النص المفهرس
صفحات 441-460
٤٤١ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٨ - ١١ الآية، ﴿يهدي) في هذه الآية بمعنى يرشد، ويتوجه فيها أن تكون بمعنى يدعو، و﴿التي﴾ يريد بها الحالة والطريقة، وقالت فرقة، ﴿للتي هي أقوم﴾ لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: والأول أعم وكلمة الإخلاص وغيرها من الأقوال داخلة في الحال ((التي هي أقوم)) من كل حال تجعل بازائها، والاقتصار على ﴿أقوم﴾ ولم يذكر من كذا إيجاز، والمعنى مفهوم، أي ﴿للتي هي أقوم﴾ من كل ما غايرها فهي النهاية في القوام، وقيد المؤمنين بعمل الصالحات إذ هو كمال الإيمان وإن لم يكن في نفسه، والمؤمن المفرط في العمل له بإيمانه حظ في عمل الصالحات: و((الأجر الكبير)) الجنة، وكذلك حيث وقع في كتاب الله فضل كبير وأجر كبير فهو الجنة، وقوله ﴿أن﴾ الأولى في موضع نصب بـ ﴿يبشر﴾، و﴿أن﴾ الثانية عطف على الأولى، وهي داخلة في جملة بشارة المؤمنين، بشرهم القرآن بالجنة، وأن الكفار لهم عذاب أليم، وذلك أن علم المؤمنين بهذا مسرة لهم، وفي هذه البشارة وعيد للكفار بالمعنى، هذا الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وقرأ الجمهور، ((ويُبَشِّر)) بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين، وقرأ ابن مسعود ويحيى ين وثاب وطلحة ((ويَبْشُر)) بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين، و﴿أعتدنا﴾ معناه أحضرنا وأعددنا ومنه العتاد، و((الأليم)) الموجع، وقوله ﴿ويدع الإنسان﴾ الآية، سقطت الواو من ﴿يدع﴾ في خط المصحف لأنهم كتبوا المسموع، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: هذه الآية نزلت ذامة لما يفعله الناس من الدعاء على أموالهم وأبنائهم في وقت الغضب والضجر، فأخبر الله أنهم يدعون بالشر في ذلك الوقت کما تدعون بالخیر في وقت التثبت، فلو أجاب الله دعاءهم أهلکهم، لکنه یصفح ولا يجيب دعاء الضجر المستعجل، ثم عذر بعض العذر في أن الإنسان له عجلة فطرية، و ﴿الإنسان﴾ هنا قيل يريد به الجنس بحسب ما في الخلق من ذلك قاله مجاهد وغيره، وقال سلمان الفارسي وابن عباس: إشارته إلى آدم في أنه لما نفخ الروح في رأسه عطس وأبصر فلما مشى الروح في بدنه قبل ساقيه أعجبته نفسه فذهب ليمشي مستعجلاً لذلك فلم يقدر وأشارت ألفاظ هذه الآية إلى هذا والمعنى فأنتم ذوو عجلة موروثة من أبيكم، ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل أسيراً في قيْد في بيت سودة بنت زمعة فسمعت سودة أنينه فأشفقت فقالت له ما بالك؟ فقال: ألم القيد، فقالت: فأرخت من ربطه فسكت، ثم نامت، فتحيل في الانحلال وفر، فطلبه رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصبح، فأخبر الخبر، فقال قطع الله يدها ففزعت سودة ورفعت يديها نحو السماء وهي تخاف الإجابة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد جعل دعائي في مثل هذا رحمة على المدعو عليه، لأني بشر أغضب وأعجل، فلترد سودة يديها، وقالت فرقة هذه الآية نزلت في شأن قريش الذين قالوا ﴿اللهم إن كان الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: ٣٢]، وكان الأولى أن يقولوا فاهدنا إليه وارحمنا به فذمهم الله تعالى في هذه الآية بهذا، وقالت فرقة: معنى هذه الآية: معاتبة الناس على أنهم إذا نالهم شر وضرعوا وألحوا في الدعاء الذي كان يجب أن يدعوه في حالة الخير ويلتزمه من ذكر الله وحمده والرغبة إليه، لكنه يقصر حينئذ، فإذا مسه ضر ألح واستعجل الفرج، فالآية على هذا من نحو قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضُر مه﴾ [يونس: ١٢]. ٤٤٢ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٢ - ١٤ قوله عز وجل : وَجَعَلْنَا اُلَيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَتَيْنِّ فَحَوْنَآ ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلّ شَىْءٍفَصَّلْنَهُ تَفْصِيلًا ( وَكُلّ إِنسَنْ أَلْزَمْنَهُ طَبِرَهُ ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ فِ عُنُقِهِ، وَتَخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا يَلْقَئُهُ مَنْشُورًا ١٤ حَسِيبًا ((الآية)) العلامة المنصوبة للنظر والعبرة، وقوله ﴿فمحونا﴾ قالت فرقة: سبب تعقيب الفاء أن الله تعالى خلق الشمس والقمر مضيئين فمحا بعد ذلك القمر محاه جبريل بجناحيه ثلاثة مرات فمن هنالك كلّفُه وكونه منيراً فقط، وقالت فرقة، وهو الظاهر: إن قوله ﴿فمحونا﴾ إنما يريد في أصل خلقته، وهذا كما تقول بنيت داري فبدأت بالأس، ثم تابعت فلا تريد بالفاء التعقيب، وظاهر لفظ الآية يقتضي أربع آيات لا سيما لمن بنى على أن القمر هو الممحو والشمس هي المبصرة، فأما إن قدر الممحو في إظلام الليل والإبصار في: ضوء النهار أمكن أن تتضمن الآية ﴿آيتين﴾ فقط، على أن يكون فيها طرف من إضافة الشيء إلى نفسه، وقوله ﴿مبصرة﴾ مثل قولك ليل قائم ونائم أي ينام فيه ويقام، فكذلك («آية مبصرة)) أي يبصر بها ومعها، وحكى الطبري عن بعض الكوفيين أنه قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سلوا عما شئتم فقال ابن الكوّا: ما السواد الذي في القمر؟ فقال له علي: قاتلك الله هلا سألت عن أم دينك وآخرتك ذلك محو الليل وجعل الله تعالى النهار مبصراً ليبتغي الناس الرزق، وفصل اللّه، وجعل القمر مخالفاً للشمس ليعلم به العدد من السنين والحساب للأشهر وللأيام، ومعرفة ذلك في الشرع إنما هو من جهة القمر لا من جهة الشمس، وقوله ﴿كل شيءٍ﴾ منصوب بفعل مضمر يدل عليه الظاهر تقديره وفصلنا كل شيء فصلناه تفصيلاً وقيل: و﴿كل﴾ عطف على ﴿والحساب) فهو معمول ﴿لتعلموا﴾، والتفصيل البيان بأن تذكر فصول ما بين الأشياء وتزال أشباهها حتى يتميز الصواب من الشبه العارضة فيه، وقوله ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره﴾ الآية، قوله ﴿كل﴾ منصوب بفعل مقدر، وقرأ الحسن وأبو رجاء ومجاهد؛ ((طيره في عنقه))، قال ابن عباس ﴿طائره﴾ ما قدر له وعليه، وخاطب الله العرب في هذه الآية بما تعرف، وذلك أنه كان من عادتها التيمن والتشاؤم بالطير في كونها سانحة وبارحة وكثر ذلك حتى فعلته بالظبا وحيوان الفلاة، وسميت ذلك كله تطيراً، وكانت تعتقد أن تلك الطيرة قاضية بما يلقى الإنسان من خير وشر، فأخبرهم الله تعالى في هذه الآية في أوجز لفظ وأبلغ إشارة أن جميع ما يلقى الإنسان من خير وشر قد سبق به القضاء. وألزم حظه وعمله وتكسبه في عنقه، وروى جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا عدوى ولا طيرة)). ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه﴾ فعبر عن الحظ والعمل إذ هما متلازمان بـ ((الطائر))، قال جاهد وقتادة بحسب معتقد العرب في التطير، وقولهم في أمور على الطائر الميمون، وبأسعد طائر ومنه ما طار في المحاجة والسهم كقول أم العلا الأنصارية فطار لنا من القادمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة عثمان بن مظعون، أي كان ذلك حظنا، وأصل هذا كله من الطير التي تقضي عندهم بلقاء الخير 1 ٤٤٣ -- تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٥ - ١٧ والشر وأبطل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لا عدوى ولا طيرة))، وقوله ﴿في عنقه﴾ جرى أيضاً على مقطع العرب في أن تنسب ما كان إلزاماً وقلادة وأمانة ونحو هذا إلى العنق كقولهم: دمي في عنق فلان وكقول الأعشى : فائش والشيء حيثما جعلا والشعر قلدته سلامة ذا وهذا كثير، ونحوه جعلهم ما كان تكسباً وجناية وإثماً منسوباً إلى اليد إذ هي الأصل في التكسب، وقرأ أبو جعفر ونافع والناس ((ونخرج)) بنون العظمة ((كتاباً)) بالنصب، وقرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن: و((يخرُج)) بفتح الياء وضم الراء على الفعل المستقبل ((كتاباً)) أي طائره الذي كني به عن عمله يخرج له ذا كتاب، وقرأ الحسن من هؤلاء (كتابٌ)) بالرفع، وقرأ أبو جعفر أيضاً ((ويُخرَج)) بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله، ((كتاباً) أي طائره، وقرأ أيضاً ((كتاباً))، وقرأت فرقة ((ويُخرِج)) بضم الياء وكسر الراء أي يخرج الله، وفي مصحف أبي بن كعب ((في عنقه يقرؤه يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً))، وهذا الكتاب هو عمل الإنسان وخطيئاته، وقرأ الجمهور ((يَلْقاه)) بفتح الياء وسكون اللام وخفة القاف، وقرأ ابن عامر وحده، ((يُلَقّاه)) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف وهي قراءة الحسن بخلاف، وأبي جعفر والجحدري، وقوله ﴿اقرأ كتابك﴾ حذف من الكلام يقال له اختصار الدلالة الظاهرة عليه، و((الحسيب)) الحاسب ونصبه على التمييز، وأسند الطبري عن الحسن أنه قال: يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك يكتب حسناتك والآخر عن شمالك يحفظ سيئاتك، فاعمل ما شئت أو قلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً ﴿اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً﴾ قد عدل والله فيك من جعلك حسيب نفسك. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الألفاظ التي ذكر الحسن يكون الطائر ما يتحصل مع آدم من عمله في قبره فتأمل لفظه، وهذا هو قول ابن عباس وقال قتادة في قوله: ﴿اقرأ كتابك﴾ إنه سيقرأ يومئذ من لم یکن یقرأ. قوله عز وجل : مَّنِ آَهْتَدَى فَإِنَّمَا يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىْ وَمَا كُنَّهُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَرَسُولًا ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْفِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَ مَّرْنَهَا تَدْمِيراً ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٌ وَكَفَى بِرَكَ بِذُنُبِ عِبَادِهِ، خَبِيرُ أَبَصِيرًا ١٧ معنى هذه الآية أن كل أحد إنما يحاسب عن نفسه لا عن غيره، وروي أن سببها أن الوليد بن المغيرة المخزومي قال لأهل مكة: اكفروا بمحمد وإثمكم علي، فنزلت هذه الآية: أي إن الوليد لا يحمل إثمكم وإنما إثم كل واحد عليه، وقالت فرقة نزلت الإشارة في الهدى إلى أبي سلمة بن عبد الأسد، والإشارة بالضلال إلى الوليد بن المغيرة، و﴿وزر﴾ معناه حمل، والوزر الثقل، ومنه وزير السلطان أي يحمل ثقل دولته، وبهذه الآية نزعت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في الرد على من قال: إن الميت يعذب ببكاء الحي ٤٤٤ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٥ - ١٧ عليه، ونكتة ذلك المعنى إنما هي أن التعذيب إنما يعنّ إذا كان البكاء من سنة الميت، ومنبيه كما كانت العرب تفعل وقوله ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ قالت فرقة هي الجمهور: هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا من بعد الرسالة إليهم والإنذار، وقالت فرقة: هذا عام في الدنيا والآخرة. قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا المعنى: أن مقصد الآية في هذا الموضع الإعلام بعادة الله مع الأمم في الدنيا، وبهذا يقرب الوعيد من كفار مكة، ويؤيد هذا ما يجيء بعد من وصفه ما يكون عند إرادته إهلاك قرية، ومن إعلامه بكثرة ما أهلك من القرون ومع هذا فالظاهر من كتاب الله في غير هذا الموضع ومن النظر أن الله تعالى لا يعذب في الآخرة إلا بعد بعثة الرسل، كقوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى﴾ [الملك: ٨ - ٩]، وظاهر ﴿كلما﴾ [الملك: ٨] الحصر، وكقوله تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤]، وأما من جهة النظر فإن بعثة آدم عليه السلام بالتوحيد وبَثِ المعتقدات في نبيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر يوجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله، ثم تجدد ذلك في مدة نوح عليه السلام بعد غرق الكفار، وهذه الآية أيضاً يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا، ويجوز مع الفرض وجود قوم لم تصلهم رسالة وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم، وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ولا يقتضيه ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف، وقوله ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية﴾ الآية، في مصحف أبي ((بعثنا أكابر مجرميها))، و((القرية))، المدينة المجتمعة مأخوذ من قريت الماء في الحوض إذا جمعته، وليست من قرأ الذي هو مهموز، وإن كان فيها جمعاً معنى الجمع، وقرأ الجمهور ((أمَرنا)) على صيغة الماضي من أمر ضد نهى، وقرأ نافع، وابن كثير في بعض ما روي عنهما، ((آمرنا)) بمد الهمزة بمعنى كثرنا، ورويت عن الحسن، وهي قراءة علي بن أبي طالب وابن عباس بخلاف عنه وعن الأعرج، وقرأ بها ابن إسحاق، تقول العرب: أمر القوم إذا كثروا، وآمرهم الله بتعدي الهمزة وقرأ أبو عمرو بخلاف: ((أمّرنا)) بتشديد الميم، وهي قراءة أبي عثمان النهدي وأبي العالية وابن عباس، ورويت عن علي بن أبي طالب، وقال الطبري: القراءة الأولى معناها أمرناهم بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها وهو قول ابن عباس وابن جبير، والثانية معناها كثرناهم، والثالثة هي من الإمارة أي ملكناهم على الناس، قال القاضي أبو محمد: قال أبو علي الفارسي: الجيد في ((آمرنا)) أن تكون بمعنى كثرنا فتعدي الفعل بلفظه غير متعد كما تقول رجع ورجعته وشتر عينه وشترتها فتقول آمر القوم وآمرهم الله أي كثرهم، قال ((وآمرن)) مبالغة في ((أمرنا)) بالهمزة، و((أمّرنا)) مبالغة فيه بالتضعيف، ولا وجه لكون ((أمّرنا)) من الإمارة لأن رياستهم لا تكون إلا واحداً بعد واحد والإهلاك إنما يكون في مدة واحد منهم. قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الذي قاله أبو علي بأن الأمر وإن كان يعم المترف وغيره فخص المترف بالذكر إذ فسقه هو المؤثر في فساد القرية وهم عظم الضلالة، وسواهم تبع لهم وأما («أمّرنا)) من الإمارة فمتوجه على وجهين، أحدهما أن لا يريد إمارة الملك بل كونهم يأمرون ويؤتمر لهم، فإن العرب تقول لمن يأمر الإنسان وإن لم يكن ملكاً هو أميره، ومنه قول الأعشى: [المتقارب] صدر القناة أطاع الأميرا إذا كان هادي الفتى في البلاد ٤٤٥ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٥ - ١٧ ومنه قول معاوية لعمر رضي الله عنه حين أمره بالاستفادة من لطمة عمرو بن العاص، إن علي أميراً لا أقطع أمراً دونه، أراد معاوية رضي الله عنه أباه وأراد الأعشى أنه إذا شاخ الإنسان وعمي واهتدى بالعصا أطاع كل من يأمره، ومنه قول الآخر: [الكامل] خطئوا الصواب ولا يلام المرشد والناس يلحون الأمير إذ هم وأيضاً فلو أراد إمارة الملك في الآية لحسن المعنى، لأن الأمة إذا ملك الله عليها مترفاً ففسق ثم ولي مثله بعده، ثم كذلك عظم الفساد وتوالى الكفر واستحقوا العذاب فنزل بهم على الرجل الأخير من ملوكهم، وقرأ الحسن ويحيى بن يعمر ((أمِرنا)) بكسر الميم وحكاها النحاس عن ابن عباس، ولا أتحقق وجهاً لهذه القراءة إلا إن كان أمر القوم يتعدى بلفظه، فإن العرب تقول آمر بنو فلان إذا كثروا، ومنه قول لبید: إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوماً يصيروا للقل والنفد ومنه: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، ورد القراء هذه القراءة، وقد حكي أمر متعدياً عن أبي زيد الأنصاري، و(المترف)) الغني من المال المتنعم، والترفه النعمة، وفي مصحف أبي بن كعب: ((قرية بعثنا أكابر مجرميها فمكروا فيها))، وقوله ﴿فحق عليها القول﴾ أي وعيد الله لها الذي قاله رسولهم، والتدمير الإهلاك، مع طمس الآثار وهدم البناء، ومنه قول الفرزدق: [المتقارب] وكان لهمْ كبكرِ ثمود لمّا رغا دهراً فدمرهم دمارا وقوله ﴿وكم أهلكنا﴾ الآية (كم) في موضع نصب بـ ﴿أهلكنا﴾ وهذا الذكر لكثرة من أهلك الله ﴿من القرون﴾ مثال لقريش ووعيد، أي لستم ببعيد مما حصلوا فيه من العذاب إذا أنتم كذبتم نبيكم، واختلف الناس في القرن، فقال ابن سيرين: عن النبي عليه السلام أربعون، وقيل غير هذا مما هو قريب منه، وقال عبد الله بن أبي أوفى القرن مائة وعشرون سنة، وقالت طائفة القرن مائة سنة، وهذا هو الأصح الذي يعضده الحديث في قوله عليه السلام ((خير الناس قرني))، وروى محمد بن القاسم في ختنه عبد الله بن بسر، قال وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي، وقال سيعيش هذا الغلام قرناً قلت: كم القرن؟ قال مائة سنة، قال محمد بن القاسم، فما زلنا نعد له حتى أكمل مائة سنة ومات رحمه الله، والباء في قوله ﴿بربك﴾ زائدة التقدير وكفى بربك، وهذه الباء إنما تجيء في الأغلب في مدح أو ذم وكأنها تعطي معنى اكتف بربك أي ما أكفاه في هذا، وقد تجيء ﴿كفى﴾ دون باء كقول الشاعر: [الطويل] ۔۔ - --- كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا وكقول الآخر: [الطويل] ويخبرني عن غائب الأمر هديه كفى الهدي عما غيب المرء مخبرا قوله عز وجل: مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُفِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن تَّرِيِهُ، ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَتَ يَصْلَئِهَا مَذْهُومًا مَّدْحُورًا ٤٤٦ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ١٨ - ٢٢ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْ مِنٌ فَأُوْلَتِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ١٨ كُلَا تُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَّ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (﴾ أَنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَتٍ وَأَكْبَرُ تَّفْضِيلًا (٦)الَّا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهَاءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا تَّخْذُولًا ! ٢٢ المعنى من كان يريد الدنيا العاجلة ولا يعتقد غيرها ولا يؤمن بآخرة فهو يفرغ أمله ومعتقده للدنيا، فإن الله يعجل لمن يريد من هؤلاء ما يشاء هذا المريد أو ما يشاء الله على قراءة من قرأ ((نشاء)) بالنون، وقوله ﴿لمن نريد﴾ شرط كاف على القراءتين ثم يجعل الله جهنم لجميع مريدي العاجلة على جهة الكفر من أعطاه فيها ما يشاء ومن حرمه، قال أبو إسحاق الفزاري المعنى لمن نريد هلكته، وقرأ الجمهور: ((نشاء)) بالنون، وقرأ نافع أيضاً ((يشاء)) بالياء، و((المدحور)) المهان المبعد المذلل المسخوط عليه، وقوله ﴿ومن أراد الآخرة﴾ الآية، المعنى ومن أراد الآخرة إرادة يقين بها وإيمان بها وبالله ورسالاته. قال القاضي أبو محمد: وذلك كله مرتبط متلازم ثم شرط في مريد الآخرة أن يسعى لها سعيها وهو ملازمة أعمال الخير وأقواله على حكم الشرع وطرقه، فأولئك يشكر الله سعيهم ولا يشكر الله عملاً ولا سعياً إلا أثاب عليه وغفر بسببه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي سقى الكلب العاطش فشكر الله له فغفر له، وقوله ﴿كلَّ نمد﴾ الآية نصب ﴿كلَّ﴾ بـ ﴿نمد﴾، وأمددت الشيء إذا زدت فيه من غيره نوعه، ومددته إذا زدت فيه من نوعه، وقيل هما بمعنى واحد، يقال مد وأمد. و﴿هؤلاء﴾ بدل من قوله ﴿كلَّ﴾ فهو في موضع نصب، وقوله ﴿من عطاء ربك﴾ يحتمل أن يريد من الطاعات لمريدي الآخرة والمعاصي لمريدي العاجلة، وروي هذا التأويل عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد بـ ((العطاء) رزق الدنيا، وهذا هو تأويل الحسن بن أبي الحسن وقتادة، أي إن الله تعالى يرزق في الدنيا مريدي الآخرة المؤمنين ومريدي العاجلة من الكافرين ويمدهم بعطائه منها وإنما يقع التفاضل والتباين في الآخرة، ويتناسب هذا المعنى مع قوله ﴿وما كان عطاء ربك محظوراً﴾، أي إن رزقه في الدنيا لا يضيق عن مؤمن ولا كافر، وقلما تصلح هذه العبارة لمن يمد بالمعاصي التي توبقه، و ((المحظور)) الممنوع. وقوله ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض﴾، آية تدل دلالة ما على أن العطاء في التي قبلها هو الرزق، وفي ذلك يترتب أن ينظر محمد عليه السلام إلى تفضيل الله لبعض على بعض في الرزق، ونحوه من الصور والشرف والجاه والحظوظ وبين أن يكون التفضيل الذي ينظر إليه النبي عليه السلام إن أعطى الله قوماً الطاعات المؤدية إلى الجنة وأعطى آخرين الكفر المؤدي إلى النار، وهذا قول الطبري: وهذا إنما هو النظر في تفضيل فريق على فريق، وعلى التأويل الآخر فالنظر في تفضيل شخص على شخص من المؤمنين ومن الكافرين كيفما قرنتهما ثم أخبر عز وجل أن التفصيل الأكبر إنما يكون في الآخرة. وقوله ﴿أکبر درجات﴾ ليس في اللفظ من أي شيء لكنه في المعنى ولا بد، أي ﴿أكبر درجات﴾ من كل ما يضاف بالوجود أو بالفرض إليها، وكذلك قوله ﴿أكبر تفضيلاً﴾. ٤٤٧ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٢٣ - ٢٥ قال القاضي أبو محمد: وروى بعض العلماء أن هذه الدرجات والتفضيل إنما هو فيما بين المؤمنين، وأسند الطبري في ذلك حديثاً نصه أن بين أعلى الجنة وأسفلها درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها . قال القاضي أبو محمد: ولكن قد رضي الله الجميع فما يغبط أحد أحداً، ولا يتمنى ذلك بدلاً، وقوله ﴿لا تجعل) الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام، والمراد لجميع الخلق قاله الطبري وغيره، والذم هنا لاحق من الله تعالى ومن ذوي العقول في أن يكون الإنسان يجعل عوداً أو حجراً أفضل من نفسه، ويخصه بالكرامة وينسب إليه الألوهية ويشركه مع الله الذي خلقه ورزقه وأنعم عليه، و((الخذلان)) في هذا يكون بإسلام الله وأن لا يكفل له بنصر، و((المخذول)) الذي لا ينصره من يحب أن ينصره. والخاذل من الظبا التي تترك ولدها، ومن هذه اللفظة قول الراعي : قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً وسعى فلم أر مثله مخذولا قوله عز وجل : وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُ وَاْإِلَّ إِنَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَ كَ الْكِبَرَ أَحَدُ هُمَا أَوْكِلاَ هُمَا فَلَ تَقُل لَُّمَا أُفٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل ◌َّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴿ وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَا رَبَيَانِ صَغِيرًا ﴿ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَلِينَ فَإِنَّهُ كَانَ ٢٥ لِلْأَوَِّينَ غَفُورًا - ﴿قضى﴾ في هذه الآية هي بمعنى أمر وألزم وأوجب عليكم وهكذا قال الناس، وأقول إن المعنى ﴿وقضى ربك﴾ أمره ﴿ألا تعبدوا إلا إياه﴾ وليس في هذه الألفاظ الأمر بالاقتصار على عبادة الله فذلك هو المقضي لا نفس العبادة، وقضى في كلام العرب أتم المقضي محكماً، والمقضي هنا هو الأمر، وفي مصحف ابن مسعود ((ووصى ربك)) وهي قراءة أصحابه، وقراءة ابن عباس والنخعي وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وكذلك عند أبي بن كعب، وقال الضحاك تصحف على قوم وصى بـ ((قضى)) حين اختلطت الواو بالصاد وقت كتب المصحف. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وإنما القراءة مروية بسند، وقد ذكر أبو حاتم عن ابن عباس مثل قول الضحاك، وقال عن ميمون بن مهران: إنه قال إن على قول ابن عباس لنوراً، قال الله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك﴾ [الشورى: ١٣] ثم ضعف أبو حاتم أن يكون ابن عباس قال ذلك، وقال لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا، والضمير في ﴿تعبدوا﴾ لجميع الخلق، وعلى هذا التأويل مضى السلف والجمهور، وسأل الحسن بن أبي الحسن رجل فقال له: إنه طلق امرأته ثلاثاً فقال له الحسن: عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال له الرجل قضي ذلك علي، فقال له الحسن وكان فصيحاً، ما قضى الله أي ما أمر الله، وقرأ هذه الآية، فقال الناس: تكلم الحسن في القدر. : ٤٤٨ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٢٣ - ٢٥ قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون ﴿قضى﴾ على مشهورها في الكلام، ويكون الضمير في قوله ﴿تعبدوا﴾ للمؤمنين من الناس إلى يوم القيامة، لكن على التأويل الأول يكون قوله: ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ عطفاً على ﴿أن﴾ الأولى أي أمر الله ألا تعبدوا إلا إياه وأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وعلى هذا الإحتمال الذي ذكرناه يكون قوله ﴿وبالوالدين إحساناً﴾ مقطوعاً من الأول كأنه أخبرهم بقضاء الله ثم أمرهم بالإحسان إلى الوالدين، و﴿إما﴾ شرطية، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر وعاصم وابن عامر ((يبلغنّ))، وروي عن ابن ذكوان ((يبلغنَ)) بتخفيف النون، وقرأ حمزة والكسائي ((يبلغان)» وهي قراءة أبي عبد الرحمن ويحيى وطلحة والأعمش والجحدري، وهي النون الثقيلة دخلت مؤكدة وليست بنون تثنية فعلى القراءتين الأوليين يكون قوله ﴿أحدهما﴾ فاعلاً، وقوله ﴿أو كلاهما﴾ معطوفاً عليه، وعلى هذه القراءة الثانية يكون قوله ﴿أحدهما﴾ بدلاً من الضمير في يبلغان وهو بدل مقسم كقول الشاعر: [الطويل] ، فيها الزمان فشلَّت ورجل وكنت كذي رجلين رجل صحيحة ويجوز أن يكون ﴿أحدهما﴾ فاعلاً وقوله ﴿أو كلاهما﴾ عطف عليه ويكون ذلك على لغة من قال أكلوني البراغيث، وقد ذكر هذا في هذه الآية بعض النحويين وسيبويه لا يرى لهذه اللغة مدخلاً في القرآن، وقرأ أبو عمرو (أفٍّ)) بكسر الفاء وترك التنوين، وهي قراءة حمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر وقرأ نافع والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة وعيسى ((أفّ)) بالكسر والتنوين، وقرأ ابن كثير وابن عامر ((أنَّ)) بفتح الفاء، وقرأ أبو السمال ((أفّ)) بضم الفاء، وقرأ ابن عباس ((أف)) خفيفة، وهذا كله بناء إلا أن قراءة نافع تعطي التنكير كما تقول آية، وفيها لغات لم يقرأ بها ((أف)) بالرفع والتنوين على أن هارون حكاها قراءة، (وأفّا)) بالنصب والتنوين ((وأفي)) بياء بعد الكسرة حكاها الأخفش الكبير، ((وأفاً)) بألف بعد الفتحة، ((وأفّ)) بسكون الفاء المشددة ((وأَف)) مثل رب، ومن العرب من يميل ((أفا))، ومنهم من يزيد فيها هاء السكت فيقول «أفاه)». قال القاضي أبو محمد: ومعنى اللفظة أنها اسم فعل كأن الذي يريد أن يقول أضجر أو أتقذر أو أكره أو نحو هذا يعبر إيجازاً بهذه اللفظة، فتعطي معنى الفعل المذكور، وجعل الله تعالى هذه اللفظة مثالاً لجميع ما يمكن أن يقابل به الآباء مما يكرهون، فلم ترد هذه في نفسها، وإنما هي مثال الأعظم منها، والأقل فهذا هو مفهوم الخطاب الذي المسكوت عنه حكمه حكم المذكور، والانتهار إظهار الغضب في الصوت واللفظ، والقول الكريم الجامع للمحاسن من اللين وجودة المعنى وتضمن البر، وهذا كما تقول ثوب كريم تريد أنه جم المحاسن، و((الأف)) وسخ الأظفار، فقالت فرقة إن هذه اللفظة التي في الآية مأخوذة من ذلك وقال مجاهد في قوله ﴿ولا تقل لهما أف﴾ معناه إذا رأيت منهما في حال الشيخ الغائط والبول الذي رأياه في حال الصغر فلا تستقذرهما. وتقول ﴿أف﴾. قال القاضي أبو محمد: والآية أعم من هذا القول وهو داخل في جملة ما تقتضيه، وقال أبو الهدَّاج النجيبي: قلت لسعيد بن المسيب كل ما في القرآن من بر الوالدين قد عرفته إلا قوله ﴿وقل لهما قولاً كريماً﴾ ما هذا القول الكريم؟ قال ابن المسيب: قول العبد المذنب للسيد الفظّ، وقوله ﴿واخفض لهما ٤٤٩ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٢٦ - ٣٠ جناح الذل من الرحمة﴾ استعارة أي اقطعهما جانب الذل منك ودمث لهما نفسك وخلقك، وبولغ بذكر ﴿الذل﴾ هنا ولم يذكر في قوله ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥] وذلك بحسب عظم الحق هنا، وقرأ الجمهور ((الذَّل)) بضم الذال، وقرأ سعيد بن جبير وابن عباس وعروة بن الزبير (الذِل)) بكسر الذال، ورويت عن عاصم بن أبي النجود، و((الذل)) في الدواب ضد الصعوبة ومنه الجمل الذلول، والمعنى يتقارب وينبغي بحكم هذه الآية أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في خير ذلة في أقواله واستكانته ونظره ولا يحد إليهما بصره فإن تلك هي نظرة الغاضب والحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أبعده الله وأسحقه)) قالوا من يا رسول الله؟ قال: ((من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له)). وقوله ﴿من الرحمة﴾، ﴿من) هنا لبيان الجنس أي إن هذا الخفض يكون من الرحمة المستكنة في النفس لا بأن يكون ذلك استعمالاً، ويصح أن يكون لابتداء الغاية، ثم أمر الله عباده بالترحم على آبائهم وذكر منتهما عليه في التربية ليكون تذكر تلك الحالة مما يزيد الإنسان إشفاقاً لهما وحناناً عليهما، وهذا كله في الأبوين المؤمنين، وقد نهى القرآن عن الاستغفار للمشركين الأموات ولو كانوا أولي قربى، وذكر عن ابن عباس هنا لفظ النسخ، وليس هذا موضع نسخ، وقوله ﴿ربكم أعلم بما في نفوسكم﴾ أي من اعتقاد الرحمة بهما والحنو عليهما أو من غير ذلك، ويجعلون ظاهر برهما رياء، ثم وعد في آخر الآية بالغفران مع شرط الصلاح والأوبة بعد الأوبة إلى طاعة الله، واختلفت عبارة الناس في ﴿الأوابين﴾، فقالت فرقة هم المصلحون، وقال ابن عباس: هم المسبحون، وقال أيضاً: هم المطيعون المحسنون، وقال ابن المنكدر: هم الذين يصلون العشاء والمغرب، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصلاة في ذلك الوقت فقال: ((تلك صلاة الأوابين))، وقيل غير هذا من المستغفرين ونحوه، وقال عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى، وحقيقة اللفظة أنه من آب يؤوب إذا رجع، وهؤلاء كلهم لهم رجوع أبداً إلى طاعة الله تعالى، ولكنها لفظة لزم عرفها أهل الصلاح، قال ابن المسيب هو العبد يتوب ثم يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، وفسر الجمهور ﴿الأوابين﴾ بالرجاعين إلى الخير، وقال ابن جبير: أراد بقوله غفوراً للأوابين الزلة والفلتة تكون من الرجل إلى أحد أبويه، وهو لم يصر عليها بقلبه ولا علمها الله من نفسه، وقالت فرقة ((خفض الجناح)) هو ألا يمتنع من شيء یریدانه. قوله عز وجل : إِنَّالْمُبَذِّرِينَ كَانُواْإِخْوَنَ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ أَبْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّكَ تَرْجُوهَا فَقُل الشَّيَاطِينِ وَ كَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا لَِّـ لَهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورُالْجَ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَفْعُدَ مَلُومًا ٣٠ تَّحْسُورَا ثَ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرً ابَصِيرًا اختلف المتأولون في ((ذي القربى))، فقال الجمهور: الآية وصية للناس كلهم بصلة قرابتهم، خوطب بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والمراد الأمة، وألحق في هذه الآية ما يتعين له من صلة الرحم وسد الخلة ٤٥٠ تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٢٦ - ٣٠ والمواساة عند الحاجة بالمال والمعونة بكل وجه، قال بنحو هذا المحسن وعكرمة وابن عباس وغيرهم، وقال علي بن الحسين في هذه: هم قرابة النبي عليه السلام، أمر النبي عليه السلام بإعطائهم حقوقهم من بيت المال. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أبين، ويعضده العطف بـ ﴿المسكين وابن السبيل﴾. ﴿وابن السبيل﴾ هنا يعم الغني والفقير إذ لكل واحد منهما حق وإن اختلفا، ((وابن السبيل)) في آية الصدقة أخص، و(التبذير)) إنفاق المال في فساد أو في سرف في مباح، وهو من البذر، ويحتمل قوله تعالى: ﴿المبذرين﴾ أن يكون اسم جنس، ويحتمل أن يعني أهل مكة معينين، وذكره النقاش، وقوله تعالى: ﴿إِخوان﴾ يعني أنهم في حكمهم، إذ المبذر ساع في فساد والشيطان أبداً ساع في فساد، وإ﴿ إخوان﴾ جمع أخ من غير النسب، وقد يشذ، ومنه قوله تعالى في سورة النور ﴿أو إخوانهن أو بني إخوانهن﴾ [النور: ٣١] والإخوة جمع أخ في النسب وقد يشذ، ومنه قوله تبارك وتعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ [الحجرات: ١٠] وقرأ الحسن والضحاك ((إخوان الشيطان)) على الإفراد، وكذلك في مصحف أنس بن مالك، ثم ذكر تعالى كفر الشيطان ليقع التحذير من التشبه به في الإفساد مستوعباً بيناً، وقوله تعالى: ﴿وإما تعرض﴾، الضمير في ﴿عنهم﴾ عائد على من تقدم ذكره من المساكين وبني السبيل، فأمر الله تعالى نبيه في هذه الآية إذا سأله منهم أحد، فلم يجد عنده ما يعطيه فقابله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإعراض تأدباً منه في أن لا يرده تصريحاً، وانتظار الرزق من الله تعالى يأتي فيعطي منه، أن يكون يؤنسه بالقول الميسور، وهو الذي فيه الترجية بفضل الله تعالى والتأنيس بالميعاد الحسن والدعاء في توسعة الله تبارك وتعالى، وعطائه، وروي أنه عليه السلام كان يقول بعد نزول هذه الآية، إذا لم يكن عنده ما يعطي: يرزقنا الله وإياكم من فضله، فـ ((الرحمة)) على هذا التأويل الرزق المنتظر، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة، وقال ابن زيد (الرحمة)) الأجر والثواب، وإنما نزلت الآية في قوم كانوا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأبى أن يعطيهم لأنه عليه الصلاة والسلام كان يعلم منهم نفقة المال في فساد، فكان يعرض عنهم رغبة الأجر في منعهم لئلا يعينهم على فسادهم، فأمره الله تعالى بأن يقول لهم ﴿قولاً ميسوراً﴾ يتضمن الدعاء في الفتح لهم والإصلاح. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض أهل التأويل الأول، نزلت الآية في عمار بن ياسر وصنفه، و((الميسور)) مفعول من لفظة اليسر، تقول يسرت لك كذا إذا أعددته، وقوله ﴿ولا تجعل يدك﴾ الآية، روي عن قالون ((كل البصط)) بالصاد، ورواه الأعشى عن أبي بكر، واستعير لليد المقبوضة جملة عن الإنفاق المتصفة بالبخل ((الغل إلى العنق))، واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام، وهذه الآية ينظر إليها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مثل البخيل والمتصدق))، والحديث بكامله، والعلامة هنا لاحقة ممن يطلب من المستحقين فلا يجد ما يعطي، و((المسحور)) المنفه الذي قد استنفدت قوته تقول حسرت البعير إذا أتعبته حتى لم تبق له قوة فهو حسیر، ومنه قول الشاعر: [الطويل] . لهن الوجى لم كن عوناً على السرى ولا زال منها ظالسع وحسير. :. : ٠١ ٤٥١ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣١ - ٣٣ ومنه البصر الحسير وهو الكال، وقال ابن جريج وغيره في معنى هذه الآية، لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق، ولا تبسطها كل البسط فيما نهيتك عنه، وقال قتادة: ((التبذير)) النفقة في معصية الله، وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في حق لم يكن تبذيراً، ولو أنفق مداً في باطل كان تبذيراً. قال القاضي أبو محمد: وهذا فيه نظر، ولا بعض البسط لم يبح فيما نهي عنه. ولا يقال في المعصية ولا تبذر، وإنما يقال ولا تنفق ولو باقتصاد وقوام، ولله در ابن عباس وابن مسعود فإنهما قالا: التبذير الإنفاق وفي غير حق، فهذه عبارة تعم المعصية والسرف في المباح، وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولاً من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق. عيالاً ونحوه، ومن كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفاً إلا ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس، وقوله ﴿إن ربك يبسط﴾ الآية، والمعنى كن أنت يا محمد على ما رسم لك من الاقتصاد وإنفاق القوام ولا يهمنك فقر من تراه كذلك فإنه بمرأى من الله ومسمع وبمشيئة، ﴿ويقدر﴾ معناه ويضيف، وقوله تعالى: ﴿إنه كان بعباده خبيراً بصيراً﴾ أي يعلم مصلحة قوم في الفقر ومصلحة آخرين في الغنى، وقال بعض المفسرين وحكاه الطبري: إن الآية إشارة إلى حال العرب التي كانت يصلحها الفقر، وكانت إذا شبعت طغت وقتلت غيرها وأغارت، وإذا كان الجوع والقحط شغلهم. قوله عز وجل : وَلَتَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ نَخْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّفَ إِنَُّ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا (٦) وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللَّهُإِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لَوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِّ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورَالَة ٣٣ قرأ الأعمش وابن وثاب ((ولا تقتّلوا)) بتضعيف الفعل، وهذه الآية نهي عن الوأد الذي كانت العرب تفعله، وهو قوله تعالى: ﴿وإذا الموءودة سئلت﴾ [التكوير: ٨]، ويقال كان جهلهم يبلغ أن يغذو أحدهم كلبه ويقتل ولده، و﴿خشية﴾ نصب على المفعول من أجله، و((الإملاق)) الفقر وعدم الملك، أملق الرجل لم يبق له إلا الملقات وهي الحجارة العظام الملس السود، وقرأ الجمهور ((خِطْئاً)) بكسر الخاء وسكون الطاء وبالهمز والقصر، وقرأ ابن عامر ((خطئاً)) بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة، وهي قراءة أبي جعفر، وهاتان قراءتان مأخوذتان من خطىء إذا أتى الذنب على عمد، فهي كحذر وحذر ومثل ومثل وشبه وشبه اسم ومصدر، ومنه قول الشاعر: [البسيط] الخطء فاحشة والبر نافلة كعجوة غرست في الأرض تؤتبر قال الزجاج يقال خطىء الرجل يخطأ خطأً مثل أثم إثماً فهذا هو المصدر وخطأ اسم منه، وقال بعض العلماء خطىء معناه واقع الذنب عامداً، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يأكله إلا الخاطئون﴾ [الحاقة: ٣٧]، وأخطأ واقع الذنب عن غير تعمد، ومنه قوله تعالى: ﴿إن نسينا أو أخطأنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقال أبو علي ٤٥٢ - تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣١ -٣٣ الفارسي: وقد يقع هذا موضع هذا، وهذا موضع هذا، فأخطأ بمعنى تعمد في قول الشاعر: [الوافر] عبادك يخطئون وأنت رب كريم لا يليق بك الذموم وخطىء بمعنى لم يتعمد في قول الآخر: [الكامل] والناس يلحون الأمير إذا هم خطئوا الصواب ولا يلام المرشد وقد روي عن ابن عامر ((خطأ)) بفتح الخاء وسكون الطاء وهمزة، وقرأ ابن كثير ((خِطَاء)) بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة، وهي قراءة الأعرج بخلاف، وطلحة وشبل والأعمش وعيسى وخالد بن إياس وقتادة والحسن بخلاف عنه، قال النحاس ولا أعرف لهذه القراءة وجهاً، وكذلك جعلها أبو حاتم غلطاً. قال أبو علي الفارسي: هي مصدر من خاطأ يخاطىء وإن كنا لم نجد خاطَأ ولا كنا وجدنا تخاطأ وهو مطاوع خاطأ، فدلنا عليه، فمنه قول الشاعر: [المتقارب] وخر يومي فلم أعجل تخاطأت النبل احشاءه وقول الآخر في صفة كماة : [الطويل] تَخَاطَأَه القنّاصُ حتى وجدته وخرطومه في مَنْقَع الماء راسب فكأن هؤلاء الذين يقتلون أولادهم يخاطئون الحق والعدل، وقرأ الحسن فيما روي عنه ((خَطّاء)) بفتح الخاء والطاء والمد في الهمزة قال أبو حاتم: لا يعرف هذا في اللغة، وهو غلط غير جائز وليس كما قال أبو خاتم، قال أبو الفتح: الخطاء من اخطأت بمنزلة العطاء من أعطيت، هو اسم بمعنى المصدر، وقرأ الحسن بخلاف ((خَطاً)) بفتح الخاء والطاء منونة من غير همز، وقرأ أبو رجاء والزهري ((خطأ)) بكسر الخاء وفتح الطاء كالتي قبلها، وهاتان مخففتان من خطأ وخطاء، وقوله ﴿ولا تقربوا الزنى﴾ تحريم. و﴿الزنى﴾ يمد ويقصر فمن قصره الآية، وهي لغة جميع كتاب الله، ومن مده قول الفرزدق: [الطويل] ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكّرا أبا حَاضر من يزن يعرف زناؤه ويروى أبا خالد، و((الفاحشة)) ما يستتربه من المعاصي لقبحه، و﴿سبيلاً﴾ نصب على التمييز، التقدير وساء سبيله سبيلاً، أي لأنه يؤدي إلى النار، وقوله ﴿ولا تقتلوا﴾ وما قبله من الأفعال جزم بالنهي، وذهب الطبري إلى أنها عطف على قوله ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا﴾ [الإسراء: ٢٣] والأول أصوب وأبرع للمعنى، والألف واللام التي في ﴿النفس﴾ هي للجنس، و﴿الحق﴾ الذي تقتل به النفس هو ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: لا يُحل دمَ المسلم إلا إحدى ثلاث خصال، كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس أخرى. قال القاضي أبو محمد: وتتصل بهذه الأشياء هي راجعة إليها، فمنها قطع الطريق، لأنه في معنى قتل النفس وهي الحرابة، ومن ذلك الزندقة، ومسألة ترك الصَّلاة لأنها في معنى الكفر بعد الإيمان، ومنه قتل أبي بكر رضي الله عنه منعة الزكاة، وقتل من امتنع في المدن من فروض الكفاية، وقوله تعالى: ٤٥٣ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣٤ - ٣٦ ﴿مظلوماً﴾ نصب على الحال، ومعناه بغير هذه الوجوه المذكورة، و((الولي)) القائم بالدم وهو من ولد الميت أو ولده الميت أو جمعه وأباه أب، ولا مدخل للنساء فى ولاية الدم عند جماعة من العلماء، ولهن ذلك عند أخرى، و((السلطان)) الحجة والملك الذي جعل إليه من التخير في قبول الدية أو العفو، قاله ابن عباس والضحاك. وقال قتادة: ((السلطان)) القود، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم ((فلا يسرف)) بالياء، وهي قراءة الجمهور، أي الولي لا يتعدى أمر الله، والتعدي هو أن يقتل غير قاتل وليه من سائر القبيل، أو يقتل اثنين بواحد، وغير وذلك من وجوه التعدي، وهذا كله كانت العرب تفعله، فلذلك وقع التحذير منه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن من أعتى الناس على الله ثلاثة، رجل قتل غير قاتل وليه، أو قتل بدحل الجاهلية، أو قتل في حرم الله))، وقالت فرقة: المراد بقوله ﴿فلا يسرف﴾ القاتل الذي يتضمنه الكلام، والمعنى فلا يكن أحد من المسرفين بأن يقتل نفساً فإنه يحصل في ثقاف هذا الحكم، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ((فلا تسرف في القتل)) بالتاء من فوق، وهو قراءة حذيفة ويحيى بن وثاب ومجاهد بخلاف والأعمش وجماعة، قال الطبري: على معنى الخطاب للنبي عليه السلام والأئمة بعده، أي فلا تقتلوا غير القاتل. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يراد به الولي أي فلا تسرف أيها الولي في قتل أحد يتحصل في هذا الحكم، وقرأ أبو مسلم السراج صاحب الدعوة العباسية، ((فلا يسرفُ)) بالياء بضم الفاء على معنى الخبر لا على معنى النهي، والمراد هذا التأويل فقط . قال القاضي أبو محمد: وفي الاحتجاج بأبي مسلم في القراءة نظر، وفي قراءة أبي بن كعب: ((فلا تسرفوا في القتل إن ولي المقتول كان منصوراً))، والضمير في قوله ﴿إن﴾ عائد على الولي، وقيل على المقتول، وهو عندي أرجح الأقوال، لأنه المظلوم، ولفظة النصر تقارن أبداً الظلم كقوله عليه السلام: ((ونصر المظلوم وإبرار القسم))، وكقوله ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً))، إلى كثير من الأمثلة: وقيل على القتل، وقال أبو عبيد على القاتل لأنه إذا قتل في الدنيا وخلص بذلك من عذاب الآخرة فقد نصر، وهذا ضعيف بعيد المقصد، وقال الضحاك هذه أول ما نزل من القرآن في شأن القتل وهي مكية . قوله عز وجل : وَلَا نَقْرَبُوْمَالَ الْيَنِمِ إِلَّ بِالَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْبِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ﴿ وَأَوْفُوْاُلْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَ حْسَنُ تَأْوِيلًا ﴿ وَلَاَنَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلّ أَوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا الخطاب في هذه الآية للأوصياء الذين هم معدون لقرب مال اليتامى، ثم لمن تلبس بشيء من أمر يتيم من غير وصي، و﴿اليتيم﴾ الفرد من الأبناء، واليتم الانفراد، يقال يتم الصبي يتيم إذا فقد أباه، قال ابن السكيت: اليتم في البشر من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، وفي كتاب الماوردي، أن اليتم في (٣٦ 1 ٤٥٤ تفسير سورة الإسراء / الآيات : ٣٤ ٠ ٣٦ البشر من قبل الأم أيضاً، وجمعه أيتام كشريف وأشراف وشهيد وأشهاد، ويجمع يتامى كأسيدر وأسارى كأنهما الأمور المكروهة التي تدخل على المرء غلبة، قال ابن سيده: وحكى ابن الأعرابي يتمان في یتیم، وأنشد في ذلك: [الطويل] فبت أشوي ظبيتي وحليلتي طربا وجرو الذيب يُتمان جائعٌ ويجوز أن يكون يتامى جمع يتمان، وفي الحديث ((لا يتم بعد حلم))، وقوله ﴿إلا بالتي هي أحسن﴾ يريد إلا بأحسن الحالات. قال القاضي أبو محمد: وذلك في الوصي الغني، أن يثمر المال ويحوطه ولا يمسّ منه شيئاً على جهة الانتفاع به، هذا هو الورع والأولى الا أن يكون يشتغل في مال اليتيم ويشح فله بالفقه أن تفرض له أجرة، وأما الوصي الفقير الذي يشغله مال اليتيم عن معاشه، فاختلف الناس في أكله منه بالمعروف كيف هو؟ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يتسلف منه، فإذا أيسر رد فيه، وقال ابن المسيب، لا يشرب الماء من مال اليتيم، قيل له فما معنى ﴿فليأكل بالمعروف﴾ [النساء: ٦]؟ قال: إنما ذلك لخدمته وغسل ثوبه، وقال مجاهد: لا يقرب إلا التجارة ولا يستقرض منه، قال: وقوله ﴿فليأكل بالمعروف﴾ [ذاته] معناه من مال نفسه، وقال أبو يوسف: لعل قوله ﴿فليأكل بالمعروف﴾ [ذاته] منسوخ بقوله ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: ١٨٨] [النساء: ٢٩] وقال ابن عباس: يأكل منه الشربة من اللبن والطرفة من الفاكهة ونحو هذا مما يخدمه، ويلط الحوض ويجد النخل، وينشد الضالة فليأكل غير مضر بنسل ولا ناهك في الحلب، وقال زيد بن أسلم: يأكل منه بأطراف أصابعه بلغة من العيش بتعبه. قال القاضي أبو محمد: وهذه استعارة للتقلل، وقال مالك رحمه الله وغيره: يأخذ منه أجرة بقدر تعبه، فهذه كلها تدخل فيما هو أحسن، وكمال تفسير هذه المعاني في سورة النساء بحسب ألفاظ تلك الآيات، وفي الخبر عن قتادة أن هذه الآية لما نزلت شقت على المسلمين وتجنبوا الأكل معهم في صحفة ونحوه، فنزلت ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح﴾ [البقرة: ٢٢٠] وقوله ﴿حتى يبلغ أشده﴾ غاية الإمساك عن مال اليتيم، ثم ما بعد الغاية قد بينته آية أخرى، وما بعد هذه الغايات أبداً موقوف حتى يقوم فيه دليل شرعي أو يقتضي ذلك الاتفاق في النازلة، ومثل هذا قول عائشة رضي الله عنها أنا فتلت قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، وبعث بها، فلم يحرم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء أحله الله له حتى نحر الهدي، و((الأشد)) جمع شد عند سيبويه، وقال أبو عبيدة: لا واحد له من لفظه، ومعناها قواه في العقل والتجربة والنظر لنفسه، وذلك لا يكون إلا مع البلوغ، فـ ((الأشد)) في مذهب مالك أمران، البلوغ بالاحتلام أو ما يقوم مقامه حسب الخلاف في ذلك، والرشد في المال، واختلف هل من شروط ذلك الرشد في الدين على قولين، فابن القاسم لا يراعيه إذا كان ضابطاً لماله، وراعاه غيره من بعض أصحاب مالك، ومذهب أبي حنيفة أن الأشد هو البلوغ فقط فلا حجر عنده على بالغ إلا أن يعرف منه السفه . قال القاضي أبو محمد: ولست من هذا التقييد في قوله على ثقة، وقال أبو إسحاق الزجاج ((الأشد)) : ٤٥٥ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣٤ - ٣٦ في قوله أن تأتي على الصبي ثمان عشرة سنة، وإنما أراد أنها بعض ما قيل في حد البلوغ لمن لا يحتلم، وأما أن يكون بالغ رشيد تقي لا يدفع إليه ماله حتى يبلغ هذه المدة فشيء لا أحفظ من يقوله، وقوله ﴿بالعهد﴾ لفظ عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله ﴿إن العهد كان مسؤولاً﴾ أي مطلوباً ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا؟ وقوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل﴾ الآية، أمر الله تعالى في هذه الآية أهل التجر والكيل والوزن أن يعطوا الحق في كيلهم ووزنهم، وروي عن ابن عباس أنه كان يقف في السوق ويقول: يا معشر الموالي إنكم وليتم أمرين بهما هلك الناس قبلكم، هذا المكيال وهذا الميزان. قال القاضي أبو محمد: وتقتضي هذه الآية أن الكيل على البائع، لأن المشتري لا يقال له أوف الكيل، هذا ظاهر اللفظ والسابق منه، و ﴿القسطاس﴾ قال الحسن هو القبان، ويقال القفان وهو القلسطون، ويقال القرسطون، وقيل: ((القسطاس)) الميزان صغيراً كان أو كبيراً، وقال مجاهد ﴿القسطاس﴾ العدل، وكان يقول هي لغة رومية، فكأن الناس قيل لهم زنوا بمعدلة في وزنكم، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر ((القُسطاس)) بضم القاف، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ((القسطاس)) بكسر القاف، وهما لغتان، واللفظة منه للمبالغة من القسط، والمراد بها في الآية جنس الموازين المعدّلة على أي صفة كانت، قال أبو حاتم إنما قرأ بكسر القاف أهل الكوفة، وكل قراءة لا تجاوز الكوفة إلى الحرمين والبصرة فاقرأ بغيرها، وقرأت فرقة ((القصطاس)) بالصاد. قال القاضي أبو محمد: وكان مذهب مجاهد في هذا وفي ميزان القيامة، وكل ذلك أنها استعارات للعدل، وقوله: في ميزان القيامة مردود، وعقيدة أهل السنة أنه ميزان له عمود وكفتان. وسمعت أبي رضي الله عنه يقول رأيت الواعظ أبا الفضل الجوهري في جامع عمرو بن العاص يعظ الناس في الوزن فقال في جملة كلامه إن هيئة اليد بالميزان عظة وذلك أن الأصابع تجيء منها صورة المكتوبة ألف ولامان وهاء فكأن الميزان يقول الله الله . قال القاضي أبو محمد: وهذا وعظ جميل، و((التأويل)) في هذه الآية المآل. قاله قتادة، ويحتمل أن يكون ((التأويل)) مصدر تأول أي يتأول عليكم الخير في جميع أموركم إذا أحسنتم في الكيل والوزن، والفرض من أمر الكيل والوزن تحري الحق، فإن غلب الإنسان تعد تحريه شيء يسير من تطفيف شاذاً لم يقصده بذلك نزر موضوع عنه إثمه، وذلك ما لا يكون الانفكاك عنه فى وسع، وقوله ﴿ولا تقف﴾ معناه ولا تقل ولا تتبع . قال القاضي أبو محمد: لكنها لفظة تستعمل في القذف والعضه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((نحن بنو النضر لا نقفو أمنا ولا ننتفي من أبينا))، ونقول فلان قفوتي أي موضع تهمتي، وتقول العرب رب سامع عذرتي ولم يسمع قفوتي أي ما رميت به، وهذا مثل للذي يفشي سره ويعتذر من ذنب لم يسمعه المعتذر إليه، وقد قال ابن عباس أيضاً ومجاهد: ﴿ولا تقف﴾ معناه، ولا ترم، ومن هذه اللفظة قول الشاعر: ٤٥٦ - تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣٧ - ٤٠ بهن الحياء لا يشعن التقافيا ومثل الدمى شم العرانين ساكن وقال الكميت : [الوافر] ولا أقفو الحواضن إن قفينا ولا أرم البرى بغير ذنب وأصل هذه اللفظة من اتباع الأثر، تقول قفوت الأثر، ويشبه أن هذا من القفا مأخوذ، ومنه قافية الشعر لأنها تقفو البيت، وتقول قفت الأثر، ومن هذا: هو القائف، وتقول فقوت الأثر بتقديم الفاء على القاف، ويشبه أن يكون هذا من تلعب العرب في بعض الألفاظ، كما قالوا وعمري في لعمري وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت قفا وقاف مثل عثا وعاث، فمعنى الآية، ولا تتبع لسانك من القول ما لا علم لك به، وذهب منذر بن سعيد إلى أن قفا وقاف مثل جبذ وجذب فهذه الآية بالجملة تنهى عن قول الزور والقذف وما أشبه ذلك من الأقوال الكاذبة الردية، وقرأ الجمهور ((ولا تقف))، وقرأ بعض الناس فيما حكى الكسائي ((ولا تقُفْ)) بضم القاف وسكون الفاء، وقرأ الجراح ((والفآد)) بفتح الفاء وهي لغة، وأنكرها أبو حاتم وغيره، وعبر عن ﴿السمع والبصر والفؤاد﴾ بـ ﴿أولئك﴾ لأنها حواس لها إدراك، وجعلها في هذه الآية مسؤولة، فهي حالة من يعقل، فلذلك عبر عنها بـ ﴿أولئك﴾، وقد قال سيبويه رحمه الله في قوله تعالى: ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ [يوسف: ٤] إنه إنما قال رأيتهم في نجوم لأنه لما وصفها بالسجود وهو من فعل من يعقل، عبر عنها بكناية من يعقل، وحكى الزجاج أن العرب تعبر عما يعقل وعما لا يعقل بـ ((أولئك))، وأنشد هو والطبري : [الكامل] ذم المنازل بعد منزلة اللوى والعيش بعد أولئك الأيام : فأما حكاية أبي إسحاق عن اللغة فأمر يوقف عنده، وأما البيت فالرواية فيه الأقوام، والضمير في ﴿عنه﴾ يعود على ما ليس للإنسان به علم، ويكون المعنى أن الله تعالى يسأل سمع الإنسان، وبصره، وفؤاده عما قال مما لا علم له به، فيقع تكذيبه من جوارحه وتلك غاية الخزي، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿عنه﴾ على كل التي هي السمع والبصر والفؤاد، والمعنى أن الله تعالى يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصر زفؤاده، فكأنه قال كل هذه كان الإنسان عنه مسؤولاً، أي عما حصل لهؤلاء من الإدراكات ووقع منها من الخطأ، فالتقدير عن أعمالها مسؤولاً، فهو على حذف مضاف. قوله عز وجل : كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ ٣٧ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهَا ﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْ حَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَّجْعَلْ مَعَ الَّهِإِلَهَا ءَآخَرَ فَتُلْقَى فِىِ جَهَتَّمَ مَلُومَّا مَّدْ حُورًا (٢٦) أَفَأَصْفَتَكُمْرَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَتِكَةِ إِنَّا إِنَّكُمْ لَنَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا لها قرأ الجمهور ((مرَحاً)) بفتح الراء مصدر من مَرَح يمرَح إذا تسبب مسروراً بدنياه مقبلاً على راحته، ٤٥٧ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٣٧ - ٤٠ فهذا هو المرح، فنهي الإنسان في هذه الآية أن يكون مشيه في الأرض على هذا الوجه، ثم قيل له إنك لن تقطع الأرض وتمسحها بمشيك، ولن تبلغ أطوال الجبال فتنالها طولاً، فإذا كنت لا تستوي في الأرض بمشيك فَقَصْرُكَ نفسك على ما يوجبه الحق من المشي والتصرف أولى وأحق، وخوطب النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية والمراد الناس كلهم. قال القاضي أبو محمد: وإقبال الناس على الصيد ونحوه تنزهاً دون حاجة إلى ذلك داخل في هذه الآية، وأما الرجل يستريح في اليوم النادر أو الساعة من يومه يجم بها نفسه في التفرج والراحة ليستعين بذلك على شغل من البر كقراءة علم أو صلاة، فليس ذلك بداخل في هذه الآية، وقرأت فرقة فيما حكى يعقوب ((مرِحاً)) بكسر الراء على بناء اسم الفاعل، وهذا المعنى يترتب على هذه القراءة، ولكن يحسن معها معنى آخر ذكره الطبري مع القراءة الأولى وهو بهذه القراءة أليق، وهو أن قوله ﴿لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً﴾ أراد به أنك أيها المرح المختال الفخور لا تخرق الأرض ولا تطاول الجبال بفخرك وكبرك، وذهب بالألفاظ إلى هذا المعنى، ويحسن ذلك مع القراءة بكسر الراء من المرح، لأن الإنسان نهي حينئذ عن التخلق بالمرح في كل أوقاته، إذ المشي في الأرض لا يفارقه، فلم ينه إلا عن يكون مرحاً، وعلى القراءة الأخرى إنما نهي من ليس بمرح عن أن يمشي في بعض أوقاته مرحاً فيترتب في ((المرح)) بكسر الراء أن يؤخذ بمعنى المتكبر المختال، وخرق الأرض قطعها، والخرق الواسع من الأرض ومنه قول الشاعر: [المتقارب] بوجناء خرق تشكي الكلالا وخرق تجاوزت مجهوله ويقال لثقب الأرض، وليس هذا المعنى في الآية، ومنه قول رؤبة بن العجاج: وقاتم الأعماق خاوي المخترق وقرأ الجراح الأعرابي ((تخرُق)) بضم الراء، وقال أبو حاتم: لا تعرف هذه اللغة، وقوله تعالى: ﴿كل ذلك كان سيئة﴾ الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو، وأبو جعفر والأعرج ((سيئة))، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي والحسن ومسروق («سيئه)) على إضافة سبىء إلى الضمير، والإشارة على القراءة الأولى إلى ما تقدم ذكره مما نهي عنه كقول أف وقذف الناس والمرح وغير ذلك، والإشارة على القراءة الثانية إلى جميع ما ذكر في هذه الآيات من بر ومعصية، ثم اختص ذكر السىء منه بأنه مكروه عند الله تعالى، فأما من قرأ ((سيئه)) بالإضافة إلى الضمير فإعراب قراءته بين: وسبىء اسم ﴿كان﴾ و﴿مكروهاً﴾ خبرها، وأما من قرأ ((سيئة)) فهي الخبر لـ ﴿كان﴾، واختلف الناس في إعراب قوله ﴿مكروهاً﴾، فقالت فرقة هو خبر ثان ل﴿كان﴾ حمله على لفظ كل، و((سيئة)) محمول على المعنى في جميع هذه الأشياء المذكورة قبل، وقال بعضهم هو نعت لـ ﴿سيئة﴾ لأنه لما كان تأنيثها غير حقيقي جاز أن توصف بمذكر. قال القاضي أبو محمد: وضعف أبو علي الفارسي هذا، وقال إن المؤنث إذا ذكر فإنما ينبغي أن يكون ما بعده وفقه، وإنما التساهل أن يتقدم الفعل المسند إلى المؤنث وهو في صيغة ما يسند إلى المذكر ألا ترى أن قول الشاعر: [المتقارب] ٤٥٨ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٤١ - ٤٤ فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إيقالها مستقبح عندهم، ولو قال قائل، أبقل أرض لم يكن قبيحاً، قال أبو علي ولكن يجوز في قوله ﴿مكروهاً﴾ أن يكون بدلاً من ﴿سيئة﴾، قال ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي في قوله ﴿عند ربك﴾ ويكون قوله ﴿عند ربك﴾ في موضع الصفة لـ ﴿سيئة﴾، وقرأ عبدالله بن مسعود ((كان سيئاته))، وروي عنه ((كان سيئات)) بغير هاء، وروي عنه ((كان خبيثة))، وذهب الطبري إلى أن هذه النواهي كلها معطوفة على قوله أولاً: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه﴾ [الإسراء: ٢٣] وليس ذلك بالبين، قوله ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك) الآية. الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إلى هذه الآداب التي تضمنتها هذه الآيات المتقدمة أي هذه من الأفعال المحكمة التي تقتضيها حكمة الله في عباده وخلقه لهم محاسن الأخلاق، و﴿الحكمة﴾ قوانين المعاني المحكمة والأفعال الفاضلة، ثم عطف قوله ﴿ولا تجعل﴾ على ما تقدم من النواهي، والخطاب للنبي عليه السلام، والمراد كل من سمع الآية من البشر، و((المدحور))، المهان المبعد، وقوله ﴿أفأصفاكم﴾ الآية، خطاب للعوب التي كانت تقول الملائكة بنات اللّه، فقررهم الله على هذه الحجة، أي أنتم أيها البشر لكم الأعلى من النسل ولله الإناث؟ فلما ظهر هذا التباعد الذي في قولهم عظم الله عليهم فساد ما يقولونه وشنعته، ومعناه عظيماً في المنكر والوخامة، و((أصفاكم)) معناه جعلكم أصحاب الصفوة، وحكى الطبري عن قتادة عن بعض أهل العلم أنه قال: نزلت هذه الآية في اليهود لأنهم قالوا هذه المقالة من أن الملائكة بنات الله. قال القاضي أبو محمد: والأول هو الذي عليه جمهور المفسرين. قوله عز وجل : قُل لَّوْكَانَ مَعَهُ: ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا ٤١ وَلَقَدْ صَرّفْنَا فِى هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلَّا نُفُورًا ( تُسَبِعُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ سُبْحَنَةُ وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَا كَبِيرًّاً لَّ ٤٢ لَّأَبْنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْنِ سَبِيلًا وَاُلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَدِهِ وَلَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا! ٤٤ قرأ الجمهور ((صرّفنا)) بتشديد الراء على معنى صرّفنا فيه الحكم والمواعظ، وقرأ الحسن ((صرّفنا)) بتخفيف الراء على معنى صرَفنا فيه الناس إلى الهدى بالدعاء إلى الله، وقال بعض من شدد الراء: إن قوله ﴿في﴾ زائد، والتقدير ولقد صرفنا هذا القرآن، وهذا ضعيف، وقرأ الجمهور ((ليذُّكَّروا) وقرأ حمزة والكسائي (ليذْكُروا)) بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة طلحة ويحيى والأعمش، وما في ضمن الآية من ترج وطماعية فهو في حق البشر وبحسب ظنهم فيمن يفعل الله معه هذا، و((النفور)) عبارة عن شدة الإعراض تشبيهاً بنفور الدابة، وهو في هذه الآية مصدر لا غير، وروي أن في الإنجيل في معنى هذه الآية: يا بني إسرائيل شوقناكم فلم تشتاقوا ونحنا لكم فلم تبكوا. وقوله تعالى: ﴿قل، لو كان معه آلهة﴾ الآية إخبار بالحجة، واختلف الناس في معنى قوله ﴿لابتغوا إلى ذي العرش سبيلاً﴾ فحكى الطبري وغيره من المفسرين أن معناه لطلب هؤلاء الآلهة الزلفى إلى ذي العرش والقربة إليه بطاعته، فيكون السبيل على هذا التأويل بمعناها في قوله ﴿فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً﴾ [المزمل: ١٩]، وقال سعيد بن جبير وأبو علي : ٤٥٩ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٤١ - ٤٤ الفارسي والنقاش وقاله المتكلمون أبو منصور وغيره، إن معنى الكلام، لابتغوا إليه سبيلاً في إفساد ملكه ومضاهاته في قدرته، وعلى هذا التأويل تكون الآية بياناً للتمانع، وجارية مع قوله ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]. قال القاضي أبو محمد: ونقتضب شيئاً من الدليل على أنه لا يجوز أن يكون مع الله تبارك وتعالى غيره، وذلك على ما قال أبو المعالي وغيره: إنا لو فرضناه لفرضنا أن يريد أحدهما تسكين جسم والآخر تحريكه، ومستحيل أن تنفذ الإرادتان، ومستحيل أن لا تنفذ جميعاً، فيكون الجسم لا متحركاً ولا ساكناً، فإن صحت إرادة أحدهما دون الآخر فالذي لم تتم إرادته ليس بإله، فإن قيل نفرضهما لا يختلفان، قلنا اختلافهما جائز غير ممتنع عقلاً، والجائز في حكم الواقع، ودليل آخر، إنه لو كان الاثنان لم يمتنع أن يكونوا ثلاثة، وكذلك إلى ما لا نهاية، ودليل آخر أن الجزء الذي لا يتجزأ من المخترعات لا تتعلق به إلا قدرة واحدة، لا يصح فيها اشتراك، والآخر كذلك دأباً، فكل جزء إنما يخترعه واحد، وهذه نبذة شرحها بحسب التقصي يطول، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ((كما يقولون)) بالياء من تحت، وقرأ الجمهور (كما تقولون))، و﴿سبحانه﴾ مصدر بفعل متروك إظهاره، فهو بمعنى التنزيه، موضعه هنا موضع تنزه، فلذلك عطف الفعل عليه في قوله ﴿وتعالى﴾، والتعالي تفاعل أما في الشاهد والأجرام فهو من اثنين، لأن الإنسان إذا صعد في منزله أو في جبل فكأن ذلك يعاليه، وهو يعالي ويرتقي، وأما في ذكر الله تعالى فالتعالي هو بالقدر لا بالإضافة إلى شيء آخر، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو ((عما يقولون)» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي ((تقولون)) بالتاء من فوق. و﴿علواً﴾، مصدر على غير الفعل، فهو كقوله ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧] وهذا كثير، وقوله تعالى: ﴿تسبح له السماوات﴾ الآية، المعنى ينزهه عن هذه المقالة التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيله، ﴿السماوات السبع والأرض﴾، ثم أعاد على السماوات والأرض ضمير من يعقل لما أسند إليها فعل العاقل، وهو التسبيح، وقوله ﴿من فيهن) يريد الملائكة والإنس والجن، ثم عم بعد ذلك الأشياء كلها، في قوله ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ أي ينزه الله ويحمده ويمجده، واختلف أهل العلم في التسبيح، فقالت فرقة هو تجوز، ومعناه إن كل شيء تبدو فيه صنعة الصانع الدالة عليه فتدعو رؤية ذلك إلى التسبيح من المعتبر، ومن حجة هذا التأويل قوله تعالى : ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن﴾ [ص: ١٨] وقالت فرقة ﴿من شيء﴾ لفظ عموم، ومعناه الخصوص في كل حي ونام، وليس ذلك في الجمادات البحتة، فمن هذا قول عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح، وقال يزيد الرقاشي للحسن وهما في طعام، وقد قدم الخوان: أيسبح هذا الخوان يا أبا سعيد؟ فقال قد كان يسبح مرة، يريد أن الشجرة في زمان نموها واغتذائها تسبح، فمذ صارت خواناً مدهوناً أو نحوه صارت جماداً، وقالت فرقة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شيء على العموم يسبح تسبيحاً لا يسمعه البشر ولا يفقهه، ولو كان التسبيح ما قاله الآخرون من أنه أثر الصنعة لكان أمراً مفقوهاً، والآية تنطق بأن هذا التسبيح لا يفقه . قال القاضي أبو محمد: وينفصل عن هذا الاعتراض بأن يراد بقوله ﴿لا تفقهون﴾ الكفار والغفلة، أي إنهم يعرضون عن الاعتبار فلا يفقهون حكمة الله تعالى في الأشياء وقال الحسن: بلغني أن معنى هذه : ---- ٤٦٠ تفسير سورة الإسراء / الآيات: ٤٥ - ٤٧ الآية في التوراة ذكر فيه ألف شيء مما يسبح سبحت له السماوات، سبحت له الأرض، سبح كذا، سبح كذا، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر: ((يسبح له» بالياء، وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي ((تسبح)) بالتاء، والقراءتان حسنتان، وقرأ عبد الله بن مسعود وطلحة والأعمش ((سبحت له السماوات))، وقوله ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فيه تنبيه على إملائه لهم وصفحه عنهم في الدنيا وإمهاله لهم مع شنيع هذه المقالة، أي تقولون قولاً ينزهه عنه كل شيء من المخلوقات، ﴿إنه كان حليماً غفوراً﴾ فلذلك أمهلكم . قوله عز وجل : وَجَعَلْنَا عَلَى ٤٥ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ وَحْدَمُ وَلَّوْ عَلَىَّ أَدْبَِ هِمْ نُفُورًا ﴿) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىَ إِذْ يَقُولُ الَِّمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلََّرَجُلًا مَسْحُورًا ٤٧ هذه الآية تحتمل معنيين: أحدهما أن الله تعالى أخبر نبيه أنه يحميه من الكفرة أهل مكة الذي كانوا يؤذونه في وقت قراءته القرآن وصلاته في المسجد ويريدون مد اليد إليه، وأحوالهم في هذا المعنى مشهورة مروية، والمعنى الآخر أنه أعلمه أنه يجعل بين الكفرة وبين فهم ما يقرأه محمد عليه السلام حجاباً، فالآية على هذا التأويل في معنى التي بعدها، وعلى التأويل الأول هما آيتان لمعنيين، وقوله ﴿مستوراً﴾ أظهر ما فيه أن يكون نعتاً للحجاب، أي مستوراً عن أعين الخلق لا يدركه أحد برؤية كسائر الحجب، وإنما هو من قدرة الله وكفايته وإضلاله بحسب التأويلين المذكورين، وقيل التقدير مستوراً به على حذف العائد وقال الأخفش ﴿مستوراً﴾ بمعنى ساتر كمشؤوم وميمون فإنهما بمعنى شائم ويامن. قال القاضي أبو محمد: وهذا لغير داعية إليه، تكلف، وليس مثاله بمسلم، وقيل هو على جهة المبالغة كما قالوا شعر شاعر، وهذا معترض بأن المبالغة أبداً إنما تكون باسم الفاعل ومن اللفظ الأول، فلو قال حجاباً حاجباً لكان التنظير صحيحاً، وقوله ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة﴾ الآية، الأكنة جمع كنان، وهو ما غطى الشيء، ومنه كنانة النبل، و((الوقر)) الثقل في الأذن المانع من السمع، وهذه كلها استعارات للإضلال الذي حفهم الله به، فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من غطى قلبه وصمت أذنه، وقوله ﴿وإذا ذكرت﴾ الآية، يريد إذا جاءت مواضع التوحيد في القرآن أثناء قراءتك فرَّ كفار مكة من سماع ذلك إنكاراً له واستبشاعاً، إذ فيه رفض آلهتهم واطراحها، وقال بعض العلماء: إن ملأ قريش دخلوا على أبي طالب يزورونه فدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ ومر بالتوحيد، ثم قال ((يا معشر فريش قولوا لا إله إلا الله تملكون بها العرب، وتدين لكم العجم))، فولوا ونفروا، فنزلت الآية، وأن تكون الآية وصف حال الفارين عنه في وقت توحيده في قراءته أبين وأجرى مع اللفظ، وقوله ﴿نفوراً﴾ يصح أن يكون مصدراً في موضع الحال، ويصح أن يكون جمع نافر كشاهد وشهود، لأن فعولاً من أبنية فاعل في