النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٤٨ - ٥١
الصفات، ونصبه على الحال، أي نافرين، وقوله ﴿أن يفقهوه﴾ ﴿أن﴾ نصب على المفعول أي ((كراهة
أن))، أو ((منع أن))، والضمير في ﴿يفقهوه﴾ عائد على ﴿القرآن﴾، وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت:
إنما عنى بقوله: ﴿ولوا على أدبارهم نفوراً﴾ الشياطين وأنهم يفرون من قراءة القرآن، يريد أن المعنى يدل
عليهم وإن لم يجر لهم ذكر في اللفظ، وهذا نظير قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا نودي بالصلاة أدبر
الشيطان له خصاص)). وقوله (نحن أعلم بما يستمعون به﴾ الآية، هذا كما تقول فلان يستمع بحرص
وإقبال، أو بإعراض وتغافل واستخفاف، فالضمير في ﴿به﴾ عائد على ﴿ما﴾، وهي بمعنى الذي،
والمراد بالذي ما ذكرناه من الاستخفاف والإعراض، فكأنه قال: نحن أعلم بالاستخفاف والاستهزاء الذي
يستمعون به، أي هو ملازمهم، ففضح الله بهذه الآية سرهم، والعامل في ﴿إِذ﴾ الأولى وفي المعطوفة
عليها ﴿يستمعون﴾ الأول، وقوله ﴿وإذ هم نجوى﴾ وصفهم بالمصدر، كما قالوا: قوم رضى وعدل، وقيل
المراد بقوله: ﴿وإذ هم نجوى﴾ اجتماعهم في دار الندوة ثم انتشرت عنهم، وقوله ﴿مسحوراً﴾ الظاهر فيه
أن يكون من السحر، فشبهوا الخبال الذي عنده بزعمهم، وأقواله الوخيمة برأيهم، بما يكون من المسحور
الذي قد خبل السحر عقله وأفسد كلامه، وتكون الآية على هذا شبيهة بقول بعضهم ﴿به جنة﴾
[المؤمنون: ٢٥] ونحو هذا، وقال أبو عبيدة: ﴿مسحوراً﴾ معناه ذا سحر، وهي الرية يقال لها سحر وسُحر
بضم السين، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري.
ومنه قولهم للجبان: انتفخ سحره، لأن الفازع تنتفخ ريته، فكأن مقصد الكفار بهذا التنبيه على أنه بشر أي
ذا رية، قال: ومن هذا يقال لكل من يأكل ويشرب من آدمي وغيره: مسحور ومسحر، ومنه قول امرىء
القيس : [الوافر]
ونسحر بالطعام وبالشراب
وقول لبيد : [الطويل]
فإن تسألينا فيمَ نَحْنُ فإننا عصافيرُ من هذا الأنام المسخَّر
ومنه السحور، وهو إلى هذه اللفظة أقرب منه إلى السحر، ويشبه أن يكون من السحر، كالصبوح من
الصباح، والآية التي بعد هذا تقوي أن اللفظة التي في الآية من السّحر، بكسر السين، لأن حينئذ في قولهم
ضرب مثل له وأما على أنها من السحر الذي هو الرية ومن التغذي وأن تكون الإشارة إلى أنه بشر فلم
يضرب له في ذلك مثل بل هي صفة حقيقة له.
قوله عز وجل :
وَقَالُواْ أَعِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَنَّا أَعِنَّا
٤٨
اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوْلَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّواْ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا
قُلْ كُونُواْحِجَارَةً أَوْحَدِيدًا
لَمَبْعُوتُونَ خَلْقًا جَدِيدًا !
أَوْخَلْقًا مِمَايَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ
فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُ نَاقُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَ هُوَّقُلْ
عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا
ضرب المثل له هو قولهم مسحور، ساحر، مجنون، متكهن، لأنه لم يكن عندهم متيقناً بأحد هذه،

٤٦٢
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٤٨ -٥١
فإنما كانت منهم على جهة التشبيه، ثم رأى الوليد بن المغيرة أن أقرب هذه الأمور على تخيل الطارين
عليهم هو أنه ساحر، ثم حكم الله عليهم بالضلال، وقوله ﴿فلا يستطيعون سبيلاً﴾ يحتمل معنيين: أحدهما
لا يستطيعون سبيلاً إلى الهدى والنظر المؤدي إلى الإيمان، فتجري الآية مجرى قوله ﴿وجعلنا على قلوبهم
أكنة﴾ [الإسراء: ٤٦] [الأنعام: ٢٥] ونحو هذا، والآخر: لا يستطيعون سبيلاً إلى فساد أمزكٍ وإطفاء نور
الله فيك بضربهم الأمثال لك واتباعهم كل حيلة في جهتك، وحكى الطبري أن هذه الآية نزلت في
الوليد بن المغيرة وأصحابه، وقوله ﴿إذا كنا عظاماً﴾ الآية، هذه الآية في إنكارهم البعث، وهذا منهم
تعجب وإنكار واستبعاد، و((الرفات)) من الأشياء: ما مر عليه الزمن حتى بلغ به غاية البلى، وقربه من حالة
التراب، يقال: رفت رفتاً فهو مرفوت، وفعال: بناء لهذا المعنى، كالحطام، والفتات، والرصاص،
والرضاض، والدقاق، ونحوه، وقال ابن عباس: ﴿رفاتاً﴾ غباراً، وقال مجاهد: تراباً، واختلف القزاء في
هذين الاستفهامين: فقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((أيذا كنا تراباً أينا)) جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد
الهمزة، ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة بعد الهمزة من غير مدة، وقرأ نافع الأولى مثل أبي
عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ الثانية ((إنا)) مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام
الأول من الثاني، غير أنه كان يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة: ((أإذا أإنا)) بهمزتين فيهما، وقرأ ابن عامر
((إذا كنا))، مكسورة الألف من غير استفهام ((إنا)) يهمز، ثم يمد، ثم يهمز. ويروى عنه مثل قراءة حمزة،
وفي سورة الرعد توجيه هذه القراءات، و﴿جديداً﴾ صفة لما قرب حدوثه من الأشياء، وهكذا يوصف به
المذكر والمؤنث، فيقال ملحفة جديد وقولهم جديدة، لغة ضعيفة، كذا قال سيبويه، وقوله تعالى: ﴿قل
كونوا حجارة أو حديداً﴾ الآية، المعنى: قل لهم يا محمد كونوا إن استطعتم هذه الأشياء الصعبة الممتنعة
التأتي، لا بد من بعثكم، وقوله ﴿كونوا﴾ هو الذي يسميه المتكلمون التعجيز من أنواع لفظة افعل، وبهذه
الآية مثل بعضهم، وفي هذا عندي نظر: وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فعل ما لا يقدر عليه المخاطب،
كقوله تعالى: ﴿فادرؤوا عن أنفسكم الموت﴾ [آل عمران: ١٦٨]، ونحوه، وأما هذه الآية، فمعناها: كونوا
بالتوهم والتقدير كذا وكذا، الذي فطركم كذلك، هو يعيدكم، وقال مجاهد أراد بـ ((الخلق))، الذي يكبر
في الصدور: السماوات والأرض والجبال، وقال ابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو والحسن وابن
جبير والضحاك: أراد الموت، وقال قتادة ومجاهد: بل أحال على فكرتهم عموماً، ورجّحه الطبري، وهذا
هو الأصح، لأنه بدأ بشيء صلب، ثم تدرج القول إلى أقوى منه، ثم أحال علىّ فكرهم، إن شاؤوا في أشد
من الحديد، فلا وجه لتخصيص شيء دون شيء، ثم احتج عليهم عز وجل في الإعادة بالفطرة الأولى، من
حيث خلقهم، واخترعهم من تراب، فكذلك يعيدهم إذا شاء، لا رب غيره، وقوله ﴿فَسينغضون﴾ معناه:
يرفعون ويخفضون يريد على جهة التكذيب، قال ابن عباس: والاستهزاء. قال الزجاج: تحريك من يبطل
الشيء ويستبطئه، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
· كأنما أبصر شيئاً أطمعا
أنغض نحوي رأسه وأقنعا
ويقال نغضت السنّ إذا تحركت وقال ذو الرمة: [الطويل]
بسيف ولم تنغض بهن القناطر
ظعائن لم يسكن أكناف قرية
:

٤٦٣
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٥٢ _ ٥٥
قال الطبري وابن سلام و﴿عسى﴾ من الله واجبة والمعنى: وهو قريب.
قال القاضي أبو محمد: وهذه إنما هي من النبي عليه السلام، ولكنها بأمر الله، فيقربها ذلك من
الوجوب، وكذلك قال عليه السلام ((بعثت أنا والساعة كهاتين))، وفي ضمن اللفظ توعد لهم.
قوله عز وجل :
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ، وَتَظُنُونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٢٨) وَقُل لِعِبَادِى يَقُولُواْلَّتِ هِىَ
أَحْسَنٌ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنِسَنِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴿﴿ رَبُّكُمْأَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَن فِ السَّمَوَتِ
٥٤
يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبَكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا !
وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِنَ عَلَى بَعْضِّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا لـ
٥٥
﴿يوم﴾: بدل من قوله ﴿قريباً﴾ [الإسراء: ٥١]، ويظهر أن يكون المعنى: هو يوم، جواباً لقولهم:
﴿متى هو﴾ [ذاته] ويريد: يدعوكم من قبوركم بالنفخ في الصور، ليقام الساعة، وقوله ﴿فتستجيبون﴾ أي
بالقيام والعودة والنهوض نحو الدعوة، وقوله: ﴿بحمده﴾، حكى الطبري عن ابن عباس أنه قال معناه:
بأمره، وكذلك قال ابن جريج، وقال قتادة معناه: بطاعته ومعرفته، وهذا كله تفسير لا يعطيه اللفظ ولا شك
أن جميع ذلك بأمر الله تعالى وإنما معنى ﴿بحمده﴾: إما أن جميع العالمين، كما قال ابن جبير، يقومون
وهم يحمدون الله ويحمدونه لما يظهر لهم من قدرته، وإما أن قوله ﴿بحمده﴾ هو كما تقول لرجل خصمته
وحاورته في علم قد أخطأت بحمد الله، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم في هذه الآيات:
عسى، أن الساعة قريبة، يوم تدعون فيقومون بخلاف ما تعتقدون الآن، وذلك بحمد الله على صدق
خبري، نحا هذا المنحى الطبري ولم يخلصه، وقوله تعالى: ﴿وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما أنه أخبر أنهم لما رجعوا إلى حالة الحياة، وتصرف الأجساد، وقع لهم ظن أنهم لم ينفصلوا عن
حال الدنيا إلا قليلاً لمغيب علم مقدار الزمن عنهم، إذ من في الآخرة لا يقدر زمن الدنيا، إذ هم لا محالة
أشد مفارقة لها من النائمين، وعلى هذا التأويل حول الطبري، واحتج بقوله تعالى: ﴿كم لبثتم في الأرض
عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٣]، والآخر: أن يكون الظن بمعنى اليقين
فكأنه قال لهم: يوم تدعون فتستجيبون بحمد الله، وتتيقنون أنكم إنما لبثتم قليلاً، من حيث هو منقض
منحصر، وهذا كما يقال في الدنيا بأسرها: متاع قليل، فكأنه قلة قدر على أن الظن بمعنى اليقين يقلق ها
هنا لأنه في شيء قد وقع، وإنما يجيء الظن بمعنى اليقين فيما لم يخرج بعد إلى الكون والوجود، وفي
الكلام تقوية للبعث، كأنه يقول: أنت أيها المكذب بالحشر، الذي تعتقد أنك لا تبعث أبداً، لا بد أن
تدعى للبعث، فتقوم، وترى أنك إنما لبثت قليلاً منقضياً منصرماً، وحكى الطبري عن قتادة أنهم لما رأوا
هول يوم القيامة احتقروا الدنيا فظنوا أنهم لبثوا فيها قليلاً. وقوله تعالى: ﴿وقل لعبادي) الآية اختلف
النحويون في قوله ﴿يقولوا﴾ فمذهب سيبويه، أنه جواب شرط مقدر تقديره: وقل لعبادي: إنك إن تقل لهم
يقولوا، وهذا على أصله، في أن الأمر لا يجاب، وإنما يجاب معه شرط مقدر، ومذهب الأخفش: أن الأمر

٤٦٤
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٥٢ - ٥٥
يجاب، وأن قوله ها هنا ﴿يقولوا﴾ إنما هو جواب ﴿قل﴾.
قال القاضي أبو محمد: ولا يصح المعنى على هذا بأن يجعل ﴿قل﴾ مختصة بهذه الألفاظ على
معنى أن يقول لهم النبي: قولوا التي هي أحسن؛ وإنما يصح بأن يكون ﴿قل﴾ أمراً بالمحاورة في هذا
المعنى بما أمكن من الألفاظ، كأنه قال بين لعبادي، فتكون ثمرة ذلك القول والبيان قولهم ﴿التي هي
أحسن﴾، وهذا المعنى يجوزه مذهب سيبويه الذي قدمنا ومذهب أبي العباس المبرد: أن ﴿يقولوا﴾ جواب
الأمر محذوف، تقديره: وقل لعبادي («قولوا التي هي أحسن)) يقولوا فحذف وطوي الكلام، ومذهب
الزجاج: أن ﴿يقولوا﴾ جزم بالأمر، بتقدير ﴿قل لعبادي﴾ ليقولوا، فحذفت اللام لتقدم الأمر، وحكى أبو
علي في الحلبيات في تضاعيف كلامه: أن مذهب أبي عثمان المازني في ﴿يقولوا﴾ أنه فعل مبني، لأنه
مضارع حل محل المبني الذي هو فعل الأمر؛ لأن المعنى ﴿قل لعبادي﴾ قولوا، واختلف الناس في ﴿التي
هي أحسن﴾ فقالت فرقة: هي لا إله إلا الله، ويلزم على هذا أن يكون قوله ﴿لعبادي﴾ يريد به جميع
الخلق، لأن جميعهم مدعو إلى لا إله إلا الله. ويجيء قوله بعد ذلك ﴿إن الشيطان ينزع بينهم﴾ غير
مناسب للمعنى، إلا على تكره، بأن يجعل ﴿بينهم) بمعنى خلالهم، وأثناءهم، ويجعل النزع بمعنى
الوسوسة والإضلال، وقال الجمهور: ﴿التي هي أحسن﴾ هي المحاورة الحسنى بحسب معنى قال
الحسن: يقول: يغفر الله لك، يرحمك الله، وقوله ﴿العبادي﴾ خاص بالمؤمنين، فكأن الآية بمعنى قوله
عليه السلام، ((وكونوا عباد الله إخواناً)) ثم اختلفوا، فقالت فرقة: أمر الله المؤمنين فيما بينهم بحسن الأدب،
وخفض الجناح، وإلانة القول، واطراح نزغات الشيطان، وقالت فرقة: إنما أمر الله في هذه الآية المؤمنين
بإلانة القول للمشركين بمكة، أيام المهادنة، وسبب الآية: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه شتمه بعض
الكفرة، فسبه عمر وهم بقتله، فكاد أن يثير فتنة، فنزلت الآية وهي منسوخة بآية السيف، وقرأ الجمهور:
((ينزَغ)) بفتح الزاي، وقرأ طلحة بن مصرف: ((ينزغ))، بكسر الزاي على الأصل قال أبو حاتم: لِعلها لغة،
والقراءة بالفتح، ومعنى النزغ: حركة الشيطان بسرعة ليوجب فساداً، ومنه قول النبي عليه السلام ((لا يشر
أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزع الشيطان في يده)» فهذا يخرج اللفظة عن الوسوسة، و«عداوة الشيطان
البينة)) هي قصته مع آدم عليه السلام فما بعد، وقوله تعالى: ﴿ربكم أعلم بكم﴾ الآية، هذه الآية تقوي أن
التي قبلها هي ما بين العباد المؤمنين وكفار مكة؛ وذلك أن هذه المخاطبة في قوله ﴿ربكم أعلم بكم﴾ هي
لكفار مكة بدليل قوله ﴿وما أرسلناك عليهم وكيلاً﴾ فكأن الله عز وجل أمر المؤمنين أن لا يخاشنوا الكفار
في الدين ثم قال للكفار إنه أعلم بهم، ورجاهم وخوفهم، ومعنى ﴿يرحمكم﴾ بالتوبة عليكم من الكفر،
قاله ابن جريج وغيره، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإنما عليك البلاغ، ولست بوكيل على إيمانهم
ولا بد، فتتناسب الآيات بهذا التأويل ثم قال تبارك وتعالى لنبيه عليه السلام ﴿وربك أعلم بمن في
السماوات والأرض﴾ وهو الذي فضل بعض الأنبياء على بعض بحسب علمه فيهم، فهذه إشارة إلى محمد
صلى الله عليه وسلم وإلى استبعاد قريش أن يكون الرسول بشراً، المعنى: لا تنكروا أمر محمد عليه
السلام، وإن أوتي قرآناً، فقد فضل النبيون، وأوتي داود زبوراً، فالله أعلم حيث يجعل رسالاته، وتفضيل
بعض الرسل، هو إما بهذا الإخبار المجمل دون أن يسمى المفضول وعلى هذا يتجه لنا أن نقول محمد

٤٦٥
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٥٦ - ٥٩
أفضل البشر، وقد نهى عليه السلام عن تعيين أحد منهم في قصة موسى ويونس، وإما أن يكون التفضيل
مقسماً فيهم: أعطي هذا التكليم، وأعطيت هذه الخلفة، ومحمد الخمس، وعيسى الإحياء، فكلهم
مفضول على وجه فاضل على الإطلاق، وقوله ﴿بمن في السماوات﴾، الباء متعلقة بفعل تقديره: علم بمن
في السماوات ذهب إلى هذا أبو علي لأنه لو علقها بـ ﴿أعلم﴾ لاقتضى أنه ليس بأعلم بغير ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم ويصح تعلقها بـ ﴿أعلم﴾ ولا يلتفت لدليل الخطاب وقرأ
الجمهور: ((زَبوراً)) بفتح الزاي، وهو فَعول بمعنى مفعول، وهو قليل لم يجىء إلا في قدوع وركوب
وحلوب، وقرأ حمزة ويحيى والأعمش ((زُبوراً)) بضم الزاي، وله وجهان: أحدهما أن يكون جمع زبور
بحذف الزائد، كما قالوا في جمع ظريف، ظروف، والآخر، أن يكون جمع زبور كأن ما جاء به داود،
جزىء أجزاء كل جزء منها زبر، سمي بمصدر زبر يزبر، ثم جمع تلك الأجزاء على زبور، فكأنه قال: آتينا
داود كتباً، ويحتمل أن يكون جمع زبر الذي هو العقل وسداد النظر، لأن داود أوتي من المواعظ والوصايا
كثيراً، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم، في آخر كتاب مسلم: ((وأهل النار خمسة: الضعيف
الذي لا زبر له))، قال قتادة زبور داود مواعظ وحكم ودعاء ليس فيه حلال ولا حرام.
قوله عز وجل :
أُوْلَكَ الَّذِينَ
قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُممِّنِ دُونِهِ، فَلَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا
يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ
رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٦) وَإِنِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوْهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا
شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا (®] وَمَا مَنَعَنَآ أَن تُرْسِلَ بِالْآَيَتِ إِلَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ
٥٩
وَءَنَّيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَانُرْسِلُ بِالْأَيَتِ إِلَّا تَخْوِيفَالـ
الذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في هذه الآية، ليسوا عبدة الأصنام، وإنما هم
عبدة من يعقل، واختلف في ذلك. فقال ابن عباس: هي في عبدة العزير والمسيح وأمه ونحوهم، وقال ابن
عباس أيضاً، وابن مسعود: هي في عبدة الملائكة، وقال ابن مسعود أيضاً: هي في عبدة شياطين كانوا
في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأسلم أولئك الشياطين، وعبدتهم بقوا يعبدونهم فنزلت الآية في
ذلك.
وقال ابن عباس أيضاً: هي في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه، وأي ذلك
كان، فمعنى الآية: قل لهؤلاء الكفرة ﴿ادعوا﴾ عند الشدائد، و﴿الضر﴾ هؤلاء المعبودين، فإنهم لا
يملكون كشفه ولا تحويله عنكم، ثم أخبرهم على قراءة ابن مسعود وقتادة ((تدعون)) بالتاء، أو أخبر النبي
عليه السلام على قراءة الجمهور، ((يدعون)) بالياء من تحت، أن هؤلاء المعبودين، يطلبون التقرب إلى الله
والتزلف إليه وأن هذه حقيقة حالهم، وقرأ ابن مسعود ((إلى ربك))، والضمير في ﴿ربهم) للمتبعين أو

٤٦٦
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٥٦ -٥٩
للجميع، و ﴿الوسيلة﴾، هي القربة، وسبب الوصول إلى البغية، وتوسل الرجل: إذا طلب الدنو والنيل
لأمر ما، وقال عنترة:
إن الرجال لهم إليك وسيلة
ومنه قول النبي عليه السلام: ((من سأل الله لي الوسيلة)) الحديث. و﴿أيهم﴾ ابتداء، و﴿أقرب﴾
خبر، و﴿أولئك﴾ يراد به المعبودون وهو: ابتداء خبره ﴿يبتغون) والضمير في ﴿يدعون﴾ للكفار، وفي
﴿يبتغون﴾ للمعبودين، والتقدير: نظرهم ووكدهم أيهم أقرب وهذا كما قال عمر بن الخطاب في حديث
الراية بخيبر: فبات الناس يدوكون أيهم يعطاها أي يتبارون في طلب القرب، وطفف الزجاج في هذا
الموضع فتأمله، وقال ابن فورك وغيره: إن الكلام من قوله ﴿أولئك الذين﴾ راجع إلى النبيين المتقدم
ذكرهم، فـ ﴿يدعون﴾ على هذا من الدعاء، بمعنى الطلبة إلى الله، والضمائر لهم في ﴿يدعون﴾ وفي
﴿يبتغون﴾ وباقي الآية بين. وقوله تعالى: ﴿وإن من قرية﴾ الآية: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه ليس
مدينة من المدن إلا هي هالكة قبل يوم القيامة بالموت والفناء، هذا مع السلامة وأخذها جزءاً أو هي معذبة
مأخوذة مرة واحدة فهذا عموم في كل مدينة و﴿من﴾ لبيان الجنس، وقيل، المراد الخصوص ﴿وإن من
قرية﴾ ظالمة، وحكى النقاش أنه وجد في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية استقراء البلاد
المعروفة اليوم، وذكر لهلاك كل قطر منها صفة، ثم ذكر نحو ذلك عن وهب بن منبه، فذكر فيه أن هلاك
الأندلس وخرابها يكون بسنابك الخيل واختلاف الجيوش فيها، وتركت سائرها لعدم الصحة في ذلك،
والمعلوم أن كل قرية تهلك، إما من جهة القحوط والخسف غرقاً، وإما من الفتن، أو منهما، وصور ذلك
كثيرة لا يعلمها إلا الله عزّ وجل، فأما ما هلك بالفتنة، فعن ظلم ولا بد، إما في كفر أو معاص، أو تقصير
في دفاع، وحزامة، وأما القحط فيصيب الله به من يشاء، وكذلك الخسف. وقوله ﴿مهلکوها﴾ الضمير لها،
وفي ضمن ذلك الأهل، وقوله ﴿معذبوها﴾ هو على حذف مضاف، فإنه لا يعذب إلا الأهل، وقوله ﴿في
الكتاب﴾ يريد في سابق القضاء، وما خطه القلم في اللوح المحفوظ، و((المسطور)) المكتوب إسطاراً،
وقوله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل) الآية، هذه العبارة في معناها هي على ظاهر ما تفهم العرب، فسمى
سبق قضائه بتكذيب من كذب وتعذيبه منعاً، وأن الأولى في موضع نصب، والثانية في موضع رفع،
والتقدير: وما منعنا الإرسال إلا التكذيب، وسبب هذه الآية أن قريشاً اقترحوا على رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً، واقترح بعضهم أن يزيل عنهم الجبال حتى يزرعوا الأرض، فأوحى الله
إلى محمد عليه السلام، إن شئت أن أفعل ذلك لهم، فإن تأخروا عن الإيمان عاجلتهم العقوبة، وإن شئت
استأنيت بهم، عسى أن أجتبي منهم مؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((بل تستأني بهم يا رب))،
فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لم يمنعه من إرسال الآيات المقترحة إلا الاستيناء، إذ قد
سلفت عادته بمعاجلة الأمم الذين جاءتهم الآيات المقترحة فلم يؤمنوا، قال الزجاج: أخبر تعالى
أن موعد كفار هذه الأمة الساعة، بقوله ﴿بل الساعة موعدهم﴾ [القمر: ٤٦]، فهذه الآية تنظر إلى ذلك،
ثم ذكر أمر ثمرد، احتجاجاً إن قال منهم قائل نحن كنا نؤمن لو جاءتنا آية اقتزحناها ولا نكفر بوجه، فذكر
الله تعالى ثمود، بمعنى: لا تؤمنون إن تظلموا بالآية كما ظلمت ثمود بالناقة، وقرأ الجمهور: ((ثمود)) بغير

٤٦٧
تفسير سورة الإسراء / الآية : ٦٠
تنوين، قال هارون: أهل الكوفة ينونون ((ثموداً)) فى كل وجه، قال أبو حاتم: لا تنون العامة والعلماء
بالقرآن ((ثمود)» في وجه من الوجوه، وفي أربعة مواطن ألف مكتوبة، ونحن نقرؤها بغير ألف، وقوله
﴿مبصرة﴾ على جهة النسب أي معها إبصار، كما قال: ﴿آية النهار مبصرة﴾ [الإسراء: ١٢] أي معها
إبصار ممن ينظر، وهذا عبارة عن بيان أمرها، ووضوح إعجازها، وقرأ قوم ((مُبصرة)) بضم الميم وفتح
الصاد، حكاه الزجاج، ومعناه متبينة، وقرأ قتادة ((مَبصرة)) بفتح الميم والصاد، وهي مَفعَلة من البصر ومثله
قول عنترة: [الكامل].
الكفر مخبئة لنفس المنعم
وقوله ﴿فظلموا بها﴾ أي وضعوا الفعل غير موضعه، أي بعقرها، وقيل بالكفر في أمرها، ثم أخبر الله
تعالى أنه إنما يرسل ﴿بالآيات﴾ غير المقترحة ﴿تخويفاً﴾ للعباد، وهي آيات معها إمهال لا معاجلة، فمن
ذلك الكسوف والرعد والزلزلة وقوس قزح وغير ذلك، قال الحسن والموت الذريع، وروي أن الكوفة
رجفت في مدة عبد الله بن مسعود. فقال: أيها الناس إن ربكم يستعتبكم فاعتبوه، ومن هذا قول النبي عليه
السلام في الكسوف: ((فافزعوا إلى الصلاة)) الحديث، وآيات الله المعتبر بها ثلاثة أقسام: فقسم عام في كل
شيء إذ حيثما وضعت نظرك وجدت آية، وهنا فكرة العلماء، وقسم معتاد غباً كالرعد والكسوف ونحوه،
وهنا فكرة الجهلة فقط، وقسم خارق للعادة وقد انقضى بانقضاء النبوءة، وإنما يعتبر به توهماً لما سلف
منه .
قوله عزّ وجل :
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَالرُّغْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ
فِ الْقُرْءَانِ وَتُحَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّأَ طُغْيَنًا كَبِيرًا
٦٠
قال الطبري: معنى قوله: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي في منعك يا محمد وحياطتك
وحفظك، فالآية إخبار له بأنه محفوظ من الكفرة، آمن أن يقتل أو ينال بمكروه عظيم، أي فالتبليغ رسالة
ربك، ولا تتهيب أحداً من المخلوقين، وهذا تأويل بيّن جار مع اللفظ، وقد روي نحوه عن الحسن بن
أبي الحسن والسدي، إلا أنه لا يناسب ما بعده مناسبة شديدة، ويحتمل أن يجعل الكلام مناسباً لما بعده،
توطئة له، فأقول: اختلف الناس في ﴿الرؤيا)، فقال الجمهور: هي رؤيا عين ويقظة، وهي ما رأى رسول
الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء، قالوا: فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة الإسراء
بما رأى في تلك الليلة من العجائب، قال الكفار إن هذا لعجيب تحث الحداة إلى بيت المقدس شهرين
إقبالاً وإدباراً، ويقول محمد إنه جاءه من ليلة وانصرف منه، فافتتن بهذا التلبيس قوم من ضعفة المسلمين،
فارتدوا وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآيات فعلى هذا، يحسن أن يكون
معنى قوله ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس﴾ أي: في إضلالهم وهدايتهم، وأن كل واحد ميسر لما

٤٦٨
تفسير سورة الإسراء / الآية: ٦٠
٠ـ
خلق له، أي فلا تهتم أنت بكفر من كفر، ولا تحزن عليهم، فقد قيل لك إن الله محيط بهم مالك لأمرهم،
وهو جعل رؤياك هذه فتنة ليكفر من سبق عليه الكفر، وسميت الرؤية في هذا التأويل ((رؤيا))، إذ هما
مصدران من رأى، وقال النقاش جاء ذلك على اعتقاد من اعتقد أنها منامة وإن كانت الحقيقة غير ذلك.
وقالت عائشة ﴿الرؤيا) في الإسراء رؤيا منام، وهذا قول الجمهور على خلاقه، وهذه الآية تقضي بفساده،
وذلك أن رؤيا المنام لا فتنة فيها، وما كان أحد لينكرها، وقد ذكر هذا مستوعباً في صدر السورة، وقال ابن
عباس: ﴿الرؤيا) التي في هذه الآية، هي رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يدخل مكة، فعجل في
سنة الحديبية فرد، فافتتن المسلمون بذلك، فنزلت الآيات، وقال سهل بن سعد: إنما هذه ((الرؤيا)) أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى بني أمية ينزون على منبره نزو القردة، فاهتم لذلك وما استجمع
ضاحكاً من يومئذ حتى مات، فنزلت الآية مخبرة أن ذلك من ملكهم وصعودهم المنابر، إنما يجعلها الله
فتنة للناس وامتحاناً، ويجيء قوله ﴿أحاط بالناس﴾ أي بأقداره، وأن كل ما قدره نافذ، فلا تهتم بما يكون
بعدك من ذلك وقد قال الحسن بن علي، في خطبته في شأن بيعته لمعاوية ﴿وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع
إلى حين﴾ [الأنبياء: ١١١]، وفي هذا التأويل نظر، ولا يدخل في هذه ((الرؤيا)) عثمان بن عفان، ولا عمر بن
عبد العزيز، ولا معاوية، وقوله ﴿والشجرة الملعونة في القرآن﴾: معطوفة على قوله ﴿الرؤيا)، أي جعلنا الرؤيا
والشجرة فتنة ﴿والشجرة﴾ هنا في قول الجمهور هي شجرة الزقوم، وذلك أن أمرها لما نزل في سورة
الصافات قال أبو جهل وغيره هذا محمد يتوعدكم بنار تحرق الحجارة، ثم يزعم أنها تنبت الشجر، والنار
تأكل الشجر وما نعرف الزقوم إلا التمر بالزبد، ثم أمر أبو جهل جارية له، فأحضرت تمراً وزبداً وقال
لأصحابه تزقموا، فافتتن أيضاً بهذه المقالة بعض الضعفاء، فأخبر الله نبيه أنه إنما جعل الإسراء وذكر شجرة
الزقوم فتنة واختباراً ليكفر من سبق عليه الكفر، ويصدق من سبق له الإيمان، كما روي أن أبا بكر الصديق،
قيل له، صبيحة الإسراء إن صاحبك يزعم أنه جاء البارحة بيت المقدس وانصرف منه فقال إن كان قال ذلك
فلقد صدق، فقيل له: أتصدقه قبل أن تسمع منه، قال: أين عقولكم، أنا أصدقه بخبر السماء فكيف لا
أصدقه بخبر بيت المقدس والسماء أبعد منها بكثير. وقالت فرقة: ﴿والشجرة﴾: إشارة إلى القوم
المذکورین قبل في ﴿الرؤيا).
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف محدث، وليس هذا عن سهل بن سعد، ولا مثله، وقال
الطبري عن ابن عباس: إن ﴿الشجرة الملعونة﴾ يريد الملعون آكلها، لأنها لم يجر لها ذكر.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يريد ﴿الملعونة﴾، هنا فأكد الأمر بقوله ﴿في القرآن﴾ وقالت
فرقة: ﴿الملعونة﴾، المبعدة المكروهة، وهذا أراد لأنها لعنها بلفظ اللعنة المتعارف، وهذا قريب في المعنى
من الذي قبله، وأيضاً فما ينبت في أصل الجحيم، فهو في نهاية البعد من رحمة الله، وقوله ﴿ونخوفهم﴾
يريد: إما كفار مكة، وإما الملوك من بني أمية بعد الخلافة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم،
((الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تكون ملكاً عضوضاً)) والأول منها أصوب كما قلنا قبل، وقوله ﴿فما
یزیدهم إلا طغياناً كبيراً﴾ يريد كفرهم وانتهاكهم فيه كقول أبي جهل في الزقوم والتزقم، فقد قال النقاش
إن في ذلك نزلت، وفي نحوه وقرأ الأعمش ((ويخوفهم)) وقرأ الجمهور و ((ونخوفهم)» بالنون.

٤٦٩
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٦١ - ٦٥
قوله عز وجل :
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أُسْجُدُ واْ لَِّّدَمَ فَسَجَدُواْإِلَّا إِبْلِسَ قَالَءَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا لَّا قَالَ
أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَ لَبِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِيلًا
(®َقَالَ أَذْهَبْ فَمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُ كُمْ جَزَآءَ مَّوْفُورًا (٣) وَاسْتَغْرِزْ مَنِ أَسْتَطَعْتَ
مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكَهُمْ فِ الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا
ج
يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١) إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ
٦٥
وَكِيلًا
المعنى: واذكر إذا قلنا، وكذلك ﴿إذ﴾ [الإسراء: ٦٠] في الآية المتقدمة: هي منصوبة بفعل
مضمر، وقد تقدم في غير موضع ذكر خلق آدم وأمر السجود، واختلف في قوله ﴿إلا إبليس﴾ فقيل هو
استثناء منقطع، لأن ﴿إبليس﴾ لم يكن من الملائكة، وقيل هو متصل لأن إبليس من الملائكة، وقوله
﴿طينً﴾ يصح أن يكون تمييزاً، ويصح أن يكون حالاً، وقاس ﴿إبليس﴾ في هذه النازلة فأخطأ، وذلك أنه
رأى الفضيلة لنفسه، من حيث رأى النار أفضل من الطين، وجهل أن الفضائل في الأشياء، إنما تكون حيث
خصصها الله تعالى، ولا ينظر إلى أصولها. وذكر الطبري عن ابن عباس أن إبليس هو الذي أمره الله فأخذ
من الأرض طينة آدم، والمشهور أنه ملك الموت، وكفر إبليس في أن جهل صفة العدل من الله تعالى،
حين لحقته الأنفة، والكبر، وكان أصل ذلك الحسد، ولذلك قيل: إن أول ما عصي اللّه بالحسد، وظهر
ذلك من إبليس، من قوله ﴿أرأيتك هذا الذي كرمت علي﴾ ﴿أنا خير منه﴾ [الأعراف: ١١] حسبما ذكر الله
في آية أخرى. فهذا هو النص بأن فعلك غير مستقيم، والكاف في قوله ﴿أرأيتك﴾ هي كاف خطاب ومبالغة
في التنبيه، لا موضع لها من الإعراب، فهي زائدة، ومعنى أرأيت: أتأملت ونحوه، كأن المخاطب بها ينبه
المخاطب ليستجمع لما ينصه عليه بعد، وقال سيبويه: هي بمعنى أخبرني، ومثل بقوله أرأيتك زيداً أبو من
هو؟ وقاله الزجاج: في ﴿آياتنا﴾ [طه: ٥٦] ولم يمثل، وقول سيبويه: صحيح حيث يكون بعدها استفهام
كمثاله، وأما في هذه الآية، فهي كما قلت، وليست التي ذكر سيبويه رحمه الله، وقرأ ابن كثير ((أخرتني))
بياء في الوصل والوقف، وهذا هو الأصل، وليس هذا الموضع كالقافية التي يحسن فيها الحذف، كمثل قول
الأعشى : [المتقارب]
فهل يمنعني ارتياد البلاد من حذر الموت أن يأتين
وقرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل وبحذفها في الوقف، وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي
(أخرتن)) بحذف الياء في الوصل والوقوف، وهذا تشبيه بياء قاض ونحوه، لكونها ياء متطرفة قبلها كسرة،
ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ [هود: ١٠٥] وقوله ﴿لأحتنكن﴾ معناه: لأميلن

٤٧٠
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٦١ - ٦٥
ولأجرن، وهو مأخوذ من تحنيك الدابة، وهو أن يشد على حنكها بحبل أو غيره فتنقاد، وألسنة تحتنك
المال، أي تجتره، ومنه قول الشاعر:
نشكو إليك سنة قد أجحفت جهداً إلى جهد بنا فأضعفت
١٠٠
واحتنکت أموالنا وجلفت
ومن هذا الشعر، قال الطبري ﴿لأحتنكن﴾ معناه: لاستأصلن، وعبر ابن عباس في ذلك
بـ ((لأستولين))، وقال ابن زيد لأضلن، وهذا بدل اللفظ لا تفسير، وحكم إبليس بهذا الحكم على ذرية
آدم، من حيث رأى الخلقة مجوفة مختلفة الأجزاء وما اقترن بها من الشهوات والعوارض، كالغضب
ونحوه، ثم استثنى القليل، لعلمه أنه لا بد أن يكون في ذريته من يصلب في طاعة الله، وقوله: ﴿اذهب﴾
وما بعده من الأوامر، هو صيغة افعل من التهديد، كقوله تعالى ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠]
و﴿تبعك﴾ معناه في طريق الكفر الذي تدعو إليه، فالآية في الكفار وفي من ينفذ عليه الوعيد من العصاة
وقوله ﴿جزاء﴾ مصدر في موضع الحال، و((الموفور)) المكمل ﴿واستفزز﴾ معناه استخف واخدع حتى يقع
في إرادتك، تقول استفزني فلان في كذا إذا خدعك حتى تقع في أمر أراده، ومن الخفة قيل لولد البقرة فز
ومثله قول زهير:
خاف العيون فلم ينظر به الحشك :.
كما استغاث بسییء فز غيطلة .
و((الصوت)) هنا: قيل هو الغناء والمزامير والملاهي، لأنها أصوات كلها مختصة بالمعاصي، فهي
مضافة إلى ﴿الشيطان﴾، قاله مجاهد، وقيل معناه: بدعائك إياهم إلى طاعتك، قال ابن عباس: صوته،
كل داع إلى معصية الله، والصواب أن يكون الصوت يعم جميع ذلك. وقوله ﴿وأجلب﴾ أي هول؛
والجلبة: الصوت الكثير المختلط الهائل، وقرأ الحسن: ((واجلُب)) بوصل الألف وضم اللام. وقوله
﴿بخيلك ورجلك﴾ قيل هذا مجاز واستعارة، بمعنى: اسع سعيك، وابلغ جهدك، وقيل معناه: أن له من
الجن خيلاً ورجلاً، قاله قتادة، وقيل المراد: فرسان الناس ورجالتهم، المتصرفون في الباطل،، فإنهم
كلهم أعوان لإبليس على غيرهم، قاله مجاهد وقرأ الجمهور ((ورجْلك)) بسكون الجيم، وهو جمع راجل،
كتاجر وتجر، وصاحب وصحب، وشارب وشرب، وقرأ حفص عن عاصم: ((ورجلك)) بكسر الجيم على
وزن فعل، وكذلك قرأ الحسن وأبو عمرو بخلاف عنه، وهي صفة؛ تقول فلان يمشي رجلًا، غیر راكب،
ومنه قول الشاعر: [البسيط]
ولا كذا رجلاً إلا بأصحابي
أنا أقاتل عن ديني على فرسي
وقرأ قتادة وعكرمة: ((ورجالك)). ﴿وشاركهم في الأموال﴾ عام: لكل معصية يصنعها الناس بالمال،
فإن ذلك المصرف في المعصية، هو خط إبليس، فمن ذلك البحائر وشبهها، ومن ذلك مهر البغي، وثمن
الخمر، وحلوان الكاهن، والربا، وغير ذلك مما يوجد في الناس دأباً. وقوله ﴿والأولاد﴾ عام لكل ما يصنع
في أمر الذرية من المعاصي فمن ذلك الإيلاد بالزنا، ومن ذلك تسميتهم عبد شمس، وعبد الجدي، وأبا
الكويفر، وكل اسم مكروه ومن ذلك الواد الذي كانت العرب تفعله، ومن ذلك صنعهم في أديان الكفر،

٤٧١
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٦٦ - ٦٩
وغير هذا، وما أدخل النقاش من وطء الجن وأنه تحبل المرأة من الإنس فضعيف كله. وقوله ﴿وعدهم﴾ أي
منّهم بما لا يتم لهم، وبأنهم غير مبعوثين، فهذه مشاركة في النفوس، ثم أخبر الله تعالى أنه يعدهم
﴿غروراً﴾ منه، لأنه لا يغني عنهم شيئاً، وقوله ﴿إن عبادي﴾ الآية، قول من الله تعالى لإبليس،
وقوله ﴿عبادي﴾ يريد المؤمنين في الكفر، والمتقين في المعاصي، وخصهم باسم العباد، وإن كان اسماً
عاماً لجميع الخلق، من حيث قصد تشريفهم والتنويه بهم، كما يقول رجل لأحد بنيه إذا رأى منه ما يحب:
هذا ابني، على معنى التنبيه منه والتشريف له، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص :
((هذا خالي فليرني امرؤ خاله))، و((السلطان)) الملكة والتغلب، وتفسيره هنا بالحجة قلق، ثم قال تعالى
لنبيه عليه السلام: ﴿وكفى بربك﴾ يا محمد حافظاً للمؤمنين، وقيماً على هدايتهم.
قوله عز وجل :
رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْجِى لَكُمُ الْفُلْكَ فِى الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوْ مِن فَضْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا
وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا نَجَتِكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنِسَنُ كَفُورًا
﴿ أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَحْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّلَا تَجِدُ وْلَكُمْ وَكِيلًا
٦٨
أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الْرِيجِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَاكَفَرْتُمْ ثُمَّلَا
تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ، يَبِيعًا
٦٩
((الإزجاء)): سوق الثقيل السير، إما لضعف أو ثقل حمل أو غيره، فالإبل الضعاف تزجى، ومنه قول
الفرزدق: [البسيط]
على زواحف تزجيها محاسير
والسحاب تزجى ومنه قوله تعالى ﴿ألم تر أن الله يزجي سحاباً﴾ [النور: ٤٣] والبضاعة المزجاة هي
التي تحتاج لاختلالها أن تساق بشفاعة وتدفع بمعاون إلى الذي يقبضها، وإزجاء ﴿الفلك﴾ سوقه بالريح
اللينة والمجاديف، و ﴿الفلك﴾ و﴿البحر﴾ الماء الكثير عذباً كان أو ملحاً، وقد غلب الاسم على هذا
المشهور، و ﴿الفلك﴾ تجري فيها. وقوله ﴿لتبتغوا من فضله﴾ لفظ يعم البصر، وطلب الأجر، في حج أو
غزو ونحوه، ولا خلاف في جواز ركوبه للحج والجهاد والمعاش، واختلف في وجوبه للحج، أعني الكثير
منه، واختلف في كراهيته للثروة وتزيد المال، وقد روي عنه أنه قال (البحر لا أركبه أبداً))، وهذا حديث
يحتمل أنه رأي رآه لنفسه، ويحتمل أنه أوحي إليه ذلك، وهذه الآية توقيف على آلاء الله وفضله عند عباده.
و﴿الضر﴾ لفظ يعم خوف الغرق، والامتساك في المشي، وأهول حالاته: اضطرابه وتموجه. وقوله
﴿ضل﴾ معناه تلف وفقد، وهي عبارة تحقير لمن يدعي إلهاً من دون الله، والمعنى في هذه الآية أن الكفار
إنما يعتقدون في أصنامهم أنها شافعة، وأن لها فضلاً، وكل واحد منهم بالفطرة يعلم علماً لا يقدر على
مدافعته أن الأصنام لا فعل لها في الشدائد العظام، فوفقهم الله من ذلك على حالة البحر . وقوله

٤٧٢
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٧٠ - ٧٥
﴿أعرضتم﴾ أي لم تفكروا في صنع الله وقت حاجتكم إليه، وقوله ﴿كفوراً﴾ أي بالنعم. و﴿الإنسان) هنا
للجنس، وكل أحد لا يكاد يؤدي شكر الله تعالى كما يجب، وقال الزجاج ﴿الإنسان﴾ يراد به الكفار،
وهذا غير بارع. وقوله ﴿أفأمنتم﴾ الآية، المعنى ﴿أفأمنتم﴾ أيها المعرضون الناسون الشدة، حين صرتم إلى
الرخاء ((أن يخسف الله بكم مكانكم من البر)) إذا أنتم في قبضة القدرة في البحر والبر. و((الحاصب))
العارض الرامي بالبرد والحجارة ونحو ذلك، ومنه قول الشاعر: [البسيط]
بحاصب كنديف القطن منثور
مستقبلين شمال الشام تضربنا
ومنه قول الأخطل: [الكامل]
ترمي العصاة بحاصب من ثلجها
حتى يبيت على العضاه جمالا
ومنه الحاصب الذي أصاب قوم لوط، والحصب: الرمي بالحصباء، وهي الحجارة الصغار، وقرأ
نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((يخسف)) بالياء على معنى يخسف الله، وكذلك ((يرسل)) و ((يعيد))
و ((يرسل)) و ((يغرق))، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ذلك كله بالنون، وقرأ أبو جعفر ومجاهد ((تغرقكم)) بالتاء أي
الريح، وقرأ حميد ((نغرقكم)) بالنون حقيقة وأدغم القاف في الكاف، ورويت عن أبي عمرو وابن محيصن
وقرأ الحسن وأبو رجاء ((يغرّقكم)) بشد الراء. و((الوكيل)) القائم بالأمور، و((القاصف)) الذي يكسر كل ما
يلقى ويقصفه، و﴿تارة﴾، جمعها تارات وتير، معناه: مرة أخرى، وقرأ أبو جعفر: ((من الرياح)) بالجمع.
و(التبيع)) الذي يطلب ثأراً أو ديناً، ومنه قول الشاعر: [الطويل]
غدوا وغدت غزلانهم فكأنها
ضوامن عزم لزهن تبيع
ومن هذه اللفظة قول النبي عليه السلام: ((إذا اتبع أحدكم على ملي فليتبع)) فالمعنى لا تحدون من
يتبع فعلنا بكم ويطلب نصرتكم.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّءَآدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى ڪَثِرِ
مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٣٦) يَوْمَ نَدْعُواْ كُلّ أُنَاسِ بِإِمَمِعٍ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَبَهُ بِيَسِنِهِ، فَأُوْلَكَ
يَقْرَهُونَ كِتَبَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿ وَمَن كَانَ فِى هَذِهٍِ أَعْمَى فَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ أَعْمَى
وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٦) وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذَا
إِذَا لَّأَذَقْتَكَ
٧٤
لَّا تَخَذُوَكَ خَلِيلًا [٣] وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْنَكَ لَقَدْكِدَتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
٧٥
﴿كرمنا﴾ تضعيف كرم، فالمعنى: جعلنا لهم كرماً، أي شرفاً وفضلاً، وهذا هو كرم نفي النقصان،
لا كرم المال؛ وإنما هو كما تقول: ثوب كريم، أي جمة محاسنه.

٤٧٣
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٧٠ - ٧٥
قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه: وهذه الآية، عدد اللّه تعالى فيها على بني آدم ما خصهم به من
بين سائر الحيوان، والحيوان والجن هو الكثير المفضول، والملائكة هم الخارجون عن الكثير المفضول، وحملهم
﴿في البر والبحر﴾، مما لا يصلح لحيوان سوى بني آدم أن يكون يحمل بإرداته وقصده وتدبيره ﴿في البر
والبحر﴾ جميعاً، والرزق ﴿من الطيبات﴾، ولا يتسع فيه حيوان اتساع بني آدم، لأنهم يكسبون المال خاصة
دون الحيوان، ويلبسون الثياب، ويأكلون المركبات من الأطعمة، وغاية كل حيوان أن يأكل لحماً نياً، أو طعاماً غير
مركب، و((الرزق))، كل ما صح الانتفاع به، وحكى الطبري عن جماعة أنهم قالوا: ((التفضيل)) هو أن يأكل بيديه
وسائر الحيوان بالفم، وقال غيره: وأن ينظر من إشراف أكثر من كل حيوان، ويمشي قائماً، ونحو هذا من
التفضيل، وهذا كله غير محذق وذلك للحيوان من هذا النوع ما كان يفضل به ابن آدم، كجري الفرس،
وسمعه، وإبصاره، وقوة الفيل، وشجاعة الأسد وكرم الديك، وإنما التكريم والتفضيل بالعقل الذي يملك
به الحيوان كله، وبه يعرف الله عز وجل، ويفهم كلامه، ويوصل إلى نعيمه، وقالت فرقة: هذه الآية تقضي
بفضل الملائكة على الإنس، من حيث هم المستثنون، وقد قال تعالى ﴿ولا الملائكة المقربون﴾،
[النساء: ١٧٢] وهذا غير لازم من الآية بل التفضيل بين الإنس والجن لم تعن به الآية، بل يحتمل أن
الملائكة أفضل، ويحتمل التساوي، وإنما صح تفضيل الملائكة من مواضعٍ أخر من الشرع، وقوله تعالى
﴿يوم ندعو﴾ الآية، يحتمل قوله ﴿يوم﴾ أن يكون منصوباً على الظرف، والعامل فيه: فعل مضمر تقديره
أنكر، أو فعل يدل عليه، قوله ﴿ولا يظلمون﴾ تقديره ((ولا يظلمون يوم ندعو)). ثم فسره ﴿يظلمون)
الأخير، ويصح أن يعمل فيه ﴿وفضلناهم﴾، وذلك أن فضل البشر يوم القيامة على سائر الحيوان بيّن،
لأنهم المنعمون المكلمون المحاسبون الذين لهم القدر، إما أن هذا يرده أن الكفار يومئذ أخسر من كل
حيوان، إذ يقول الكافر؛ يا ليتني كنت تراباً، ولا يعمل فيه ﴿ندعو﴾ لأنه مضاف إليه، ويحتمل أن يكون ﴿يوم﴾
منصوباً على البناء لما أضيف إلى غير متمكن، ويكون موضعه رفعاً بالابتداء والخبر في التقسيم الذي أتى
بعد في قوله ﴿فمن أوتي﴾ إلى قوله﴿ومن كان﴾. وقرأ الجمهور ((ندعو)) بنون العظمة، وقرأ مجاهد
((يدعو))، بالياء على معنى يدعو الله ورويت عن عاصم. وقرأ الحسن ((يُدعو)) بضم الياء وسكون الواو،
وأصلها يدعى ولكنها لغة لبعض العرب، يقلبون هذه الألف واوآً، فيقولون افعو حبلو، ذكرها أبو الفتح وأبو
علي في ترجمة أعمى بعد وقرأ الحسن: ((كل)) بالرفع، على معنى يدعى كل، وذكر أبو عمرو الداني عن
الحسن، أنه قرأ ((يدعى كل)) و﴿أناس﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، وقوله ﴿بإمامهم) يحتمل أن يريد
باسم إمامهم، ويحتمل أن يريد مع إمامهم، فعلى التأويل الأول: يقال يا أمة محمد، ويا أتباع فرعون،
ونحو هذا، وعلى التأويل الثاني: تجيء كل أمة معها إمامها، من هاد أو مضل، واختلف المفسرون في
((الإمام))، فقال مجاهد وقتادة: نبيهم، وقال ابن زيد كتابهم الذي نزل عليهم، وقال ابن عباس والحسن:
كتابهم الذي فيه أعمالهم، وقالت فرقة: متبعهم، من هاد أو مضل، ولفظة ((الإمام)) تعم هذا كله، لأن
الإمام هو ما يؤتم به ويهتدى به في المقصد، ومنه قيل لخيط البناء إمام، قال الشاعر يصف قدحاً : [الطويل]
كمخة ساق أو كمتن إمام
وقومته حتى إذا تم واستوى
ومنه قيل للطريق إمام، لأنه يؤتم به في المقاصد حتى ينهي إلى المراد وقوله: ﴿فمن أوني ساب.
1
i
i
:

٤٧٤
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٧٠ ٠ ٧٥
بيمينه﴾ حقيقة في أن في يوم القيامة صحائف تتطاير وتوضع في الأيمان لأهل الإيمان، وفي الشمائل لأهل الكفر،
وتوضع في أيمان المذنبين الذين ينفذ عليهم الوعيد، فسيستفيدون منها أنهم غير مخلدين في النار، وقوله
﴿يقرؤون كتابهم﴾ عبارة عن السرور بها أي يرددنها ويتأملونها، وقوله ﴿ولا يظلمون فتيلاً﴾ أي ولا أقل ولا
أكثر، فهذا هو مفهوم الخطاب حكم المسكوت عنه كحكم المذكور. كقوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أف﴾،
[الإسراء: ٢٣] وكقوله ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾ [النساء: ٤٠] وهذا كثير ومعنى الآية: أنهم لا يبخسون من
جزاء أعمالهم الصالحة شيئاً، و((الفتيل)) هو الخيط الذي في شق نواة التمرة يضرب به المثل في القلة
وتفاهة القدر، وقوله ﴿ومن كان﴾، الآية، قال محمد بن أبي موسى: الإشارة بهذه إلى النعم التي ذكرها
في قوله ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾ أي من عمي عن شكر هذه النعم والإيمان لمسديها، فهو في أمور الآخرة
وشأنها ﴿أعمى﴾
.:
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل ﴿أعمى﴾ الثاني أن يكون بمنزلة الأول، على أنه تشبيه بأعمى
البصر، ويحتمل أن يكون صفة تفضيل، أي أشد عمى، والعمى في هذه الآية هو عمى القلب في الأول
والثاني، وقال ابن عباس ومجاهد قتادة وابن زيد: الإشارة بهذه إلى الدنيا، أي من كان في هذه الدار أعمى
عن النظر في آيات الله وعبره والإيمان بأنبيائه، فهو في الآخرة أعمى؛ إما أن يكون على حذف مضاف،
أي في شأن الآخرة، وإما أن يكون: فهو في يوم القيامة أعمى، على معنی أنه حیران، لا یتوجه له صواب،
ولا یلوح له نجح، قال مجاهد «فهو في الآخرة أعمى)) عن حجته.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن الإشارة بـ ﴿هذه﴾ إلى الدنيا، أي من كان في دنياه هذه
ووقت إدراكه وفهمه أعمى عن النظر في آيات الله، فهو في يوم القيامة أشد حيرة وأعمى، لأنه قد باشر
٠٬٥٠
الخيبة، ورأى مخايل العذاب، وبهذا التأويل، تكون معادلة للتي قبلها، من ذكر من يؤتى كتابه بيمينه، وإذا
جعلنا قوله ﴿في الآخرة﴾ بمعنى في شأن الآخرة، لم تطرد المعادلة بين الآيتين. وقرأ ابن كثير ، ونافع،
وابن عامر، وحفص عن عاصم: ((أعمى)) في الموضعين، بغير إمالة، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم بخلاف
عنه في الموضعين بإمالة، وقرأ أبو عمرو بإمالة الأول وفتح الثاني، وتأوله بمعنى أشد عمى، ولذلك لم
يمله، قال أبو علي: لأن الإمالة إنما تحسن في الأواخر، و﴿أعمى﴾ ليس كذلك لأن تقديره أعمى من
كذا، فليس يتم إلا في قولنا من كذا، فهو إذاً ليس بآخر، ويقوي هذا التأويل قوله عطفاً عليه ﴿وأضل
سبيلاً﴾ فإنما عطف ﴿أضل﴾ الذي هو أفعل من كذا على ما هو شبيه به، وإنما جعله في الآخرة ﴿أضل
سبيلاً﴾، لأن الكافر في الدنيا يمكن أن يؤمن فينجو، وهو في الآخرة، لا يمكنه ذلك، فهو ﴿أضل سبيلاً﴾،
وأشد حيرة، وأقرب إلى العذاب، وقول سيبويه رحمه الله: لا يقال أعمى من كذا كما يقال ما أبداه، إنما هو
في عمى العين الذي لا تفاضل فيه، وأما في عمى القلب فيقال ذلك لأنه يقع فيه التفاضل، وذكر مكي في
هذه الآية، أن العمى الأول هو عمى العين عن الهدى وهذا بين الاختلال، والله المعين. وقوله ﴿وإن کادوا
ليفتنونك﴾ الآية، ﴿إن﴾ هذه عند سيبوبه هي المخففة من الثقيلة، واللام في قوله ﴿ليفتنونك﴾ لام
تأكيد، و﴿إن﴾ هذه عند الفراء بمعنى ما، واللام بمعنى إلا والضمير في قوله ﴿كادوا﴾ قيل هو لقريش وقيل
لثقيف، فأما لقريش، فقال ابن جبير ومجاهد: نزلت الآية لأنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا

٤٧٥
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٧٠ - ٧٥
ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تمس أيضاً أوثاننا على معنى التشرع بذلك، قال الطبري وغيره: فهمّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يظهر لهم ذلك، وقلبه منكر فنزلت الآية في ذلك قال الزجاج: فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه ((وما علي أن أفعل لهم ذلك والله تعالى يعلم ما في نفسي))، وقال
ابن إسحاق وغيره، إنهم اجتمعوا إليه ليلة فعظموه، وقالوا له: أنت سيدنا ولكن أقبل على بعض أمرنا ونقبل
على بعض أمرك، فنزلت الآية في ذلك فهي في معنى قوله تعالى: ﴿وَدّوا لو تدهن فيدهنون﴾ [القلم: ٩].
وحكى الزجاج أن الآية قيل إنها فيما أرادوه من طرد فقراء أصحابه، وأما لثقيف، فقال ابن عباس وغيره:
لأنهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يؤخرهم بعد إسلامهم سنة يعبدون فيها اللات، وقالوا إنا
نريد أن نأخد ما يهدى لنا، ولكن إن خفت أن تنكر ذلك عليك العرب، فقل: أوحى الله ذلك إلي، فنزلت
الآية في ذلك، ويلزم قائل هذا القول أن يجعل الآية مدنية، وقد روي ذلك، وروى قائلو الأقوال الأخر أنها
مكية.
قال القاضي أبو محمد: وجميع ما أريد من النبي صلى الله عليه وسلم بحسب هذا الاختلاف قد
أوحى الله إليه خلافه، إما في معجز وإما في غير معجز، وفعله هو أن لو وقع افتراء على الله إذ أفعاله وأقواله
إنما هي كلها شرع. وقوله ﴿وإذاً لا تخذوك خليلاً﴾ توقيف على ما نجاه الله منه من مخالفة الكفار والولاية
لهم، وقوله ﴿لولا أن ثبتناك﴾ الآية، تعديد نعمة على النبي صلى الله عليه وسلم، وروي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية قال ((اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين)). و((الركون)) شد الظهر
إلى الأمر أو الحزم على جهة السكون إليه، كما يفعل الإنسان بالركن من الجدران ومنه قوله تعالى حكاية .
﴿أو آوي إلى ركن شديد﴾ [هود: ٨٠]، وقرأ الجمهور ((تركَن)) بفتح الكاف، وقرأ ابن مصرف وقتادة
وعبد الله بن أبي إسحاق (ترگن)) بضم الکاف، ورسول الله صلی الله عليه وسلم لم یرکن، لكنه کاد بحسب
همه بموافقتهم طمعاً منه في استئلافهم، وذهب ابن الأنباري إلى أن معناه لقد كاد أن يخبروا عنك أنك
ركنت، ونحو هذا ذهب في ذلك إلى نفي الهم بذلك عن النبي عليه السلام، فحمل اللفظ ما لا يحتمل،
وقوله ﴿شيئاً قليلاً﴾ يبطل ذلك، وهذا الهم من النبي عليه السلام إنما كانت خطرة مما لا يمكن دفعه،
ولذلك قيل ﴿كدت﴾، وهي تعطي أنه لم يقع ركون، ثم قيل ﴿شيئاً قليلاً﴾ إذ كانت المقاربة التي تتضمنها
﴿كدت﴾ قليلة خطرة لم تتأكد في النفس، وهذا الهمّ هو كهمّ يوسف عليه السلام، والقول فيهما واحد
وقوله ﴿إذاً لأذقناك﴾ الآية، يبطل أيضاً ما ذهب إليه ابن الأنباري، وقوله ﴿ضعف الحياة وضعف الممات﴾
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك يريد ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات.
قال القاضي أبو محمد: على معنى أن ما يستحقه هذا المذنب من عقوبتنا في الدنيا والآخرة كنا
نضعفه لك، وهذا التضعيف شائع مع النبي عليه السلام في أجره، وفي ألمه وعقاب أزواجه، وباقي الآية
بین.
قوله عز وجل :
وَإِن كَادُواْلَيَسْتَفِرُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا

٤٧٦
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٧٦ - ٧٩
أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ
VV
سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا
٧٦
الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾﴾ وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ
٧٩
بِهِ، نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَحْمُودًا
قال حضرمي الضمير في ﴿كادوا﴾ ليهود المدينة وناحيتها، كحيي بن أخطب وغيره، وذلك أنهم
ذهبوا إلى المكر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: إن هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء، وإنما
أرض الأنبياء بالشام، ولكنك تخاف الروم، فإن كنت نبياً، فاخرج إليها فإن الله سيحميك كما حمى غيرك
من الأنبياء، فنزلت الآية في ذلك، وأخبر الله عز وجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو خرج لم يلبثهم
بعده ﴿إلا قليلاً﴾، وحكى النقاش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج بسبب قولهم، وعسكر بذي
الحليفة، وأقام ينتظر أصحابه، فنزلت الآية عليه، فرجع، وهذا ضعيف لم يقع في سيرة ولا في كتاب
يعتمد عليه، وذو الحليفة ليس في طريق الشام من المدينة، وقالت فرقة الضمير في ﴿كادوا﴾ هو لقريش،
وحكى الزجاج أن ((استفزازهم)) هو ما كانوا أجمعوا عليه في دار الندوة من قتله، و ﴿الأرض﴾ على هذا
عامة في الدنيا، كأنه قال ﴿ليخرجوك﴾ من الدنيا، وعلى سائر الأقوال هي أرض مخصوصة، إما مكة وإما
المدينة، كما قال تعالى ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]. فإنما معناه من الأرض التي فيها تصرفهم
وتمعسهم، وقال ابن عباس وقتادة: واستفزاز قريش هو ما كانوا ذهبوا إليه من إخراج رسول الله صلى الله
عليه وسلم من مكة، كما ذهبوا قبل إلى حصره في الشعب، ووقع استفزازهم هذا بعد نزول الآية، وضيقوا
عليه حتى خرج واتبعوه إلى الغار وغير ذلك، ونفذ عليهم الوعيد في أن لم يلبثوا خلفه ﴿إلا قليلاً﴾ يوم
بدر، وقال مجاهد ذهبت قريش إلى هذا ولكنه لم يقع منها، لأنه لما أراد الله استبقاء قريش وأن لا
يستأصلها، أذن لرسوله بالهجرة، فخرج من الأرض بإذن الله لا يقهر قريش، واستبقيت قريش ليسلم منها
ومن أعقابها من أسلم، قال: ولو أخرجته قريش لعذبوا، فذهب مجاهد رحمه الله إلى أن الضمير في
﴿يلبثون﴾ عام في جميعهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((وإذاً لا يلبثوا)) بحذف النون، وإعمال
﴿إذاً﴾، وسائر القراء ألغوها وأثبتوا النون، وقرأ عطاء بن أبي رباح ((يُلَبّثون)) بضم الياءَ وفتح اللام وشد
الباء، وروي مثله عن يعقوب إلا أنه كسر الباء، وقرأ عطاء ((بعدك إلا قليلاً))، وقرأ الجمهور ((خلفك))، وقرأ
ابن عامر وحمزة الكسائي وحفص عن عاصم ((خلافك))، والمعنى واحد، ومنه قول الشاعر: [الكامل]
عقب الرذاذ خلافها فكأنما بسط الشواطب بينهن حصيرا
ومنه قوله تعالى: ﴿فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله﴾ [التوبة: ٨١]، على بعض تأويلاته
أي بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه اللفظة قد لزم حذف المضاف لأن التقدير في آياتنا
خلاف خروجك، وفي بيت الشاعر خلاف انبساط الشمس أو نحوه، قال أبو علي: أصابوا هذه الظروف
تضاف إلى الأسماء الأعيان التي ليست أحداثاً فلم يستحبوا إضافتها إلى غير ما جرى عليه كلامهم كما أنها
لما جرت منصوبة في كلامهم تركوها على حالها إذا وقعت في غير موضع النصب، كقوله تعالى : ﴿وإنا منا

٤٧٧
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٧٦ - ٧٩
الصالحون ومنا دون ذلك﴾ [الجن: ١١]، وقوله ﴿يوم القيامة يفصل بينكم﴾ [الممتحنة: ٣]، وقوله
﴿سنّ﴾ نصب على المصدر، وقال الفراء نصبه على حذف الخافض، لأن المعنى كسنة، فحذفت الكاف
ونصب ويلزمه على هذا أن لا يقف على قوله ﴿قليلاً﴾، ومعنى الآية الإخبار أن سنة الله تعالى في الأمم
الخالية وعادته أنها إذا أخرجت نبيها من بين أظهرها نالها العذاب واستأصلها الهلاك فلم تلبث بعده إلا
قليلاً، وقوله ﴿أقم الصلاة) الآية، هذه بإجماع من المفسرين إشارة إلى الصلوات المفروضة، فقال ابن
عمر وابن عباس وأبو بردة والحسن والجمهور: ((دلوك الشمس)) زوالها، والإشارة إلى الظهر والعصر،
و﴿غسق الليل﴾ أشير به إلى المغرب والعشاء، ﴿وقرآن الفجر﴾ أريد به صلاة الصبح، فالآية على هذا تعم
جميع الصلوات وروى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتاني جبريل ﴿لدلوك الشمس)
حين زالت فصلى بي الظهر))، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عنده وقد طعم وزالت
الشمس، فقال اخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس، وقال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن أسلم:
((دلوك الشمس)) غروبها، والإشارة بذلك إلى المغرب، و﴿غسق الليل﴾ اجتماع ظلمته، فالإشارة إلى
العتمة، ﴿وقرآن الفجر﴾ صلاة الصبح، ولم تقع إشارة على هذا إلى الظهر والعصر، والقول الأول أصوب
لعمومه الصلوات، وهما من جهة اللغة حسنان، وذلك أن الدلوك هو الميل في اللغة فأول الدلوك هو
الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكاً، لأنها في حالة ميل، فذكر الله
﴿الصلوات﴾ التي في حالة ((الدلوك)) وعنده، فيدخل في ذلك الظهر والعصر والمغرب ويصح أن تكون
المغرب داخلة في ﴿غسق الليل﴾، ومن الدلوك الذي هو الميل قول الأعرابي للحسن بن أبي الحسن
أيدالك الرجل امرأته يريد أيميل بها إلى المطل في دينها فقال له الحسن نعم إذا كان ملفجاً، أي عديماً،
ومنه قول ذي الرمة: [الطويل]
١
مصابيح ليست باللواتي تقودها
نجوم ولا بالآفلات الدوالك
ومن ذلك قول الشاعر: [الرجز]
غدوة حتى دلكت براح
هذا مكان قدمي رباح
يروى براح بكسر الباء، قال أبو عبيدة الأصمعي وأبو عمرو الشيباني ومعناه براحة الناظر يستكف بها
أبداً لينظر كيف ميلها وما بقي لها، وهذا نحو قول الحجاج: [الرجز]
والشمس قد كادت تكون دنفاً دفعها بالراح كي تزحلقا
وذكر الطبري عن ابن مسعود أنه قال: دلكت براح يعني براح مكاناً. قال: فإن كان هذا من تفسير
ابن مسعود فهو أعلم، وإن كان من كلام راوٍ فأهل الغريب أعلم بذلك، ويروى أن البيت الأول: ((غدوة
حتى هلكت بَراح))، بفتح الباء على وزن قطام وحذام، وهو اسم من أسماء الشمس، وغسق الليل اجتماعه
وتكاثف ظلمته، وقال الشاعر: [المديد]
آب هذا اللیل إذ غسقا

٤٧٨
تفسير: سورة الإسراء / الآيات: ٧٦ - ٧٩
وقال ابن عباس: ﴿غسق الليل﴾ بدؤه، ونصب قوله ﴿وقرآن﴾ بفعل مضمر تقديره واقرأ قرآن،
ويصح أن ينصب عطفاً على الصلاة، أي ((وأقم قرآن الفجر))، وعبر عن صلاة الصبح خاصة بــ ((القرآن))
لأن القرآن هو عظمها، إذ قراءتها طويلة مجهور بها، ويصح أن ينصب قوله: ﴿وقرآن﴾ على الإغراء وقوله
﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ معناه ليشهده حفظة النهار وحفظة الليل من الملائكة حسبما ورد في
الحديث المشهور من قوله عليه السلام: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في
صلاة الصبح وصلاة العصر))، الحديث بطوله من رواية أبي هريرة وغيره، وعلى القول بذلك مضى
الجمهور، وذكر الطبري حديثاً عن ابن عسكر من طريق أبي الدرداء، في قوله ﴿كان مشهوداً﴾ قال
محمد بن سهل بن عسكر يشهده الله وملائكته، وذكر في ذلك الحديث أن الله تعالى ينزل في آخر الليل،
ونحو هذا مما ليس بالقوي، وقوله ﴿ومن الليل﴾ ﴿من﴾ للتبعيض، التقدير ووقتاً من الليل أي وقم وقتاً،
والضمير في ﴿به﴾ عائد على هذا المقدر ويحتمل أن يعود على ((القرآن)) وإن كان لم يجر له ذكر مطلق كما
هو الضمير مطلق، لكن جرى مضافاً إلى الفجر، و﴿فتهجد﴾ معناه: فاطرح الهجود عنك، والهجود النوم،
يقال هجد يهجد بضم الجيم هجوداً إذا نام، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] :
فباتت بعلات النوال تجود
ألا طرقتنا والرفاق هجود
ومنه قول الحطيئة : [الطويل]
وخوص بأعلى ذي طوالة هجد
فحياك ودما هداك لفتية
وهذا الفعل جار مجرى تحوب وتأثم وتحنث، ومثله ﴿فظلتم تفكهون﴾ [الواقعة: ٦٥] معناه
تندمون، أي تطرحون الفاكهة عن أنفسكم وهي انبساط النفس وسرورها، يقال رجل فكه إذا كان كثير
السرور والضحك، فالمعنى وقتاً من الليل اسهر به في صلاة وقراءة، وقال الأسود وعلقمة وعبد الرحمن بن
الأسود: ((التهجد)) بعد نومة، وقال الحجاج بن عمرو إنما ((التهجد)) بعد رقدة، وقال الحسن: ((التهجد)) ما
كان بعد العشاء الآخرة، وقوله ﴿نافلة لك﴾ قال ابن عباس وغيره: معناه زيادة لك في الفرض، قالوا؛ وكان
قيام الليل فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم .
قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الآية أن يكون هذا على وجه الندب في التنفل، ويكون الخطاب
للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته كخطابه في قوله ﴿أقم الصلوات) الآية. وقال مجاهد: إنما
هي ﴿نافلة﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه مغفور له والناس يحطون بمثل ذلك خطاياهم، وبين أن النبي
صلى الله عليه وسلم منذ غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر عام الحديبية فإنما كانت نوافله واستغفاره فضائل
من العمل وقرباً أشرف من نوافل أمته، لأن هذا إما أن تجبر بها فرائصهم حسب الحديث، وإما أن تخط بها
خطاياهم، وقد يتصور من لا ذنب له ينتفل فيكون تنفله فضيلة، كنصراني يسلم وصبي يحتلم، وضعف
الطبري قول مجاهد. وقوله ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ عزة من الله عز وجل لرسوله، وهو أمر
الشفاعة الذي يتدافعه الأنبياء حتى ينتهي إليه عليه السلام، والحديث بطوله في البخاري ومسلم، فلذلك
اختصرناه، ولأجل ذلك الاعتمال الذي له في مرضاة جميع العالم مؤمنهم وكافرهم قال: ((أنا سيد، ولد آدم

٤٧٩
تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٨٠ - ٨٤
ولا فخر)). و﴿عسى﴾ من اللّه واجبة، و﴿مقاماً﴾ نصب على الظرف، ومن غريب حديث الشفاعة اقتضابه
المعنى، وذلك أن صدر الحديث يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم يستنهض للشفاعة في أن يحاسب
الناس وينطلقون من الموقف، فيذهب لذلك، وينص بإثر ذلك على أنه شفع في إخراج المذنبين من النار،
فمعناه الاقتضاب والاختصار. لأن الشفاعة في المذنبين لم تكن إلا بعد الحساب والزوال من الموقف،
ودخول قوم الجنة ودخول قوم النار، وهذه الشفاعة لا يتدافعها الأنبياء بل يشفعون ويشفع العلماء، وذكر
الطبري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((المقام المحمود هو المقام الذي أشفع فيه
لأمتي)).
قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن يتأول هذا على ما قلناه لأمته وغيرها، أو يقال إن كل مقام منها
محمود، قال النقاش: لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات، شفاعة العامة، وشفاعة السبق إلى
الجنة، وشفاعة في أهل الكبائر، والمشهور أنهما شفاعتان فقط، وحكى الطبري عن فرقة منها مجاهد أنها
قالت: ((المقام المحمود)) هو أن الله عز وجل يجلس محمداً معه على عرشه، وروت في ذلك حديثاً،
وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى وفيه بعد، ولا ينكر
مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله، وقد ذكر النقاش عن أبي داود السختياني أنه قال من أنكر هذا الحديث
فهو عندنا متهم ما زال أهل العلم يتحدثون بهذا .
قال القاضي أبو محمد: من أنكر جوازه على تأويله.
٨٠
قوله عز وجل :
وَقُل رَّبِّ أَدْخِلِى مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِى مُخْرَجَ صِدْقٍ وَأَجْعَل لِ مِن لَّدُنكَ سُلْطَنَا نَصِيرًا
وَقُلْ جَآءَ اَ لْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَطِلُ إِنَّ الْبَطِلَ كَانَ زَهُوقًا (﴾ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ
لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلََّ خَسَارًا ﴿ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ أَعْرَضَ وَنَاِجَانِ، وَإِذَا مَسَّهُ
الشَّرْكَانَ يَتُوسَالَ قُلْ كُلٌ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ، فَرَبُكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَأَهْدَى سَبِيلًا
٨٤
ظاهر هذه الآية والأحسن فيها أن يكون دعاء في أن يحسن الله حالته في كل ما يتناول من الأمور
ويحاول من الأسفار والأعمال وينتظر من تصرف المقادير في الموت والحياة، فهي على أتم عموم، معناه
﴿ربِّ﴾ أصلح لي وردي في كل الأمور وصدري، وذهب المفسرون إلى أنها في غرض مخصوص، ثم
اختلفوا في تعيينه، فقال ابن عباس والحسن وقتادة: أراد ﴿أدخلني﴾ المدينة ﴿وأخرجني﴾ من مكة، وتقدم
في هذا التأويل المتأخر في الوقوع، فإنه متقدم في القول لأن الإخراج من مكة هو المتقدم، اللهم إن مكان
الدخول والقرار هو الأهم، وقال أبو صالح ومجاهد: ﴿أدخلني﴾ في أمر تبليغ الشرع ﴿وأخرجني﴾ منه
بالأداء التام، وقال ابن عباس: الإدخال بالموت في القبر والإخراج البعث، وما قدمت من العموم التام
الذي يتناول هذا كله، أصوب، وقرأ الجمهور ((مُدخل)) ((ومُخرج)) بضم الميم، فهو جرى على ﴿أدخلني
1

٤٨٠
تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨٠ - ٨٤
وأخرجني﴾ وقرأ أبو حيوة وقتادة وحميد، ((مَدخل)) ((ومَخرج)) بفتح الميم، فليس بجار على ﴿أدخلني﴾
ولكن التقدير ((أدخلني فأدخل مدخل))، لأنه إنما يجري على دخل، و((الصدق)) هنا صفة تقتضي رفع
المذام واستيعاب المدح، كما تقول رجل صدق أي جامع للمحاسن، وقوله ﴿واجعل لي من لدنك سلطاناً
نصيراً﴾ قال مجاهد وغيره: حجة، يريد تنصرني ببيانها على الكفار، وقال الحسن وقتادة يريد سعة ورياسة
وسيفاً ينصر دين الله، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بأمر الله إياه به رغبة في نصر الدين،
فروي أن الله وعده بذلك ثم أنجزه له في حياته وتممه بعد وفاته، وقوله ﴿وقل جاء الحق﴾ الآية، قال
قتادة: ﴿الحق﴾ القرآن، و﴿الباطل) الشيطان، وقالت فرقة: ﴿الحق﴾ الإيمان، ﴿والباطل﴾ الكفر، وقال
ابن جريج: ﴿الحق﴾ الجهاد، ﴿والباطل﴾ الشرك، وقيل غير ذلك، والصواب تعميم اللفظ بالغاية
الممكنة، فيكون التفسير جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه، ﴿وزهق﴾ الكفر بجميع ما انطوى فيه،
و ﴿الباطل﴾ كل ما لا تنال به غاية نافعة. وقوله ﴿كان زهوقاً﴾ ليست ﴿كان﴾ إشارة إلى زمن مضى، بل
المعنى كان وهو يكون، وهذا كقولك كان الله عليماً قادراً ونحو هذا، وهذه الآية نزلت بمكة، ثم إن رسول
الله كان يستشهد بها يوم فتح مكة وقت طعنه الأصنام وسقوطها لطعنه إياها بالمخصرة حسبما في السيرة لابن
هشام وفي غيرها، وقرأ الجمهور ((وننزل)) بالنون، وقرأ مجاهد ((وينزل)) بالياء خفيفة، ورواها المروزي عن
حفص، وقوله ﴿من القرآن﴾ يصح أن تكون ﴿من﴾ لابتداء الغاية، ويصح أن تكون لبيان الجنس كأنه قال
وننزل ما فيه شفاء ﴿من القرآن﴾ وأنكر بعض المتأولين أن يكون ﴿من﴾ للتبعيض لأنه تحفظ من يلزمه أن
بعضه لا شفاء فيه .
قال القاضي أبو محمد: وليس يلزمه هذا بل يصح أن يكون للتبعيض بحسب أن إنزاله إنما هو
مبعض، فكأنه قال ﴿وننزل من القرآن﴾ شيئاً شيئاً ما فيه كله ﴿شفاء﴾، واستعارته الشفاء للقرآن هو بحسب
إزالته للريب وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات والأمور الدالة على الله تعالى المقررة لشرعه، ويحتمل
أن يراد بـ ((الشفاء)) نفعه من الأمراض بالرقى والتعويذ ونحوه، وكونه رحمته ظاهر، وقوله ﴿ولا يزيد
الظالمين إلا خساراً﴾ معنى أنه عليهم عمى، إذ هم معرضون بحالة من لا يفهم ولا يلقن. وقوله ﴿وإذا
أنعمنا﴾ الآية، ﴿الإنسان﴾ في هذه الآية لا يراد به العموم، وإنما يراد به بعضه وهم الكفرة، وهذا كما
تقول عند غضب: لا خير في الأصدقاء ولا أمانة في الناس، فأنت تعم مبالغة، ومرادك البعض، وهذا
بحسب ذكر الظالمين، و((الخسار)) في الآية قبل فاتصل ذكر الكفرة، ويحتمل أن يكون ﴿الإنسان﴾ في هذه
الآية عاماً للجنس، على معنى أن هذا الخلق الذميم في سجيته، فالكافر يبالغ في الإعراض والعاصي
يأخذ بحظه منه، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مؤمن: ((فأعرض فأعرض الله عنه))، ومعنى
﴿أعرض﴾ ولانا عرضه، ونأى أي بعد، وهذه استعارة، وذلك أنه يفعل أفعال المعرض النائي في تركه
الإيمان بالله وشكر نعمه عليه، وقرأ ابن عامر وحده «وناء)»، ومعناه نهض أي متباعداً، هذا قول طائفة،
وقالت أخرى هو قلب الهمزة بعد الألف من ﴿نأى﴾ بعينه وهي لغة كرأى وراء، ومن هذه اللفظة، قول
الشاعر في صفة رام : [الرجز]
حتى إذا ما التأمت مفاصله
وناء في شق الشمال كاهله