النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
تفسير سورة القصص / الآيات: ١٩ - ٢١
قال القاضي أبو محمد: ولم يزل عليه السلام يعتمد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر حتى أنه
في القيامة يقول ((وقتلت نفساً لم أؤمر بقتلها)) حسبما صح في حديث الشفاعة، ثم قال عليه السلام لربه
معاهداً ﴿رب﴾ بنعمتك علي وبسبب إحسانك وغفرانك فأنا ملتزم ألا أكون معيناً ﴿للمجرمين﴾ هذا
أحسن ما تؤول.
وقال الطبري إنه قسم أقسم بنعمة اللّه تعالى عنده ويضعفه صورة جواب القسم فإنه غير متمكن في
قوله ﴿فلن أكون﴾، والقسم لا يتلقى بـ ((لن))، والفاء تمنع أن تنزل ((لن)) منزلة ((لا)) أو ((ما)) فتأمله، واحتج
الطبري بأن في قراءة عبد الله ((فلا تجعلني ظهيراً)).
قال الفقيه الإمام القاضي: واحتج أهل العلم والفضل بهذه الآية في خدمة أهل الجور ومعونتهم في
شيء من أمرهم ورأوا أنها تتناول ذلك، نص عليه عطاء بن أبي رباح وغيره، وقوله تعالى ﴿فأصبح﴾ عبارة
عن كونه دائم الخوف في كل أوقاته كما تقول: أصبح زيد عالماً، و﴿يترقب﴾ معناه عليه رقبة من فعله في
القتل فهو متحسس، قال ابن عباس: فمر وهو بحالة الترقب وإذا ذلك الإسرائيلي الذي قاتل القبطي بالأمس
يقاتل آخر من القبط، وكان قتل القبطي قد خفي عن الناس واكتتم فلما رأى الإسرائيلي موسى استصرخه
بمعنى صاح به مستغيثاً ومنه قول الشاعر [سلامة بن جندل]: [البسيط]
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع كان الصراخ له قرع الظنابيب
فلما رأى موسى قتاله لآخر أعظم ذلك وقال له معاتباً ومؤنباً ﴿إنك لغوي مبين﴾وكانت إرادة موسى
مع ذلك أن ينصر الإسرائيلي فلما دنا منهما خشي الإسرائيلي وفزع منه وظن أنه ربما ضربه وفزع من قوته
التي رأى بالأمس فناداه بالفضيحة وشهر أمر المقتول.
قوله عز وجل :
فَمَّا أَنْ أَرَادَأَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَمُوسَىَ أَتْرِدُ أَن تَقْتُلَنِ كَمَا قَفَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِنِّإِن
وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ
تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ
٠٠٠
يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىّ إِنَ الْمَلَأَّ ◌َأَتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوَكَ فَاخْرُجْ إِّ لَكَ مِنَ التَّصِحِين
فَرَجَ
٢٠
مِنْهَ خَاِفًايَرَقَّبٌ قَالَ رَبِّ نَحْنِى مِنَ الْقَوْمِ الَِّمِينَ
قرأ جمهور القراء ((يبطش))، وقرأ الحسن وأبو جعفر بضم الطاء وهما لغتان، فقال الإسرائيلي لموسى
معنى الآية بلسانه وفر منه فشهر أمر القتيل، والجبابرة شأنهم قتل الناس بغير حق فلذلك جعله الإسرائيلي
كذلك ونفى عنه الإصلاح، قال الشعبي: من قتل رجلين فهو جبار، ولما اشتهر أن موسى قتل القتيل وكان
قول الإسرائيلي يغلب على النفوس تصديقه على موسى مع ما كان لموسى من المقدمات أتى رأي فرعون
وملئه على قتل موسى وذبحه، وغلب على نفس فرعون أنه المشار إليه بفساد المملكة فأنفذ فيه من يطلبه
من جنده ويأتي به للقتل فخرج على الطريق الأعظم، وأخذ رجل يقال إنه مؤمن آل فرعون ويقال إنه غيره

٢٨٢
تفسير سورة القصص / الآيات: ١٩ - ٢١.
في بنيات الطريق قصد إلى موضع موسى فبلغه قولهم له ﴿إن الملأ﴾ الآية، و﴿يسعى﴾ معناه يسرع في
مشيه قاله الزجاج وغيره وهو دون الجري، وقال ابن جريج: معناه يعمل وليس بالشد.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذه نزعة مالك رحمه الله في سعي الجمعة والأول عندي أظهر في هذه
الآية: و﴿يأتمرون﴾ وزنه يفتعلون ويفتعلون يأتي كثيراً بمعنى يتفاعلون، ومنه ازدوج بمعنى تزاوج، وذهل
ابن قتيبة إلى أنه بمعنى يأمر بعضهم بعضاً وقال: لو كان ذلك لكان یتأمرون.
قال الفقيه الإمام القاضي: وذهب عنه أن يفتعل بمعنى يتفاعل وفي القرآن ﴿وأثمروا بينكم
بمعروف﴾ [الطلاق: ٦]، وقد قال النمر بن تولب: [المتقارب]
وفي كل حادثة يؤتمر
أرى الناس قد أحدثوا شيمة
وأنشد الطبري: [الكامل]
ما تأتمر فينا فأمرك في
يمينك أو شمالك
ومنه قول ربيعة بن جشم: [المقارب]
ويعدو على المرء ما يأتمر
أجار بن كعب كأني خمر
فخرج موسى عليه السلام وأفلت القوم فلم يجده أحد منهم وخرج بحكم فزعه ومبادرته إلى الطريق
المؤدية إلى مدين وهي مدينة قوم شعيب عليه السلام، وكان موسى لا يعرف تلك الطريق، ولم يصحب
أحداً، فركب مجهلتها واثقاً بالله تعالى ومتوكلا عليه، قال السدي ومقاتل: فروي أن الله تعالى بعث إليه
جبريل، وقيل ملكاً غيره، فسدده إلى طريق مدين وأعطاه عصا يقال هي كانت عصاه، وروي أن عصاه إنما
أخذها لرعي الغنم في مدين وهو أصح وأكثر، وبين مدين ومصر مسيرة ثمانية أيام قاله ابن جبير والناس،
وكان ملك مدين لغير فرعون، وحكى الطبري عن ابن جريج أو ابن أبي نجيح، شك الطبري أنه قال: إن
الذي ﴿أراد أن يبطش﴾ هو الإسرائيلي فنهاه موسى عن ذلك بعد أن قال له ﴿إنك لغوي مبين﴾
[القصص: ١٨] ففزع الإسرائيلي عند ذلك من موسى وخاطبه بالفضح وكان موسى من الندامة والتوبة في
حد لا يتصور معه أن يريد البطش بهذا الفرعوني الآخر، وروى ابن جريج أن اسم الرجل الساعي ﴿من
أقصى المدينة﴾ شمعون، وقال ابن إسحاق: شمعان.
قال الفقيه القاضي أبو محمد: والثبت في هذا ونحوه بعید.
قوله عز وجل :
وَلَمَّاتَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِى أَن يَهْدِيَنِ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿ وَلَمَّا وَرَدَمَآءَ مَدْنَ
وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ قَالَ مَا خَطِبُكُمَا
قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ (®] فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ

٢٨٣
تفسير سورة القصص / الآيات: ٢٢ - ٢٤
٢٤
رَبِّ إِنِّ لِمَآ أَنَزَلْتَ إِلَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيٌ
ولما خرج موسى عليه السلام فاراً بنفسه منفرداً حافياً لا شيء معه، رأى حاله وعدم معرفته بالطريق
وخلوه من الزاد وغيره فأسند أمره إلى الله تعالى و﴿قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾، وهذه الأقوال
منه تقتضي أنه كان عارفاً بالله تعالى عالماً بالحكمة والعلم الذي آتاه الله تعالى، و﴿توجه﴾، رد وجهه
إليها، و﴿تلقاء﴾ معناه ناحية، أي إلى الجهة التي يلقى فيها الشيء المذكور، و﴿سواء السبيل﴾ معناه
وسطه وقويمه، وفي هذا الوقت بعث الله تعالى الملك المسدد حسبما ذكرناه قبل وقال مجاهد: أراد
بـ ﴿سواء السبيل﴾ طريق مدين وقال الحسن: أراد سبيل الهدى.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أبدع ونظيره قول الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم ((هذا الذي
يهديني السبيل)) الحديث، فمشى عليه السلام حتى ورد (مدين﴾ أي بلغها، و((وروده الماء)) معناه بلغه لا
أنه دخل فيه، ولفظة ((الورود)» قد تكون بمعنى الدخول في المورود، وقد تكون بمعنى الإطلال عليه والبلوغ
إليه وإن لم يدخل فيه فورود موسى هذا الماء كان بالوصول إليه، وهذه الوجوه في اللفظة تتأول في قوله
تعالى ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١]، و(مدين) لا ينصرف إذ هي بلدة معروفة، و((الأمة)) الجمع
الكثير، و﴿يسقون﴾ معناه ماشيتهم، و﴿من دونهم﴾، معناه ناحية إلى الجهة التي جاء منها فوصل إلى
((المرأتين)) قبل وصوله إلى الأمة وهكذا هما ﴿من دونهم﴾ بالإضافة إليه، و﴿تذودان﴾ معناه تمنعان
وتحبسان، ومنه قوله عليه السلام ((فليذادن رجال عن حوضي)) الحديث، وشاهد الشعر في ذلك كثير، وفي
بعض المصاحف ((امرأتين حابستين تذودان))، واختلف في المذود، فقال عباس وغيره ﴿تذودان﴾ غنمهما
عن الماء خوفاً من السقاة الأقوياء، وقال قتادة ﴿تذودان﴾ الناس عن غنمهما، فلما رأى موسى عليه السلام
انتزاح المرأتين ﴿قال ما خطبكما﴾ أي ما أمركما وشأنكما، وكان استعمال السؤال بالخطب إنما هو في
مصاب أو مضطهٍ أو من يشفق عليه أو يأتي بمنكر من الأمر فكأنه بالجملة في شر فأخبرتاه بخبرهما، وأن
أباهما ﴿شيخ كبير﴾ فالمعنى أنه لا يستطيع لضعفه أن يباشر أمر غنمه وأنهما لضعفهما وقلة طاقتهما لا
يقدران على مزاحمة الأقوياء وأن عادتهما التأني حتى يصدر الناس عن الماء ويخلى، وحينئذ تردان،
وقالت فرقة كانت الآبار مكشوفة وكان زحم الناس يمنعهما، فلما أراد موسى أن يسقي لهما زحم الناس
وغلبهم على الماء حتى سقى، فعن هذا الغلب الذي كان منه، وصفته إحداهما بالقوة، وقالت فرقة: بل كانت
آبارهم على أفواهها حجارة كبار وكان ورود المرأتين تتبع ما في صهاريج الشرب من الفضلات التي تبقى
للسقاة وأن موسى عليه السلام عمد إلى بئر كانت مغطاة والناس يسقون من غيرها وكان حجرها لا يرفعه إلا
سبعة، قاله ابن زيد، وقال ابن جريج: عشرة، وقال ابن عباس: ثلاثون، وقال الزجاج: أربعون، فرفعه موسى
وسقى للمرأتين، فعن رفع الصخرة وصفته بالقوة، وقيل إن بئرهم كانت واحدة وإنه رفع عنها الحجر بعد
انفصال السقاة إذ كانت عادة المرأتين شرب الفضلات، وقرأ الجمهور ((نسقي)) بفتح النون، وقرأ طلحة ((نُسقي))
بضمها، وقرأ أبو عمرو وابن عامر ((حتى يَصدُر)) بفتح الياء وضم الدال وهي قراءة الحسن وأبي جعفر
وقتادة، وقرأ الباقون ((يُصدِر)) بضم الياء وكسر الدال على حذف المفعول تقديره مواشيهم وحذف المفعول

٢٨٤
تفسير سورة القصص / الآيات: ٢٥ - ٢٧
كثير في القرآن والكلام، وهي قراءة الأعرج وطلحة والأعمش وابن أبي إسحاق وعيسى، و﴿الرعاء﴾ جمع
راع، و﴿تولى﴾ موسى عليه السلام إلى ظل سمرة قاله ابن مسعود، وتعرض لسؤال ما يطعمه بقوله ﴿رب
إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير﴾، ولم يصرح بسؤال، هكذا روى جميع المفسرين أنه طلب في هذا
الكلام ما يأكله، قال ابن عباس: وكان قد بلغ به الجوع واخضر لونه من أكل البقل وضعف حتى لصق بطنه
بظهره، ورئيت خضرة البقل في بطنه وإنه لأکرم الخلق يومئذ على الله، وروي أنه لم يصل إلى مدين حتى
سقط باطن قدمه، وفي هذا معتبر وحاكم بهوان الدنيا على الله تعالى.
قوله عز وجل :
فَاءَتَهُ إِحْدَنهُمَا تَمْشِى عَلَى أَسْتِحْيَآءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِىِ يَدْعُوَكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَمَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَا
! قَالَتْ إِحْدَثُهُمَا
٢٥
جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفّْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
﴿ قَالَ إِنّ أُرِيدُ أَنْ أَنْكِحَكَ إِحْدَى
يَأَبَتِ اُسْتَفْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَشْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
أَبْنَتَىَ هَتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِءٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ
٢٧
عَلَيْكَ سَتَجِدُنِى إِن شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
في هذا الموضع اختصار يدل عليه الظاهر قدره ابن إسحاق فذهبتا إلى أبيهما سريعتين وكانت
عادتهما الإبطاء في السقي فحدثتاه بما كان من أمر الرجل الذي سقى لهما فأمر الكبرى من بنتيه، وقيل
الصغرى، أن تدعوه له فجاءت على ما في هذه الآية، وروي أن اسم إحداهما ليا والأخرى شرفا، وروي أن
اسم زوجة موسى منهما صفورة، وقيل إن اسمها صوريا، وقال وهب: زوجه الكبرى، وروي عن النبي عليه
السلام أنه زوجه الصغرى، وذكره الثعلبي ومكي من طريق أبي ذر، وقال النقاش: ويقال كانتا توأمتين،
وولدت الأولى قبل الأخرى بنصف نهار، وقوله ﴿تمشي﴾ حال من ﴿إحداهما﴾، وقوله ﴿على استحياء﴾
أي خفرة قد سترت وجهها بكم درعها قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقال عمرو بن ميمون: لم تكن
سلفعامن النساء ولاجة خراجة، واختلف الناس في الرجل الداعي لموسى عليه السلام من هو، فقال
الجمهور هو شعيب عليه السلام وهما ابنتاه، وقال الحسن: هو ابن أخي شعيب واسمه ثروان، وقال أبو
عبيدة: يثرون، وقيل هو رجل صالح ليس من شعيب بنسب، وقيل إن المرأتين إنما كان مرسلهما عمهما وهو
کان صاحب الغنم وهو المزوج ولکن عبر عن العم بالأب في جمیع الأمر إذ هو بمثابته، وروي أن موسی
عليه السلام لما جاءته بالرسالة أجاب فقام يتبعها إلى أبيها فهبت ريح ضمت قميصها إلى بدنها فوصفت
عجيزتها فتحرج موسى من النظر إليها فقال لها ارجعي خلفي وأرشديني الطريق ففهمت عنه فذلك سبب
وصفها له بالأمانة قاله ابن عباس، فوصل موسى عليه السلام إلى داعيه فقص عليه أمره من أوله إلى آخره
فأنسه بقوله ﴿لا تخف نجوت من القوم الظالمين) وكانت مدين خارجة عن مملكة فرعون.
فلما فرغ كلامهما قالت الابنة التي ذهبت عنه ﴿يا أبت استأجره﴾ الآية، فلما وصفته بالقوة والأمانة

٢٨٥
تفسير سورة القصص / الآيات: ٢٨ - ٣٢
قال لها أبوها ومن أين عرفت هذا منه؟ فقالت: أما قوته ففي رفع الصخرة وأما أمانته ففي تحرجه من النظر
إليَّ وقت هبوب الريح، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم، فقال له عند ذلك الأب ﴿إني أريد أن
أنكحك إحدى ابنتيَّ﴾ قال ابن عباس فزوجه التي دعته، و((تأجر»، معناه تثيب وقال مكي في هذه الآية
خصائص في النكاح منها أنه لم يعين الزوجة ولا حد أول الأمر وجعل المهر إجارة ودخل ولم ينقد شيئاً .
قال القاضي أبو محمد: أما التعيين فيشبه أنه كان في أثناء حال المراوضة وإنما عرض الأمر مجملاً
وعين بعد ذلك، وأما ذكر أول المدة فليس في الآية ما يقتضي إسقاطه بل هو مسكوت عنه فإما رسماه، وإلا
فهو من وقت العقد وأما النكاح بالإجارة فظاهر من الآية، وهذا أمر قد قرره شرعنا وجرى به في حديث الذي
لم يكن عنده إلا شيء من القرآن، وذهب بعض العلماء إلى أن ذلك خاص، وبعضهم إلى أنه منسوخ،
ولم يجوز مالك رحمه الله النكاح بالإجارة، وجوزها ابن حبيب وغيره إذا كانت الأجرة تصل إلى الزوجة قبل
ومن لفظ شعيب عليه السلام حسن في لفظ العقود في النكاح، أنكحه إياها أكثر من أنكحها إياه وهذا
معترض، وجعل شعيب ((الثمانية الأعوام)) شرطاً ووكل العامين إلى المروءة.
قوله عز وجل :
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِى وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَاَ عُدْوَنَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (َ)
فَلَمَّا قَضَى مُوسَى اَلْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ:َءَانَسَ مِن جَانِبِ اُلْطُورِنَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ أُمْكُثُوْاْ إِّءَانَسْتُ
نَارًا لَّعَلَّءَاتِكُمْ مِّنْهَا بِخَرٍ أَوْجَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ﴿ فَمَّا أَتَنْهَا نُودِىَ
مِن شَطِي الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِ الْبُقْعَةِ الْمُبَرَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَمُوسَىّ إِّى أَنَا اللَّهُ رَبُّ
وَأَنْ أَلْقِ عَصَالَكَ فَلَمَّارَءَاهَانَهَزُ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَى
اَلْعَلَمِينَّ
أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْأَمِنِينَ ﴿َ أُسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِسُوْءٍ وَأَضْهُمْ
إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِّ فَذَنِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، إِنَّهُمْ كَانُواْ
٣٢
قَوْمَافَسِقِينَ
لما فرغ كلام شعيب قرره موسى عليه السلام وكرر معناه على جهة التوثق في أن الشرط إنما وقع في
ثمان حجج، و﴿أيما﴾ استفهام نصبه بـ ﴿قضيت﴾ وما صلة للتأكيد، وقرأ الحسن ((أيما)) بسكون الياء،
وقرأ ابن مسعود ((أي الأجلين ما قضيت))، وقرأ الجمهور ((فلا عُدوان)) بضم العين وقرأ أبو حيوة ((فلا عِدوان)»
بكسر العين، والمعنى لا تبعة علي من قول ولا فعل، و((الوكيل)) الشاهد القائم بالأمر، قال ابن زيد: ولما
كمل هذا النكاح بينهما أمر شعيب موسى أن يسير إلى بيت له فيه عصيّ وفيه هذه العصا، فروي أن العصا
وثبت إلى موسى فأخذها وكانت عصا آدم وكانت من عير ورقة الريحان، فروي أن شعيباً أمره بردها ففعل.
وذهب يأخذ غيرها، فوثبت إليه، وفعل ذلك ثالثة، فلما رأى شعيب ذلك علم أنه يرشح للنبوءة فتركها له،
:

٢٨٦
تفسير سورة القصص / الآيات: ٢٨ - ٣٢
وقيل إنما تركها له لأنه أمر موسى بتركها، فأبى موسى ذلك فقال له شعيب: نمد إليها جميعاً فمن طاوعته فهي
له، فمد إليها شعيب يده فثقلت، ومد إليها موسى فخفت ووثبت إليه، فعلما أن هذا من الترشيح، وقال
عكرمة: إن عصا موسى إنما دفعها إليه جبريل ليلاً عند توجهه إلى مدين، وقوله تعالى ﴿فلما قضى موسى
الأجل﴾، قال سعيد بن جبير سألني رجل من النصارى أي الأجلين قضى موسى، فقلت لا أدري حتى أقدم
على حبر العرب أعني ابن عباس، فقدمت عليه فسألته، فقال قضى أكملهما وأوفاهما إن رسول الله صلى الله
عليه وسلم إذا قال وفى فعدت فأعلمت النصراني، فقال صدق هذا والله العالم، وروي عن ابن عباس أن
النبي صلى الله عليه وسلم سأل في ذلك جبريل فأخبره أنه قضى عشر سنين، وحكى الطبري عن مجاهد
أنه قضى عشراً وعشراً بعدها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وفي قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما قضى الأجل
أراد أن يسير بأهله إلى مصر بلده وقومه وقد كان لا محالة أحس بالترشيح للنبوءة فسار وكان رجلاً غيوراً لا
يصحب الرفاق، فلما جاء في بعض طريقه في ليلة مظلمة مردة حرة قال النقاش كانت ليلة جمعة فقدوا النار
وأصلد الزند وضلوا الطريق واشتد عليهم الخصر، فبينا هو كذلك إذ رأى ناراً وكان ذلك نوراً من الله تعالى
قد التبس بشجرة قال وهب كانت عليقاً وقال قتادة عوسجاً .
وقيل زعروراً، وقيل سمرة، قاله ابن مسعود و ((آنس)) معناه أحس والإحساس هنا بالبصر ومن هذه
اللفظة قوله تعالى: ﴿فإن آنستم منهم رشداً﴾ [النساء: ٦] ومنها قول حسان: [المنسرح]
سونس دون البلقاء من أحد.
انظر خليلي بباب جلق هل تـ
وكان هذا الأمر كله في (جانب الطور﴾ وهو جبل معروف بالشام، و ﴿الطور﴾ كل جبل،وخصصه قوم
بأنه الذي لا ينبت فلما رأى موسى النار سر فقال لأهله أقيموا فقد رأيت ناراً ﴿لعلي آتيكم منها بخبر﴾ عن
الطريق أين هو ﴿أو جذوة﴾ وهي القطعة من النار في قطعة عود كبيرة لا لهب لها إنما هي جمرة ومن ذلك قول
الشاعر [ابن مقبل]: [البسيط]
جزل الجذا غير خوار ولا دعر
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها
قال القاضي أبو محمد: وأحسب أن أصل ((الجذوة)) أصول الشجر وأهل البوادي أبداً يوقدونها، "
فتلك هي الجذوة حقيقة، ومنه قول السلمي يصف الصلى: [الطويل]
وحب الغواني فهي دون الحبائب
حمی حب هذا النار حب خلیلتي
دخان الجذا في رأس أشحط شاحب
وبدلت بعد البان والمسك شقوة
وقرأ الجمهور ((جِذوة)) بكسر الجيم، وقرأ حمزة والأعمش ((جُذوة)) بضمها، وقرأ عاصم ((جَذوة))
بفتحها، وهي لغات والصلى حر النار، و﴿تصطلون﴾ تفتعلون منه أبدلت التاء طاء، فلما أتى موسى عليه
السلام ذلك الضوء الذي رآه وهو في تلك الليلة ابن أربعين سنة نبىء عليه السلام، فروي أنه كان يمشي إلى
ذلك النور فكان يبعد منه تمشي به الشجرة وهي خضراء غضة حتى ﴿نودي﴾، و ((الشاطىء)) والشط ضفة

٢٨٧
تفسير سورة القصص / الآيات: ٢٨ - ٣٢
الوادي، وقوله ﴿الأيمن﴾ يحتمل أن يكون من اليمن صفة للوادي أو للشاطىء، ويحتمل أن يكون المعادل
لليسار فذلك لا يوصف به الشاطىء إلا بالإضافة إلى موسى في استقباله مهبط الوادي أو يعكس ذلك وكل
هذا قد قيل ، و((بركة البقعة)) هي ما خصت به من آيات الله تعالى وأنواره وتكليمه لموسى عليه السلام،
والناس على ضم الباء من ((بُقعة))، وقرأ بفتحها أبو الأشهب، قال أبو زيد: سمعت من العرب: هذه بقعة طيبة
بفتح الباء، وقوله تعالى ﴿من الشجرة﴾ يقتضي أن موسى عليه السلام سمع ما سمع من جهة الشجرة،
وسمع وأدرك غير مكيف ولا محدد، وقوله تعالى ﴿أن يا موسى﴾ يحتمل أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة ويحتمل
أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، وقرأت فرقة ((أني أنا الله)) بفتح ((أني))، ثم أمره الله تعالى.
بإلقاء العصا، فألقاها فانقلبت حية عظيمة ولها اضطراب ((الجانّ)) وهو صغير الحيات فجمعت هول الثعبان
ونشاط الجانّ، هذا قول بعضهم، وقالت فرقة: بل ((الجانّ)) يعم الكبير والصغير وإنما شبه بـ ((الجان)) جملة
العصا لاضطرابها فقط، وولى موسى عليه السلام فزعاً منها، ﴿ولم يعقب﴾، معناه لم يرجع على عقبه،
من توليه فقال الله تعالى ﴿يا موسى أقبل﴾ فأقبل وقد آمن بتأمين اللّه إياه، ثم أمره بأن يدخل يده في جيبه
وهو فتح الجبة من حيث يخرج رأس الإنسان، وروي أن كم الجبة كان في غاية الضيق فلم يكن له جيب
تدخل يده إلا في جيبه، و((سلك)) معناه أدخل ومنه قول الشاعر: [البسيط]
1
:
من نسل جوابة الآفاق مهداج
حتى سلكن الشوا منهن في مسك من نـ
وقوله تعالى: ﴿من غير سوء﴾ أي من غير برص ولا مثلة.
وروي أن يده كانت تضيء كأنها قطعة شمس، وقوله تعالى: ﴿واضمم إليك جناحك من الرهب﴾
ذهب مجاهد وابن زيد إلى أن ذلك حقيقة، أمره بضم عضده وذراعه وهو الجناح إلى جنبه ليخف بذلك
فزعه، ومن شأن الإنسان إذا فعل ذلك في أوقات فزعه أن يقوى قلبه، وذهبت فرقة إلى أن ذلك على
المجاز والاستعارة وأنه أمره بالعزم على ما أمر به وأنه كما تقول العرب اشدد حيازيمك واربط جأشك، أي
شمر في أمرك ودع الرهب، وذلك لما كثر تخوفه في غير ما موطن قاله أبو علي، وقوله تعالى ﴿فذانك
برهانان﴾ قال مجاهد والسدي: هي إشارة إلى العصا واليد، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والناس ((الرَّهَب))
بفتح الراء والهاء، وقرأ عاصم وقتادة ((الرهْب)) بسكون الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم أيضاً
(الرُّهْب)) بضم الراء وسكون الهاء، وقرأ الجحدري ((الرُّهُب)) بضم الراء والهاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو
((فذاتّك)) بشد النون، وقرأ الباقون («فذانك)» بتخفيف النون، وقرأ شبل عن ابن كثير ((فذانيك)» بياء بعد النون
المخففة، أبدل إحدى النونين ياء كراهة التضعيف، وقرأ ابن مسعود ((فذانيك)) بالياء أيضاً مع شد النون
وهي لغة هذيل، وحكى المهدوي أن لغتهم تخفيف النون و﴿برهانان﴾، حجتان ومعجزتان، وباقي الآية
بین.
قوله عز وجل :
قَالَ رَبٍّ إِنِ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي ◌ِسَانًا
(٣٣

٢٨٨
تفسير سورة القصص / الآيات: ٣٣ - ٣٩
فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّ قُنِىّإِّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ﴿ قَالَ سَنَشُدُ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ
لَكُمَا سُلْطَنَّا فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا نَايَتِنَاْ أَنْتُمَا وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ ﴿فَلَمَّاجَاءَ هُم مُوسَى
بِشَايَئِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْمَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَابِنَا الْأَوَّلِينَ جَ وَقَالَ
مُوسَى رَبِّ أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ، وَمَنْ تَكُونُ لَمُ عَقِبَةُ الَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظِّمُونَ
أَوَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِدْ لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ
٣٧
فَأَجْعَل ◌ِ صَرْحًا لَّعَلِّ أَطَّلِعُ إِلَ إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَأَسْتَكْبَرَهُوَ
وَجُنُودُهُ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنَّوْأَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَأَ يُرْجَعُونَ
٣٩
كان موسى عليه السلام قد امتحن بمخاوف فطلب شد العضد بأخيه ﴿هارون﴾ لأنه كان فصيح
اللسان سجيح الخلق، وقرأ الجمهور ((ردءاً)) بالهمز، وقرأ نافع وحده ((رداً)) بتنوين الدال دون همز وهي
قراءة أبي جعفر والمدنيين وذلك على التخفيف من ردء، والردء الوزر المعين والذي يسند إليه في الأمر،
وذهبت فرقة إلى أنها من معنى الزيادة كما قال الشاعر [القرطبي]: [الطويل]
نوی القسب قد أردى ذراعاً على العشر
وأسمر خطّ كأن كعوبه
وهذا على ترك الهمز وأن يكون وزنه فعلا، وقرأ الجمهور ((يصدقْني)) بالجزم وذلك على جواب
﴿فأرسله﴾، وقرأ عاصم وحمزة ((يصدقني)) أي مصدقاً فهو صفة للردء أو حال، و((شد العضد)) استعارة في
المعونة والإنهاض، وقرأ الحسن بضم العين من ((عضُد))، وقرأ عيسى بن عمر بفتح العين والضاد،
و((السلطان))، الحجة، وقوله ﴿بآياتنا﴾ يحتمل أن تتعلق الباء بقوله ﴿ونجعل لكما﴾ أو بـ ﴿يصلون﴾
وتكون باء السبب، ويحتمل أن تتعلق بقوله ﴿الغالبون﴾ أي تغلبون بآياتنا، والآيات هي معجزاته عليه
السلام، ولما كذبوه ورموه بالسحر قارب موسى عليه السلام في احتجاجه وراعه تكذيبهم فرد الأمر إلى الله
عز وجل وعول على ما سيظهره في شأنهم وتوعدهم بنقمة الله تعالى منهم، وقرأ ابن كثير ((قال موسى)) بغير
واو، وقرأ غيره وجميع السبعة ((وقال)) بواو، وقرأ الجمهور ((تكون)) بالتاء، وقرأ حمزة
والكسائي ((يكون))، بالياء على التذكير إذ هي بمنزلة العاقب فهي كالصوت والصيحة والوعظ
والموعظة، واستمر فرعون في طريق مخرقته على قومه وأمر ﴿هامان﴾ بأن يطبخ له الآجر وأن يبني له
﴿صرحاً﴾ أي سطحاً في أعلى الهواء، وليس الصرح إلا ما له سطح، ويحتمل أن يكون الإيقاد على الطين
كالبرامي، وترجى بذلك بزعمه أن يطلع في السماء، فروي عن السدي أنه بناه أعلى ما يمكن ثم صعد فيه
ورمى بالنبل فردها الله تعالى إليه مخضوبة بالدم ليزيدهم عمى وفتنة، فقال فرعون حينئذ: إني قتلت إله
موسى، ثم قال ﴿وإني لأظنه من الكاذبين) يريد في أن موسى أرسله مرسل، فالظن على بابه وهو معنى
إيجاب الكفر بمنزلة التصميم على التكذيب، وقرأ حمزة والكسائي ونافع ((لا يَرجِعون))، وقرأ الباقون
والحسن وخالد ((لا يرجعون)) بضم الياء وفتح الجيم.

٢٨٩
تفسير سورة القصص / الآيات : ٤٠ - ٤٦
قوله عز وجل :
فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ
٤٠
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِ
وَجَعَلْنَهُمْ أَسِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ لَأَ يُصَرُونَ ﴾
هَذِهِالدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٥) وَلَقَدْءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
مِنْ بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
٤٣
﴿نبذناهم﴾ معناه طرحناهم، ومنه نبذ النواة ومنه قول الشاعر:
نظرت إلى عنوانہ فنبذته
كنبذك نعلا من نعالك باليا
وقوم فرعون وإن كانوا ساروا إلى البحر ودخلوه باختيارهم فإن ما ضمهم من القدر السابق السائق هو
نبذ الله تعالى إياهم فيه، و﴿اليم﴾ بحر القلزم في قول أكثر الناس، وقالت فرقة: كان غرقهم في نيل مصر
والأول أشهر، وقوله تعالى: ﴿وجلعناهم أئمة يدعون﴾ عبارة عن حالهم وأفعالهم وخاتمتهم، أي هم بذلك
كالداعين إلى النار وهم فيه أئمة من حيث اشتهروا وبقي حديثهم، فهم قدوة لكل كافر وعات إلى يوم
القيامة، و﴿المقبوحين﴾ الذين يقبح كل أمرهم قولاً لهم وفعلاً بهم، قال ابن عباس: هم الذين قبحوا بسواد
الوجوه وزرق العيون، ﴿ويوم﴾ ظرف مقدم، وقوله تعالى: ﴿من بعد ما أهلكنا القرون الأولى﴾ إخبار بأنه
أنزل التوراة على موسى بعد هلاك فرعون وقومه وبعد هذه الأمم التي قد تقدم ذكرها من عاد وثمود وقرية قوم
لوط وغيرها، والقصد بهذا الإخبار التمثيل لقريش بما تقدم في غيرها من الأمم، وقالت فرقة: إن الآية
مضمنة أن إنزال التوراة على موسى هو بعد أن رفع الله تعالى عذاب الأمم فلم تعذب أمة بعد نزول التوراة
إلا القرية التي مسخت قردة، فيما روي، وقوله ﴿بصائر﴾ نصب على الحال، أي طرائق هادية، وقوله
تعالى: ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي على ترجي البشر وما يعطيه تأميل من أمل الأمر، وروي عن أبي سعيد
الخدري أنه قال: ما أهلك الله تعالى أمة بعذاب منذ أنزل إلى الأرض غير القرية التي مسخت قردة وهم
الذين تعدوا في السبت، وهذا التعذيب من سبب شرع موسى فكأنه لا ينقص فضيلة التوراة برفع العذاب
عن الأرض.
قوله عز وجل :
وَلَكِنَّا أَنْشَأَنَا
٤٤
وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَاكُنْتَ مِنَ الشَّهِدِينَ
قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ تَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا
كُنَّا مُرْسِلِينَ ﴿ وَمَا كُنْتَ بِحَانِبِ الْقُطُورِ إِذْنَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّيِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا
مَّآ أَتَنَّهُمْ مِنْ تَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ
٤٦
المعنى ولم تحضر يا محمد هذه الغيوب التي تخبر بها ولكنها صارت إليك بوحينا أي فكان الواجب

٢٩٠
تفسير سورة القصص / الآيات: ٤٧ - ٥٠
أن يسارع إلى الإيمان بك ولكن تطاول الأمر على القرون التي أنشأناها زمناً زمناً فعزبت حلومهم
واستحكمت جهالتهم وضلالتهم، و﴿قضينا﴾ معناه أبعدنا وصيرنا، و﴿الأمر﴾ يعني النبوءة، وقالت فرقة:
يعني ما أعلمه به من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل حسن يلتئم معه ما بعده من قوله: ﴿ولكنا أنشأنا قروناً﴾،
و ((الثاوي)) المقيم، وقوله ﴿وما كنت بجانب الطور﴾ يريد وقت إنزال التوراة إلى موسى.
وقوله تعالى: ﴿إِذ نادين ، روي عن أبي هريرة أنه نودي يومئذ من السماء يا أمة محمد استجبت
لكم قبل أن تدعوني وغفرت لكم عبر أن تسألوني، فحينئذ قال موسى عليه السلام: اللهم اجعلني من أمة
محمد، فالمعنى ﴿إذا نادينا﴾ بأمرك وأخبرنا بنبوتك وقوله ﴿رحمة﴾ نصب على المصدر أو مفعول من
أجله، وقوله ﴿ولكن﴾ مرتبط بقوله ﴿وما كنت﴾ أي ﴿ولكن﴾ جعلناك وأنفذنا أمرك قديماً ﴿رحمة من
ربك﴾ أو يكون المعنى ﴿ولكن﴾ أعلمناك ونبأناك ﴿رحمة﴾ منا لك وإفضالاً، وقرأ الناس ((رحمةً))
بالنصب، وقرأ عيسى ((رحمة)) بالرفع، ويريد بالقوم الذين لم يأتهم نذير معاصر به من العرب، وباقي الآية
بين، وقال الطبري: معنى قوله ﴿إذ نادينا﴾ بأن سأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
قوله عز وجل :
وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ تُصِيبَةٌ بِمَا فَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوْ رَبَّنَا لَوْلاً أَرْسَلْتَ إِلَيْنَارَسُولًا فَنَتَّبِعَ
ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوتِى مِثْلَ مَا
أُوِ مُوسَىَّ أَوَلَمْ يَكْفُرُواْبِمَا أُوِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُواْ سِحْرَانٍ تَظَهَرَا وَقَالُوَ إِنَّا بِكُلْ كَفِرُونَ
قُلْ فَأَتُواْبِكِنَبٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَبِعُهُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴾ فَإِن لَّمْ
يَسْتَجِيبُواْلَكَ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَ هُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اْللَّهِ
٥٠
إِنَّ اللَّهَ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ
((المصيبة)) عذاب في الدنيا على كفرهم، وجواب ﴿لولا﴾ محذوف يقتضيه الكلام تقديره لعاجلناهم
بما يستحقونه، وقال الزجاج: تقديره لما أرسلنا الرسل، وقوله ﴿جاءهم الحق﴾ يريد القرآن ومحمداً عليه
السلام، والمقالة التي قالتها قريش ﴿لولا أوتي مثل ما أوتي موسى﴾ كانت من تعليم اليهود لهم قالوا لهم
لم لا يأتي بآية باهرة كالعصا واليد ونتق الجبل وغير ذلك، فعكس الله عليهم قولهم ووقفهم على أنه قد وقع
منهم في تلك الآيات ما وقع من هؤلاء في هذه، فالضمير في ﴿يكفروا﴾ لليهود، وقرأ الجمهور ((ساحران)»
والمراد بهما موسى وهارون قاله مجاهد، وقال الحسن: موسى وعيسى وقال ابن عباس: موسى ومحمد، وقال
الحسن أيضاً: عيسى ومحمد عليهما السلام، والأول أظهر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((سحران)) والمراد
٠

٢٩١
تفسير سورة القصص / الآيات: ٥١ - ٥٥
بهما التوراة والإنجيل، قال عكرمة، وقال ابن عباس: التوراة والقرآن، وقرأ ابن مسعود ((سحران اظاهرا))
وهي قراءة طلحة والضحاك.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بـ ﴿ما أوتي موسى﴾ أمر محمد الذي في التوراة كأنه يقول
وما يطلبون بأن يأتي بـ ﴿مثل ما أوتي موسى﴾ وهم قد كفروا في التكذيب بك بما أوتيه موسى من الإخبار
بك، وقوله ﴿إنا بكل كافرون﴾ يؤيد هذا التأويل، و﴿تظاهر١﴾ معناه تعاونا، وقوله تعالى: ﴿قل فأتوا بكتاب
من عند الله﴾ الآية، هذه حجة أمره الله تعالى أن يصدع بها، أي أنتم أيها المكذبون بهذه الكتب التي قد
تضمنت الأمر بالعبادات ومكارم الأخلاق ونهت عن الكفر والنقائص ووعد الله تعالى مع ذلك الثواب عليها
الجزيل إن كان تكذيبهم لمعنى وبحال صحة ﴿فأتوا بكتاب من عند الله﴾ يهدي أكثر من هدي هذه أتبعه
معكم، ثم قال تعالى ﴿فإن لم يستجيبوا لك﴾ وهو قد علم أنهم لا يستجيبون على معنى الإيضاح لفساد
حالهم، وسياق القياس البين لأنهم متبعون لأهوائهم، ثم عجب تعالى من ضلال من تبع هواه بغير هداية
ولغير مقصد نير وقرر على ذلك على جهة البيان أي لا أحد أضل منه .
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ وَضَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَنَذَكَّرُونَ ﴿١٨)الَّذِينَءَانَيْنَهُمُ الْكِتَبَ مِنْ قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ!
٥٢
. أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم
٣٥٣
وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوَأْءَ امَنَا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَبِّنَآ إِنَّاكُنَّا مِن قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ
مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُ ونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّارَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ!
وَإِذَا سَمِعُواْاللَّغْوَ
٥٤
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُوْلَنَا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْسَلَمْ عَلَيْكُمْ لَبْتَغِىِ الْجَاهِلِينَ
الذين وصل ﴿لهم القول﴾ هم قريش قاله مجاهد وغيره، وقال أبو رفاعة القرظي: نزلت في اليهود في
عشرة أنا أحدهم ذكره الطبري، وقال الجمهور: معناه واصلنا لهم في القرآن وتابعناه موصولاً بعضه ببعض
في المواعظ والزجر والدعاء إلى الإسلام، قال الحسن وفي ذكر الأمم المهلكة وصلت لهم قصة بقصة
حسب مرور الأيام، وذهب مجاهد أن معنى ﴿وصلنا﴾ فصلنا أي جعلناه أوصالاً من حيث كان أنواعاً من
القول في معان مختلفة، ومعنى اتصال بعضه ببعض حاصل من جهة أخرى لكن إنما عدد عليهم هاهنا
تقسيمه في أنواع من القول، وذهب الجمهور إلى أن هذا التوصيل الذي وصل لهم القول معناه وصل
المعاني من الوعظ والزجر وذكر الآخرة وغير ذلك، وذهبت فرقة إلى أن الإشارة بتوصيل القول إنما هي إلى
الألفاظ أي إلى الإعجاز، فالمعنى ﴿ولقد وصلنا لهم﴾ قولاً معجزاً على نبوتك.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى الأول تقديره ﴿ولقد وصلنا لهم﴾ قولاً تضمن معاني من تدبرها
اهتدى، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((ولقد وصلنا)» بتخفيف الصاد، وقوله ﴿لعلهم يتذكرون﴾ أي في طمع
البشر، وظاهر الأمر عندهم وبحسبهم، ثم ذكر تعالى القوم الذين آمنوا من أهل الكتاب مباهياً بهم قريشاً،
واختلف إلى من الإشارة، فقيل إلى جماعة من اليهود أسلمت وكانت تلقى من الكفار أذى، وقيل إلى بحيرا

٢٩٢
تفسير سورة القصص / الآيات : ٥٦ - ٥٨
الراهب، وقال الزهراوي: إلى النجاشي، وقيل: إلى سلمان وابن سلام، وأسند الطبري عن علي بن أبي
رفاعة قال: خرج عشرة رهط من أهل الكتاب فيهم أبو رفاعة يعني أباه فأسلموا فأوذوا فنزلت فيهم هذه الآية،
والضمير في ﴿قبله﴾ يحتمل أن يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يعود على القرآن، وما
بعد يؤيد هذا، قوله ﴿وإذا يتلى عليهم) وقولهم ﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ يريدون الإسلام المتحصل لهم
من شريعة موسى وعيسى عليهما السلام، و﴿أجرهم مرتين﴾ معناه على ملتين وبحظوة شريعتين، وهذا
المعنى هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة يؤتيهم أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب
آمن بنبيه وآمن بي، والعبد الناصح في عبادة ربه وخدمة سيده، ورجل كانت له أمة فأدبها وعلمها ثم
أعتقها وتزوجها)) وقوله تعالى: ﴿بما صبروا﴾ عام في صبرهم على ملتهم ثم على هذه وعلى الأذى الذي
يلقونه من الكفار وغير ذلك من أنواع الصبر، وقوله تعالى: ﴿ويدرؤون﴾ معناه يدفعون هذا وصف لمكارم
الأخلاق أي يتعاقبون ومن قال لهم سوءاً لاينوه وقابلوه من القول الحسن بما يدفعه، وهذه آية مهادنة وهي
في صدر الإسلام وهي مما نسخته آية السيف وبقي حكمها فيما دون الكفر يتعاطاها أمة محمد إلى يوم
القيامة، وقوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ مدح لهم بالنفقة في الطاعات وعلى رسم الشرع، وفي
ذلك حض على الصدقات ونحوها، و﴿اللغو﴾ سقط القول، والقول يسقط لوجوه يعز حصرها، فالفحش
لغو، والسب لغو، واليمين لغو حسب الخلاف فيها، وكلام مستمع الخطبة لغو، والمراد من هذا في هذه
الآية ما كان سباً وأذى فأدب أهل الإسلام الإعراض عنه، والقول على جهة التبري ﴿لنا أعمالنا ولكم
أعمالكم﴾ وقال ابن زيد ﴿اللغو) ها هنا ما كان بنو أسرائيل كتبوه في التوراة مما ليس من عند الله.
قال القاضي أبو محمد: فهذه المهادنة هي لبني إسرائيل الكفار منهم، و﴿سلام عليكم﴾ في هذا
الموضع ليس المقصود بها التحية، لكنه لفظ التحية قصد به المتاركة، وهو لفظ مؤنس مستنزل لسامعه إذ
هو في عرف استعماله تحية.
قال الزجاج: وهذا قبل الأمر بالقتال، و﴿لا نبتغي الجاهلين﴾ معناه لا نطلبهم للجدال والمراجعة
والمسابة .
قوله عز وجل :
، وَقَالُوَاْإِن تََِّّعِ
٥٦
إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِيِن (
الْهُدَى مَعَكَ نُنَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ ثُمَكِن لَّهُمْ حَرَمَاءَامِنَّا يُحْبَ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَىْ ءِرِّزْقًا
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا
٥٧
مِّنْ لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
فَتِلْكَ مَسَكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِ هِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَرِثِنَ
٥٨
أجمع جل المفسرين على أن قوله تعالى ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ إنما نزلت في شأن أبي طالب
عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أبو هريرة وابن المسيب وغيرهما: إن النبي صلى الله عليه وسلم
:

٢٩٣
تفسير سورة القصص / الآيات : ٥٩ - ٦١
دخل عليه وهو يجود بنفسه فقال له: ((أي عم قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله))، وكان بحضرته
عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل بن هشام فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب يا أبا طالب؟ فقال أبو
طالب: يا محمد لولا أني أخاف أن يعير بها ولدي من بعدي لأقررت بها عينك، ثم قال أبو طالب: أنا على
ملة عبد المطلب والأشياخ، فتفجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج عنه فمات أبو طالب على كفره
فنزلت هذه الآية، قال أبو روق: قوله تعالى: ﴿ولكن الله يهدي من يشاء﴾، إشارة إلى العباس، والضمير في
قوله ﴿وقالوا﴾ لقريش، قال ابن عباس والمتكلم بذلك فيهم الحارث بن نوفل وقصد الإخبار بأن العرب
تنكر عليهم رفض الأوثان وفراق حكم الجاهلية فتخطفهم من أرضهم، وقوله و﴿الهدى﴾ معناه على
زعمك، وحكى الثعلبي أنه قال له إنا لنعلم أن الذي تقول حق ولكن إن اتبعناك تخطفنا العرب فقطعهم الله
تعالى بالحجة، أي أليس كون الحرم لكم مما يسرناه وكففنا عنكم الأيدي فيه فكيف بكم لو أسلمتم واتبعتم
ديني وشرعي، وروي عن أبي عمرو ((نتخطفُ)) بضم الفاء، و((أمن الحرم)) هو أن لا يغزى ولا يؤذى فيه
أحد، وقوله تعالى ﴿يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ أي تجمع وتجلب، وقرأ نافع وحده ((تجبى)) بالتاء من
فوق، وقرأ الباقون ((يجبى)) بياء من تحت، ورويت التاء من فوق عن أبي عمرو وأبي جعفر وشيبة بن
نصاح، وقوله تعالى: ﴿كل شيءٍ﴾، يريد مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم، وليس العموم فيه على
الإطلاق، وقرأ أبان بن تغلب ((ثُمُرات)) بضم الثاء والميم، ثم توعد تعالى قريشاً بضرب المثل بالقرى
المهلكة، أي فلا تغتروا بالحرم والأمن والثمرات التي تجبى، فإن الله تعالى يهلك الكفرة على ما سلف في
الأمم، و﴿بطرت﴾ معناه سفهت وأشرت وطغت قاله ابن زيد وغيره، و﴿معيشتها﴾ نصب على التفسير
مثل قوله ﴿سفه نفسه﴾ [البقرة: ١٣٠] وقال الأخفش هو إسقاط حرف الجر أي ﴿بطرت﴾ في ﴿معيشتها)
ثم أحالهم على الاعتبار في خراب ديار الأمم المهلكة كحجر ثمود وغيره وباقي الآية بين .
قوله عز وجل :
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِىَ أُمِّهَا رَسُولًا يَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى
اُلْقُرَى إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَلِمُونَ ثَّأَوَمَا أُوتِيتُم مِّن شَىءٍ فَمَنَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِندَ
أَفَمَنْ وَعَدْنَهُ وَعْدَا حَسَنًا فَهُوَ لَقِيْهِ كَمَن مَّنَّعْنَهُ مَتَعَ الْحَيَوَةِ
٦٠
٠٠١٠٠٠٠٠
اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَ تَعْقِلُونَ
٦١
الدُّنْيَاثُمَ هُوَيَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ
إن كانت الإرادة بـ ﴿القرى﴾ المدن التي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فـ ((أم القرى)) مكة،
وإن كانت الإرادة ﴿القرى﴾ بالإطلاق في كل زمن فـ ﴿أمها﴾ في هذا الموضع أعظمها وأفضلها الذي هو
بمثابة مكة في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت أم القرى كلها أيضاً من حيث هي أول ما خلقٍ
من الأرض ومن حيث فيها البيت، ومعنى الآية أن الله تعالى يقيم الحجة على عباده بالرسل فلا يعذب إلا
بعد نذارة وبعد أن يتمادى أهل القرى في ظلم وطغيان، و((الظلم)) هنا يجمع الكفر والمعاصي والتقصير في
الجهاد وبالجملة وضع الباطل موضع الحق، ثم خاطب تعالى قريشاً محقراً لما كانوا يفخرون به من مال

٢٩٤
تفسير سورة القصص / الآيات : ٦٢ - ٦٤
وبنين وغير ذلك من قوة لم تكن عند محمد صلى الله عليه وسلم ولا عند من آمن به فأخبر تعالى قريشاً أن
ذلك متاع الدنيا الفاني وأن الآخرة وما فيها من النعم التي أعدها الله لهؤلاء المؤمنين ﴿خير وأبقى﴾، ثم
وبخهم بقوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾، وقرأ الجمهور ((أفلا يعقلون)) بالياء، وقرأ أبو عمرو وحده بالتاء من
فوق، وروي عنه بالياء، كذا قال أبو علي في الحجة، وذلك خلاف ما حكى أبو حاتم والناس، فإن نافعاً
يقرأ بالتاء من فوق وهي قراءة الأعرج والحسن وعيسى، ثم زادهم توبيخاً بقوله ﴿أفمن وعدناه وعداً
حسناً﴾ الآية، وقوله ﴿أفمن وعدناه﴾ يعم معناها جميع العالم لكن اختلف الناس فيمن نزلت، فقال مجاهد:
الذي وعد الوعد الحسن هو محمد عليه السلام وضده أبو جهل، وقال مجاهد أيضاً: نزلت في حمزة وأبي
جهل، وقيل في علي وأبي جهل، وقال قتادة: نزلت عامة في المؤمن والكافر كما معناها عام.
قال القاضي أبو محمد: ونزولها عام بين الاتساق بما قبله من توبيخ قريش، و﴿من المحضرين﴾، .
معناه في عذاب الله قاله مجاهد وقتادة، ولفظة (محضرين﴾ مشيرة إلى سوق بجبر، وقرأ طلحة ((أمن
وعدناه)) بغير فاء، وقرأ مسروق ((أفمن وعدناه نعمة منا فهو لاقيها)).
قوله عز وجل :
قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءٍ
٦٢
وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُمْ تَزْعُمُونَ
الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَهُمْ كُمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأَنَآ إِلَيْكَ مَا كَانُواْإِنَّانَا يَعْبُدُونَ ﴿ وَقِيلَ أَدْعُواْ شُرَّكََّكُمْ
٦٤
فَدَعَوْهُمْ فَلَوْ يَسْتَجِيبُوْ لَهُمْ وَرَأَوْ الْعَذَابَ لَوْأَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ
التقدير واذكر يوم، وهذا النداء يحتمل أن يكون بواسطة، ويحتمل بغير ذلك، والضمير المتصل
بـ ﴿ينادي﴾ لعبدة الأصنام والإشارة إلى قريش وكفار العرب وقوله ﴿أين﴾، على جهة التقريع والتوبيخ
وقوله ﴿شركائي﴾ أي على قولكم وزعمكم.
قال القاضي أبو محمد: ولما كان هذا السؤال مسكتاً لهم مبهتاً فكأنه لا متعلق لجمهور الكفرة إلا
بـ ((المغوين)) لهم والأعيان، الرؤوس منهم وبالشياطين المغوين فكأن هذه الصنيفة المغوية إنما أتت الكفرة
على علم فالقول عليها متحقق وكلمة العذاب ماضية لكنهم طمعوا في التبري من كل أولئك الكفرة الأتباع
فقالوا ﴿ربنا هؤلاء﴾ إنما أضللناهم كما ضللنا نحن باجتهاد لنا ولهم وأرادوا هم اتباعنا وأحبوا الكفر كما
أحببناه .
فنحن نتبرأ إليك منهم وهم لم يعبدونا إنما عبدوا غيرنا.
قال القاضي أبو محمد: فهذا التوقيف يعم جميع الكفرة، والمجيبون هم كل مغوداع إلى الكفر من
الشياطين ومن الإنس الرؤساء والعرفاء والسادة في الكفر، وقرأ الجمهور ((غوينا)) بفتح الواو، يقال غوى
الرجل يغوى بكسر الواو، وروي عن ابن عامر وعاصم ((غوِينا)) بكسر الواو، ثم أخبر تعالى أنه يقال للكفرة
العابدين للأصنام الذين اعتقدوهم آلهة ﴿ادعوا شركاءكم﴾ أي الأصنام التي كنتم تزعمون أنهم شركاء لله،
.

٢٩٥
تفسير سورة القصص / الآيات : ٦٥ - ٦٨.
وأضاف الشركاء إليهم لما كان ذلك الاسم بزعمهم ودعواهم، فيهذا القول من الاختصاص أضاف الشركاء
إليهم، ثم أخبر أنهم دعوهم فلم يكن في الجمادات ما يجيب ورأى الكفار العذاب، وقوله تعالى: ﴿لو
أنهم كانوا يهتدون﴾ ذهب الزجاج وغيره من المفسرين إلى أن جواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره لما نالهم
العذاب ولما كانوا في الدنيا عابدين للأصنام ففي الكلام على هذا التأويل تأسف عليهم، وذلك محتمل مع
تقديرنا الجواب لما كانوا عابدين للأصنام وفيه مع تقديرنا الجواب لما نالهم العذاب نعمة منا، وقالت فرقة
﴿لو﴾ متعلقة بما قبلها تقديره فودّوا ﴿لو أنهم كانوا يهتدون﴾ .
قوله عز وجل :
وَيَوْمَ يُنَادِ هِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبَّتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴿ فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَيِذٍفَهُمْ لَا يَتَسَآءَ لُونَ
فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَيّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا
٦٨
يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَنَ اللَّهِ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
هذا النداء أيضاً كالأول في احتماله الواسطة من الملائكة، وهذا النداء أيضاً للكفار يوقفهم على ما
أجابوا به ﴿المرسلين﴾ الذين دعوهم إلى الله تعالى فتعمى ﴿عليهم الأنباء﴾ أي أظلمت لهم الأمور فلم
يجدوا خبراً يخبرون به مما لهم فيه نجاة، وساق الفعل في صيغة المضي لتحقق وقوعه وأنه يقين،
والماضي من الأفعال متيقن فلذلك توضع صيغته بدل المستقبل المتيقن وقوعه وصحته، و((عميت)) معناه
أظلمت جهاتها وقرأ الأعمش ((فُعُمّيت)) بضم العين وشد الميم، وروي في بعض الحديث: كان الله في عماء،
وذلك قبل أن يخلق الأنوار وسائر المخلوقات، و﴿الأنباء﴾ جمع نبأ، وقوله تعالى ﴿فهم لا يتساءلون﴾
معناه فيما قال مجاهد وغيره بالأرحام والمتات الذي عرفه في الدنيا أن يتساءل به لأنهم قد أيقنوا أن كلهم لا
حيلة له ولا مكانة .
ويحتمل أن يريد أنهم لا يتساءلون عن الأنباء ليقين جميعهم أنه لا حجة لهم، ثم انتزع تعالى من
الكفرة ﴿من تاب﴾ من كفره ﴿وآمن﴾ بالله ورسله ﴿وعمل﴾ بالتقوى، ورجى عز وجل فيهم أنهم يفوزون
ببغيهم ويبقون في النعيم الدائم وقال كثير من العلماء ((عسى)) من الله واجبة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ظن حسن بالله تعالى يشبه فضله وكرمه واللازم من ((عسى)) أنها ترجية
لا واجبة، وفي كتاب الله عز وجل ﴿عسى ربه إن طلقكن﴾ [التحريم: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وربك يخلق ما
يشاء ويختار) الآية، قيل سببها ما تكلمت به قريش من استغراب أمر النبي صلى الله عليه وسلم وقول
بعضهم ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: ٣١] فنزلت هذه الآية بسبب تلك
المنازع، ورد الله تعالى عليهم وأخبر أنه يخلق من عباده وسائر مخلوقاته ما يشاء وأنه يختار لرسالته من يريد
ويعلم فيه المصلحة ثم نفى أن يكون الاختيار للناس في هذا ونحوه، هذا قول جماعة من المفسرين أن
﴿ما﴾ نافية أي ليس لهم تخير على الله تعالى فتجيء الآية كقوله تعالى ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى
الله﴾ الآية [الأحزاب: ٣٦].

٢٩٦
تفسير سورة القصص / الآيات : ٦٩ - ٧٣
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد و﴿يختار﴾ الله تعالى الأديان والشرائع وليس لهم الخيرة في
أن يميلوا إلى الأصنام ونحوها في العبادة، ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى: ﴿سبحان الله وتعالى عما
يشركون﴾، وذهب الطبري إلى أن ﴿ما﴾ في قوله تعالى و﴿يختار ما كان﴾ مفعولة بـ ﴿يختار﴾ قال:
والمعنى أن الكفار كانوا يختارون من أموالهم لأصنامهم أشياء فأخبر الله تعالى أن الاختيار إنما هو له وحده
يخلق ويختار من الرسل والشرائع ما كان خيرة للناس لا كما يختارون هم ما ليس إليهم ويفعلون ما لم
یؤمروا به .
قال القاضي أبو محمد: واعتذر الطبري عن الرفع الذي أجمع القراء عليه في قوله تعالى: ﴿ما كان لهم
الخيرة﴾ بأقوال لا تتحصل وقد رد الناس عليه في ذلك، وذكر عن الفراء أن القاسم بن معن أنشده بيت
عنترة: [البسيط]
لو كان ذا منك قبل اليوم معروف
أمن سمية دمع العين تذريف
وقرن الآية بهذا البيت والرواية في البيت لو أن ذا ولكن على ما رواه القاسم يتجه في بيت عنترة أن
يكون الأمر والشأن مضمراً في كان وذلك في الآية ضعيف، لأن تفسير الأمر والشأن لا يكون بجملة فيها
مجرور وفي هذا كله نظر، والوقف على ما ذهب إليه جمهور الناس في قوله ﴿ويختار﴾ وعلى ما ذهب إليه
الطبري لا يوقف على ذلك ويتجه عندي أن يكون ﴿ما﴾ مفعولة إذا قدرنا ﴿كان﴾ تامة أي أن الله تعالى
يختار كل كائن ولا يكون شيء إلا بإذنه، وقوله تعالى: ﴿لهم الخيرة﴾ جملة مستأنفة معناها تعديد النعمة
عليهم في اختيار الله تعالى لهم لو قبلوا وفهموا.
قوله عز وجل :
وَرَبِّكَ يَعْلَمُ مَاتُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَّلَهُ الْحَمْدُ فِى الْأُولَى
وَاْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿ قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اَللَّهُ عَلَيْكُمُ الَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ
قُلْ أَرَءَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ
٧١
مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِيَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ
النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيَّةِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
أَوَ مِن رَحْمَتِهِ، جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ وَالنَّهَاَ لِتَسْكُواْفِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْتَشْكُرُونَ
٧٣
ذكر تعالى في هذه الآيات أموراً يشهد عقل كل مفطور بأن الأصنام لا شركة لها فيها، فمنها علم ما
في النفوس وما يجيش بالخواطر، و﴿تكن﴾ معناه تستر، وقرأ ابن محيص ((تَكُن)) بفتح التاء وضم الكاف،
وعبر عن القلب بـ ((الصدر)) من حيث كان محتوياً عليه، ومعنى الآية أن الله تعالى يعلم السر والإعلان، ثم
أفرد نفسه بالألوهية ونفاها عن سواه، وأخبر أن الحمد له في الدنيا والآخرة إذ له الصفات التي تقتضي
ذلك، و﴿الحكم﴾ في هذا الموضع القضاء والفصل في الأمور، ثم أخبر بالرجعة إليه والحشر، ثم أمر
تعالى نبيه أن يوقفهم على أمر الليل والنهار وما منح الله فيهما من المصالح والمرافق وأن يوقفهم على

٢٩٧
تفسير سورة القصص / الآيتان: ٧٤، ٧٥
إيجاده تعالى بتقليب الليل والنهار، وأنه لو مد أحدهما ﴿سرمداً﴾ لما وجد من يأتي بالآخر، و ((السرمد))
من الأشياء الدائم الذي لا ينقطع، وقرأت فرقة هي الجمهور ((بضياء)) بالياء، وقرأ ابن كثير في رواية قنبل
((ضئاء)) بهمزتين وضعفه أبو علي، ثم ذكر عز وجل انقسام الليل والنهار على السكون وابتغاء الفضل بالمشي
والتصرف وهذا هو الغالب في أمرالليل والنهار، فعدد النعمة بالأغلب وإن وجد من يسكن بالنهار ويبتغي
فضل الله بالليل فالشاذ النادر لا يعتد به، وقال بعض الناس: قوله تعالى ﴿جعل لكم الليل والنهار﴾ إنما عبر
به عن الزمان لم يقصد لتقسيم، أي في هذا الوقت الذي هو ليل ونهار يقع السكون وابتغاء الفضل، وقوله
﴿ولعلكم﴾ أي على نظر البشر من يرى هذا التلطف والرفق يرى أن ذلك يستدعي الشكر ولا بد.
قوله عز وجل :
وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴿ وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ
شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوْبُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُوا أَنَّ الْحَقّ ◌ِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ
٧٥
التقدير ((واذكر يوم يناديهم)) وكرر هذا المعنى إبلاغاً وتحذيراً وهذا النداء هو عند ظهور كل ما وعد
الرحمن على ألسنة المرسلين من وجوب الرحمة لقوم والعذاب لآخرين ومن خضوع كل جبار وذلة الكل
لعزة رب العالمين.
فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار ﴿فيقول﴾ الله تعالى لهم: ﴿أين شركائي﴾ على معنى التقريع، ثم أخبر
تعالى أنه يخرج في ذلك اليوم ﴿من كل أمة شهيداً﴾ يميز بينه وبين الناس وهذا هو النزع أن يميز بين شيئين
فينتزع أحدهما من الآخرة، وقال مجاهد: أراد بـ ((الشهيد)) النبي الذي يشهد على أمته وقال الرماني: وقيل
أراد عدولاً من الأمم وخياراً.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهم حملة الحجة الذين لا يخلو منهم زمان، و((الشهيد)) على هذا
التأويل، اسم الجنس وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر تقديره يشهد على الأمة بخيرها وشرها
فيحق العذاب على من شهد عليه بالكفر ويقال لهم على جهة استبراء الحجة والاعذار في المحاورة ﴿هاتوا
برهانكم﴾ على حق بأيديكم إن كان لكم، فيسقط حينئذ في أيديهم ويعلمون ﴿أن الحق﴾ متوجه ﴿شه﴾
عليهم في تعذيبهم، وينتلف لهم ما كانوا بسبيله في الدنيا من كذب مختلق وزور في قولهم هذه آلهتنا
للأصنام وفي تكذيبهم للرسل وغير ذلك، ومن هذه الآية انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم أبقيت لك
حجة.
قوله عز وجل :
إِنَّقَرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَنَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ
أُوْ لِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُلَا تَفْرَعْ إِنَّاللَّهَ لَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴿ وَأَبْنَعِ فِيِمَآءَاتَنْكَ اللَّهُ الدَّارَ

٢٩٨
تفسير سورة القصص / الآيتان : ٧٧٠٧٦
اْآَخِرَةُ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَّاً وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكٌ وَلاَتَبْغِ الْفَسَادَ فِي
٧٧
اُلْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
﴿قارون﴾ اسم أعجمي فلذلك لم ينصرف واختلف الناس في قرابة (قارون) من (موسى) عليه
السلام فقال ابن إسحاق هو عمه، وقال ابن جريج وإبراهيم النخعي هو ابن عمه لحّاً، وهذا أشهر، وقيل
هو ابن خالته، وهو بإجماع رجل من بني إسرائيل كان ممن آمن بموسى وحفظ التوارة وكان من أقرأ الناس
لها، وكان عند موسى من عباد المؤمنين ثم إنه لحقه الزهو والإعجاب فبغى على قومه بأنواع من البغي من
ذلك كفره بموسى واستخفافه به ومطالبته له فيما قال ابن عباس بأنه عمد إلى امرأة مومسة ذات جمال وقال
لها أنا أحسن إليك وأخلطك بأهلي على أن تجيئي في ملإ بني إسرائيل عندي فتقولي يا قارون أكفني أمر
موسى فإنه يعترضني في نفسي، فجاءت المرأة فلما وقفت على الملا أحدث الله تعالى لها توبة، فقالت يا
بني إسرائيل إن قارون قال لي كذا وكذا، ففضحته في جميع القصة، وبرأ الله تعالى موسى من مطالبته،
وقيل بل قالت المرأة ذلك عن موسى فلما بلغه الخبر وقف المرأة بمحضر ملاٍ من بني إسرائيل فقالت يا نبي
الله كذبت عليك وإنما دعاني قارون إلى هذه المقالة وكان من بغيه أنه زاد في ثيابه شبراً على ثياب الناس،
قاله شهر بن حوشب، إلى غير ذلك مما يصدر عمن فسد اعتقاده، وكان من أعظم الناس مالاً وسميت
أمواله ((كنوزاً)) إذ كان ممتنعاً من أداء الزكاة وبسبب ذلك عادى موسى عليه السلام أول عداوته، و ((المفاتح)»
ظاهرها أنها التي يفتح بها ويحتمل أن يريد بها الخزائن والأوعية الكبار، قاله الضحاك لأن المفتح في كلام
العرب الخزانة .
قال القاضي أبو محمد: وأكثر المفسرون في شأن ﴿قارون﴾ فروي عن خيثمة أنه قال: نجد في
الإنجيل مكتوباً أن مفاتيح قارون كانت من جلود الإبل وكان المفتاح من نصف شبر وكانت وقر ستين بعيراً أو
بغلا لکل مفتاح کنز.
قال الفقيه الإمام القاضي: وروي غير هذا مما يقرب منه ذلك كله ضعيف والنظر يشهد بفساد هذا
ومن كان الذي يميز بعضها عن بعض وما الداعي إلى هذا وفي الممكن أن ترجع كلها إلى ما يحصى ويقدر
وعلى حصره بسهولة وكان يلزم على هذا المعنى أن تكون ((مفاتيح)) بياء وهي قراءة الأعمش والذي يشبه إنما
هو أن تكون ((المفاتيح)) من الحديد ونحوه وعلى هذا ﴿تنوء بالعصبة﴾ إذا كانت كثيرة لكثرة مخازنه
وافتراقها من المواضع أو تكون ((المفاتيح)) الخزائن، قال أبو صالح كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً
وأما قوله ﴿تنوء﴾ فمعناه تنهض بتحامل واشتداد ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
ينؤن ولم يكسبن إلا قنازعاً من الريش تنواء النعاج الهزائل
ومنه قول الآخر يصف رامياً : [الرجز]
وناء في شق الشمال كاهله
حتى إذا ما اعتدلت مفاصله
والوجه أن يقال إن العصبة تنوء بالمفاتح المثقلة لها وكذلك قال كثير من المتأولين المراد هذا لكنه
:

٢٩٩
تفسير سورة القصص / الآيتان : ٧٦، ٧٧
قلب كما تفعل العرب كثيراً، فمن ذلك قول الشاعر: [الوافر]
وما آلوك إلا ما أطيق
فديت بنفسه نفسي ومالي
ومن ذلك قول الآخر [خداش بن زهير]: [الطويل]
وتشفي الرماح بالضياطرة الحمر
وتركب خيل لا هوادة بينها
وهذا البيت لا حجة فيه إذ يتجه على وجهه فتأمله، ومن ذلك قول الآخر:
إذا شب حر وقودها أجدالها
فما كنت في الحرب العوان مغمزاً
وقال سيبويه والخليل التقدير ((لتنيء العصبة)) فجعل بدل ذلك تعدية الفعل بحرف الجر كما تقول ناء
الحمل وأنأته ونؤت به، بمعنى جعلته ينوء والعرب تقول ناء الحمل بالبعير إذا أثقله.
قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يسند﴿ تنوء﴾ إلى المفاتح مجازاً لأنها تنهض بتحامل إذا فعل
ذلك الذي ينهض بها وهذا مطرد في قولهم ناء الحمل بالعير ونحوه فتأمله، واختلف الناس في ﴿العصبة﴾
كم هي فقال ابن عباس ثلاثة، وقال قتادة من العشرة إلى الأربعين، وقال مجاهد خمسة عشر حملاً، وقيل
أحد عشر حملاً على إخوة يوسف وقيل أربعون، وقرأ بديل بن ميسرة ((لينوء)) بالياء ووجهها أبو الفتح على
أنه يقرأ ((مفاتحه)) جمعاً وذكر أبو عمرو الداني أن بديل بن ميسرة قرأ ((ما إن مفتاحه)) على الإفراد فيستغنى
على هذا عن توجيه أبي الفتح، وقوله تعالى: ﴿إذ قال له قومه﴾، متعلق بقوله ﴿فبغى﴾، ونهوه عن الفرح
المطغي الذي هو انهماك وانحلال نفس وأشر وإعجاب، و((الفرح)) هو الذي تخلق دائماً بالفرح، ولا يجب
في هذا الموضع صفة فعل لأنه أمر قد وقع فمحال أن يرجع إلى الإرادة وإنما هو لا يظهر عليهم بركته ولا
يبهم رحمته، ثم وصوه أن يطلب بماله رضى الله تعالى ويقدم لآخرته، وقوله تعالى: ﴿ولا تنس نصيبك
من الدنيا﴾، اختلف المتأولون فيه فقال ابن عباس والجمهور: معناه لا تضيع عمرك في أن لا تعمل عملاً
صالحاً في دنياك إذ الآخرة إنما يعمل لها في الدنيا فنصيب الإنسان وعمله الصالح فيها فينبغي أن لا يهمله.
قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام كله على هذا التأويل شدة في الموعظة.
وقال الحسن وقتادة: معناه ولا تضيع أيضاً حظك من دنياك في تمتعك بالحلال وطلبك إياه ونظرك
لعاقبة دنياك.
قال الفقيه الإمام القاضي: فالكلام على هذا التأويل فيه بعض الرفق به وإصلاح الأمر الذي يشتهيه
وهذا مما يجب استعماله مع الموعوظ خشية النبوة من الشدة، وقال الحسن: معناه قدم الفضل وأمسك ما
يبلغ. وقال مالك: هو الأكل والشرب بلا سرف. وحكى الثعلبي أنه قيل أرادوا بنصيبه الكفن.
قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا وعظ متصل كأنهم قالوا لا تنس أنك تترك جميع مالك إلا نصيبك
الذي هو الكفن ونحو هذا قول الشاعر: [الطويل]
نصيبك مما تجمع الدهر كله
رداءان تلوى فيهما وحنوط

٣٠٠
تفسير سورة القصص / الآيتان: ٧٩،٧٨
وقوله ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ أمر بصلة المساكين وذوي الحاجة وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
قَالَ إِنَّمَا أُوِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَ هْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّمِنْهُ
قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًاً وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَتِهِ، قَالَ الَّذِينَ
يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوِى قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ
١٩
القائل قارون لما وعظه قومه وندبوه إلى اتقاء اللّه تعالى فى المال الذي أعطاه تفضلاً منه عليه أخذته
العزة بالإثم فأعجب بنفسه، وقال لهم على جهة الرد عليهم والروغان عما ألزموه فيه ﴿إنما أوتيته على علم
عندي﴾، ولكلامه هذا وجهان يحتملهما وبكل واحد منهما قالت فرقة من المفسرين فقال الجمهور منهم إنه
ادعى أن عنده علماً استوجب به أن يكون صاحب ذلك المال وتلك النعمة، ثم اختلفوا في العلم الذي
أشار إليه ما هو، فقال بعضهم علم التوراة وحفظها، قالوا وكانت هذه مغالطة ورياء، وقال أبو سليمان
الداراني: أراد العلم بالتجارب ووجوه تثمير المال فكأنه قال ﴿أوتيته﴾ بإدراكي وبسعبي، وقال ابن المسيب:
أراد علم الكيمياء، وقال ابن زيد وغيره: إنما أراد ﴿أوتيته على علم﴾ من الله وتخصيص من لدنه قصدني به
أي فلا يلزمني فيه شيء مما قلتم، ثم جعل قوله ﴿عندي﴾ كما تقول في معتقدي وعلى ما أراه.
قال الفقيه الإمام القاضي: وعلى الاحتمالين معاً فقد نبه القرآن على خطئه في اغتراره وعارض منزعه
بأن من معلومات الناس المنحققة عندهم ﴿أن الله﴾ تعالى ﴿قد أهلك﴾ من الأمم والقرون والملوك من هو
أشد من قارون قوة وأكثر جمعاً إما للمال وإما للحاشية والغاشية، وقوله تعالى: ﴿أو لم يعلم﴾ يرجح أن
قارون تشبع بعلم نفسه على زعمه، وقوله تعالى: ﴿ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون﴾، قال محمد بن
كعب: هو كلام متصل بمعنى ما قبله، والضمير في ﴿ذنوبهم﴾ عائد على من أهلك من القرون، أي أهلكوا
ولم يُسأل غيرهم بعدهم عن ذنوبهم أي كل واحد إنما يكلم ويعاقب بحسب ما يخصه، وقالت فرقة : هو
إخبار مستأنف عن حال يوم القيامة أن المجرمين لا يسألون عن ذنوبهم، قال قتادة ذلك لأنهم يدخلون النار
بغير حساب، وقال قتادة أيضاً ومجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن ذنوبهم لأنهم يعرفونهم بسيماهم من
السواد والتشويه ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم﴾ [الرحمن: ٤١].
قال الفقيه الإمام القاضي: وفي كتاب الله تعالى آيات تقتضي أن الناس يوم القيامة يُسألون كقوله
تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسؤولون﴾ [الصافات: ٢٤] وغير ذلك، وفيه آيات تقتضي أنه لا يسأل أحد كقوله
تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩]، وغير ذلك، فقال الناس في هذا إنها
مواطن وطوائف، وذلك من قوله محتمل ويشبه عندي أن تكون الآيات التي توجب السؤال إنما يراد بها
أسئلة التوبيخ والتقرير والتي تنفي السؤال يراد بها أسئلة الاستفهام والاستخبار على جهة الحاجة إلى علم
ذلك من المسؤولين، أي أن ذلك لا يقع لأن العلم بهم محيط وسؤال التوبيخ غير معتد به، ثم أخبر تعالى أن
قارون (خرج على قومه)) وقد أظهر قدرته من الملابس والمراكب وزينة الدنيا، قال جابر ومجاهد: خرج في
:. :