النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٦٠ - ١٩١ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَحِينَ فنجينه قَالَ إِنِى لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ ﴿ رَبِّ نَجِنِى وَأَهْلِى مِمَّا يَعْمَلُونَ ١٦٧ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَّ ﴿ إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ ﴿١٩)ثُمَّدَمَّرْنَا ◌ْآَخَرِينَ (٣) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ (١٧٥ اٌلْمُنْذَرِينَ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٦) وَ إِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ قال النقاش إن في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة ((إذ قال لهم لوط)) وسقط ((أخوهم))، واختصرت الياء في الخط واللفظ من قوله ﴿وأطيعون﴾ مراعاة لرؤوس الآي أن تتناسب، ثم وقفهم على معصيتهم البشعة في إتيان ﴿الذكران﴾ وترك فروج الأزواج والمعنى ويذر ذلك العاصي في حين معصيته لا أن معناه تركوا النساء جملة، وفي قراءة ابن مسعود ((ما أصلح لكم ربكم)) و﴿عادون﴾، معناه ظالمون مرتكبون للحظر. فتوعدوه بالإخراج من أرضه وداره فلا يتهم عند ذلك واقتصر على الإخبار بأنه قال لعملهم، و((القلى)) بغض الشيء وتركه، ثم دعا في النجاة فنجاه الله بأن أمره بالرحلة ليلاً، وكانت امرأته كافرة تعين عليه قومه فأصابها حجر فهلكت فيمن هلك، وقوله ﴿في الغابرين﴾ معناه في الباقين، فإما أن يريد في الباقين من لداتها وأهل سنها وهذا تأويل أبي عبيدة، وإما أن يريد في الباقين في العذاب النازل بهم وهذا تأويل قتادة، والمشهور في غبرانها بمعنى بقي، وغابر الزمان مستقبله، ولكن الأعشى قد استعمل غابر الزمان بمعنى ماضيه في شعر المنافرة المشهور، وقال الزهراوي يقال للذاهب غابر وللباقي غابر، و((التدمير)) الإهلاك بإمطار الحجارة وبذلك جرت السنين في رجم اللوطي وباقي الآية بين. قوله عز وجل : كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣٦) إِذْقَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ اَلَانَتَّقُونَ ﴿ فَاتَّقُواْ ◌َإِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌّ ١٧٧ اَللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴿٣) وَمَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨) أَوْفُواْالْكَيْلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُخْسِرِينَ ﴿ وَزِنُواْبِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِمِ ﴿ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تَعْتَوَّا فِى الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَرِينَ (َثَ وَمَآ (١٨٤ مُفْسِدِينَ ﴿ وَأَتَّقُواْالَّذِى خَلَقَكُمْ وَالْجِلَّةَ الْأَوَلِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ إِن كُنْتَ مِنَ ١٨٦ أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌّ مِثْلُنَا وَإِن نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِينَ الصَّدِقِينَ ﴿َ قَالَ رَبِّ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٣) فَكَذَّبُوَهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَِّ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ ١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ١٩٠ إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ يَوْمٍ عَظِيمٍ بَ ١٩١ قال النقاش في مصحف ابن مسعود وأبي وحفصة ((إذ قال لهم أخوهم شعيب))، قالوا ولا وجه لمراعاة النسب وإنما هو أخوهم من حيث هو رسولهم وآدمي مثلهم، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر ((أصحاب ليكة)) على وزن فعلة هنا وفي ص، وقرأ الباقون ((الأيكة)) وهي الدوحة الملتفة من الشجر على الإطلاق، وقيل من شجر معروف له غضارة تألفه الحمام والقماري ونحوها، وقال قتادة كان شجرهم هذا دوماً، و ﴿لیکة﴾ اسم ٢٤٢ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٩٢ - ١٩٩ البلد في قراءة من قرأ ذلك قاله بعض المفسرين، ذكره أبو عبيد القاسم بن سلام، وذهب قوم إلى أنها مسهلة من ((الأيكة)) وأنها وقعت في المصحف هنا وفي سورة ص بغير ألف، وقال أبو علي سقوط ذلك من المصحف لا يرجح النطق بها هكذا، لأن المصحف اتبع فيه تسهيل اللفظ، فكما سقطت الألف من اللفظ سقطت من الخط نحو سقوط الواو من قوله ﴿سندع الزبانية﴾ [العلق: ١٨]، لما سقطت من اللفظ، وأما ترجيح القراءة في ((ليكةً)) بفتح التاء في موضع الجر فلا يقتضيه ما في المصحف وهي قراءة ضعيفة، ويدل على ضعفها أن سائر القرآن غير هذين الموضعين مجمع فيه على ((الأيكة)) بالهمز والألف والخفض، وكانت مدن القوم سبعة فيما روي ولم يكن شعيب منهم، فلذلك لم يذكر هنا بأنه أخ لهم وإنما كان من بني مدين ولذلك ذكر بأخوتهم، وجاءت الألفاظ في دعاء كل واحد من هؤلاء الأنبياء واحدة بعينها إذ كان الإيمان المدعو إليه معنى واحداً بعينه، وفي قولهم عليهم السلام ﴿ألا تتقون﴾ عرض رقيق وتلطف كما قال تعالى: ﴿فقل هل لك إلى أن تزكى﴾ [النازعات: ١٨]. وكانت معصيتهم المضافة إلى كفرهم بخس الموازين وتنقص أموال الناس بذلك، و((القسطاس)) المعتدل من الموازين وهو بناء مبالغة من القسط، وذهب ابن عباس ومجاهد إلى أن معنى قوله ﴿وزنوا بالقسطاس﴾ عدلوا أموركم بميزان العدل الذي جعله الله لعباده، وقرأ الجمهور ((بالقُسطاس)) بضم القاف من ((القُسطاس))، وقرأ عيسى وأهل الكوفة بكسرها، و﴿تعثوا﴾ معناه تفسدون يقال عثا إذا أفسد، و﴿الجبلة﴾ القرون، والخليقة الماضية وقال الشاعر: [الكامل] والموت أعظم حادث مما يمر على الجبلَّه وقرأ جمهور الناس ((والجبلة)) بكسر الجيم والباء، وقرأ ابن محيصن والحسن بخلاف ((والجُبُلة)) بضمها، و((الكسف)) القطع واحدها كسفة كتمرة وتمر، و﴿يوم الظلة﴾ هو يوم عذابهم وصورته فيما روي أن الله امتحنهم بحر شديد، فلما كان في ذلك اليوم غشي بعض قطرهم سحاب فجاء بعضهم إلى ظله فأحس فيه برداً وروحاً فتداعوا إليه، حتى تكاملوا فيه فاضطرمت عليهم تلك السحابة ناراً فأحرقتهم من عند آخرهم، وللناس في حديث ﴿يوم الظلة﴾ تطويلات لا تثبت، والحق أنه عذاب جعله الله ظلة عليهم، وذكر الطبري عن ابن عباس أنه قال من حدثك ما عذاب يوم الظلة فقد كذب، وباقي الآية بين. قوله عز وجل : ١٩٣ وَإِنَُّ لَتَغْزِلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ (٨٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِيْنُ وَلَوْنَزَّلْنَهُ عَلَى ١٩٧ أَعَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( !! ) بِسَانٍ عَرَبٍِ لا أَوَلَزْيَكُنَّمْءَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَتَوَأْ بَنِىّ إِسْرَءَ يلَ ١٩٦ مُّبِينٍ (*) وَإِنَُّ لَفِى زُيُرِ اَلْأَوَّلِينَ بَعْضِ اُلْأَعْجَمِينُ (َ فَقَرَأَمُ عَلَيْهِمْ مَّا كَانُواْبِهِ، مُؤْمِنِينَ ١٩٩ الضمير في ﴿إنه﴾ للقرآن، أي إنه ليس بكهانة ولا سحر وإنما هو من عند الله تعالى، و﴿الروح الأمين﴾، جبريل عليه السلام بإجماع، ونزل باللفظ العربي والمعاني الثابتة في الصدور والمصاحف، وعلى ذلك كله يعود الضمير في ﴿به﴾ و((اللسان))، عبارة عن اللغة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم ٢٤٣ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ١٩٢ - ١٩٩ في رواية حفص (((نزَل)) خفيفة الزاي («الروحُ)) رفع، وقرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي بشد الزاي ((الروح)) نصباً ورجحها أبو حاتم بقوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾ [البقرة: ٩٧]. وبقوله ﴿لتنزيل رب العالمين﴾. وقوله، ﴿به﴾ في موضع الحال كقوله تعالى: ﴿وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾ [المائدة: ٦١]، وقوله: ﴿على قلبك﴾ إشارة إلى حفظه إياه، وعلل النزول على قلبه بكونه ﴿من المنذرين﴾ لأنه لا يمكن أن ينذر به إلا بعد حفظه، وقوله: ﴿بلسان﴾ يمكن أن تتعلق الباء ب﴿نزل به﴾ وهذا على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان يسمع من جبريل حروفاً عربية وهو القول الصحيح، وتكون صلصلة الجرس صفة لشدة الصوت وتداخل حروفه وعجلة مورده وإغلاظه، ويمكن أن يتعلق بقوله ﴿التكون﴾ وتمسك بهذا من رأى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمع مثل صلصلة الجرس يتفهم له منه القرآن. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف مقتضاه أن بعض ألفاظ القرآن من لدن النبي عليه السلام وهذا مردود، وقوله ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾، أي في كتبهم يريد القرآن أنه مذكور في الكتب المنزلة القديمة منبه عليه مشار إليه، وقرأ الجمهور ((زبُر)) بضم الباء، وقرأ الأعمش بسكونها ثم احتج عليهم بأنهم کان ينبغي أن يصحح عندهم أمره کون علماء بني إسرائیل یعلمونه کعبد الله بن سلام ونحوه قاله ابن عباس ومجاهد، وقال ابن عباس أيضاً فيما حكى عنه الثعلبي أن أهل مكة بعثوا إلى الأحبار بيثرب يسألونهم عن النبي عليه السلام فقالوا هذا زمانه ووصفوا نعته ثم خلطوا في أمر محمد عليه السلام فنزلت الآية في ذلك. قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا كون الآية مكية، وقال مقاتل هذه الآية مدنية، فمن قال إنها مكية ذهب إلى أن علماء بني إسرائيل ذكروا في التوراة صفة النبي الأمي فهذه الإشارة إلى ذلك وكلهم قرأ ﴿يكن﴾ بالياء ﴿آيةً﴾ نصباً غير ابن عامر فإنه قرأ ((تكن)) بالتاء من فوق («آيةٌ)) رفعاً وهي قراءة عاصم الجحدري، وقرأ جمهور الناس ((أن يعلمه)) بالياء من تحت، وقرأ الجحدري ((تعلمه)) بالتاء من فوق، ثم سلى محمداً صلى الله عليه وسلم عن صدود قومه عن الشرع بأن أخبر أن هذا القرآن العربي لو سمعوه من أعجمي أي من حيوان غير ناطق أو من جماد، و((الأعجم)) كل ما لا يفصح، ما كانوا يؤمنون أي قد ختم الكفر عليهم فلا سبيل إلى إيمانهم، والأعجمون جمع أعجم وهو الذي لا يفصح وإن كان عربي النسب يقال له أعجم، وكذلك يقال للحيوانات والجمادات ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((جرح العجماء جبار))، وأسند الطبري عن عبد الله بن مطيع أنه قال حين قرأ هذه الآية وهو واقف بعرفة: جملي هذا أعجم فلو أنزل عليه ما كانوا يؤمنون، والعجمي هو الذي نسبه في العجم وإن كان أفصح الناس، وقرأ الحسن (الأعجميين)). قال أبو حاتم أراد جمع الأعجمي المنسوب، وقال بعض النحويين (الأعجمون)) جمع أعجم أضيف فقويت بالإضافة رتبته في الأسماء فجمع وليس بأعجمي النسبة إلى العجم، وقرأ جمهور الناس ((أو لم يكن)) بالياء ((لهم آيةً)) بالنصب، وقرأ ((أو ليس لم يكن آية)) ابن مسعود، والأعمش، وفي مصحف أبي ((أليس) بغير واو، وقرأت فرقة ((تكن)) بالتاء من فوق ((آيةٌ)) رفعاً، وقرأ بعض من قرأ بالياء («آيَةً)» بالنصب وسائرهم بالرفع، وقد مضى ذكرها في السبع وذكر الطبري أن الضمير في قوله ﴿وإنه لتنزيل﴾ عائد على الذكر في قوله ﴿ما يأتيهم من ذكر من ربهم﴾ [الأنبياء: ٢]. ٢٤٤ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٢٠٠ - ٢١٦ قوله عز وجل : فَيَأْتِيَهُم ٢٠١ كَذَلِكَ سَلَكْنَهُ فِ قُلُوبٍ الْمُجْرِمِينَ [ثَلَا يُؤْمِنُونَ بِهِ، حَتَّى يَرُوا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ فَيَقُولُواْهَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ﴿ أَفَبِعَذَا بِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (*) أَفَرَءَيْتَ إِن وَمَآ ٢٠٧ مَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٦ لَ ثُمَّجَاءَ هُم مَّا كَانُوا يُوعَدُونَ لـ ٢٠٥ مَتَّعْنَهُمْسِنِينَ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّ لَهَا مُنذِرُونَ [َّذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِمِينَ الإشارة بذلك إلى ما يتحصل لسامع الآية المتقدمة من الحتم عليهم بأنهم لا يؤمنون وهي قوله تعالى: ﴿ولو نزلناه على بعض الأعجمين﴾ [الشعراء: ١٩٨]، و﴿سلكناه﴾ معناه أدخلناه، والضمير فيه للكفر الذي يتضمنه قوله ﴿ما كانوا به مؤمنين﴾ [الشعراء: ١٩٨] قاله الحسن. قال الرماني لا وجه لهذا لأنه لم يجر ذكره وإنما الضمير للقرآن وإحضاره بالبال، وحكى الزهراوي أن الضمير للتكذيب المفهوم وحكاه الثعلبي، وقرأ ابن مسعود ((كذلك جعلناه في قلوب))، وروي عنه ((نجعله))، و((المجرمون)) أراد بهم مجرمي كل أمة، أي إن هذه عادة الله تعالى فيهم، أنهم لا يؤمنون ﴿حتى يروا العذاب﴾ فلا ينفعهم الإيمان بعد تلبس العذاب بهم وهذا على جهة المثال لقريش أي هؤلاء كذلك، وكشف الغيب ما تضمنته هذه الآية يوم بدر، وقرأ الجمهور (فيأتيهم)) بالياء أي العذاب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((فتأتيهم)) بالتاء من فوق يعني الساعة، وفي قراءة أبي بن كعب ((فيروه بغتة)) ومن قول كل أمة معذبة ﴿هل نحن منظرون﴾ أي مؤخرون، وهذا على جهة التمني منهم والرغبة حيث لا تنفع الرغبة، ثم رجع لفظ الآية إلى توبيخ فريش على استعجالهم عذاب الله تعالى في طلبهم سقوط السماء كسفاً وغير ذلك وقولهم لمحمد صلى الله عليه وسلم أين ما تعدنا أي إنه لا ينبغي لهم ذلك لأن عذابنا بالمرصاد إذا حان أجله، ثم خاطب محمداً صلى الله عليه وسلم بإقامة الحجة عليهم في أن مدة الإرجاء والإمهال والإملاء لا تغني مع نزول العذاب بعدها ووقوع النقمة، وذلك في قوله تعالى: ﴿أفرأيت إن متعناهم) الآية، قال عكرمة ﴿سنين﴾ يريد عمر الدنيا، ولأبي جعفر المنصور، قصة في هذه الآية، ثم أخبر تعالى أنه لم يهلك قرية من القرى إلا بعد إرسال من ينذرهم عذاب الله عز وجل ﴿ذكرى﴾ لهم وتبصرة وإقامة حجة لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و﴿ذكرى﴾ عند الكسائي نصب على الحال، ويصح أن يكون في موضع نصب على المصدر، وهو قول الزجاج، ويصح أن يكون في موضع رفع على خبر الابتداء تقديره ذلك ذكرى، ثم نفى عن جهته عز وجل الظلم إذ هو مما لا يليق به . قوله عز وجل : أَ وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ ﴿﴿ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ وَمَا ثَنَزََّتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ٢١٢ فَلَنَدْعُ مَعَ الَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِيِنَ الأَمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ أَنَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: [9] فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِِّ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ لما كان بعض ما قال الكفار إن هذا القرآن كهانة نزلت هذه الآية مكذبة لذلك أي ﴿ما تنزلت به .. . ٢٤٥ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٦ الشياطين) لأنها قد عزلت عن السمع الذي كانت تأخذ له مقاعدها، وقوله ﴿وما ينبغي لهم﴾ أي ما يمكنهم، وقد تجيء هذه اللفظة عبارة عما لا يمكن وعبارة عما لا يليق وإن كان ممكناً، ولما جاء الله بالإسلام حرس السماء بالشهب الجارية إثر الشياطين فلم يخلص شيطان بشيء يلقيه كما كان يتفق لهم في الجاهلية، وقرأ الجمهور ((الشياطين))، وروي عن الحسن أنه قرأ ((الشياطون)) وهي قراءة مردودة، قال أبو حاتم هي غلط منه أو عليه وحكاها الثعلبي أيضاً عن ابن السميفع، وذكر عن يونس بن حبيب أنه قال سمعت أعرابياً يقول دخلت بساتين من ورائها بساتون قال يونس فقلت ما أشبه هذه بقراءة الحسن، ثم وصى عز وجل نبيه عليه السلام بالثبوت على توحيد الله تعالى وأمره بنذارة عشيرته تخصيصاً لهم إذ العشيرة مظنة المقاربة والطواعية. وإذ يمكنه معهم من الإغلاظ عليهم ما لا يحتمله غيرهم فإن البر بهم في مثل هذا الحمل عليهم والإنسان غير متهم على عشيرته. وكان هذا التخصيص مع الأمر العام بنذارة العالم، وروي عن ابن جريج أن المؤمنين من غير عشيرته في ذلك الوقت نالهم من هذا التخصيص وخروجهم منه فنزلت ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾، ولما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه النذارة عظم موقع الأمر عليه وصعب ولكنه تلقاه بالجلد، وصنع أشياء مختلفة كلها بحسب الأمر، فمن ذلك أنه أمر علياً رضي الله عنه بأن يصنع طعاماً وجمع عليه بني جده عبد المطلب وأراد نذارتهم ودعوتهم في ذلك الجمع وظهر منه عليه السلام بركة في الطعام، قال علي وهم يومئذ أربعون رجلاً ينقصون رجلاً أو يزيدونه، فرماه أبو لهب بالسحر فوجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وافترق جمعهم من غير شيء، ثم جمعهم كذلك ثانية وأنذرهم ووعظهم فتضاحكوا ولم يجيبوا، ومن ذلك أنه نادى عمه العباس وصفية عمته وفاطمة ابنته وقال لهم: ((لا أغني عنكم من الله شيئاً إني لكم نذير بين يدي عذاب شديد)) في حديث مشهور، ومن ذلك أنه صعد على الصفا أو أبي قبيس ونادى ((يا بني عبد مناف واصباحاه)) فاجتمع إليه الناس من أهل مكة فقال يا بني فلان حتى أتى، على بطون قريش جميعاً، فلما تكامل خلق كثير من كل بطن. قال لهم «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد الغارة عليكم أكنتم مصدقي)) قالوا نعم، فإنا لم نجرب عليك كذباً، فقال لهم ((فإني لكم نذير بين يدي عذاب شديد))، فقال له أبو لهب ألهذا جمعتنا تباً لك سائر اليوم فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] السورة، و((العشيرة)) قرابة الرجل وهي في الرتبة تحت الفخذ وفوق الفصيلة، وخفض الجناح استعارة معناه لين الكلمة وبسط الوجه والبر، والضمير في ﴿عصوك﴾ عائد على عشيرته من حيث جمعت رجالاً فأمره الله بالتبري منهم وفي هذه الآية موادعة نسختها آية السيف. قوله عز وجل : إِنَُّهُوَ السَّمِيعُ (٢١٩) وَتَقَلُبُّكَ فِي السَّجِدِينَ ١٨ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( الَّذِى يَرَبِكَ حِينَ تَقُومُ اُلْعَلِيمُ ! يُلْقُونَ السَّمْعَ ٢٢٢ تَنَزَُّ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَشِمٍ ٢٢١ هَلْ أُنَبِئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ٢٢٠ وَأَكْثَرُهُمْ كَذِبُونَ ﴿ وَالشُّعَرَآءُ يَتَبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ﴿ وَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَايَفْعَلُونَ ٢٢٠ أَلَمْتَرَ أَنَّهُمْ فِى كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ ٢٢٥ قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ((فتوكل)) بالفاء وكذلك في مصاحف أهل المدينة والشام، i ٢٤٦ تفسير سورة الشعراء / الآيات: ٢١٧ - ٢٢٦ والجمهور بالواو وكذلك في سائر المصاحف، وأمره الله تعالى بالتوكل عليه في كل أمره، ثم جاء بالصفات التي تؤنس المتوكل وهي العزة والرحمة المذكورتان في أواخر قصص الأمم المذكورة في هذه السورة، وضمنها نصر كل نبي على الكفرة والتهمم بأمره والنظر إليه، وقوله ﴿الذي يراك حين تقوم﴾، ﴿يراك﴾ عبارة عن الإدراك، وظاهر الآية أراد قيام الصلاة، ويحتمل أن يريد سائر التصرفات وهو تأويل مجاهد وقتادة، وقوله ﴿في الساجدين) قيل يريد أهل الصلاة أي صلاتك مع المصلين، قاله ابن عباس وعكرمة وغيرهما، وقال أيضاً مجاهد يريد تقلبك أي تقليبك عينك وأبصارك الساجدين حين تراهم من وراء ظهرك. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى أجنبي هنا، وقال ابن عباس أيضاً وقتادة أراد تقلبك في المؤمنين فعبر عنهم بـ ﴿الساجدين)، وقال ابن جبير أراد الأنبياء أي تقلبك كما تقلب غيرك من الأنبياء، وقوله تعالى: ﴿هل أنبئكم﴾ معناه قل لهم يا محمد هل أخبركم ﴿على من تنزل الشياطين) وهذا استفهام توقيف وتقرير، و((الأفاك)) الكذاب، و((الأثيم)) الآثم. ويريد الكهنة لأنهم كانوا يتلقون من الشياطين الكلمة الواحدة التي سمعت من السماء، فيخلطون معها مائة كذبة، فإذا صدقت تلك الكلمة كانت سبب ضلالة لمن سمعها، وقوله ﴿يلقون﴾ يعني الشياطين، ويقتضي ذلك أن الشيطان المسترق أیضاً کان یکذب إلى ما سمع هذا في الأكثر، ويحتمل الضمير في ﴿يلقون﴾ أي يكون للكهنة فإفكهم. وحالهم التي تقتضي نفي كلامهم عن كلام كتاب الله عقب ذلك بذكر ﴿الشعراء﴾ وحالهم لينبه على بعد كلامهم من كلام القرآن، إذ قال في القرآن بعض الكفرة إنه شعر، وهذه الكناية هي عن شعراء الجاهلية، حكى النقاش عن السدي أنها في ابن الزبعرى وأبي سفيان بن الحارث وهبيرة بن أبي وهب ومسافع الجمحي وأبي عزة وأمية بن أبي الصلت. قال القاضي أبو محمد: والأولان ممن تاب رضي الله عنهما، ويدخل في الآية كل شاعر مخلط يهجو ويمدح شهوة ويقذف المحصنات ويقول الزور، وقرأ نافع ((يتّبعهم)) بسكون التاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن والحسن بخلاف عنه، وقرأ الباقون بشد التاء وكسر الباء، واختلف الناس في قوله ﴿الغاوون﴾، فقال ابن عباس هم الرواة وقال ابن عباس أيضاً هم المستحسنون لأشعارهم المصاحبون لهم، وقال عكرمة هم الرعاع الذين يتبعون الشاعر ويتغنمون إنشاده وهذا أرجح الأقوال، وقال مجاهد وقتادة ﴿الغاوون﴾ الشياطين، وقوله ﴿في كل واد يهيمون﴾ عبارة عن تخليطهم وخوضهم في كل فن من غث الكلام وباطله وتحسينهم القبيح وتقبيحهم الحسن قاله ابن عباس وغيره، وقوله، ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾، ذكر لتعاطيهم وتعمقهم في مجاز الكلام حتى يؤول إلى الكذب، وفي هذا اللفظ عذر لبعضهم أحياناً فإنه يروى أن النعمان بن عدي لما ولاه عمر بن الخطاب ميسان وقال لزوجته الشعر المشهور عزله عمر فاحتج عليه بقوله تعالى: ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون﴾ فدرأ عنه عمر الحد في الخمر، وروى جابر ابن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال من مشى سبع خطوات في شعر كتب من الغاوين ذكره أسد بن موسى وذكره النقاش. قوله عز وجل : ٢٤٧ تفسير سورة الشعراء / الآية : ٢٢٧ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ وَذَكَرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا وَأَنْنَصَرُواْ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَىَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ ٢٢٧ هذا الاستثناء هو في شعراء الإسلام كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكل من اتصف بهذه الصفة، ويروى عن عطاء بن يسار وغيره أن هؤلاء شق عليهم ما ذكر قبل في الشعراء وذكروا ذلك للنبي عليه السلام فنزلت آية الاستثناء بالمدينة، وقوله ﴿وذكروا الله كثيراً﴾ يحتمل أن يريد في أشعارهم وهو تأويل ابن زيد، ويحتمل أن يريد أن ذلك خلق لهم وعبادة وعادة قاله ابن عباس، وهذا كما قال لبيد حين طلب منه شعره إن الله أبدلني بالشعر القرآن خيراً منه وكل شاعر في الإسلام يهجو ويمدح من غير حق ولا يرتدع عن قول دنيء فهم داخلون في هذه الآية وكل تقي منهم يكثر من الزهد ويمسك عن كل ما يعاب فهو داخل في الاستثناء، وقوله ﴿وانتصروا﴾ إشارة إلى ما قاله من الشعر علي وغيره في قريش قال قتادة وفي بعض القراءة، ((وانتصروا بمثل ما ظلموا))، وباقي الآية وعيد للظلمة كفار مكة وتهديد لهم، وعمل ﴿ينقلبون﴾ في ﴿أي﴾ لتأخيره. ٢٤٨ تفسير سورة النمل / الآيات: ١ - ٥ : بسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الزَحِيةُ. سُورَةُ التَّعْلِ هذه السورة مكية . قوله عز وجل : اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ ٢ هُدًى وَيُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ١ طسَّّ تِلْكَ ءَايَتُ اَلْقُرْءَانِ وَكِتَابِ مُبِينٍ إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَهُمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ ٣ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَوَهُم بِآلْآَخِرَةِهُمْ يُوقِنُونَ أُوْ لَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوَهُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يَعْمَهُونَ (جا تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وكل الأقوال مترتب ها هنا، وعلى القول بأنها حروف من أسماء الله تعالى فالأسماء هنا لطيف وسميع وكونها إشارة إلى نوع حروف المعجم أبين الأقوال، وعطف ((الكتاب)) على ﴿القرآن﴾ وهما لمسمى واحد من حيث هما صفتان لمعنيين، فالقرآن لأنه اجتمع والكتاب لأنه يكتب، وقرأ ابن أبي عبلة ((وكتابٌ مبينٌ)) بالرفع، وقوله ﴿هدى وبشرى﴾ يحتمل أن يكون في موضع نصب على المصدر، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك ﴿هدى وبشرى﴾. ثم وصف تعالى المؤمنين بالأوصاف الخليقة بهم، وإقامة الصلاة إدامتها وأداؤها على وجهها، و﴿الزكاة﴾ هنا يحتمل أن - تكون غير المفروضة لأن السورة مكية قديمة، ويحتمل أن تكون المفروضة من غير تفسير، وقيل ﴿الزكاة﴾ هنا بمعنى الطهارة من النقائص وملازمة مكارم الأخلاق، وتكرار الضمير في قوله ﴿وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ للتأكيد، ثم ذكر تعالى الكفرة ﴿الذين لا يؤمنون﴾ بالبعث، والإشارة إلى قريش، وقوله ﴿زينا لهم أعمالهم﴾ يحتمل أن يريد أنه تعالى جعل عقابهم على كفرهم أن حتم عليهم الكفر وحبب إليهم الشرك، وزينه بإن خلقه واخترعه في نفوسهم، ومع ذلك اكتسابهم وحرصهم، وهذا على أن تكون الأعمال المزينة كفرهم وطغيانهم ويحتمل أن الأعمال المزينة هي الشريعة التي كان الواجب أن تكون أعمالهم، فأخبر الله تعالى على جهة الذكر لنقصهم أنه بفضله ونعمته زين الدين وبينه، ورسم الأعمال والتوحيد لكن هؤلاء ﴿يعمهون﴾، ويعرضون، والعمه الحيرة والتردد في الضلال، ثم توعدهم تعالى بـ ﴿سوء العذاب﴾، فمن ناله شيء في الدنيا بقي عليه عذاب الآخرة. ومن لم ينله عذاب الدنيا كان سوء عذابه في موته وفيما بعده، و﴿الأخسرون﴾ جمع أخسري لأن أفعل صفة لا يجمع إلا أن يضاف فتقوى رتبته في الأسماء. : -- ٢٤٩ تفسير سورة النمل / الآيات: ٦ - ٩ قوله عز وجل : إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِّءَانَسْتُ نَارَّاسَاتِكُمْ مِنْهَا بِخَبٍ أَوْ وَإِنَّكَ لَتُلَقَى الْقُرْءَانَ مِنْ لَُّنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ءَاتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسِ لَّعَلَّكُمْتَصْطَلُونَ ﴿فَلَمَّاجَآءَ هَا نُودِىَ أَنْ بُورِكَ مَن فِ النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَنَ اللَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ يَمُوسَىَّ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ((تلقى)) تفعل مضاعف لقي يلقى ومعناه تعطى، كما قال ﴿وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾ [فصلت: ٣٥] قال الحسن المعنى أنك لتقبل القرآن. قال القاضي أبو محمد: ولا شك أنه يفيض عليه فضل الله ويعتمد به فيقلبه صلی الله عليه وسلم، وهذه الآية رد على كفار قريش في قولهم إن القرآن من تلقاء محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله، و﴿من لدن﴾، معناه من عنده ومن جهته، و((الحكيم)» ذو الحكمة في معرفته، حيث يجعل رسالاته وفي غير ذلك لا إله إلا هو، ثم قص تعالى خبر موسى، والتقدير اذكر ﴿إِذْ قال موسى﴾ وكان من أمر موسى عليه السلام أنه حين خرج بزوجه بنت شعيب عليه السلام يريد مصر وقد قرب وقت نبوته مشوا في ليلة ظلماء ذات برد ومطر ففقدوا النار ومسهم البرد واشتدت عليهم الظلمة وضلوا الطريق وأصلد زناد موسى عليه السلام، فبينما هو في هذه الحالة إذ رأى ناراً على بعد، و﴿أنست﴾ معناه رأيت، ومنه قول حسان بن ثابت: [المنسرح] انظر خليلي بباب جِلَّقَ هل تؤنس دون البلقاء من أحد فلما رأى موسى ذلك قال لأهله ما في الآية . ومشى نحوها فلما دنا منها رأى النار في شجرة سمر خضراء وهي لا تحرقها، وكلما قرب هو منها بعدت هي منه، وكان ذلك نوراً من نور الله عز وجل ولم يكن ناراً في نفسها لكن ظنه موسى ناراً فناداه الله عز وجل عند ذلك، وسمع موسى عليه السلام النداء من جهة الشجرة وأسمعه الله كلامه والخبر الذي رجاه موسى عليه السلام هو الإعلام بالطريق، وقوله ﴿بشهاب قبس﴾ شبه النار التي تؤخذ في طرف عود أو غيره بـ ((الشهاب))، ثم خصصه بأنه مما اقتبس، إذ الشهب قد تكون من غير اقتباس، و((القبس)) اسم لقطعة النار تقتبس في عود أو غيره كما القبض اسم ما يقبض ومنه قول أبي زيد: [المنسرح] في كفة صعدة مثقفة فيها سنان كشعلة القبسٍ ومنه قول الآخر: ((من شاء من نار الجحيم اقتبسا)» وأصل الشهاب الكوكب المنقض في أثر مسترق السمع وكل من يقال له شهاب من المنيرات فعلى التشبيه، قال الزجاج: كل أبيض ذي نور فهو شهاب وكلامه معترض، و((القبس)) يحتمل أن يكون اسماً غير صفة ويحتمل أن يكون صفة، فعلى كونه اسماً غير صفة أضاف إليه بمعنى بشهاب اقتبسته أو اقتبسه، وعلى كونه صفة يكون ذلك كإضافة الدار إلى الآخرة والصلاة إلى الأولى وغير ذلك، وقرأ الجمهور بإضافة ((شهاب)) إلى ((قبس)) وهي قراءة الحسن وأهل المدينة ومكة والشام، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((بشهاب قبس)) بتنوين ((شهاب)) فهذا على الصفة. ٢٥٠ تفسير سورة النمل / الآيات: ١٠ - ١٢ - ويجوز أن يكون ((القبس)) مصدر قبس يقبس كما الجلب مصدر جلب يجلب وقال أبو الحسن: الإضافة أجود وأكثر في القراءة كما تقول دار آجر وسوار ذهب حكاه أبو علي، و﴿تصطلون﴾ معناه تستدفئون من البرد، والضمير في ﴿جاءها﴾ للنار التي رآها موسى، وقوله ﴿أن بورك﴾ يحتمل أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة، ويحتمل أن تكون في موضع نصب على تقدير ((بأن بورك))، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على تقدير نودي أنه قاله الزجاج، وقوله ﴿بورك﴾ معناه قدس وضوعف خيره ونمي، والبركة مختصة بالخير، ومن هذا قول أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب: بورك الميت الغريب كما بو رك ينع الرمان والزيتون وبارك متعد بغير حرف تقول العرب باركك الله وقوله ﴿من في النار﴾ اضطرب المتأولون فيه فقال ابن عباس وابن جبير والحسن وغيرهم: أراد عز وجل نفسه وعبر بعضهم في هذا القول عبارات مردودة شنيعة، وقال ابن عباس رضي الله عنه: أراد النور، وقال الحسن وابن عباس: أراد بمن حولها الملائكة وموسى. قال القاضي أبو محمد: فأما قول الحسن وغيره فإنما يتخرج على حذف مضاف بمعنى ﴿بورك مَن﴾ قدرته وسلطانه ﴿في النار﴾ والمعنى في النار على ظنك وما حسبت، وأما القول بأن ﴿من﴾ للنور فهذا على أن يعبر على النور بمن من حيث كان من نور الله ويحتمل أن تكون من الملائكة لأن ذلك النور الذي حسبه. موسى ناراً لم يخل من الملائكة، ﴿ومن حولها﴾ يكون لموسى عليه السلام وللملائكة المطيفين به، وقرأ أبي بن كعب ((أن بوركت النار))، كذا حكى أبو حاتم وحكى ابن جني أنه قرأ ((تباركت النار ومن حولها)»، وحكى الداني أبو عمرو أنه قرأ ((ومن حولها من الملائكة))، قال: وكذلك قرأ ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقوله تعالى: ﴿وسبحان الله رب العالمين﴾ يحتمل أن يكون مما قيل في النداء لموسى، ويحتمل أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام اعتراضاً بين الكلامين، والمقصد به على كلا الوجهين تنزيه الله تعالى مِمَّا عسى أن يخطر ببال في معنى النداء من الشجرة وكون قدرته وسلطانه في النار وعود من عليه، أي هو منزه في جميع هذه الحالات عن التشبيه والتكييف، قال الثعلبي: وإنما الأمر كما روي أن في التوراة جاء الله من سيناء وأشرق من ساعير واستعلى من فاران، المعنى ظهرت أوامره بأنبيائه في هذه الجهات وفاران جبل مكة، وباقي الآية إعلام بأنه اللّه تعالى والضمير في ﴿أنه﴾ للأمر والشأن. قال الطبري: ويسميها أهل الكوفة المجهولة وأنسه بصفاته من العزة، أي لا خوف معي، والحكمة، أي لا نقص في أفعالي . قوله عز وجل : وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّارَءَاهَا تَهْتَرُّ كَأَنَّهَا جَانٌ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَمُوسَى لَا تَخَفْ إِ لَا يَخَافُ لَدَىَّ الْمُرْسَلُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ ظَمَنُمَ بَدَّلَ حُسْنَابَعْدَ سُوْءٍ فَإِى غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ وَ أَدْخِلْ يَدَكَ فِ جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوْءٍ فِي تِسْعِءَايَتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ١٢ أمره الله عز وجل بهذين الأمرين تدريباً له في استعمالهما، وفي الكلام حذف تقديره فألقى العصا : ٢٥١ تفسير سورة النمل / الآيات: ١٠ - ١٢ ﴿فلما رآها تهتز﴾، وأمال ((رآها)) بعضُ القراء، و((الجانّ)) الحيات لأنها تجن أنفسها أي تسترها، وقالت فرقة: الجان صغار الحيات وعصا موسى صارت حية ثعباناً وهو العظيم فإنها شبهت بـ ((الجانّ)) في سرعة الاضطراب، لأن الصغار أكثر حركة من الكبار، وعلى كل قول فإن الله خلق في العصا حياة وغير أوصافها وأعراضها فصارت حية، وقرأ الحسن والزهري وعمرو بن عبيد ((جأن)) بالهمز فلما أبصر موسى عليه السلام هول ذلك المنظر ﴿ولى﴾ فاراً، قال مجاهد ولم يرجع وقال قتادة: ولم يلتفت. قال القاضي أبو محمد: و((عقب)) الرجل إذا ولى عن أمر ثم صرف بدنه أو وجهه إليه كأنه انصرف على عقبيه وناداه الله مؤنساً ومقوياً على الأمر: ﴿يا موسى لا تخف﴾ فإن رسلي الذين اصطفيتهم للنبوّة لا يخافون عندي، ومعي، فأخذ موسى الحية فرجعت عصا ثم صارت له عادة، واختلف الناس في الاستثناء في قوله تعالى ﴿إلا من ظلم﴾، فقال مقاتل وغيره: الاستثناء متصل وهو من الأنبياء، وروى الحسن أن الله تعالى قال لموسى: أخفتك بقتلك النفس، وقال الحسن أيضاً: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب ثم تذنب والله فتعاقب فكيف بنا، وقال ابن جريج: لا يخيف الله الأنبياء إلا بذنب يصيبه أحدهم فإن أصابه أخافه حتى يأخذه منه، قال كثير من العلماء: لم يعر أحد من البشر من ذنب إلا ما روي عن يحيى بن زكرياء. قال القاضي أبو محمد: وأجمع العلماء أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي هي رذائل واختلف فيما عدا هذا، فعسى أن يشير الحسن وابن جريج إلى ما عدا ذلك، وفي الآية على هذا التأويل حذف اقتضى الإيجاز والفصاحة ترك نصه تقديره فمن ظلم ﴿ثم بدل﴾، وقال الفراء وجماعة: الاستثناء منقطع وهو إخبار عن غير الأنبياء كأنه قال: لكن من ظلم من الناس ثم تاب ﴿فإني غفور رحيم﴾، وقالت فرقة: ﴿إلا﴾ بمعنى الواو. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا وجه له، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم ((ألا من ظلم)) على الاستفتاح، وقوله ﴿ثم بدل حسناً﴾ معناه عملاً صالحاً مقترناً بتوبة، وهذه الآية تقتضي حتم المغفرة للتائب، وأجمع الناس على ذلك في التوبة من الشرك، وأهل السنة في التائب من المعاصي على أنه في المشيئة كالْمُصِرِّ، لكن يغلب الرجاء على التائب والخوف على المصر، وقوله تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] عمت الجميع من التائب والمصر، وقالت المعتزلة ﴿لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨] معناه للتائبين. قال القاضي أبو محمد: وذلك مردود من لفظ الآية لأن تفصيلها بين الشرك وغيره كان يذهب فائدته إذ الشرك يغفر للتائب وما دونه كذلك على تأويلهم فما فائدة التفصيل في الآية وهذا احتجاج لازم فتأمله، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ((حَسناً بعد سوء)) بفتح الحاء والسين وهي قراءة مجاهد وابن أبي ليلى، وقرأ محمد بن عيسى الأصبهاني ((حسنى)) مثل فعلى، ثم أمر تعالى موسى بأن يدخل يده في جيب جبته لأنها لم، يكن لها كم فيما قال ابن عباس، وقال مجاهد كانت مدرعة صوف إلى بعض يده، و((الجيب)) الفتح في الثوب لرأس الإنسان، وروي أن يد موسى عليه السلام كانت تخرج تلألأ كأنها قطعة نور، ومعنى إدخال اليد في الجيب ضم الآية إلى موسى وإظهار تلبسها به لأن المعجزات من شروطها أن يكون لها اتصال ٢٥٢ تفسير سورة النمل / الآيتان: ١٤،١٣ بالآتي بها، وقوله ﴿من غير سوء﴾ أي من غير برص ولا علة وإنما هي آية تجيء وتذهب، وقوله ﴿في تسع آيات﴾، متصل بقوله ﴿ألق﴾ ﴿وأدخل﴾، وفيه اقتضاب وحذف تقديره نمهد ونيسر ذلك لك في جملة تسع آيات، وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والحجر، وفي هذين الأخیرین اختلاف والمعنى تجيء بهن إلى فرعون وقومه . قوله عز وجل : فَلَمَّاجَآءَتُهُمْ ءَنُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُِّيرٌ ﴿وَحَحَدُ واْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُواْ فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ١٤ الضمير في قوله ﴿جاءتهم﴾ لفرعون وقومه، و﴿مبصرة﴾ معناه معها الإبصار والوضوح، وهذا على نحوقولهم: نهار صائم وليل قائم ونائم، وقرأ قتادة وعلي بن الحسين ((مَبصرة)) بفتح الميم والصاد، وظاهر قوله تعالى: ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم﴾ حصول الكفر عناداً وهي مسألة قولين هل يجوز أن يقع أم لا؟ فجوزت ذلك فرقة وقالت يجوز أن يكون الرجل عارفاً إلا أنه يجحد عناداً ويموت على معرفته وجحوده فهو بذلك في حكم الكافر المخلد، قالوا وهذا حكم إبليس وحكم حيي بن أخطب وأخيه حسبما روي عنهما . قال الفقيه الإمام القاضي: وإن عورض هذا المثال فرض إنسان ويجوز ذلك فيه وقالت فرقة لا يصح لوجھین : أحدهما أن هذا لا يجوز وقوعه من عاقل، والوجه الآخر أن المعرفة تقتضي أن تحل في القلب، وذلك إيمان وحكم الكفر لا يلحقه إلا بأن يحل بالقلب كفر، ولا يصح اجتماع الضدين في محل واحد، قالوا: ويشبه في هذا العارف الجاحد أن يسلب عند الموافاة تلك المعرفة ويحل بدلها الكفر. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر عندي في هذه الآية وكل ما جرى مجراها أن هؤلاء الكفرة كانوا إذا نظروا في آيات موسى عليه السلام أعطتهم عقولهم أنها ليست تحت قدرة البشر وحصل لهم اليقين أنها من عند الله تعالى، فيغلبهم أثناء ذلك الحسد ويتمسكون بالظنون في أنه سحر وغير ذلك مما يختلج في الظن بحسب كل آية، ويلجون في عماهم فيضطرب ذلك اليقين ويدفعونه في كل حيلة من التخيل لربوبية فرعون وغير ذلك، حتى يستلب ذلك اليقين أو يدوم كذلك مضطرباً، وحكمه حكم المستلب في وجوب عذابهم، و﴿ظلماً﴾ معناه على غير استحقاق للجحد، و((العلو)) في الأرض أعظم آفة على طالبه. قال الله تعالى: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً﴾ [القصص: ٨٣]. ثم عجبه تعالى من عقاب ﴿المفسدين) قوم فرعون وسوء منقلبهم حين كذبوا موسى وفي هذا تمثيل لكفار قريش إذ كانوا مفسدين مستعلين، وقرأ ابن وثاب وطلحة والأعمش ((ظلماً وعلياً))، وحكى أبو عمرو الداني عنهم وعن أبان بن تغلب أنهم كسروا العين من ((عِلياً)). ٠٠٠ ٢٥٣ تفسير سورة النمل / الآيات: ١٥ - ١٧ قوله عز وجل : وَلَقَدْ ءَانَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ عِلْمَاً وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَوَرِثَ سُلَيْمَنُ دَاوُدٍ وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الَّطَّيْرِ وَأُوْتِنَا مِن كُلِّ شَىْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَنَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ وَالطَّيْرِفَهُمْ يُوزَعُونَ ١٧ هذا ابتداء قصص فيه غيوب وعبر وليس بمثال لقريش، و﴿داود﴾ من بني إسرائيل وكان ملكاً ﴿وورث سليمان﴾ ملكه ومنزلته من النبوءة بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه فسمي ميراثاً تجوزاً، وهذا نحو قولهم العلماء ورثة الأنبياء، وحقيقة الميراث في المال والأنبياء لا تورث أموالهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة))، ويحتمل قوله عليه السلام ((إنا معشر الأنبياء لا نورث)) أن يريد به أن ذلك من فعل الأنبياء وسيرتهم وإن كان فيهم من ورث ماله كزكرياء على أشهر الأقوال فيه، وهذا كما تقول: إنا معشر المسلمين إنما شغلنا العبادة، فالمراد أن ذلك فيه فعل الأكثر، ومنه ما حكى سيبويه أنا معشر العرب أقرى الناس لضيف. وقوله ﴿علمنا منطق الطير﴾ إخبار بنعمة الله عندهما في أن فهمهما من أصوات الطير المعاني التي نفوسها، وهذا نحو ما كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يسمع أصوات الحجارة بالسلام وسليمان عليه السلام حكى عن البلبل أنه قال: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء إلى كثير من هذا النوع وقال قتادة والشعبي وغيره: إنما كان هذا الأمر في الطير خاصة والنملة طائر قد يوجد له الأجنحة، قال الشعبي: وكذلك كانت هذه القائلة ذات جناحين، وقالت فرقة: بل كان في جميع الحيوان وإنما ذكر الطير لأنه كان جنداً من جنود سليمان يحتاجه في التظليل عن الشمس وفي البعث في الأمور فخص لكثرة مداخلته ولأن أمر سائر الحيوان نادر وغير متردد ترداد أمْر الطير، والنمل حيوان فطن قويّ شمام جداً يدخر القرى ويشق الحب بقطعتين لئلا ينبت ويشق الكزبرة بأربع قطع لأنها تنبت إذا قسمت شقين ويأكل في عامه نصف ما جمع، ويستبقي سائره عُدَّة، وقوله ﴿وأوتينا من كل شيءٍ﴾ معناه يصلح لنا ونتمناه وليست على العموم، ثم ردد شكر فضل الله تعالى، ثم قص تعالى حال سليمان فقال: ﴿وحشر لسليمان﴾ أيْ جمع واختلف الناس في مقدار جند سليمان عليه السلام اختلافاً شديداً لم أر ذكره لعدم صحة التحديد، غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيماً ملأ الأرض وانقادت له المعمورة وكان كرسيه يحمل أجناده من الإنس والجن، وكانت الطير تظله من الشمس ويبعثها في الأمور، وكان له في الكرسي الأعظم موضع يخصه، و﴿يوزعون﴾ معناه يرد أولهم إلى آخرهم ويُكَفّون، وقال قتادة فكان لكل صنف وزعة في رتبهم ومواضعهم من الكرسي ومن الأرض إذا مشوا فيها قرب وقت كان يسير فيه في الأرض، ومنه قول الحسن الصبري حين ولي قضاء البصرة: لا بد للحاكم من وزعة، ومنه قول أبي قحافة حين وصفت له الجارية في يوم الفتح أنها ترى سواداً أمامه فارس قد نهد من الصف فقال لها: ذلك الوازع، ومنه قول الشاعر [النابغة الذبياني]: [الطويل] على حين عاتبت المشيب على الصبا أي كافٍ. وقلت ألمًا أصح والشيب وازع ٢٥٤ . تفسير سورة النمل / الآيتان: ١٨، ١٩ قوله عز وجل : حَتَّ إِذَا أَنَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ فَنَّمَ ضَاحِكً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَِّىّ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ روز وورغ [١٩ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنْهُ وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادَِ الصَّلِحِينَ ظاهر هذه الآية أن سليمان وجنوده كانوا مشاة في الأرض، وبذلك يتفق حطم النمل، ويحتمل أنهم كانوا في الكرسي المحمول بالريح وأحست النمل بنزولهم في ﴿واد النمل﴾، وأمال أبو عمرو الواو من ﴿واد﴾، والجميع فخم، وبالإمالة قرأ ابن إسحاق، وقرأ المعتمر بن سليمان عن أبيه ((النمُل)) بضم الميم كالسمر، و((قالت نَمُلة)) بالضم كسمرة، وروي عنه ضم النون والميم من ((النُّمُل))، وقال نوف البكالي: كانت تلك النملة على قدر الذئاب وقالت فرقة: بل كانت صغاراً. قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن النمل كانت نسبتها من ذلك الخلق نسبة هذا النمل منا فيحتمل أن كان الخلق كله أكمل، وهذه النملة قالت هذا المعنى الذي لا يصلح له إلا هذه العبارة قولاً فهمه عنها النمل، فسمعها سليمان على بعده، وجاءت المخاطبة كمن يعقل، لأنها أمرتهم بما يؤمر به من يعقل، وروي أنه كان على ثلاثة أميال ﴿فتبسم﴾ من قولها، والتبسم ضحك الأنبياء في غالب. أمرهم لا يليق بهم سواه، وكان تبسمه سروراً، واختلف بما كان، فقالت فرقة بنعمة الله في إسماعه وإفهامه ونحو ذلك، وقالت فرقة بثناء النملة عليه وعلى جنوده في أن نفت عنهم تعمد القبيح من الفعل فجعلت الخطم ﴿وهم لا يشعرون﴾، وقرأ شهر بن حوشب ((مسْكنكم)) بسكون السين على الإفراد، وفي مصحف أبي ((مساكنكن))، و﴿ضاحكاً﴾ نصب على الحال، وقرأ محمد بن السميفع ((ضحكاً)) وهو نصب على المصدر إما بـ تبسم)) على مذهب المبرد إذ هو في معنى ضحك، وإما بتقدير ضحك على مذهب سيبويه، وقرأ جمهور القراء ((لا يخْطمنكم)) بشد النون وسكون الحاء، وقرأ أبو عمرو وفي رواية عبيد ((لا يحطمنْكم)) بسكون النون وهي قراءة ابن أبي إسحاق، وقرأ الحسن وأبو رجاء ((لا يُحَطّمنّكم)) بضم الياء وفتح الحاء وكسر الطاء وشدها وشد النون وعنه أيضاً ((يَحِطّمنكم)) بفتح الياء وكسر الحاء والطاء وشدها، وقرأ الأعمش وطلحة (( لا يحطمكم)) مخففة بغير نون، وفي مصحف أبي بن كعب ((لا يحطمنكن)) مخففة النون التي قبل الكاف، ثم دعا سليمان إلى ربه في أن يعينه الله تعالى ويفرغه إلى شكر نعمته وهذا هو معنى ((إيزاع الشكر»، وباقي الآية بين. قوله عز وجل : لَأَعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا ٢٠٠ وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِى لَآ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآمِينَ ! أَوْلَ أَذْبَحَنَّهُ، أَوْ لَيَأْتِيَنِى بِسُلْطَنِ مُبِينٍ ﴿﴿ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطَتُ بِمَالَمْ تُحِطْبِهِ، ..... - ٢٥٥ تفسير سورة النمل / الآيات: ٢٠ - ٢٣ وَجِئْتُكَ مِن سَيَا بِنَبَاِيَقِينٍ (٦) إِنِى وَجَدتُّ أَمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُ عَظِيمٌ (٢٣ اختلف الناس في معنى (تفقده الطير))، فقالت فرقة ذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك والتهمم بكل جزء منها. قال القاضي أبو محمد: وظاهر الآية أنه تفقد جميع الطير، وقالت فرقة: بل ((تفقّد الطير)) لأن الشمس دخلت من موضع ﴿الهدهد﴾ حين غاب، فكان ذلك سبب تفقد الطير ليبين من أين دخلت الشمس، وقال عبد الله بن سلام إنما طلب ﴿الهدهد) لأنه احتاج إلى معرفة الماء على كَم هو من وجه الأرض، لأنه كان نزل في مفازة عدم فيها الماء، وأن ﴿الهدهد﴾ كان يرى باطن الأرض وظاهرها كانت تشف له وكان يخبر سليمان بموضع الماء، ثم كانت الجن تخرجه في ساعة يسيرة تسلخ عنه وجه الأرض كما تسلخ شاة قاله ابن عباس فيما روي عن أبي سلام وغيره، وقال في كتاب النقاش كان ﴿الهدهد﴾ مهندساً، وروي أن نافع بن الأزرق سمع ابن عباس يقول هذا فقال له: قف يا وقاف كيف يرى ﴿الهدهد﴾ باطن الأرض وهو لا يرى الفخ حين يقع فيه. فقال له ابن عباس رضي الله عنه: إذا جاء القدر عمي البصر. وقال وهب بن منبه: كانت الطير تنتاب سليمان كل يوم من كل نوع واحد نوبة معهودة ففقد ﴿الهدهد﴾، وقوله ﴿ما لي لا أرى﴾ إنما مقصد الكلام ﴿الهدهد﴾ غاب لكنه أخذ اللازم عن مغيبه وهو أن لا يراه فاستفهم على جهة التوقيف عن اللازم، وهذا ضرب من الإيجاز، والاستفهام الذي في قوله ﴿ما لي﴾، ناب مناب الألف التي تحتاجها أم، ثم توعده عليه السلام بالعذاب، وروي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أن تعذيبه للطير كان بأن تنتف، قال ابن جريج: ريشه أجمع، وقال يزيد بن رومان: جناحاه، وروى ابن وهب أنه بأن تنتف أجمع وتبقى بضعة تنزو، و((السلطان)) الحجة حيث وقع في القرآن، قاله عكرمة عن ابن عباس، وقرأ ابن كثير وحده ((ليأتينني)) بنونين، وفعل سليمان هذا بالهدهد إغلاظاً عن العاصين وعقاباً على إخلاله بنوبته ورتبته، وقرأ جمهور القراء، ((فمكُث)) بضم الكاف، وقرأ عاصم وحده ((فمكث)) بفتحها، ومعناه في القراءتين أقام، والفتح في الكاف أحسن لأنها لغة القرآن في قوله ﴿ماكثين﴾ [الكهف: ٣] إذ هو من مكث بفتح الكاف، ولو كان من مكُث بضم الكاف لكان جمع مكيث، والضمير في ((مكث)) يحتمل أن يكون لسليمان أو لـ ﴿الهدهد﴾، وفي قراءة ابن مسعود ((فتمكث ثم جاء فقال)) وفي قراءة أبي بن كعب ((فتمكث)) ثم قال ﴿أحطت﴾ وقوله ﴿غير بعيد﴾ كما في مصاحف الجمهور يريد به في الزمن والمدة، وقوله ﴿أحطت﴾ أي علمت علماً تاماً ليس في علمك، واختلف القراء في (سبأ﴾، فقرأ جمهور القراء ((سبأ)» بالصرف. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((سبأ)) بفتح الهمزة وترك الصرف، وقرأ الأعمش ((من سبا)) بالكسر وترك الصرف وروى ابن حبيب عن اليزيدي ((سبا)» بألف ساكنة، وقرأ قنبل عن النبال بسكون الهمزة، فالأولى على أنه اسم رجل وعليه قول الشاعر: [البسيط] 1 الواردون وتيم في ذرى سبٍ قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس وقال الآخر: ((من سبأ الحاضرين مآرب))، وهذا على أنها قبيلة والثانية على أنها بلدة، قاله الحسن ٢٥٦ تفسير سورة النمل / الآيات. ٢٤ - ٢٨ وقتادة، وكلا القولين قد قيل، ولكن روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث فروة بن مسيك وغيره أنه اسم رجل ولد عشرة من الولد تيامن منهم ستة، وتشاءم أربعة، وخفي هذا الحديث على الزجاج فخبط عشوى، والثالثة على البناء والرابعة والخامسة لتوالي الحركات السبع فسكن تخفيفاً للتثقيل في توالي الحركات، وهذه القراءة لا تبنى على الأولى بل هي إما على الثانية أو الثالثة، وقرأت فرقة ((بنبأ)) وقرأت فرقة دون تنوين على الإضافة، وقرأت فرقة ((بنبا)) بالألف مقصورة، وقوله ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ مبالغة أي مما تحتاج المملكة قال الحسن: من كل أمر الدنيا، ووصف عرشها بالعظم في الهيئة ورتبة السلطان، وروي عن نافع الوقف على ﴿عرش﴾ فـ ﴿عظيم﴾ على هذا يتعلق بما بعده، وهذه المرأة هي بلقيس بنت شراحيل فيما قال بعضهم، وقيل بنت الفشرح، وقيل كانت أمها جنية، وأكثر بعض الناس في قصصها بما رأيت اختصاره لعدم صحته وإنما اللازم من الآية أنها امرأة ملكة على مدائن اليمن ذات ملك عظيم وكانت كافرة من قوم كفار. قوله عز وجل: وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴿ أَلَّا يَسْجُدُ واْلَّهِالَّذِى يُخْرِجُ الْخَبَْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ وَمَا تُعْلِنُونَ ﴾ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ اُلْكَذِبِينَ ® اذْهَب بَكِتَِ هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّتَوَلَ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ ٢٨ كانت هذه الأمة أمة تعبد الشمس لأنهم كانوا زنادقة فيما روي، وقيل كانوا مجوساً يعبدون الأنوار، وقوله ﴿ألا يسجدوا﴾ إلى قوله ﴿العظيم) ظاهره أنه من قول الهدهد، وهو قول ابن زيد وابن إسحاق ويعترض بأنه غير مخاطب، فكيف يتكلم في معنى شرع، ويحتمل أن يكون من قول الله تعالى اعتراضاً بين الكلامين وهو الثابت مع التأمل، وقراءة التشديد في ((ألاّ)) تعطي أن الكلام للهدهد، وقراءة التخفيف تمنعه وتقوي الآخر حسبما يتأمل إن شاء الله، وقرأ جمهور القراء ((ألا يسجدوا)) فـ((أن)) في موضع نصب على البدل من ﴿أعمالهم﴾ وفي موضع خفض على البدل من ﴿السبيل﴾ أو يكون التقدير لأن لا يسجدوا فـ ((أن)) متعلقة إما بـ ((زين)) وإما بـ ((صدهم))، واللام الداخلة على ((أن)) داخلة على مفعول له، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر والزهري وأبو عبد الرحمن والحسن والكسائي وحميد: ((ألا)) على جهة الاستفتاح ووقف الكسائي من هذه الفرقة على يا، ثم يبتدىء ((اسجدوا))، واحتج الكسائي لقراءته هذه بأنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه موضع سجدة. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة مقدر فيها النداء والمنادی محذوف تقديره إن جعلناه اعتراضاً يا هؤلاء ويجيء موضع سجدة، وإن جعلناه من كلام الهدهد يا قوم أو يا عقلاء ونحو هذا ومنه قول الشاعر: ((ألا يا سلمي)) يا دار ميَّ على البلا إلخ .. البيت، ونحو قول الآخر وهو الأخطل: [الطويل] وإن كان حيانا عدّى آخر الدهر ألا يا أسلمي يا هند هند بني بدر ٢٥٧ تفسير سورة النمل / الآيات: ٢٤ - ٢٨ ومنه قول الآخر: فقلت سمعنا فاسمعي واصمتي فقالت ألا يا اسمع أعظك بخطة ويحتمل قراءة من شدد: ((ألا)) أن يجعلها بمعنى التخصيص، ويقدر هذا النداء بعدها ويجيء في الكلام إضمار كثير ولكنه متوجه، وسقطت الألف كما كتبت في يا عيسى ويا قوم، وقرأ الأعمش ((هل لا يسجدون))، وفي حرف عبد الله بن مسعود ((ألا هل تسجدون)) بالتاء، وفي قراءة أبيّ: ((ألا هل تسجدوا)) بالتاء أيضاً، و﴿الخبء﴾ الخفي من الأمور وهو من خبأت الشيء، و(خبء)) السماء مطرها، و((خبء)) الأرض كنوزها ونباتها، واللفظة بعد هذا تعم كل خفيّ من الأمور وبه فسر ابن عباس، وقرأ جمهور الناس ((الخبْء)) بسكون الباء والهمز، وقرأ أبي بن كعب ((الخبَ)) بفتح الباء وترك الهمز، وقرأ عكرمة (الخبا)) بألف مقصورة، وحكى سيبويه أن بعض العرب يقلب الهمزة إذا كانت في مثل هذا مفتوحة وقبلها ساكن يقلبها ألفاً، وإذا كانت مضمومة وقبلها ساكن قلبها واواً، وإذا كانت مكسورة قلبها ياء ومثل سيبويه ذلك بالوثا والوثو والوثي، وكذلك يجيء ﴿الخبء﴾ في حال النصب وتقول اطلعت على الخبي وراقني الخبو وقرأ جمهور القراء ((يخفون)) و ((يعلنون)» بياء الغائب. قال القاضي أبو محمد: وهذه القراءة تعطي أن الآية من كلام الهدهد، وقرأ الكسائي وعاصم في رواية حفص ((تخفون وما تعلنون)) بتاء الخطاب، وهذه القراءة تعطي أن الآية من خطاب الله عز وجل لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي مصحف أبي بن كعب ((ألا يسجدوا والله الذي يخرج الخبء من السماوات والأرض ويعلم سركم وما تعلنون)»، وخصص ﴿العرش﴾ بالذكر في قوله ﴿رب العرش العظيم) لأنه أعظم المخلوقات، وما عداه في ضمنه وقبضته، ثم إن سليمان عليه السلام أخّر أمر الهدهد إلى أن يبين له حقه من باطله فسوفه بالنظر في ذلك وأمر بكتاب فكتب وحمله إياه وأمره بإلقائه إلى القوم والتولي بعد ذلك، وقال وهب بن منبه أمره بالتولي حسن أدب، ليتنحى حسبما يتأدب به مع الملوك بمعنى وكن قريباً حتى ترى مراجعاتهم، وقال ابن زيد: أمره بالتولي بمعنى الرجوع إليه أي ألقه وارجع، قال وقوله ﴿فانظر ماذا يرجعون) في معنى التقديم على قوله ﴿ثم تول﴾. قال القاضي أبو محمد: واتساق رتبة الكلام أظهر أي ((ألقه ثم تول)) وفي خلال ذلك ﴿فانظر﴾ وإنما أراد أن يكل الأمر إلى علم ما في الكتاب دون أن تكون للرسول ملازمة ولا إلحاح. وقرأ نافع ((فألقهٍ)) بكسر الهاء، وفرقة ((فألقهُ)) بضمها، وقرأ ابن كثير وابن عامر والكسائي بإشباع ياء بعد الكسرة في الهاء، وروى عنه ورش بياء بعد الهاء في الوصل، وقرأ قوم بإشباع واو بعد الضمة، وقرأ البزي عن أبي عمرو وعاصم وحمزة ((فألقه)) بسكون الهاء، وروي عن وهب بن منبه في قصص هذه الآية أن الهدهد وصل فألفى دون هذه الملكة حجب جدرات فعمد إلى كوة كانت بلقيس صنعتها لتدخل منها الشمس عند طلوعها لمعنى عبادتها إياها فدخل منها ورمى الكتاب على بلقيس وهي فيما يروى نائمة، فلما انتبهت وجدته فراعها وظنت أنه قد دخل عليها أحد ثم قامت فوجدت حالها كما عهدته فنظرت إلى الكوة ٢٥٨ تفسير سورة العمل / الآيات: ٢٩ - ٣٤ تهمماً بأمر الشمس فرأت الهدهد فعلمت أمره ثم جمعت أهل ملكها وعلية قومها فخاطبتهم بما يأتي بعد. قوله عز وجل : مْ أَلَّا قَالَتْ يَتُهَا الْمَلَؤُوا إِنِّ أُلْقِىَ إِلَىَ كِنَُّ كَرِيمُ (٦َ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأَتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٦َ قَالَتْ يَأَيُهَا الْمَلُواْأَفْتُونِ فِىَ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرَّحَتَّى تَشْهَدُونِ أَ قَالُواْ فَحْنُ أُوْلُوْقُوَّةٍ وَأَوْلُوْبَأْسِ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُإِلَيْكِ فَانْظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوَكَإِذَا دَخَلُواْ ٣٢ ٣٤ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُواْأَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَزِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ في هذا الموضع اختصار لما يدل ظاهر القول عليه تقديره فألقى الكتاب وقرأته وجمعت له أهل ملكها، و﴿الملأ﴾ أشراف الناس الذين ينوبون مناب الجميع، ووصفت ((الكتاب بالكرم)) إما لأنه من عند عظيم في نفسها ونفوسهم فعظمته إجلالاً لسليمان، وهذا قول ابن زيد، وإما أنها أشارت إلى أنه مطبوع عليه بالخاتم، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كرم الكتاب ختمه)) وإما إن أرادت أنه بدىء ﴿بسم الله﴾ فـ(كريم) ضد أخْذم كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((كل كلام لم يبدأ باسم الله تعالى فهو أجذم، ثم أخذت تصف لهم ما في الكتاب فيحتمل اللفظ أنه نص الكتاب موجزاً بليغاً وكذلك كتب الأنبياء وقدم فيه العنوان وهي عادة الناس على وجه الدهر، ثم سمى الله تعالى، ثم أمرهم بأن لا يعلوا عليه طغياناً وكفراً وأن يأتوه ﴿مسلمين﴾، ويحتمل أنها قصدت إلى اقتضاب معانيه دون ترتيبه فأعلمتهم ﴿أنه من سليمان﴾ وأن معنى ما فيه كذا وكذا، وقرأ أبيّ ((وأن بسم الله)) بفتح الهمز وتخفيف النون وحذف الهاء، وقرأ ابن أبي عبلة ((أنه)) من ((وأنه)) بفتح الهمزة فيهما، وفي قراءة عبد الله ((وأنه من سليمان)) بزيادة، و﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، استفتاح شريف بارع المعنى معبر عنه بكل لغة وفي كل شرع، و﴿أن﴾ في قوله تعالى: ﴿أن لا تعلوا علي﴾ يحتمل أن تكون رفعاً على البدل من ﴿كتاب﴾، أو نصباً على معنى ((بأن لا تعلوا))، أو مفسرة بمنزلة أي قاله سيبويه، وقرأ وهب بن منبه ((أن لا تغلوا)) بالغين منقوطة، قال أبو الفتح رواها وهب عن ابن عباس وهي قراءة الأشهب العقيلي ذكرها الثعلبي ثم أخذت في حسن الأدب مع رجالها ومشاورتهم في أمرها وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر فكيف في هذه النازلة الكبرى، فراجعها الملأ بما يقر عينها من إعلامهم إياها بـ ((القوة والبأش)) أي وذلك مبذول إليك فقاتلي إن شئت، ثم سلموا الأمر إلى نظرها وهذه محاورة حسنة من الجميع، وفي قراءة عبد الله ((ما كنت قاضیة أمراً» بالضاد من القضاء، وذكر مجاهد في عدد أجنادها أنها کان لها اثنا عشر ألفاً، قیل تحت ید کل واحد منهم مائة ألف. قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد، وذكر غيره نحوه فاختصرته لبعد الصحة عنه، ثم أخبرت بلقيس عند ذلك بفعل ﴿الملوك﴾ بالقرى التي يتغلبون عليها، وفي الكلام خوف على قومها وحيطة لهم واستعظام لأمر سليمان عليه السلام، وقالت فرقة إن ﴿وكذلك يفعلون﴾ من قول بلقيس تأكيداً منها للمعنى الذي أرادته، وقال ابن عباس: هو من قول الله تعالى معرفاً لمحمد عليه السلام وأمته ومخبراً به. ..... : : ٢٥٩ تفسير سورة النمل / الآيات: ٣٥ - ٤٠ قوله عز وجل : فَلَمَّا جَآءُ سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمِتُّ ونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ٣٥ وَإِنِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ءَاتَمْنِ ءَ اَللَّهُ خَيْرٌ مِّعَّآ ءَاتَنْكُمْ بَلْ أَنْتُمِ بِهَدِيَتِكُمْنَفْرَحُونَ (٦) أَرْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْنِيَنَّهُمْ بِحُنُودٍ لَا قِبَلَ لَّمِهَا وَلَنُخْرِجَنَهُمْ مِّنْهَ أذِلَةَ وَهُمْ صَغِرُونَ ٣٧ روي أن بلقيس قالت لقومها إني أجرب هذا الرجل ﴿بهدية﴾ أعطيه فيها نفائس الأموال وأغرب عليه بأمور المملكة، فإن كان ملكاً دنياوياً أرضاه المال فعملنا معه بحسب ذلك، وإن كان نبياً لم يرضه المال ولازمنا في أمر الدين فينبغي أن نؤمن به ونتبعه على دينه، فبعثت إليه ﴿بهدية﴾ عظيمة أكثر بعض الناس في تفصيلها فرأيت اختصار ذلك لعدم صحته، واختبرت علمه فيما روي بأن بعثت إليه قدحاً فقالت املأه لي ماء ليس من الأرض ولا من السماء، وبعثت إليه درة فيها ثقب محلزق وقالت يدخل سلكها دون أن يقربها إنس ولا جان، وبعثت أخرى غير مثقوبة وقالت يثقب هذه غير الإنس والجن، فملأ سليمان القدح من عرق الخيل، وأدخلت السلك دودة. وثقبت الدرة أرضة ماء، وراجع سليمان مع رد الهدية بما في الآية وعبر عن ((المرسلين)) بـ ﴿جاء﴾ وبقوله ﴿ارجع﴾ لما أراد به الرسول الذي يقع على الجمع والإفراد والتأنيث والتذكير، وقرأ ابن مسعود ((فلما جاؤوا سليمان)) وقرأ ((ارجعوا))، ووعيد سليمان لهم مقترن بدوامهم على كفرهم، وذكر مجاهد أنها بعثت في هديتها بعدد كثير من العبيد بين غلام وجارية وجعلت زيهم واحداً وجربته في التفريق بينهم. قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بتجربة في مثل هذا الأمر الخطير، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((أتمدونني)) بنونين وياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي ((أتمدونن)) بغير ياء في وقف ووصل، وقرأ جمزة ((أتمدونّي)) بشد النون وإثبات الياء، وقرأ عاصم ((فما آتانِ الله)) بكسر النون دون ياء، وقرأ فرقة (آتاني)) بياء ساكنة، وقرأ أبو عمرو ونافع ((آتاني)) بياء مفتوحة، ثم توعدهم بالجنود والغلبة والإخراج أذلاء والمعنى إن لم يسلموا، وقرأ عبد الله ((لا قبل لهم بهم)) على جمع ضمير الجنود. و﴿لا قبل﴾ معناه لا طاقة ولا مقاومة . قوله عز وجل : قَالَ يََّتُهَا الْمَلَوُاْأَيُّكُمْ يَأْتِ بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِ مُسْلِمِينَ (٨) قَالَ عِفْرِيتُ مِّنَ اَلْمِنْ أَنْءَانِيِكَ بِهِ، قَبْلَ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِنَبِ أَنَاْءَانِيكَ بِهِ، قَبْلَ أَنْ يَرْتَزَ أَنْ تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّىِ عَلَيْهِ لَقَوِىُّأَمِنٌ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَمَّارَءَاهُ مُسْتَفِرًا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِ لِيَبْلُوَنِيِّ، أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا ٤٠ يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِ غَنِىٌّكَرِيمٌ ( القائل سليمان عليه السلام و﴿الملأ﴾ المنادى جمعه من الإنس والجن، واختلف المتأولون في ٢٦٠ تفسير سورة النمل / الآيات: ٣٨ - ٤٠ غرضه في استدعاء ((عرشها)) فقال قتادة ذكر له بعظم وجودة فأراد أخذه قبل أن يعصمها وقومها الإسلام ويحمي أموالهم، و ((الإسلام)) على هذا التأويل الدين، وهو قول ابن جريج، وقال ابن زيد استدعاه ليريها القدرة التي هي من عند الله وليغرب عليها، و﴿مسلمين﴾ في هذا التأويل بمعنى مستسلمين وهو قول ابن عباس وذكره صلة في العبارة لا تأثير لاستسلامهم في غرض سليمان، ويحتمل أن يكون بمعنى الإسلام، وظاهر هذه الآيات أن هذه المقالة من سليمان عليه السلام بعد مجيء هديتها ورده إياها، وقد بعث الهدهد بالكتاب وعلى هذا جمهور المفسرين، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال هذه المقالة هي ابتداء النظر في صدق الهدهد من كذبه لما قال له ﴿ولها عرش عظيم﴾ [النمل: ٢٣] قال سليمان ﴿أيكم يأتيني بعرشها﴾ ثم وقع في ترتيب القصص تقديم وتأخير. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أصح وروي أن عرشها كان من ذهب وفضة مرصعاً بالياقوت والجوهر وأنه كان في جوف سبعة أبيات عليه سبعة أغلاق، وقرأ الجمهور ((قال عفريت))، وقرأ أبو رجاء وعيسى الثقفي ((قال عفرية))، ورويت عن أبي بكر الصديق، وقرأت فرقة ((قال عِفر)) بكسر العين، وكل ذلك لغات فيه وهو من الشياطين القوي المارد والتاء في ﴿عفريت﴾ زائدة، وقد قالوا تعفرت الرجل إذا تخلق بخلق الإذاية، قال وهب بن منبه اسم هذا العفريت كودا، وروي عن ابن عباس أنه صخر الجني ومن هذا الاسم قول ذي الرمة: [البسيط] كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب في سواد الليل منقضب وقوله ﴿قبل أن تقوم من مقامك﴾ قال مجاهد وقتادة وابن منبه معناه قبل قيامك من مجلس الحكم، وكان يجلس من الصبح إلى وقت الظهر في كل يوم، وقيل معناه قبل أن تستوي من جلوسك قائماً، و﴿قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك﴾، قال ابن جبير وقتادة قبل أن يصل إليك من يقع طرفك عليه في أبعد ما ترى، وقال مجاهد معناه قبل أن يحتاج إلى التغميض أي مدة ما يمكنك أن تمد بصرك دون تغمیض وذلك ارتداد. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان يقابلان قول من قال إن القيام هو من مجلس الحكم، ومن قال إن القيام هو من الجلوس، فيقول في ارتداد الطرف هو أن يطرف أي قبل أن تصلح عينيك وتفتحهما، وذلك أن الثاني تعاطى الأقصر في المدة ولا بد. وقوله ﴿لَقوي أمين﴾ معناه ((قوي)) على حمله ﴿أمين﴾ على ما فيه، ويروى أن بلقيس لما فصلت من بلدها متوجهة إلى سليمان تركت العرش تحت أقفال وثقاف حصين فلما علم سليمان بانفصالها أراد أن يغرب عليها بأن تجد عرشها عنده ليبين لها أن ملكه لا يضاهى، فاستدعى سوقه فدعا الذي عنده علم من التوراة وهو ﴿الكتاب﴾ المشار إليه باسم الله الأعظم الذي كانت العادة في ذلك الزمن أن لا يدعو به أحد إلا أجيب، فشقت الأرض بذلك العرش حتى نبع بين يدي سليمان عليه السلام وقيل بل جيء به في الهواء. قال مجاهد وكان بين سليمان وبين العرش كما بين الكوفة والحيرة، وحكى الرماني أن العرش حمل من مأرب إلى الشام في قدر رجع البصر. قال القاضي أبو محمد: وهي مسيرة شهرين للمجدّ، وقول مجاهد: أشهر، وروي أن الجن كانت