النص المفهرس

صفحات 381-400

- ٣٨١
تفسير سورة النحل / الآيات: ١٠ - ١٢
حديث أسماء بنت أبي بكر، وحديث جابر بن عبد الله: كنا نأكل الخيل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: والبغال والحمير مكروهة عند الجمهور، وهو تحقيق مذهب مالك، ومن
حجة من ألحق الخيل بالبغال والحمير في الكراهية القياس، إذ قد تشابهت وفارقت الأنعام في أنها لا
تجتر، وأنها ذوات حوافر، وأنها لا أكراش لها، وأنها متداخلة في النسل، إذ البغال بين الحمير والخيل
فهذا من جهة النظر، وأما من جهة الشرع بأن قرنت في هذه الآية وأسقطت فيها الزكاة، وقوله ﴿وعلى الله
قصد السبيل﴾ الآية، هذا أيضاً من أجل نعم الله تعالى، أي على الله تقويم طريق الهدى وتبيينه، وذلك
نصب الأدلة وبعث الرسل وإلى هذا ذهب المتأولون، ويحتمل أن يكون المعنى أن مرسلك السبيل القاصد
فعلى الله ورحمته وتنعيمه طريقه وإلى ذلك مصيره، فيكون هذا مثل قوله تعالى ﴿هذا صراط علي مستقيم)
[الحجر: ٤١] وضد قول النبي صلى الله عليه وسلم ((والشر ليس إليك)) أي لا يفضي إلى رحمتك، وطريق
قاصد معناه بين مستقيم، ومنه قول الآخر:
فصد عن نهج الطريق القاصد
والألف واللام في ﴿السبيل﴾ للعهد، وهي سبيل الشرع، وليست للجنس، ولو كانت للجنس لم
يكن فيها جائر، وقوله ﴿ومنها جائر﴾ يريد طريق اليهود والنصارى وغيرهم كعبدة الأصنام، والضمير في
﴿منها﴾ يعود على ﴿السبيل) التي تضمنها معنى الآية، كأنه قال: ومن السبيل جائر، فأعاد عليها وإن كان
لم يجر له ذكر لتضمن لفظة ﴿السبيل﴾ بالمعنى لها، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿منها﴾ على سبيل
الشرع المذكورة وتكون ((من)) للتبعيض ويكون المراد فرق الضلالة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم،
كأنه قال ومن بنيات الطرف في هذه السبيل ومن شعبها جائر، وقوله ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين﴾ معناه
لخلق الهداية في قلوب جميعكم ولم يضل أحد، وقال الزجاج معناه لو شاء لعرض عليكم آية تضطركم إلى
الإيمان والاهتداء .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول سوء لأهل البدع الذين يرون أن الله لا يخلق أفعال العباد لم
يحصله الزجاج، ووقع فيه رحمه الله عن غير قصد، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((ومنكم جائر))، وقرأ
علي بن أبي طالب ((فعنكم جائر))، و﴿السبيل﴾ تذكر وتؤنث.
قوله عز وجل :
هُوَ اُلَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ لَّكُ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ نُسِيمُونَ ﴿أَيُنْبِتُ لَكُمـ
بِهِ الزَّرْعَ وَالزّيْنُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ ﴿ وَسَخَّرَلَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ.
إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
١٢
هذا تعديد نعمة الله في المطر، وقوله ﴿ومنه شجر﴾ أي يكون منه بالتدريج، إذ يسقي الأرض فينبت

٣٨٢ -
تفسير سورة النحل / الآيات : ١٠ - ١٢
عن ذلك السقي الشجر، وهذا من التجوز، كقول الشاعر: [الرجز]
أسنمة الآبال في ربابه
وكما سمى الآخر العشب سماء، في قوله: [الوافر]
رعيناه وإن كانوا غضاباً
إذا نزل السماء بأرض قوم
قال أبو إسحاق: يقال لكل ما نبت على الأرض شجر، وقال عكرمة لا تأكلوا ثمن الشجر فإنه سجت
يعني الكلأ. و﴿تسيمون﴾ معناه ترعون أنعامكم وسومها من الرعي وتسرحونها، ويقال للأنعام السائمة،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وفي سائمة الغنم الزكاة، يقال أسام الرجل ماشيته إسامة إذا أرسلها
ترعى، وسومها أيضاً وسامت هي، ومن ذلك قول الأعشى:
حى وأعيى المسيم أين المساق
ومشى القوم بالأنعام إلى الرّو
ومنه قول الآخر: [الكامل]
مثل ابن بزعة أو كآخر مثله
أولى لك ابن مسيمة الأجمال ...
أي راعية للأجمال وفسر المتأولون بترعون، وقرأ الجمهور ((ينبت)) بالياء على معنى ينبت اللّه، يقال
نبت الشجر وأنبته الله، وروي أنبت الشجر بمعنى نبت، وكان الأصمعي يأبى ذلك ويتمم قصيدة زهير التي
فيها: حتى إذا أنبت البقل، وقرأ أبو بكر عن عاصم، ((ننبت)) بنون العظمة، وخص عز وجل ذكر هذه
الأربعة لأنها أشرف ما ينبت وأجمعها للمنافع، ثم عم بقوله ﴿من كل الثمرات﴾، ثم أحال القول على
الفكرة في تصاريف النبات والأشجار وهي موضع عبر في ألوانها واطراد خلقها وتناسب ألطافها، فسبحان
الخلاق العليم. وقوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار﴾ الآية، قرأ الجمهور بإعمال ﴿سخر﴾ في جميع
ما ذكر ونصب («مسخراتٍ)) على الحال المؤكدة، كما قال تعالى: ﴿وهو الحق مصدقاً﴾ [فاطر: ٣١] وكما
قال الشاعر: [البسيط]
أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي
ونحو هذا وقرأ ابن عامر ((والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ)) برفع هذا كله، وقرأ حفص عن عاصم
(والنجومُ مسخراتٌ بأمره)) بالرفع ونصب ما قبل ذلك، والمعنى في هذه الآية أن هذه المخلوقات مسخرات
على رتبة قد استمر بها انتفاع البشر من السكون بالليل والسعي في المعايش وغير ذلك بالنهار، وأما منافع
الشمس والقمر فأكثر من أن تحصى، وأما النجوم فهدايات، وبهذا الوجه عدت من جملة النعم على بني
آدم، ومن النعمة بها ضياؤها أحياناً، قال الزجاج: وعلم عدد السنين والحساب بها.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقرأ ابن مسعود والأعمش وطلحة بن مصرف ((والرياح
مسخرات)) في موضع ((النجوم))، ثم قال ﴿إن في ذلك لآيات﴾ لعظم الأمر لأن كل واحد مما ذكر آية في
نفسه لا يشترك مع الآخر، وقال في الآية قبل الآية لأن شيئاً واحداً يعم تلك الأربعة وهو النبات، وكذلك
:
:

٣٨٣
تفسير سورة النحل / الآيات : ١٣ - ١٥
في ذكر ﴿ما ذرأ﴾ [النحل: ١٣] ليسارته بالإضافة، وأيضاً فـ ((آية)) بمعنى «آيات)) واحد يراد به الجمع.
قوله عز وجل :
وَمَاذَرَأَلَكُمْ فِى الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَنُهُ: إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ
١٣
وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمَا طَرِبًا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا
وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْمِنْ فَضْلِهِ، وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿ وَأَلْقَى
١٥
فِي الْأَرْضِ رَوَسِىَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
﴿ذرأ﴾ معناه بث ونشر، والذرية من هذا في أحد الأقوال في اشتقاقها، وقوله ﴿ألوانه﴾ معناه
أصنافه، كما تقول هذه ألوان من التمر ومن الطعام، ومن حيث كانت هذه المبثوثات في الأرض أصنافاً
فأعدت في النعمة وظهر الانتفاع بها أنه على وجوه، ولا يظهر ذلك من حيث هي متلونة حمرة وصفرة وغير
ذلك، ويحتمل أن يكون التنبيه على اختلاف الألوان حمرة وصفرة والأول أبين. وقوله تعالى: ﴿وهو الذي
سخر البحر) الآية تعديد نعم، وتسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله للركوب والإرفاق
وغيره، و﴿البحر﴾ الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، كله يسمى بحراً، و﴿البحر﴾ هنا اسم جنس، وإذا
كان كذلك فمنه أكل اللحم الطري ومنه (استخراج الحلية))، و((أكل اللحم)) يكون من ملحه وعذبه،
وإخراج الحلية إنما يكون فيما عرف من الملح فقط، ومما عرف من ذلك اللؤلؤ والمرجان والصدف
والصوف البحري، وقد يوجد في العذب لؤلؤ لا يلبس إلا قليلاً، وإنما يتداوى به، ويقال إن في الزمرد
بحرياً وقد خطىء الهذلي في وصف الدرة. [الطويل]
فجاء بها من درة لطمية على وجهها ماء الفرات يدوم
فجعلها من الماء الحلو.
قال القاضي أبو محمد: وتأمل أن قوله يخرج على أنه وصف بريقها ومائيتها فشبهه بماء الفرات، ولم
يذهب إلى الغرض الذي خطىء فيه، و((اللحم الطري))، و((الحلية)) ما تقدم، و﴿الفلك﴾ هنا جمع،
و﴿مواخر﴾ جمع ماخرة، والمخر في اللغة الصوت الذي يكون من هبوب الريح على شيء يشق أو يصعب
في الجملة الماء فيترتب منه أن يكون من السفينة ونحوها وهو في هذه الآية من السفن، ويقال للسحاب
بنات مخر تشبيهاً، إذ في جريها ذلك الصوت الذي هو عن الريح والماء الذي في السحاب، وأمرها يشبه
أمر البحر على أن الزجاج قد قال: بنات المخر سحاب بيض لا ماء فيها، وقال بعض اللغويين المخر في
كلام العرب الشق يقال: مخر الماء الأرض.
قال القاضي أبو محمد: فهذا بين أن يقال فيه للفلك ﴿مواخر﴾، وقال قوم ﴿مواخر﴾ معناه تجيء
وتذهب بريح واحدة، وهذه الأقوال ليست تفسير اللفظة، وإنما أرادوا أنها مواخر بهذه الأحوال، إذ هي
موضع النعمة المعددة، إذ نفس كون الفلك ماخرة لا نعمة فيه، وإنما النعمة في مخرها بهذه الأحوال في

٣٨٤
تفسير سورة النحل / الآيات: ١٦ - ٢١
التجارات والسفر فيها وما يمنح الله فيها من الأرباح والمن، وقال الطبري: المخر في اللغة صوت هبوب
الريح ولم يقيد ذلك بكون في ماء، وقال إن من ذلك قول واصل مولى ابن عيينة إذا أراد أحدكم البول
فليتمخر الريح أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله، وقوله
﴿ولتبتغوا﴾ عطف على ﴿تأكلوا﴾، وهذا ذكر نعمة لها تفاصيل لا تحصى، فيه إباحة ركوب البحر للتجارة
وطلب الأرباح، وهذه ثلاثة أسباب في تسخير البحر، وقوله ﴿وألقى في الأرض﴾ الآية، قال المتأولون
﴿ألقى﴾ بمعنى خلق وجعل.
قال القاضي أبو محمد: وهي عندي أخص من خلق وجعل، وذلك أن ﴿ألقى﴾ تقتضي أن الله
أحدث الجبال ليس من الأرض لكن من قدرته واختراعه، ويؤيد هذا النظر ما روي في القصص عن الحسن
عن قيس بن عباد، أن الله تعالى لما خلق الأرض، وجعلت تمور، فقالت الملائكة ما هذه بمقرة على
ظهرها أحداً، فأصبحت ضحى وفيها رواسيها. و((الرواسي)) الثوابت، رسا الشيء يرسو إذا ثبت، ومنه قول
الشاعر في صفة الوتد:
وأشعث أرسته الوليدة بالفهد
و﴿أن﴾ مفعول من أجله، و((الميد)) الاضطراب، وقوله ﴿أنهاراً﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره
وجعل أو وخلق أنهاراً .
قال القاضي أبو محمد: وإجماعهم على إضمار هذا الفعل دليل على خصوص لـ ﴿ألقى﴾ ولو كانت
﴿ألقى﴾ بمعنى خلق لم يحتج إلى هذا الإضمار، و((السبل)) الطرق، وقوله ﴿لعلكم تهتدون﴾ في مشيكم
وتصرفكم في السبل، ويحتمل ﴿لعلكم تهتدون﴾ بالنظر في هذه المصنوعات على صانعها، وهذا التأويل
هو البارع، أي سخر وألقى وجعل أنهاراً وسبلاً لعل البشر يعتبر ويرشد ولتكون علامات.
قوله عز وجل :
ج
وَعَلَمَتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّ يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ
نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا نُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ
١٩
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢) أَمْوَتُ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ
٢١
أَيَّانَ يُبْعَثُونَ
﴿عَلامات﴾ نصب على المصدر، أي فعل هذه الأشياء لعلكم تعتبرون بها ﴿وعلامات﴾ أي عبرة
وإعلاماً في كل سلوك، فقد يهتدى بالجبال والأنهار والسبل، واختلف الناس في معنى قوله ﴿وعلامات﴾
على أن الأظهر عندي ما ذكرت، فقال ابن الكلبي ((العلامات)) الجبال، وقال إبراهيم النخعي ومجاهد:
((العلامات)) النجوم، ومنها ما سمي علامات ومنها ما يهتدى به، وقال ابن عباس: ((العلامات)) معالم الطرق
بالنهار، والنجوم هداية الليل.

٠
٣٨٥
تفسير سورة النحل / الآيات : ١٦ - ٢١
قال القاضي أبو محمد: والصواب إذا قدرنا الكلام غير معلق بما قبله أن اللفظة تعم هذا وغيره،
وذلك أن كل ما دل على شيء وأعلم به فهو علامة، وأحسن الأقوال المذكورة، قول ابن عباس رضي الله
عنه: لأنه عموم في المعنى فتأمله، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه سمع بعض أهل العلم بالمشرق يقول:
إن في بحر الهند الذي يجرى فيه من اليمن إلى الهند حيتاناً طوالاً رقاقاً كالحيات في التوائها وحركتها
وألوانها، وإنها تسمى علامات، وذلك أنها علامة الوصول إلى بلد الهند، وأمارة إلى النجاة والانتهاء إلى
الهند لطول ذلك البحر وصعوبته، وإن بعض الناس قال: إنها التي أراد الله تعالى في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: قال أبي رضي الله عنه: وأما من شاهد تلك العلامات في البحر المذكور
وعاينها فحدثني منهم عدد كثير، وقرأ الجمهور ((وبالنجم)) على أنه اسم الجنس، وقرأ يحيى بن وثاب
(وبالنُّجْم)) بضم النون والجيم ساكنة على التخفيف من ضمها، وقرأ الحسن ((وبالنُّجم)) بضم النون وذلك
جمع، كسقف وسقف، ورهن ورهن، ويحتمل أن يراد وبالنجوم، فحذفت الواو.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي توجيه ضعيف، وقال الفراء: المراد الجدي والفرقدان. وقال
:
غيره: المراد القطب الذي لا يجري، وقال قوم: غير هذا، وقال قوم: هو اسم الجنس وهذا هو الصواب،
ثم قررهم على التفرقة بين من يخلق الأشياء ويخترعها وبين من لا يقدر على شيء من ذلك، وعبر عن
الأصنام بـ ((من)) لوجهين، أحدهما أن الآية تضمنت الرد على جميع من عبد غير الله، وقد عبرت طوائف
من تقع عليه العبارة بـ ((من))، والآخر أن العبارة جرت في الأصنام بحسب اعتقاد الكفرة فيها في أن لها
تأثيراً وأفعالاً، ثم وبخهم بقوله ﴿أفلا تذكرون﴾، وقوله ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي إن حاولتم
إحصاءها وحصرها عدداً حتى لا يشذ شيء منها لم تقدروا على ذلك، ولا اتفق لكم إحصاؤها إذ هي في
كل دقيقة من أحوالكم. و((النعمة)) هنا مفردة يراد بها الجمع، وبحسب العجز عن عد نعم الله يلزم أن يكون
الشاكر لها مقصراً عن بعضها، فلذلك قال عز وجل ﴿إن الله لغفور رحيم﴾ أي تقصيركم في الشكر عن
جميعها، نحا هذا المنحى الطبري، ويرد عليه أن نعمة اللّه تعالى فى قول العبد: الحمد لله رب العالمين
مع شروطها من النية والطاعة يوازي جميع النعم، ولكن أين قولها بشروطها؟ والمخاطبة بقوله ﴿وإن تعدوا
نعمة الله لا تحصوها﴾ عامة لجميع الناس، وقوله ﴿والله يعلم ما تسرون وما تعلنون﴾ الآية متصلة بمعنى ما
قبله، أي أن الله لغفور في تقصيركم عن شكر ما لا تحصونه من نعم الله، وأن الله تعالى يعلم سركم
وعلنكم، فيغني ذلك عن إلزامكم شكر كل نعمة، هذا على قراءة من قرأ ((تسرون)) بالتاء مخاطبة للمؤمنين،
فإن جمهور القراء قرأ (تسرون)) بالتاء من فوق ((وتعلنون)) و((تدعون)) كذلك، وهي قراءة الأعرج وشيبة وأبي
جعفر ومجاهد على معنى قل يا محمد للكفار، وقرأ عاصم ((تسرون)) و((تعلنون)) بالتاء من فوق و ((يدعون))
بياء من تحت على غيبة الكفار، وهي قراءة الحسن بن أبي الحسن، وروى هبيرة عن حفص عن عاصم،
كل ذلك بالياء على غيبة الكفار، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم كل ذلك بالتاء من فوق، وقرأ
الأعمش وأصحاب عبد الله ((يعلم الذي تبدون وما تكتمون وتدعون)) بالتاء من فوق في الثلاثة،
و((﴿تدعون﴾ معناه تدعونه إلهاً، وعبر عن الأصنام بـ ﴿الذين﴾ على ما قدمنا من أن ذلك يعم الأصنام وما
عبد من دون الله وغيرها، وقوله تعالى: ﴿لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون﴾ أجمعُ عبارة في نفي أحوال

٣٨٦
تفسير سورة النحل / الآيات: ٢٢ - ٢٥
الربوبية عنهم، وقرأ محمد اليماني ((والذين يُدعون)) بضم الياء وفتح على ما لم يُسم. و﴿أمواتٍ﴾ يراد
به الذين يدعون من دون الله ورفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هم أموات، ويجوز أن يكون خبراً لقوله
﴿والذين﴾ بعد خبر في قوله ﴿لا يخلقون﴾ ووصفهم بالموت مجازاً. وإنما المراد لا حياة لهم، فشبهوا
بالموت، وقوله ﴿غير أحياء﴾ أي لم يقبلوا حياة قط، ولا اتصفوا بها.
قال القاضي أبو محمد: وعلى قراءة من قرأ ((والذين يدعون)) فالياء على غيبة الكفار، يجوز أن يراد
بالأموات الكفار الذين ضميرهم في ((يدعون))، شبههم بالأموات غير الأحياء من حيث هم ضلال غير
مهتدين، ويستقيم على هذا فيهم قوله ﴿وما يشعرون أيان يبعثون) و((البعث)) هنا هو الحشر من القبور،
و﴿أيان﴾ ظرف زمان مبني، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ((إيان)) بكسر الهمزة، والفتح فيها والكسر لغتان،
وقالت فرقة: ﴿وما يشعرون﴾ أي الكفار ﴿أيان يبعثون﴾ الضميران لهم، وقالت فرقة: وما يشعر الأصنام
أيان يبعث الكفار.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون الضميران للأصنام، ويكون البعث الإثارة، كما تقول
بعثت النائم من نومه إذا نبهته، وكما تقول بعث الرامي سهمه، فكأنه وصفهم بغاية الجمود أي وإن طلبت
حركاتهم بالتحريك لم يشعروا لذلك.
قال القاضي أبو محمد: وعلى تأويل من يرى الضمير للكفار ينبغي أن يعتقد في الكلام الوعيد، وما
يشعر الكفار متى يبعثون إلى التعذيب، ولو اختصر هذا المعنى لم يكن في وصفهم بأنهم ((لا يشعرون وأيان
يبعثون)) طائل، لأن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك هم في الجهل بوقت البعث، وذكر بعض الناس أن
قوله ﴿أيان يبعثون﴾ ظرف لقوله ﴿إلهكم إله واحد﴾ [النحل: ٢٢] وأن الكلام تم في قوله ﴿وما
يشعرون﴾، ثم أخبر عن يوم القيامة أن الإله فيه واحد وهذا توعد.
قوله عز وجل :
إِلَُّكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبُونَ ﴿ لَاجَرَمَ أَنَّ اللَّهُ
يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِينَ ﴿ وَ إِذَاقِيلَ لَهُمْ مَّاذَا أَنْزَلَ رَبِّكُوْ
فَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ *لِيَحْمِلُوْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَئِمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ
٢٥
لما تقدم وصف الأصنام جاء الخبر الحق بالوحدانية، وهذه مخاطبة لجميع الناس معلمة بأن الله
تعالى متحد وحدة تامة لا يحتاج لكمالها إلى مضاف إليها، ثم أخبر عن إنكار قلوب الكافرين وأنهم
يعتقدون ألوهية أشياء أخر، ويستكبرون عن رفض معتقدهم فيها، واطراح طريقة آبائهم في عبادتها،
ووسمهم بأنهم لا يؤمنون بالآخرة إذ هي أقوى رتب الكفر، أعني الجمع بين التكذيب بالله تعالى وبالبعث،
لأن كل مصدق يبعث فمحال أن يكذب بالله، وقوله ﴿لا جرم﴾ عبرت فرقة من النحويين عن معناها بلا يد

٣٨٧
تفسير سورة النحل / الآيات: ٢٢ - ٢٥
ولا محالة، وقالت فرقة: معناها حق أن الله، ومذهب سيبويه أن ﴿لا﴾، نفي لما تقدم من الكلام،
و﴿جرم﴾ معناه حق ووجب، ونحو هذا، هذا هو مذهب الزجاج، ولكن مع مذهبهما ﴿لا﴾ مُلازمةٌ لـ ﴿جرم﴾ لا
تنفك هذه من هذه، وفي ﴿جرم﴾ لغات قد تقدم ذكرها في سورة هود، وأنشد أبو عبيدة: / جرمت فزارة /
وقال معناها حقت عليهم وأوجبت أن يغضبوا، و﴿أن﴾ على مذهب سيبويه فاعلة بـ ﴿جرم﴾، وقرأ
الجمهور ((أن))، وقرأ عيسى الثقفي ((إن)) بكسر الألف على القطع، قال يحيى بن سلام والنقاش: المراد
هنا بما يسرون مشاورتهم في دار الندوة في قتل النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ﴿إنه لا يحب
المستكبرين﴾ عام في الكافرين والمؤمنين، فأخذ كل واحد منهم بقسطه، وفي الحديث ((لا يدخل الجنة
وفي قلبه مثقال حبة من كبر)»، وفيه ((أن الكبر منع الحق وغمص الناس)). ويروى عن الحسن بن علي أنه
كان يجلس مع المساكين ويحدثهم، ثم يقول ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾، وروي في الحديث ((أنه من
سجد لله سجدة من المؤمنين فقد برىء من الكبر)). وقوله ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم) الآية، الضمير
في ﴿لهم﴾ لكفار مكة، ويقال إن سبب الآية كان النضر بن الحارث، سافر عن مكة إلى الحيرة وغيرها،
وكان قد اتخذ كتب التواريخ والأمثال ككليلة ودمنة، وأخبار السندباد، ورستم، فجاء إلى مكة، فكان
يقول: إنما يحدث محمد بأساطير الأولين، وحديثي أجمل من حديثه، وقوله ﴿ماذا﴾ يجوز أن تكون ((ما))
استفهاماً، و((ذا)) بمعنى الذي، وفي ﴿أنزل﴾ ضمير عائد، ويجوز أن يكون ((ما)) و ((ذا)) اسماً واحداً مركباً،
كأنه قال: أي شيء وقوله ﴿أساطير الأولين﴾ ليس بجواب على السؤال لأنهم لم يريدوا أنه نزل شيء ولا أن
تم منزلاً، ولكنهم ابتدوا الخبر بأن هذه ﴿أساطير الأولين﴾، وإنما الجواب على السؤال، قول المؤمنين في
الآية المستقبلة ﴿خيراً﴾ [النحل: ٣٠] وقولهم: ﴿أساطير الأولين﴾ إنما هو جواب بالمعنى، فأما على
السؤال وبحسبه فلا، واللام في قوله ﴿ليحملوا﴾ يحتمل أن تكون لام العاقبة لأنهم لم يقصدوا بقولهم
﴿أساطير الأولين﴾ ((ليحملوا الأوزار))، ويحتمل أن يكون صريح لام كي، على معنى قدر هذا، ويحتمل أن
تكون لام الأمر، على معنى الحتم عليهم بذلك، والصغار الموجب لهم، و((الأوزار)) الأثقال، وقوله
﴿ومن﴾ للتبعيض، وذلك أن هذا الواهن المضل يحمل وزر نفسه كاملاً ويحمل وزراً من وزر كل مضل
بسببه ولا تنقص أوزار أولئك، وقوله ﴿بغير علم﴾ يجوز أن يريد بها المضل أي أضل بغير برهان قام عنده،
ويجوز أن يريد ﴿بغير علم﴾ من المقلدين الذين يضلون، ثم استفتح الله تعالى الإخبار عن سوء ما
يتحملونه للآخرة، وأسند الطبري وغيره في معنى هذه الآية حديثاً، نصه ((أيما داع دعا إلى ضلالة فإن عليه مثل
أوزار من اتبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيما داع دعا إلى الهدى فاتبع فله مثل أجورهم من
غير أن ينقص من أجورهم شيء)) و﴿ساء﴾ فعل مسند إلى ﴿ما﴾، ويحتاج في ذلك هنا إلى صلة.
قوله عز وجل :
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُلْيَنَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن
فَوْقِهِمْ وَأَتَنْهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ يُخْزِيِهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ

٣٨٨
تفسير سورة النحل /الآيتان : : ٢٧،٢٦
شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمُ إِنَّ الْخِزْىَ الْيَوْمَ وَالسُّوَءَ
٢٧
عَلَى الْكَفِرِينَ
قال ابن عباس وغيره من المفسرين: الإشارة بـ ﴿الذين من قبلهم﴾ إلى نمرود الذي بنى صرحاً
ليصعد فيه إلى السماء على زعمه، فلما أفرط في علوه وطوله في السماء فرسخين على ما حكى النقاش،
بعث الله عليه رمحاً فهدمته، ((وخر سقفه)) عليه وعلى أتباعه، وقيل: جبريل هدمه بجناحه وألقى أعلاه في
البحر وانحقف من أسفله، وقالت فرقة أخرى: المراد بـ ﴿الذين من قبلهم﴾ جميع من كفر من الأمم
المتقدمة ومكر ونزلت فيه عقوبة من الله تعالى، وقوله على هذا ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ إلى آخر
الآية، تمثيل وتشبيه، أي حالهم بحال من فعل به هذا، وقالت فرقة: المراد بقوله ﴿فخر عليهم السقف من
فوقهم﴾ أي جاءهم العذاب من قبل السماء.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ينحو إلى اللعن، ومعنى قوله ﴿من فوقهم﴾ رفع الاحتمال في قوله
﴿فخر عليهم السقف﴾ فإنك تقول انهدم على فلان بناؤه وهو ليس تحته، كما تقول: انفسد عليه متاعه،
وقوله ﴿من فوقهم﴾ ألزم أنهم كانوا تحته. وقوله ﴿فأتى﴾ أي أتى أمر الله وسلطانه، وقرأ الجمهور
((بنيانهم))، وقرأت فرقة ((بنيتهم))، وقرأ جعفر بن محمد ((بيتهم))، وقرأ الضحاك («بيوتهم))، وقرأ الجمهور
((السقْف)) بسكون القاف، وقرأت فرقة بضم القاف وهي لغة فيه، وقرأ الأعرج ((السُّقُف)) بضم السين
والقاف، وقرأ مجاهد ((السُّقْف)) بضم السين وسكون القاف، وقوله ﴿ثم يوم القيامة) الآية، ذكر الله تعالى
في هذه الآية المتقدمة حال هؤلاء الماكرين في الدنيا، ثم ذكر في هذه حالهم في الآخرة وقوله ﴿يخزيهم﴾
لفظ يعم جميع المكاره التي تنزل بهم، وذلك كله راجع إلى إدخالهم النار، وهذا نظير قوله ﴿ربنا إنك من
تدخل النار فقد أخزيته﴾ [آل عمران: ١٩٢]. وقوله ﴿أين شركائي﴾ توبيخ لهم وأضافهم إلى نفسه في
مخاطبة الكفار أي على زعمكم ودعواكم، قال أبو علي: وهذا كما قال الله تعالى حكاية ﴿ذق إنك أنت
العزيز الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] وكما قال ﴿يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾ [الزخرف: ٤٩].
قال القاضي أبو محمد: والإضافات تترتب معقولة وملفوظاً بِأَرَق سبب، وهذا كثير في كلامهم، ومنه
قول الشاعر:
لتغني عني ذا إنائك أجمعيا ..
إذا قلت قدني قال تالله حلفة
فأضاف الإناء إلى حابسه، وقرأ البزي عن ابن كثير ((شركاي)) بقصر الشركاء، وقرأت فرقة ((شركاءي)»
بالمد وياء ساكنة، و﴿تشاقون﴾ معناه تحاربون وتحارجون، أي تكون في شق والحق في شق، وقرأ
الجمهور ((تشاقونَ)) بفتح النون، وقرأ نافع وحده بكسر النون، ورويت عن الحسن بخلاف وضعف هذه
القراءة أبو حاتم، وقد تقدم القول في مثله في الحجر في ﴿تبشرون﴾ [الحجر: ٥٤]، وقرأت فرقة
(تشاقونّي)) بشد النون وياء بعدها، و﴿الذين أوتوا العلم﴾ هم الملائكة فيما قال بعض المفسرين، وقال
يحيى بن سلام: هم المؤمنون وهذا الخطاب منهم يوم القيامة .
٠

٣٨٩
تفسير سورة النحل / الآيات: ٢٨ - ٣٠
قال القاضي أبو محمد: والصواب أن يعم جميع من آتاه الله علم ذلك من جميع من حضر الموقف
من ملك أو إنسي، وغير ذلك، وباقي الآية بين .
قوله عز وجل :
الَّذِينَ تَنَوَقَُّهُمُ الْمَلَئِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمَّ فَأَلْقَوْالسَّلَمَ مَاكُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوْعِبَلَّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿ فَادْ خُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيَهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُنَّكَِّنَ ﴿ وَقِيلَ
لِلَّذِينَ اتَّقَوْ مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرً لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ
وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ
٣٠
﴿الذين﴾ نعت للكافرين في قول أكثر المتأولين، ويحتمل أن يكون ﴿الذين﴾ مرتفعاً بالابتداء
منقطعاً مما قبله، وخبره في قوله ﴿فألقوا السلم﴾ فزيدت الفاء في الخبر، وقد يجيء مثل هذا،
و﴿الملائكة﴾ يريد القابضين لأرواحهم، وقوله ﴿ظالمي أنفسهم) حال، و﴿السلم﴾ هنا الاستسلام، أي
رموا بأيديهم وقالوا ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ فحذف قالوا لدلالة الظاهر عليه، قال الحسن: هي مواطن بمرة
يقرون على أنفسهم كما قال ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ [الأنعام: ١٣] ومرة يجحدون
كهذه الآية، ويحتمل قولهم: ﴿ما كنا نعمل من سوء﴾ وجهين، أحدهما أنهم كذبوا وقصدوا الكذب
اعتصاماً منهم به، على نحو قولهم ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: ٢٣]، والآخر أنهم أخبروا عن
أنفسهم بذلك على ظنهم أنهم لم يكونوا يعملون سوءاً، فأخبروا عن ظنهم بأنفسهم، وهو كذب في نفسه.
و﴿عليم بما كنتم تعلمون﴾ وعيد وتهديد، وظاهر الآية أنها عامة في جميع الكفار، وإلقاؤهم السلم ضد
مشافهتهم قبل، وقال عكرمة: نزلت في قوم من أهل مكة آمنوا بقلوبهم ولم يهاجروا فأخرجهم كفار مكة
مكرهين إلى بدر، فقتلوا هنالك فنزلت فيهم هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: وإنما اشتبهت عليه بالآية الأخرى التي نزلت في أولئك باتفاق من العلماء،
وعلى هذا القول يحسن قطع ﴿الذين﴾ ورفعه بالابتداء فتأمله والقانون أن ﴿بلى﴾ تجيء بعد النفي ونعم
تجيء بعد الإيجاب، وقد تجيء بعد التقرير، كقوله أليس كذا ونحوه، ولا تجيء بعد نفي سوى التقرير،
وقرأ الجمهور ((تتوفاهم)) بالتاء فوق، وقرأ حمزة ((يتوفاهم)) بالياء وهي قراءة الأعمش، قال أبو زيد: أدغم أبو
عمرو بن العلاء السلم ((ما))، وقوله ﴿فادخلوا﴾ من كلام الذي يقول ﴿بلى﴾، و﴿أبواب جهنم) مفضية
إلى طبقاتها التي هي بعض على بعض، و((الأبواب)) كذلك باب على باب، و﴿خالدين﴾ حال، واللام في
قوله ﴿فلبش﴾ لام التأکید.
قال القاضي أبو محمد: وذكر سيبويه، رحمه الله، وهو إجماع النحويين قال: ما علمت أن لام
التأكيد لا تدخل على الفعل الماضي وإنما تدخل عليه لام القسم لكن دخلت على ((بئس)) لما لم تتصرف
أشبهت الأسماء وبعدت عن حال الفعل من جهة أنها لا تدخل على زمان، و((المثوى)) موضع الإقامة، ونعم

٣٩٠
تفسير سورة النحل / الآيتان: ٣١، ٣٢
وبئس إنما تدخلان على معرف بالألف واللام أو مضاف إلى معرف بذلك، والمذموم هنا محذوف، تقديره
بئس المثوى ﴿مثوى المتكبرين﴾، و «المتكبر» هنا هو الذي أفضی به کبره إلى الكفر، وقوله ﴿وقیل للذين
اتقوا﴾ الآية، لما وصف تعالى مقالة الكفار الذين قالوا أساطير الأولين، عادل ذلك بذكر مقالة المؤمنين من
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأوجب لكل فريق ما يستحق لتتباين المنازل بين الكفر والإيمان،
و﴿ماذا﴾ تحتمل ما ذكر في التي قبلها، وقولهم ﴿خيراً﴾ جواب بحسب السؤال، واختلف المتأولون في
قوله تعالى ﴿للذين أحسنوا﴾ إلى آخر الآية، فقالت فرقة: هو ابتداء كلام من الله مقطوع مما قبله، لكنه
بالمعنى وعد متصل بذكر إحسان المتقين في مقالتهم، وقالت فرقة: هو من كلام الذين ﴿قالوا خيراً﴾ وهو
تفسير للخير الذي أنزل الله في الوحي على نبينا خبراً أن من أحسن في الدنيا بطاعة فله حسنة في الدنيا
ونعيم في الآخرة بدخول الجنة، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله لا
يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة)). وقد تقدم القول في إضافة
((الدار)) إلى الآخرة وباقي الآية بين.
قوله عز وجل :
٤.
جَنَّتُ عَدٍْ يَدْ خُلُونَهَا تَّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهٌَّلَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُ ونَ كَذَلِكَ يَحْزِى اللَّهُ الْمُنَّقِينَ(
الَّذِينَ تَنَوَقُِّهُمُ الْمَاتَّبِكَةُ طَيِِّنَّ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَدْ خُلُواْالْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(
٣٢
٣١
﴿جنات عدن﴾ يحتمل أن يرتفع على خبر ابتداء مضمر بتقدير هي جنات عدن، ويحتمل أن يرتفع
بقوله ﴿ولنعم دار المتقين﴾ [النحل: ٣٠] ﴿جنات عدن) ويحتمل أن يكون التقدير، لهم جنات عدن،
ويحتمل أن يكون ﴿جنات﴾ مبتدأ وخبره ﴿يدخلونها﴾، وقرأ زيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن ((جناتٍ))
بالنصب، وهذا نحو قولهم زيد ضربته، وقرأ جمهور الناس ((يدخلونها))، وقرأ إسماعيل عن نافع ((يُدخَلونها))
بضم الياء وفتح الخاء، ولا يصح هذا عن نافع، ورويت عن أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وقوله ﴿تجري من
تحتها الأنهار﴾ في موضع الحال وباقي الآية بين. وقرأ الجمهور ((تتوفاهم)) بالتاء، وقرأ الأعمش ((يتوفاهم)) بالياء
من تحت، وفي مصحف ابن مسعود ((توفاهم)) بتاء واحدة في الموضعين، و﴿طيبين﴾ عبارة عن صلاح حالهم
واستعدادهم للموت، وهذا بخلاف ما قال في الكفرة ﴿ظالي أنفسهم﴾ [النحل: ٢٨]، والطيب الذي لا خبث
معه، ومنه قوله تعالى ﴿طبتم فادخلوها خالدين﴾ [الزمر: ٧٣] وقول الملائكة: ﴿سلام عليكم﴾، بشارة من الله
تعالى، وفي هذا المعنى أحاديث صحاح يطول ذكرها وقوله ﴿بما كنتم تعملون﴾ أي بما كان في أعمالكم
من تكسبكم، وهذا على التجوز، علق دخولهم الجنة بأعمالهم من حيث جعل الأعمال أمارة لإدخال العبد
الجنة، ويعترض في هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة أحد بعمله)).
قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ((ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل منه ورحمة)) وهذه الآية ترد بالتأويل
إلى معنى الحديث.
١٠

٣٩١
تفسير سورة النحل / الآيات: ٣٣ - ٣٥
قال القاضي أبو محمد: ومن الرحمة والتغمد، أن يوفق الله العبد إلى أعمال برة، ومقصد الحديث
نفي وجوب ذلك على الله تعالى بالعقل، كما ذهب إليه فريق من المعتزلة .
قوله عز وجل :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَنْ تَأْنِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِى أَمْرُ رَبِكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ وَمَا ظَلَمَهُمُ
اَللَّهُ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُواْبِهِ،
يَسْتَهْزِءُونَ ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَّكُوْ لَوْشَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ نَحْنُ وَلَآءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ، مِن شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَغُ الْمُبِينُ
٣٥
﴿ينظرون﴾ معناه ينتظرون، ونظر متى كانت من رؤية العين فإنما تعديها العرب بـ ((إلى))، ومتى لم
تتعد بـ ((إلى)) فهو بمعنى انتظر، كما قال امرؤ القيس:
فإنكما إن تنظراني ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب
ومنه قوله تعالى حكاية ﴿انظرونا نقتبس من نور﴾ [الحديد: ١٣] وقد جاء شاذاً نظرت بمعنى الرؤية
متعدياً بغير إلى كقول الشاعر:
باهرات الجمال والحسن ينظر ن كما تنظر الأراك الظباء
وقرأ الجمهور ((تأتيهم)) بالتاء من فوق، وقرأ حمزة والكسائي ((يأتيهم)) بالياء، وهي قراءة يحيى بن
وثاب وطلحة والأعمش، ومعنى الكلام أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم ظالمي أنفسهم، وقوله ﴿أو يأتي
أمر ربك﴾ وعيد يتضمن قيام الساعة أو عذاب الدنيا، ثم ذكر تعالى أن هذا كان فعل أسلافهم من الأمم،
أي فعوقبوا ولم يكن ذلك ظلماً لأنه لم يوضع ذلك العقاب في غير موضعه، ولكن ظلموا أنفسهم بأن
وضعوا كفرهم في جهة الله وميلهم إلى الأصنام والأوثان، فهذا وضع الشيء في غير موضعه، أي آذوها
بنفس فعلهم، وإن كانوا لم يقصدوا ظلمها ولا إذايتها، وقوله ﴿فأصابهم سيئات ما عملوا﴾ أي جزاء ذلك
في الدنيا والآخرة. ﴿وحاق﴾ معناه نزل وأحاط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر من الكلام، تقديره جزاء
﴿ما كانوا به يستهزئون﴾، وقوله تعالى: ﴿وقال الذين أشركوا﴾ الآية، جدل من الكفار، وذلك أن أكثر
الكفار يعتقدون وجود الله تعالى وأنه خالقهم ورازقهم، فإن كان أهل هذه الآية من هذا الصنف فكأنهم قالوا
يا محمد: نحن من الله بمرىء في عبادة الأوثان لتنفع وتقرب زلفى، ولو كره الله فعلنا لغيره منذ مدة، إما
بإهلاكنا وإما بهدايتنا، وكان من الكفار فريق لا يعتقد وجود الله تعالى، فإن كان أهل هذه الآية من هذا
الصنف فكأنهم أخذوا الحجة على النبي صلى الله عليه وسلم من قوله، أي إن الرب الذي تثبته يا محمد
وهو على ما تصفه يعلم ويقدر لا شك أنه يعلم حالنا، ولو كرهها لغيرها، والرد على هذين الفريقين هو في
أن الله تعالى ينهى عن الكفر وقد أراده بقوم، وإنما نصب الأدلة وبعث الرسل ويسر كلاً لما حتم عليه،
وهذا الجدال من أي الصنفين فرضته ليس فيه استهزاء، لكن أبا إسحاق الزجاج: قال إن هذا الكلام على

٣٩٢
تفسير سورة النحل / الآيات: ٣٦ -٣٨
جهة الهزء، فذهب أبو إسحاق رحمه الله والله أعلم إلى أن الطائفة التي لا تقول بإله ثم أقامت الحجة من
مذهب خصمها کأنها مستهزئة في ذلك، وهذا جدل محض، والرد عليه کما ذكرناه وقوله ﴿فهل على الرسل
إلا البلاغ المبين﴾ يشير إلى ما ذكرناه، وقولهم ﴿ولا حرمنا﴾ يريدون البحيرة والسائبة والوصيلة وغير ذلك
مما شرعوه، وأخبر الله تعالى أن هذه النزعة قد سبقهم الأولون من الكفار إليها، كأنه قال: والأمر ليس على
ما ظنوه من أن الله تعالى إذا أراد الكفر لا يأمر بتركه، بل قد نصب الله لعباده الأدلة وأرسل الرسل منذرين
وليس عليهم إلا البلاغ.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اُلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِيِنَ
﴿إِن تَحْرِصُ عَلَى هُدَئُهُمْ فَإِنَّاللَّهَ لَهْدِى مَن يُضِلُّ وَمَالَهُم مِّن نَّصِرِينَ * وَأَقْسَمُواْ
٣٠
بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَا يَعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
٣٨
يَعْلَمُونَ
لما أشار قوله تعالى: ﴿فهل على الرسل إلا البلاغ المبين﴾ [النحل: ٣٥] إلى إقامة الحجة حسبما
ذكرناه، بين ذلك في هذه الآية، أي إنه بعث الرسل آمراً بعبادته وتجنب عبادة غيره، و﴿الطاغوت﴾ في
اللغة كل ما عُبد من دون الله من آدمي راض بذلك، أو حجر أو خشب، ثم أخبر أن منهم من اعتبر وهداه
الله ونظر ببصيرته، ومنهم أيضاً من أعرض وكفر ﴿فحقت عليه الضلالة﴾، وهي مؤدية إلى النار حتماً، ومنه
من أدته إلى عذاب الله في الدنيا، ثم أحالهم في علم ذلك على الطلب في الأرض واستقراء الأمم والوقوف
على عواقب الكافرين المكذبين، وقوله ﴿إن تحرص﴾ الآية، الحرص أبلغ الإرادة في الشيء، وهذه تسلية
للنبي عليه السلام أي إن حرصك لا ينفع، فإنها أمور محتومة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر
والحسن والأعرج وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وشبل ومزاحم الخراساني وأبو رجاء العطاردي وابن سيرين ((لا
يُهدَى)) بضم الياء وفتح الدال، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((لا يهدي)) بفتح الياء وكسر الدال، وهي قراءة
ابن المسيب وابن مسعود وجماعة، وذلك على معنيين أي إن الله لا يهدي من قضى بإضلاله، والآخر أن
العرب تقول هدي الرجل بمعنى اهتدى حكاه الفراء وفي القرآن ﴿لا يهدي إلا أن يهدى﴾ [يونس: ٣٥].
وجعله أبو علي وغيره بمعنى يهتدي، وقرأت فرقة ((إن الله لا يَهدِي)) بفتح الياء وكسر الهاء والدال، وقرأت
فرقة ((إن الله لا يُهدي)) بضم الياء وكسر الدال، وهي ضعيفة، وفي مصحف أبي بن كعب، ((إن الله لا هادي
لمن أضل))، قال أبو علي: الراجع إلى اسم ﴿إن﴾ مقدر في ﴿يضل﴾ على كل قراءة إلا على قراءة من قرأ
((يَهْدِي)) بفتح الياء وكسر الدال بمعنى يهدي الله، فإن الراجع مقدر في ((يهدي))، وقوله ﴿وما لهم﴾ ضمير
على معنى ((من))، وتقول العرب حَرَص يحرص وَحَرص يحرُص والكسر في المستقبل هي لغة أهل.

٣٩٣
تفسير سورة النحل / الآيتان: ٤٠،٣٩
الحجاز، وقرأ الحسن وإبراهيم وأبو حيوة بفتح الراء، وقرأ إبراهيم منهم، ((وإن)) بزيادة الواو، والضمير في
قوله ﴿وأقسموا﴾ لكفار قريش، وذكر أن رجلاً من المسلمين حاور رجلاً من المشركين، فقال في حديثه:
لا والذي أرجوه بعد الموت، فقال له الكافر أونبعث بعد الموت؟ قال: نعم، فأقسم الكافر مجتهداً في
يمينه أن الله لا يبعث أحداً بعد الموت، فنزلت الآية بسبب ذلك، و﴿جَهْدُ﴾ مصدر ومعناه فغاية جهدهم،
ثم رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى ﴿بلى﴾ فأوجب بذلك البعث، وقوله ﴿وعداً عليه حقاً﴾ مصدران
مؤكدان، وقرأ الضحاك ((بلى وعدٌ عليه حقٌ)) بالرفع في المصدرين، و﴿أكثر الناس﴾ في هذه الآية الكفار
المكذبون بالبعث.
قال القاضي أبو محمد: والبعث من القبور مما يجوزه العقل، وأثبته خبر الشريعة على لسان جميع
النبيين ، وقال بعض الشيعة إن الإشارة بهذه الآية إنما هي لعلي بن أبي طالب، وإن الله سيبعثه في الدنيا،
وهذا هو القول بالرجعة، وقولهم هذا باطل وافتراء على الله وبهتان من القول رده ابن عباس وغيره.
قوله عز وجل :
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوَنَّهُمْ كَانُوْ كَذِبِينَ (٣٦) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ
إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَّقُولَ لَهُ, كُنْ فَيَكُونُ
٤٠
اللام في قوله ﴿ليبين﴾ تتعلق بما في ضمن قوله ﴿بلى﴾ [النحل: ٣٨] لأن التقدير ((بلی يبعث
ليبين)»، وقيل هي متعلقة بقوله ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً﴾ [النحل: ٣٦] والأول أصوب في المعنى،
لأن به يتصور كذب الكفار في إنكار البعث، وقوله ﴿إنما قولنا﴾ الآية، ((إنما)) في كلام العرب هي للمبالغة
وتحقيق تخصيص المذكور، فقد تكون مع هذا حاصرة إذا دل على ذلك المعنى، كقوله تعالى ﴿إنما الله
إله واحد﴾ [النساء: ١٧١] وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إنما الربا في النسيئة)) وقول العرب: إنما الشجاع
عنترة، فبقي فيها معنى المبالغة فقط، و﴿إنما﴾ في هذه الآية هي للحصر، وقاعدة القول في هذه الآية أن تقول،
إن الإرادة والأمر اللذين هما صفتان من صفات الله تعالى القديمة، هما قديمان أزليان، وإن ما في ألفاظ
هذه الآية من معنى الاستقبال والاستئناف إنما هو راجع إلى المراد، لا إلى الإرادة، وذلك أن الأشياء
المرادة المكونة في وجودها استئناف واستقبال لا في إرادة ذلك ولا في الأمر به، لأن ذينك قديمان، فمن
أجل المراد عبر بـ ﴿إذا﴾ وب ﴿نقول﴾، ويرجع الآن على هذه الألفاظ فتوضح الوجه فيها واحدة واحدة،
أما قوله ﴿لشيءٍ﴾ فيحتمل وجهين: أحدهما أن الأشياء التي هي مرادة وقيل لها ﴿كن﴾، معلوم أن الوجود
يأتي على جميعها بطول الزمن وتقدير الله تعالى، فلما كان وجودها حتماً جاز أن تسمى أشياء وهي في حالة
عدم، والوجه الثاني أن يكون قوله ﴿لشيء﴾ تنبيهاً لنا على الأمثلة التي تنظر فيها، أي إن كل ما تأخذونه من
الأشياء الموجودة فإنما سبيله أن يكون مراداً وقيل له ﴿كن﴾ فكان، ويكون ذلك الشيء المأخوذ من
الموجودات مثالاً لما يتأخر من الأمور وما تقدم وفني، فبهذا يتخلص من تسمية المعدوم شيئاً، وقوله
﴿أردناه﴾ منزل منزلة مراد، ولكنه أتى بهذه الألفاظ المستأنفة بحسب أن الموجودات تجيء وتظهر شيئاً بعد
:

٣٩٤ -
تفسير سورة النحل / الآيات: ٤١ - ٤٤
شيء، فكأنه قال إذا ظهر للمراد منه، وعلى هذا الوجه يخرج قوله تعالى: ﴿فسيرى الله عملكم ورسوله
والمؤمنون﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿وليعلم اللهُ الذين آمنوا﴾ [آل عمران: ١٤٠] ونحو هذا مما
معناه، ويقع منكم ما رآه اللّه تعالى في الأزل وعلمه، وقوله ﴿أن نقول﴾ منزل منزلة المصدر، كأنه قال
قولنا، ولكن ﴿أن﴾ مع الفعل تعطي استئنافاً ليس في المصدر في أغلب أمرها، وقد تجيء في مواضع لا
يلحظ فيها الزمن كهذه الآية، وكقوله تعالى ﴿ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره﴾ [الروم: ٢٥] وغير
ذلك، وذهب أكثر الناس إلى أن الشيء هو الذي يقال له، كالمخاطب، وكأن الله تعالى قال في الأزل
لجميع ما خلق: ﴿كن﴾ بشرط الوقت والصفة، وقال الزجاج ﴿له﴾ بمعنى من أجله، وهذا يمكن أن يرد
بالمعنى إلى الأول، وذهب قوم إلى أن قوله ﴿أن نقول﴾ مجاز، كما تقول قال برأسه فرفعه وقال بيده
فضرب فلاناً، ورد على هذا المنزع أبو منصور، وذهب إلى أن الأولى هو الأولى، وقرأ الجمهور ((فيكونُ)»
برفع النون، وقرأ ابن عامر والكسائي هنا وفي يس، ((فيكونَ)) بنصبها، وهي قراءة ابن محيصن.
قال القاضي أبو محمد: والأول أبعد من التعقيب الذي يصحب الفاء في أغلب حالها فتأمله، وفي
هذه النبذة ما يطلع منه على عيون هذه المسألة، وشرط الإيجاز منع من بسط الاعتراضات والانفصالات،
والمقصود بهذه الآية إعلام منكري البعث بهوان أمره على الله وقربه في قدرته لا رب غيره.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوْ لَتُبُوِّثَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبُ لَوَ كَانُواْ
يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ () وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلََّ رِجَالًا نُّوحِىّ
إِلَيَّهِمْ فَسْتَلُواْأَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُمْ لَا تَعْلَمُونَ (*) بِالْبَيَِّتِ وَلُّبْرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِنَ
٤٤
لِلنَّاسِ مَا نُزِلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ
لما ذكر الله تعالى كفار مكة الذين أقسموا أن الله لا يبعث من يموت، ورد على قولهم، ذكر مؤمني
مكة المعاصرين لهم، وهم الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، هذا قول الجمهور، وهو الصحيح في سبب
الآية، لأن هجرة المدينة لم تكن وقت نزول الآية، وقالت فرقة سبب الآية أبو جندل بن سهيل بن عمرو.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأن أمر أبي جندل كان والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة،
وقالت فرقة نزلت في عمار وصهيب وخباب وأصحابهم الذين أوذوا بمكة وخرجوا عنها.
قال القاضي أبو محمد: وعلى كل قول فالآية تتناول بالمعنى كل من هاجر أولاً وآخراً. وقرأ الجمهور
((لنبوثنهم)) وقرأ ابن مسعود ونعيم بن ميسرة والربيع بن خثيم وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
((لنثوينهم)) وهاتان اللفظتان معناهما التقرير، فقالت فرقة: الحسنة عِدَةً ببقعة شريفة كشف الغيب أنها كانت
المدينة، وإليها كانت الإشارة بقوله ﴿حسنة﴾ وقالت فرقة: الحسنة لسان الصدق الباقي عليهم في غابر
الدهر.
:

٣٩٥
تفسير سورة النحل / الآيات: ٤١ - ٤٤
قال القاضي أبو محمد: وفي ﴿لنبوئنهم) أو ((لنثوينهم)) على هذا التأويل في لسان الصدق تجوز
كثير واستعارة بعيدة، وهذا على أن ﴿حسنة﴾ هي المباءة والمثوى، وأن الفعل الظاهر عامل فيها، وقال أبو
الفتح: نصبها على معنى نحسن إليهم في ذلك إحساناً، وجعلت ﴿حسنة﴾ موضع إحساناً، وذهبت فرقة
إلى أن الحسنة عامة في كل ما يستحسن أن يناله ابن آدم وتخف الاستعارة المذكورة على هذا التأويل، وفي
هذا القول يدخل ما روي عن عمر بن الخطاب أنه كان يعطي المال وقت القسمة للرجل من المهاجرين
ويقول له: خذ ما وعدك الله في الدنيا، ﴿ولأجر الآخرة أكبر﴾، ثم يتلو هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: ويدخل في هذا القول النصر على العدو وفتح البلاد، وكل أمل أبلغه
المهاجرون، و((أجر الآخرة)) هنا إشارة إلى الجنة، والضمير في ﴿يعلمون﴾ عائد إلى كفار قريش، وجواب
﴿لو﴾ مقدر محذوف، ومفعول ﴿يعلمون﴾ كذلك، وفي هذا نظر، وقوله ﴿الذين صبروا﴾ من صفة
المهاجرين الذين وعدهم الله، والصبر يجمع عن الشهوات وعلى المكاره في الله تعالى، و((التوكل))
تتفاضل مراتبه، فمطيل فيه وذلك مباح حسن ما لم يغل حتى يسبب الهلاك، ومتوسط يسعى جميلاً، وهذا
مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((قيدها وتوكل))، ومقصر لا نفع في تقصيره وإنما له ما قدر له، وقوله
﴿وما أرسلنا من قبلك﴾ الآية، هذه الآية رد على كفار قريش الذين استبعدوا أن يكون البشر رسولاً من الله
تعالى، فأعلمهم الله تعالى مخاطباً لمحمد صلى الله عليه وسلم أنه لم يرسل إلى الأمم ﴿إلا رجالاً﴾. ولم
يرسل ملكاً ولا غير ذلك، و﴿رجالاً﴾ منصوب بـ (أرسلنا﴾ و﴿إلا﴾ إيجاب، وقرأ الجمهور بضم الياء
وفتح الحاء، وقرأت فرقة ((يُوحِي)) بضم الياء وكسر الحاء، وقرأ عاصم من طريق حفص وحده ((نوجي))
بالنون وكسر الحاء، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة بن مصرف وأبي عبد الرحمن ثم قال تعالى ﴿فاسألوا﴾،
و﴿أهل الذكر﴾ هنا اليهود والنصارى، قاله ابن عباس ومجاهد والحسن، وقال الأعمش وسفيان بن عيينة:
المراد من أسلم منهم، وقال ابن جبير وابن زيد: ﴿أهل الذكر﴾ أهل القرآن.
قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان فيهما ضعف، لأنه لا حجة على الكفار في إخبار المؤمنين
بما ذكر، لأنهم يكذبون هذه الصنائف، وقال الزجاج: ﴿أهل الذكر﴾ هنا أحبار اليهود والنصارى الذين لم
يسلموا، وهم في هذه النازلة خاصة إنما يخبرون بأن الرسل من البشر، وإخبارهم حجة على هؤلاء، فإنهم
لم يزالوا مصدقين لهم ولا يتهمون لشهادة لنا لأنهم مدافعون في صدر ملة محمد صلى الله عليه وسلم،
وهذا هو كسر حجتهم من مذهبهم، لا أنّا افتقرنا إلى شهادة هؤلاء، بل الحق واضح في نفسه، وقد أرسلت
قريش إلى يهود يثرب يسألون ويستندون إليهم، وقوله ﴿بالبينات﴾ متعلق بفعل مضمر تقديره أرسلناهم
بالبينات، وقالت فرقة الباء متعلقة بـ ﴿أرسلنا﴾ في أول الآية، والتقدير على هذا وما أرسلنا من قبلك
بالبينات والزبر إلا رجالاً، ففي الآية تقديم وتأخير، ﴿والزبر﴾ الكتب المزبورة، تقول زبرت ودبرت إذا
كتبت، و﴿الذكر﴾ في هذه الآية القرآن، وقوله ﴿لتبين﴾ يحتمل أن يريد لتبين بسردك نص القرآن ما نزل،
ويحتمل أن يريد لتبين بتفسيرك المجمل، وشرحك ما أشكل مما نزل، فيدخل في هذا ما بينته السنة من أمر
الشريعة، وهذا قول مجاهد.
أ

٣٩٦
تفسير سورة النحل / الآيات: ٤٥ - ٤٨
قوله عز وجل :
أَفَأَ مِنَ الَّذِينَ مَكَرُواْ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اَللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْنِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
فَ أَقْيَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُِّهِمْ فَمَاهُم بِمُعْجِزِينَ (١) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَى تَخَوّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْلَّهُوفٌ رَّحِيهُ
٤٧
أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَىْءٍ يَنَفَيَّوْاْ ظِلَلُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَآبِلِ سُجَّدًا لِلّهِ وَهُمْـ
دَاخِرُونَ
٤٨
هذه الآية تهديد لأهل مكة، وهم المراد بـ﴿الذين﴾ في قول الأكثر، وقال مجاهد: المراد غرود بن
كنعان، والأول أظهر، ونصب ﴿السيئات﴾ يحتمل وجهين: أحدهما أن ينصب بقوله ﴿أفأمن) وتكون
﴿السيئات﴾ على هذا العقوبات التي تسوء من تنزل به، ويكون قوله ﴿أن يخسف﴾ بدلاً منها. والوجه
الثاني أن ينصب بـ ﴿مكروا﴾، وعدي ﴿مكروا﴾ لأنه بمعنى عملوا وفعلوا، و﴿السيئات﴾ على هذا
معاصي الكفر وغيره، قاله قتادة، ثم توعدهم بما أصاب الأمم قبلهم من الخسف، وهو أن تبتلع الأرض
المخسوف به ويقعد به إلى أسفل وأسند النقاش، أن قوماً في هذه الأمة، أقيمت الصلاة فتدافعوا الإمامة
وتصلفوا في ذلك فما زالوا كذلك حتى خسف بهم، و﴿تقلبهم﴾ سفرهم ومحاولتهم المعايش بالسفر
والرعاية ونحوها، و((المعجز)) المفلت هرباً كأنه عجز طالبه، وقوله ﴿على تخوف﴾ أي على جهة التخوف،
والتخوف النقص ومنه قول الشاعر: [البسيط]
كما تخوف عود النبعة السفن
تخوف السير منها تامكاً فرداً
والسفن المبرد ويروى أن عمر بن الخطاب خفي عليه معنى ((التخوفَ)) في هذه الآية، وأراد الكتب
إلى الأمصار يسأل عن ذلك، حتى سمع هذا البيت، ويروى أنه جاءه فتى من العرب وهو قد أشكل عليه
أمر لفظة ((التخوف))، فقال له يا أمير المؤمنين: إن أبي يتخوفني مالي، فقال عُمر: الله كبر ﴿أو يأخذهم على
تخوف﴾، ومنه قول طرفة :
زجرُ المعلى أبداً والسفيح
وجامل خوف من نبيه
ويروى من نبته، ومنه قول الآخر: [الوافر]
ألأم على الهجاء وكل يوم
تخوف غدرهم مالي وهدي
يريد الأهاجي، ومنه قول النابغة : [الطويل]
تخوفهم حتى أذل سراتهم
تلاقيني من الجيران غول
سلاسل في الحلوق لها صليل
بطعن ضرار بعد قبح الصفائح
قال القاضي أبو محمد: وهذا التنقص يتجه الوعيد به على معنيين: أحدهما أن يهلكهم ويخرج
أرواحهم على تخوف أي أفذاذاً ينقصهم بذلك الشيء بعد الشيء، وهذا لا يدعي أحد أنه يأمنه، وكأن

٣٩٧
تفسير سورة النحل / الآيات : ٤٥ - ٤٨
هذا الوعيد إنما يكون بعذاب ما يلقون بعد الموت، وإلا فبهذا تهلك الأمم كلها، ويؤيد هذا قوله ﴿فإن
ربكم لرؤوف رحيم﴾ أي إن هذه الرتبة الثالثة من الوعيد، فيها رأفة ورحمة وإمهال ليتوب التائب ويرجع
الراجع: والآخر أن يأخذ بالعذاب طائفة أو قرية ويترك أخرى، ثم كذلك حتى يهلك الكل، وقالت فرقة:
((التخوف)» هنا من الخوف أي يأخذهم بعد تخوف ينالهم فيعذبهم به .
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول تكلف ما، وقوله ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيءٍ﴾
الآية، قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((أو لم يروا)) بالياء على لفظ الغائب، وكذلك في العنكبوت،
فهي جارية على قوله: ﴿أو يأخذهم)، وقوله: ﴿أو يأتيهم) وقوله: ﴿لا يشعرون﴾، ورجحها الطبري،
وقرأ حمزة والكسائي ((أولم تروا)) بالتاء في الموضعين، وهي قراءة الحسن والأعرج وأبي عبد الرحمن،
وذلك يحتمل من المعنى وجهين أحدهما: أن يكون على معنى قل لهم يا محمد أولم تروا، والوجه الآخر
أن يكون خطاباً عاماً لجميع الخلق ابتدأ به القول آنفاً، وقرأ عاصم في النحل بالتاء من فوق، واختلف عنه
في العنكبوت، وقوله ﴿من شيء﴾ لفظ عام في كل ما اقتضته الصفة في قوله ﴿يتفيأ ظلاله﴾ لأن ذلك صفة
لما عرض العبرة في جميع الأشخاص التي لها ظل، والرؤية هنا هي رؤية القلب، ولكن الاعتبار برؤية
القلب إنما تكون في مرئيات بالعين، وقرأ أبو عمرو وحده ((تتفيأ» بالتاء من فوق، وهي قراءة عيسى
ويعقوب، وقرأ الجمهور ((يتفيأ))، قال أبو علي: إذا تقدم الفعل المنسوب إلى مثل هذا الجمع فالتذكير
والتأنيث فيه حسنان، وفاء الظل رجع بعكس ما كان إلى الزوال، وذلك أن الشمس من وقت طلوعها إلى
وقت الزوال إنما هي في نسخ الظل العام قبل طلوعها، فإذا زالت ابتدأ رجوع الظل العام، ولا يزال ينمو
حتى تغيب الشمس، فيعم، والظل الممدود في الجنة لم يذكر الله فيئه لأنه لم يرجع بعد أن ذهب، وكذلك
قول حمید بن ثور:
ولا الفيء من برد العشي تذوق
فلا الظل من برد الضحى تستطيعه
فهو على المهيع، وكذلك قول علقمة بن عبدة: [الطويل]
تَتَبع أفياء الظلال عشية على طرق كأنهن سيوف
وكذلك قول امرىء القيس :
يفيء عليها الظل
وأما النابغة الجعدي فقال: [الخفيف]
فسلام الإله يغدو عليهم
وفيء الفردوس ذات الظلال
فتجوز في أن جعل الفيء حيث لا رجوع، وقال رؤبة بن العجاج: يقال بعد الزوال فيء وظل، ولا
يقال قبله إلا ظل فقط، ويقال فاء الظل أي رجع من النقصان إلى الزيادة، ويعدى فاء بالهمزة كقوله تعالى:
﴿ ما أفاء الله﴾ [الحشر: ٧] ويعدى بالتضعيف فيقال أفاءه الله وفياه الله وتفيأ مطاوع فيا، ولا يقال الفيء إلا
من بعد الزوال في مشهور كلام العرب، لكن هذه الآية الاعتبار فيها من أول النهار إلى آخره، فكأن الآية

٣٩٨
تفسير سورة النحل / الآيات: ٤٥ - ٤٨
جارية في بعض التأويلات على تجوز كلام العرب واقتضائه وضع تتفيأ مكان تتنقل وتميل، وأضاف الظلال
إلى ضمير مفرد حملاً على لفظ ما أو لفظ شيء، وهو في المعنى لجمع، وقرأ الثقفي ((ظُلَّلُه)) بفتح اللام
الأولى وضم الثانية وضم الظاء، وقوله ﴿عن اليمين والشمائل﴾ أفرد اليمين وهو يراد به الجمع، فكأنه
للجنس، والمراد عن الأيمان والشمائل، كما قال الشاعر: [جرير]
الواردون ونِيمٌ في ذرى سبأ قد عض أعناقهم جلد الجواميس
وكما قال الآخر:
م
رزية شبلي مخدر في الضراغم
ففي الشامتين الصخر إن كان هدني
والمنصوب للعبرة في هذه الآية هو كل شخص وجرم له ظل كالجبال والشجر وغير ذلك، والذي
يترتب فيه أيمان وشمائل إنما هو البشر فقط، لكن ذكر الأيمان والشمائل هنا على جهة الاستعارة لغير
البشر، أي تقدره ذا يمين وشمال، وتقدره يستقبل أي جهة شئت، ثم تنظر ظله فتراه يميل إما إلى جهة
اليمين وإما إلى جهة الشمال، وذلك في كل أقطار الدنيا، فهذا وجه يعمم لك ألفاظ الآية، وفيه تجوز
واتساع، ومن ذهب إلى أن ﴿اليمين) من غدوة النهار إلى الزوال ثم يكون من الزوال إلى المغيب عن
الشمال، وهو قول قتادة وابن جريج، فإنما يترتب له ذلك فيما قدره مستقبل الجنوب، والاعتبار في هذه
الآية عندي إنما هو المستقبل الجنوب، وما قال بعض الناس من أن ﴿اليمين﴾ أول وقعة للظل بعد الزوال،
ثم الآخر إلى الغروب هي عن الشمال، ولذلك جمع ﴿الشمائل﴾، وأفرد ﴿اليمين﴾، فتخليط من القول
يبطل من جهات، وقال ابن عباس إذا صليت الفجر كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلاً، ثم بعث الله
الشمس عليه دليلاً فقبض إليه الظل.
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا فأول ذرور الشمس فالظل عن يمين مستقبل الجنوب ثم يبدأ
الانحراف فهو عن الشمائل لأنها حركات كثيرة، وظلال متقطعة، فهي شمائل كثيرة، وكأن الظل عن اليمين
متصلاً واحداً عاماً لكل شيء، وفي هذا القول تجوز في تفيأ، وعلى ما قدرنا من استقبال الجنوب يكون
الظل أبداً مندفعاً عن اليمين إلى الزوال، فإذا تحرك بعد فارق الأيمان جملة وصار اندفاعه عن الشمائل،
وقالت فرقة ((الظلال)) هنا الأشخاص هي المراد أنفسها، والعرب تعبر أحياناً عن الأشخاص بالظل، ومنه
قول عبدة بن الطيب: [البسيط]
وفار للقوم باللحم المراجيل
إذا نزلنا نصبنا ظل أخبية
وإنما تنصب الأخبية، ومنه قول الآخر: [الطويل]
تتبع أفياء الظلال عشية
أي أفياء الأشخاص.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله محتمل غير صريح، وإن كان أبو علي قد قدره، واختلف
المتأولون في هذا السجود فقالت فرقة هو سجود عبادة حقيقة، وذكر الطبري عن الضحاك قال إذا زالت
:
.. .--
. ..

٣٩٩
تفسير سورة النحل / الآيات : ٤٩ - ٥٥
الشمس سجد كل شيء قبل القبلة من نبت أو شجر، ولذلك كان الصالحون يستحبون الصلاة في ذلك
الوقت، وقال مجاهد إنما تسجد الظلال لا الأشخاص وقالت فرقة، منهم الطبري عبر عن الخضوع والطاعة
وميلان الظل ودورانها بالسجود، وكما يقال للمشير برأسه على جهة الخضوع والطاعة وميلان الظل ساجد
ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فكلتاهما خرت وأسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف
والداخر المتصاغر المتواضع، ومنه قول ذي الرمة : [الطويل]
يبق إلا داخر في مُخَيِّس
ومنجحر في غير أرضك في جحر
قوله عز وجل
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَآبَةٍ وَالْمَلَّمِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٦) يَخَافُونَ
رَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ ﴾ (٢) وَقَالَ اللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ
فَإِنَّنَىَ فَارْهَبُونِ ﴿ وَلَهُمَا فِى السَّمَّوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ اَلْدِيْنُ وَاصِبَأْ أَفَغَيََّ اَللَّهِ نَّقُونَ (٢٥) وَمَابِكُمْ مِّن
نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُ فَإِلَيْهِ تَحْتَرُونَ [®اثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُمـ
٥٥
لِيَكْفُرُ واْ بِمَآءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
٥٤
بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ
وقعت ﴿ما﴾ في هذه الآية لما يعقل، قال الزجاج: قوله ﴿ما في السماوات﴾ يعم ملائكة السماء وما
في السحاب وما في الجو من حيوان، وقوله ﴿وما في الأرض من دابة﴾ بين، ثم ذكر ملائكة الأرض في
قوله ﴿والملائكة﴾ ويحتمل أن يكون قوله: ﴿والملائكة) هو الذي يعم ((السماوات والأرض))، وما قبل
ذلك لا يدخل فيه ملك، إنما هو للحيوان أجمع، وقوله ﴿يخافون ربهم﴾ عام لجميع الحيوان، وقوله ﴿من
فوقهم﴾ يحتمل معنيين: أحدهما الفوقية التي يوصف بها الله تعالى فهي فوقية القدر والعظمة والقهر
والسلطان، والآخر أن يتعلق قوله ﴿من فوقهم﴾ بقوله ﴿يخافون﴾، أي يخافون عذاب ربهم من فوقهم،
وذلك أن عادة عذاب الأمم إنما أتى من جهة فوق، وقوله ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾ أما المؤمنون فبحسب
الشرع والطاعة، وأما غيرهم من الحيوان فبالتسخير والقدر الذي يسوقهم إلى ما نفد من أمر الله تعالى،
وقوله ﴿وقال الله﴾ الآية، آية نهي من الله تعالى عن الإشراك به ومعناها لا تتخذوا إلهين اثنين فصاعداً، بما
ينصه من قوله ﴿إنما هو إله واحد﴾، قالت فرقة المفعول الأول بـ ﴿تتخذوا﴾ قوله ﴿إلهين)، وقوله
﴿اثنين) تأكيد وبيان بالعدد، وهذا معروف في كلام العرب أن يبين المعدود بذكر عدده تأكيداً، ومنه قوله
﴿إله واحد﴾ لأن لفظ ﴿إله﴾ يقتضي الانفراد، وقال قوم منهم: المفعول الثاني محذوف تقديره معبوداً أو مطاعاً
ونحو هذا، وقالت فرقة: المفعول الأول ﴿إثنين﴾، والثاني قوله ﴿إلهين﴾، وتقدير الكلام لا تتخذوا اثنين
إلهين، ومثله قوله تعالى ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلاً ذرية من حملنا مع نوح﴾ [الإسراء: ٢ - ٣] ففي هذه
الآية على بعض الأقوال تقديم المفعول الأول لـ ﴿تتخذوا﴾، وقوله ﴿فإياي﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره
-
-

٤٠٠
تفسير: سورة النحل / الآيات: ٤٩ - ٥٥
فارهبوا إياي فارهبون ولا يعمل فيه الفعل لأنه قد عمل في الضمير المتصل به، وقوله ﴿وله ما في
السموات﴾ الآية، الواو في قوله ﴿وله﴾ عاطفة على قوله: ﴿إله واحد﴾، وجائز أن يكون واو ابتداء،
و﴿ما﴾ عامة جميع الأشياء مما يعقل ومما لا يعقل، و﴿السماوات﴾ هنا كل ما ارتفع من الخلق في جهة
فوق، فيدخل فيه العرش والكرسي، و﴿الدين﴾ الطاعة والملك كما قال زهير في دين عمرو: وحالت بيننا
فدك. أي في طاعته وملكه، و((الواصب)) القائم، قاله ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك وقال الشاعر
[أبي الأسود]: [الكامل]
يوماً بذم الدهر أجمع واصبا
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤه
ومنه قول حسان: [المدید]
غيرته الريح تسفي به وهزيم رعده واصب
وقالت فرقة: هو من الوصب وهو التعب، أي وله الدين على تعبه ومشقته.
قال القاضي أبو محمد: فـ ((واصب)) على هذا جار على النسب أي ذا وصب، كما قال: أضحى
فؤادي به فاتناً، وهذا كثير، وقال ابن عباس أيضاً: ((الواصب)) الواجب، وهذا نحو قوله: الواصب الدائم،
وقوله ﴿أَفغير﴾، توبيخ ولفظ استفهام ونصب ((غير)) بـ ﴿تتقون﴾، لأنه فعل لم يعمل في سوى ((غير))
المذكورة، والواو في قوله ﴿وما بكم﴾ یجوز أن تكون واو ابتداء، ويجوز أن تكون واو الحال، ويكون
الكلام متصلاً بقول (أفغير الله تتقون)، كأنه يقال على جهة التوبيخ: أتتقون غير الله وما منعم عليكم
سواه، والباء في قوله ﴿بكم﴾ متعلقة بفعل تقديره وما نزل أو ألم ونحو هذا، و﴿ما﴾ بمعنى الذي، والفاء
في قوله ﴿فمن الله﴾ دخلت بسبب الإبهام الذي في ﴿ما﴾ التي هي بمعنى الذي، فأشبه الكلام الشرط،
ومعنى الآية التذكير بأن الإنسان في جليل أمره ودقيقه إنما هو في نعمة الله وأفضاله، إيجاده داخل في ذلك
فما بعده، ثم ذكر تعالى بأوقات المرض لكون الإنسان الجاهل يحس فيها قدر الحاجة إلى لطف الله
تعالى، و﴿الضر﴾ وإن كان يعم كل مكروه فأكثر ما يجيء عبارة عن أرزاء البدن، و﴿تجأرون﴾ معناه
ترفعون أصواتكم باستغاثة وتضرع، وأصله في جوار الثور والبقرة وصياحها، وهو عند جهد يلحقها أو في أثر
دم يكون من بقر تذبح، فذلك الصراخ يشبه به انتحاب الداعي المستغيث بالله إذ رفع صوته، ومنه قول
الأعشى : [المتقارب]
يراوح من صلوات المليك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا.
وأنشده أبو عبيدة:
بأبیل كلما صلى جار
والأصوات تأتي غالباً على فعال أو فعيل، وقرأ الزهري ((يجَرَون)) بفتح الجيم دون همز حذفت
الهمزة وألقيت حركتها على الجيم، كما خففت ((تسلون)) من ((تسألون))، وقوله ﴿ثم إذا كشف الضر﴾ قرأ