النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
تفسير سورة النمل / الآيات: ٤١ - ٤٤
تخبر سليمان بمناقل سيرها فلما قربت قال ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾، واختلف المفسرون في ﴿الذي عنده
علم من الكتاب﴾ من هو، فجمهور الناس على أنه رجل صالح من بني إسرائيل اسمه ((آصف بن برخيا))
روي أنه صلى ركعتين ثم قال يا نبي الله أمدد بصرك فمد بصره نحو اليمن فإذا بالعرش فما رد سليمان بصره
إلا وهو عنده، وقال قتادة اسمه بليخا، وقال إبراهيم النخعي هو ((جبريل عليه السلام))، وقال ابن لهيعة هو
الخضر وحكى النقاش عن جماعة أنهم سمعوا أنه ضبة بن آد جد بني ضبة من العرب، قالوا وكان رجلاً
فاضلا يخدم سليمان على قطعة من خيله .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة بل هو سليمان عليه السلام والمخاطبة في
هذا التأويل للعفريت لما قال هو ﴿أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك﴾، كأن سليمان عليه السلام استبطأ
ذلك فقال له على جهة تحقيره ﴿أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾ واستدل قائل هذا القول بقول
سليمان. ﴿هذا من فضل ربي﴾، واستدل أيضاً بهذا القول مناقضه إذ في كلا الأمرين على سليمان فضل
من الله تعالى، وعلى القول الأول المخاطبة لسليمان، ولفظ، ﴿آتيك﴾، يحتمل أن يكون فعلاً مستقبلاً،
ويحتمل أن يكون اسم فاعل، وفي الكلام حذف تقديره فدعا باسم الله فجاء العرش بقدرة الله فلما رآه
سليمان مستقراً عنده جعل يشكر نعمة ربه بعبارة فيها تعليم للناس وهي عرضة للاقتداء بها والاقتباس منها،
وقال ابن عباس المعنى ﴿ءاشكر﴾ على السرير وسوقه ﴿أم أكفر﴾ إذ رأيت من هو دوني في الدنيا أعلم مني
وظهر العامل في الظرف من قوله ﴿مستقراً﴾ وهذا المقدر أبداً في كل ظرف جاء هنا مظهراً وليس في كتاب
الله تعالى مثله. وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا جَاءَتْ قِلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِّ
٤١
قَالَ نَكِّرُ واْلَاعَرْشَهَا نَظُرْ أَهْنَدِىّ أَمْتَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَيَهْتَدُونَ
وَصَدَّهَامَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ
٤٢
قَالَتْ كَنَُّ هُوَ وَ أُوِيْنَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَامُسْلِمِينَ
كَفِرِينَ ﴿ قِيلَ لَهَا ادْ خُلِى الصَّرْعَ فَلَمَّا رَأَنْهُ حَسِبَتْهُ لُحَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرٌْ مُمَرَّدٌ
مِّن قَوَارِيرٌ قَالَتْ رَبٍ إِ ظَلَمْتُ نَفْسِى وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
٤٤
أراد سليمان عليه السلام في هذا ((التنكير)) تجربة ميزها ونظرها وليزيد في الإغراب عليها، وروت
فرقة أن الجن أحست من سليمان أو ظنت به أنه ربما تزوج بلقيس، فكرهوا ذلك وعابوها عنده بأنها غير
عاقلة ولا مميزة وبأن رجلها كحافر دابة، فجرب عقلها وميزها بتنكير عرشها، وجرب أمر رجلها بأمر
الصرح، لتكشف عن ساقيها عنده، وقرأ أبو حيوة ((تنظرُ)) بضم الراء، و((تنكير العرش)) تغيير وضعه وستر
بعضه، ونحو هذا، وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك تنكيره بأن زيد فيه ونقص منه، ويعترض هذا بأن من
حقها على هذا أن تقول ليس به وتكون صادقة، وقولها ﴿كأنه هو﴾، تجوز فصيح ونحوه قول الله تعالى:
﴿كأنه ولي حميم﴾ [فصلت: ٣٤]. وقال الحسن بن الفضل شبهوا عليها فشبهت عليهم ولو قالوا هذا
عرشك لقالت نعم، وفي الكلام حذف تقديره كأنه هو، وقال سليمان عند ذلك ﴿وأوتينا العلم من قبلها﴾

٢٦٢
تفسير سورة النمل / الآيات: ٤١ - ٤٤
الآية، وهذا منه على جهة تعديد نعم الله، وإنما قال ذلك لما علمت هي وفهمت، ذكر هو نعمة الله عليه
وعلى آبائه، وقوله تعالى: ﴿وصدها) الآية، يحتمل أن يكون من قول الله تعالى إخباراً لمحمد عليه السلام
والصاد ما كانت تعبد أي عن الإيمان ونحوه. وقال الرماني عن التفطن للعرش، لأن المؤمن يقظ والكافر
خشيب أو يكون الصاد سليمان عليه السلام قاله الطبري، أو يكون الصاد الله عز وجل. ولما كان
﴿صدها﴾ بمعنى منعها، تجاوز على هذا التأويل بغير حرف جر وإلا فبابه ألا يتعدى إلا بـ ((عن))، وقرأ
جمهور الناس ((إنها بكسر الهمزة، وقرأ سعيد بن جبير وابن أبي عبلة ((أنها)) بفتح الهمزة وهو على تقدير
ذلك أنها، أو على البدل من ﴿ما﴾، قال محمد بن كعب القرظي وغيره ولما وصلت بلقيس أمر سليمان
الجن فصنعت له صرحاً وهو الصحن من غير سقف وجعلته مبنياً كالصهريج وملىء ماء وبث فيه السمك
والضفادع وطبق بالزجاج الأبيض الشفاف، وبهذا جاء صرحاً، و﴿الصرح﴾ أيضاً كل بناء عال، وكل هذا
من التصريح وهو الإعلان البالغ، وجعل لسليمان في وسطه كرسي، فلما وصلت إليه بلقيس ﴿قيل لها
ادخلي﴾ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأت اللجة وفزعت وظنت أنها قصد بها الغرق وعجبت من
كون كرسيه على الماء ورأت ما هالها ولم يكن لها بد من امتثال الأمر فـ ((كشفت عن ساقيها))، فرأى سليمان
ساقيها سليمة مما قالت الجن غير أنها كثيرة الشعر، فلما بلغا هذا الحد، قال لها سليمان ﴿إنه صرح ممرد
من قوارير﴾، و((الممرد)) المحكوك المملس، ومنه الأمرد والشجرة المرداء التي لا ورق عليها والممرد أيضاً
المطول، ومنه قيل للحصن مارد، وعند ذلك استسلمت بلقيس وأذعنت وأسلمت وأقرت على نفسها
بالظلم، فروي أن سليمان تزوجها عند ذلك وأسكنها الشام قاله الضحاك، وقال سعيد بن عبد العزيز
في كتاب النقاش تزوجها وردها إلى ملكها باليمن وكان يأتيها على الريح كل يوم مرة، فولدت له
غلاماً سماه داوود مات في حياته، و﴿مع﴾ ظرف، وقيل حرف بني على الفتح، وأما إذا أسكنت العين فلا
خلاف أنه حرف جاء لمعنى وقرأ ابن كثير وحده في رواية أبي الأخربط ((عن سأقيها)) بالهمز قال أبو علي
وهي ضعيفة وكذلك يضعف الهمز في قراءة قنبل ((يكشف عن سأق)) فأما همز السوق وعلى سؤقه فلغة
مشهورة في همز الواو التي قبلها ضمة حكى أبو علي أن أبا حيّة النميري كان يهمز كل واو قبلها ضمة وأنشد
((حسب المؤقدان إلى موسى)) ووجهها أن الضمة تقوم على الواو إذ لا حائل بينهما، وقرأ ابن مسعود ((عن
رجليها)،، وروي أن سليمان عليه السلام لما أراد زوال شعر ساقيها أشفق من حمل الموسى عليها وقيل إنها
قالت ما مسني حديد قط فأمر الجن بالتلطف في زواله.
فصنعوا النورة ولم تكن قبل الأمم، وهذه الأمور التي فعلها سليمان عليه السلام من سوق العرش
وعمل الصرح وغير ذلك قصد بذلك معاياتها والإغراب عليها، كما سلكت هي قبل سبيل ملوك الدنيا في
ذلك بأن أرسلت الجواري والغلمان واقترحت في أمر القدح والذرتين.
قوله عز وجل :
قَالَ
٤٥
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِقَانِ يَخْتَصِمُونَ
يَقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
٤٦

٢٦٣
تفسير سورة النمل / الآيات: ٤٥ - ٥١
قَالُواْ أَطَّيَّرْنَا بِكَ وَيِمَن ◌َّعَكَ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ الَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُفْتَنُونَ
هذه الآية على جهة التمثيل لقريش، و﴿أن﴾ من قوله ﴿أن اعبدوا الله﴾، يحتمل أن تكون مفسرة
ويحتمل أن تكون في موضع نصب تقديره ((بأن اعبدوا الله))، و﴿فريقان﴾ يريد بهما من آمن بصالح ومن
كفر به، و((اختصاصهم)) تنازعهم وجدلهم، وقد ذكره الله تعالى في سورة الأعراف، ثم إن ﴿صالحاً﴾
تلطف بقومه وترفق بهم في الخطاب فوقفهم على خطيئتهم في استعجال العذاب قبل الرحمة والمعصية لله
تعالى قبل الطاعة وفي أن يكون اقتراحهم وطلبهم يقتضي هلاكهم، ثم حضهم على ما هو أيسر من ذلك وأعود
بالخير وهو الإيمان وطلب المغفرة ورجاء الرحمة فخاطبوه عند ذلك بقول سفساف معناه تشاءمنا بك، قال
المفسرون: وكانوا في قحط فجعلوه لذات صالح وأصل ((الطيرة)) ما تعارفه أهل الجهل من زجر الطير
وشبهت العرب ما عن بما طار حتى سمي ما حصل الإنسان في قرعة طائراً، ومنه قوله تعالى ﴿ألزمناه طائره
في عنقه﴾ [الإسراء: ١٣]، وخاطبهم صالح ببيان الحق أي ﴿طائركم) على زعمكم وتسميتكم وهو
حظكم في الحقيقة من تعذيب أو إعفاء هو ﴿عند الله﴾ وبقضائه وقدره وإنما أنتم قوم تختبرون، وهذا أحد
وجوه الفتنة، ويحتمل أن يريد بل أنتم قوم تولعون بشهواتكم وهذا معنى قد تعورف استعمال لفظ الفتنة فيه
ومنه قولك: فتن فلان بفلان، وشاهد ذلك کثیر.
قوله عز وجل :
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطِ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ
لَتُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِّهِ، مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ وَمَكَرُواْ
مَكْرًا وَ مَكَرْ نَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ هَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا
٠,٠٠٠/٠٠
٥١
دَمَّرْنَهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ
1
ذكر الله تعالى في هذه الآية ﴿تسعة﴾ رجال كانوا من أوجه القوم وأفتاهم وأغناهم وكانوا أهل كفر
ومعاصٍ جمة، جملة أمرهم أنهم ﴿يفسدون﴾ ﴿ولا يصلحون﴾، قال عطاء بن أبي رباح: بلغني أنهم كانوا
بقرضون الدنانير والدراهم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأثر المروي: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض،
و﴿المدينة﴾ مجتمع ثمود وقريتهم، و((الرهط)) من أسماء الجمع القليلة، العشرة فما دونها رهط،
فـ ﴿تسعة رهط﴾ كما تقول تسعة رجال، وهؤلاء المذكورون كانوا أصحاب قدار عاقر الناقة وقد تقدم في
غير هذا الموضع ما ذكر في أسمائهم، وقوله ﴿تقاسموا﴾ حكى الطبري أنه يجوز أن يكون فعلاً ماضياً في
موضع الحال كأنه قال متقاسمين أي متحالفين بالله، وكان في قوله ﴿لنبيتنه﴾، ويؤيد هذا التأويل أن في
قراءة عبد الله ((ولا يصلحون تقاسموا)) بسقوط ﴿قالوا﴾، ويحتمل وهو تأويل الجمهور أن يكون ﴿تقاسموا﴾
فعل أمر أشار بعضهم على بعض بأن يتحالفوا على هذا الفعل بـ ((صالح))، فـ ﴿تقاسموا﴾ هو قولهم على

٢٦٤
تفسير سورة النمل / الآيات: ٤٨ - ٥١
هذا التأويل وهذه الألفاظ الدالة على قسم أو حلف تجاوب باللام وإن لم يتقدم قسم ظاهر فاللام في
﴿النبيتنه﴾ جواب ذلك، وقرأ جمهور القراء ((لنبيتنه)) بالنون، ((ثم لنَقولن)) بنون وفتح اللام، وقرأ الأعمش
وطلحة وابن وثاب ((ليُبيتنه)) بالياء مضمومة فيهما ((ثم ليقولن)) بالياء وضم اللام، وفي قراءة عبد الله ((ثم
لتقسمن ما شهدنا))، وقرأ حمزة والكسائي ((لتبيتنه)) بالتاء ((ثم لتقولُن)) بالتاء وضم اللام وهي قراءة الحسن
وحميد، فهذا ذكر الله فيه المعنى الذي أرادوه، لا بحسب لفظهم، وروي في قصص هذه الآية أن هؤلاء
التسعة لما كان في صدر الثلاثة الأيام بعد عقر الناقة وقد أخبرهم صالح بمجيء العذاب اتفق هؤلاء التسعة
فتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ليلاً فيقتلوه وأهله المختصين به، قالوا فإن كان كاذباً في وعيده أوقعنا به ما
يستحق، وإن كان صادقاً كنا قد عجلناه قبلنا وشفينا نفوسنا، قال الداودي. فجاؤوا واختفوا لذلك، في غار
قريب من داره، فروي أنه انحدرت عليهم صخرة شدختهم جميعاً، وروي أنه طبقت عليهم الغار فهلكوا
فيه حين هلك قومهم، وكل فريق لا يعلم بما جرى على الآخر، وكانوا قد بنوا على جحود الأمر من قرابة
صالح الذين يمكن أن يغضبوا له فهذا كان أمرهم، و((المكر)) نحو الخديعة، وسمى الله تعالى عقوبتهم
باسم ذنبهم وهذا مهيع ومنه قوله تعالى: ﴿يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥] وغير ذلك، وقرأ الجمهور
((مُهلَك)) بضم الميم وفتح اللام، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر بفتحهما، وروي عنه فتح الميم وكسر
اللام، و((العاقبة)) حال تقتضيها البدأة وتؤدي إليها بواجب، ويعني بالأهل، كل من آمن معه قاله الحسن،
وقرأ جمهور القراء ((إنا دمرناهم)) بكسر الألف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((أنا دمرناهم)) بفتح الهمزة وهي
قراءة الحسن وابن أبي إسحاق، فـ ﴿كان﴾ على قراءة الكسر في الألف تامة، وإن قدرت ناقصة فخبرها
محذوف أو يكون الخبر ﴿كيف﴾ مقدماً لأن صدر الكلام لها ولا يعمل على هذا ((انظر))، في ﴿كيف﴾ لكن
يعمل في موضع الجملة كلّها، وهي في قراءة الفتح ناقصة وخبرها ((أنّ)) ويجوز أن يكون الخبر ﴿كيف﴾
وتكون ((أَنَّا)) بدلاً من العاقبة، ويجوز أن تكون ﴿كان﴾ تامة ((وأنّ)) بدلاً من العاقبة، ووقع تقرير السؤال
بـ ﴿کیف﴾ عن جملة قوله ﴿كان عاقبة مکر هم إنا دمر ناهم﴾ ولیس بمحض سؤال ولكنه حقه أن يسأل عنه،
و ((التدمير)) الهلاك.
ويحتمل أن تتقدر ﴿كان﴾ تامة على قراءة الفتح، وغيره أظهر، وقرأ أبي بن كعب ((أن دمرناهم)) فهذه
تؤيد قراءة الفتح في ((أنا)).
قوله عز وجل :
فَتِلَكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوْاْإِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٥) وَأَنَجَيْنَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُوْيَتَّقُونَ ﴿﴿ وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٥َأَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْأَخْرِ جُوْءَالَلُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِ يَطَهَّرُونَ
٥٦

٢٦٥
تفسير سورة النمل / الآيات: ٥٢ - ٦١
فَأَنْحَيْنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِينَ
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ قَطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ
٥٧
٥٨
اُلْمُنذَرِينَ
((إخواء البيوت)) وخرابها مما أخبر الله تعالى به في كل الشرائع أنه مما يعاقب به الظلمة وفي التوراة:
ابن آدم لا تظلم يخرب بيتك، و﴿خاوية﴾ نصب على الحال التي فيها الفائدة، ومعناها خالية قفراً، قال
الزجاج وقرئت ((خاويةُ)) بالرفع وذلك على الابتداء المضمر أي («هي خاوية))، أو على الخبر عن تلك،
و﴿بيوتهم﴾ بدل أو على خبر ثان، وهذه البيوت المشار إليها هي التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه
وسلم عام تبوك ((لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين)) الحديث، ثم قال تعالى ﴿ولوطاً﴾
تقديرة ((واذكر لوطاً))، و﴿الفاحشة﴾ إتيان الرجال في الأدبار، و﴿تبصرون) معناه بقلوبكم أنها خطيئة
وفاحشة، وقالت فرقة ﴿تبصرون﴾ بأبصاركم لأنهم كانوا ينكشفون بفعل ذلك ولا يستتر بعضهم من بعض،
واختلف القراء في قوله ﴿أئنكم) وقد تقدم، وقرأ جمهور الناس ((جوابَ)) نصباً، وقرأ الحسن وابن أبي
إسحاق ((جوابُ)) بالرفع، ونسب ابن جني قراءة النصب إلى الحسن وفسّرها في الشاذ، وأخبر الله تعالى عن
قوم لوط أنهم تركوا في جوابهم طريق الحجة وأخبروا بالمبالغة فتآمروا بإخراجه وإخراج من آمن معه ثم
ذموهم بمدحه، وهي ((التطهر)) من هذه الدناءة التي أصفقوا هم عليها قال قتادة هابوهم والله بغير عيب،
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((قدرناها)) بتخفيف الدال، وقرأ جمهور القراء ((قدّرناها)) بشدّ الدال، الأولى
بمعنى جعلناها وحصلناها والثانية بمعنى قدرناها عليها من القضاء والقدر، و((الغابرون))، الباقون في
العذاب، وغبر بمعنى بقي، وقد يجيء أحياناً في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى، وإذا تؤمل
توجه حمله على معنى البقاء، و((المطر)) الذي مطر عليهم هي حجارة السجيل أهلكت جميعهم، وهذه
الآية أصل لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنس لأن الله تعالى عذبهم على كفرهم به وأرسل
عليهم الحجارة لمعصيتهم ولم يقس هذا القول على الزنا فيعتبر الإحصان.
بل قال مالك وغيره يرجمان في اللوطية أحصنا أو لم يحصنا وإنما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم
((اقتلوا الفاعل والمفعول به)) فذهب من ذهب إلى رجمهما بهذه الآية.
قوله عز وجل :
قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىٌّءَ اللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَاُلْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَنْبَتْنَابِهِ، حَدَابِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ
أَنْ تُفِتُوا شَجَرَهَاْ أَوِلَهٌ مَعَ الَّهِبَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴿ أَمَّنْ جَعَلَ اُلْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَلَهَا
أَنْهَرًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَسِىَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًاْ أَءِلَهُ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ
٦١
لَا يَعْلَمُونَ إِ
:
قرأ أبو السمال ((قلَ)) بفتح اللام وكذلك في آخر السورة وهذا ابتداء تقرير وتنبيه لقريش وهو
:

٢٦٦
تفسير سورة النمل / الآيات: ٥٩ - ٦١
بعد يعم كل مكلف من الناس جميعاً، وافتتح ذلك بالقول بحمده وتحميده وبالسلام على عباده
الذين اصطفاهم للنبوءة والإيمان، فهذا اللفظ عام لجميعهم من بني آدم، وكان هذا صدر خطبة للتقرير
المذكور. وقال ابن عباس العباد المسلم عليهم هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم واصطفاهم لنبيه.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الاختصاص توبيخ للمعاصرين من الكفار، وقال الفراء الأمر بالقول
في هذه الآية هو للوط عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد: وهذه عجمة من الفراء رحمه الله، ثم وقف قريشاً والعرب على جهة التوبيخ
على موضع التباين بين الله عز وجل وبين الأوثان والأنصاب، وقرأ جمهور الناس ((تشركون)) بالتاء من فوق،
وحكى المهدوي عن أبي عمرو وعاصم ((يشركون)) بالياء من تحت، وفي هذا التفضيل بلفظة ﴿خير﴾
أقوال، أحدها أن التفضيل وقع بحسب معتقد المشركين إذ كانت تعتقد أن في آلهتها خيراً بوجه ما، وقالت
فرقة في الكلام حذف مضاف في موضعين التقدير أتوحيد الله خير أم عبادة ما تشركون، فـ ﴿ما﴾ في هذه
الآية بمعنى الذي، وقالت فرقة ((ما)) مصدرية وحذف المضاف إنما هو أولاً تقديره أتوحيد الله خير أم
شرككم، وقيل ﴿خير﴾ هنا ليست بأفعل إنما هي فعل كما تقول الصلاة خير دون قصد تفضيل.
قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم أن هذه الألفاظ التي تعم معاني كثيرة كخير وشر وأحب ونحو ذلك
قد يقع التفضيل بها بين أشياء متباينة لأن المتباينات قدر بما اشترك فيها ولو بوجه ضعيف بعيد، وأيضاً فهذا
تقرير والمجادل يقرر خصمه على قسمين أحدهما فاسد، ليرى وقوعه وقد استوعبنا هذا فيما مضى، وقالت
فرقة تقدير هذه الآية ((الله ذو خير أما تشركون)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا النوع من الحذف بعيد تأوله، وقرأ الحسن وقتادة وعاصم ((يشركون)»
ها من
﴾ وما بعد
بالياء من تحت، وقرأ أهل المدينة ومكة والكوفة بالتاء من فوق وقوله تعالى .
التوقيفات، توبيخ لهم وتقرير على ما لا مندوحة لهم عن الإقرار به، وقرأ الجمهور ((أمّن)) بشد الميم وهي
((أم)) دخلت على ((من))، وقرأ الأعمش (أمَن)) بفتح الميم مسهلة وتحتمل هذه القراءة أن تكون ((أمن))
استفهاماً فتكون في معنى ((أم من)) المتقدمة، ويحتمل أن تكون الألف للاستفهام ومن ابتداء وتقدير الخبر
يكفر بنعمته ويشرك به ونحو هذا من المعنى، و((الحدائق)» مجتمع الشجر من الأعناب والنخيل وغير ذلك،
قال قوم لا يقال حديقة إلا لما عليه جدار قد أحدق به، وقال قوم يقال ذلك كان جداراً أو لم يكن لأن
البياض محدق بالأشجار والبهجة الجمال والنضرة، وقرأ ابن أبي عبلة ((ذوات بهجة)) بجمع ((ذات)) وفتح
الهاء من ((بهجة))، ثم أخبر على جهة التوقيف أنه ﴿ما كان﴾ للبشر أي ما يتهيأ لهم ولا يقع تحت قدرهم أن
ينبتوا شجرها، لأن ذلك بإخراج شيء من العدم إلى الوجود، وقد تقدم ترتيب القراءة في الهمزتين من قوله
((أ. لاه)) وا. ذا وأ. نك لأنت يوسف))، قال أبو حاتم القراءة باجتماع الهمزتين محدثة. لا توجد في كلام
العرب ولا قرأ بها قارىء عتيق، و﴿يعدلون﴾ يجوز أن يراد به يعدلون عن طريق الحق أن يجورون في
فعلهم، ويجوز أن يراد يعدلون بالله غيره أي يجعلون له عديلاً ومثيلاً، و﴿خلالها﴾ معناه بينها وأثناءها،
و ((الرواسي)) الجبال، رسا الشيء يرسو إذا ثبت وتأصل، و((البحران))، الماء العذب بجملته والماء الأجاج
بجملته، و((الحاجز)) ما جعل الله بينهما من حواجز الأرض وموانعها على رقتها في بعض المواضع ولطافتها

٢٦٧
تفسير سورة النمل / الآيات: ٦٢ - ٦٦
التي لولا قدرة الله تعالى لغلب الملح العذب وكل ما مضى من القول في تأويل في قوله ﴿مرج البحرين﴾
[الفرقان: ٥٣] فهو مترتب هاهنا وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
أَمَّنْ يُحِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَادَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَعِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا
مَّانَذَكَّرُونَ ﴿ أَمَّنْ يَهْدِ يكُمْ فِ ظُلُّمَتِ الْبَرِّوَاَلْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَحَ بُشْرَابَيْنَ
يَدَىْ رَحْمَتِهِ: أَِلَهُ مَّعَ اللَّهِ تَعَلَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿َ أَمَّن يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ تُمَّيُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُُم
قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِى
مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِّ ◌َِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوْبُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ه
بَلِ أَذَّرَكَ عِلْمُهُمْ فِ الْآَخِرَةَّبَلْ
٦٥
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيِّبَ إِلََّ اللَّهُ وَمَايَشْعُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
هُمْ فِ شَّكِ مِنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ
وقفهم في هذه الآية على المعاني التي تبين لكل عاقل أنه لا مدخل لصنم ولا لوثن فيها وهي عبر
ونعم، فالحجة قائمة بها من الوجهين، وقوله تعالى: ﴿يجيب المضطر﴾ معناه بشرط إن شاء على المعتقد
في الإجابة، لكن ﴿المضطر﴾ لا يجيبه متى أجيب إلا الله عز وجل، و﴿السوء﴾ عام في كل ضر يكشفه
الله تعالى عن عباده، وقرأ الحسن ((ويجعلكم)) بياء على صيغة المستقبل ورويت عنه بنون، وكل قرن
خلیف للذي قبله.
وقرأ جمهور القراء ((تذكرون)) بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو عمرو وحده والحسن والأعمش بالياء
على الغيب، و((الظلمات)) عام لظلمة الليل التي هي الحقيقة في اللغة ولظلمة الجهل والضلال والخوف
التي هي مجازات وتشبيهات وهذا كقول الشاعر:
((تجلت عمايات الرجال عن الصبا))
وكما تقول أظلم الأمر وأنار، وقد تقدم اختلاف القراء في قوله ﴿نشراً﴾، وقرأ الحسن وغيره،
((يشركون)) بالياء على الغيبة، وقرأ الجمهور ((تشركون)) على المخاطبة، و((بدء الخلق)) اختراعه وإيجاده،
و﴿الخلق﴾ هنا المخلوق من جميع الأشياء لكن المقصود بنو آدم من حيث ذكر الإعادة، و((الإعادة»
البعث من القبور ويحتمل أن يريد ب﴿الخلق﴾ مصدر خلق يخلق ويكون في ﴿يبدأ﴾ ﴿ويعيد﴾ استعارة
للإتقان والإحسان كما تقول فلان يبدي ويعيد في أمر كذا وكذا إذا كان يتقنه، والرزق ﴿من السماء﴾
بالمطر ومن ﴿الأرض﴾ بالنبات، هذا مشهور ما يحسه البشر، وكم الله من لطف خفي، ثم أمر عز وجل نبيه
أن يوقفهم على أن ﴿الغيب﴾ مما انفرد الله بعلمه ولذلك سمي غيباً لغيبه عن المخلوقين، ويروى أن هذه
الآية من قولهم ﴿قل لا يعلم﴾، إنما نزلت لأن الكفار سألوا وألحوا عن وقت القيامة التي يعدهم محمد
فنزلت هذه الآية فيها التسليم لله تعالى وترك التحديد، فأعلم عز وجل أنه لا يعلم وقت الساعة سواه فجاء

٢٦٨
تفسير سورة النمل / الآيات: ٦٧ - ٧٤
بلفظ يعم الساعة وغيرها، وأخبر عن البشر أنهم لا يشعرون ﴿أيان يبعثون﴾ وبهذه الآية احتجت عائشة
رضي الله عنها على قولها ومن زعم أن محمداً يعلم الغيب فقد أعظم الفرية، والمكتوبة في قوله تعالى:
﴿إلا الله﴾ بدل من ﴿من﴾، وقرأ جمهور الناس ((أيان)) بفتح الهمزة، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ((إيان))
بكسرها وهما لغتان، وقرأ جمهور القراء ((بل ادارك)) أصله تدارك أدغمت التاء في الدال بعد أن أبدلت ثم
احتيج إلى ألف الوصل، وقرأ أبي بن كعب فيما روي عنه ((تدارك))، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر ((بل
ادرك)) على وزن افتعل وهي بمعنى تفاعل، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار ((بلَ ادّرك)) بفتح اللام ولا
همزة تشديد الدال دون ألف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأهل مكة، ((بل أدرك))، وقرأ مجاهد ((أم.
أدرك)) بدل ((بل))، وفي مصحف أبي بن كعب ((أم تدارك علمهم))، وقرأ ابن عباس ((بل أدرك)) وقرأ ابن
عباس أيضاً ((بل آدارك)) بهمزة ومدة على جهة الإستفهام، وقرأ ابن محيصن ((بل آدرك)) على الاستفهام
ونسبها أبو عمرو الداني إلى ابن عباس والحسن.
فأما قراءة الاستفهام فهي على معنى الهزء بالكفرة والتقرير لهم على ما هو في غاية البعد عنهم أي
أعلموا أمر الآخرة وأدركها علمهم ؟ وأما القراءات المتقدمة فتحتمل معنيين أحدهما ((بل أدرك علمهم» أي
تناهى كما تقول أدرك النبات وغيره وكما تقول هذا ما أدرك علمي من كذا وكذا فمعناه قد تتابع وتناهى
علمهم بالآخرة إلى أن لا يعرفوا لها مقداراً فيؤمنوا، وإنما لهم ظنون كاذبة أو إلى أن لا يعرفوا لها وقتاً
وكذلك ((ادرك وتدارك)) وسواها وإن جملت هذه القراءة معنى التوقيف والإستفهام ساغ وجاء إنكاراً لأن
أدركوا شيئاً نافعاً، والمعنى الثاني ((بل أدرك)) بمعنى يدرك أي إنهم في الآخرة يدرك علمهم وقت القيامة،
ويرون العذاب والحقائق التي كذبوا بها وأما في الدنيا فلا. وهذا هو تأويل ابن عباس ونحى إليه الزجاج،
فقوله ﴿في الآخرة) على هذا التأويل ظرف، وعلى التأويل الأول (في) بمعنى الباء، و ((العلم)) قد يتغدى
بحرف الجر تقول علمي يزيد كذا ومنه قول الشاعر: [الطويل]
وعلمي بإسدام المياه ..... البيت
ثم وصفهم عز وجل بأنهم ﴿في شك منها﴾ ثم أردف بصفة هي أبلغ من الشك وهي العمى بالجملة
عن أمر الآخرة، و ﴿عمون﴾ أصله عمیون کحذرون وغيره.
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوَاْ أَءِ ذَا كُنَا تُرَبًا وَءَآبَاؤُنَا أَبِنَّا لَمُخْرَجُونَ ﴿هَلَقَدْ وُ عِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَءَآبَاؤُنَا مِن
قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُرُ واْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ
١٨
قَبْلُ إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
وَيَقُولُونَ مَتَ هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِ ضَيْقِمِّمَايَمْكُرُونَ
وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُوفَضْلٍ عَلَى
◌َ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِى تَسْتَعْجِلُونَ (ََّ
صَدِقِينَ(
النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَ هُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٣٦) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ
٧٤
استبعد الكفار أن تبعث الأجساد والرمم من القبور واستملحوا ذلك فذكر ذلك عنهم على جهة الرد

٢٦٩
تفسیر سورة النمل / الآيات: ٧٥ - ٨٢
عليهم، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ((أ. ذا. أ. نا)) مهموز، غير أن أبا عمرو يمد وابن كثير لا يمد، وقرأ عاصم
وحمزة ((أإذا أإنا)) بهمزتين فيهما، وقرأ نافع ((إذا)) مكسورة الألف ((أنا.)) ممدوة الألف، وقرأ الباقون ((آيذا))
ممدودة ((إننا)) بنونين وكسر الألف، ثم ذكر الكفار أن هذه المقالة مما قد وعد بها قبل وردوا على جميع
الأنبياء وجعلوها من الأساطير، ثم وعظهم تعالى بحال من كذب من الأمم فأمر نبيه أن يأمرهم بالسير
والتطلع على حال مجرمي الأمم وبالحذر أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وهذا التحذير يقتضيه المعنى،
ثم سلى نبيه عليه السلام عنهم، وهذا بحسب ما كان عنده من الحرص عليهم الاهتمام بأمرهم، وقرأ ابن
كثير ((في ضِيق)) بكسر الضاد ورويت عن نافع، وقرأ الباقون بفتحها و ((والضَّيق)) و((الضَّيق)) مصدران بمعنى
واحد، وكره أبو علي أن يكون ((ضيق)) كهين ولين مسهلة من ضيق قال: لأن ذلك يقتضي أن تقام الصفة مقام
الموصوف، ثم ذكر استعجال قريش بأمر الساعة والعذاب بقولهم ﴿متى هذا الوعد﴾، على معنى التعجيز
للواعد به، فأمر تعالى نبيه أن يتوعدهم بأنه عسى أن يأذن الله في أن يقرب منهم بعض ما استعجلوه من
الساعة والعذاب.
و﴿ردف﴾ معناه قرب وأزف قاله ابن عباس وغيره، ولكنها عبارة عما يجيء بعد الشيء قريباً منه
ولكونه بمعنى هذه الأفعال الواقعة تعدى بحرف وإلا فبابه أن يتجاوز بنفسه، وقرأ الجمهور بكسر الدال،
وقرأ الأعرج ((ردَف)) بفتح الدال، وقرأ جمهور الناس، (تُكن)) من أكن وقرأ ابن محيصن وابن السميفع
((تكن)) من كن وهما بمعنى.
قوله عز وجل :
وَمَا مِنْ غَاِبَةٍ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُّبِينٍ (٤٥) إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ عَلَى بَنِيّ إِسْرَهِيَ أَكْثَرَ
اُلَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٦) وَإِنَّهُ لَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ.
إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَ وَلَا تُجِعُ
فَتَوَّكَلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ ﴾
وَهَا أَنْتَ بِهَدِى الْعُمْىِ عَن ضَلَلَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّ مَنْ يُؤْمِنُ
الضَُّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْأْ مُدْبِرِينَ
بِشَايَتِنَافَهُمْ مُسْلِمُونَ ﴿ وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَحْنَا لَهُمْ دَآبَةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّالنَّاسَ
٨٢
كَانُواْ بِثَايَتِنَا لَا يُوقِنُونَ
التاء في ﴿غائبة﴾ للمبالغة، أي ما من شيء في غائبة الغيب والخفاء ﴿إلا في كتاب﴾ عند الله عز
وجل وفي مكنون علمه، ثم نبه تعالى على ﴿إن هذا القرآن﴾ أخبر ﴿بني إسرائيل﴾ بأكثر الأشياء التي كان
بينهم الخلاف في صفتها فجاءت في القرآن على وجهها، ثم وصفه تعالى بأنه هدى ورحمة للمؤمنين، كما
أنه عمى على الكافرين المحتوم عليهم ومعنى ذلك أن كفرهم استتب مع قيام الحجة ووضوح الطريق فكثر
عماهم بهذه الجهة ثم أخبر أن ذلك كله بقضاء من الله وحكم قضاه فيهم وبينهم، ثم أمره بالتوكل عليه
والثقة بالله وبأنه ﴿على الحق﴾ أي إنك الجدير بالنصرة والظهور، ثم سلاه عنهم وشبههم بـ ﴿الموتى) من

٢٧٠
تفسير سورة النمل / الآيات: ٧٥ - ٨٢
حيث الفائدة في القول لهؤلاء وهؤلاء معدومة فشبههم مرة بـ ﴿الموتى﴾ ومرة بـ ﴿الصم)، قال العلماء:
الميت من الأحياء هو الذي يلقى الله بكفره.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: واحتجت عائشة رضي الله عنها في إنكارها أن النبي صلى الله
عليه وسلم أسمع موتى بدر بهذه الآية، ونظرت هي في الأمر بقياس عقلي ووقفت مع هذه الآية وقد صح
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((ما أنتم بأسمع منهم)) فيشبه أن قصة بدر هي خرق عادة لمحمد عليه
السلام في أن رد الله إليهم إدراكاً سمعوا به مقاله، ولولا إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بسماعهم
لحملنا نداءه إياهم على معنى التوبيخ لمن بقي من الكفرة وعلى معنى شفاء صدور المؤمنين منهم.
وقد عورضت هذه الآية بالسلام على القبور وبما روي في ذلك من أن الأرواح تكون على شفير القبور
في أوقات قالوا: فلو لم يسمع الميت لم يسلم عليه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله غير معارض للآية لأن السلام على القبور إنما هو عبادة وعند الله
الثواب عليها وهو تذكير للنفس بحالة الموت وبحالة الموتى في حياتهم، وإن جوزنا مع هذا أن الأرواح في
وقت على القبور فإن سمع فليس الروح بميت وإنما المراد بقوله ﴿إنك لا تسمع الموتى﴾ الأشخاص
الموجودة مفارقة لأرواحها، وفيها تقول خرقت العادة لمحمد عليه السلام في أهل القليب وذلك كنحو قوله
صلى الله عليه وسلم في الموتى ((إذا دخل عليهم الملكان إنهم يسمعون خفق النعال))، وقرأ ابن كثير ((ولا
يسمع)) بالياء من تحت ((الصمُّ)) رفعاً ومثله في الروم، وقرأ الباقون ((تُسمع)) بالتاء ((الصمَّ) نصباً، وقرأ
جمهور القراء ((بهادي العمي)) بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة ((بهادٍ العميَ)) بتنوين الدال
ونصب ((العميَ))، وقرأ حمزة وحده ((وما أنت تهدي العمي)) بفعل مستقبل وهي قراءة طلحة وابن وثاب وابن
يعمر، وفي مصحف عبد الله ((وما أن تهدي العمي))، ومعنى قوله ﴿وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة
من الأرض﴾، إذا انتجز وعد عذابهم الذي تضمنه القول الأزلي من الله تعالى في ذلك أي حتمه عليهم،
وقضاؤه وهذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿حقت كلمة العذاب﴾ [الزمر: ٧١] فمعنى الآية وإذا إراد الله أن ينفذ في
الكافرين سابق علمه لهم من العذاب أخرج لهم دابة من الأرض، وروي أن ذلك حين ينقطع الخير ولا
يؤمر بمعروف ولا ينهى عن منكر ولا يبقى منيب ولا تائب، كما أوحى الله إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك
إلا من قد آمن، ووقع، عبارة عن الثبوت واللزوم وفي الحديث أن الدابة وطلوع الشمس من المغرب من
أول الأشراط وإن لم تعين الأولى وكذلك الدجال.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر الأحاديث والروايات أن الشمس آخرها لأن التوبة تنقطع معها وتعطي
الحال أن الإيمان لا يبقى إلا في أفراد وعليهم تهب الريح التي لا تبقي إيماناً وحينئذ ينفخ في الصور،
ونحن نروي أن الدابة تسم قوماً بالإيمان وتجد أن عيسى ابن مريم يعدل بعد الدجال ويؤمن الناس به وهذه
الدابة روي أنها تخرج من جبل الصفا بمكة قاله عبد الله بن عمر، وقال عبد الله بن عمرو نحوه ، وقال: لو
شئت أن أضع قدمي على موضع خروجها لفعلت، وروي عن قتادة أنها تخرج في تهامة، وروي أنها تخرج
من مسجد الكوفة من حيث فار تنور نوح عليه السلام، وروى بعضهم عن حذيفة بن اليمان أنها تخرج ثلاث

٢٧١
تفسير سورة النمل / الآيات: ٨٣ - ٨٧
خرجات، وروي أنها دابة مزغبة شعراء، وروي عن ابن عمر أنها على خلقة الآدميين وهي في السحاب
وقوائمها في الأرض، وروي أنها جمعت من خلق كل حيوان، وذکرالثعلبي عن أبي الزبير نحوه، وروي
أنها دابة مبثوث نوعها في الأرض فهي تخرج في كل بلد وفي كل قوم، فعلى هذا التأويل ﴿دابة﴾ إنما هو
اسم جنس، وحكى النقاش عن ابن عباس أنها الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعتها العقاب
حين أرادت قريش بناء الكعبة، وقرأ جمهور الناس ((تكلمهم)) من الكلام، وفي مصحف أبيّ ((تنبئهم))،
وفسرها عكرمة بتسمهم قال قتادة: وفي بعض القراءة تحدثهم.
وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جريج ((تكلمهم)) بكسر اللام من الكلم وهو الجرح، قال أبو الفتح: وهي
قراءة ابن عباس وابن جبير ومجاهد والجحدري، وقال ابن عباس: كلا والله تفعل تكلمهم وتكلمهم.
قال القاضي أبو محمد: وروي في هذا أنها تمر على الناس فتسم الكافر في جبهته وتزجره وتشتمه
وربما حطمته وتمسح على وجه المؤمن فتبيضه ويعرف بعد ذلك الإيمان والكفر من أثرها، وقرأ
جمهور القراء ((إن الناس)) بكسر ((إن)) وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((أن)) بفتح الألف، وفي قراءة عبد الله
((تكلمهم بأن)) وهذا تصديق للفتح، وعلى هذه القراءة يكون قوله ﴿إن الناس) إلى آخر القراءة من تمام
كلام الدابة، وروي ذلك عن ابن عباس ويحتمل أن يكون ذلك من كلام الله عز وجل.
قوله عز وجل :
أَحَّ إِذَا جَآءُ وقَالَ أَكَذَّبْتُمْ
٨٣
وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِّمَّن يُكَّذِّبُ بِنَايَتِنَافَهُمْ يُوزَعُونَ
بِئَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُوْبِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ!
٨٥
أَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْ مِنُونَ
جَ وَيَوْمَ
يُنْفَخُ فِ الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلُّ أَتَوَّهُ دَاخِرِينَ
٨٧
المعنى واذكر يوم، وهذا تذكير بيوم القيامة و﴿نحشر﴾ نجمع، و﴿من كل أمة﴾ يريد من كل قرن
من الناس متقدم، لأن كل عصر لم يخل من كفرة بالله من لدن تفرق بني آدم، و((الفوج)) الجماعة الكثيرة
من الناس والمعنى ممن حاله أنه مكذب بآياتنا، و﴿يوزعون﴾ معناه يكفون في السوق أي يحبس أولهم
على آخرهم، قال قتادة وغيره: ومنه وازع الجيش، وفيه يقول عبد الشارق بن عبد العزى: [الوافر]
كمثل السيل نركب وازعينا
فجاؤوا عارضاً برداً وجئنا
ثم أخبر تعالى عن توقيفه الكفرة يوم القيامة وسؤالهم على جهة التوبيخ ﴿أكذبتم﴾ الآية، ثم قال
﴿أماذا كنتم تعملون﴾ على معنى استيفاء الحجج، أي إن كان لكم عمل أو حجة فهاتوها، وقرأ أبو حيوة
(أماذا كنتم تعملون)) بتخفيف الميم، ثم أخبر عن وقوع القول عليهم أي نفوذ العذاب وحتم القضاء وأنهم
﴿لا ينطقون﴾ بحجة لأنها ليست لهم وهذا في موطن من مواطن القيامة وفي فريق من الناس لأن القرآن
يقتضي أنهم يتكلمون بحجج في غير هذا الموطن.

٢٧٢
تفسير سورة النمل / الآيات: ٨٣ -٨٧
ثم ذكر تعالى الآية في ﴿الليل) وكونه وقت سكون واتداع لجميع الحيوان والمهم من ذلك بنو آدم،
وكون ﴿النهار مبصراً﴾ أي ذا إبصار، وهذا كما تقول ليل قائم ونهار صائم، ومعنى ذلك يقام فيه ويصام،
فكذلك هذا، معناه يبصر فيه فهو لذلك ذو إبصار، ثم تجوز بأن قيل ﴿مبصراً﴾ فهو على النسب كعيشة
راضية، و((الآيات)) في ذلك هي للمؤمنين والكافرين، هي آية لجميعهم في نفسها، لكن من حيث الانتفاع
بها والنظر النافع إنما هو للمؤمنين فلذلك خصوا بالذكر، ثم ذكر تعالى يوم ﴿ينفخ في الصور﴾، وهو القرن
في قول جمهور الأمة، وهو مقتضى الأحاديث، وقال مجاهد: هو كهيئة البوق، وقالت فرقة: ((الصور)) جمع
صورة كتمرة وتمر وجمرة وجمر والأول أشهر، وفي الأحاديث المتداولة أن إسرافيل عليه السلام هو صاحب
((الصور)) وأنه قد جثا على ركبته الواحدة وأقام الأخرى وأمال خده والتقم القرن ينتظر متى يؤذن له في
النفخ، وهذه النفخة المذكورة في هذه الآية هي نفخة الفزع، وروى أبو هريرة أن الملك له في الصور
ثلاث نفخات: نفخة الفزع وهو فزع حياة الدنيا وليس بالفزع الأكبر، ونفخة الصعق، ونفخة القيام من
القبور، وقالت فرقة إنما هي نفختان كأنهم جعلوا الفزع والصعق في نفخة واحدة، واستدلوا على ذلك
بقوله تعالى ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون﴾ [الزمر: ٦٨] وقالوا: أخرى لا يقال إلا في
الثانية .
قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح، و﴿أخرى﴾ [الزمر: ٦٨] يقال في الثالثة ومنه قول
ربيعة بن مكدم : [الكامل]
((ولقد شفعتهما بآخر ثالث)»
ومنه قوله تعالى: ﴿ومناة الثالثة الأخرى﴾ [النجم: ٢٠].
وأما قول الشاعر: [مجزوء الكامل]
جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه
فيحتمل أن يريد به ثانياً وثالثاً فلا حجة فيه، وقال تعالى: ﴿ففزع﴾ وهو أمر لم يقع بعد إشعاراً
بصحة وقوعه وهذا معنى وضع الماضي موضع المستقبل، وقوله تعالى: ﴿إلا من شاء الله﴾ استثناء فيمن
قضى الله تعالى من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن لا ينالهم فزع النفخ في الصور، قال أبو هريرة: هي في
الشهداء، وذكر الرماني أنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، وقال مقاتل: هي في جبريل عليه السلام
وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وإذا كان الفزع الأكبر لا ينالهم فهم حريون أن لا ينالهم هذا.
قال القاضي أبو محمد: على أن هذا في وقت ترقب وذلك في وقت أمن إذ هو إطباق جهنم على
أهلها، وقرأ جمهور القراء ((وكل آتوه)) على وزن فاعلوه، وقرأ حمزة وحفص عن عاصم ((أتوه)) على صيغة
الفعل الماضي وهي قراءة ابن مسعود وأهل الكوفة، وقرأ قتادة ((أتاه)) على الإفراد إتباعاً للفظ ((كل)) وإلى هذه
القراءة أشار الزجاج ولم يذكرها، و((الداخر)) المتذلل الخاضع، قال ابن زيد وابن عباس: ((الداخر))
الصاغر، وقرأ الحسن ((دخرين)) بغير ألف، وتظاهرت الروايات بأن الاستثناء في هذه الآية إنما أريد به
الشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، وهم أهل للفزع لأنهم بشر لكن فضلوا بالأمن في ذلك اليوم.

٢٧٣
تفسير سورة النمل / الآيات: ٨٨ - ٩٣
قوله عز وجل :
وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُزُّمَزَّالسَّحَابِّ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَ كُلَّ شَىْ ءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ
مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌمِّنْهَ وَهُمْ مِّن فَرَعَ يَوْمَيِدٍ،َامِنُونَ ﴿٨) وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ
٨٨
إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِى
فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَىْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٦) وَأَنْ أَتْلُوا الْقُرْءَانَّ فَمَنٍ أَهْتَدَى فَإِنَّمَا
وَقُلِاَ لْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيِكُمْءَيَئِهِ، فَتَعْرِفُونَهَا
٩٢
يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ
١٣
وَمَارَبِّكَ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
هذا وصف حال الأشياء يوم القيامة عقب النفخ في الصور، و((الرؤية)) هي بالعين وهذه الحال
لـ ﴿الجبال﴾ هي في أول الأمر تسير وتموج وأمر الله تعالى ينسفها ويفتها خلال ذلك فتصير كالعهن، ثم
تعصير في آخر الأمر هباء منبثاً، و((الجمود))، التضام والتلزز في الجوهر، قال ابن عباس ﴿جامدة﴾ قائمة،
ونظيره قول الشاعر [النابغة]: [الطويل]
وقوف لحاج والركاب تهملج
بأرعن مثل الطود تحسب أنهم
و﴿صنع الله﴾ مصدر معرف والعامل فيه فعل مضمر من لفظه، وقيل هو نصب على الإغراء بمعنى
انظروا صنع الله، و((الإتقان)) الإحسان في المعمولات وأن تكون حساناً وثيقة القوة، وقرأ ابن كثير وأبو
عمرو وابن عامر ((يفعلون)) بالياء وقرأ الباقون ((تفعلون)) بالتاء على الخطاب، و((الحسنة)) الإيمان، وقال ابن
عباس والنخعي وقتادة: هي لا إله إلا الله، وروي عن علي بن الحسين أنه قال: كنت في بعض خلواتي فرفعت
صوتي بـ ((لا إله إلا الله)) فسمعت قائلاً يقول إنها الكلمة التي قال الله فيها ﴿من جاء بالحسنة فله خير
منها﴾ وقوله ﴿خیر منها﴾ یحتمل أن يكون للتفضیل، ویکون في قوله ﴿منها﴾ حذف مضاف تقديره خیر من
قدرها واستحقاقها، بمعنى أن الله تعالى تفضل عليه فوق ما تستحق حسنته، قال ابن زيد : يعطى بالواحدة
عشراً والداعية إلى هذا التقدير أن الحسنة لا يتصور بينها وبين الثواب تفضيل، ويحتمل أن يكون خبر ليس
للتفضيل بل اسم للثواب والنعمة، ويكون قوله تعالى: ﴿منها﴾ لابتداء الغاية، أي هذا الخير الذي يكون له
هو من حسنته وبسببها، وهذا قول الحسن وابن جريج، وقال عكرمة: ليس شيء خيراً من لا إله إلا الله،
وإنما له الخير منها، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((من فزع)) بالإضافة، ثم اختلفوا في فتح
الميم وكسرها من ﴿يومئذ﴾ فقرأ أكثرهم بفتح الميم على بناء الظرف لما أضيف إلى غير متمكن، وقرأ
إسماعيل بن جعفر عن نافع بكسر الميم على إعمال الإضافة، وذلك أن الظروف إذا أضيفت إلى غير
متمكن جاز بناؤها وإعمال الإضافة فيها.
ومن ذلك قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل]
وقلت ألمًا أصح والشيب وازع
على حين عاتبت المشيب على الصبا

٢٧٤
تفسير سورة النمل / الآيات: ٨٨ - ٩٣
فإنه يروى ((على حين)) بفتح النون و((على حينٍ)) بكسرها، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((من فزعٍ))
بالتنوين وترك الإضافة ولا يجوز مع هذه القراءة إلا فتح الميم من ((يومَئذ))، و((السيئة)) التي هي في هذه
الآية هي الكفر والمعاصي فيمن ختم الله تعالى عليه من أهل المشيئة بدخول النار، و﴿كبت﴾ معناه
جعلت تلي النار، وجاء هذا كباً من حيث خلقتها في الدنيا تعطي ارتفاعها، وإذا كبت الوجوه فسائر البدن
أدخل في النار إذ الوجه موضع الشرف والحواس، وقوله ﴿هل تجزون﴾ بمعنى يقال لهم ذلك وهذا على
جهة التوبيخ، وقوله ﴿إنما أمرت﴾ بمعنى قل يا محمد لقومك ﴿إنما أمرت﴾، و﴿البلدة﴾ المشار إليها
مكة، وقرأ جمهور الناس (الذي حرمها))، وقرأ ابن عباس وابن مسعود ((التي حرمها))، وأضاف في هذه الآية
التحريم إلى الله تعالى من حيث ذلك بقضائه وسابق علمه وأضافه النبي صلى الله عليه وسلم إلى إبراهيم
في قوله ((إن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة))، من حيث كان ظهور ذلك بدعائه ورغبته وتبليغه لأمته
فليس بين الآية والحديث تعارض، وفي قوله ﴿حرمها﴾ تعديد نعمته على قريش في رفع الله تعالى عن
بلدهم الغارات والفتن الشائعة في جميع بلاد العرب، وقوله ﴿وله كل شيء﴾ معناه بالملك والعبودية، وقرأ
جمهور الناس ((أن أتلو)) عطفاً على قوله ﴿أن أكون﴾ وقرأ ابن مسعود ((وأن اتل القرآن)) بمعنى وقيل لي اتل
القرآن و((اتل)) معناه تابع بقراءتك بين آياته واسرده وتلاوة القرآن سبب الاهتداء إلى خير كثير، وقوله
﴿فمن اهتدى﴾ معناه من تكسب الهدى والإيمان ونظر نظراً ينجيه فـ ﴿لنفسه﴾ سعيه.
قال القاضي أبو محمد: فنسبة الهدى والضلال إلى البشر في هذه الآية إنما هي بالتكسب والحرص
والحال التي يقع عليها الثواب والعقاب والكل أيضاً من الله تعالى بالاختراع، وقوله ﴿سيريكم آياته﴾ توعد
بعذاب الدنيا كبدر، والفتح، ونحوه وبعذاب الآخرة، وقرأ جمهور القراء ((عما يعملون))، وقرأ نافع وابن
عامر وحفص عن عاصم عما ((تعملون)) بالتاء من فوق على مخاطبتهم.

٢٧٥
تفسير سورة القصص / الآيات: ١ - ٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيِ
سُورَةُ القَصَص
هذه السورة مكية. إلا قوله عز وجل: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾
[القصص: ٨٥]، نزلت هذه بالجحفة في وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، قاله ابن
سلام وغيره، وقال مقاتل: فيها من المدني ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ [القصص: ٢٨] إلى قوله ﴿لا نبتغي
الجاهلين﴾ [القصص: ٥٥].
قوله عز وجل :
◌َ انَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن تَّبَإٍ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ
٢
طسْمُ تِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ !
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ اُلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ
يُؤْمِنُونَ الثَّ
أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
٤
تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما أغنى عن الإعادة، فمن قال إن هذه الحروف من
أسماء الله تعالى قال إن الطاء من الطول الذي لله تعالى والسين من السلام والميم من المنعم أو الرحيم
ونحو هذا، وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ يتقدر موضعها بحسب كل قول من الأقوال في الحروف، فمن جعل
﴿طسم﴾ مثالاً لحروف المعجم جاءت الإشارة بـ ﴿تلك﴾ إلى حروف المعجم، ومن قطعها قال ﴿تلك﴾
في موضع هذه، وساغ هذا من حيث لم تكن حاضرة عتيدة بل هي أقوال ينقضي بعضها شيئاً فشيئاً فسائغ
أن يقال في الإشارة إليها ﴿تلك﴾.
قال القاضي أبو محمد: والأصل أن ﴿تلك﴾ إشارة إلى ما غاب و ((هذه)) إشارة إلى ما حضر، وقد
تتداخل متى كان في الغيبة حصول وثقة به تقوم مقام الحضور - ومتى كان في الحضور بعدما يقوم مقام الغيبة
فمن ذلك قوله تعالى ﴿وما تلك بيمينك يا موسى﴾ [طه: ١٧] لما كان موسى لا يرى ربه تعالى، فهو
وعصاه في منزل غيب، فساغ ذلك، ومن النقيض قول المؤلف لكتاب ونحوه هذا كتاب وما جرى هذا
المجرى فتتبعه فهو كثير فيشبه في آياتنا هذه أن تكون ﴿تلك﴾ بمنزلة هذه ﴿آيات الكتاب المبين﴾، ويشبه
أن تكون متمكنة من حيث الآيات كلها وقت هذه المخاطبة لم تكن عتيدة، و﴿نتلو﴾ معناه نقص ونتابع
القصص، وخص تعالى بقوله ﴿لقوم يؤمنون) من حيث هم المنتفعون بذلك دون غيرهم فخصوا تشريفاً،
و﴿علا في الأرض﴾ من علو الطغيان والتغلب، وقوله (في الأرض﴾ يريد في أرض مصر وموضع ملكه،

٢٧٦
تفسير سورة القصص / الآيات: ٥ - ٧
ومتى جاءت ﴿الأرض﴾ هكذا عامة فإنما يراد بها الأرض التي تشبه قصة القول المسوق لأن الأشياء التي
تعم الأرض كلها قليلة والأكثر ما ذكرناه، و((الشيع)) الفرق، وكان هذا الفعل من فرعون بأن جعل القبط
ملوكاً مستخدمين، وجعل بني إسرائيل عبيداً مستخدَمين، وهم كانوا الطائفة المستضعفة، و﴿يذبح﴾
مضعف للمبالغة والعبارة عن تكرار الفعل، وقال قتادة كان هذا الفعل من فرعون بأنه قال له كهنته وعلماؤه
إن غلاماً لبني إسرائيل يفسد ملكك، وقال السدي: رأى في ذلك رؤيا - فأخذ بني إسرائيل يذبح الأطفال
سنين فرأى أنه يقطع نسلهم، فعاد يذبح عاماً ويستحبي عاماً، فولد هارون في عام الاستحياء وولد موسى
في عام الذبح، وقرأ جمهور القراء ((يُذبح)) بضم الياء وكسر الباء على التكثير، وقرأ أبو حيوة، وابن محيصن
بفتح الياء وسكون الذال، قال وهب بن منبه: بلغني أن فرعون ذبح في هذه المحاولة سبعين ألفاً من
الأطفال، وقال النقاش: جميع ما قتل ستة عشر طفلاً.
قال الفقيه الإمام القاضي: طمع بجهله أن يرد القدر وأين هذا المنزع من قول النبي عليه السلام
((فلن تقدر عليه)) يعني ابن صياد، وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
وَثُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ فِي الْأَرْضِ وَتَجْعَلَهُمْ أَبِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَرِثِنَ
٥
وَثُمَكِّنَ لَهُمْ فِ الْأَرْضِ وَثُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَهُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ
٦
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّمُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَاخِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِى الْيَمِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَ بِ إِنَّا
٧
رَادُوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ
المعنى يستضعف فرعون ونحن نريد أن ننعم ونعظم المنة على أولئك المستضعفين، و((الأئمة))
ولاة الأمور قاله قتادة ﴿ونجعلهم الوارثين﴾ يريد أرض مصر والشام، وقرأ الأعمش ((ولنمكن)) بلام، وقرأ
الجمهور «ونُرِيّ فرعون)» بضم النون وکسر الراء وفتح الياء ونصب فرعون، وقرأ حمزة والكسائي ((ویرَى))
بالياء وفتح الراء وسكون الياء على الفعل الماضي وإسناد الفعل إلى ﴿فرعون﴾ ومن بعده والمعنى ويقع
فرعون وقومه وجنوده فيما خافوه وحذروه من جهة بني إسرائيل وظهورهم، ﴿وهامان﴾ هو وزیر فرعون وأكبر
رجاله، فذكر لمحله من الكفر ولنباهته في قومه فله في هذا الموضع صغار ولعنة لا شرف، وهذا ((الوحي)»
﴿إلى أم موسى﴾ قالت فرقة: كان قولاً في منامها، وقال قتادة: كان إلهاماً، وقالت فرقة: كان يملك تمثل لها،
وأجمع الكل على أنها لم تكن نبية، وإنما إرسال الملك لها على نحو تكليم الملك للأقرع والأبرص في
الحديث المشهور وغير ذلك مما روي من تكليم الملائكة للناس من غير نبوة، وجملة أمر أم موسى أنها
علمت أن الذي وقع في نفسها هو من عند الله ووعد منه، يقتضي ذلك قوله تعالى بعد: ﴿رددناه إلى أمه
كي تقرّ عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق﴾ [القصص: ١٣] وهذا معنى قوله ﴿لتكون من المؤمنين﴾
[القصص: ١٠] أي بالوعد، وقال السدي وغيره: أمرت أن ترضعه عقب الولادة وتصنع به ما في الآية. لأن

٢٧٧
تفسير سورة القصص / الآيات : ٨ - ١١
الخوف كان عقب كل ولادة، وقال ابن جريج: أمرت برضاعه أربعة أشهر في بستان فإذا خافت أن يصيح لأن
لبنها لا یکفیه، صنعت به هذا.
قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر إلا أن الآخر يعضده أمران: أحدهما قوله ﴿فإذا خفت عليه﴾
و((إذا)) ظرف لما يستقبل من الزمان، والآخر أنه لم يقبل المراضع والطفل إثر ولادته لا يعقل ذلك، اللهم
إلا أن يكون هذا منه بأن الله تعالى حرمها عليه وجعله يأباها بخلاف سائر الأطفال، وقرأ عمرو بن عبد
الواحد ((أن ارضعيه)) بكسر النون وذلك على حذف الهمزة عبطاً لا تخفيفاً، والتخفيف القياسي فتح النون
قاله ابن جني، ونسب المهدوي هذه القراءة إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه و﴿اليم﴾ جمهور الماء
ومعظمه، والمراد نيل مصر، وروي في قصص هذه الآية أن أم موسى واسمها يوحانه أخذته ولفته في ثيابه
وجعلت له تابوتاً صغيراً وسدته عليه بقفل وعلقت مفتاحه عليه وأسلمته ثقة بالله وانتظاراً لوعده فلما غاب
عنها عاودها بثها وأسفت عليه وأقنطها الشيطان فاهتمت به وكادت تفتضح وجعلت الأخت تقصه أي تطلب
أثره .
قوله عز وجل :
فَالْتَقَطَهُ: ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنَّ إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَجُنُودَ هُمَا كَانُواْ
خَاطِ ئِينَ ﴿ وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِ وَلَكَ لَا نَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ
وَلَدًاوَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىْ فَرِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِى بِهِ، لَوْلًا أَنْ
رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيَةٍ فَبَصُرَتْ بِهِ، عَن جُبٍ
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
(((الالتقاط)) اللقاء على غير قصد وروية، ومنه قول الشاعر [نقادة الأسدي]: [الرجز]
لم ألق إذ وردته فراطا
ومنهل وردته التقاطا
فهن يلغطن به إلغاطا
إلا الحمام القمر والغطاطا
ومنه اللغطة و﴿آل فرعون﴾ أهله وجملته، وروي أن آسية امرأة فرعون رأت التابوت يعوم في اليم
فأمرت بسوقه وفتحته فرأت فيه صبياً صغيراً فرحمته وأحبته، وقال السدي : إن جواريها كان لهن في القصر
على النيل فرضة يدخل الماء فيها إلى القصر حتى ينلنه في المرافق والمنافع فبينا هنّ يغسلن في تلك
الفرضة إذ جاء التابوت فحملنه إلى مولاتهن، وقال ابن إسحاق: رآه فرعون يعوم فأمر بسوقه وآسية جالسة
معه فكان ما تقدم، وقوله تعالى: ﴿ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ هي لام العاقبة لا أن المقصد بالالتقاط كان
لأن يكون عدواً، وقرأ الجمهور ((وحَزَناً)) بفتح الحاء والزاي .
وقرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وطلحة والأعمش ((وحُزْناً)) بضم الحاء وسكون الزاي، و((الخاطىء))
متعمد الخطأ، والمخطىء الذي لا يتعمده، واختلف المتأولون في الوقت الذي قالت فيه امرأة فرعون ﴿قرة

٢٧٨
تفسير سورة القصص / الآيات: ٨-١١
عين لي ولك﴾، فقالت فرقة: كان ذلك عند التقاط التابوت لما أشعرت فرعون به سبق إلى وهمه أنه من بني
إسرائيل وأن ذلك قصد به ليخلص من الذبح فقال عليّ بالذباحين فقالت امرأته ما ذكر فقال فرعون: أما لي
فلا، قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لو قال فرعون نعم لآمن بموسى ولكان قرة عين له))، وقال السدي : بل
ربته حتى درج فرأى فرعون فيه شهامة وظنه من بني إسرائيل وأخذه في يده فمد موسى يده ونتف لحية
فرعون فهم حينئذ بذبحه وحينئذ خاطبته بهذا وجربته له في الجمرة والياقوتة فاحترق لسانه وعلق العقدة،
وقوله ﴿لا يشعرون﴾ أي بأنه الذي يفسد الملك على يديه قال قتادة وغيره، وقرأ ابن مسعود ((لا تقتلوه قرة
عين لي ولك)» قدم وأخر، وقوله ﴿وأصبح﴾ عبارة عن دوام الحال واستقرارها وهي كظل، ومنه قول أبي
سفيان للعباس يوم الفتح: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً يريد استقرت حاله عظيماً. وقرأ جمهور
الناس ((فارغاً)) من الفراغ واختلف في معنى ذلك فقال ابن عباس: ((فارغاً» من كل شيء إلا من ذكر موسى،
وقال مالك: هو ذهاب العقل.
قال الفقيه الإمام القاضي: نحو قوله ﴿وأفئدتهم هواء﴾ [إبراهيم: ٤٣] وقالت فرقة ((فارغاً)) من الصبر، وقال
ابن زيد ((فارغاً)) من وعد الله تعالى ووحيه إليها أي تناسته بالهم وفتر أثره في نفسها وقال لها إبليس فررت به من
قتل لك فيه أجر وقتلته بيدك، وقال أبو عبيدة ((فارغاً)) من الحزن إذ لم يغرق، وقرأ فضالة بن عبد الله ويقال ابن
عبيد والحسن ((فزعاً) من الفزع بالفاء والزاي، وقرأ ابن عباس ((قرعاً)) بالقاف والراء من القارعة وهي الهم
العظيم، وقرأ بعض الصحابة رضي الله عنهم ((فِرْغاً)) بالفاء المكسورة والراء الساكنة والغين المنقوطة
ومعناها ذاهباً هدراً تالفاً من الهم والحزن، ومنه قول طليحة الأسدي في حبال أخيه: [الطويل]
فلن يذهبوا فرغاً بقتل حبال
فإن تك قتلى قد أصيبت نفوسهم
أي هدراً تالفاً لا يتبع، وقرأ الخليل بن أحمد ((فُرُغا)) بضم الفاء والراء. وقوله تعالى: ﴿إن كادت
لتبدي به﴾ أي أمر ابنها، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((كادت أم موسى أن تقول والإيناه
وتخرج صائحة على وجهها)) و((الربط على القلب)) تأنيسه وتقويته، ومنه قولهم للشجاع والصابر في
المضايق: رابط الجأش، قال قتادة: وربط على قلبها بالإيمان، وقوله ﴿لتكون من المؤمنين﴾ أي من
المصدقين بوعد الله وما أوحى إليها به، ثم قالت لأخت موسى طمعاً منها وطلباً، ﴿قصيه﴾، والقص طلب
الأثر، فيروى أن أخته خرجت في سكك المدينة تبحث مختفية بذلك فرأته عند قوم من حاشية امرأة فرعون
يطلبون به امرأة ترضعه حين لم يقبل المراضع، و﴿عن جنب﴾ أي عن ناحية من غير قصد ولا قرب يشعر
لها به، يقال فيه جنب وجناب وجنابة ومن جناب قول الشاعر: [الطويل]
بعسفان أهلى فالفؤاد حزين
لقد ذكرتني عن جناب حمامة
ومن جنابة قول الأعشى: [الطويل]
أتيت حريثاً زائراً عن جنابة فكان حريث عن عظائيَ جامدا
قال الفقيه الإمام القاضي: وكأن معنى هذه الألفاظ عن مكان جنب أي عن بعد ومعنى الآية عن بعد
لم تدن منه فيشعر لها، وأنشد أبو عبيدة لعلقمة بن عبدة: [الطويل]

٢٧٩
تفسير سورة القصص / الآيات: ١٢ - ١٥
فلا تحرمنّي نائلاً عن جنابة فإني امرؤ وسط القباب غريب
وقرأ قتادة ((عن جَنْب)) بفتح الجيم وسكون النون وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ ((عن جانب))
النعمان بن سالم، وقرأ الجمهور ((عن جُنُب)) بضم الجيم والنون، وقوله ﴿وهم لا يشعرون﴾، معناه أنها
أخته وأنها من جملة لطائف الله تعالى له ولأمه حسب الوعد الذي أوحي إليها، ويقال: بصرت الشيء
وأبصرته بمعنى واحد متقارب، قال المهدوي: وقيل ﴿عن جنب﴾ معناه عن شوق وهي لغة لجذام يقولون
جنبت إلى لقائك أي اشتقت إليه، وقال قتادة: معنى ﴿عن جنب﴾ أنها تنظر إليه كأنها لا تريده.
قوله عز وجل :
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ
نَصِحُونَ ﴿﴿ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كَىْ نَفَرَّعَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
وَلَمَّابَلَغَ أَشُدَّمُ وَأُسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِى
١٣
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا مِن
اُلْمُحْسِنِينَ
شِيعَيْهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِمْ فَاسْتَغَهُ الَّذِىِ مِن شِيعَتِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ
١٥
هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ عَدُوٌ مُضِلٌ مُبِينٌ
قوله تعالى: ﴿وحرمنا﴾ يقتضي أن الله تعالى خصه من الامتناع من ثدي النساء بما يشد به عن عرف
الأطفال وهو تحريم تنقيص، و﴿المراضع﴾ جمع مرضع واستعمل دون هاء التأنيث لأنه لا يلتبس بالرجال.
وقوله تعالى: ﴿من قبل﴾ معناه من أول أمره، و﴿قبل﴾ مبني، والضمير في ﴿قالت﴾ لأخت موسى
قال النقاش اسمها مريم، و﴿يكفلونه﴾، معناه يحسنون تربيته وإرضاعه، وعلم القوم أن مكلمتهم من بني
إسرائيل وكان ذلك عرف بني إسرائيل أن يكونوا مراضع وخدمة، وقوله ﴿وهم له ناصحون﴾ يحتمل أن
الضمير يعود على الطفل ويحتمل أن يعود على الملك الذي كان الطفل في ظاهر أمره من جملته، وقال ابن
جريج: إن القوم تأولوا أنها أعادت الضمير على الطفل فقالوا لها إنك قد عرفته فأخبرينا من هو فقالت: ما
أردت إلا أنهم ناصحون للملك، فتخلصت منهم بهذا التأويل.
قال الفقيه الإمام القاضي: ويحتمل أن يعود الضمير على الطفل ولكن يكون النصح له بسبب الملك
وحرصاً على التزلف إليه والتقرب منه، وفي الكلام هنا حذف يقتضيه الظاهر وهو أنها حملتهم إلى أم موسى
وكلموها في ذلك فدرت عليه وقبلها وحظيت بذلك وأحسن إليها وإلى أهل بيتها، و((قرت عينها)) أي سرت
بذلك، وروي أن فرعون قال لها: ما سبب قبول هذا الطفل؟ فقالت إني طيبة الرائحة طيبة اللبن ودمع الفرح
بارد ودموع الهم حرّى سخنة فمن هذا المعنى قيل قرت العين وسخنت، وقرأ يعقوب ((نُقِر)» بنون مضمومة
وكسر القاف، و﴿وعد الله﴾ المشار إليه وهو الذي أوحاه إليها أولاً إما بملك وإما بمنامة وإما بإلهام حسب
اختلاف المفسرين في ذلك، والقول بالإلهام يضعف أن يقال فيه ﴿وعد﴾، وقوله تعالى: ﴿أكثرهم﴾

٢٨٠
تفسير سورة القصص / الآيات: ١٦ - ١٨
يريد القبط، و((الأشد))، جمع شدة كنعمة وأنعم، هذا قول سيبويه وقال غيره: ((الأشد)) جمع شد
وقالت فرقة ((الأشد)) اسم مفرد وليس بجمع، واختلف في قدر الأشد من السنين، فقالت فرقة: بلوغ الحلم
وهي نحو خمسة عشر عاماً، وقالت فرقة: ثمانية عشر عاماً، وقال السدي: عشرون، وقالت فرقة: خمسة
وعشرون، وقالت فرقة: ثلاثون، وقال مجاهد وابن عباس: ثلاثة وثلاثون، وقالت فرقة عظيمة: ستة وثلاثون،
وقال مجاهد وقتادة ((الاستواء)) أربعون سنة، وقال مكي وقيل هو ستون سنة وهذا ضعيف، و((الأشد)) شدة
البدن واستحكام أسره وقوته، و﴿استوى﴾ معناه تكامل عقله وحزمه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين،
و((الحكم)) الحكمة، و((العلم))، والمعرفة بشرع إبراهيم عليه السلام وهي مقدمة نبوته عليه السلام،
واختلف المتألون في قوله تعالى ﴿ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها﴾ فقال السدي: كان موسى في
وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه حتى أنه كان يدعى موسى بن فرعون، فقالوا
فركب فرعون يوماً وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ثم علم موسى بركوب فرعون فركب بعده
ولحق بتلك المدينة في وقت القائلة وهو حين الغفلة، قاله ابن عباس وقال أيضاً هو ما بين العشاء والعتمة،
وقال ابن إسحاق بل ﴿المدينة﴾ مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد بدت منه مجاهرة لفرعون
وقومه بما یکرهون فکان مختفياً بنفسه متخوفاً منهم فدخل متنكراً حذراً مغتفلا للناس، وقال ابن زيد ، بل
كان فرعون قد نابذه وأخرجه من المدينة وغاب عنها سنين فنسي أمره وجاء هو والناس على غفلة بنسيانهم
لأمره وبعد عهدهم به، وقيل كان يوم عيد، وقوله تعالى: ﴿يقتتلان﴾ في موضع الحال أي مقتتلين،
و﴿شيعته﴾ بنو إسرائيل، و﴿عدوه﴾ القبط، وذكر الأخفش سعيد ((استعانه)) بالعين غير معجمة وبالنون
وهي تصحيف لا قراءة، وذكر الثعلبي أن الذي ﴿من شيعته﴾ هو السامري وأن الآخر طباخ فرعون، وقوله
﴿هذا﴾ ﴿وهذا﴾ حكاية حال قد كانت حاضرة ولذلك عبر بـ ﴿هذا﴾ عن غائب ماض، ((والوكز)) الضرب
باليد مجموعاً كعقد ثلاثة وسبعين، وقرأ ابن مسعود ((فلكزه)) والمعنى واحد، إلا أن اللكز في اللحا، والوكز
على القلب، وحكى الثعلبي أن في مصحف ابن مسعود ((فنكزه)) بالنون والمعنى واحد، ((وقضى عليه))،
معناه قتله مجهزاً، وكان موسى عليه السلام لم يرد قتل القبطي لكن وافقت وكزته الأجل وكان عنها موته
فندم ورأى أن ذلك من نزغ الشيطان في يده، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة كان من الشيطان
ومن همزه، ونص هو عليه السلام على ذلك وبهذا الوجه جعله من عمله وكان فضل قوة موسى ربما أفرط
في وقت غضبه بأكثر مما يقصد.
قوله عز وجل :
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ
قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَاغْفِرْلِ فَغَفَرَلَهُ: إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ الـ
عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِ الْمَدِينَةِ خَِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِى أَسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ
ج
يَسْتَصْرِخُ قَالَ لَهُ مُوسَىَ إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُبِينٌ
ثم إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى فغفر الله خطأه
ذلك. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر.