النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ تفسير سورة طه / الآيات: ١٩ - ٣٥ لتلقي ما يورد عليها وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل، وقوله ﴿بيمينك﴾ من صلة تلك وهذا نظير قول الشاعر يزيد بن ربيعة: [الطويل] نجوت وهذا تحملين طليق عدسْ ما لعباد عليك إمارة قال ابن الجوهري: وروي في بعض الآثار أن الله تعالى عتب على موسى إضافة العصا إلى نفسه في ذلك الموطن فقيل له ﴿ألقها﴾ [طه: ١٩] ليرى منها العجب فيعلم أنه لا ملك له عليها ولا تضاف إليه، وقرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه ((عصاي)) بكسر الياء مثل غلامي، وقرأت فرقة ((عصى)) وهي لغة هذيل ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل] سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهم وقرأ الجمهور ((عصاي)) بفتح الياء، وقرأ ابن أبي إسحاق ((عصايْ)) بياء ساكنة، ثم ذكر موسى عليه السلام من منافع عصاه عظمها وجمهورها، وأجمل سائر ذلك، وقرأ الجمهور ((وأهُشَّ)) بضم الهاء والشين المنقوطة ومعناه أخبط بها الشجر حتى ينتثر بها الورق للغنم، وقرأ إبراهيم النخعي ((وأهِش)) بكسر والمعنى كالذي تقدم، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس ((وأهُسُّ)) بضم الهاء والسين غير المنقوطة ومعناه أزجر بها وأخوف، وقرأت فرقة ((على غنمي)) بالجر، وقرأت ((غنمي)) فأوقع الفعل على الغنم، وقرأت ((غنْمي)) بسكون النون ولا أعرف لها وجهاً، وقوله ﴿أخرى﴾ فوحد مع تقدم الجمع وهو المهيع في توابع جمع ما لا يعقل والكناية عنه فإن ذلك يجرى مجرى الواحدة المؤنثة كقوله تعالى: ﴿الأسماء الحسنى﴾ [طه: ٨] وكقوله ﴿يا جبال أوبي معه﴾ [سبأ: ١٠] وقد تقدم القول في هذا المعنى غير مرة، وعصا موسى عليه السلام هي التي كان أخذها من بيت عصا الأنبياء الذي كان عند شعيب حين اتفقا على الرعية، وكانت عصا آدم هبط بها من الجنة وكانت من العير الذي في ورق الريحان وهو الجسم المستطيل في وسطها وقد تقدم شرح أمرها فيما مضى . قوله عز وجل: قَالَ أَلْقِهَا يَمُوسَى فَأَلْقَنْهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى ﴾قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَاسِيرَتَهَا لِتُرِيَكَ مِنْءَايِنَا ٢٢ اُلْأُوْلَى جَ وَأَضْمُمْ يَدَلَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِسُوْءٍ ءَايَّةً أُخْرَى قَالَ رَبِّ أَشْرَعْ لِ صَدْرِىِ ﴿٣ّا وَيَسِرْلِ أَمْرِىِ ﴿ وَآَحْلُلْ ٢٤ اُلْكُبْرَى ®) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَونَ إِنَُّ طَغَى عُقْدَةٌ مِّنْ لِسَانِىِ ﴿ يَفْقَهُوا قَوْلي: ﴿ وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِى (® هَرُونَ آَخِى (٣)آشْدُدْبِهِ، أَزْرِى ٣١ وَأَشْرِكُهُ فِى أَمْرِى جَكَىْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا لَّ وَنَذْكُرَ كَثِيرًا ﴿ إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥ لما أراد الله تعالى أن يدربه في تلقي النبوءة وتكاليفها أمره بإلقاء العصا ﴿فألقاها﴾ موسى فقلب اللّه أوصافها وأعراضها، وكانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان لها فماً وصارت ﴿حية تسعى﴾ أي تنتقل ٤٢ تفسير سورة طه / الآيات: ١٩ -٣٥ وتمشي وتلتقم الحجارة، فلما رآها موسى رأى عبرة فولى مدبراً ولم يعقب، فقال الله تعالى له: ﴿خذها ولا تخف﴾ وذلك أنه أوجس فى نفسه خيفة أي لحقه ما يلحق البشر، وروي أ موسى، تناولها بكمي جبته فنهي عن ذلك، فأخذها بيده فصارت عصا كما كانت أول مرة وهي ﴿سيرتها الأولى﴾ ثم أمره الله عز وجل أن يضم يده إلى جنبه وهو الجناح استعارة ومجازاً ومنه قول الراجز: [الرجز] ((أضمه للصدر والجناح)) وبعض الناس يقولون الجناح اليد وهذا كله صحيح على طريق الاستعارة، ألا ترى أن جعفر بن أبي طالب يسمى ذا الجناحين بسبب يديه حين أقيمت له الجناحان مقام اليدين شبه بجناح الطائر وكل مرعوب من ظلمة أو نحوها فإنه إذا ضم يده إلى جناحه فتر رعبه وربط جأشه فجمع الله لموسى عليه السلام تفتير الرعب مع الآية في اليد، وروي أن يد موسى خرجت بيضاء تشف وتضيء كأنها شمس. وقوله ﴿من غير سوء﴾، أي من غير برص ولا مثلة بل هو أمر ينحسر ويعود لحكم الحاجة إليه. وقوله ﴿لنریك من آياتنا الكبرى﴾ يحتمل أن يريد وصف الآيات بالكبر على ما تقدم من قوله ﴿الأسماء الحسنى﴾ [طه: ٨]، و ﴿مارب أخرى﴾ [طه: ١٨] ونحوه، ويحتمل أن يريد تخصيص هاتين الآيتين فإنهما أكبر الآيات كأنه قال لنريك الكبرى فهما معنيان، ثم أمره تبارك وتعالى بالذهاب إلى فرعون وهو مصعب بن الريان في بعض ما قيل، وقيل غير هذا، ولا صحة لشيء من ذلك. و﴿طغى﴾ معناه تجاوز الجد في فساد، وقوله ﴿قال رب اشرح لي صدري﴾ الآية، لما أمره الله تعالى بالذهاب إلى فرعون علم أنها الرسالة وفهم قدر التكليف فدعا الله في المعونة إذ لا حول له إلا به. و﴿اشرح لي صدري﴾ معناه ((لفهم ما يرد علي من الأمور والعقدة التي دعا في حلها هي التي اعترته بالجمرة التي جعلها في فيه حين جربه فرعون)). وروي في ذلك أن فرعون أراد قتل موسى وهو طفل حين مد يده إلى لحية فرعون، فقالت له امرأته إنه لا يعقل، فقال بل هو يعقل وهو عدو لي، فقالت له نجربه، قال أفعل، فدعت بجمرات من نار وبطبق فيه ياقوت فقالا إن أخذ الياقوت علمنا أنه يعقل وإن أخذ النار عذرناه فمد موسى يده إلى جمرة فأخذها فلم تعد على يده، فجعلها في فمه فأحرقته وأورث لسانه عقدة في كبره أي حبسة ملبسة في بعض الحروف قال ابن الجوهري ((كف الله تعالى النار عن يده لئلا تقول النار طبعي واحترق لسانه لئلا يقول موسى مكانتي)) وموسى عليه السلام إنما طلب من حل العقدة قدر أن يفقه قوله، فجائزاً أن يكون ذلك كله زال، وجائزاً أن يكون بقي منه القليل، فیجتمع أن يؤتى هو سؤله وان یقول فرعون، ولا یکاد یبین، ولو فرضناه ژال جملة لكان قول فرعون سباً لموسى بحالته القديمة. و((الوزير)) المعين القائم بوزر الأمور وهو ثقلها ويحتمل الكلام أن طلب الوزير من أهله على الجملة ثم أبدل ﴿هارون﴾ من الوزير المطلوب، ويحتمل أن يريد واجعل هارون وزيراً، فإنما ابتدأ الطلب فيه فيكون على هذا مفعولاً أولاً بـ ﴿اجعل﴾. وكان هارون عليه السلام أكبر من موسى بأربعة أعوام، وقرأ ابن عامر وحده ((أَشدد)) بفتح الهمزة و((أُشركه)) بضمها على أن موسى أسند هذه الأفعال إلى نفسه، ويكون الأمر هنا لا يريد به النبوءة بل يريد تدبيره ومساعيه لأن النبوءة لا يكون لموسى أن يشرك فيها بشراً، وقرأ الباقون (أشدد) بضم الهمزة ((وأشرك)) على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوءة وهذه هي الوجه لأنها تناسب ما تقدم من الدعاء وتعضدها آيات غير هذه بطلبه تصديق هارون إياه . ٤٣ تفسير سورة طه / الآيات: ٣٦ - ٣٩ و((الأزر)» بمعنى الظهر قاله أبو عبيدة كأنه قال شد به عوني واجعله مقاومي فيما أحاوله وقال امرؤ القيس: [الطويل] فجر جيوش غانمين وخيب بمحنية قد آزر الضال نبتها أي قاومه وصار في طوله، وفتح أبو عمرو وابن كثير الياء من ﴿أخي﴾ وسكنها الباقون وروي عن نافع (وأشركهو)) بزيادة واو في اللفظ بعد الهاء ثم جعل موسى عليه السلام ما طلب من نعم الله تعالى سبباً يلزم كثرة العبادة والاجتهاد في أمر الله، وقوله ﴿كثيراً﴾ نعت لمصدر محذوف تقديره تسبيحاً كثيراً. قوله عز وجل : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى جَ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣) إِذْ أَوْحَيِّنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى! ٣٨ أَنْ أَقْذِ فِيهِ فِ التَّابُوتِ فَأَقْذِ فِيهِ فِ اَلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌلِ وَعَدُوٌ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً .-- - ٣٩ مِّنِى وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِىّ المعنى قال الله تعالى: قد أعطيت يا موسى طلبتك في شرح الصدر وتيسير الأمر وحل العقدة إما بالكل وإما على قدر الحاجة في الإفقاه، وإتيان هذا السؤال منة من الله عز وجل فقرن إليها عز وجل قديم منته عنده على جهة التوقيف عليها ليعظم اجتهاده وتقوى بصيرته. وكان من قصة موسى فيما روي أن فرعون ذكر له أن خراب ملكه يكون على يدي غلام من بني إسرائيل فأمر بقتل كل مولود يولد لبني إسرائيل، ثم إنه رأى مع أهل مملكته أن فناء بني إسرائيل يعود على القبط بالضرر إذ هم كانوا عملة الأرض والصناع ونحو هذا، فعزم على أن يقتل الولدان سنة ويستحييهم سنة، فولد هارون في سنة الاستحياء فكانت أمه آمنة، ثم ولد موسى في العام الرابع سنة القتل فخافت أمه عليه الذبح فبقيت مهتمة فأوحى الله إليها، قيل بملك جاء لها وأخبرها وأمرها، قال بعض من روى هذا ولم تكن نبية لأنا نجد في الشرع ورواياته أن الملائكة قد كلمت من لم يكن نبياً، وقال بعضهم بل كانت أم موسى نبية بهذا الوحي، وقالت فرقة بل كان هذا الوحي رؤيا رأتها في النوم، وقالت فرقة بل هو وحي إلهام وتسديد كوحي الله إلى النحل وغير ذلك فأهمها الله إلى أن اتخذت تابوتاً فقذفت فيه موسى راقداً في فراش، ثم قذفته في يم النيل، وكان فرعون جالساً في موضع يشرف على النيل إذ رأى تابوتاً فأمر به، فسيق إليه وامرأته معه ففتح فرحمته امرأته وطلبته لتتخذه ابناً فأباح لها ذلك وروي أن ﴿التابوت﴾ جاء في الماء إلى المشرعة التي كان جواري امرأة فرعون يستقين فيها الماء فأخذن التابوت وجلبنه إليها فأخرجته وأعلمت فرعون وطلبته منه ثم إنها عرضته للرضاع فلم يقبل امرأة، فجعلت تنادي عليه في المدينة ويطاف يعرض للمراضع، فكلما عرضت عليه امرأة أباها. وكانت أمه حين ذهب عنها في النيل بقيت مغمومة فؤادها فارغ إلا من همه فقالت لأخته اطلبي أمره في المدينة عسى أن يقع لنا منه خبر، فبينما الأخت تطوف إذ بصرت به وفهمت أمره فقالت لهم أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون، فتعلقوا بها وقالوا أنت تعرفين هذا الصبي، فقالت لا، غير أني أعلم من أهل هذا البيت ۔۔ ٤٤ تفسير سورة طه / الآيات: ٣٦ - ٣٩ الحرص على التقرب إلى الملكة والجد في خدمتها ورضاها، فتركوها، وسألوها الدلالة فجاءت بأم موسى فلما قربته شرب ثديها، فسرت آسية امرأة فرعون وقالت لها كوني معي في القصر، فقالت لها ما كنت لأدع بيتي وولدي ولكنه يكون عندي، قالت نعم فأحسنت إلى ذلك البيت غاية الإحسان واعتز بنو إسرائيل بهذا الرضاع، والسبب من الملكة، وأقام موسى حتى كمل رضاعه فأرسلت إليها آسية أن جيئي بولدي ليوم كذا، وأمرت خدمها ومن لها أن يلقينه بالتحف والهدايا واللباس، فوصل إليها على ذلك وهو بخير حال وأجمل ثياب فسرت به ودخلت على فرعون ليراه ويهبه فرآه وأعجبه وقربه فأخذ موسى عليه السلام بلحية فرعون وجذبها، فاستشاط فرعون وقال هذا عدو لي وأمر بذبحه، فناشدته فيه امرأته وقالت إنه لا يعقل، فقال فرعون بل يعقل فاتفقا على تجربته بالجمر والياقوت حسبما ذكرناه آنفاً في حل العقدة، فنجاه الله من فرعون ورجع إلى أمه فشب عندها فاعتز به بنو إسرائيل إلى أن ترعرع، وكان فتى جلداً فاضلاً كاملاً فاعتزت به بنو إسرائيل بظاهر ذلك الرضاع وكان يحميهم ويكون ضلعه معهم وهو يعلم من نفسه أنه منهم ومن صميمهم، فكانت بصيرته في حمايتهم وكيدة، وكان يعرف ذلك أعيان بني إسرائيل .. ثم إن قصة القبطي المتقاتل مع الإسرائيلي نزلت وذكرها في موضعها مستوعب، فخرج موسى عليه السلام من مصر حتى وصل إلى مدين، فكان من أمره مع شعيب ما هو في موضعه مستوعب يختص منه بهذا الموضع أنه تزوج ابنته الصغرى على رعية الغنم عشر سين، ثم إنه اعتزم الرحيل بزوجته إلى بلاد مصر فجاء في طريقه فضل في ليلة مظلمة فرأى النار حسبما تقدم ذكره، فعدد الله تعالى على موسى في هذه الآية ما تضمنته هذه القصة من لطف الله تعالى به في كل فصل وتخليصه له من قصة إلى أخرى، وهذه الفتون التي فتنه بها أي اختبره وخلصه حتى صلح للنبوءة وسلم لها. وقوله ﴿ما يوحى﴾ إبهام يتضمن بعظم الأمر وجلالته في النعم وهذا نحو قوله تعالى ﴿إِذ يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] وهو كثير في القرآن والكلام، و ﴿أن﴾ في قوله ﴿أن اقذفيه﴾ بدل من ﴿ما﴾ والضمير الأول في ﴿اقذفيه﴾ عائد على موسى وفي الثاني على ﴿التابوت﴾، ويجوز أن يعود على ﴿موسى). وقوله ﴿فليلقه اليم) خبر خرج في صيغة الأمر إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها، ومنه قول النبي عليه السلام ((قوموا فلأصل لكم)) فأخبر الخبر في صيغة الأمر لنفسه مبالغة وهذا كثير، ومن حيث خرج الفعل مخرج الأمر حسن جوابه كذلك، و((العدو)) الذي هو لله ولموسى كان فرعون ولكن أم موسى أخبرت به على الإبهام ولذلك قالت لأخته قصيه وهي لا تدري أين. ثم أخبر تعالى موسى أنه ((ألقى عليه محبة)) منه فقال بعض الناس أراد محبة آسية لأنها كانت من الله وكانت سبب حياته. وقالت فرقة: أراد القبول الذي يضعه الله في الأرض لخيار عباده، وكان حظ موسى منه في غاية الوفر. وقالت فرقة: أعطاه جمالاً يحبه به كل من رآه، وقالت فرقة: أعطاه ملاحة العينين، وهذان القولان فيهما ضعف وأقوى الأقوال أنه القبول. وقرأ الجمهور و(لِتُصنع)) بكسر اللام وضم التاء على معنى ولتغدى وتطعم وتربى، وقرأ أبو نهيك ((ولتصنع)) بفتح التاء، قال ثعلب معناه لتكون حركتك وتصرفك على عين مني، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((ولْتصنع)) بسكون اللام على الأمر للغالب وذلك متجه. وقوله ﴿على عيني﴾ معناه بمرأى مني وأمر مدرك مبصر مراعى . قوله عز وجل : . ٤٥ تفسير سورة طه / الآيات: ٤٠ - ٤٦ إِذْ تَمْشِىَّ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمُعَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَ جَعْنَكَ إِلَى أُمِّكَ كَىْ نَفَرَّعَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَّ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَنَّكَ فُونَا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِىّ أَهْلِ مَدْيَّنَ ثُمّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍيَهُوسَى ٤٠ ٤١ وَأَصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِى العامل في ﴿إِذ﴾ فعل مضمر تقديره ومننا إذ، وتقدم تفسير هذه الآية في القصص المذكور آنفاً. وقرأت فرقة ((تقَر)) بفتح القاف، وقرأت فرقة بكسر القاف والنفس التي قتل هي نفس القبطي الذي كان يقاتل الإسرائيلي فوكزه موسى فقضى عليه، و﴿الغم﴾ هم النفس وكان هم موسى بأمر من طلبه ليثأر به. وقوله ﴿فتناك فتوناً﴾ معناه خلصناك تخليصاً، هذا قول جمهور المفسرين. وقالت فرقة معناه اختبرناك وعلى هذا التأويل لا يراد إلا ما اختبر به موسى بعد بلوغه وتكليفه وما كان قبل ذلك فلا يدخل في اختبار موسى وعدة سنيه ﴿في أهل مدين﴾ عشرة أعوام لأنه إنما قضى أوفى الأجلين وقوله ﴿على قدر﴾ أي بميقات محدود للنبوة التي قد أرداها الله بك ومنه قول الشاعر: [البسيط] نال الخلافة إذ كانت له قدراً كما أتى ربه موسى على قدر ﴿واصطنعتك﴾ معناه جعلتك موضع الصنيعة ومقر الإجمال والإحسان، وقوله ﴿لنفسي﴾ إضافة تشريف، وهكذا كما تقول بيت الله ونحوه والصيام لي وعبر بـ ((النفس)) عن شدة القرب وقوة الاختصاص. قوله عز وجل : اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوَكَ بِشَايَتِىِ وَلَا تَنِيَا فِ ذِكْرِى ®] اذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيْنَا لَعَلَّمُ ٤٣ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (9ْعَ قَالَ رَبَّنَا ◌ِنَّنَا فَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنًا أَوْأَنْ يَطْغَى (٥) قَالَ لَا تَّخَافَ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ٤٦ أمر الله تعالى موسى وهارون في هذه الآية بالنفوذ إلى دعوة فرعون وخاطب موسى وحده تشريفاً له ويحتمل أن هارون أوحي إليه مع ملك أن ينفذ، و ﴿بآياتي﴾ معناه بعلاماتي التي أعطيتكموها من معجزة وآية ووحي وأمر ونهي كالتوراة، و﴿تنيا﴾ معناه تضعفا وتبطياً تقول وَنَا فلان في أمر كذا إذا تباطأ فيه عن ضعف ومنه قول الشاعر: [المضارع] الضرع الغمر ولا بالواني فما أنا والونى الكلال والفتور والفشل في البهائم والإنس، وفي مصحف ابن مسعود ((ولا تهنا في ذكري)) معناه ولا تلينا من قولك هين لين والقول اللين قالت فرقة: معناه كنياه وقالت فرقة بل أمرهما بتحسين الكلمة . قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الوجه، وذلك أن كل من يريد دعاء إنسان إلى أمر يكرهه فإنما الوجه أن يحرر في عبارته بالمعنى الذي يريد حتى لا يخل به ولا يحز منه، ثم يجتهد بعد ذلك في أن تكون عبارته لطيفة ومقابلته لينة وذلك أجلب للمراد فأمر الله تعالى موسى وهارون أن يسلكا مع فرعون إكمال ٤٦ تفسير سورة طه / الآيات: ٤٧-٤٩ الدعوة في لين من القول. وقوله ﴿لعله﴾ معناه على رجائكما وطمعكما فالتوقع فيها إنما هو راجع إلى جهة البشر وقرأ الجمهور ((يَفرُط)) بفتح الياء وضم الراء ومعناه يعجل ويسرع بمكروه فينا ومنه فارط في الماء وهو الذي يتقدم القوم إليه قال الشاعر القطامي عمير بن شييم: [البسيط] واستعجلوا وكانوا من صحابتنا كما تعجّل فرّاط لورَادَ وقالت فرقة ((يُفرِط)) بضم الياء وكسر الراء ومعناه يشتط في إذايتنا، وقرأ ابْن محيصن ((يُفْرَط)) بضم الياء وفتح الراء ومعناها أن يحمله حامل على التسرع إلينا. قوله عز وجل: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾. يريد بالنصر والمعونة والقدرة على فرعون، وهذا كما تقول الأمير مع فلان إذا أردت أنه يحميه و ﴿أسمع وأرى﴾ عبارتان عن الإدراك الذي لا تخفى معه خافية تبارك الله رب العالمين. قوله عز وجل : فَأَنِيَاهُ فَقُولَا إِنَّارَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَابَنِيّ إِسْرَِّيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِثْنَكَ بِشَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَمُ عَلَى مَنْ أَتَّبَعَ الْهُدَىِ ﴿ إِنَّا قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّالْعَذَابَ عُلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى ﴿ قَالَ فَمَنْ رَّبِّكُمَا يَمُوسَى! المعنى ﴿فأتيا﴾ فرعون فأعلماه أنكما رسولاي إليه وعبر بفرعون تحقيراً له إذ كان هو يدعي الربوبية ثم أمرا بدعوته إلى أن يبعث معهما بني إسرائيل ويخرجهم من غل خدمة القبط وقد تقدم في هذه الآية 1 دعاؤه إلى الإيمان وهذه جملة ما دعي إليه فرعون الإيمان وإرسال بني إسرائيل، والظاهر أن رسالته إليه ليست على حد إرساله إلى بني إسرائيل، وتعذيب بني إسرائيل كان ذبح أولادهم وتسخيرهم وإذلالهم والآية التي أحالا عليها هي العصا واليد وقالا ﴿جئناك﴾ والجائي بها موسى تجوزاً من حيث كانا مشتركين وقوله عليه السلام ﴿من اتبع الهدى) يحتمل أن يكون آخر كلام وفصله فيقوى أن يكون السلام بمعنى التحية كأنهما رغبا بها عنه وجريا على العرف في التسليم عند الفراغ من القول فسلما على متبع الهدى وفي هذا توبيخ له ع: وعلى هذه الجهة استعمل الناس هذه الآية في مخاطبتهم ومحاوراتهم ويحتمل أن يكون في درج القول متصلاً بقوله ﴿إنا قد أوحى إلينا﴾ فيقوى على هذا أن يكون خبراً بأن السلامة للمهتدين، وهذان المعنيان قالت كل واحد منهما فرقة، لكن دون هذا التلخيص، وقالوا ﴿السلام) بمعنى السلامة وعلى بمعنى اللام أي السلام ل ﴿من اتبع الهدى) ولما فرغا من المقالة التي أمر بها عن قوله ﴿وتولى﴾ خاطبهما فرعون، وفي سرد هذه الآية حذف يدل عليه ظاهر الكلام تقديره فأتياه فلما قالا جميع ما أمرا به قال لهما فرعون ﴿فمن ربكما﴾ وقوله ﴿يا موسى﴾ بعد جمعه مع هارون في الضمير، نبداء بمعنى التخصيص والتوقيف، إذ كان صاحب عظم الرسالة ولزيم الآيات. ٤٧ تفسير سورة طه / الآيات: ٥٠ - ٥٢ قوله عز وجل : قَالَ رَّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى بَ قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُوْلَى لَهَا قَالَ عِلْمُهَا عِندَرَبِّى ٥٢ فِ كِتَبِّ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَايَنْسَى استبد موسى صلى الله عليه وسلم من حيث خصه في السؤال ثم أعلمه من صفات الله تعالى بأن لا شرك لفرعون فيه ولا بوجه مجاز واختلف المفسرون في قوله ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه﴾ فقالت فرقة معناه أعطى الذكران من كل الحيوان نوعه وخلقته أنثى ﴿ثم هدى﴾ للإتيان، وقالت فرقة بل المعنى أعطى كل موجود من مخلوقاته خلقته وصورته، أي أكمل ذلك له وأتقنه ﴿ثم هدى﴾ أي يسر كل شيء لمنافعه ومرافقه . قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أشرف معنى وأعم في الموجودات، وقرأت فرقة ((خلقه)) بفتح اللام ويكون المفعول الثاني بـ ﴿أعطى﴾ مقدراً تقديره كماله أو خلقته، وقول فرعون ﴿فما بال القرون الأولى﴾ يحتمل أن يريد محاجته بحسب ما تقدم من القول ومناقضته فيه، فليس يتجه على هذا أن يريد ما بال القرون الأولى ولم يوجد أمرك عندها، فرد موسى عليه السلام علم ذلك إلى الله تعالى، ويحتمل أن يريد فرعون قطع الكلام الأول والرجوع إلى سؤال موسى عن حالة من سلف من الناس روغاناً في الحجة وحيدة وقال ((البال)) الحال فكأنه سألهم عن حالهم كما جاء في الحديث ((يهديكم الله ويصلح بالكم)». وقال النقاش إنما قال فرعون ﴿فما بال القرون الأولى﴾ لما سمع مؤمن آلنه يا قوم ﴿إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب﴾ [غافر: ٣٠] مثل دأب قوم نوح وعاد)) الآية ورد موسى العلم إلى الله تعالى لأنه لم تأته التوراة بعد . وقوله ﴿في كتاب﴾ يريد في اللوح المحفوظ أو فيما كتبه الملائكة من أحوال البشر. وقرأت فرقة ((لا يَضِل)) بفتح الياء وكسر الضاد واختلف في معنى هذه القراءة فقالت فرقة هو ابتداء الكلام تنزيه الله تعالى عن هاتين الصفتين وقد كان الكلام تم في قوله ﴿في كتاب﴾ و﴿يضل﴾ معناه ينتلف ويعمه، وقالت فرقة بل قوله ﴿لا يضل ربي ولا ينسى﴾ من صفات الكتاب أي إن الكتاب لا يغيب عن الله تعالى، تقول العرب ضلني الشيء إذا لم أجده وأضللته أنا ومنه قول النبي صلى الله عليه حكاية عن الإسرائيلي الذي طلب أن يحرق بعد موته ((لعلي أضل الله)) الحديث، و﴿ينسى) أظهرها ما فيه أن يعود ضميره إلى الله تعالى ويحتمل أن يعود إلى الكتاب في بعض التأويلات يصفه بأنه ﴿لا ينسى﴾ أي لا يدع شيئاً، فالنسيان هنا استعارة كما قال في موضع آخر ﴿إلا أحصاها﴾ [الكهف: ٤٩] فوصفه بالإحصاء من حیث حصرت فيه الحوادث. قوله عز وجل : الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًاً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَابِهِ: أَزْوَجَامِّن ج ®) كُواْ وَآَرْعَوْأَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأَوْلِ النُّهَى (٥) مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ نَّبَاتِ شَقَّ 1 ٤٨ تفسير سورة طه / الآيات: ٥٣ - ٥٩ وَمِنْهَا نُخْرِ حُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٌ ◌ّ وَلَقَدْ أَرَّنَهُ ءَايَتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَ انظر إن هذا الأشياء التي ذكرها موسى عليه السلام هي مما تقضي بداية العقول أن فرعون وكل بشر بعيد منها لأنه لو قال هو القادر الرازق المريد العالم ونحو هذا من العبارات لأمكن فرعون أن يغالط فيقول أنا أفعل هذا كله فإنما أتاه موسى عليه السلام بصفات لا يمكنه أن يقول إن ذلك له وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((مِهاداً)) بكسر الميم وبألف، والمهاد قيل هو جمع مهد، وقيل اسم مفرد كفرش وفراش، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((جعل لكم الأرض مَهْدآ)) بفتح الميم وسكون الهاء، وقوله ﴿سلك﴾ بمعنى نهج ولحب، و «السبل) الطرق، وقوله ﴿فأخرجنا به﴾ یحتمل أن یکون كلام موسی تم عند قوله ﴿وأنزل من السماء ماء﴾ ثم وصل الله تعالى كلام موسى بإخباره لمحمد صلى الله عليه وسلم والمراد الخلق أجمع، فهذه الآيات المنبهة عليها، و((الأزواج)) هنا بمعنى الأنواع، وقوله ﴿شتى﴾ نعت للأزواج أي مختلفات، وقوله ﴿كلوا وارعوا﴾ بمعنى هي صالحة لأن يؤكل منها وترعى الغنم فيها فأخرج العبارة في صيغة الأمر لأنه أرجى الأفعال وأهدأها للنفوس، و﴿النهى﴾ جمع نهية والنهية العقل الناهي عن القبائح، وقوله تعالى ﴿منها خلقناكم﴾ يريد من الأرض، وهذا من حيث خلق آدم من تراب. وقوله ﴿وفيها نعیدکم﴾ یرید بالموت والدفن أو الفناء كيف كان وقوله ﴿ومنها نخرجكم﴾ يريد بالبعث ليوم القيامة، وقوله تعالى ﴿ولقد أريناه﴾ إخبار لمحمد صلى الله عليه وسلم عن فرعون، وهذا يؤيد أن الكلام من قوله ﴿فأخرجنا﴾ إنما هو خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقوله ﴿كلها﴾ عائد على الآيات التي رآها لا أنه رأى كل آية الله، وإنما المعنى أن الله تعالى أراه آيات ما بكما لها فأضاف الآيات إلى ضمير العظمة تشريفاً لها، وقوله تعالى: ﴿وأبى﴾ يقتضي تكسب فرعون وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب. قوله عز وجل : فَلَتَأْتِيَتَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَلْنَنَاوَبِينَكَ ov مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ غَحْنْ وَلَآ أَنْتَ مَكَانًا سُوی ضُحى قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِحَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَمُوسَى قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ اَلِزِينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ٥٨ هذه المقاولة من فرعون تدل على أن أمر موسی قد كان قوي وکثر متبعوه من بني إسرائيل ووقع أمره في نفوس الناس، وذلك أنها مقاولة من يحتاج إلى الحجة لا من يصدع بأمر نفسه، وأرضهم هي أرض مصر، وقرأت فرقة ((لا نخلُفه)) بالرفع، وقرأت فرقة ((لا نخلفْه)) بالجزم على جواب الأمر، و﴿نحن﴾ تأكيد للضمير من حيث احتاج الكلام إلى العطف عليه أكد، و﴿موعداً﴾ مفعول أول ل ﴿فاجعل﴾، و﴿مكاناً﴾ مفعول ثان هذا الذي اختار أبو علي ومنع أن يكون ﴿مكاناً﴾ معمولاً لقوله ﴿موعداً﴾ لأنه قد وصف وهذه الأسماء العاملة عمل الفعل إذا نعتت أو عطف عليها أو أخبر عنها أو صغرت أو جمعت وتوغلت في الاسمية بمثل هذا لم تعمل ولا تعلق بها شيء هو منها، وقد يتوسع في الظروف فتغلق بعد ما ٤٩ تفسير سورة طه / الآيات: ٦٠ - ٦٤ ذكرنا كقوله عز وجل: ﴿ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون﴾ [غافر: ١٠]، فقوله ﴿إذ﴾ [غافر: ١٠] معلق بقوله ﴿لمقت الله﴾ [غافر: ١٠] وهو قد أخبر عنه وإنما جاز هذا في الظروف خاصة، وكذلك منع أبو علي أن يكون قوله ﴿مكاناً﴾ قصياً على الظرف الساد مسد المفعول. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر ومنع قوم أن يكون ﴿مكاناً﴾ نصب على المفعول الثاني بتخلفه، وجوزه جماعة من النحاة ووجهه أن يتسع في أن يخلف الوعد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع والكسائي ((سِوى)) بكسر السين، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة ((سُوى)) بضمها، والجمهور نون الواو، وقال أبو الفتح ترك الصرف هنا مشكل والذي ينبغي أن يكون محمولاً على الوقف، وقرأت فرقة ((سوى)» ذكره أبو عمرو عن ابن أبي عبلة ومعنى ((سوی)) أي عدلاً ونصفة قال أبو علي: فكأنه قال ((مكاناً)) قربه منکم قربه منا (ع) إنما أراد أن حالنا فيه مستوية فيعم ذلك القرب وأن تكون المنازل فيه واحدة في تعاطي الحق أي لا يعترضكم فيه الرياسة وإنما تقصد الحجة. و﴿سوى﴾ لغة في سوى ومن هذه اللفظة قول الشاعر [موسى ابن جابر الحنفي] [الطويل] سوى بين قيس قيس عيلان والفزر وإن أبانا كان حل ببلدة وقالت فرقة مستوياً من الأرض لا وهد فيه ولا نشز، وقالت فرقة معناه سوى مكاناً هذا فقال موسى ﴿موعدكم يوم الزينة﴾ اتسع في الظرف من قرأه برفع ((يومُ)) فجعله خبراً، وقرأ الحسن والأعمش والثقفي ((يومَ)) بالنصب على الظرف والخبر مقدر، وروي أن ﴿يوم الزينة﴾ كان عيداً لهم ويوماً مشهوراً وصادف يوم عاشوراء وكان يوم سبت وقيل هو يوم كسر الخليج الباقي إلى اليوم. وقوله ﴿وأن يحشر الناس﴾ عطف على ﴿الزينة﴾ فهو في موضع خفض، ويحتمل أن يكون في موضع رفع على تقدير وموعدكم أن يحشر الناس، ويقلق عطفه على ((اليوم))، وفيه نظر، وقرأ الجمهور ((حُشر الناسُ)) رفعاً وقرأ ابن مسعود والخدري وجماعة ((يَحشُر الناسَ)) بفتح الياء وضم الشين ونصب ((الناسَ)) وقرأت فرقة ((نحشر الناس)) بالنون. والحشر الجمع ومعناه نحشر الناس لمشاهده المعارضة والتهيؤ لقبول الحق حيث كان . قوله عز وجل : فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمََّى قَالَ لَهُم ◌ُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ٦٠ فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى فَتَزَعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَىُ [® قَالُوَأْإِنّ هَذَانِ لَسَحِرَنِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِخْرِهِمَا وَيَذْ هَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى ◌َ فَأَ جِعُواْ ٦٣ كَيْدَكُمْ ثُمَ أَقْتُواْصَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اُسْتَعْلَى المعنى ﴿فجمع﴾ السحرة ووعدهم وأمرهم بالإعداد لموسى، وروي أمرهم، فهذا هو ﴿كيده﴾، ﴿ثم أتى﴾ فرعون بجمعه وأهل دولته والسحرة معه وكانت عصابة لم يخلق الله أسحر منها وجاء أيضاً موسى عليه السلام ببني إسرائيل معه فقال موسى للسحرة ﴿ويلكم﴾ وهذه مخاطبة محذرة ندبهم في هذه الآية إلى i ٥٠ تفسير سورة طه / الآيات: ٠٦٠-٦٤ قول الحق إذا رأوه وأن لا يباهتوا بكذب وقرأ ابن عباس ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ((فَيَسحتكم)) بفتح الياء، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((فُسحتكم)) بضم الياء وهما لغتان بمعنى يقال سحت وأسحت إذا أهلك وأذهب ومنه قول الفرزدق: [الطويل] وعض زماني يا ابن مروان لم يدع، من المال إلا مسجتاً أو مجلف .. م. فهذا من أسحت فلما سمع السحرة هذه المقالة هالهم هذا المنزع ووقع في نفوسهم من مهابته أمر شديد ﴿فتنازعوا أمرهم﴾ والتنازع يقتضي اختلافاً كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق، وقال بعضهم هو مبطل، وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا، ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى . وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا ﴿إن هذان لساحران﴾ ع والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو کان تناجیھم ذلك لم یکن ثم تنازع، و ﴿النجوى﴾ السرار والمساررة أي کان کل رجل یناجي من يليه، ثم جعلوا ذلك سراً مخافة فرعون أن يتبين فيهم ضعفاً لأنهم لم يكونوا حينئذ مصممين على غلبة موسى بل كان ظناً من بعضهم، وقوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران) الآية، قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ((إنّ)) مشددة النون ((هذان)) بألف ونون مخففة للتثنية. وقرأ أبو عمرو وحده ((إن هذين لساحران)) وقرأ ابن كثير ((إن هذان)) بتخفيف نون ((إنْ)) وتشديد نون ((هذان لسحران))، وقرأ حفص عن عاصم ((إن)) بالتخفيف ((هذان)» خفيفة أيضاً ((لساحران))، وقرأت فرقة ((إن هذان إلا ساحران))، وقرأت فرقة ((إن ذان لساحران))، وقرأت فرقة ((ما هذان إلا ساحران))، وقرأت فرقة ((إن هذانٌ)) بتشديد النون من ((هذان)). فأما القراءة الأولى فقالت فرقة قوله ((إن)) بمعنى نعم كما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال في خطبته: ((إن الحمدُ لله)) فرفع الحمد وقال ابن الزبير إن وراكبها حين قال له الرجل فأبعد الله ناقة حملتني إليك ويلحق هذا التأويل أن اللام لا تدخل في خبر الابتداء وهو مما يجوز في الشعر ومنه قول الشاعر: [الرجز] ٠ ١ ٩٠٥ ترضى من اللحم بعظم الرقيبه أم الحليس لعجوز شهـربه وذهبت فرقة إلى أن هذه الآية على لغة بلحارث وهو إبقاء ألف التثنية في حال النصب والخفض فمن ذلك قول الشاعر [هوبر الحارثي]: [الطويل] تزود منها بين أذناه ضربة دعته إلى هابي التشراب عقيم. وقال الآخر: [الطويل] فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى مساغاً لنا باه الشجاع لصمما وتعزى هذه اللغة لكنانة وتعزى لخثعم وقال الفراء الألف في ((هذان)) عامة وليست بمجلوبة للتثنية وإنما هي ألف هذا تركبت في حال التثنية كما تقول الذي ثم تزيد في الجمع نوناً وتترك الياء في حال الرفع والنصب والخفض وقال الزجاج في الكلام ضمير تقديره إنه هذان لساحران. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل دخول اللام في الخبر وقال بعض النحاة ألف ((هذان)) ٥١ تفسير سورة طه / الآيات : ٦٥ - ٦٩ مشبهة هنا بألف تفعلان وقال ابن كيسان لما كان هذا بحال واحدة في رفعه ونصبه وخفضه تركت تثنيته هنا كذلك، وقالت جماعة، منهم عائشة رضي الله عنها وأبو بكر، هذا مما لحن الكاتب فيه وأقيم بالصواب وهو تخفيف النون من أن ع وهذه الأقوال معترضة إلا ما قيل من أنها لغة، و((إن)) بمعنى أجل ونعم أو ((إن)) في الكلام ضميراً وأما من قرأ ((إن)) خفيفة فهي عن سيبويه المخففة من الثقيلة ويرتفع بعدها الاسم ويقول الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا ووجه سائر القراءات بينّ. وعبر كثير من المفسرين عن ((الطريقة)) بالسادة وأنها يراد بها أهل العقل والسن والحجى وحكوا أن العرب تقول فلان طريقة قومه أي سيدهم والأظهر في ((الطريقة)) هنا أنها السيرة والمملكة والحال التي هي عليها، و﴿المثلى﴾ تأنيث أمثل أي الفاضلة الحسنة. وقرأ جمهور القراء ((فأجمعوا)) بقطع الألف وكسر الميم على معنى أنقذوا وأعزموا، وقرأ أبو عمرو وحده («فاجمعوا)) من جمع أي ضموا سحركم بعضه إلى بعض، وقرأ ابن كثير ((ثمَّ) بفتح الميم ((ايْتوا)) بسكون الياء، وقرأ أيضاً في رواية شبل عنه بكسر الميم ((ثم ايتوا)) ، قال أبو علي وهذا غلط ولا وجه لكسر الميم من ((ثم))، وقرأ الجمهور ((ثم ائتوا)) بفتح الميم وبهمزة بعد الألف، قوله ﴿صفاً﴾ حال أي مصطفين وتداعوا إلى هذا لأنه أهيب وأظهر لهم، و﴿أفلح﴾ معناه ظفر ببغيته و﴿استعلى﴾ معناه طلب العلو في أمره وسعى سعيه . قوله عز وجل : قَالَ بَلْ أَلَّقُواْ فَإِذَا حِبَاهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ قَالُوْيَمُوسَىّ إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ◌َهُ مِن سِحْرِهِمْ أََّ تَسْعَى ﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ، خِيفَةً مُوسَى: ﴿ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى لَّ وَأَلْقِ ٦٩ مَا فِي يَمِينِكَ نَلْقَفْ مَا صَنَعُواْإِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُحَيْثُ أَنَى خير السحرة موسى عليه السلام في أن يبتدىء بالإلقاء أو يتأخر بعدهم، وروي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا ثلاثين ألف ساحر، وروي أنهم كانوا خمسة عشر ألف، وروي أنهم كانوا تسعمائة، ثلاثمائة من الفيوم وثلاثمائة من الفرما وثلاثمائة من الإسكندرية وكان مع كل رجل منهم حبل وعصى قد استعمل فيها السحر، وقوله ﴿فإذا﴾ هي للمفاجأة كما تقول خرجت فإذا زيد، وهي التي تليها الأسماء، وقرأت فرقة ((عصيهم)) بكسر العين، وقرأت فرقة ((عُصيهم)) بضمها، وقرأت فرقة ((يُخيل)) على بناء الفعل للمفعول فقوله ﴿أنها﴾ في موضع رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الحسن والثقفي ((تُخِيل)) بضم التاء المنقوطة وكسر الياء وإسناد الفعل إلى الحبال والعصي، فقوله ﴿أنها﴾ مفعول من أجله ع والظاهر من الآيات والقصص في كتب المفسرين أن الحبال والعصي كانت تنتقل بحيل السحر وبدس الأجسام الثقيلة المباعة فيها وكان تحركها يشبه تحرك الذي له إرادة كالحيوان، وهو السعي فإنه لا يوصف بالسعي إلا من يمشي من الحيوان، وذهب قوم إلى أنها لم تكن تتحرك لكنهم سحروا أعين الناس وكان الناظر يخيل إليه أنها تتحرك وتنتقل ع وهذا يحتمل والله أعلم أي ذلك كان، وقوله تعالى: ﴿فأوجس﴾ عبارة عما يعتري نفس الإنسان إذا وقع ظنه في أمر على شيء يسوءه، وظاهر الأمر كله الصلاح، فهذا الفعل من أفعال النفس ٥٢ تفسير سورة طه / الآيتان : ٧٠، ٧١ يسمى الوجيس وعبر المفسرون عن أوجس بأضمر وهذه العبارة أعم من الوجيس بكثير. و﴿خفية﴾ يصح أن يكون أصلها خوفة قبلت الواو ياء للتناسب، وخوف موسى عليه السلام إنما كان على الناس أن يضلوا لهول ما رأى والأول أصوب أنه أوجس على الجملة وبقي ينتظر الفرج، وقوله (أنت الأعلى﴾ أي: الغالب لمن ناوأك في هذا المقام، وقرأ جمهور القراء ((تلقّفْ)) بالجزم على جواب الأمر وبشد القاف، وقرأ ابن عامر وحده ((تلقف)) وهو في مرضع الحال ويصح أن يكون من الملقى على اتساع ويصح أن يكون من الملقى وهي العصا وهذه حال، وإن كانت لم تقع بعد كقوله تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ [المائدة: ٩٥] وهذا كثير. وقرأ حفص عن عاصم ((تلقف)) بسكون اللام وتخفيف القاف وأنث الفعل وهو مسند إلى ما في اليمين من حيث كانت العصا مرادة بذلك، وروى البزي عن ابن كثير أنه كان يشدد التاء من ((تلقف)) كأنه أراد تتلقف فأدغم، وأنكر أبو علي هذه القراءة ع ويشبه أن قارئها إنما يلتزمها في الوصل حيث يستغنى عن جلب ألف، وقرأ الجمهور ((كيدُ ساحر)» برفع الكيد، وقرأ حمزة والكسائي ((كيد سحر))، وقرأت فرقة ((کیدٌ)) بالنصب ((سحر)) وهذا على أن ((ما)) كافة و ((كيدَ)) منصوب بـ ﴿صنعوا﴾، ورفع («كيدُ)) على أن ((ما)) بمعنى الذي. و﴿يفلح﴾ معناه يبقى ويظفر ببغيته، وقالت فرقة معناه أن الساحر يقتل حيث ثقف ع وهذا جزاء من عدم الفلاح. وقرأت فرقة ((أين أتى)) والمعنى بهما متقارب، وروي من قصص هذه الآية أن فرعون، لعنه الله، جلس في علية له طولها ثمانون ذراعاً والناس تحته في بسيط وجاء سبعون ألف ساحر فألقوا من حبالهم وعصيهم ما فيه وقر ثلاثمائة بعير فهال الأمر. ثم إن موسى عليه السلام ألقى عصاه من يده فاستحالت ثعباناً وجعلت تنمو حتى رويّ أنها عبرت النهر بذنبها، وقيل البحر، وفرعون في هذا يضحك ويرى أن الاستواء حاصل، ثم أقبلت تأكل الحبال والعصي حتى أفنتها ففرت نحو فرعون ففزع عند ذلك وقال يا موسى فمد موشى يده إليها فرجعت عصى كما كانت فنظر السحرة وعلموا الحق ورأوا الحبال والعصي فآمنوا رضي الله عنهم. قوله عز وجل: فَأُلْقِ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوَاْءَامَتَّابِرَبِّ هَرُونَ وَمُوسَى ؟ قَالَ ءَامَنْتُمْلَمُ قَبْلَ أَنْ ءَذَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيْرُكُمْ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُ قَطِعَنَّ أَيَدِيَّكُمْ وَأَرْ جُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِى ◌ُّذُوعِ النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى ٧١ في خلال هذه الآيات تقدير وحذف يدل عليه ظاهر القول فالمقدر من ذلك هنا فألقى موسى عصاه فالتقمت كل ما جاؤوا به أو نحو هذا، وروي أن السحرة لما رأوا العصا لا أثر فيها للسحر ثم رأت انقلابها حية وأكلها للحبال والعصي ثم رجوعها إلى حالها وعدم الحبال والعصي أيقنوا بنبوءة موسى وأن الأمر من عند الله تعالى وقدم ﴿هارون﴾ قبل (موسى) لتستوي رؤوس آي السور فنقل معنى: السحرة وهذا كقوله عز وجل: ﴿أزواجاً من نبات شتى﴾ [طه: ٥٣] تأخر شتى إنما هو لتستوي رؤوس الآي، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم وورش عن نافع ((آمنتم)) على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ((«امنتم) بهمزة ٥٣ تفسير سورة طه / الآيات : ٧٢ - ٧٦ بعدها مدة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ((أأمنتم)) بهمزتين، وقوله ﴿قبل أن آذن لكم﴾ مقاربة منه وبعض إذعان. وقوله ﴿من خلاف﴾ يريد قطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، قوله ﴿في جذوع النخل﴾ اتساع من حيث هو مربوط في الجذع وليست على حد قولك ركبت على الفرس، وقوله ﴿أينا﴾ يريد نفسه ورب موسى عليه السلام، وقال الطبري يريد نفسه وموسى عليه السلام والأول أذهب مع مخرفة فرعون . قوله عز وجل : قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَاجَآءَنَامِنَ الْبَّيِّنَتِ وَالَّذِى فَطَرَنَّ فَفْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاآ ◌َ إِنَّءَ امَتَّابِرَبِنَا لِيَغْفِرَلَنَا خَطَنَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىّ قال السحرة لفرعون لما تدعوهم ﴿لن نؤثرك﴾ أي نفضلك ونفضل السلامة منك على ما رأينا من حجة الله تعالى وآياته ﴿البينات﴾ وعلى ﴿الذي فطرنا﴾ هذا على قول جماعة أن الواو في قوله ﴿والذي فطرنا﴾ عاطفة، وقالت فرقة هي واو القسم، و﴿فطرنا﴾ معناه خلقنا واخترعنا فافعل يا فرعون ما شئت وإنما قضاؤك في هذه الحياة الدنيا والآخرة من وراء ذلك لنا بالنعيم ولك بالعذاب وهؤلاء السحرة اختلف الناس هل نفذ فيهم وعيد فرعون فقالت طائفة صلبهم على الجذوع كما قال فأصبح القوم سحرة وأمسوا شهداء بلطف الله لهم وبرحمته، وقالت فرقة إن فرعون لم يفعل ذلك وقد كان الله تعالى وعد موسى أنه ومن معه الغالبون . قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل وصلب السحرة وقطعهم لا يدفع في أن موسى ومن معه غلب إلا بظاهر العموم والأنفصال عن ذلك بين وقوله: ﴿وما أكرهتنا عليه من السحر﴾ قالت فرقة أرادوا ما ضمهم إليه من معارضة موسى وحملهم عليه من ذلك ، وقالت فرقة بل كان فرعون قديماً يأخذ ولدان الناس بتعليم السحر ويجبرهم على ذلك فأشار السحرة إلى ذلك. وقولهم ﴿خير وأبقى﴾ رد على قوله ﴿أينا أشد عذاباً وأبقى﴾ [طه: ٧١]. قوله عز وجل : إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُحْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَتَمَلَا يَمُوتُ فِيَهَا وَلَا يَحْنَى (٨) وَمَن يَأْتِهِ، مُؤْ مِنَّا قَدْ عَمِلَ الصَّلِحَتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الَّرَحَتُّ الْعُلَى٥َِّجَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَأَ وَذَلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّ ◌َـ قالت فرقة هذه الآية بجملتها من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة بل هي من كلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على قبح ما فعل فرعون وحسن ما فعل السحرة وتحذيراً قد ضمنت القصة المذكورة مثاله. و((المجرم)) الذي اكتسب الخطايا والجرائم، وقوله ﴿لا يموت فيها ولا يحيى﴾ مختص بالكافر فإنه معذب عذاباً ينتهي به إلى الموت ثم لا يجهز عليه فيستريح، بل يعاد جلده ويجدد عذابه، فهو لا يحيى حياة هنية، وأما من يدخل النار من المؤمنين بالمعاصي ٥٤ ا تفسير سورة طه / الآيات: ٧٧ - ٧٩ فهم قبل أن تخرجهم الشفاعة في غمرة قد قاربوا الموت، إلا أنهم لا يجهز عليهم ولا يجدد عذابهم فهذا فرق ما بينهم وبين الكفار. وفي الحديث الصحيح ((أنهم يماتون إماتة)) وهذا هو معناه لأنه لا يموت في الآخرة. و﴿الدرجات العلى﴾ هي القرب من الله تعالى و﴿تزكى﴾ معناه أطاع الله تعالى وأخذ بأزكى الأمور وتأتل التكسب في لفظة ﴿تزکی﴾ فإنه بین. قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىّ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِى الْبَحْرِبَلَسَا لَا تَخَفُ دَرَّكَاوَلَا تَخْشَى ٧ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ◌ِ ٧٨ فَأنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، فَغَشِيَهُمْ مِّنَ الْيَمِ مَا غَيْشِيَهُمْ YV هذا استئناف إخبار عن موسى من أمر موسى وبينه وبين مقال السحرة المتقدم مدة من الزمان حدثت فيها لموسى وفرعون حوادث، وذلك أن فرعون لما انقضى أمر السحرة وغلب موسى وقوي أمره وعده فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل فأقام موسى على وعده حتى غدره فرعون ونكث وأعلمه أنه لا يرسلهم معه، فبعث الله حينئذ الآيات المذكورة في غير هذه الآيات الجراد والقمل إلى آخرها كلما جاءت آية وعد فرعون أن يرسل بني إسرائيل عند انكشاف القول فإذا انكشف نكث حتى تأتي أخرى، فلما كانت الآيات أوحى الله تعالى إلى موسى أن يخرج بني إسرائيل من مصر في الليل هارباً. و «السرى)) سير الليل، و﴿أن﴾ في قوله ﴿أن أسر﴾ يجوز أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب كقوله عز وجل: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا﴾ [ص: ١٠] ويجوز أن تكون الناصبة للأفعال وتكون في موضع نصب بـ﴿أوحينا﴾ وقوله تعالى ﴿بعبادي﴾ إضافة تشريف لبني إسرائيل، وكل الخلق عباد الله، ولكن هذا كقوله تعالى: ﴿ونفخت فيه من روحي﴾ [الحجر: ٢٩]، وروي من قصص هذه الآية أن بني إسرائيل لما أشعرهم موسى عليه السلام بليلة الخروج استعاروا من معارفهم من القبط حلياً وثياباً وكل أحد ما اتفقٍ له . ویروی أن موسی أذن لهم في ذلك وقال لهم: «إن الله سینفلکموها)»، ویروی أنهم فعلوا ذلك دون إذنه عليه السلام وهو الأشبه به وسيأتي في جمع الحلي ما يؤيد ذلك، ويروى أن بني إسرائيل عجنوا زادهم ليلة سراهم ووضعوه ليختمر فأعجلهم موسى عليه السلام في الخروج فطبخوه فطيراً فهي سنتهم في ذلك العام إلى هلم، ويروى أن موسى عليه السلام نهض ببني إسرائيل وهم ستمائة ألف إنسان فسار بهم من مصر يريد بحر القلزم واتصل الخبر بفرعون فجمع جنوده وحشرهم ونهض وراءه فأوحي إلى موسى أن يقصد ﴿البحر﴾ فخرج بنو إسرائيل فرأوا أن العذاب من ورائهم والبحر من أمامهم وموسى يثق بصنع الله تعالى فلما رآهم فرعون قد هبطوا نحو البحر طمع فيهم، وكان مقصدهم إلى موضع منقطع فيه الفحوص والطرق الواسعة، واختلف الناس في عدد جند فرعون فقيل كان في خيله سبعون ألف أدهم ونسبة ذلك من سائر الألوان، وقيل أكثر من هذا مما اختصرته لقلة صحته، فلما وصل موسى البحر وقارب فرعون لحاقه وقوي فزع بني إسرائيل أوحى الله تعالى إلى موسى ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ [الشعراء: ٦٣]، ويروى أن الوحي إليه بذلك كان متقدماً وهو ظاهر الآية، ويروى أنه إنما أوحي إليه ذلك في موطن وقوعه واتصل ٥٥ تفسير سورة طه / الآيات: ٨٠ - ٨٢ الكلام في هذه الآية على جهة وصف الحال وضم بعض الأمور إلى بعض فضرب موسى عليه السلام البحر فانفلق اثنتي عشرة فرقة، طرقاً واسعة بينها حيطان ماء واقف فدخل موسى عليه السلام بعد أن بعث الله تعالى ريح الصبا، فجففت تلك الطرق حتى يبست، ودخل بنو إسرائيل ووصل فرعون إلى المدخل وبنو إسرائيل كلهم في البحر فرأى الماء على تلك الحال فجزع قومه واستعظموا الأمر، فقال لهم إنما انفلق لي من هيبتي، وهاهنا كمل إضلاله لهم وحمله الله تعالى على الدخول وجاء جبريل عليه السلام راكباً على فرس أنثى فدخل، فأتبعها فرس فرعون وتتابع الناس حتى تكاملوا في البحر فانطبق عليهم، فسمع بنو إسرائيل انطباق البحر وهم قد خرجوا بأجمعهم من البحر فعجبوا وأخبرهم موسى أن فرعون وقومه قد هلكوا فيه، فطلبوا مصداق ذلك، فلفظ البحر الناس وألقى الله تعالى فرعون على فجوة من الأرض بدرعه المعروفة له . قال القاضي أبو محمد: فهذا اختصار قصص هذه الآية بحسب ألفاظها وقد مضى أمر غرق فرعون بأوعب من هذا في موضع اقتضاه. وقوله تعالى: ﴿ببساً﴾ مصدر وصف به، وقرأ بعض الناس ((يابساً)) وأشار إلى ذكره الزجاج، وقرأ حمزة وحده ((لا تخف دركاً)) وذلك إما على جواب الأمر وإما على نهي مستأنف، وقرأ الجمهور ((لا تخاف)) وذلك على أن يكون ((لا تخاف)) حالاً من ﴿موسى﴾ عليه السلام، ويحتمل أن يكون صفة الطريق بتقدير لا يخاف فيه أي يكون بهذه الصفة ومعنى هذا القول ((لا تخاف دركاً)) من فرعون وجنوده ﴿ولا تخشى﴾ غرقاً من البحر، وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ((فاتّبعهم)) بتشديد التاء وتبع، واتبع إنما يتعدى إلى مفعول واحد كقوله شويت واشتويت وحفرت واحتفرت وفديت وافتديت فقوله ﴿بجنوده﴾ إما أن تكون الباء مع ما جرته في موضع الحال كما تقول خرج زيد بسلاحه وإما أن تكون لتعدي الفعل إلى مفعول ثان إذ لا يتعدى دون حرف جر إلا إلى واحد. وقرأ الجمهور ((فأتبعهم)) بسكون التاء وهذا يتعدى إلى مفعولين، فالباء على هذا إما زائدة والتقدير ((فأتبعهم فرعون جنده))، وإما أن تكون بالحال ويكون المفعول الثاني مقدراً كأنك قلت رؤساءه أو عزمه ويجوز هذا، والأول أظهر. وقرأت فرقة (فغشيهم))، وقرأت فرقة ((فغشاهم الله))، وقوله ﴿ما غشيهم﴾ إبهام أهول من النص على قدر ((ما))، وهذا كقوله ﴿إذا يغشى السدرة ما يغشى﴾ [النجم: ١٦] ﴿وأضل فرعون قومه﴾ يعني من أول أمره إلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله ﴿وما هدى﴾ [طه: ٧٩] مقابلة لقول فرعون ﴿وما أهديكم إلا سبيل الرشاد﴾. قوله عز وجل : يَبَنِىّ إِسْرَِّيَلَ قَدْ أَنْجَتْنَكُمْمِنْ عَدُوَّكُمْ وَ عَدْنَكُمْ جَانِبَ الْقُورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى أكُلُواْ مِنْ طِيَّتِ مَارَزَقْنَكُمْ وَلَا تَطْغَوْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَِىٌّ وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ ٨٠ هَوَىْ ﴿ وَإِنِى لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَدِحًا ثُمَّأَهْتَدَى ٨٢ ظاهر هذه الآية أن هذا القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدد الله تعالى عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث ولكن يخص الله تعالى بالذكر ما يشاء من ٥٦ تفسير سورة طه / الآيات: ٨٠ - ٨٢ ذلك. ويحتمل أن تكون هذه المقالة خوطب بها معاصرو رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنى هذا فعلنا بأسلافكم ويكون قوله تعالى: ﴿كلوا﴾ بتقدير قيل لهم كلوا، وتكون الآية على هذا اعتراضاً في أثناء قصة موسى المقصد به توبيخ هؤلاء الحضور إذ لم يصبر سلفهم على أداء شكر نعم الله تعالى، والمعنى الأول أظهر وابین. وقرأ ابن کثیر ونافع وأبو عمرو وابن عامر («نجينا وواعدنا ونزلنا ورزقناكم)) إلا أن أبا عمرو قرأ ((وعدناكم)) بغير ألف في كل القرآن، وقرأ حمزة والكسائي ((أنجيت وواعدت ونزلنا ورزقتكم)). وقوله ﴿وواعدناكم) قيل هي لغة في وعد لا تقتضي فعل اثنين ع وإن حملت على المعهود فلأن التلقي والعزم على ذلك كالمواعدة، وقصص هذه الآية أن الله تعالى لما أنجى بني إسرائيل وغرق فرعون وعد بني إسرائيل وموسى أن يصيروا إلى جانب طور سيناء ليكلم فيه موسى ويناجيه بما فيه صلاحهم بأوامرهم ونواهيهم، فلما أخذوا في السير تعجل موسى عليه السلام للقاء ربه حسبما يأتي ذكره، وقالت فرقة هذا ﴿الطور﴾ هو الذي كلم فيه موسى أولاً حيث رأى النار وكان في طريقه من الشام إلى مصر، وقالت فرقة ليس به و﴿الطور﴾ الجبل الذي لا شعرا فيه وقوله ﴿الأيمن﴾ إما أن يريد اليمن وإما أن يريد اليمين بالإضافة إلى ذي يمين إنسان أو غيره. و﴿المن والسلوى﴾ طعامهم، وقد مضى في البقرة استيعاب تفسيرهما، وقوله تعالى: ﴿من طيبات﴾ يريد الحلال الملذ لأن المعنى في هذا الموضع قد جمعهما واختلف الناس ما القصد الأول بلفظة الطيب في القرآن، فقال مالك رحمه الله الحلال، وقال الشافعي ما يطيب للنفوس، وساق إلى هذا الخلاف تفقههم في الخشاش والمستقذر من الحيوان. و﴿تطغوا﴾ معناه تتعدون الحد وتتعسفون كالذي فعلوا ع. وقرأ جمهور الناس ((فيحل)) بكسر الحاء ((ومن يحلل)) بكسر اللام، وقرأ الكسائي وحده ((فيحُل)) بضم الحاء (ومن يحلُّل)) بضم اللام فمعنى الأول فيجب ومعنى الثاني فیقع وينزل، و﴿هوى﴾ معناه سقط من علو إلى أسفل ومنه قول خنافر: فهوى هوي العقاب قال القاضي أبو محمد: وإن لم يكن سقوطاً فهو شبيه بالساقط والسقوط حقيقة قول الآخر: [الوافر] هويّ الدڵو أسلمه الرشاء ويشبه الذي وقع في طامة أو ورطة بعد أن كان بنجوة منها بالساقط فالآية من هذا أي ((هوي)) في جهنم وفي سخط الله، وقيل أخذ الفعل من لفظ الهاوية وهو قعر جهنم، ولما حذر الله تعالى غضبه والطغيان في نعمه فتح باب الرجاء للتائبين، والتوبة فرض على جميع الناس بقوله تعالى في سورة النور: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون﴾ [النور: ٣١]. والناس فيه على مراتب إما مواقع الذنب وقدرته على ذلك باقية فتوبته الندم على ما مضى والإقلاع التام عن مثله في المستقبل، وإما الذي واقع الذنب ثم زالت قدرته عن مواقعته لشيخ أو آفة فتوبته الندم واعتقاد الترك أن لو كانت قدرة، وأما من لم يواقع ذنباً فتوبته العزم على ترك كل ذنب والتوبة من ذنب تصح مع الإقامة على غيره وهي توبة مقيدة، وإذا تاب المرء ثم عاود الذنب بعد مدة فيحتمل عند حذاق أهل السنة أن لا يعيد الله تعالى عليه الذنب الأول لأن التوبة قد كانت مجبة، ويحتمل أن يعيده لأنها توبة لم يواف بها، واضطرب الناس في قوله ﴿ثم اهتدى﴾ من حيث -- ٥٧ تفسير سورة طه / الآیات: ٨٣ - ٨٥ وجدوا الهدى ضمن الإيمان والعمل، فقالت فرقة معناه لم يشك في إيمانه، وقالت فرقة معناه ثم استقام، وقالت فرقة معناه ثم لزم الإسلام حتى يموت عليه، وقالت فرقة ثم أخذ بسنة نبيه، وقالت فرقة معناه أمر بسنته، وقالت فرقة معناه والى أهل البيت ع وهذه كلها تخصيص واحد منها دون ما هو من نوعه بعيد ليس بالقوي، والذي يقوى في معنى ﴿ثم اهتدى﴾ أن يكون ثم حفط معتقداته من أن يخالف الحق في شيء من الأشياء فإن الاهتداء على هذا الوجه غير الإيمان وغير العمل، ورب مؤمن عمل صالحاً قد أوبقه عدم الاهتداء كالقدرية والمرجئة وسائر أهل البدع والخوارج فمعنى ﴿ثم اهتدى﴾ ثم مشى في عقائد الشرع على طريق قويم جعلنا الله منهم بمنه ع وفي حفظ المعتقدات ينحصر عظم أمر الشرع. قوله عز وجل : وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَمُوسَى ﴿ قَالَ هُمْ أُوْلَاءٍ عَلَى أَثَرِى وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبٍ لِتَضَى ٨٤ قَالَ فَإِنَاقَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِ لَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِىُّ شَفَرَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضْبَنَ أَسِفًا قصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما شرع في النهوض ببني إسرائيل إلى جانب الطور الأيمن حيث كان الموعد أن يكلم الله موسى بما فيه شرف العاجل والآجل رأى علي جهة الاجتهاد أن يتقدم وحده مبادراً إلى أمر الله تعالى، وحرصاً على القرب منه وشوقاً إلى مناجاته، واستخلف هارون على بني إسرائيل وقال لهم موسى تسيرون إلى جانب الطور، فلما انتهى موسى عليه السلام وناجى ربه زاده في الأجل عشراً، وحينئذ وقفه على معنى استعجاله دون القوم ليخبره موسى أنهم على الأثر فيقع الإعلام له بما صنعوا وقرأت فرقة ((أولايَ)) بياء مفتوحة. وقوله ﴿على أثري﴾ يحتمل أن يكون في موضع رفع خبراً بعد خبر، ويحتمل أن يكون في موضع نصب في موضع الحال، وقرأت فرقة ((على أَثَري)) بفتح الهمزة والثاء، وقرأت فرقة (إثْري)) بكسر الهمزة وسكون الثاء، وأعلمه موسى عليه السلام أنه إنما استعجل طلب الرضى فأعلمه الله تعالى أنه قد فتن بني إسرائيل، أي اختبرهم بما صنعه السامري. ويحتمل أن يريد ألقيناهم في فتنة، أي في ميل مع الشهوات ووقوع في اختلاف كلمة، و﴿من بعدك﴾ أي من بعد فراقك لهم، وقرأت فرقة ((وأضلّهم السامري)) على إسناد الفعل إلى ﴿السامري﴾ وقرأت فرقة ((وأضلُّهم السامري)) بضم اللام على الابتداء والإخبار عن ﴿السامري﴾ بأنه ((أضلُّ)) القوم، والقراءة الأولى أكثر وأشد في تذنيب السامري و﴿السامري﴾ رجل من بني إسرائيل يقال إنه كان ابن خال موسى، وقالت فرقة لم یکن من بني إسرائيل بل کان أصله من العجم من أهل کرمان والأول أصح، وکان قصص السامري أنه کان منافقاً عنده حيل وسحر وقبض القبضة من أثر جبريل عليه السلام وعلم ما أقدره الله عليه لفتنة القوم أنه يتهيأ له بتلك القبضة ما يريد مما يجوز على الله تعالى لأنه لو ادعى النبوءة مع ذلك العجل لما صح ولا جاز أن يخور ولا أن تتم الحيلة فيه لكنه لما ادعى له الربوبية وعلامات كذبه قائمة لائحة صحت الفتنة به وجاز ذلك على الله تعالى كقصة الدجال الذي تخرق له العادات لأنه مدعي الربوبية ولو كان مدعي نبوءة لما صح شيء من ذلك. فلما رأى السامري موسى مدعا ورأى سفه بني إسرائيل في طلبهم من موسى آلهة حين مروا ٥٨ : تفسير سورة طم / الآيتان: ٨٦، ٨٧ على قوم يعبدون أصناماً على صفة البقر، وقيل كانت بقرأ حقيقة علم أنه سيفتنهم من هذه الطريق، فيروى أنه قال لهم إن الحلي الذي عندکم من مال القبط قبيح بکم حبسه ولکن اجمعوه عندي حتی یحکم الله لكم فيه، وقيل إن هارون عليه السلام أمرهم بجمعه ووضعه في حفرة حتى يجيء موسی ويستأذن فيه ربه، وقيل بل كان المال الذي جمعوه للسامري مما لفظ البحر من أموال القبط الغارقين مع فرعون، فروي مع هذا الاختلاف أن الحلي اجتمع عند العجل وأنه صاغ العجل وألقى القبضة فيه فبخار، وروي وهو الأصح الأكثر أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا تقول انخرقت للسامري عادة وأما على أن يصوغه فلم تتخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذ بخواره فقط وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة فلما أخبره الله تعالى رجع موسى ﴿إلى قومه غضبان أسفاً﴾ عليهم من حيث له قدرة على تغيير منكرهم ﴿أسفاً﴾ أي حزيناً من حيث علم أنه موضع عقوبة مأموله فدفعها ولا بد منها، والأسف في كلام العرب متى كان من ذي قدرة على من دونه فهو غضب، ومتى كان من الأقل على الأقوى فهو حزن، وتأمل ذلك فهو مطرد إن شاء الله عز وجل. قوله عز وجل : قَالَ يَقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًّا حَسَنَا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدَّثُمْ أَن يَحِلّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُ مَوْعِدِى ﴿ قَالُواْمَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَلَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارَامِن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَ فْنَهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِّ [﴾ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًالَّهُ خُوَارٌ : . P. وبخ موسى عليه السلام قومه بهذه المقالة و((الوعد الحسن)) هو ما وعدهم من الوصول إلى جانب الطور الأيمن وما بعد ذلك من الفتوح في الأرض والمغفرة لمن تاب وآمن وغير ذلك مما وعد الله تعالى به أهل طاعته، وقوله ﴿وعداً﴾ إما أن يكون نصباً على المصدر والمفعول الثاني مقدراً، وإما أن يكون بمعنى الموعود ويكون هو المفعول الثاني بعينه، ثم وقفهم على أعذار لم تكن ولا تصح لهم وهي طول ﴿العهد﴾ حتى يتبين لهم خلف في الموعد أو إرادة غضب الله تعالى. وذلك كله لم يكن ولكنهم عملوا عمل من لم يتدين وسمي العذاب ((غضباً) من حيث هو عن الغضب، والغضب إن جعل بمعنى الإرادة فهو صفة ذات وإن جعل ظهور النقمة والعقاب فهو صفة فعل فهو من المتردد بين الحالين، وقرأ نافع وعاصم ((بملكنا)) بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي ((بمُلكنا)) بضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((بملكنا)) بكسرة، قال أبو علي هذه لغات ع ظاهر هذا الكلام أنها بمعنى واحد ولكن إن أبا علي وغيره قد فرق بين معانيها فأما ضم الميم فمعناه على قول أبي علي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك بقوته وسلطانه وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري وليس المعنى أن لهم ملكاً وإنما هذا كقول ذي الرمة : [البسيط] بها المفاوز حتى ظهرها حدب لا يشتكي سقط منها وقد رقصت إذ لا تكون منها سقطة فتشتكي، قال وهذا كقوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] أي ليس منهم سؤال فيكون منهم إلحاف ع وهذا كله في هذه الأمثلة غير متيقن من قول أبي علي وإنما ٥٩ - - تفسير سورة طه / الآيات: ٨٨ - ٩١ مشى في ذلك على أثر الزجاج دون تعقب وقد شرحت هذا المعنى في سورة البقرة في تفسير ﴿لا يسألون الناس إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣] وبين أن هذه الآية ليست كهذه الأمثلة لأنهم لم يرفعوا الإخلاف فيها والأمثلة فيها رفع الوجهين، وأما فتح الميم فهو مصدر من ملك والمعنى ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب ولا وفقنا له بل غلبتنا أنفسنا، وأما كسر الميم فقد كثر استعماله فيما تحوزه اليد ولكنه يستعمل في الأمور التي يبرمها الإنسان ومعناها كمعنى التي قبلها والمصدر مضاف في الوجهين إلى الفاعل والمفعول مقدر أي ((بملكنا الصواب))، وهذا كما قد يضاف أحياناً إلى المفعول والفاعل مقدر كقوله تعالى: ﴿بسؤال نعجتك﴾ [ص: ٢٤] ومن دعاء الخير، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم ((حُمّلنا)) بضم الحاء وشد الميم، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي ((حَمَلنا)) بفتح الحاء والميم. و((الأوزار)) الأثقال، وتحتمل هذه التسمية أن تكون من حيث هي ثقيلة الأجرام، ويحتمل أن يكون من حيث آمنوا في قذفها وظهر لهم أن ذلك هو الحق فكانت آثاماً لمن حملها. وقوله ﴿فكذلك ألقى﴾ أي فكما قذفنا نحن ﴿فكذلك﴾ أيضاً ﴿ألقى السامري﴾ ما كان بيده ع وهذه الألفاظ تقتضي أن العجل لم يصغه السامري، ثم أخبر الله تعالى عن فعل السامري بقوله تعالى: ﴿فأخرج هم عجلاً جسداً﴾، ومعنى قوله ﴿جسداً﴾ أي شخصاً لا روح فيه، وقيل معنى ﴿جسداً﴾ لا يتغذى. و((الخوار)) صوت البقر، وقالت فرقة كان هذا العجل يخور ويمشي ع وهكذا تكون الفتنة من قبل الله تعالى قاله ابن عباس، وقالت فرقة إنما خار مرة واحدة. ثم لم يعد وقالت فرقة إنما كان خواره بالريح كانت تدخل من دبره وتخرج من فيه فيصوت لذلك. قوله عز وجل : ◌َ أَفَلَ يَرَوْنَ أَلَّا يَجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلَا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا ٨٨ فَقَالُواْ هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِىَ وَلَاَ نَفْعًا ﴿هُ وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَرُونُ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمِ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَأَنَبِعُونِيِ وَأَطِيعُوْ ٩١ أَمْرِى ®َاقَالُواْلَنْ تَّْرَعَ عَلَيْهِ عَكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى الضمير في قوله ﴿فقالوا﴾ لبني إسرائيل، أي قالوا حين قال كبارهم لصغارهم وهذا إشارة إلى العجل. قوله تعالى ﴿فنسي﴾ يحتمل أن يكون من كلام بني إسرائيل أي فنسي موسى ربه وإلهه فذهب يطلبه في غير موضعه، ويحتمل أن يكون قوله ﴿فنسي﴾ إخباراً من الله تعالى عن السامري، أي نسي دينه وطريق الحق ع فالنسيان في التأويل الأول بمعنى الذهول، وفي الثاني بمعنى الترك، ثم قرن تعالى مواضع خطاهم بقوله تعالى: ﴿أفلا يرون﴾ المعنى أفلم يتبين هؤلاء الذين ضلوا أن هذا العجل إنما هو جماد لا يتكلم ولا يرجع قولاً ولا يضر ولا ينفع، وهذه خلال لا يخفى معها الحدوث والعجز لا أن هذه الخلال لو حصلت له أوجبت كونه إلهاً وقرأت فرقة ((أن لا يرجعُ)) برفع العين، ((وأن)) على هذه القراءة مخففة من الثقيلة والتقدير أنه لا يرجع، وقرأت فرقة ((أن لا يرجعَ)) ((وأن)) على هذه القراءة هي الناصبة، وأخبر عز وجل أن ﴿هارون﴾ قد كان قال لهم في أول حال العجل ﴿يا قوم﴾ إنما هي فتنة وبلاء وتمويه من السامري وإنما ﴿ربكم الرحمن﴾ الذي له القدرة والعلم والخلق والاختراع ﴿فاتبعوني) إلى الطور الذي واعدكم الله تعالى إليه : ! ٦٠ تفسير سورة طه / الآيات: ٩٢ - ٩٤ ﴿وأطيعوا أمري﴾ في ما ذكرته لكم وقرأت فرقة ((إنما وإن ربكم الرحمن)) بكسر الهمزتين، وقرأت فرقة ((إنما)) بالكسر (وأن)) بالفتح، والقراءة الوسطى ضعيفة فقال بنوا إسرائيل حين وعظهم هارون وندبهم إلى الحق ﴿لن نبرح﴾ عابدين لهذا الإله، ﴿عاكفين) عليه أي لازمين له والعكوف الانحناء على الشيء من شدة ملازمته ومنه قول الراجز: [ الرجز] عكف النبيط يلعبون الفنزجا قوله عز وجل : أَلَّاتَتَبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى أَ قَالَ يَبْنَؤُمَّلَا تَأْخُذْ لا قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُّواْ ٩٢ ◌ِلِحْيَتِ وَ بِرَأْسِىّ إِنِّيِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّإِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِ! ٩٤ في سرد القصص اقتضاب يدل عليه ما ذكره تقدیره فرجع موسی فوجد الأمر کما ذكره الله تعالی له فجعل يؤنب هارون بهذه المقالة، وقرأ الجمهور ((تتبعن)) بحذف الياء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بإثباتها في الوصل ويقف ابن كثير بالياء وأبو عمرو بغير ياء، ويحتمل قوله ﴿ألا تتبعن﴾ أي بني إسرائيل نحو جبل الطور فيجيء اعتذار هارون أي لو فعلت ذلك مشت معي طائفة وأقامت طائفة على عبادة العجل فيتفرق الجمع فخفت لومك على التفرق، ويحتمل قوله ﴿ألا تتبعن﴾ أي لا تسير بسيري وعلى طريقتي في الإصلاح والتسديد ويجيء اعتذار هارون بمعنى أن الأمر كان متفاقماً فلو تقويت عليه وقع القتال واختلاف الكلمة فكان تفريقاً بين بني إسرائيل وإنما لاينت جهدي. وقوله تعالى: ﴿ألا تتبعن﴾ بمعنى ما منعك أن تتبعني، واختلف الناس في وجه دخول ((لا)) فقالت فرقة هي زائدة، وذهب حذاق النجاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلًا مقدراً كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على ((أن لا تتبعن))، وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه . وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص عن عاصم ((يبنؤم)) يحتمل أن يريد يا بن أما فحذف الألف تخفيفاً ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً وبناه كخمسة عشر، وقرأ ابن كثير عن عاصم وحمزة والكسائي ((يا بن أم )) بالكسر على حذف الياء تخفيفاً وهو شاذ لأنها ليست كالياء في قولك يا غلامي وإنما هي كالياء في قولك يا غلام غلامي وهذه ياء لا تحذف، ويحتمل أن يجعل الاسمين اسماً واحداً ثم أضاف إلى نفسه فحذف الياء كما تحذف من الأسماء المفردة إذا أضيفت نحو يا غلام، وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه ع وهذا ضعيف، وقالت فرقة كان شقيقه وإنما دعاه بالأم لأن التداعي بالأم أشفق وأشد استرحاماً، وأخذ موسى عليه السلام بلحية هارون غضباً وكان حديد الخلق عليه السلام. قوله عز وجل : قَالَ فَمَا خَطِبُكَ يَسَمِرِىُّ ® قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَصُرُواْبِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرٍ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى ﴾ قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَوةِ