النص المفهرس
صفحات 1-20
الُجَزَّدُ الْوَخَيْرِ في تَفْسِيرِ الكِتابُ العَزيز لِلِقَاضِى أبي محمَّد عَبدِالحَقّ بِنْ غَالِبْ بِنْ عَطيّة الأند لسيى المتوفى سنة ٥٤٦ هـ تجقيق عَبد السَّلامِ عَبد الشافى محمّد طَبَعَة مَحَقّقَةٌ عَن نَسْخَة آَيَاصُوفِيَا - اسْتَابُول، رَقِمْ (١١٩) المحتَفُوظَة صُورَتِهَا فِي مَكتبَة مَعَشِ تَجَفيْ - قمّ الجزء الرابع منشورات محمد عَلى بيضون لِنُشرَكُتبِ السُّنّةِ وَالْجَمَاعَةِ دار الكتب العلمية بيروت - لبنان جميع الحقوق محفوظة Copyright @ All rights reserved Tous droits réservés جميع حقوق الملكية الأدبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزاً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً. Exclusive Rights by Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon No part of this publication may be translated, reproduced, distributed in any form or by any means, or stored in a data base or retrieval system, without the prior written permission of the publisher. Droits Exclusifs à Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Il est interdit à toute personne individuelle ou morale d'éditer, de traduire, de photocopier, d'enregistrer sur cassette, disquette, C.D, ordinateur toute production écrite, entière ou partielle, sans l'autorisation signée de l'éditeur. الطّبعَة الأوْلى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت هاتف وفاكس : ٣٦٤٣٩٨ - ٣٦٦١٣٥ - ٣٧٨٥٤٢ (١ ٩٦١) صندوق بريد : ٩٤٢٤ - ١١ بيروت - لبنان Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beirut - Lebanon Ramel Al-Zarif, Bohtory St., Melkart Bldg., Ist Floor Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 P.O.Box : 11 - 9424 Beirut - Lebanon Dar Al-Kotob Al-ilmiyah Beyrouth - Liban Ramel Al-Zarif, Rue Bohtory, Imm. Melkart, Iére Etage Tel. & Fax : 00 (961 1) 37.85.42 - 36.61.35 - 36.43.98 B.P. : 11 - 9424 Beyrouth - Liban ISBN 2-7451-3211-3 90000> 9782745 132116 http://www.al-ilmiyah.com/ e-mail: sales@al-ilmiyah.com info@al-ilmiyah.com baydoun@al-ilmiyah.com ٣ تفسير سورة مريم / الآيات: ١ - ٦ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نورة فرآيس هذه السورة مكية بإجماع إلا السجدة منها فقالت فرقة هي مكية وقالت فرقة هي مدنية . قوله عز وجل : قَالَ كَهِيعَصَ جَ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ ﴿ إِذْنَادَى رَبَُّ نِدَاءَ خَفِيًا رَبِّ إِنِّى وَهَنَ الْعَظْمُ مِنَّى وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ سَيْبًا وَلَمْ أَكُنُ بِدُ عَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ﴿ وَإِنِىِ خِفْتُ الْمَوَلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ امْرَأَتِى عَاقِرًا فَهَبْ ◌ِى مِن لَّدُنِكَ وَلِيًّا (٥ْ يَرِثُنِىِ وَبَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبٌ وَاجْعَلْهُرَبٍ رَضِيًّا اختلف الناس في الحروف التي في أوائل السور على قولين فقالت فرقة: هو سر الله في القرآن لا ينبغي أن يعرض له، يؤمن بظاهره ويترك باطنه. وقال الجمهور بل ينبغي أن يتكلم فيها وتطلب معانيها فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالاً على كلمة وليس في كتاب الله ما لا يفهم، ثم اختلف هذا الجمهور على أقوال قد استوفينا ذكرها في سورة البقرة، ونذكر الآن ما يختص بهذه السورة. قال ابن عباس وابن جبير والضحاك هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى الكاف من ((كبير))، وقال ابن جبير أيضاً الكاف من ((كاف))، وقال أيضاً هي من ((كريم)) فمقتضى أقواله أنها دالة على كل اسم فيه كاف من أسمائه تعالى. قالوا والهاء من ((هاد))، والياء من ((علي)) وقيل من ((حكيم))، وقال الربيع بن أنس هي من ((يأمن)) لا يجير ولا يجار عليه. قال ابن عباس والعين من ((عزيز)) وقيل من ((عليم)) وقيل من ((عدل))، والصاد من ((صادق)) وقال قتادة بل ﴿كهيعص﴾ بجملته اسم للسورة، وقالت فرقة بل هي اسم من أسماء الله تعالى. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه كان يقول يا ﴿كهيعص﴾ اغفر لي، فهذا يحتمل أن تكون الجملة من أسماء الله تعالى ويحتمل أن يريد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن ينادي الله تعالى بجميع الأسماء التي تضمنها ﴿كهيعص﴾، كأنه أراد أن يقول ((يا كريم يا هادي يا علي يا عزيز يا صادق)» اغفر، فجمع هذا كله باختصار في قوله يا ﴿كهيعص﴾. وقال ابن المستنير وغيره ﴿كهعيص) عبارة عن حروف المعجم، ونسبه الزجاج إلى أكثر أهل اللغة، أي هذه الحروف منها ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ وعلى هذا يتركب قول من يقول ارتفع ﴿ذكرُ﴾ بأنه خبر عن ﴿كهيعص﴾، وهي حروف تهج يوقف عليها بالسكون. وقرأ الجميع كاف بإثبات الألف والفاء. وقرأ نافع الهاء والياء وبين الكسر والفتح ولا يدغم الدال أ ! ٤ تفسير سورة مريم / الآيات : ١ - ٦ في الذال، وقرأ ابن كثير ونافع أيضاً بفتح الهاء والياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن بضم الهاء وفتح الياء، وروي عنه ضم الياء، وروي عنه أنه قرأ كاف بضم الفاء. قال أبو عمرو الداني: معنى الضم في الهاء والياء إشباع التفخيم وليس بالضم الخالص الذي يوجب القلب، وقرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، وقرأ عاصم بكسرها، وقرأت فرقة بإظهار النون من عين وهي قراءة حفص عن عاصم وهو القياس إذ هي حروف منفصلة، وقرأ الجميع غيره بإخفاء النون جعلوها في حكم الاتصال، وقرأ الأكثر بإظهار الدال من صاد، وقرأ أبو عمرو بإدغامه في الذال من قوله ﴿ذكر﴾، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بإظهار هذه الحروف كلها وتخليص بعضها من بعض. وارتفع قوله ﴿ذكرُ﴾ فيما قالت فرقة بقوله ﴿كهيعص﴾ وقد تقدم وجه ذلك، وقالت فرقة: ارتفع على خبر ابتداء تقديره ((هذا ذكر))، وقالت فرقة: ارتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره فيما أوحي إليك ذكر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن يعمر ((ذَكَرَ رحمة ربك)) بفتح الذال والكاف والراء على معنى هذا المتلو ذكر ((رحمة))، بالنصب، هذه حكاية أبي الفتح. وحكى أبو عمرو الداني عن ابن يعمر أنه قرأ ((ذَكَّرِ رحمةً)) بفتح الذال وكسر الكاف المشددة ونصب الرحمة و((عبدَه)) نصب بـ ((الرحمة)) التقدير ذكر أن رحم ربك عبده))، ومن قال في الكلام تقديم وتأخير فقد تعسف. وقرأ الجمهور ((زكرياء)) بالمد، وقرأ الأعمش ويحيى وطلحة ((زكريا)) بالقصر وهما لغتان وفيه لغات غيرهما. وقوله ﴿نادى﴾ معناه بالدعاء والرغبة. واختلف في معنى ((إخفائه)) هذا النداء، فقال ابن جريج ذلك لأن الأعمال الخفية أفضل وأبعد من الرياء، ومنه قول النبي عليه السلام ((خير الذكر الخفي)) وقال غيره يستحب الإخفاء بين العبد ومولاه في الأعمال التي يزكو بها البشر. وفي ((الدعاء)) الذي هو في معنى العفو والمغفرة لأنه يدل من الإنسان على أنه خير فإخفاؤه أبعد من الرياء وأما دعاء ﴿زكرياء﴾ وطلبه فكان في أمر دنياوي وهو طلب الولد فإنما إخفاؤه لئلا يلومه الناس في ذلك، وليكون على أول أمره إن أجيب نال بغيته وإن لم يجب لم يعرف أحد بذلك، ويقال وصف بالخفاء لأنه كان في جوف الليل. و﴿وهن﴾ معناه ضعف، والوهن في الشخص أو الأمر الضعف وقرأ الأعمش ((وهِن)) بكسر الهاء ﴿واشتعل﴾ مستعارة للشيب من اشتعال النار على التشبيه به. و﴿شيباً﴾ نصب على المصدر في قول من رأى ﴿اشتعل﴾ بمعنى شاب، وعلى التمييز في قول من لا يرى ذلك بل رآه فعلاً آخر، فالأمر عنده كقولهم: تفقأت شحماً وامتلأت غيظاً. وقوله ﴿ولم أكن بدعائك رب شقياً﴾ شكر الله تعالى على سالف أياديه عنده معناه أي قد أحسنت إلي فيما سلف وسعدت بدعائي إياك فالإنعام يقتضي أن يشفع آخره أوله. وقوله تعالى: ﴿وإني خفت الموالي) الآية، اختلف الناس في المعنى الذي من أجله خاف ﴿الموالي﴾، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبو صالح خاف أن يرثوا ماله وأن ترثه الكلالة فأشفق من ذلك، وروى قتادة والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((يرحم الله أخي زكرياء ما كان عليه ممن يرث ماله)). وقالت فرقة إنما كان مواليه مهملين للدين، فخاف بموته أن يضيع الدين، فطلب ﴿ولياً﴾ يقوم بالدين بعده حكى هذا القول الزجاج وفيه أنه لا يجوز أن يسأل ﴿زكرياء﴾ من يرث ماله إذ الأنبياء لا تورث. قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: وهذا يؤيد قول النبي عليه السلام ((إنا ٥ تفسير سورة مريم / الآيات : ١ - ٦ معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة))، ويوهنه ذكر ((العاقر)). والأكثر من المفسرين على أنه أراد وراثة المال، ويحتمل قول النبى صلى الله عليه وسلم ((إنا معشر الأنبياء لا نورث)) أن لا يريد به العموم بل على أنه غالب أمرهم فتأمله، والأظهر الأليق بـ ﴿زكرياء﴾ عليه السلام أن يريد وراثة العلم والدين فتكون الوراثة مستعارة، ألا ترى أنه إنما طلب ﴿ولياً﴾، ولم يخصص ولداً فبلغه الله أمله على أكمل الوجوه. وقال أبو صالح وغيره: قوله ﴿يرثني﴾ يريد المال، وقوله ﴿ويرث من آل يعقوب﴾ يريد العلم والنبوة. وقال السدي: رغب ﴿زكرياء﴾ في الولد. و﴿خفت﴾ من الخوف هي قراءة الجمهور وعليها هو هذا التفسير، وقرأ عثمان بن عفان رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن العاصي وابن يعمر وابن جبير وعلي بن الحسين وغيرهم ((خَفّتٍ)) بفتح الخاء والفاء وشدها وكسر التاء على إسناد الفعل إلى ﴿الموالي﴾ والمعنى على هذا انقطع أوليائي وماتوا، وعلى هذه القراءة فإنما طلب ﴿ولياً﴾ يقول بالدين، و﴿الموالي﴾ بنو العم والقرابة الذين يلون بالنسب. وقوله ﴿من ورائي﴾ أي من بعدي في الزمن فهم الولاء على مابيناه في سورة الكهف، وقال أبو عبيدة في هذه الآية أي من بين يدي ومن أمامي وهذا قلة تحرير. وقرأ ابن كثير ((من ورائيَ)) بالمد والهمز وفتح الياء، وقرأ أيضاً ابن كثير ((من ورايَ)) بالياء المفتوحة مثل عصاي، والباقون همزوا ومدوا وسكنوا الياء. و((العاقر)) من النساء التى لا تلد من غير كبرة وكذلك العاقر من الرجال. ومنه قول عامر بن الطفيل : لبئس الفتى إن كنت أعور عاقراً جباناً فما عذري لدى كل محضر و﴿زكرياء﴾ عليه السلام لما رأى من حاله إنما طلب ﴿ولياً﴾ ولم يصرح بولد لبعد ذلك عنده بسبب المرأة، ثم وصف الولي بالصفة التي هي قصده وهو أن يكون وارثاً . وقالت فرقة: بل طلب الولد ثم شرط أن تكون الإجابة في أن يعيش حتى يرثه تحفظاً من أن تقع الإجابة في الولد لكن يخترم فلا يتحصل منه الغرض المقصود. وقرأ الجمهور ((ويرثُني)) برفع الفعلين على معنى الصفة للولي وقرأ أبو عمرو والكسائي ((يرثْني ويرثْ)) بجزم الفعلين، وهذا على مذهب سيبويه ليس هو جواب ((هبْ)) إنما تقديره ((إن تهبه يرثْني))، والأول أصوب في المعنى لأنه طلب وارثاً موصوفاً، ويضعف الجزم أنه ليس كل موهوب يرث. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وغيرهما ((يرثني وارث من آل يعقوب))، قال أبو الفتح هذا هو التجريد، التقدير: يرثني منه أو به وارث، وقرأ مجاهد ((يرثَني ويرثَ)) بنصب الفعلين، وقرأت فرقة ((يرثني أو يرث من آل يعقوب)) على التصغير. وقوله من ﴿آل يعقوب﴾ يريد يرث منهم الحكمة والحبورة والعلم والنبوءة والميراث في هذه كلها استعارة و﴿رضياً﴾ معناه مرضي فهو فعيل بمعنى مفعول. قوله عز وجل : يَزَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ أَسْمُهُ يَحْيِى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴿َّاقَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ جَ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ لِ غُلَمٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبرِ عِنِيًّا هُوَ عَلَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْتَكُ شَيْئًا ﴿ قَالَ رَبِّ اجْعَل لّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ ٦ تفسير سورة مريم / الآيات : ٧ - ١١ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىَ إِلَّهِمْ أَنْ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا سَبِحُواْبُّكْرَةً وَعَشِيًّا المعنى قيل له بإثر دعائه ﴿يا زكرياء إنا نبشرك بغلام﴾ يولد لك ﴿اسمه يحيى﴾ وقرأ الجمهور (بَشِّرك)) بفتح الباء وكسر الشين مشددة، وقرأ أصحاب ابن مسعود ((نبشرك)) بسكون الباء وضم الشين، قال قتادة: سمي ﴿يحيى) لأن الله أحياه بالنبوءة والإيمان، وقال بعضهم سمي بذلك لأن الله أحيا له الناس بالهدى. وقوله ﴿سمياً﴾ معناه في اللغة لم نجعل له مشاركاً في هذا الاسم، أي لم يتسم قبل بـ ﴿يحيى﴾ وهذا قول قتادة وابن عباس وابن أسلم والسدي، وقال مجاهد وغيره ﴿سمياً﴾ معناه مثلاً ونظيراً وهذا كأنه من المساماة والسمو، وفي هذا بعد لأنه لا يفضل على إبراهيم وموسى اللهم إلا أن يفضل في خاص بالسؤود والحصر. وقال ابن عباس معناه لم تلد العواقر مثله. وقول زكرياء ﴿أنى يكون لي غلام﴾ اختلف الناس فيه فقالت فرقة: إنما كان طلب الولي دون تخصيص ولد فلما بشر بالولد استفهم عن طريقه مع هذه الموانع منه، وقالت فرقة: إنما كان طلب الولد وهو بحال يرجو الولد فيها بزواج غير العاقر أو تسرِّ، ولم تقع إجابته إلا بعد مدة طويلة صار فيها إلى حال من لا يولد له فحينئذ استفهم وأخبر عن نفسه بـ ﴿الكبر﴾ والعتو فيه. وقالت فرقة : بل طلب الولد فلما بشر به لحين الدعوة تفهم على جهة السؤال لا على جهة الشك كيف طريق الوصول إلى هذا وكيف نفذ القدر به؟ لا أنه بعد عنده هذا في قدرة الله. و((العتي)) و((العسي)) المبالغة في الكبر أو يبس العود أو شيب الرأس أو عقيدة ما ونحو هذا، وقرأ حمزة والكسائي ((عِتياً)) بكسر العين والباقون بضمها، وقرأ ابن مسعود ((عَتياً)) بفتح العين، وحكى أبو حاتم أن ابن مسعود قرأ ((عُسيا)) بضم العين وبالسين وحكاها الداني عن ابن عباس أيضاً، وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: ما أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر ولا أدري أكان يقرأ ﴿عتياً﴾ أو ((عسياً)) بالسين. وحكى الطبري عن السدي أنه قال: نادى جبريل زكرياء إن الله يبشرك ﴿بغلام اسمه يحيى﴾ فلقيه الشيطان فقال له إن ذلك الصوت لم يكن لملك وإنما كان لشيطان فحينئذ قال زكرياء ﴿أنى يكون لي غلام﴾، ليثبت أن ذلك من عند الله، و﴿زكرياء﴾ هو من ذرية هارون عليه السلام، وقال قتادة: جرى له هذا الأمر وهو ابن بضع وسبعين سنة وقيل ابن سبعين وقال الزجاج : ابن خمس وستين فقد كان غلب على ظنه أنه لا يولد له. وقوله ﴿قال كذلك﴾ قیل إن المعنی قال له الملك ﴿كذلك﴾ فليكن الوجود كما قيل لك ﴿قال ربك﴾ خلق الغلام ﴿عليّ هين﴾، أي غير بدع فكما ﴿خلقتك من قبل﴾ وأخرجتك من عدم إلى وجود كذلك أفعل الآن، وقال الطبري: معنى قوله ﴿كذلك﴾ أي الأمران اللذان ذكرت من المرأة العاقر والكبرة هو ﴿كذلك﴾ ولكن ﴿قال ربك﴾ قال القاضي والمعنى عندي قال الملك ﴿كذلك﴾ أي على هذه الحال ﴿قال ربك هو علي هين﴾. وقرأ الجمهور ((وقد خلقتك))، وقرأ حمزة والكسائي ((وقد خلقناك)). وقوله ﴿ولم تك شيئاً﴾ أي موجوداً، قال زكرياء ﴿رب اجعل لي آية﴾ علامة أعرف بها صحة هذا وكونه من عندك. وروي أن زكرياء عليه السلام لما عرف ثم طلب الآية بعد ذلك عاقبه الله تعالى بأن أصابه بذلك السكوت عن كلام الناس، وذلك وإن لم يكن عن مرض خرس أو نحوه ففيه على كل حال عقاب. ما روي عن ابن زيد أن ٧ تفسير سورة مريم / الآيات : ١٢ - ١٥ زكرياء لما حملت زوجة منه يحيى أصبح لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو مع ذلك يقرأ التوراة ويذكر الله، فإذا أراد مقاولة أحد لم يطقه، ويحتمل على هذا أن يكون قوله ﴿اجعل لي آية﴾ معناه علامة أعرف بها أن الحمل قد وقع، وبذلك فسر الزجاج. ومعنى قوله ﴿سوياً﴾ فيما قال الجمهور صحيحاً من غير علة ولا خرس، وقال ابن عباس أيضاً ذلك عائد على ((الليالي)) أراد كاملات مستويات، وقوله ﴿فخرج على قومه) المعنى أن الله تعالى أظهر الآية بأن خرج زكرياء من محرابه وهو موضع مصلاة، و﴿المحراب﴾ أرفع المواضع والمباني إذ هي تحارب من ناوأها ثم خص بهذا الاسم مبنى الصلاة، وكانوا يتخذونها فيما ارتفع من الأرض، واختلف الناس في اشتقاقه، فقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان والشهوات، وقالت فرقة: هو مأخوذ من الحرَب بفتح الراء كأن ملازمه يلقى منه حرباً وتعباً ونصباً، وفي اللفظ بعد هذا نظر. وقوله ﴿فأوحى﴾ قال قتادة وابن منبه: كان ذلك بإشارة، وقال مجاهد: بل بأن كتبه في التراب. قال القاضي أبو محمد: وكلا الوجهين وحي. وقوله ﴿أن سبحوا﴾، ﴿أن﴾ مفسرة بمعنى ((أي))، و﴿سبحوا﴾ قال قتادة: معناه صلوا، والسبحة الصلاة، وقالت فرقة: بل أمرهم بذكر الله وقول سبحان الله. وقرأ طلحة ((أن سبحوه)) بضمير، وباقي الآية بين ويقال ((وحى وأوحى)) بمعنى واحد. قوله عز وجل : يَيَحْيَى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَةٍ وَءَانَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴿ وَحَنَانَا مِّنْ لَّدُنَا وَزَكَوَةَ وَكَانَ تَفِيًّا ١٣ وَبَرَّابِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١)وَسَلَمُ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا ١٥ المعنى فولد له وقال الله تعالى للمولود ﴿يا يحيى﴾، وهذا اختصار ما يدل الكلام عليه. و ﴿الكتاب﴾ التوراة بلا اختلاف لأنه ولد قبل عيسى ولم يكن الإنجيل موجوداً عند الناس. وقوله ﴿بقوة﴾ أي العلم به والحفظ له والعمل به والالتزام للوازمه ثم أخبر الله تعالى فقال ﴿وآتيناه الحكم صبياً﴾، واختلف في ﴿الحكم﴾، فقالت فرقة الأحكام والمعرفة بها، و﴿صبياً﴾ يريد شاباً لم يبلغ حد الكهول. وقال الحسن ﴿الحكم) النبوءة، وفي لفظة صبي على هذا تجوز واستصحاب حال، وقالت فرقة ﴿الحكم﴾ الحكمة، وروى معمر في ذلك أن الصبيان دعوه وهو طفل إلى اللعب فقال إني لم أخلق للعب فتلك الحكمة التي آتاه الله عز وجل وهو صبي أهم لذاته اللعب. وقال ابن عباس: من قرأ القرآن من قبل أن يحتلم فهو ممن ((أوتي الحكم صبيا))، وقوله ﴿وحناناً﴾ عطف على قوله ﴿الحكم﴾ ﴿وزكاة) عطف عليه، أعمل في جميع ذلك ﴿آتيناه﴾، ويجوز أن يكون قوله ﴿وحناناً﴾ عطفاً على قوله ﴿صبياً﴾، أي وبحال حنان منا وتزكية له والحنان الرحمة والشفقة والمحبة قاله جمهور المفسرين، وهو تفسير اللغة. وهو فعل من أفعال النفس ويقال حنانك وحنانيك، فقيل هما لغتان بمعنى واحد، وقيل حنانيك تثنية الحنان. وقال عطاء بن أبي رباح ﴿حناناً من لدنا﴾ بمعنى تعظيماً من لدنا. والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله تعالى، ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل في خبر بلال بن رباح ((والله لئن قتلتم هذا ٨ تفسير سورة مريم / الآيات : ١٦ - ٢٠ العبد لأتخذن قبره حنانا)). وقد روي عن ابن عباس أنه قال ((والله ما أدري ما الحنان)). و((الزكاة)) التطهير والتنمية في وجوه الخير والبر. و((التقي)): فعيل من تقوى الله عز وجل، وروي في تفسير هذه الآية من طريق عبد الله بن عمرو عن النبي عليه السلام أنه قال ((كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكرياء)). وقال قتادة: إن يحيى عليه السلام لم يعص الله قط بصغيرة ولا بكبيرة ولا همَّ بامرأة، وقال مجاهد: كان طعام يحيى العشب وكان للدمع في خده مجار ثابتة ومن الشواهد في الحنان قول امرىء القيس : [الوافر ] وتمنحها بنو شمجى بن جرم معيزهمُ حنانك ذا الحنان وقال النابغة: [الطويل] حنانيك بعض الشر أهون من بعض أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا وقال الآخر: [منذر بن إبراهيم الكلبي] [الطويل] أذو نسب أم أنت بالحي عارف . فقالت حنان ما أتى بك هاهنا وقوله تعالى: ﴿وبراً بوالديه﴾ الآية، ((البر)) الكثير البر. و((الجبار) المتكبر كأنه يجبر الناس على أخلاقه والنخلة الجبارة العظيمة العالية. و((العصي)) أصله عصوي فعول بمعنى فاعل. وروي أن يحيى بن زكرياء عليه السلام لم يواقع معصية صغيرة ولا كبيرة كما تقدم. وقوله ﴿وسلام﴾ قال الطبري وغيره: معناه وأمان، والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنبه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان وهي أقل درجاته وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحياه في المواطن التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة وقلة الحيلة والفقر إلى الله وعظيم الهول، وذكر الطبري عن الحسن أن عيسى ويحيى التقيا وهما ابنا الخالة فقال يحيى لعيسى: ادع لي فأنت خير مني. فقال عيسى: بل أنت ادع لي فأنت خير مني سلم الله عليك وأنا سلمت على نفسي . قال القاضي أبو محمد: قال أبي، رضي الله عنه: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال إذلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة من أن يسلم عليه عليه السلام لكل وجه. قوله عز وجل : فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِحَابًا وَأَذْكُرْ فِى الْكِتَبِ مَرْيَمَ إِذِاَ نْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانَا شَرْقِيًا ١٦ فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُ وحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَاسَوِيًّا ﴿ قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا ١٨ قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ عُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْرَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا .هـ بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا ٢٠ هذه ابتداء قصة ليست من الأولى، والخطاب لمحمد عليه السلام. و﴿الكتاب﴾ القرآن، ٩ تفسير سورة مريم / الآيات: ٢١ - ٢٣ و﴿مريم﴾ هي بنت عمران أم عيسى أخت أم يحيى واختلف الناس لم ﴿انتبذت﴾ والانتباذ التنحي. فقال السدي ﴿انتبذت﴾ لتطهر من حيض، وقال غيره لتعبد الله وهذا أحسن، وذلك أن مريم كانت وقفاً على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فيه فتنحت من الناس لذلك. وقوله ﴿شرقياً﴾ يريد في جهة الشرق من مساكن أهلها، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة المشرق ومن حيث تطلق الأنوار، وكانت الجهات الشرقية من كل شيء أفضل من سواها، حكاه الطبري. وحكي عن ابن عباس أنه قال إني لأعلم الناس لم اتخذ النصارى المشرق قبلة؟ لقول الله عز وجل ﴿إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً﴾ فاتخذوا ميلاد عيسى قبلة، وقال بعض الناس ((الحجاب)) هي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادتها. فقال السدي كان من جدرات، وقيل من ثياب، وقال بعض المفسرين اتخذت المكان بشرقي المحراب، و((الروح)) جبريل، وقيل عيسى، حكى الزجاج القولين. فمن قال إنه جبريل قدر الكلام فتمثل هو لها، ومن قال إنه عيسى قدر الكلام فتمثل الملك لها، قال النقاش ومن قرأ ((روحنّا)) مشددة النون جعله اسم ملك من الملائكة ولم أر هذه القراءة لغيره. واختلف الناس في نبوة مريم فقيل كانت نبية بهذا الإرسال والمحاورة للملك، وقيل لم تكن نبية وإنما كلمها مثال بشر ورؤيتها لملك، كما رئي جبريل في صفة دحية وفي سؤاله عن الإسلام والأول أظهر. وقوله تعالى ﴿أعوذ بالرحمن﴾ الآية، المعنى قالت مريم للملك الذي تمثل لها بشراً لما رأته قد خرق الحجاب الذي اتخذته، فأساءت به الظن ﴿أعوذ بالرحمن منك إن كنت﴾ ذا تقى، قال أبو وائل علمت أن ((التقي)) ذو نهية، وقال وهب بن منبه ((تقي)) رجل فاجر كان في ذلك الزمن في قومها فلما رأته متسوراً عليها ظنته إياه فاستعاذت بالرحمن منه، حكى هذا مكي وغيره، وهو ضعيف ذاهب مع التخرص، فقال لها جبريل عليه السلام ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك﴾، جعل الهبة من قبله لما كان الإعلام بها من قبله. وقرأ الجمهور (أهب)) كما تقدم، وقرأ عمرو ونافع ((ليهب)) بالياء أي ليهب الله لك، واختلف عن نافع. وفي مصحف ابن مسعود ((ليهب الله لك))، فلما سمعت مريم ذلك واستشعرت ما طرأ عليها استفهمت عن طريقه وهي لم يمسها بشر بنكاح ولم تكن زانية. و((البغي))، المجاهرة المنبهرة في الزنا فهي طالبة له بغوى على وزن فعول كبتول وقتول ولو كانت فعيلً لقوي أن يلحقها هاء التأنيث فيقال بغية . قوله عز وجل : قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأَ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيَّ ھے فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ ٢٢ ﴿ فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ،مَكَانَاقَصِيًّا مِتُ قَبْلَ هَذَاوَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا ٢٣ المعنى قال لها الملك ﴿كذلك﴾ هو كما وصفت ولكن ﴿قال ربك﴾ ويحتمل أن يريد على هذه الحال ﴿قال ربك﴾ والمعنى متقارب والآية العبرة المعرضة للنظر، والضمير في قوله ﴿لنجعله﴾ للغلام، ﴿ورحمة منا﴾ معناه طريق هدى لعالم كثير، فينالون الرحمة بذلك، ثم أعلمها بأن الأمر قد قضي وانتجز، ١٠ تفسير سورة مريم / الآيات: ٢١ - ٢٣ و((الأمر)) هنا واحد الأمور وليس بمصدر أمر يأمر وروي أن جبريل عليه السلام حين قاولها هذه المقاولة («نفخ في جيب درعها)) فسرت النفخة بإذن الله حتى حملت منها قاله وهب بن منبه وغيره، وقال ابن جريج: نفخ في جيب درعها وكمها وقال أبي بن كعب ((دخل الروح المنفوخ من فمها)) فذلك قوله تعالى: ﴿فحملته﴾ أي حملت الغلام، ويذكر أنها كانت بنت ثلاث عشرة سنة، فلما أحست بذلك وخافت تعنيف الناس وأن يظن بها الشر ﴿انتبذت به﴾ أي تنحت ﴿مكاناً﴾ بعيداً حياء وفراراً على وجهها، وروي في هذا أنها فرت إلى بلاد مصر أو نحوها قاله وهب بن منبه، وروي أيضاً أنها خرجت إلى موضع يعرف (ببيت لحم) بينه وبين إيلياء أربعة أميال و ﴿أجاءها﴾ معناه، فاضطرها وهو تعدية جاء بالهمزة وقرأ شبل بن عزرة ورويت عن عاصم ((فاجأها)) من المفاجأة وفي مصحف أبي بن كعب ((فلما أجاءها المخاض)). وقال زهير: [الوافر] أجاءته المخافة والرجاء وجار سار معتمداً إليكم وقرأ الجمهور ((المخاض)) بفتح الميم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه بكسرها وهو ((الطلق وشدة الولادة وأوجاعها))، روي أنها بلغت إلى موضع كان فيه ((جذع نخلة)) بالٍ يابس في أصله مذود بقرة على جرية ماء فاشتد بها الأمر هنالك واحتضنت الجذع لشدة الوجع وولدت عيسى عليه السلام فقالت عند ولادتها لما رأته من الآلام والتغرب وإنكار قومها وصعوبة الحال من غير ما وجه، ﴿يا ليتني مت﴾ ولم يجر علي هذا القدر، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وعاصم وأبو عمرو وجماعة ((مُت)) بضم الميم، وقرأ الأعرج وطلحة ويحيى والأعمش ((مت)) بكسرها واختلف عن نافع، وتمنت مريم الموت من جهة الدين إذ خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك وهذا مباح، وعلى هذا الحد تمناه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصالحين ونهي النبي عليه السلام عن تمني الموت إنما هو لضر نزل بالبدن وقد أباحه عليه السلام في قوله: ((يأتي على الناس زمان يمر الرجل بقبر الرجل فيقول يا ليتني مكانه)). قال القاضي أبو محمد: لأنه زمن فتن يذهب بالدين، ﴿وكنت نسياً﴾ أي شيئاً متروكاً محتقراً، و((النسي)) في كلام العرب الشيء الحقير الذي شأنه أن ينسى فلا يتألم لفقده، كالوتد والحبل للمسافر ونحوه، ويقال ((نسي)) بكسر النون و((نَسي)) بفتحها، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرأ حمزة وحده بالفتح، واختلف عن عاصم، وكقراءة حمزة، قرأ طلحة ويحيى والأعمش، وقرأ محمد بن كعب القرظي بالهمز (نِسئاً)) بكسر النون، وقرأ نوف البكالي ((نَسأ)) بفتح النون، وحكاها أبو الفتح والداني عن محمد بن كعب، وقرأ بكر بن حبيب ((نَسّآ)) بشد السين وفتح النون دون همز، وقال الشنفرى: [الطويل] إذا ما غذت وإن تحدثك تبلت كأنَّ لها في الأرض نسّأ تقصه وحكى الطبري في قصصها أنها لما حملت بعيسى حملت أيضاً أختها بيحيى، فجاءتها أختها زائرة فقالت ((يا مريم أشعرت أني حملت))، قالت لها مريم ((أشعرت أنت أني حملت))، قالت لها ((وإني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك)) وذلك أنه روي أنها أحست جنينها يخر برأسه إلى ناحية بطن مريم، قال السدي فذلك قوله تعالى ﴿مصدقاً بكلمة من الله﴾ [آل عمران: ٣٩] وفي هذا كله ضعف فتأمله. وكذلك ١١ تفسير سورة مريم / الآيات : ٢٤ - ٢٦ ذكر الطبري من قصصها أنها خرجت فارّة مع رجل من بني إسرائيل يقال له يوسف النجار كان يخدم معها المسجد وطول في ذلك فاختصرته لضعفه، وهذه القصة تقتضي أنها حملت واستمرت حاملاً على عرف البشر واستحيت من ذلك ومرت بسببه وهي حامل وهو قول جمهور المتأولين، وروي عن ابن عباس أنه قال ليس إلا أن حملت فوضعت في ساعة واحدة والله أعلم. وظاهر قوله ﴿فأجاءها المخاض﴾ يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات بأنها ولدته لثمانية أشهر ولذلك قيل لا يعيش ابن ثمانية أشهر حفظاً لخاصية عيسى عليه السلام وقيل ولدته لسبعة وقيل لستة . قوله عز وجل : وَهُزِّىَّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًّاً (@) فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرِى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِّ إِنِ نَذَرْتُ ٢٥ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ( لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنِسِيًّا ٢٦ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وابن عباس والحسن وزيد بن حبيش ومجاهد والجحدري وجماعة ((فناداها مَن تحتها)) على أن ((مَن)) فاعل ينادي والمراد بـ ((مَن)) عيسى، قال أي ناداها المولود قاله مجاهد والحسن وابن جبير وأبي بن كعب، وقال ابن عباس المراد بـ ((مَن)) جبريل ولم يتكلم حتى أتت به قومها وقاله علقمة والضحاك وقتادة، ففي هذا آية لها وأمارة أن هذا من الأمور الخارقة للعادة التي لله فيها مراد عظيم لا سيما والمنادي عيسى فإنه يبين به عذر مريم ولا تبقى بها استرابة، فلذلك كان النداء أن لا يقع حزن، وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم والبراء بن عازب والضحاك وعمرو بن ميمون وأهل الكوفة وأهل المدينة وابن عباس أيضاً والحسن ((مِن تحتها)) بكسر الميم على أنها لابتداء الغاية واختلفوا، فقال بعضهم: المراد عيسى، وقالت فرقة: المراد جبريل المحاور لها قبل، قالوا: وكان في سعة من الأرض أخفض من البقعة التي كانت هي عليها وأبين وأظهر، وعليه كان الحسن بن أبي الحسن يقسم وقرأ علقمة وزر بن حبيش ((فخاطبها من تحتها))، وقرأ ابن عباس ((فناداها ملك من تحتها)). وقوله ﴿ألا تحزني) تفسير النداء فـ((أن)) مفسرة بمعنى أي، و((السري)) من الرجال العظيم الخصال السيد، و((السري)) أيضاً الجدول من الماء، وبحسب هذا اختلف الناس في هذه الآية فقال قتادة وابن زيد: أراد جعل تحتك عظيماً من الرجال له شأن، وقال الجمهور أشار لها إلى الجدول الذي كان قرب جذع النخلة، وروي أن الحسن فسر الآية فقال أجل لقد جعله الله ﴿سرياً﴾ كريماً، فقال عبيد بن عبد الرحمن الحميري يا أبا سعيد إنما يعني بـ ((السري)) الجدول، وقال الحسن لهذه وأشباهها أحب قربك ولكن غلبنا عليك الأمراء ومن الشاهد في ((السري)) قول لبيد. [الكامل] مسجورة متجاوراً قلّمها فتوسطا عرض السري فصدعا ثم أمر بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع، وقالت فرقة بل كانت النخلة مطعمة ﴿رطباً﴾، وقال السدي كان الجذع مقطوعاً وأجرى النهر تحتها لحينه، والظاهر من الآية أن عيسى ١٢ تفسير سورة مريم / الآيات : ٢٤ - ٢٦ هو المكلم لها وأن الجذع كان يابساً وعلى هذا تكون آيات تسليها وتسكن إليها. والباء في قوله ﴿بجذع﴾ زائدة مؤكدة قال أبو علي: كما يقال ألقى بيده أي ألقى يده. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وأنشد الطبري: [الطويل] وأسفله بالمزج والشبهان بواد يمان ينبت السدر صدره وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وأبو بكر عن عاصم والجمهور من الناس ((تَسّاقِط)) بفتح التاء وشد السين يريد ﴿النخلة﴾، وقرأ البراء بن عازب والأعمش ((يساقط)) بالياء يريد ((الجذع))، وقرأ حمزة وحده (تَسَاقط)) بفتح التاء وتخفيف السين، وهي قراءة مسروق وابن وثاب وطلحة وأبي عمرو بخلاف، وقرأت فرقة ((يساقط)) بالياء على ما تقدم من إرادة ﴿النخلة) أو ((الجذع)). وقرأ عاصم في رواية حفص ((تُسَاقط)) بضم التاء وتخفيف السين، وقرأت فرقة ((يساقط)) بالياء، وقرأ أبو حيوة ((يسقط)) بالياء، وروي عنه ((يُسقط)) بضم الياء وقرأ أيضاً ((تسقط))، وحكى أبو علي في الحجة أنه قرىء ((يتساقط)) بياء وتاء، وروي عن مسروق ((تُسقِط)) بضم التاء وكسر القاف، وكذلك عن أبي حيوة، وقرأ أبو حيوة أيضاً ((يسقُطِ)) بفتح الياء وضم القاف، ((رطب جني)) بالرفع، ونصب ﴿رطباً﴾ يختلف بحسب معاني القراءات المذكورة، فمرة يسند الفعل إلى الجذع ومرة إلى الهز، ومرة إلى ﴿النخلة﴾ و﴿جنياً﴾ معناه قد طابت وصلحت للاجتناء، وهو من جنيت الثمرة. وقرأ طلحة بن سليمان ((چِنياً)) بكسر الجيم، وقال عمرو بن ميمون: ليس شيء للنفساء خيراً من التمر والرطب، وقال محمد بن كعب: كان رطب عجوة، وقد استدل بعض الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن كان محتوماً فإن الله تعالى قد وكل ابن آدم إلى سعي ما فيه لأنه أمرت مريم بهز الجذع لترى آية، وكانت الآية تكون بأن لا تهز هي. وحكى الطبري عن ابن زيد أنه قال ((قال لها عيسى: لا تحزني، فقالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً﴾ [مريم: ٢٣]، فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام)). وقوله ﴿فكلي واشربي وقري﴾ الآية، قرأ الجمهور ((وفَري)) بفتح القاف، وحكى الطبري قراءة ((وقِري)) بكسر القاف، وقرة العين مأخوذة من القر وذلك أنه یحکی أن دمع الفرح بارد المس ودمع الحزن سخن المس، وضعفت فرقة هذا وقالت: الدمع كله سخن وإنما معنى قرة العين أن البكاء الذي يسخن العين ارتفع إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت به العين. وقال الشيباني ﴿قري عيناً﴾ معناه نامي، حضها على الأكل والشرب والنوم. وقوله ﴿عيناً﴾ نصب على التمييز، والفعل في الحقيقة إنما هو للعين فينقل ذلك إلى ذي العين وينصب الذي كان فاعلًا في الحقيقة على التفسير، ومثله طبت نفساً وتفقأت شحماً وتصببت عرقاً، وهذا كثير. وقرأ الجمهور ((ترين)) وأصله ترعيين حذفت النون للجزم، ثم نقلت حركة الهمزة إلى الراء، ثم قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فاجتمع ساكنان الألف والياء، فحذفت الألف فجاء ترى وعلى هذا النحو هو قول الأفوه: [السريع] أما ترى رأسي أزرى به ثم دخلت النون الثقيلة، فكسرت الياء لاجتماع ساكنين منها ومن النون، وإنما دخلت النون هنا ١٣ تفسير سورة مريم / الآيتان: ٢٧، ٢٨ بتوطئة ((ما)) كما توطىء لدخولها أيضاً لام القسم. وقرأ أبو عمرو فيما روي عنه ((ترعين)) بالهمزة، وقرأ طلحة وأبو جعفر وشيبة ((ترينَ)) بسكون الياء وفتح النون خفيفة، قال أبو الفتح: وهي شاذة، ومعنى هذه الآية أن الله تعالى أمرها على لسان جبريل أو ابنها على الخلاف المتقدم بأن تمسك عن مخاطبة البشر وتحيل على ابنها في ذلك ليرتفع عنها خجلها، وتبين الآية فيقوم عذرها، وظاهر الآية أنها أبيح لها أن تقول هذه الألفاظ التي في الآية وهو قول الجمهور. وقالت فرقة معنى ﴿فقولي﴾ بالإشارة لا بالكلام وإلا فكأن التناقض بين في أمرها. وقرأ ابن عباس وأنس بن مالك ((إني نذرت للرحمن وصمت)). وقال قوم معناه ﴿صوماً﴾ عن الكلام إذ أصل الصوم الإمساك ومنه قول الشاعر: [البسيط] ((خيل صيام)) وأخرى غير صائمة وقال ابن زيد والسدي : كانت سنة الصيام عندهم الإمساك عن الأكل والكلام، وقرأت فرقة ((إني نذرت للرحمن صمتاً» ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتاً، وقد أمر ابن مسعود من فعل ذلك بالنطق والكلام. قال المفسرون: أمرت مريم بهذا ليكفيها عيسى الاحتجاج. قوله عز وجل : فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَّحْمِلُهُ قَالُواْيَمَرْيَهُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢) يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٢٨ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُكِ بَغِيًّا روي أن مريم عليها السلام لما اطمأنت بما رأت من الآيات وعلمت أن الله سيبين عذرها أتت به تحمله مدلة من المكان القصي الذي كانت انتبذت فيه، روي أن قومها خرجوا في طلبها فلقوها وهي مقبلة به. و((الفري)) العظيم الشنيع، قاله مجاهد والسدي، وأكثر استعماله في السوء وهو من الفرية، فإن جاء الفري بمعنى المتقن فمأخوذ من فريت الأديم للإصلاح وليس بالبين، وأما قولهم في المثل جاء يفري الفري فمعناه بعمل عظيم من العمل في قول أو فعل مما قصد ضرب المثل له وهو مستعمل فيما يختلف ويفعل، و((الفري)) من الأسقية الجديد، وقرأ أبو حيوة ((شيئاً فرْياً)) بسكون الراء، واختلف المفسرون في معنى قوله عز وجل، ﴿يا أخت هارون﴾، فقالت فرقة كان لها أخ اسمه ﴿هارون﴾ لأن هذا الاسم كان كثيراً في بني إسرائيل، تبركاً باسم هارون أخي موسى، وروى المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى أهل نجران في أمر من الأمور فقال له النصارى إن صاحبك يزعم أن مريم ((أخت هارون)) وبينهما في المدة ستمائة سنة، قال المغيرة فلم أدر ما أقول فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له. فقال ألم يعلموا أنهم كانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين، فالمعنى أنه اسم وافق اسماً، وقال السدي وغيره: بل نسبوها إلى ﴿هارون﴾ أخي موسى لأنها كانت من نسله وهذا كما تقول من قبيلة يا أخا فلانة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إن أخا صداء أذن ومن أذن فهو يقيم))، وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين إن مريم ليست بـ((أخت لهارون)) أخي موسى، فقالت عائشة كذبت فقال لها يا أم المؤمنين إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله فهو أصدق وخير، وإلاّ فإني أجد ١٤ تفسير سورة مريم / الآيات: ٢٩ ٣٣٠ بينهما من المدة ستمائة سنة، قال فسكتت. وقال قتادة: كان في ذلك الزمن: في بني إسرائيل رجل عابد منقطع إلى الله يسمى ((هارون)) فنسبوها إلى أخوته من حيث كانت على طريقته قبل إذ كانت موقوفة على خدمة البيع، أي يا هذه المرأة الصالحة ما كنت أهلاً لما أتيت به . وقالت فرقة: بل كان في ذلك الزمن رجل فاجر اسمه ((هارون)) فنسبوها إليه على جهة التغيير والتوبيخ ذكره الطبري ولم يسم قائله، والمعنى ﴿ما كان أبوك﴾ ولا أمك أهلاً لهذه الفعلة فكيف جئت أنت بها؟ و((البغي)» التي تبغي الزنا أي تطلبه، أصلها بغوي فعول وقد تقدم ذكر ذلك. قوله عز وجل : قَالَ إِنِّى عَبْدُ اللَّهِءَاتَنْنِىَ الْكِتَبَ ٢٩ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِصَبِيًّا وَجَعَلَنِى فِيًّا (٢َّ وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَاكُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَادُمْتُ حَيًّا ٣١ وَبَرَّابِوَ لِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيَّا ٣٣ التزمت مريم عليها السلام ما أمرت به من ترك الكلام ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] وإنما ورد أنها ﴿أشارت إليه﴾ فيقوى بهذا قول من قال إن أمرها بـ ((قولي)) إنما أريد به الإشارة، ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا استخفافها بنا أشد علينا من زناها، ثم قالوا لها على جهة التقرير ﴿كيف نكلم من كان في المهد صبياً﴾ وإنما هي في معنى هو ويحتمل أن تكون الناقصة والأظهر أنها التامة وقد قال أبو عبيدة ﴿كان﴾ هنا لغو، وقال الزجاج والفراء ﴿مَنْ﴾ شرطية في قوله ﴿من كان﴾ (ع) ونظير كان هذه قول رؤبة: [الرجز] والرأس قد كان له شكير أبعد ان لاح بك القتير و﴿صبياً﴾ إما خبر ﴿كان﴾ على تجوز وتخيل في كونها ناقصة، وإما حال يعمل فيه الاستقرار المقدر في الكلام. وروي أن ﴿المهد﴾ يراد به حجر أمه قال لهم عيسى من مرقده ﴿إني عبد الله﴾ الآية وروي أنه قام متكئاً على يساره وأشار إليهم بسبابته اليمنى، و﴿الكتاب﴾ هو الإنجيل ويحتمل أن يريد التوراة والإنجيل، ويكون الإيتاء فيهما مختلفاً، و﴿آتاني﴾ معناه قضى بذلك وأنفذه في سابق حكمه وهذا نحو قوله تعالى ﴿أتى أمر الله﴾ [النحل: ١]، وغیر هذا. وأمال الكسائي («آتاني وأوصاني)»، والباقون لا یمیلون، قال أبو علي الإمالة في ﴿آتاني﴾ أحسن لأن في ﴿أوصاني﴾ مستعلياً. و﴿مباركاً﴾ قال مجاهد معناه نفاعاً، وقال سفيان معلم خير وقيل آمراً بمعروف ناهياً عن منكر، وقال رجل لبعض العلماء ما الذي أعلن من علمي قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه. وأسند النقاش عن الضحاك أنه قال ﴿مباركاً﴾ معناه قضاء الحوائج (ع) وقوله ﴿مباركاً﴾ يعم هذه الوجوه وغيرها. و﴿الصلاة والزكاة﴾ قيل هما المشروعتان في البدن والمال، وقيل زكاة الرؤوس في الفطر، وقيل ﴿الصلاة﴾ الدعاء ﴿والزكاة﴾ التطهير ١٥ تفسير سورة مريم / الآيات : ٣٤ - ٣٦ من كل عيب ونقص ومعصية. وقرأ ((دُمت)) بضم الدال عاصم وجماعة، وقرأ ((دمت)) بكسرها أهل المدينة وابن كثير وأبو عمرو وجماعة، وقرأ الجمهور ((وَبَراً)) بفتح الباء وهو الكثير البر ونصبه على قوله ﴿مباركاً﴾، وقرأ أبو نهيك وأبو مجلز وجماعة ((بِرآ)) بكسر الباء فقال بعضها نصبه على العطف على قوله ﴿مباركاً﴾ فكأنه قال وذا بر فاتصف بالمصدر كعدل ونحوه، وقال بعضها نصبه بقوله ﴿وأوصاني﴾ أي ((وأوصاني براً بوالدتي)) حذف الجار كأنه يريد «وأوصاني ببر والدتي)». وحكى الزهراوي هذه القراءة («وبرِّ)» بالخفض عطفاً على ﴿الزكاة)، وقوله ﴿بوالدتي﴾ بيان لأنه لا والد له، وبهذا القول برأها قومها. و((الجبار)) المتعظم وهي خلق مقرونة بالشقاء لأنها مناقضة لجميع الناس فلا يلقى صاحبها من أحد إلا مكروهاً، وكان عيسى عليه السلام في غاية التواضع، يأكل الشجر ويلبس الشعر ويجلس على التراب ويأوي حيث جنه الليل لا مسكن له. قال قتادة وكان يقول: سلوني فإن لين القلب صغير في نفسي. وقد تقدم ذكر تسليمه على نفسه وإذلاله في ذلك، وذكر المواطن التي خصها لأنها أوقات حاجة الإنسان إلى رحمة الله. وقال مالك بن أنس رضي الله عنه في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر أخبر عيسى بما قضي من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت. وفي قصص هذه الآية عن ابن زيد وغيره أنهم لما سمعوا كلام عيسى أذعنوا وقالوا إن هذا الأمر عظيم. وروي أن عيسى عليه السلام إنما تكلم في طفولته بهذه الآية ثم عاد إلى حالة الأطفال حتى مشى على عادة البشر. وقالت فرقة: إن عيسى كان أوتي الكتاب وهو في ذلك السن وكان يصوم ويصلي وهذا في غاية الضعف مصرح بجهالة قائله. قوله عز وجل : ذَلِكَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمٌ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِىِ فِيهِ يَمْتَرُونَ ٠٤ / / وج مَا كَانَ لِلَّهِأَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، ٣٤ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُرَكُنْ فَيَكُونُ (٢٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِ وَرَبِّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ( ٣٦ المعنى قل يا محمد لمعاصريك من اليهود والنصارى ﴿ذلك﴾ الذي منه قصة ﴿عيسى بن مريم﴾ وإنما قدرنا في الكلام قل يا محمد لأنه يجيء في الآية بعد، ((وأن الله ربي وربكم)) هذه مقالة بشر وليس يقتضي ظاهر الآية قائلاً من البشر سوى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد يحتمل أن يكون قوله ﴿ذلك عيسى) إلى قوله ﴿فيكون﴾ إخباراً لمحمد اعتراضاً أثناء كلام عيسى، ويكون قوله ((وأن)) بفتح الألف عطفاً على قوله ﴿الكتاب﴾ [مريم: ٣٠]. وقد قال وهب بن منبه: عهد عيسى إليهم ((أن الله ربي وربكم))، ومن كسر الألف عطف على قوله ﴿إني عبد الله﴾ [مريم: ٣٠] وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي وعامة الناس ((قولُ الحق)) برفع القول على معنى هذا قول الحق. وقرأ عاصم وابن عامر وابن أبي إسحاق ((قولَ الحق)) بنصب القول على المصدر. قال أبو عبد الرحمن المقري: كان يجالسني ضرير ثقة فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم يقرأ ((قولَ الحق)) نصباً، قال أبو عبد الرحمن: وكنت أقرأ بالرفع فجنبت فصرت أقرأ بهما جميعاً. وقرأ عبد الله بن مسعود ((قال الله)) بمعنى كلمة الله، وقرأ عيسى ((قال الحق))، وقرأ نافع والجمهور ((يمترون)) بالياء على الكناية عنهم، وقرأ نافع أيضاً وأبو عبد الرحمن وداود بن أبي هند ((تمترون)) بالتاء على الخطاب لهم، والمعنى تختلفون أيها اليهود والنصارى فيقول ١٦ - تفسير سورة مريم / الآيات: ٣٧ - ٤٠ بعضهم هو لزنية ونحو هذا وهم اليهود، ويقول بعضهم هو الله تعالى فهذا هو امتراؤهم، وسيأتي شرح ذلك من بعد هذا. وقوله ﴿ما كان الله أن يتخذ﴾ معناه النفي وهذا هو معنى هذه الألفاظ حيث وقعت ثم يضاف إلى ذلك بحسب حال المذكور فيها إما نهي وزجر كقوله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا﴾ [التوبة: ١٢٠]، وإما تعجيز كقوله تعالى ﴿ما كان لكم أن تنبتوا شجرها﴾ [النمل: ٦٠]، وإما تنزيه كهذه الآية. و﴿من ولد﴾، دخلت ﴿من﴾ مؤكدة للجحد لنفي الواحد فما فوقه مما يحتله نظير هذه العبارة إذا لم تدخل ﴿من﴾، وقوله، ﴿قضى أمراً﴾، أي واحداً من الأمور وليس بمصدر أمر يأمر، فمعنى ﴿قضى﴾ أوجد أو أخرج من العدم، وهذه التصاريف في هذه الأفعال من مضي واستقبال هي بحسب تجوز العرب واتساعها، وقد تقدم القول في ﴿كن فيكون﴾. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع ((وأن الله)) بفتح الألف وذلك عطف على قوله هذا ﴿قول الحق﴾، ((وأن الله ربي))، كذلك وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ((وإن)) بكسر الألف وذلك بين على الاستئناف وقرأ أبي بن كعب ((إن الله)) بكسر الألف دون واو. وقوله ﴿فاعبدوه﴾ وقف ثم ابتدأ ﴿هذا صراط﴾ أي ما أعلمتكم به عن الله تعالى من وحدانيته ونفي الولد عنه وغير ذلك مما يتنزه عنه طريق واضح مفض إلى النجاة ورحمته . قوله عز وجل : فَاخْتَلَفَ اُلْأَحْزَابُ مِنْ بَدْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ◌َّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمِ (٣٦) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَلِ مُّبِينٍ ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْقُضِىَ الْأَمْرُوَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْ جَعُونَ ( ٤٠ هذا ابتداء خبر من الله تعالى لمحمد عليه السلام بأن بني إسرائيل اختلفوا أحزاباً أي فرقاً، وقوله ﴿من بينهم﴾ معناه أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا المختلفين. وروي في هذا عن قتادة أن بني إسرائيل جمعوا من أنفسهم أربعة أحبار غاية في المكانة والجلالة عندهم وطلبوهم بأن يبينوا أمر عيسى فقال أحدهم: عيسى هو الله نزل إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات ثم صعد، فقال له الثلاثة كذبت واتبعه اليعقوبية، ثم قيل للثلاثة فقال أحدهم: عيسى ابن الله فقال له الاثنان كذبت واتبعه النسطورية، ثم قيل للاثنين فقال أحدهم عيسى أحد ثلاثة الله إله، ومريم إله، وعيسى إله، فقال له الرابع كذبت واتبعه الإسرائيلية، فقيل للرابع فقال عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم فاتبع كل واحد من الأربعة فريق من بني إسرائيل ثم اقتتلوا فغلب المؤمنون وقتلوا وظهرت اليعقوبية على الجميع. وروي أن في ذلك نزلت ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آل عمران: ٢١]. و((الويل)) الحزن والثبور، وقيل ويل واد في جهنم، و﴿مشهد يوم عظيم﴾ هو مشهد يوم القيامة ويحتمل أن يراد بـ ﴿مشهد يوم عظيم﴾ يوم قتل المؤمنون حين اختلف الأحزاب، وقد أشار إلى هذا المعنى قتادة، وقوله ﴿أسمع بهم وأبصر﴾، أي ما أسمعهم وأبصرهم يوم يرجعون إلينا ويرون ما نصنع بهم من العذاب، فإن إعراضهم حينئذ يزول ويقبلون على الحقيقة حين لا ١٧ تفسير سورة مريم / الآيات : ٤١ - ٤٦ ينفعهم الإقبال عليها وهم في الدنيا صم عمي إذ لا ينفعهم النظر مع إعراضهم، ثم قال: لكنهم اليوم في الدنيا ﴿في ضلال﴾ وهو جهل المسلك، و((المبين)) في نفسه وإن لم يبين لهم، وحكى الطبري عن أبي العالية أنه قال ﴿أسمع بهم وأبصر﴾، هي بمعنى الأمر لمحمد عليه السلام أي أسمع الناس اليوم وأبصرهم بهم وبحديثهم ماذا يصنع بهم من العذاب إذ أتوا محشورين مغلوبين، وقوله ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾، الآية، الخطاب أيضاً في هذه الآية لمحمد عليه السلام والضمير في ﴿أنذرهم﴾ لجميع الناس، واختلف في ﴿يوم الحسرة﴾ فقال الجمهور هو يوم ذبح الموت، وفي هذا حديث صحيح، وقع في البخاري وغيره، أن الموت يجاء به في صورة كبش أملح، وفي بعض الطرق كأنه كبش أملح، وقال عبيد بن عمير كأنه دابة فيذبح على الصراط بين الجنة والنار وينادى: يا أهل الجنة خلود لا موت ويا أهل النار خلود لا موت، ويروى أن أهل النار يشرئبون خوفاً على ما هم فيه. و((الأمر المقضي))، هو ذبح الكبش الذي هو مثال الموت وهذا عند حذاق العلماء، كما يقال: تدفن الغوائل وتجعل الترات تحت القدم، ونحو ذلك، وعند ذلك تصيب أهل النار حسرة لا حسرة مثلها، وقال ابن زيد وغيره ﴿يوم الحسرة﴾ هو يوم القيامة، وذلك أن أهل النار قد حصلوا من أول أمرهم في سخط الله وأمارته فهم في حال حسرة، و((الأمر المقضي)) على هذا هو الحتم عليهم بالعذاب وظهور إنفاذ ذلك عليهم، وقال ابن مسعود ﴿يوم الحسرة﴾ حين يرى الكفار مقاعدهم التي فاتتهم في الجنة لو كانوا مؤمنين، ويحتمل أن يكون ﴿يوم الحسرة﴾ اسم جنس لأن هذه حسرات كثيرة في مواطن عدة، ومنها يوم الموت ومنها وقت أخذ الكتاب بالشمال وغير ذلك. وقوله ﴿وهم في غفلة﴾، يريد في الدنيا الآن ﴿وهم لا يؤمنون) كذلك. وقوله ﴿نرث﴾، تجوز وعبارة عن فناء المخلوقات وبقاء الخالق فكأنها وراثة، وقرأ عاصم ونافع وأبو عمرو والحسن والأعمش ((يرجعون)) بالياء، وقرأ الأعرج ((ترجعون)) بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن وابن أبي إسحاق وعيسى ((يرجعون)) بالياء من تحت مفتوحة وكسر الجيم، وحكى عنهم أبو عمرو الداني ((ترجعون)) بالتاء. قوله عز وجل : وَأَذَكُرْ فِ الْكِتَبِ إِبْرَهِيمَ إِنَُّ كَانَ صِدِّيقًانَِّيًّا (٤) إِذْقَالَ لِأَبِهِ يَّأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُمَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِى عَنكَ شَيْئًا (٦) يَأَبَتِ إِنِى قَدْ جَاءَ فِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدَِ صِرَطًا سَوِيًّا ٤٣ يَأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ يَأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَنَّإِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا () مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَنِ وَلِيًّا (٥) قَالَ أَرَاغِبُ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِى يَّإِبْزَهِيمٌ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ ٤٦ لَأَرْجُمَنَّكَ وَآَهْجُرْنِمَلِيًّا قوله: ﴿واذكر﴾ بمعنى واتل وشهر، لأن الله تعالى هو الذاكر، و﴿الكتاب﴾ هو القرآن وهذا وشبهه من لسان الصدق الذي أبقاه الله عليهم، و((الصديق))، فعيل بناء مبالغة من الصدق، وقرأ أبو البرهسم ((إنه كان صادقاً))، والصدق عرفه في اللسان وهو مطرد في الأفعال والخلق، ألا ترى أنه يستعار لما لا يعقل فيقال صدقني الطعام كذا وكذا قفيزاً، ويقال عود صدق للصلب الجيد، فكان إبراهيم عليه السلام يوصف i 1 ١٨ تفسير سورة مريم / الآيات : ٤١ - ٤٦ بالصدق على العموم في أفعاله وأقواله وذلك يغترق صدق اللسان الذي يضاد الكذب، وأبو بكر رضي الله عنه وصف بـ ((صدّيق)) لكثرة ما صدق في تصديقه بالحقائق وصدق في مبادرته إلى الإيمان وما يقرب من الله تعالى، و((الصديق)) مراتب ألا ترى أن المؤمنين صديقون لقوله تعالى: ﴿الذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون﴾ [الحديد: ١٩]. وقوله ﴿يا أبت﴾، اختلف النحاة في التاء من ﴿أبت﴾، فمذهب سيبويه أنها عوض من ياء الإضافة والوقوف عنده عليها بالهاء، ومذهب الفراء أن يوقف عليها بالتاء، لأن الياء التي للإضافة عنده منوية وجمهور القراء على كسر التاء، وفي مصحف ابن مسعود ((واأبت)) بواو للنداء، وقرأ ابن عامر والأعرج وأبو جعفر. ((يا أبتَ)) بفتح التاء، ووجهها أنه أراد ((يا أبتا)) فحذف الألف وترك الفتحة دالة عليها، ووجه آخر أن تكون التاء المقحمة كالتي في قوله يا طلحة وفي هذا نظر وقد لحن هارون هذه القراءة، والذي ﴿لا يسمع ولا يبصر﴾، هو الصنم ولو سمع وأبصر كما هي حالة الملائكة وغيرهم ممن عبد لم يحسن عبادتها، لكن بين إبراهيم عليه السلام بنفي السمع والبصر شنعة الرأي في عبادتها وفساده. وقوله ﴿قد جاءني﴾ يدل على أن هذه المقاولة هي بعد أن نبىء، و((الصراط السوي))، معناه الطريق المستقيم، وهو طريق الإيمان. وقوله ﴿يا أبت لا تعبد الشيطان﴾، مخاطبة بر واستعطاف على حالة كفره. وقوله ﴿لا تعبد الشيطان﴾ يحتمل أن يكون أبوه ممن عبد الجن ويحتمل أن يجعل طاعة الشيطان المعنوي فى عبادة الأوثان والكفر بالله عبادة له. و((العصي))، فعيل من عصى يعصي إذا خالف الأمر، وقوله ﴿أخاف أن يمسك﴾ قال الطبري وغيره ﴿أخاف﴾ بمعنى أعلم. قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أنه خوف على بابه، وذلك أن إبراهيم عليه السلام لم يكن في وقت هذه المقاولة یائساً من إیمان أبيه، فکان یرجو ذلك وکان یخاف أن لا يؤمن ويتمادى على كفره إلى الموت فيمسه العذاب. و((الولي)) الخالص المصاحب القريب بنسب أو مودة، قال آزر وهو تارخ ﴿أراغب أنت عن آلهتي﴾، والرغبة ميل النفس، فقد تكون الرغبة في الشيء وقد تكون عنه، وقوله ﴿أراغب﴾ رفع بالابتداء و﴿أنت﴾ فاعل به يسد مسد الخبر وحسن ذلك وقربه اعتماد ((راغب)) على ألف الاستفهام، ويجوز أن يكون ((راغب)) خبراً مقدماً و﴿أنت﴾ ابتداء والأول أصوب وهو مذهب سيبويه. وقوله ﴿عن آلهتي﴾، يريد الأصنام وكان فيما روي ينحتها وينجرها بيده ويبيعها ويحض عليها فقرر ابنه إبراهيم على رغبته عنها على جهة الإنكار عليه ثم أخذ يتوعده، وقوله ﴿الأرجمنك﴾ اختلف فيه المتأولون، فقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه بالقول، أي لأشتمنك ﴿واهجرني﴾ أنت إذا شئت مدة من الدهر، أو سالماً حسب الخلاف الذي سنذكره. وقال الحسن بن أبي الحسن: معناه ﴿الأرجمنك﴾ بالحجارة، وقالت فرقة: معناه لأقتلنك، وهذان القولان بمعنى واحد، وقوله ﴿واهجرني﴾ على هذا التأويل إنما يترتب بأنه أمر على حياله كأنه قال: إن لم تنته لأقتلنك بالرجم، ثم قال له ﴿واهجرني﴾ أي مع انتهائك كأنه جزم له الأمر بالهجرة وإلا فمع الرجم لا تترتب الهجرة و﴿ملياً﴾ معناه دهراً طويلاً مأخوذ من الملوين وهما الليل والنهار وهذا قول الجمهور والحسن ومجاهد وغيرهما فهو ظرف، وقال ابن عباس وغيره ﴿ملياً﴾ معناه سليماً منا سوياً فهو حال من ﴿إبراهيم) عليه السلام، وتلخيص هذا أن يكون بمعنى قوله مستبداً بحالك غنياً عني ملياً بالاكتفاء. ١٩ تفسير سورة مريم / الآيات: ٤٧ - ٥٠ قوله عز وجل : قَالَ سَلَمُ عَلَيْكٌ سَأَسْتَغْفِرُلَكَ رَبِّ إِنَُّ كَانَ بِ حَفِيًّا (®] وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَانَدْعُونَ مِندُونِ فَلَمَّا أَعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِاللَّهِ ٤٨ اللَّهِ وَأَدْعُواْرَبِّى عَسَى أَلَّآ أَكُونَ بِدُ عَاءِرَبِى شَقِيًّا وَهَبْنَالَهُ: إِسْحَقَ وَيَعْقُوبٌ وَكُلَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا () وَوَهَبْنَا لَهُ مِّن رَّحْمَيِّنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا قرأ أبو البرهسم ((سلاماً عليك)) بالنصب، واختلف أهل العلم في معنى تسليمه عليه، فقال بعضهم هي تحية مفارق وجوزوا تحية الكافر وأن يبدأ بها. وقال الجمهور: ذلك التسليم بمعنى المسالمة لا بمعنى التحية، قال الطبري معناه أمنة مني لك، وهذا قول الجمهور وهم لا يرون ابتداء الكافر بالسلام، وقال النقاش: حليم خاطب سفيهاً كما قال، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، ورفع السلام بالابتداء وجاز ذلك مع نكرته لأنها نكرة مخصصة فقربت من المعرفة ولأنه في موضع المنصوب الذي هو سلمت سلاماً وهذا كما يجوز ذلك في ما هو في معنى الفاعل كقولهم شرّ أهرّ ذا ناب، هذا مقال سيبويه. وقوله تعالى ﴿سأستغفر﴾ معناه سأدعو الله تعالى في أن يهديك فيغفر لك بإيمانك وهذا أظهر من أن يتأول على إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم أنه لم يعلم أن الله لا يغفر لكافر، وقد يجوز أن يكون إبراهيم عليه السلام أول نبي أوحي إليه أن لا يغفر لكافر، لأن هذه العقيدة إنما طريقها السمع، فكانت هذه المقالة منه لأبيه قبل أن يوحى إليه ذلك، وإبراهيم عليه السلام إنما تبين له في أبيه أنه عدو الله بأحد وجهين إما بموته على الكفر كما روي وإما بأن أوحي إليه تعسف الحتم عليه، وقال مكي عن السدي: أخره بالاستغفار إلى السحر، وهذا تعسف، وإنما ذكر ذلك في أمر يعقوب وبنيه وأما هذا فوعد باستغفار كثير مؤتنف فالسين متمكنة. و((الحفي))، المبتهل المتلطف وهذا شكر من إبراهيم لنعم الله تعالى عليه، ثم أخبره أنه يعتزلهم أي يصير عنهم بمعزل، ويروى أنهم كانوا بأرض كوثا فرحل إبراهيم عليه السلام حتى نزل الشام وفي سفرته تلك لقي الجبار الذي أخدم هاجر بسارة الحديث بطوله، و﴿تدعون﴾ بمعنى تعبدون، وقوله ﴿عسى﴾، ترج، في ضمنه خوف شديد، وقوله ﴿فلما اعتزلهم﴾ إلى آخر الآية، إخبار من الله تعالى لمحمد عليه السلام أنه لما رحل عن بلد أبيه وقومه عوضه الله من ذلك ابنه ﴿إسحاق﴾ وابنه ﴿يعقوب﴾ وجعل له الولد تسلية وشداً لعضده، و﴿إسحاق﴾ أصغر من إسماعيل، ولما حملت هاجر بإسماعيل غارت سارة فحملت بـ ﴿إسحاق﴾ هذا فيما روي، وقوله ﴿ووهبنا لهم من رحمتنا﴾ يريد العلم والمنزلة والشرف في الدنيا والنعيم في الآخرة، كل ذلك من رحمة الله، و((لسان الصدق)) هو الثناء الباقي عليهم آخر الأبد، قاله ابن عباس. واللسان في كلام العرب المقالة الذائعة كانت في خير أو شر ومنه قول الشاعر: [البسيط] إني أتتني لسان لا أسر بها من علو لا كذب فيها ولا سخر وقال آخر: [الوافر] («ندمت على لسان فات مني)) ٢٠ تفسير سورة مريم / الآيات: ٥١ _ ٥٥ وإبراهيم الخليل وبنوه معظمون في جميع الأمم والملل صلى الله عليهم أجمعين. وَأَذْكُرْ فِ الْكِتَبِ مُوسَِّنَُّ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا فِيًّا (٥) وَنَدَيْنَهُ مِن جَانِبِ اُلُورِ الْأَتَّمَنِ وَقَرَّبْتَهُ نَجِيَّا [®] وَوَهَبْنَهُمِن رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا [®] وَأَذَّكُرْ فِ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ إِنَّرْ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِوَكَانَ رَسُولًا تَّبِيًّا ﴾ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوْةِ وَكَانَعِندَرَیِهِ،مَرْضِيًّا ٥٥ قوله عز وجل : هذا أمر من الله عز وجل بذكر ﴿موسى﴾ بن عمران عليه السلام على جهة التشريف، له وأعلمه بـ ﴿إنه كان مخلصاً﴾، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((مخلصاً)) بكسر اللام وهي قراءة الجمهور أي أخلص نفسه لله، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((مخلصاً) بفتح اللام وهي قراءة أبي رزين ويحيى وقتادة أي أَخْلَصَهُ الله للنبوءة والعبادة كما قال تعالى ﴿إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار﴾ [ص: ٤٦]. و((الرسول)) من الأنبياء الذي يكلف تبليغ أمة، وقد يكون نبياً غير رسول، وقوله ﴿وناديناه﴾ هو تكليم الله تعالى، و﴿الطور﴾ الجبل المشهور بالشام، وقوله ﴿الأيمن﴾ صفة للجانب، وكانت على يمين موسى بحسب وقوفه فيه، وإلا فالجبل نفسه لا يمنة له ولا يسرة ولا يوصف بشيء من ذلك إلا بالإضافة إلى ذي يمين ويسار، ويحتمل أن يكون قوله ﴿الأيمن﴾ مأخوذاً من اليمن كأنه قال الأبرك والأسعد، فيصح على هذا أن يكون صفة للجانب وللجبل بجملته. وقوله، ﴿وقربناه نجياً﴾، قال الجمهور هو تقريب التشريف بالكلام والنبوءة، وقال ابن عباس: بل أدني موسى من الملكوت ورفعت له الحجب حتى سمع صريف الأقلام وقاله ميسرة، وقال سعيد: أردفه جبريل، و((النجي))، فعيل من المناجاة وهي المسارّة بالقول، وقال قتادة ﴿نجياً﴾ معناه نجا بصدقة وهذا مختلٍ، وإنما ((النجي)) المنفرد بالمناجاة، وكان ﴿هارون﴾ عليه السلام أسن من موسى وطلب من الله أن يشد أزره بنبوته ومعونته فأجابه الله تعالى إلى ذلك وعدها في نعمه عليه، وقوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل﴾، هو أيضاً من لسان الصدق والشرف المضمون بقاؤه على آل إبراهيم عليه السلام، و﴿إسماعيل﴾ هو أبو العرب اليوم وذلك أن اليمنية والمضرية ترجع إلى ولد ﴿إسماعيل) وهو الذي أسكنه أبوه بواد غير ذي زرع وهو الذبيح في قوله الجمهور وقالت فرقة الذبيح إسحاق. قال القاضي أبو محمد: والأول يترجح بجهات منها قول الله تبارك وتعالى، ومن وراء إسحاق يعقوب فولد قد بشر أبواه أنه سيكون منه ولد هو حفيد لهم كيف يؤمر بعد ذلك بذبحه وهذه العدة قد تقدمت وجهة أخرى وهي أن أمر الذبح لا خلاف بين العلماء أنه كان بمنى عند مكة وما روي قط أن إسحاق دخل تلك البلاد، وإسماعيل بها نشأ وكان أبوه يزور مراراً كثيرة يأتي من الشام ويرجع من يومه على البراق وهو مركب الأنبياء، وجهة أخرى وهي قول النبي عليه السلام ((أنا ابن الذبيحین)) وهو أبوه عبدالله لأنه فدي بالإبل من الذبح، والذبيح الثاني هو أبوه إسماعيل، وجهة أخرى وهي الآيات في سورة الصافات وذلك أنه لما فرغ من ذكر الذبح وحاله، قال ﴿وبشرناه بإسحاق﴾ [الصافات: ١١٢]، فترتيب تلك الآيات يكاد ينص على أن