿قارون﴾ من بني إسرائيل وهو الذي تقدمت قصته في الكنوز وفي البغي على موسى بن عمران عليه السلام، ﴿وفرعون﴾ مشهور، و﴿هامان﴾ وزيره، وهو من القبط، و((البينات)) المعجزات والآيات الواضحة، و﴿سابقين﴾، معناه مفلتمن من أخذنا وعقابنا، وقيل معناه ﴿سابقين﴾ أولياءنا، وقيل معناه ﴿ما كانوا سابقين﴾ الأمم إلى الكفر، أي قد كانت تلك عادة أمم مع رسل، والذين أرسل عليهم الحاصب قال ابن عباس: هم قوم لوط. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يدخل قوم عاد في ((الحاصب)) لأن تلك الريح لا بد أنها كانت تحصبهم بأمور مؤذية، و((الحاصب)) هو العارض من ريح أو سحاب إذا رمى بشيء، ومنه قول الأخطل: : [الكامل] حتى يبيت على العضاة جفالا ترمي العضاة بحاصب من ثلجها ومنه قول الفرزدق: [البسيط] بحاصب كنديف القطن منثور مستقبلين شمال الشام تضربهم ٣١٨ تفسير سورة العنكبوت / الآيات: ٤١ - ٤٣ والذين أخذتهم ﴿الصيحة﴾ قوم ثمود، قاله ابن عباس وقال قتادة: هم قوم شعيب، و ((الخسف)) كان بقارون، قاله ابن عباس. قال الفقيه الإمام القاضي: ويشبه أن يكون أصحاب الرجفة في هذا النوع من العذاب، والغرق كان في قوم نوح، وبه فسر ابن عباس وفي فرعون وحزبه، وبه فسر قتادة، وظلمهم أنفسهم كان بالكفر ووضع العبادة في غير موضعها وقدم المفعول على ﴿يظلمون﴾ للاهتمام وهذا نحو ﴿إياك نعبد﴾ [الفاتحة: ٥] وغيره، وحكى الطبري عن قتادة أن رجفة قوم شعيب كان صيحة أرجفتهم على هذا مع ثمود. قوله عز وجل : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ أَتَّخَذَتْ بَيْنَاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُو ◌ْيَعْلَمُونَ (٦) إِنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَايَدْعُونَمِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا اُلْعَالِمُونَ ٤٣ شبه تعالى الكفار في عبادتهم الأصنام وبنائهم جميع أمورهم على ذلك بـ ﴿العنكبوت﴾ التي تبني وتجتهد وأمرها كلها ضعيف متى مسته أدنى هابة أذهبته فكذلك أمر أولئك وسعيهم مضمحل لا قوة له ولا معتمد، ومن حديث ذكره النقاش ((العنكبوت شيطان مسخه الله تعالى فاقتلوه))، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ((طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه یورث الفقر»، وقوله ﴿لو كانوا يعلمون﴾، أي ﴿يعلمون﴾ أن هذا مثلهم وأن حالهم ونسبتهم من الحق هذه الحال، وقوله ﴿إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شيء﴾. قرأ أبو عمرو وسلام ((يعلم ما)) بالإدغام، وقرأ عامة القراء بالفك، وقرأ الجمهور ((تدعون)) بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وعاصم بخلاف ((يدعون)) بالياء من تحت على الغيبة، فأما موضع ﴿ما﴾ من الإعراب فقيل معناه أن الله يعلم الذين يدعون من دونه من جميع الأشياء أن حالهم هذه وأنهم لا قدرة لهم، وقيل قوله ﴿إن الله يعلم﴾ إخبار تام، وقوله (وهو العزيز الحكيم) متصل به، واعترض بين الكلامين ﴿ما تدعون من دونه من شيء﴾، وذلك على هذا النحو من النظر يحتمل معنيين أحدهما أن تكون ﴿ما﴾ نافية أي لستم تدعون شيئاً له بال ولا قدر ولا خلاق فيصلح أن يسمى شيئاً وفي هذا تعليق ﴿يعلم﴾ وفيه نظر، الثاني أن تكون ﴿ما﴾ استفهاماً كأنه قرر على جهة التوبيخ على هذا المعبود من جميع الأشياء ما هو إذ لم يكن الله تعالى أي ليس لهم على هذا التقرير جواب مقنع البتة، فـ﴿من﴾ على القول الأول والثالث للتبعيض المجرد، وعلى القول الوسط هي زائدة في الجحد ومعناها التأكيد، وقال أبو علي ﴿ما﴾ استفهام نصب بـ ﴿تدعون﴾ ولا يجوز نصبها بـ ﴿يعلم﴾، والتقدير أن الله يعلم أوثاناً تدعون من دونه أو غيره لا يخفى ذلك عليه، وقوله ﴿وتلك الأمثال﴾ إشارة إلى هذا المثل ونحوه، و﴿نضربها﴾ مأخوذ من الضرب ٣١٩ تفسير سورة العنكبوت / الآيتان : ٤٥،٤٤ أي النوع كما تقول هذان من ضرب واحد وهذا ضريب هذا أي قرينه وشبهه، فكأن ضرب المثل هو أن يجعل للأمر الممثل ضريب، وباقي الآية بين. وقرأت فرقة ((يدعون)) بالياء من تحت، وقرأت فرقة ((تدعون)) بالتاء على المخاطبة، وقال جابر: قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ﴿إلا العالمون﴾: ((العالم من عقل. عن الله فعمل بطاعته وانتهى عن معصيته)). قوله عز وجل : خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّإِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (١) أَتْلُ مَآ أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبِرٌ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ٤٥ نبه في ذكر خلق ﴿السماوات والأرض﴾ على أمر يوقع الذهن على صغر قدر الأوثان وكل معبود من د.ن الله، وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ أي بالواجب النير لا للعبث واللعب، بل ليدل على سلطانه ويثبت شرائعه ويضع الدلالات لأهلها ويعم بالمنافع إلى غير ذلك مما لا يحصى عداً، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن الذي أوحي إليه، وإقامة الصلاة أي إدامتها والقيام بحدودها ثم أخبر حكماً منه ﴿إن الصلاة تنهى﴾ صاحبها وممتثلها ﴿عن الفحشاء والمنكر﴾. قال الفقيه الإمام القاضي: وذلك عندي بأن المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف بين يدي العظمة، وأن قلبه وإخلاصه مطلع عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه وتذللت وخامرها ارتقاب الله تعالى فاطرد ذلك في أقواله وأعماله وانتهى عن الفحشاء والمنكر، ولم يكد يفتر من ذلك حتى تظله صلاة أخرى يرجع بها إلى أفضل حاله، فهذا معنى هذا الإخبار لأن صلاة المؤمن هكذا ينبغي أن تكون، وقد روي عن بعض السلف أنه كان إذا قام إلى الصلاة ارتعد واصفر لونه فكلم في ذلك فقال: إني أقف بين يدي الله تعالى وحق لي هذا مع ملوك الدنيا فكيف مع ملك الملوك. قال الفقيه الإمام القاضي: فهذه صلاة تنهى ولا بد عن الفحشاء والمنكر، ومن كانت صلاته دائرة حول الإجزاء لا خشوع فيها ولا تذكر ولا فضائل فتلك تترك صاحبها من منزلته حيث كان، فإن كان على طريقة معاص تبعده من الله تركته الصلاة يتمادى على بعده وعلى هذا يخرج الحديث المروي عن ابن مسعود وابن عباس والحسن والأعمش قولهم ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعداً». وقد روي أن الحسن أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم وذلك غير صحيح السند، سمعت أبي رضي الله عنه يقوله فإذا قررناه ونظرنا معناه فغير جائز أن نقول إن نفس صلاة العاصي تبعده من الله حتى كأنها معصية، وإنما يتخرج ذلك على أنها لا تؤثر في تقريبه من الله تعالى بل تتركه في حاله ومعاصيه من الفحشاء والمنكر تبعده، فلم تزده الصلاة إلا تقرير ذلك البعد الذي كان بسبيله، فكأنها بعدته حين لم تكف بعده عن الله تعالى، وقيل لابن مسعود إن فلاناً كثير الصلاة، فقال: إنها لا تنفع إلا من أطاعها، وقرأ الربيع بن أنس ((إن الصلاة تأمر بالمعروف وتنهى عن الفحشاء والمنكر))، وقال ابن عمر ﴿الصلاة﴾ ها هنا ٣٢٠ تفسير سورة العنكبوت / الآية: ٤٦ القرآن، وقال حماد بن أبي سليمان وابن جريج والكلبي : إن الصلاة تنهى ما دمت فيها. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه عجمة وأنى هذا مما روى أنس بن مالك قال: كان فتى من الأنصار يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدع شيئاً من الفواحش والسرقة إلا ركبه، فقيل ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال ((إن صلاته ستنهاه))، فلم يلبث أن تاب وصلحت حاله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألم أقل لكم))؟ وقوله تعالى: ﴿ولذكر الله أكبر﴾ قال ابن عباس وأبو الدرداء وسلمان وابن مسعود وأبو قرة " معناه، ﴿ولذكر الله﴾ إياكم ﴿أكبر﴾ من ذكركم إياه، وقيل معناه ﴿ولذكر الله أكبر﴾ مع المداومة من الصلاة في النهي عن الفحشاء والمنكر، قال ابن زيد وقتادة معناه ﴿ولذكر الله أكبر﴾ من كل شيء، وقيل لسلمان أي الأعمال أفضل؟ فقال: أما تقرأ القرآن ﴿ولذكر الله أكبر﴾. ومنه حديث الموطأ عن أبي الدرداء ((ألا أخبركم بخير أعمالكم؟)) الحديث، وقيل معناه ﴿ولذكر الله﴾ كبير كأنه يحض عليه في هذين التأويلين الأخيرين . قال الفقيه الإمام القاضي: وعندي أن المعنى ﴿ولذكر الله أكبر﴾ على الإطلاق أي هو الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر. فالجزء الذي منه في الصلاة يفعل ذلك وكذلك يفعل في غير الصلاة لأن الانتهاء لا يكون إلا من ذاكر مراقب، وثواب ذلك الذکر أن یذکره الله تعالى كما في الحديث «ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه))، والحركات التي في الصلاة لا تأثير لها في نهي، والذكر النافع هو مع العلم وإقبال القلب وتفرغه إلا من الله تعالى، وأما ما لا يتجاوز اللسان ففي رتبة أخرى، وذكر الله تعالى العبد هو إفاضة الهدى ونور العلم عليه، وذلك ثمرة لذكر العبد ربه، قال الله عز وجل ﴿فاذكروني أذكركم﴾ [البقرة: ١٥٢]، وباقي الآية ضرب من التوعد والحث على المراقبة. قوله عز وجل : وَلَا تُحَدِلُواْأَهْلَ اَلْكِتَبِ إِلَّ بِالَّتِ هِىَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمِّ وَقُولُوَاْءَامَنَّا بِأَلَّذِى أُنزِلَ ٤٦ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَاهُكُمْ وَحِدٌ وَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ قرأ الجمهور ((إلا)) على الاستثناء، وقرأ ابن عباس ((ألا)) بفتح الهمزة وتخفيف اللام، واختلف المفسرون في المراد بهذه الآية، فقال ابن زيد: معناها ((لا تجادلوا)) من آمن بمحمد من ﴿أهل الكتاب﴾ فكأنه قال ﴿أهل الكتاب﴾ المؤمنين ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ أي الموافقة فيما حدثوكم به من أخبار أوائلهم وغير ذلك، وقوله تعالى على هذا التأويل ﴿إلا الذين ظلموا﴾ يريد به من بقي على كفره منهم، كمن كفر وغدر من قريظة والنضير وغيرهم، والآية على هذا محكمة غير منسوخة، وقال مجاهد: المراد بـ ﴿أهل الكتاب﴾ اليهود والنصارى الباقون على دينهم أمر الله تعالى المؤمنين ألا يجادلوهم ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ من الدعاء إلى الله تعالى والتنبيه على آياته، وأن يزال معهم عن طريق الإغلاظ والمخاشنة، وقوله على هذا التأويل ﴿إلا الذين ظلموا﴾ معناه ظلموكم وإلا فكلهم ظلمة على الإطلاق يراد بهم من لم يؤد جزية