النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
تفسير سورة طه / الآيات: ٩٥ - ٩٧
أَنْ تَقُولَ لَامِسَاسِّ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَأَنْظُرْ إِلَ إِلَّهِكَ الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِماً
لَنْخَرِقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِ اَلْيَمِ نَسْفًا
٩٧
المعنى قال موسى مخاطباً للسامري ﴿فما خطبك يا سامري﴾، وقوله ﴿ما خطبك﴾ كما تقول ما
شأنك وما أمرك، لكن لفظة الخطب تقتضي انتهاراً لأن الخطب مستعمل في المكاره فكأنه قال ما نحسك
وما شؤمك وما هذا الخطب الذي جاء من قبلك، و((السامري)) قيل هو منسوب إلى قبيلة من بني إسرائيل،
وقيل هو منسوب إلى قرية يقال لها سامرة ع وهي معروفة اليوم ببلاد مصر، وقيل اسمه موسى بن ظفر.
وقرأت فرقة ((بصُرت)) بضم الصاد على معنى صارت بصيرتي بصورة ما فهو كطرفت وشرفت، وقرأت فرقة
(بصرت)) بكسر الصاد، فيحتمل أن يراد من البصيرة ويحتمل أن يراد من البصر وذلك أن في أمر السامري ما
زاده على الناس بالبصر وهو وجه جبريل عليه السلام وفرسه وبالبصيرة وهو ما علمه من أن القبضة إذا نبذها
مع الحلي جاءه من ذلك ما يريد، وقرأ الجمهور ((يبصروا)) بالياء يريد بني إسرائيل، وقرأ حمزة والكسائي
(تبصروا)) بالتاء من فوق يريد موسى مع بني إسرائيل، وقرأ الجمهور ((فقبضت قبضة)) بالضاد منقوطة بمعنى
أخذت بكفي مع الأصابع، وقرأ ابن مسعود وابن الزبير وأبي بن كعب وغيرهم ((فقبصت قبصة)) بالصاد غير
منقوطة بمعنى أخذت بأصابعي فقط، وقرأ الحسن بخلاف عنه ((قُبضة)) بضم القاف. و﴿الرسول﴾ جبريل
عليه السلام، و((الأثر)) هو تراب تحت حافر فرسه، وسبب معرفة السامري بجبريل وميزه له فيما روي أن
السامري ولدته أمه عام الذبح فطرحته في مغارة فكان جبريل عليه السلام يغذوه ويحميه حتى كبر وشب
فميزه بذلك .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله ﴿فنيذتها﴾ أي على الحلي فكان منها ما تراه وهذا
محذوف من اللفظ تقتضيه الحال والمخاطبة، ثم قال ﴿وكذلك سولت لي نفسي﴾ أي وكما حدث ووقع
قويت لي نفسي وجعلته لي سولاً وإرباً حتى فعلته، وكان موسى عليه السلام لا يقتل بني إسرائيل إلا في
حد أو وحي فعاقبه باجتهاد نفسه بأن أبعده ونحاه عن الناس وأمر بني إسرائيل باجتنابه واجتناب قبيلته وأن لا
يواكلوا ولا يناكحوا ونحو هذا، وعلمه مع ذلك وجعل له أن يقول مدة حياته ﴿لا مساس﴾ أي لا مماسة ولا
إذاية. وقرأ الجمهور ((لا مِسَاسَ)) بكسر الميم وفتح السين على النصب بالتبرئة وهو اسم يتصرف ومنه قول
النابغة: [المتقارب]
فأصبح من ذاك كالسامري،
ومنه قول رؤية : [الرجز]
إذ قال موسى له لا مساسا
حتی يقول الأزد لا مساسا
واستعماله على هذا كثير. وقرأ أبو حيوة ((لا مَساسٍ)) بفتح الميم وكسر السين وهو معدول عن
المصدر كفجار ونحوه، وشبهه أبو عبيدة وغيره بنزال ودراك ونحوه والشبه صحيح من حيث هي معدولات

٦٢
تفسير سورة طه/ الآيات: ٩٥ ٩٧٠٠
وفارقه في أن هذه عدلت عن الأمر، ومساس وفجار عدلت عن المصدر ومن هذا قول الشاعر : .
تمیم کرهط السامري
وقوله: [الطويل]
ألا لا یرید السامري مساس
;
وقرأ الجمهور ((تخلّفه)) بفتح اللام على معنى لن يقع فيه خلف، وقرأ ابن کثیر وأبو عمرو ((لن تخلفه)»
بكسر اللام على معنى لن تستيطع الروغان عنه والحيدة فتزول عن موعد العذاب، وقرأ الحسن بن أبي
الحسن بخلاف ((لن نخلفه)) بالنون، قال أبو الفتح المعنى لن نصادفه مخلفاً ع وكلها بمعنى الوعيد
والتهديد. ثم وبخه عليه السلام بقوله: ﴿وانظر إلى إلهك الذي﴾ أي انظر صنيعك وتغيرنا له وردنا الأمر فيه
إلى الواجب. وقرأت فرقة ((ظَلت)) بفتح الظاء على حذف اللام الواحدة، وقرأت فرقة ((ظلت)) بكسر الظاء
على نقل حركة اللام إلى الظاء ثم حذفها بعد ذلك نحو قول الشاعر: [أبو زبيد الطائي] [الوافر]
خَيلا ان العِتاقُ من المطايا أَحَسْنَ به فهن إليه شُوسُ
أراد احْسَسْنَ فنقلت حركة السين إلى الحاء ثم حذفت تخفيفاً، وفي بعض الروايات حسين. وقرأت
فرقة ((ظللت))، وظل معناه أقام يفعل الشيء نهاراً، ولكنها قد تستعمل في الدائب ليلاً ونهاراً بمثابة طفق.
و﴿عاكفاً﴾ معناه ملازماً حدباً. وقرأت فرقة ((لنحرِقنه)) بتخفيف الراء بمعنى بالنار، وقرأ علي بن أبي طالب
رضي الله عنه وابن عباس ((لنحرُقنّه)) بضم الراء وفتح النون بمعنى لنبردنه بالمبرد، وقرأ نافع وغيره ((لنُحرِّقنه))
بضم النون وكسر الراء وشدها وهذا تضعيف مبالغة لا تعدية وهي قراءة تحتمل الحرق بالنار وتحتمل
بالمبرد، وفي مصحف أبي وعبد الله بن مسعود («لنذبحنه ثم لنحرقنه ثم لننسفنه))، وهذه القراءة مع رواية
من روی أن العجل صار لحماً ودماً، وعلى هذه الرواية یترکب أن يكون هناك حرق بنار وإلا فإذا كان جماداً
من ذهب فإنما هو حرق بمبرد اللهم إلا أن تكون إذابة ويكون النسف مستعاراً لتفريقه في اليم مذاباً.
وقرأت فرقة (لننسِفنه)) بكسر السين، وقرأت فرقة ((لننسُفنه)) بضم السين. و((النبيف)) تفريق الريح الغبار وكل
ما هو مثله كتفريق الغربال ونحوه فهو نسف. و﴿اليم﴾ غمر الماء من بحر وغيره وكل ما غمر الإنسان من
الماء فهو يم، و﴿نسفاً﴾ تأكيد بالمصدر، واللام في قوله: ﴿لنحرقنه﴾ لام القسم، وفي هذه الآية من
القصص أن موسى عليه السلام برد العجل حتى رجع كالغبار ثم ذراه في البحر ثم أمر بني إسرائيل أن
يشرب جميعهم من الماء فكلما شرب من كان في قلبه حب العجل خرج على شاربه من الذهب فضيحة
له، وقال مكي رحمه الله وأسند أن موسى عليه السلام كان مع السبعين في المناجاة وحينئذ وقع أمر العجل
وأن الله تعالى أعلم موسى بذلك فكلمه موسى عنهم وجاء بهم حتى سمع لفظ بني إسرائيل حول العجل
فحينئذ أعلمهم موسى ع وهذه رواية، الجمهور على خلافها وإنما تعجل موسى عليه السلام وحذّه فوقع أمر
العجل ثم جاءه موسى وصنع ما صنع بالعجل ثم خرج بعد ذلك بالسبعين على معنى الشفاعة في ذنب بني
إسرائيل وأن يطلعهم أيضاً على أمر المناجاة فكان لموسى عليه السلام نهضتان والله أعلم.
قوله عز وجل :
1
:

٦٣
تفسير سورة طه / الآيات: ٩٨ - ١٠٢
إِنَّمَآ إِلَ هُكُمُ اللَّهُ الَّذِى ◌َّ إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا ﴿ كَذَلِكَ نَقُصُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَاقَدْ
◌ْخَلِدِينَ
سَبَقَ وَقَدْ ءَانَيْنَكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا [® مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا !
فِيهِوَسَآَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ حِمَلًا (٨) يَوْمَيُفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمِذٍ زُرْقًا
١٠٢
هذه مخاطبة من موسى عليه السلام لجميع بني إسرائيل مبيناً لهم، وقوله تعالى: ﴿وسع كل شيء
علماً﴾ بمعنى وسع علمه كل شيء. و﴿علماً﴾ تمييز، وهذا كقوله تفقأت شحماً وتصببت عرقاً، والمصدر
في الأصل فاعل ولكن يسند الفعل إلى غيره وينصب هو على التمييز، وقرأ مجاهد وقتادة ((وسَّع كل شيء))
بفتح السين وشدها بمعنى خلق الأشياء وكثرها بالاختراع فوسعها موجودات، وقوله تعالى: ﴿كذلك نقص﴾
مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما قصصنا عليك نبأ بني إسرائيل هذا في خبر العجل ﴿كذلك
نقص عليك﴾ فكأنه قال هكذا نقص عليك فكأنها تعديد نعمته، وقوله ﴿ما قد سبق﴾ يريد به ما قد سبق
مدة محمد صلى الله عليه وسلم، و((الذكر)) القرآن، وقرأت فرقة ((يحمّل)) بفتح الميم وشدها. وقوله ﴿من
أعرض عنه﴾ يريد بالكفر به والتكذيب له، و((الوزر)) الثقل وهو ها هنا ثقل العذاب بدليل قوله تعالى:
﴿خالدین فيه﴾ و﴿حملاً﴾ تمييز، و﴿يوم﴾ ظرف، و﴿يوم﴾ الثاني بدل منه وقرأ الجمهور ((يُنفخ)) بضم
الياء وبناء الفعل للمفعول، وقرأت فرقة ((ينفخ)) بفتح الياء وبناء الفعل للفاعل، أي ينفخ الملك. وقرأ أبو
عمرو وحده ((ننفخ)) بالنون أي بأمرنا وهذه القراءة تناسب قوله ﴿ونحشر﴾. وقرأ الجمهور ((في الصور))
بسكون الواو، ومذهب الجمهور أنه القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل وبهذا جاءت الأحاديث، وقالت فرقة
((الصور)) جمع صورة كثمرة وثمر. وقرأ ابن عياض ((ينفخ في الصور)) بفتح الواو وهذه صريحة في بعث
الأجساد من القبور، وقرأت فرقة هي الجمهور ((ونحشر)) بالنون، وقرأت فرقة ((ويحشر)) بالياء، وقرأت فرقة
((ويُحشر)) بضم الياء ((المجرمون)) على المفعول الذي لم يسم فاعله، وهي قراءة مخالفة لخط المصحف
وقوله: ﴿زرقاً﴾ اختلف الناس في معناه، فقالت فرقة يحشرهم أول قيامهم سود الألوان زرق العيون تشويه
ما ثم يعمون بعد ذلك وهي مواطن، وقالت فرقة إنهم يحشرون عطاشاً والعطش الشديد يرد سواد العين إلى
البياض فكأنهم بيض سواد عيونهم من شدة العطش، وقالت فرقة أراد زرق الألوان وهي غاية في التشويه
لأنهم يجيئون كلون الرماد، ومهيع كلام العرب أن يسمى هذا اللون أزرق ومنه زرقة الماء قال الشاعر:
[زهير بن أبي سلمى] [الطويل]
فلما وردن الماء زرقاً جمامه
وضعن عصي الحاضر المتخيم
ومنه قولهم سنان أزرق لأنه نحو ذلك اللون .
قوله عز وجل :
يَتَخَفَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن ◌َبِئْتُمْ إِلَّ عَشْرًا (٢٦ ◌َّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَبِئْتُمْ

٦٤
تفسير سورة طه / الآيات: ١٠٣ - ١١١
إِلَّا يَوْمًا (﴾ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِىِ نَسْفًا (٣) فَيَذَرُهَا قَاعَا صَفْصَفًا لَ لََّتَرَى
فِيَهَاِعِوَ جَاوَلَا أَمْتًا
١٠٧
أي ((يتخافت)) المجرمون ﴿بينهم﴾ أي يتسارون، المعنى أنهم لهول المطلع وشدة ذهاب أذهانهم قد
عزب عنهم قدر المدة التي لبثوها، واختلف الناس فيماذا، فقالت فرقة في دار الدنيا ومدة العمر، وقالت
فرقة في الأرض مدة البرزخ، وقالت فرقة ما بين النفختين في الصور، و﴿أمثلهم طريقة﴾ معناه أثبتهم يقيناً
وأعلمهم بالحقيقة بالإضافة إليهم فهم في هذه المقالة يظنون أن هذا قدر لبثهم والضمير في قوله تعالى :
﴿ويسألونك﴾ قيل إن رجلاً من ثقيف سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما يكون أمرها يوم القيامة،
وقيل بل سأله عن ذلك جماعة من المؤمنين، وقد تقدم معنى ((النسف))، وروي أن الله تعالى يرسل على
الجبال ريحاً فتدكدكها حتى تكون ﴿كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] ثم يتوالى عليها حتى يعيدها كالهباء
المنبث فذلك هو النسف وقوله تعالى: ﴿فيذرها﴾ يحتمل أن يريد مواضعها، ويحتمل أن يريد ذلك التراب
الذي نسفه، لأنه إنما يقع على الأرض باعتدال حتى تكون الأرض كلها مستوية، و((القاع)) المستوي من
الأرض المعتدل الذي لا نشز فيه ومنه قول ضرار بن الخطاب: لتكونن بالبطاح قريش، بقعة القاع في أكف
الماء. و((الصفصف)) نحوه في المعنى، و((العوج)) ما يعتري اعتدال الأرض من الأخذ يمنة ويسرة بحسب
النشز من جبل وطرق وکدیة ونحوه، و ((الأمت) ما يعتري الأرض من ارتفاع وانخفاض، يقال مد حبله حتى
ما ترك فيه أمتاً فكأن ((الأمت)) في الآية العوج في السماء تجاه الهواء، و((العوج)) في الآية مختص بالعرض
وفي هذا نظر.
قوله عز وجل :
ایومَیدٍ
١٠٨
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلَّهَمْسَالـ
. : :
يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَيْدِ يهِمْ وَمَاخَلْفَهُمْ
١٠
لَا تَنْفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا
وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا.
وَلَ يُحِيطُونَ بِهِ، عِلْمَالَ
المعنى يوم ننسف الجبال يتبع الخلق داعي الله إلى المحشر وهذا نحو قوله تعالى ﴿مهطعين إلى
الداع﴾ [القمر: ٨] وقوله تعالى ﴿لا عوج له﴾ يحتمل أن يريد الإخبار به أي لا شك فيه ولا يخالف وجوده
خبره، ويحتمل أن يريد لا محيد لأحد عن اتباعه والمشي نحو صوته. و((الخشوع التّطامن والتواضع وهي
الأصوات استعارة بمعنى الخفاءِ والاستسرار ومعنى ﴿للرحمن﴾ أي لهيبته وهول مطلع قدرته، و«الهمس))
الصوت الخفي الخافت وقد يحتمل أن يريد ((بالهمس)) المسموع تخافتهم بينهم وكلامهم السر، ويحتمل
أن يريد صوت الأقدام وأن أصوات النطق ساكنة. و﴿من﴾ في قوله ﴿إلا من﴾ يحتمل أن يكون الاستثناء
متصلًا وتكون ﴿من﴾ في موضع نصب يراد بها المشفوع له فكأن المعنى ﴿إلا من أذن له الرحمن﴾ في أن
يشفع له، ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعاً على تقدير ((لكن من أذن له الرحمن يشفع))، فـ ﴿من﴾ في

٦٥
تفسير سورة طه / الآيات: ١١٢ - ١١٤
موضع نصب بالاستثناء ويصح أن يكون في موضع رفع كما يجوز الوجهان في قولك ما في الدار أحد إلا
حماراً وإلا حمار والنصب أوجه و﴿من﴾ على هذه التأويلات للشافع ويحتمل أن تكون للمشفوع فيه. وقوله
تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ قالت فرقة يريد الملائكة، وقالت فرقة يريد خلقه أجمع، وقد
تقدم القول في ترتيب ((ما بين اليد وما خلف)) في غير موضع على أن جماعة من المفسرين قالوا في هذه
الآية ﴿ما خلفهم﴾ الدنيا و﴿ما بين أيديهم) أمر الآخرة والثواب والعقاب، وهذا بأن نفرضها حالة وقوف
حتى نجعلها كالأجرام وأما إن قدرناها في نسق الزمان فالأمر على العكس بحكم ما بيناه قبل. ﴿وعنت﴾
معناه ذلت، والعاني الأسير ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في أمر النساء: ((هن عوان عندكم)) وهذه
حالة الناس يوم القيامة. وقال طلق بن حبيب: أراد سجود الناس على الوجوه والآراب السبعة .
قال القاضي أبو محمد: وإن كان روي هذا أن الناس يوم القيامة سجوداً وجعل هذه الآية إخباراً فهو
مستقيم وإن كان أراد سجود الدنيا فإنه أفسد نسق الآية، و﴿القيوم﴾ بناء مبالغة من قيامه عز وجل على كل
شيء بما يجب فيه، و﴿خاب﴾ معناه لم ينجح ولا ظفر بمطلوبه، والظلم يعم الشرك والمعاصي وخيبة كل
حامل بقدر ما حمل من الظلم فخيبة المشرك على الإطلاق، وخيبة المعاصي مقيدة بوقت وحد في
العقوبة .
قوله عز وجل :
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَِّحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا () وَكَذَلِكَ أَنْلْنَهُ قُرْءَ انَا عَرَبِيًّا
وَصَرَّفْنَافِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١٢) فَتَعَلَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ
بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهٌ وَقُل رَّبِّ رِدْنِ عِلْمًا
١١٤
قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات﴾ عادل لقوله ﴿من حمل ظلماً﴾ [طه: ١١١]، وفي قوله
﴿من الصالحات﴾ تيسير في الشرع لأنها ﴿من) التي للتبعيض، و((الظلم)) أعم من ((الهضم)) وهما يتقاربان
في المعنى ويتداخلان، ولكن من حيث تناسقا في هذه الآية ذهب قوم إلى تخصيص كل واحد منهما
بمعنى، فقالوا ((الظلم)) أن تعظم عليه سيئاته وتكثر أكثر مما يجب، و(الهضم)) أن ينقض حسناته ويبخسها،
وكلهم قرأ ﴿فلا يخاف ظلماً﴾ على الخبر، غير ابن كثير فإنه قرأ ((فلا يخف)) على النهي، ثم قال تعالى:
﴿وكذلك أنزلناه﴾ أي كما قدرنا هذه الأمور وجعلناها حقيقة بالمرصاد للعباد كذلك حذرنا هؤلاء أمرنا
و ﴿أنزلناه قرآناً عربياً﴾ وتوعدنا فيه بأنواع من الوعيد ﴿لعلهم﴾ بحسب توقع البشر وترجيهم ﴿يتقون﴾ الله
ويخشون عقابه فيؤمنون ويتذكرون نعمه عندهم وما حذرهم من أليم عقابه، هذا تأويل فرقة في قوله ﴿أو
يحدث لهم ذكراً﴾ وقالت فرقة معناه أو يكسبهم شرفاً ويبقي عليهم إيمانهم ذكراً صالحاً في الغابرين، وقرأ
الحسن البصري ((أو يحدثْ)) ساكنة الثاء، وقرأ مجاهد ((أو نحدثْ)) بالنون وسكون الثاء ولا وجه للجزم إلا
على أن يسكن حرف الإعراب استثقالاً لحركته، وهذا نحو قول جرير ولا يعرفكم العرب. وقوله ﴿فتعالى
الله الملك الحق﴾ ختم للقول لأنه لما قدم صفة سلطانه يوم القيامة وعظم قدرته وذلة عبيده وحسن تلطفه

٦٦
تفسير سورة طه / الآيات: ١١٥ - ١٩٧
بهم ختم ذلك بهذه الكلمة وجعل بعد ذلك الأمر بنوع آخر من القول وقوله تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾
قالت فرقة سببه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاف وقت تكلم جبريل له أن ينسى أول القرآن فكان
يقرأ قبل أن يستتم جبريل عليه السلام الوحي فنزلت في ذلك، وهي على هذا في معنى قوله تعالى: ﴿لا
تحرك به لسانك لتعجل به﴾ [القيامة: ١٦] وقالت فرقة سبب هذه الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان
إذا أوحي إليه القرآن أمر بكتبه للحين فأمره الله تعالى في هذه الآية أن يتأنى حتى يفسر له اللتعاني وتقرر
عنده، وقالت فرقة سبب الآية أن امرأة شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن زوجها لطمها فقال لها
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكما القصاص ثم نزلت ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، [النساء: ٣٤]،
ونزلت هذه بمعنى الأمر بالتثبت في الحكم بالقرآن حتى يبين والله أعلم. وقرأ الجمهور ((من قبل أن يقضي
إليك وحيه))، وقرأ عبد الله بن مسعود ((من قبل أن نقضي إليك وحيه)). وباقي الآية بين رغبة في، خير.
قوله عز وجل :
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ اسْجُدُواْ
وَلَقَدْ عَهِدْنَّا إِلَىّءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدُ لَهُ عَزْمَا هِ﴾
◌ِأَدَمَ فَسَجَدُوَ أْ إِلَّ إِبْلِسَ أَبَ ا فَقُلْنَا يََّادَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِحَتَُّهَا مِنَ
١١٧
اُلْجَنَّةِ فَتَشْقَى
قال الطبري المعنى وإن يعرض يا محمد هؤلاء الكفرة عن آياتي ويخالفوا ◌ُسلي ويطيعوا إبليس
فقدماً فعل ذلك أبوهم آدم ع وهذا التأويل ضعيف، وذلك أن يكون ﴿آدم﴾ مثالاً للكفار الجاحدين بالله
ليس بشيء، و﴿آدم﴾ إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه صلى الله عليه وسلم وأما الظاهر في هذه
الآية، إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله، وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد صلى الله
عليه وسلم أن لا يعجل بالقرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه ﴿فنسي﴾ فعوقب لتكون أشد في التحذير وأبلغ
في العهد إلى محمد صلى الله عليه وسلم. و((العهد)) هنا في معنى الوصية، و((نسي)) معناه ترك،والنبيبيان
الذهول لكن هنا أنه لا يتعلق بالناسي عقاب، وقرأ الأعمش ((فنسي)) بسكون الياء ووجهها طلب الخفة،
و((العزم)) المضي على المعتقد في أي شيء كان، وآدم عليه السلام كان معتقداً لأن لا يأكل من الشجرة لما
وسوس إليه إبليس لم يعزم على معتقده، وعبر بعض المفسرين عن العزم هنا بالصبر وبالحفظ وبغير ذلك
مما هو أعم من حقيقة العزم والشيء الذي عهد إلى آدم هو أن يقرب الشجرة وأعلم مع ذلك أن إبليس عدو
له، وقال أبو أمامة لو أن أحلام بني آدم وضعت منذ خلق الله إلى يوم القيامة ووضعت في كفة ميزان ووضع
حلم آدم في كفة أخرى لرجحهم، وقد قال الله له ﴿ولم نجد له عزماً﴾ وقوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة﴾
ابتداء قصة، والعامل، في ﴿إِذ﴾ فعل مضمر وقد تقدم استيعاب هذه القصة لكن نذكر من ذلك ما تقتضيه
ألفاظ هذه الآية، فالملائكة قيل كان جميعهم مأمور بذلك وقيل بل فرقة فاضلة منهم عددهم اثنان
وعشرون، و(السجود)) الذي أمروا به سجود كرامة لآدم وعبادة لله تعالى، وقوله تعالى: ﴿إلا إبليس﴾
الاستثناء متصل في قول من جعل إبليس من الملائكة، ومنقطع في قول من قال هو من قبيلة غير الملائكة

۔۔۔
٦٧
تفسير سورة طه / الآيات: ١١٨ - ١٢١
يقال لها الجن. وقوله تعالى: ﴿فلا يخرجنكما﴾ أي لا يقع منكما طاعة له في إغوائه فيكون ذلك سبب
خروجكما ﴿من الجنة﴾ ثم خصص بقوله ﴿فتشقى﴾ من حيث كان المخاطب أولاً والمقصود في الكلام،
وقيل بل ذلك لأن الله تعالى جعل الشقاء في معيشة الدنيا في حيز الرجال وروي أن آدم لما أهبط هبط معه
ثور أحمر فكأن يحرث ويمسح العرق فهذا هو الشقاء الذي خوف منه.
قوله عز وجل :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ
إِنَّلَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَىِّ ◌ِ﴿ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضْحَى!
قَالَ يَادَمُ هَلْ أَدُلَّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَا يَبْلَى: ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَ اتُهُمَا
١٢١
وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَىّءَآدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
المعنى ﴿إن لك﴾ يا آدم نعمة تامة وعطية مستمرة أن لا يصيبك جوع ولا عري ولا ظمأ ولا بروز
للشمس يؤذيك وهو الضحاء، وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر ((وإنك لا تظمأ)) بكسر الألف، وقرأ
الباقون وحفص عن عاصم ((وأنك)) بفتح الألف، وجعل الله تعالى الجوع في هذه الآية مع العري والظمأ
مع الضحاء وكأن عرف الكلام أن يكون الجوع مع الظمأ المتناسب والعري مع الضحاء لأنها تتضاد إذ
العري يمس بسببه البرد والحر يفعل ذلك بالضاحي، وهذه الطريقة مهيع في كلام العرب أن تفرق النسب
ومنه قول امرئ القيس : [الطويل]
ولم أتبطن كاعباً ذات خلخال
كأني لم أركب جواداً للذة
لخيلي كري كرة بعد إقفال
ولم أسبأ الزقَّ الروي ولم أقل
وقد ذهب بعض الأدباء إلى أن بيتي امرىء القيس حافظة لنسب وأن ركوب الخيل للصيد وغيره من
الملاذ يناسب تبطن الكاعب، ومن الضحاء قول الشاعر: [الطويل]
فيضحي وأما بالعشيِّ فيخصر
رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت
و «وسوسة الشيطان)) قيل كانت دون مشافهة، إلقاء فى النفس، وقيل بل كان بالمشافهة والمخاطبة
وهو ظاهر القصة من غير ما موضع وكان دخوله إلى الجنة فيما روي في فم الحية، وكان آدم عليه السلام قد
قال الله تعالى له لا تأكل من هذه الشجرة وعين له شجرة قد تقدم الخلاف في جنسها فلما وصفها له إبليس
بأنها ﴿شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾ أي من أكلها كان ملكاً مخلداً عمد آدم إلى غير تلك التي نهي عنها من
جنسها فأكلها بتأويل أن النهي كان في تلك المعينة، وقيل بل تأول أن النهي إنما كان على الندب لا على
التحريم البت، وسارعت إلى ذلك حواء وكانت معه في النهي فلما رآها آدم قد أكلت أكل فطارت عنهما
ثيابتها وظهر تبري الأشياء منهما وبدت سوءاتهما، ﴿وطفقا﴾ معناه وجعلا يفعلان ذلك دائماً،
و﴿يخصفان﴾ معناه يلفقان ويضمان شيئاً إلى شيء فكانا يستتران بالورق وروي أنه كان ورق التين، ثم
1
أ

٦٨
تفسير سورة طه / الآيات: ١٢٢ - ١٢٦
نص تبارك وتعالى على آدم أنه ﴿عصى﴾ و((غوى)) معناه ضل من الغي الذي هو ضد الرشد ومنه قول
الشاعر: [الطويل]
فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره ومن يغو لا يعدم على الغي لائما
وقرأت فرقة ((وأنك)) بفتح الألف عطفاً على قوله ﴿أن لا تجوع﴾ وقرأت فرقة و ((إنك)) عطفاً على قوله
﴿إن لك﴾.
قوله عز وجل :
ثُمَّجْنَهُ رَبُُّ فَذَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (٣) قَالَ أَهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌ فَإِمَا يَأْنِنَّكُمْ
مِّنِى هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٦) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَتَحْشُرُهُيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴿٣) قَالَ رَبّ لِمَ حَشَرْتَفِىَ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا (®] قَالَ
كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُنَسَى
﴿اجتباه﴾ معناه تخيره واصطفاه، و ((تاب عليه)) معناه رجع به من حال المعصية إلى حال الندم وهداه
لصلاح الأقوال والأعمال وأمضى عقوبته عز وجل في إهباطه من الجنة. وقوله ﴿اهبطا﴾ مخاطبة لآدم
وحواء، ثم أخبرهما بقوله ﴿جميعاً﴾ أن إبليس والحية يهبطان معهما وأخبرهما بأن العداوة بينهم وبين
أنسالهم إلى يوم القيامة. و﴿عدو﴾ يوصف به الواحد والاثنان والجميع، وقوله تعالى: ﴿فإما يأتيكم مني
هدى﴾ شرط وجوابه في قوله ﴿فمن اتبع) وما بعده إلى آخر القسم الثاني. و((الهدى)) معناه دعوة شرعي
ثم أعلمهم أنه من اتبع هداه وآمن به فإنه ((لا يضل)) في الدنيا ﴿ولا يشقى﴾ في الآخرة، وأن ﴿من أعرض﴾
عن ذكر الله وكفر به ﴿فإن له معيشة ضنكاً﴾ والضنك النكد الشاق من العيش أو المنازل أو مواطن الحرب
ونحو هذا، ومنه قول عنترة وإن نزلوا بضنك أنزل، وصف به الواحد والجمع ذلك من وعيد لهم ثم أخبر عن
حالة أخرى هي أيضاً في يوم القيامة وهي حشرهم عمياً، ثم يجيء قوله ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى﴾
[طه: ١٢٧] معنى هذا الذي ذكرناه من المعيشة والعمى ونحوه هو عذابه في الآخرة وهو ﴿أشد وأبقى﴾
[طه: ١٢٧] من كل ما يقع عليه الظن والتخيل، فكأنه ذكر نوعاً من عذاب الآخرة ثم أخبر أن عذاب
الآخرة أشد وأبقى. وقرأت فرقة ((ونحشره)) بالنون، وقرأت فرقة ((ويحشره)) بالياء وقرأت فرقة ((ويحشرْه))
بسكون الراء، وقرأت فرقة ((أعمى)) بالإمالة، وقالت فرقة العمى هنا هو عمى البصيرة عن الحجة .
قال القاضي أبو محمد: ولو كان هذا لم يخش الكافر لأنه كان أعمى البصيرة ويحشر كذلك، وقالت
فرقة العمى عمى البصرع وهذا هو الأوجه مع أن عمى البصيرة حاصل في الوجهين، وأما قوله ﴿ونحشر
المجرمين يومئذ زرقاً﴾ [طه: ١٠٢] فمن رآه في العينين فلا بد أن يتأول فيها مع هذه إما أنها في طائفتين أو في
موطنین، وقوله تعالى: ﴿كذلك أتتك﴾ ذلك إشارة إلى العمى الذي حل به، أي مثل هذا في الدنيا أن ﴿أتتك آياتنا

٦٩
تفسير سورة طه / الآيات: ١٢٧ - ١٣٠
فنسيتها﴾ والنسيان في هذه الآية بمعنى الترك ولا مدخل للذهول في هذا الموضع، و﴿تنسى﴾ بمعنى تترك
في العذاب وروي أن هذه الآية نزلت في المرشي .
قوله عز وجل :
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كُمْ
وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِتَايَتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِأَشَدُ وَأَبْقَىَّ
أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِ مَسَلِكِينِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِ النُّهَىِ ﴿٣) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن ◌َّبِّكَ لَكَانَ لِزَامَا وَأَجَلٌ مُسَمَّى إِ
فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْءَانَابٍ أَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى
المعنى وكما وصفنا من أليم الأفعال ﴿نجزي﴾ المسرفين المتعدين الكفار بالله عز وجل، وقوله
﴿ولعذاب الآخرة﴾ إن كانت معيشة الضنك في الدنيا أو البرزخ فجاء هذا وعيداً في الآخرة بعد وعيد، وإن
كانت المعيشة في الآخرة فأكد الوعيد بعينه هذا القول، الذي جعل به عذاب الآخرة فوق كل عذاب يتخيله
الإنسان أو يقع في الدنيا، ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله ﴿أفلم يهدِ، لهم﴾ وقرأت فرقة ((يهد) بالياء
بمعنى يتبين، واختلفت هذه الفرقة في الفاعل فقال بعضها الفاعل ﴿كم﴾ وهذا قول كوفي، ونحاة البصرة
لا يجيزونه لأن ((كم)) لها صدر الكلام، وفي قراءة ابن مسعود ((أفلم يهد لهم من أهلكنا)) فكأن هذه القراءة
تناسب ذلك التأويل في ﴿كم﴾ وقال بعضهم الفاعل الله عز وجل، والمعنى ﴿أفلم يهد لهم﴾ ما جعل الله
لهم من الآيات والعبر فأضاف الفعل إلى الله عز وجل بهذا الوجه قاله الزجاج، وقال بعضهم الفاعل مقدر
الهدى أو الأمرع أو النظر أو الاعتبار هذا أحسن ما يقدر به عندي، وقرأت فرقة ((نهد)) بالنون وهذه القراءة
تناسب تأويل من قال في التي قبلها الفاعل الله تعالى. و﴿كم﴾ على هذه الأقوال نصب بـ ﴿أهلكنا﴾، ثم
قيد ﴿القرون﴾ بأنهم يمشي هؤلاء الكفرة ﴿في مساكنهم) فإنما أراد عاداً أو ثمود أو الطوائف التي كانت
قريش تجوز على بلادهم في المرور إلى الشام وغيره، وقرأت فرقة ((يمشون)) بفتح الياء، وقرأت فرقة
((يُمشّون)) بضم الياء وفتح الميم وشد الشين، و﴿النهى) جمع نهية وهو ما ينهى الإنسان عن فعل القبيح،
ثم أعلم عز وجل قبله أن العذاب كان يصير لهم ﴿لزاماً﴾ ﴿لولا كلمة سبقت﴾ من الله تعالى في تأخيره
عنهم إلى ﴿أجل مسمى﴾ عنده فتقدير الكلام ﴿ولولا كلمة سبقت﴾ في التأخير ﴿وأجل مسمى﴾ لكان
العذاب ﴿لزاماً﴾ كما تقول لكان حتماً أو واجباً واقعاً لكنه قدم وأخر لتشتبه رؤوس الآي. واختلف الناس
في الأجل فيحتمل أن يريد يوم القيامة والعذاب المتوعد به على هذا هو عذاب جهنم، ويحتمل أن يريد
بـ ((الأجل)) موت كل واحد منهم فالعذاب على هذا هو ما يلقى في قبره وما بعده،، ويحتمل أن يريد
بالآجال يوم بدر فالعذاب على هذا هو قتلهم بالسيف وبكل احتمال مما ذكرناه، قالت فرقة، وفي صحيح
البخاري، أن يوم بدر وهو اللزام وهو البطشة الكبرى، ثم أمره تعالى بالصبر على أقوالهم إنه ساحر وإنه
كاهن وإنه كذاب إلى غير ذلك، والمعنى لا تحفل بهم فإنهم مدركة الهلكة وكون اللزام يوم بدر أبلغ في
آيات نبينا عليه السلام وقوله تعالى: ﴿وسبح بحمد ربك﴾ قال أكثر المتأولين هذه إشارة إلى الصلوات

٧٠
تفسير سورة طه / الآيات: ١٣١ - ١٣٣
الخمس ﴿قبل طلوع الشمس﴾ صلاة الصبح ﴿وقبل غروبها﴾ صلاة العصر و﴿من آناء الليل) العتمة
﴿وأطراف النهار﴾ المغرب والظهر. وقالت فرقة ﴿آناء الليل﴾ المغرب والعشاء، ﴿وأطراف النهار)
الظهر وحدها، ويحتمل اللفظ أن يراد قول سبحان الله وبحمده من بعد صلاة الصبح إلى ركعتي الضحى
وقبل غروب الشمس فقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من سبح قبل غروب الشمس سبعين تسبيحة غربت
بذنوبه)» ع وسمى الطرفين أطرافاً على أحد وجهين إما على نحو فقد صغت قلوبكما: وإما على أن يجعل
النهار للجنس، فلكل يوم طرف وهي التي جمع، وأما من قال ﴿أطراف النهار﴾ لصلاة الظهر وحدها فلا بد
له من أن يتمسك بأن يكون النهار للجنس كما قلنا أو نقول إن النهار ينقسم قسمين فصلهما الزوال ولكل
قسم طرفان فعند الزوال طرفان الآخر من القسم الأول والأول من القسم الآخر فقال عن الطرفين أطرافاً
على نحو فقد صغت قلوبكما، وأشار إلى هذا النظر ابن فورك في المشكل والآناء جمع أنى وهي الساعة
من الليل ومنه قول الهذلي :
حلو ومر كعطف القدح مربه في كل أنى حداة الليل تنتقل
4
وقالت فرقة في الآية إشارة إلى نوافل، فمنها ﴿آناء الليل﴾ ومنها ﴿قبل طلوع الشمس﴾ وركعتا
الفجر والمغرب ﴿أطراف النهار﴾، وقرأ الجمهور ((لعلك تّرضى)) بفتح التاء أي لعلك تئاب على هذه
الأعمال بما ترضى به، وقرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم ((لعلك تُرضى)) أي لعلك تُعطى ما يرضيك.
قوله عز وجل :
٠٠.
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ: أَزْوَجَّا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَّةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى
(١٣٢)
١٣
وَقَالُواْ
وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْئَلُكَ رِزْقًا مَّحْنُ نَرْزُقُكْ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى
لَوْلَا يَأْتِيْنَا بِعَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى
١٣٣
قال بعض الناس سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نزل به ضيف فلم يكن عنده
شيء فبعث إلى يهودي ليسلفه شعيراً فأبى اليهودي إلا برهن فبلغ الرسول بذلك إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، فقال ((والله إني لأمين في السماء وأمين في الأرض)) فرهنه درعه فنزلت الآية في ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا معترض أن يكون سبباً لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في
آخر عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأنَّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت، وإنما الظاهر أن
الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب
المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا
إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي، وقوله ﴿ولا تمدن عينيك﴾ أبلغ من ولا تنظر، لأن الذي يمد
بصره إنما يحمله على ذلك حرص مقترن، والذي ينظر قد لا يكون ذلك معه. و((الأزواج)) الأنواع فكأنه
قال ﴿إلى ما متعنا به﴾ أقواماً منهم وأصنافاً. وقوله تعالى: ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ شبه نعم هؤلاء الكفار

٧١
تفسير سورة طه / الآيتان: ١٣٤، ١٣٥
بالزهر وهو ما اصفر من النور، وقيل ((الزهر)» النور جملة لأن الزهر له منظر ثم يضمحل فكذلك حال هؤلاء،
ونصب ﴿زهرة﴾يجوز أن ينصب على الحال وذلك أن تعرفها ليس بمحض، وقرأت فرقة ((زهرة)) بسكون
الهاء، وفرقة ((زهرة)) بفتح الهاء ثم أخبر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، أن ذلك إنما هو ليختبرهم به
ويجعله فتنة لهم وأمراً يجازون عليه بالسوء لفساد تقلبهم فيه، ﴿ورزق﴾ الله تعالى الذي أحله للمتقين من
عباده ﴿خير وأبقى﴾ أي رزق الدنيا خير ورزق الآخرة أبقى وبين أنه خير من رزق الدنيا، ثم أمره تعالى بأن
يأمر أهله بالصلاة وتمثيلها معهم ويصطبر عليها ويلازمها ويتكفل هو برزقه لا إله إلاّ هو، وأخبره أن العاقبة
الأولى التقوى وفي حيزها فثم نصر الله في الدنيا ورحمته في الآخرة، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه
وسلم، ويدخل في عمومه جميع أمته. وروي أن عروة بن الزبير رضي الله عنه كان إذا رأى شيئاً من أخبار
السلاطين وأحوالهم بادر إلى منزله فدخله وهو يقرأ ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا﴾ الآية إلى قوله
﴿وأبقى﴾، ثم ينادي بالصلاة الصلاة يرحمكم الله، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوقظ أهل داره
لصلاة الليل ويصلي هو ويتمثل بهذه الآية، وقرأ الجمهور ((نحن نرزقُك)) بضم القاف، وقرأت فرقة
((نزرقْك)) بسكونها، ثم أخبر تعالى عن طوائف من الكفار قالوا عن محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿لولا
يأتينا بآية من ربه﴾ أي بعلامة مما اقترحناها عليه وبما يبهر ويضطر.
قال القاضي أبو محمد: ورسل الله إنما اقترنت معهم آيات معرضة للنظر محفوفة بالبراهين العقلية
ليضل من سبق في علم الله تعالى ضلاله ويهتدي من سبق في علم الله تعالى هداه، فوبخهم الله تعالى
بقوله ﴿أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ يعني التوراة أعظم شاهد وأكبر آية له. وقرأ نافع وأبو عمرو
وحفص عن عاصم ((تأتهم)) على لفظة ﴿بينة﴾ وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ((يأتهم)) بالياء على المعنى،
وقرأت فرقة ((بينةُ ما)) بالإضافة إلى ﴿ما﴾ وقرأت فرقة ((بينةٌ)) بالتنوين، و﴿ما﴾ على هذه القراءة فاعلة
بـ ((تأتي))، وقرأ الجمهور ((في الصحُف)) بضم الحاء، وقرأت فرقة ((في الصحْف)) بسكونها .
قوله عز وجل :
وَلَوْأَنَّا أَهْلَكْنَهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْرَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَتَقَّعَ ءَ ايَئِكَ مِن
قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَغَخْزَىٌ ﴿ قُلْ كُلُّ مُتَرَبِصٌ فَتَرَبَّصُوْ فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَبُ الصِّرَطِ السَّوِيِّ
(١٣٥)
وَمَنِ أَهْتَدَى
أخبر الله تعالى نبيه عليه السلام أنه لو أهلك هذه الأمة الكافرة قبل إرساله إليهم محمداً لقامت لهم
حجة ﴿ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً﴾ الآية. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال
((يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة الهالك في الفترة والمغلوب على عقله والصبي الصغير فيقول
المغلوب على عقله رب لم تجعل لي عقلاً ويقول الصبي نحوه ويقول الهالك في الفترة رب لم ترسل إليّ
رسولاً ولو جاءني لكنت أطوع خلقك لك)) قال ((فترفع لهم نار ويقال لهم ردوها)) قال ((فيردها من كان في
علم الله تعالى أنه سعيد ويكع عنها الشقي فيقول الله تعالى إياي عصيتم فكيف برسلي لو أنتكم)) أما الصبي

٧٢٠
تفسير سورة طه / الآيتان: ١٣٤، ١٣٩
والمغلوب على عقله فبين أمرهما وأما صاحب الفترة فليس ككافر قريش قبل النبي صلى الله عليه وسلم لأن
كفار قريش وغيرهم ممن علم وسمع عن نبوة ورسالة في أقطار الأرض فليس بصاحب فترة والنبي صلى الله
عليه وسلم قد قال أبي وأبوك في النار ورأى عمرو بن لحي في النار إلى غير هذا مما يطول ذكره، وأما
صاحب الفترة يفرض أنه آدمي لم يطرأ إليه أن الله تعالى بعث رسولاً ولا دعا إلى دين وهذا قليل الوجود
اللهم إلا أن يشد في أطراف الأرض والمواضع المنقطعة عن العمران. و((الذل والخزي))، مقترنان بعذاب
الآخرة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يتوعدهم ويحملهم ونفسه على التربص وانتظار الفرج. و((التربص))
التأني، و﴿الصراط﴾ الطريق. وقرأت فرقة ((السوى))، وقرأت فرقة ((السوء)) فكأن هذه القراءة قسمت
الفريقين أي ستعلمون هذا من هذا وقرأت فرقة (السوَّي)) بشد الواو وفتحها، وقرأت فرقة (السُّوؤى)) بضم
السین وهمزة على الواو على وزن فعلى، و ﴿اهتدى﴾ معناه رشد.

٧٣
حسير سورة الأنبياء / الآيات: ١ - ٤
بِسمِ اللهِ الرَّحْمَ الزَّحِيةِ
سُورَةُ الأَنْيَاء
هذه السورة مكية بإجماع وكان عبد الله بن مسعود يقول الكهف، ومريم، وطه، والأنبياء من العتاق
الأول وهي من تلادي يريد من قديم ما كسبت وحفظت من القرآن كالمال التلاد.
قوله عز وجل :
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴿ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرِمِن رَّبِّهِمْ مُحْدَثٍ
إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
روي أن رجلاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يبني جداراً فمر به آخر في يوم نزول هذه
السورة فقال الذي كان يبني الجدار ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر نزل اليوم ﴿اقترب للناس
حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾ فنفض يده من البنيان وقال والله لا بنيت أبداً وقد اقترب الحساب، وقوله
تعالى: ﴿اقترب للناس حسابهم﴾ عام في جميع الناس، المعنى وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار
قريش ويدل على ذلك ما بعد من الآيات، وقوله ﴿وهم في غفلة معرضون﴾ يريد الكفار.
قال القاضي أبو محمد: ويتجه من هذه الألفاظ على العصاة من المؤمنين قسطهم، وقوله ﴿ما
يأتيهم) وما بعده مختص بالكفار، وقوله ﴿من ذكر من ربهم محدث﴾ قالت فرقة المراد منا ينزل من
القرآن ومعناه ﴿محدث﴾ نزوله وإتيانه إياهم لا هو في نفسه، وقالت فرقة المراد بـ ((الذكر)) أقوال النبي
صلى الله عليه وسلم في أمر الشريعة ووعظه وتذكيره فهو محدث على الحقيقة وجعله من ربه من حيث إن
النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى ولا يقول إلا ما هو من عند الله، وقالت فرقة ((الذكر))
الرسول نفسه واحتجت بقوله تعالى ﴿قد أنزل الله إليكم ذكراً رسولاً يتلو عليكم آيات الله مبينات﴾
[الطلاق: ١١] فهو محدث على الحقيقة ويكون، قوله ﴿استمعوه﴾ بمعنى استمعوا إليه، وقوله تعالى:
﴿وهم يلعبون﴾ جملة في موضع الحال أي أسماعهم في حال لعب فهو غير نافع ولا واصل النفس.
قوله عز وجل:
لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّخْرَ
٤
قَالَ رَبِ يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
٣
وَأَنْتُمُ تُبْصِرُونَ
قوله تعالى: ﴿لاهية﴾ حال بعد حال، واختلف النحاة في إعراب قوله ﴿وأسروا النجوى الذين

٧٤
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ٥ -٨
ظلموا﴾ فذهب سيبويه رحمه الله إلى أن الضمير في ﴿أسروا﴾ فاعل وأن ﴿الذين﴾ بدل منه وقال رحمه الله
لغة أكلوني البراغيث ليست في القرآن، وقال أبو عبيدة وغيره الواو والألف علامة أن الفاعل مجموع كالتاء
في قولك قامت هند و﴿الذين﴾ فاعل بـ ﴿أسروا﴾ وهذا على لغة من قال أكلوني البراغيت، وقالت فرقة
الضمير فاعل و﴿الذين﴾ مرتفع بفعل مقدر تقديره أسرها الذين أو قال الذين ع والوقوف على ﴿النجوى﴾
في هذا القول وفي الأول أحسن ولا يحسن في الثاني، وقالت فرقة ﴿الذين﴾ مرتفع على خبر ابتداء مضمر
تقديره هم الذين ظلموا، والوقف مع هذا حسن، وقالت فرقة ﴿الذين﴾ في موضع نصب بفعل تقديره أعني
الذين، وقالت فرقة ﴿الذين﴾ في موضع خفض بدل من ﴿الناس﴾ [الأنبياء: ١] ع وهذه أقوال ضعيفة
ومعنى ﴿أسروا النجوى﴾ تكلموا بينهم في السر والمناجاة بعضهم لبعض، وقال أبو عبيدة ﴿أسروا﴾
أظهروا وهو من الأضداد، ثم بين تعالى الأمر الذي يتناجون به وهو قول بعضهم لبعض ﴿هل هذا إلا بشر
مثلكم﴾، ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة ﴿أفتأتون السحر﴾ أي ما يقول شبهوه
بالسحر، المعنى أفتتبعون السحر ﴿وأنتم تبصرون﴾ أي تدركون أنه سحر وتعلمون ذلك، كأنهم قالوا
تضلون على بينة ومعرفة، ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول لهم وللناس جميعاً ﴿قل ربي يعلم القول في
السماء والأرض﴾ أي يعلم أقوالكم هذه وهو بالمرصاد في المجازاة عليها. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
وابن عامر ((قل ربي))، وقرأ حمزة والكسائي ((قال ربي يعلم)) على معنى الخبر عن نبيه محمد صلى الله عليه
وسلم، واختلف عن عاصم، قال الطبري رحمه وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الإهماز.
قوله عز وجل :
بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمٍ بَلِ افْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَشَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَاَِايَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٤٥ مَآ
ءَامَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلََّ رِجَالاَ نَّوْحِىّ إِلَيْهِمْ
فَتْشَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَمَا جَعَلْنَهُمْ جَسَدًا لَّ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ
٨
خَلِينَ
--
لما اقتضت الآية التي قبل هذه أنهم قالوا إن ما عنده سحر، عدد اللّه في هذه جميع ما قالته طوائفهم
ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة لها ليتبين اضطراب أمرهم، فهو إضراب عن جحد متقدم لأن
الثاني ليس بحقيقة في نفسه، و((الأضغاث)) الأخلاط وأصل الضغث القبضة المختلطة من العشب
والحشيش، فشبه تخليط الحلم بذلك، وهو ما لا يتفسر ولا يتحصل، ثم حكى من قال قول شاعر وهي
مقالة فرقة عامية منهم لأن نبلاء العرب لم يخف عليهم بالبديهة أن مباني القرآن ليست مباني شعر ثم حكى
اقتراحهم وتمنيهم آية تضطرهم وتكون في غاية الوضوح كناقة صالح وغيرها، وقولهم ﴿كما ارسل
الأولون﴾ دال على معرفتهم بإتيان الرسل الأمم المتقدمة. وقوله تعالى: ﴿ما آمنت قبلهم) مقدراً كلام يدل
عليه المعنى، تقديره والآية التي طلبوا عادتنا أن القوم إن كفروا بها عاجلناهم، وما آمنت قرية من القرى
التي نزلت بها هذه النازلة أفهذه كانت تؤمن وقوله تعالى: ﴿أهلكناها﴾ جملة في موضع الصفة لـ ﴿قرية﴾

٧٥
تفسير سورة الأنبياء / الآيات : ٩ - ١٢
والجملة إذا اتبعت النكرات فهي صفة لها وإذا اتبعت المعارف فهي أحوال منها، وقوله ﴿وما أرسلنا قبلك
إلا رجالاً﴾ رد على فرقة منهم كانوا يستبعدون أن يبعث الله من البشر رسولاً يشف على نوعه من البشر بهذا.
القدر من الفضل، فمثل الله تعالى في الرد عليهم بمن سبق من الرسل من البشر، وقرأ الجمهور ((يوحى))
على بناء الفعل للمفعول، وقرأ حفص عن عاصم ((نوحي)) بالنون، ثم أحالهم على سؤال ﴿أهل الذكر﴾
من حيث لم يكن عند قريش كتاب ولا إثارة من علم، واختلف الناس في ﴿أهل الذكر﴾ من هم، فروى
عبد الله بن سلام أنه قال أنا من أهل الذكر، وقالت فرقة هم أهل القرآن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا موضع ينبغي أن يتأمل، وذلك أن الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله
تعالى عباده فأهل القرآن أهل ذكر، وهذا ما أراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأما المحال على
سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت لأنهم كانوا خصومهم، وإنما أحيلوا
على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد عليه السلام فتجيء
شهادتهم بأن الرسل قديماً من البشر لا مطعن فيها لازمة لكفار قريش وقوله تعالى: ﴿وما جعلناهم جسداً﴾
قيل الجسد من الأشياء يقع على ما لا يتغذى، ومنه قوله تعالى: ﴿عجلاً جسداً﴾ [الأعراف: ١٤٨].
فمعنى هذا ما جعلناهم أجساداً لا تتغذى، وقيل الجسد يعم المتغذي وغير المتغذي. والمعنى ما جعلناهم
أجساداً وجعلناهم مع ذلك لا يأكلون الطعام كالجمادات أو كالملائكة، فـ ﴿جعلناهم جسداً﴾ على التأويل
الأول منفي، وعلى الثاني موجب، والنفي واقع على صفته. وقوله تعالى: ﴿لا يأكلون الطعام) كناية عن
الحدث، ثم نفی عنهم الخلد لأنه من صفات القدیم وکل محدث فغیر خالد في دار الدنيا.
قوله عز وجل :
لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَبًا
17//
ثُمَّصَدَ قْتَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنَجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ(
فِيهِ ذِكْرُ كُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (١) وَكَمْ قَصَمُنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأَنَبَعْدَهَا قَوْمَاءَاخَرِينَ
﴿﴿ فَلَمَّا أَحَسُواْ بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَائِرُونَ
هذا وعيد في ضمن وصفه تعالى سيرته في الأنبياء من أنه يصدق مواعيدهم فكذلك يصدق لمحمد
عليه السلام ولأصحابه ما وعدهم من النصر وظهور الكلمة وقوله تعالى: ﴿ومن نشاء﴾ معناه من المؤمنين
بهم، و((المسرفون)» الكفار المفرطون في غيهم وكفرهم وكل من ترك الإيمان مفرط مسرف، ثم وبخهم
تعالى بقوله: ﴿لقد أنزلنا) الآية و((الكتاب)) القرآن. وقوله تعالى: ﴿فيه ذكركم﴾ يحتمل أن يكون في
الذكر الذي أنزله الله تعالى إليكم بأمر دينكم وآخرتكم ونجاتكم من عذابه، فأضاف الذكر إليهم حيث هو
في أمرهم ويحتمل أن يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الآية. كما تذكر عظام الأمور، وفي هذا
تحريض ثم تأكد التحريض بقوله (أفلا تعقلون﴾ وحركهم ذلك إلى النصر، ثم مثل لهم على
جهة التوعد بمن سلف من الأمم المعذبة، و﴿كم﴾ للتكثير وهي في موضع نصب بـ ﴿قصمنا﴾
ومعناه أهلكنا، وأصل القصم الكسر في الأجرام فإذا استعير للقوم أو القرية ونحوه فهو

٧٦
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ١٣ - ١٦
ما يشبه الكسر وهو إهلاكهم وأوقع هذه الأمور على ((القرية)) والمراد أهلها وهذا مهيع كثير، ومنه ﴿ما آمنت
قبلهم من قرية﴾ [الأنبياء: ٦] وغيره وقوله تعالى: ﴿وأنشأنا﴾ أي خلقنا وبثثنا أمة أخرى غير المهلكة،
وقوله تعالى: ﴿فلما أحسوا﴾ وصف عن قرية من القرى المجملة أولاً قيل كانت باليمن تسمى حصورا بعث
الله تعالى إلى أهلها رسولاً فقتلوه، فأرسل الله تعالی بخت نصر صاحب بني إسرائيل فهزموا جيشه مرتین،
فنهض في الثالثة بنفسه فلما مزقهم وأخذ القتل فيهم ركضوا هاربين، ويحتمل أن لا يريد بالآية قرية بعينها
وأنه واصف حال كل قرية من القرى المعذبة وأن أهل كل قرية كانوا إذا أحسوا العذاب من أي نوع كان
أخذوا في الفرار. و﴿أحسوا﴾ باشروه بالحواس، و((الركض)) تحريك القدم على الصفة المعهودة، فالفار
والجاري بالجملة راكض إما دابة وإما الأرض تشبيهاً بالدابة .
قوله عز وجل :
لَا تَرْكُوْ وَأَنْ جِعُواْ إِلَى مَا أَثْرِفِتُمْ فِيهِ وَمَسَكِنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُشْتَلُونَ () قَالُواْنَوَ بِلَآ إِنَّا كُنَا ظَلِمِينَ
فَضَّأْ زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَنُهُمْ حَتَّى جَعَلْنَهُمْ حَصِيدًا خَمِدِينَ ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَاُلْأَرْضَ
وَمَابَيْنَهُمَا لَعِينَ
١٦
يحتمل قوله تعالى: ﴿لا تركضوا﴾ إلى آخر الآية أن يكون من قول رجال بخت نصر على الرواية
المتقدمة فالمعنى على هذا أنهم خدعوهم واستهزؤوا بهم بأن قالوا للهاربين منهم لا تفروا ﴿وارجعوا﴾ إلى
مواضعكم ﴿لعلكم تسألون﴾ صلحاً أو جزية أو أمراً يتفق عليه، فلما انصرفوا أمر بخت نصر أن ينادى فيهم
يا لثارات النبي المقتول فقتلوا بالسيف عن آخرهم ع، هذا كله مروي، ويحتمل أن يكون ﴿لا تركضوا﴾
إلى آخر الآية من كلام ملائكة العذاب، على التأويل الآخر أن الآيات وصف قصة بكل قرية وأنه لم يرد
تعيين حصورا ولا غيرها، فالمعنى على هذا أن أهل هذه القرى كانوا باغترارهم يرون أنهم من الله تعالى
بمكان وأنه لو جاءهم عذاب أو أمر لم ينزل بهم حتى يخاصموا أو يسألوا عن وجع تكذيبهم لنبيهم
فيحتجون هم عند ذلك بحجج تنفعهم في ظنهم، فلما نزل العذاب دون هذا الذي أملوه وركضوا فارين
نادتهم الملائكة على وجه الهزء بهم ﴿لا تركضوا وارجعوا﴾ ﴿لعلكم تسألون﴾ كما كنتم تطمعون بسفه
آرائكم، ثم يكون قوله ﴿حصيداً﴾ أي بالعذاب تركضوا كالحصيد، و((الإتراف)) التنعيم، و﴿دعواهم﴾
معناه دعاؤهم وكلامهم أي لم ينطقوا بغير التأسف، والحصيد يشبه بحصيد الزرع بالمنجل الذي ردهم
الهلاك كذلك، و﴿خامدين﴾ أي موتى دون أزواج مشبهين بالنار إذا طفيت، ولما فرغ وصف هذا الحال
وضع اللّه تعالى السامعين بقوله ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين﴾ أي ظن هؤلاء الذين نزل
بهم ما نزل كما تظنون أنتم أيها الكفرة الآن ففي الآية وعيد بهذا الوجه والمعنى إنما خلقنا هذا كله ليعتبر
به وینظر فیه ويؤمن بالله بحسبه، قال بعض الناس ﴿تسألون﴾ معناه تفهمون وتفقهون.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يعطيه اللفظ، وقالت فرقة ﴿تسألون﴾ معناه شيئاً من أموالكم
وعرض دنیاکم علی وجه الهزء.
:
:

٧٧
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ١٧ - ٢٠
قوله عز وجل :
لَوْأَدْنَا أَنْ تَّخِذَ لَوَّ لَّا تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّ إِن كُنَّ فَعِلِينَ ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَغُهُ
فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيِّلُ مِمَّا نَصِفُونَ
ظاهر هذه الآية الرد على من قال من الكفار أمر مريم وما ضارعه من الكفر تعالى الله عن قول
المبطلين، و((اللهو)» في هذه الآية المرأة وروي أنها في بعض لغات العرب تقع على الزوجة، و﴿إِن﴾ في
قوله ﴿إن كنا فاعلين﴾ يحتمل أن تكون الشرطية بمعنى لو كنا أي ولسنا كذلك، وللمتكلمين هنا اعتراض
وانفصال ويحتمل أن تكون نافية بمعنى ما وكل هذا قد قيل، و((الحق)) عام في القرآن والرسالة والشرع
وكل ما هو حق، و﴿الباطل﴾ أيضاً عام كذلك ويدمغه معناه يصيب دماغه وذلك مهلك في البشر فكذلك
الحق يهلك الباطل، و﴿الويل﴾ الخزي والهم وقيل هو اسم واد في جهنم فهو المراد في هذه الآية وهذه
مخاطبة للكفار الذين وصفوا الله تعالى بما لا يجوز عليه ولا يليق به تعالى الله عن قولهم.
قوله عز وجل :
وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِوَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٦) يُسَبِّحُونَ
الَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ
٢٠
قوله تعالى: ﴿وله﴾ يحتمل أن يكون ابتداء كلام يحتمل أن يكون معادلاً لقوله ﴿ولكم الويل﴾
[الأنبياء: ١٨] كأنه تقسيم الأمر في نفسه أي للمختلفين هذه المقالة الويل ولله تعالى ﴿من في السموات
والأرض﴾ واللام في ﴿له﴾ لام الملك، وقوله تعالى: ﴿من في السماوات) يعم الملائكة والنبيين
وغيرهم، ثم خصص من هذا العموم من أراد تشريفه من الملائكة بقوله تعالى: ﴿ومن عنده﴾ لأن ((عند))
هنا ليست في المسافات إنما هي تشريف في المنزلة فوصفهم تعالى بأنهم ﴿لا يستكبرون﴾ عن عبادة الله
ولا يسأمونها ولا يكلون فيها. والحسير من الإبل المعيي ومنه قول الشاعر: [الطويل].
لهن الوجى لم يكن عوناً على النوى ولا كان منها طالع وحسير
وحسر واستحسر بمعنى واحد، وهذا موجود في كثير من الأفعال وإن كان الباب في استفعل أن
يكون لطلب الشيء، وقوله تعالى: ﴿لا يفترون﴾، روي عن كعب الأحبار أنه قال جعل الله التسبيح
كالنفس وطرف العين للبشر منهم دائباً دون أن يلحقهم فيه سآمة، وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بينما هو جالس مع أصحابه إذ قال ((أتسمعون ما أسمع)) قالوا: ما نسمع من شيء يا رسول الله،
قال ((إني لأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع راحة إلا وفيه ملك ساجد أو قائم)).
قوله عز وجل :
أَمِ أَتَّخَذُوَاْءَالِهَةٌ مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ ﴿لَوْكَانَ فِيهِمَآءَالِههُ إِلَّ الَهُلَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ الَّهِرَبِّ

٧٨
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ٢١ - ٢٤
١٠٠٠ /٠١٠٩
أَمِ اتَّخَذُ واْمِن دُونِهِ وَاِهَةٌ قُلْ
الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴿لَا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ (ّ
------
هَاتُواْبُ هَشَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن ◌َّعِىَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِى بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقِّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ!
٢٤
هذه ﴿أم﴾ التي هي بمنزلة ألف الاستفهام، وهي ها هنا تقرير وتوقيف، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة
بل مع ألف الاستفهام، كأن في القول إضراباً عن الأول ووقفهم الله تعالى هل ﴿اتخذوا آلهة﴾ يحيون
ويخترعون، أي ليست آلهتكم كذلك فهي غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة. وقرأت
فرقة ((يُنشرون)) بضم الياء بمعنى يحيون غيرهم، وقرأت فرقة (ينشرون)) بمعنى يحيونهم وتدوم حياتهم يقالٍ
نشر الميت وأنشره الله تعالى، ثم بين تعالى أمر التمانع بقوله ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ وذلك بأنه
كان يبغي بعضهم على بعض ويذهب بما خلق، واقتضاب القول في هذا أن الإلهين لو فرضا فوقع بينهما
الاختلاف في تحريك جرم وتسكينه فمحال أن تتم الإرادتان ومحال أن لا تتم جميعاً، وإذا تمت الواحدة
كان صاحب الأخرى عاجزاً، وهذا ليس بإله، وجواز الاختلاف عليهما بمنزلة وقوعه منهما ونظر آخر وذلك
أن كل جزء يخرج من العدم إلى الوجود فمحال أن يتعلق به قدرتان، فإذا كانت قدرة أحدهما موجدة بقي
الآخر فضلا لا معنى له في ذلك الجزء، ثم يتمادى النظر هكذا جزءاً جزءاً ثم نزه تعالى نفسه عما وصفه
أهل الجهالة والكفر، ثم وصف نفسه تعالى بأنه ﴿لا يسأل عما يفعل﴾ وهذا وصف يحتمل معنيين: إما أن
يريد أنه بحق ملكه وسلطانه لا يعارض ولا يسأل عن شيء يفعله إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء، وإما أن
يريد أنه محكم الأفعال واضع كل شيء موضعه فليس في أفعاله موضع سؤال ولا اعتراض، وهؤلاء من
البشر يسألون لهاتين العلتين لأنهم ليسوا مالكين ولأنهم في أفعالهم خلل كثير، ثم قررهم تعالى ثانية على
اتخاذ الآلهة، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في نكره وبيان فساده، وفي هذا التقرير زيادة على الأول وهي
قوله تعالى: ﴿من دونه﴾ فكأنهم قررهم هنا على قصد الكفر بالله عز وجل، ثم دعاهم إلى الحجة والإتيان
بالبرهان. وقوله تعالى: ﴿هذا ذكر من معي وذكر من قبلي﴾ يحتمل أن يريد به هذا جميع الكتب المنزلة
قديمها وحديثها، أي ليس فيها برهان على اتخاذ آلهة من دون الله، بل فيها ضد ذلك، ويحتمل أن يريد
هذا القرآن والمعنى فيه ذكر الأولين والآخرين، فذكر الآخرين بالدعوة وبيان الشرع لهم وردهم. على طريق
النجاة، وذكر الأولين بقص أخبارهم وذكر الغيوب في أمورهم، ومعنى الكلام على هذا التأويل عرض
القرآن في معرض البرهان أي ﴿هاتوا برهانكم﴾ فهذا برهاني أنا ظاهر في ﴿ذكر من معي وذكر من قبلي﴾
وقرأت فرقة ((هذا ذكرُ من)) ((وذكرُ من)) بالإضافة فيهما، وقرأت فرقة ((هذا ذكرُ من)) بالإضافة ((وذكرٌ مِن قبلي))
بتنوين ((ذكر)) الثاني وكسر الميم من قوله تعالى: ﴿مِن قبلي﴾ وقرأ يحيى بن سعيد وابن مصرف بالتنوين
في ((ذكرٌ مِن)) في الموضعين وكسر الميم من قوله ((مِن)) في الموضعين، وضعف أبو حاتم هذه القراءة كسر
الميم في الأولى ولم ير لها وجهاً، ثم حكم عليهم تعالى بأن ﴿أكثرهم لا يعلمون الحق﴾ لإعراضهم عنه
وليس المعنى ﴿فهم معرضون﴾ لأنهم لا يعلمون بل المعنى ﴿فهم معرضون﴾ ولذلك ﴿لا يعلمون
الحق﴾ وقرأ الحسن وابن محيصن ((الحقُّ)) بالرفع على معنى هذا القول هو الحق والوقف على هذه
القراءة على ﴿لا يعلمون﴾.

٧٩
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ٢٥ - ٣٠
قوله عز وجل :
وَقَالُواْ أَتَّخَذَ
٢٥
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ
الرَّحْتَنُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَةٌ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ ﴿٦ لَا يَسْبِقُونَهُ بِآلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ
٢٧
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ يِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّ لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشْبَتِهِ، مُشْفِقُونَ
٢٨
لما أخبرهم تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم أتبع ذلك بإعلامهم أنه ما أرسل قط رسولاً إلا
أوحى إليه أن الله تعالى فرد صمد، وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات، وإنما اختلفت في الأحكام. وقرأ
حمزة والكسائي ((نوحي)) بنون مضمومة، وقرأ الباقون ((يوحى)) بياء مضمومة. واختلف عن عاصم ثم عدد
بعد ذلك نوعاً آخر من كفرهم وذلك أنهم مع اتخاذهم آلهة كانوا يقربون بالله تعالى هو الخالق الرازق إلا
أنهم قال بعضهم اتخذ الملائكة بنات، وقال نحو هذه المقالة النصارى في عيسى ابن مريم عليه السلام،
واليهود في عزير، فجاءت هذه الآية رادة على جميعهم منبهة عليهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالة الكفرة
وأضرب عن مقالهم ونص ما هو الأمر في نفسه بقوله ﴿بل عباد مكرمون﴾ وهذه عبارة تشمل الملائكة
وعزيراً وعيسى. وقوله تعالى: ﴿لا يسبقونه بالقول﴾ عبارة عن حسن طاعتهم ومراعاتهم لامتثال الأمر،
وقوله تعالى: ﴿يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾ أي ما تقدم من أفعالهم وأعمالهم، والحوادث التي لها
إليهم تنسب وما تأخر، ثم أخبر تعالى أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله أن يشفع له، قال بعض
المفسرين لأهل لا إله إلا الله، ((والمشفق)) البالغ في الخوف المحترق من الفزع على أمر ما.
قوله عز وجل :
وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنَّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ تَجْزِيهِ جَهَنَّةٌ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ (٦) أَوَلَمْيَرَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّالسَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ كَانَثَارَتْقًا فَفَنَقْنَهُمَّاً وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ أَفَلَا
يُؤْمِنُونَ
٣٠
المعنى من يقل منهم كذا أن لو قاله وليس منهم من قال هذا، وقال بعض المفسرين المراد بقوله
﴿ومن يقل) الآية، إبليس.
قال القاضي أبو محمد: هذا ضعيف لأن إبليس لم يروقط أنه ادعى ربوبية، وقرأ الجمهور ((نَجزيه))
بفتح النون، وقرأ أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد (نُجزيه)) بضم النون والهاء ووجهها أن المعنى نجعلها
تكتفي به من قولك أجزاني الشيء ثم خففت الهمزة ياء. وقوله تعالى: ﴿كذلك﴾ أي كجزائنا هذا القائل
جزاؤنا الظالمين، ثم وقفهم على عبرة دالة على وحدانية الله جلت قدرته، و((الرتق)) الملتصق بعضه ببعض
المبهم الذي لا صدع فيه ولا فتح ومنه امرأة رتقاء، واختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: ﴿كانتا رتقاً
ففتقناهما﴾ فقالت فرقة كانت السماء ملتصقة بعضها ببعض والأرضون كذلك ففتقهما الله تعالى سبعاً

٨٠ -
تفسير سورة الأنبياء / الآيات: ٣١ - ٣٣
سبعاً، وعلى هذين القولين فـ ((الرؤية)) الموقف عليها رؤية القلب، وقالت فرقة السماء قبل المطر رتق
والأرض قبل النبات رتق ففتقهما تعالى بالمطر والنبات، كما قال الله تعالى ﴿والسماء ذات الرجع والأرض
ذات الصدع﴾ [الطارق: ١١ -١٢] وهذا قول حسن يجمع العبرة وتعديد النعمة والحجة بمحسوس بين
ويناسب قوله ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ أي من الماء الذي أوجده الفتق فيظهر معنى الآية ويتوجه
الاعتبار، وقالت فرقة السماء والأرض رتق بالظلمة وفتقهما الله تعالى بالضوء ع و((الرؤية)) على هذين
القولين رؤية العين، و﴿الأرض﴾ هنا اسم الجنس فهي جمع، وقرأ الجمهور ((رتّقاً)) بسكون التاء، والرتق
مصدر وصف به كالزور والعدل، وقرأ الحسن والثقفي وأبو حيوة ((كانتا رتقاً) بفتح التاء وهو اسم المرتوق
كالنفض والنفض والخبط والخبط وقال كانتا من حيث هما نوعان ونحوه قول عمرو بن شيم. ألم يحزنك أن
جبال قیس وتغلب قد تباينتا انقطاعاً .
وقوله ﴿كانتا﴾ في القولين الأولين بمنزلة قولك كان زيد حياً، أي لم يكن، وفي القولين الآخرين
بمنزلة قولك كان زيداً عالماً أي وهو كذلك، وقرأ ابن كثير وحده ((ألم ير)) بإسقاط الواو. وقوله ﴿وجعلنا من
الماء كل شيء حي﴾ بين أنه ليس على عموم فإن الملائكة والجن قد خرجوا عن ذلك، ولكن الوجه أن
يحمل على أعم ما يمكن فالحيوان أجمع والنبات على أن الحياة فيه مستعارة داخل في هذا، وقالت فرقة
المراد بـ ﴿الماء﴾ المني في جميع الحيوان، ثم وقفهم على ترك الإيمان توبيخاً وتقريعاً.
قوله عز وجل :
وَجَعَلْنَا فِى الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيَهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٨) وَجَعَلْنَا
وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ
السَّمَآءَ سَقْفًا مَّحْفُوظَا وَهُمْ عَنْ ءَايَتِهَا مُعْرِضُونَ
وَالْقَمَرَّكُلُّ فِىِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٣٣
((الرواسي)) جمع راسية أي ثابتة يقال رسا يرسو إذا ثبت واستقر ولا يستعمل إلا في الأجرام الكبار
كالجبال والسفينة ونحوه، ويروى أن الأرض كانت تكفأ بأهلها حتى ثقلها الله تعالى بالجبال فاستقرت،
و((الميد)) التحرك، و((الفجاج)) الطرق المتسعة في الجبال وغيرها، و﴿سبلاً﴾ جمع سبيل، والضمير في
قوله تعالى: ﴿فيها﴾ يحتمل أن يعود على الرواسي ويحتمل أن يعود على ﴿الأرض) وهو أحسن،
و﴿يهتدون﴾ معناه في مسالكهم وتصرفهم، و((السقف)) ما علا، و((الحفظ)) هنا عام في الحفظ من الشياطين
ومن الرمي وغير ذلك من الآفات، و﴿آياتها﴾ كواكبها وأمطارها، والرعد والبرق والصواعق وغير ذلك مما
يشبه، وقرأت فرقة ((وهم عن آيتها)) بالإفراد الذي يراد به الجنس، و((الفلك)) الجسم الدائر دورة اليوم
والليلة فالكل في ذلك سابح متصرف، وعن بعض المفسرين أن الكلام فيما هو الفلك فقال بعضهم كحديد
الرحى، وقال بعضهم كالطاحونة مما لا ينبغى التسور عليه، غير أنا نعرف أن الفلك جسم يستدير.
و﴿يسبحون﴾ معناه يتصرفون، وقالت فرقة ((الفلك)) موج مكفوف ورأوا قوله ﴿يسبحون﴾ من السباحة لوهو
العوم.