النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
تفسير سورة الحجر / الآيات: ٣٤ - ٤٤
يلزمه - على هذا - أن يكون أجمعين، يقرب من التنكير إذ هو معرفة لكونه يلزم اتباع المعارف، والقراءة
بالرفع تأبى قوله .
وقوله: ﴿إِلا إبليس) قيل: إنه استثناء من الأول، وقيل: إنه ليس من الأول. وهذا متركب على
الخلاف في ﴿إبليس﴾، هل هو من الملائكة أم لا؟ والظاهر - من كثير من الأحاديث ومن هذه الآية - أنه
من الملائكة وذلك أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود، ولو لم يكن إبليس من الملائكة لم يذنب في ترك
السجود. وقد روي عن الحسن بن أبي الحسن: أن إبليس إنما كان من قبيل الجن ولم يكن قط ملكاً؛
ونسب ابن فورك القول إلى المعتزلة، وتعلق من قال هذا بقوله في صفته: ﴿كان من الجن﴾
[الكهف: ٥٠] وقالت الفرقة الأخرى: لا حجة في هذا لأن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها وقد قال
تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً﴾ [الصافات: ١٥٨].
وقوله تعالى: ﴿قال: يا إبليس﴾، قيل: إنه - حينئذ - سماه ﴿إبليس)، وإنما كان اسمه - قبل -
عزازيل، وهو من الإبلاس وهو الإبعاد، أي يا مبعد، وقالت طائفة: ﴿إبليس) كان اسمه، وليس باسم
مشتق، بل هو أعجمي، ويقضي بذلك أنه لا ينصرف، ولو كان عربياً مشتقاً لكان كإجفيل - من أجفل -
وغيره، ولكان منصرفاً، قاله أبو علي الفارسي .
وقوله: ﴿ألا تكون﴾ ((أن)) في موضع نصب، وقيل: في موضع خفض، والأصل: ما لك ألا تكون؟
وقول إبليس ﴿لم أكن لأسجد لبشر﴾ ليس هذا موضع كفره عند الحذاق، لأن إبايته إنما هي معصية فقط،
وأما قوله وتعليله فإنما يقتضي أن الله خلق خلقاً مفضولاً وكلف أفضل منه أن يذل له، فكأنه قال: وهذا
جور، وذلك أن إبليس لما ظن أن النار أفضل من الطين ظن أن نفسه أفضل من آدم من النار يأكل الطين،
فقاس وأخطأ في قياسه، وجهل أن الفضائل إنما هي حيث جعلها الله المالك للجميع لا رب غيره.
قوله عز وجل :
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْ نِي إِلَى
٣٥
وَإِنَّ عَلَيْكَ اٌللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ
قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ (®َّ)
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْنَنِى
٣٨
يَوْمٍ يُبْعَثُونَ ﴿٦َ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ ﴿ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(
◌َ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ﴿ قَالَ هَذَا
٣٩
لَأَزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَّ
صِرَاطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيرٌ ﴿ إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ
٤٢
وَإِنَّ جَهَّمَ لَمَّوْعِدُ هُمْ أَخْمَعِينَ ﴿لَا سَبْعَةُ أَبَوَبٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَّفْسُوهُ
الضمير في ﴿منها﴾ للجنة، وإن لم يجر ذكرها فّي القصة تتضمنها، ويحتمل أن يعود الضمير على
ضيفة الملائكة، والـ ﴿رجيم﴾ المشتوم أي المرجوم بالقول والشتم، و﴿يوم الدين﴾ يوم الجزاء، ومنه
قول الشاعر:
٤٤

٣٦٢
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٣٤ - ٤٤
ن دناهم كميا دانوا
ولم يبق سوى العدوا.
وسأل إبليس ((النظرة إلى يوم البعث)) فأعطاه الله إياها إلى ((وقت معلوم))، واختلف فيه فقيل إلى يوم
القيامة أي يكون آخر من يموت من الخلق، قاله الطبري وغيره وقيل إلى وقت غير معين ولا مرسوم بقيامة
ولا غیرها، بل علمه عند الله وحده، وقيل بل أمره کان إلی یوم بدر وأنه قتل يوم بدر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان روي فهو ضعيف، والمنظر المؤخر، وقوله ﴿رب﴾ مع كفره
يخرج على أنه يقر بالربوبية والخلق، وهو الظاهر من حاله وما تقتضيه فيه الآيات والأحاديث، وهذا لا يدفع
في صدر كفره، وقوله ﴿بما أغويتني﴾ قال أبو عبيدة وغيره أقسم بالإغواء.
قال القاضي أبو محمد: كأنه جعله بمنزلة قوله ((رب)) بقدرتك علي وقضائك ويحتمل أن تكون باء
سبب، كأنه قال ((رب)) والله لأغوينهم بسبب إغوائك لي ومن أجله وكفاء له. ويحتمل أن يكون المعنى
تجلداً منه ومبالغة في الجد أي بحالي هذه وبعدي عن الخير والله لأفعلن ولأغوين، ومعنى ﴿الأزينن لهم
في الأرض﴾ أي الشهوات والمعاصي، والضمير في ﴿لهم﴾ لذرية آدم وإن كان لم يجر لهم ذكر، فالقصة
بجملتها حيث وقعت كاملة تتضمنهم، و((الإغواء)): الإضلال، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن
والأعرج ((المخلصين)) بفتح اللام، أي الذين أخلصتهم أنت لعبادتك وتقواك، وقرأ الجمهور ((المخلصين))
بكسر اللام، أي الذين أخلصوا الإيمان بك وبرسلك، وقوله تعالى: ﴿قال هذا صراط﴾ الآية: القائل هو
الله تعالى، ويحتمل أن يكون ذلك بواسطة، وقرأ الضحاك وحميد والنخعي وأبو رجاء وابن سيرين وقتادة
وقيس بن عباد ومجاهد وغيرهم ((علي مستقيم)» من العلو والرفعة، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى
الإخلاص لما استثني إبليس من أخلص. قال الله له هذا الإخلاص طريق رفيع مستقيم لا تنال أنت
بإغوائك أهله، وقرأ جمهور الناس ((علي مستقيم))، والإشارة بهذا على هذه القراءة إلى انقسام الناس إلى
غاو ومخلص، لما قسم إبليس الناس هذين القسمين، قال الله هذا طريق علي، أي هذا أمر إلي مصيره،
والعرب تقول طريقك في هذا الأمر على فلان أي إليه يصير النظر في أمرك، وهذا نحو قوله تعالى ﴿إن
ربك لبالمرصاد﴾ [الفجر: ١٤].
قال القاضي أبو محمد: الآية على هذه القراءة تتضمن وعيداً، ثم ابتدأ الإخبار عن سلامة عباده
المتقین من إیلیس وخاطبه بأنه لا حجة له علیهم ولا ملکه.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر من قوله ﴿عبادي﴾: الخصوص في أهل الإيمان والتقوى لا عموم
الخلق، وبحسب هذا يكون ﴿إلاّ من اتبعك﴾ مستثنى من غير الأول، التقدير لكن من اتبعك من الغاوين
لك عليهم سلطان، وإن أخذنا العباد عاماً في عباد الناس إذا لم يقرر الله لإبليس سلطاناً على أحد فإنا نقدر
الاستثناء في الأقل في القدر من حيث لا قدر للكفار، والنظر الأول أصوب، وإنما الغرض أن ٧ تقع في
استثناء الأكثر من الأقل، وإن كان الفقهاء قد جوزوه، قال أبو المعالي ليس معروفاً في استعمال العرب،
وهذه الآية أمثل ما احتج به مجوزوه.
قال القاضي أبو محمد: ولا حجة لهم في الآية على ما بينته، وقوله ﴿جهنم لموعدهم﴾ أي موضع

٣٦٣
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٤٥ - ٥٠
اجتماعهم، والموعد يتعلق بزمان ومكان، وقد يذكر المكان ولا يحد زمان الموعد، و﴿أجمعين﴾ تأكيد
وفيه معنى الحال، وقوله ﴿لها سبعة أبواب﴾، قيل إن النار بجملتها سبعة أطباق أعلاها جهنم ثم لظى ثم
الحطمة ثم السعير، ثم سقر، ثم الجحيم وفيه أبو جهل، ثم الهاوية، وإن في كل طبق منها باباً، فالأبواب
على هذا بعضها فوق بعض، وعبر في هذه الآية عن النار جملة بـ ﴿جهنم﴾ إذ هي أشهر منازلها وأولها
وهي موضع عصاة المؤمنين الذين لا يخلدون، ولهذا روي أن جهنم تخرب وتبلى، وقيل إن النار أطباق
كما ذكرنا لكن ((الأبواب السبعة)) كلها في جهنم على خط استواء، ثم ينزل من كل باب إلى طبقة الذي
یفضی إلیه .
قال القاضي أبو محمد: واختصرت ما ذكر المفسرون في المسافات التي بين الأبواب وفي هواء
النار، وفي كيفية الحال إذ هي أقوال أكثرها لا يستند، وهي في حيز الجائز، والقدرة أعظم منها، عافانا الله
من ناره وتغمدنا برحمته بمنه. وقرأ الجمهور ((جزء)) بهمز، وقرأ ابن شهاب ((جزء)) بضم الزاي، وقرأت فرقة
((جزّ)) بشد الزاي دون همز وهي قراءة ابن القعقاع.
قوله عز وجل :
٥ْ أَدْخُلُوهَاِسَلَمِءَامِنِينَ (٩) وَنَزَعْنَا مَا فِ صُدُورِهِم مِّنْ عِلٍ
◌ِّ الْمُتَّقِينَ فِى جَنَاتٍ وَعُيُونٍ !
إِخْوَنَا عَلَى سُرُرٍ مُّنَقَِلِينَ ﴿﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَاهُم مِّنْهَا بِمُخْرَحِينَ ﴿ نَجِئْ عِبَادِىّ
أَنَّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ اَلْأَلِيمُ (
٥٠
ذكر الله تعالى ما أعد لأهل الجنة عقب ذكره ما أعد لأهل النار ليظهر التباين، وقرأ الجمهور و((عُيون)»
بضم العين، وقرأ نبيح والجراح وأبو واقد ويعقوب في رواية رويس ((وعيون)) بكسر العين مثل بيوت
وشيوخ، وقرأ الجمهور (ادخلوها)) على الأمر بمعنى يقال لهم ((ادخُلوها))، وقرأ رويس عن يعقوب
(أدخلوها) على بناء الفعل للمفعول وضم التنوين في ((عيونٌ))، ألقى عليه حركة الهمزة، و ((السلام)) هاهنا
يحتمل أن يكون السلامة، ويحتمل أن يكون التحية، و((الغل)) الحقد، وذكر الله تعالى في هذه الآية أن
ينزع الغل من قلوب أهل الجنة، ولم يذكر لذلك موطناً، وجاء في بعض الحديث أن ذلك على الصراط،
وجاء في بعضها أن ذلك على أبواب الجنة، وفي لفظ بعضها أن الغل ليبقى على أبواب الجنة كمعاطن
الإبل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا على أن الله تعالى يجعل ذلك تمثيلاً بلون يخلقه هناك ونحوه، وهذا
كحديث ذبح الموت، وقد يمكن أيضاً أن يسل من الصدور، ولذلك جواهر سود فيكون كمبارك الإبل،
وجاء في بعض الأحاديث أن نزع الغل إنما يكون بعد استقرارهم في الجنة.
قال القاضي أبو محمد: والذي يقال في هذا أن الله ينزعه في موطن من قوم وفي موطن من آخرین،
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله تعالى فيهم:

٣٦٤
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٤٥ - ٥٠
﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين.﴾. وذكر أن ابناً لطلحة كان عنده فاستأذن
الأشتر فحبسه مدة ثم أذن له فدخل، فقال ألهذا حبستني وكذلك لو كان ابن عثمان حبستني له فقال علي
نعم إني وعثمان وطلحة والزبير ممن قال الله فيهم ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل) الآية ..
قال القاضي أبو محمد: وقد روي أن المستأذن غير الأشتر و﴿إخواناً﴾ نصب على الحال، وهذه
أخوة الدين والود، والأخ من ذلك يجمع على إخوان وإخوة أيضاً، والأخ من النسب يجمع أخوة وإخاء،
ومنه قول الشاعر:
وأي بني الإخاء تصفو مذاهبه
ويجمع أيضاً إخواناً و﴿سرر﴾ جمع سرير، و﴿متقابلين﴾ الظاهر أن معناه في الوجوه، إذ الأسرة
متقابلة فهي أحسن في الرتبة، قال مجاهد لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه، وقيل ﴿متقابلين﴾ في المودة،
وقيل غير هذا مما لا يعطيه اللفظ، و«النصب)» التعب، يقع على القليل والكثير، ومن الكثير قول موسى
عليه السلام ﴿لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً﴾ [الكهف: ٦٢] ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
١
کلیني لهم يا أمية ناصب
و﴿نبىء﴾ معناه أعلم، و﴿عبادي﴾ مفعول ب ﴿نبىء﴾، وهي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، فـ﴿عبادي﴾
مفعول و((أن)) تسد مسد المفعولين الباقيين واتصف ذلك وهي وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد، ألا ترى
أنك إذا قلت أعجبني أن زيداً منطلق إنما المعنى أعجبني انطلاق زيد لأن دخولها إنما هو على جملة ابتداء
وخبر فسدت لذلك مسد المفعولين.
قال القاضي أبو محمد: وقد تتعدى ﴿نبىء﴾ إلى مفعولين فقط ومنه قوله تعالى ﴿من أنبأك هذا﴾
[التحريم: ٣]، وتكون في هذا الموضع بمعنى أخبر وعرف، وفي هذا كله نظرٍ، وهذه آيةٍ ترجية
وتخويف، وروي في هذا المعنى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ((لو يعلم العبد قدر عفو الله
لما تورع من حرام ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه)). وروي في هذه الآية أن سببها أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم جاء إلى جماعة من أصحابه عند باب بني شيبة في الحرم، فوجدهم يضحكون، فزجرهم
ووعظهم ثم ولى فجاءه جبريل عن الله، فقال: يا محمد أتقنط عبادي؟ وتلا عليه الآية، فرجع بها رسول
اللّه صلى الله عليه وسلم إليهم وأعلمهم.
قال القاضي أبو محمد: ولو لم يكن هذا السبب لكان ما قبلها يقتضيها، إذ تقدم ذكر ما في النار وذكر
ما في الجنة فأكد تعالى تنبيه الناس بهذه الآية .
:٠
. 1
قوله عز وجل :
﴿ إِذْ دَ خَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْسَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ
وَنَبِئْهُمْ عَنْ ضَيْفٍِ إِبْرَهِيمَ (
قَالُواْ لَا نَوَجَلْ
٥٢
إِنَّاتُبَشِّرُكَ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴾ قَالَ أَبَشِّرْتُمُونِيِ عَلى ◌َأَن مَّسَنِ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ ) قَالُواْ بَشِّرْنَكَ
:

٣٦٥
:
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٥١ - ٥٦
٥٦
(٥) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةٍ رَبِّهِ: إِلََّ الضَّالُّونَ
بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِّنَ الْقَيِطِينَ
قرأ أبو حيوة ((ونبهُم)) بضم الهاء من غير همز، وهذا ابتداء قصص بعد انصرام الغرض الأول،
و﴿ضيف﴾ مصدر وصف به فهو للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد كعدل وغيره، قال
النحاس وغيره: التقدير عن أصحاب ضيف.
قال القاضي أبو محمد: ويغني عن هذا أن هذا المصدر عومل معاملة الأسماء كما فعل في رهن
ونحوه، والمراد بـ ((الضيف)) هنا الملائكة الذين جاؤوا لإهلاك قوم لوط وبشروا إبراهيم، وقد تقدم
قصصهم. وقوله ﴿سلاماً﴾ مصدر منصوب بفعل مضمر تقديره سلمنا أو نسلم سلاماً، والسلام هنا التحية،
وقوله ﴿سلاماً﴾ حكاية قولهم فلا يعمل القول فيه، وإنما يعمل إذا كان ما بعده ترجمة عن كلام ليس يحكى
بعينه كما تقول لمن قال لا إله إلا الله قلت حقاً ونحو هذا وقوله ﴿إنا منكم وجلون﴾ أي فزعون، وإنما وجل
إبراهيم عليه السلام منهم لما قدم إليهم العجل الحنيذ فلم يرهم يأكلون، وكانت عندهم العلامة المؤمنة
أكل الطعام، وكذلك هو في غابر الدهر أمنة للمنازل والمنزول به، وقرأ الجمهور ((لا توجل)) مستقبل وجل،
وقرأ الحسن ((لا تُؤجل)) بضم التاء على بناء الفعل للمفعول من أوجل، لأن وجل لا يتعدى، وكانت هذه
البشارة بإسحاق، وذلك بعد مولد إسماعيل بمدة، وقول إبراهيم ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر
إسماعيل وإسحاق﴾ [إبراهيم: ٣٩] وليس يقتضي أنهما حينئذ وهبهما بل قبل الحمد بكثير. وقرأ الجمهور
(أبشرتموني)) بألف الاستفهام، وقرأ الأعرج ((بشرتموني)) بغير ألف. وقوله: ﴿على أن مسني الكبر﴾، أي
في حالة قد مسني فيها الكبر، وقرأ ابن محيصن ((الكُبْر)) بضم الكاف وسكون الباء، وقرأ أبو عمرو وعاصم
وابن عامر وحمزة والكسائي ((تُبشرونَ)) بفتح النون التي هي علامة الرفع ، والفعل على هذه القراءة غير
معدى، وقرأ الحسن البصري ((تبشروني)) بنون مشددة وياء، وقرأ ابن كثير بشد النون دون ياء، وهذه القراءة
أدغمت فيها نون العلامة في النون التي هي للمتكلم موطئة للياء، وقرأ نافع ((تبشرونٍ)) بكسر النون، وغلط
أبو حاتم نافعاً في هذه القراءة، وقال إن شاهد الشعر في هذا اضطرار.
قال القاضي أبو محمد: وهذا حمل منه، وتقدير هذه القراءة أنه حذفت النون التي للمتكلم وكسرت
النون التي هي علامة الرفع بحسب الياء، ثم حذفت الياء لدلالة الكسرة عليها، ونحو هذا قول الشاعر
أنشده سيبويه: [الوافر]
تراه كالثغام يعل مسكاً يسوء الفاليات إذا فليني
ومنه قول الآخر:
ملاق لا أباك تخوفيني
أبالموت الذي لا بد أني
ومن حذف هذه النون قول الشاعر:
قدني من نصر الخبيبين قدي
يريد عبد الله ومصعباً ابني الزبير، وكان عبد الله يكنى أبا خبيب، وقرأ الحسن ((فبم تَبشُرون)) بفتح

٣٦٦
تفسير سورة الحجر / الآيات: ٥٧ - ٦٥
التاء وضم الشين، وقول إبراهيم عليه السلام ﴿قبم تبشرون﴾ تقرير على جهة التعجب والاستبعاد
لكبرهما، أو على جهة الاحتقار وقلة المبالاة بالمسرة الدنيوية لمضي العمر واستيلاء الكبر. قال مجاهد:
عجب من كبره ومن كبر امرأته، وقد تقدم ذكر سنه وقت البشارة. وقولهم ﴿بشرناك بالحق﴾ فيه شدة ما،
أي بشر بما بشرت به ودع غير ذلك، وقرأ جمهور الناس ((القانطين))، والقنوط: أتم اليأس، وقرأ يحيى بن
وثاب والأعمش وابن مصرف ورويت عن عمرو ((القنطين))، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبن عامر وحمزة،
(ومن يقنّط)) بفتح النون في كل القرآن، وقرأ أبو عمرو والكسائي ((ومن يقنط)) بكسر النون، وكلهم قرأ من
﴿بعد ما قنطوا﴾ [الشورى: ٢٨] بفتح النون، ورد أبو عبيد قراءة أهل الحرمين وأنكر أن يقال قنِط بكسر
النون، وليس كما قال لأنهم لا يجمعون إلا على قوي في اللغة مروي عندهم، وهي قراءة فصيحة إذ يقال
قَنَط يقنط وقِط يقنط مثل نَقَم ونقِم، وقرأ الأعمش هنا ((يقنط)) بكسر النون، وقرأ ﴿من بعد ما قنطوا﴾
[الشورى: ٢٨] بكسر النون أيضاً، فقرأ باللغتين، وقرأ الأشهب ((يقنط)) بضم النون وهي قراءة الحسن
والأعمش أيضاً وهي لغة تميم .
قوله عز وجل :
قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ
قَالُوْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِين
٥٧
لا
أَ فَكَمَّا جَآءَ ءَإِلَ أُوطٍ
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرُنَّا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَبِينَ
لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ
اُلْمُرْسَلُونَ ﴾ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنْكُرُونَ (٣)قَالُواْبَلْ جِئْتَكَ بِمَا كَانُواْفِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾
وَأَنَّيْنَكَ بِآلْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطِعٍ مِّنَ الَيْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَّهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمـ
أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
٦٥
إِلَّاَ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا
٥٨
القائل هنا إبراهيم عليه السلام، وقوله: ﴿فما خطبكم﴾ سؤال فيه عنف، كما تقول لمن تنكر حاله:
ما دهاك وما مصيبتك؟ وأنت إنما تريد استفهاماً عن حاله فقط. لأن ((الخطب)) لفظة إنما تستعمل في الأمور
الشداد، على أن قول إبراهيم عليه السلام ﴿أيها المرسلون﴾ وكونهم أيضاً قد بشروه يقتضي أنه قد كان
عرف أنهم ملائكة حين قال ﴿فما خطبكم﴾، فيحتمل قوله ﴿فما خطبكم﴾ مع هذا أنه أضاف الخطب بإليهم
من حيث هم حملته إلى القوم المعذبين أي ما هذا الخطب الذي تتحملونه وإلى أي أمة. و﴿لقوم
مجرمين﴾ يراد به أهل مدينة سدوم الذين بعث فيهم لوط عليه السلام، والمجرم الذي يجر الجرائر ويرتكب
المحظورات، وأصل جرم وأجرم كسب، ومنه قول الشاعر: [الوافر]
--
جريمة ناهض في رأس نیق
أي كسب عقاب في قنة شامخ، ولكن اللفظة خصّت في عرفها بالشر، لا يقال لكاسب الأجر مجرم،
وقولهم ﴿إلا آل﴾ استثناء منقطع، والأول القوم الذين يؤول أمرهم إلى المضاف إليه، كذا قال سيبويه،
وهذا نص في أن لفظة ﴿آل﴾ ليست لفظة أهل كما قال النحاس، ويجوز على هذا إضافة ﴿آل﴾ إلى
الضمير، وأما أهيل فتصغير أهل، واجتزوا به عن تصغير ((آل))، فرفضوا ((أويلاً)) وقرأ جمهور السبعة
:
٠

٣٦٧
تفسير سورة الحجر / الآيات: ٥٧ - ٦٥
((لمُنجُّوهم))، وقرأ حمزة والكسائي ((لمنْجُوهم)) بسكون النون وضم الجيم مخففة ، والضمير في
﴿لمنجوهم﴾ في موضع خفض بالإضافة، وانحذفت النون للمعاقبة، هذا قول جمهور النحويين، وقال
الأخفش الضمير في موضع نصب وانحذفت النون لأنه لا بد من اتصال هذا الضمير.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقوله ﴿إلا امرأته﴾ استثناء بعد استثناء وهما منقطعان فيما
حكى بعض النحاة لأنهم لم يجعلوا امرأته الكافرة من آله.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، لأنها قبل الاستثناء داخلة في اللفظ الذي هو الأول، وليس
كذلك الأول مع ((المجرمين))، فيظهر الاستثناء الأول منقطعاً والثاني متصلاً، والاستثناء بعد الاستثناء يرد
المستثنى الثاني في حكم أمر الأول، ومثل بعض الناس في هذا بقولك: لي عندك مائة درهم إلا عشرة
دراهم إلا درهمين، فرجعت الدرهمان في حكم التسعين الدرهم، وقال المبرد: ليس هذا المثال بجيد،
لأنه من خلق الكلام ورثه إذ له طريق إلى أداء المعنى المقصود بأجمل من هذا التخليق، وهو أن يقول لي
عندك مائة إلا ثمانية، وإنما ينبغي أن يكون مثالاً للآية قولك: ضربت بني تميم إلا بني دارم إلا حاجباً،
لأن حاجباً من بني دارم فلما كان المستثنى الأول في ضمنه ما لا يجري الحكم عليه، والضرورة تدخله في
لفظه ولا يمكنك العبارة عنه دون ذلك الذي يجري الحكم عليهم اضطررت إلى استثناء ثان .
قال القاضي أبو محمد: ونزعة المبرد في هذا نبيلة، وقرأ جميعهم سوى عاصم في رواية أبي بكر
((قدّرنا)) بتشديد الدال في كل القرآن، وقرأ عاصم ((قدَّرنا)» بتخفيفها، ونقل في رواية حفص، والتخفيف
يكون بمعنى التثقيل كما قال الهذلي أبو ذؤيب: [الطويل]
ومفرهة عنس قدرت لساقها فخرت كما تتابع الريح بالقفل
يريد قدرت ضربي لساقها، وكقول النبي عليه السلام في الاستخارة: ((واقدر لي الخير حيث كان))،
ويكون أيضاً بمعنى سن ووفق ومنه قول الشاعر: [يزيد بن مفرغ]
يرجع دونه الخبر
بقندهار ومن تقدير منيته
وكسرت الألف من ﴿إنها﴾ بسبب اللام التي في قوله ﴿لمن﴾ والغابر الباقي في الدهر وغيره، وقالت فرقة
منهم النحاس: هو من الأضداد، يقال في الماضي وفي الباقي، وأما في هذه الآية فهي للبقاء أي من
الغابرين في العذاب، وقوله تعالى: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون﴾ الآيات، تقدم القول وذكر القصص
في أمر لوط وصورة لقاء الرسل له، وقيل إن الرسل كانوا ثلاثة، جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وقيل كانوا
اثني عشر وقوله ﴿منكرون﴾ أي لا يعرفون في هذا القطر، وفي هذه اللفظة تحذير وهو من نمط ذمه لقومه
وجريه إلى أن لا ينزل هؤلاء القوم في تلك المدينة خوفاً منه أن يظهر سوء فعلهم وطلبهم الفواحش، فقالت
الرسل للوط بل جئناك بما وعدك الله من تعذيبهم على كفرهم ومعاصيهم، وهو الذي کانوا یشکون فيه ولا
يحققونه، وقرأت فرقة ((فاسر)) بوصل الألف، وقرأت فرقة ((فأسر)» بقطع الألف، يقال سرى وأسرى بمعنى،
إذا سار ليلاً، وقال النابغة: [البسيط]
أسرت عليه من الجوزاء سارية

٣٦٨
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٦٦ - ٧٧
فجمع بين اللغتين في بيت، وقرأ اليماني ((فيسر بأهلك))، وهذا الأمر بالسرى هو عن الله تعالى، أي
يقال لك، و((القطع)) الجزء من الليل، وقرأت فرقة ((بقطع)) بفتح الطاء حكاه منذر بن سعيد. وقوله: ﴿واتبع
أدبارهم﴾ أي كن خلفهم وفي ساقتهم حتى لا يبقى منهم أحد ولا يتلوى، و﴿حيث﴾ في مشهورها ظرف
مكان، وقالت فرقة أمر لوط أن يسير إلى زغر، وقيل: إلى موضع نجاة غير معروف عندنا، وقالت فرقة:
﴿حيث﴾ قد تكون ظرف زمان، وأنشد أبو علي في هذا بيت طرفة: [المديد]
حيث تهدي ساقه قدمه.
للفتى عقل يعيش به
كأنه قال مدة مشيه وتنقله، وهذه الآية من حيث أمر أن يسري ﴿بقطع من الليل﴾ ثم قيل له ((حيث
تؤمر)). ونحن لا نجد في الآية أمراً له لا في قوله ﴿بقطع من الليل﴾ أمكن أن تكون ﴿حيث﴾ ظرف زمان،
و﴿يلتفت﴾ مأخوذ من الالتفات الذي هو نظر العين، قال مجاهد: المعنى لا ينظر أحد وراءه.
قال القاضي أبو محمد: ونهوا عن النظر مخافة العقلنة وتعلق النفس بمن خلف، وقيل بل لئلا تتفطر
قلوبهم من معاينة ما جرى على القرية في رفعها وطرحها. وقيل ﴿يلتفت﴾ معناه يتلوى من قولك لفت الأمر
إذا لويته، ومنه قولهم للعصيدة لفيتة لأنها تلوى، بعضها على بعض.
قوله عز وجل :
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَأَنَّ ذَابِرَهَؤُلَاءِ مَقْطُوٌ مُصْبِحِينَ (٢) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ
◌َ قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ
﴿ قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِىِ فَلَ نَفْضَحُونِ (جَ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونٍ.
◌َ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِىّ إِن كُتُمْ فَعِلِينَ ﴿ لَعَمْرَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَبِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ
اُلْعَلَمِينَ ل
إِنَّ فِى ذَلِكَ
٧٤
الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴿ فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْحِجَارَةً مِّن سِچِينِلٍ
لَيَتِ لِلْمُتَوَسِينَ (٢٥) وَ إِنَّهَ لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ (٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَ يَّةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
٧٧
المعنى ﴿وقضينا ذلك الأمر﴾ أي أمضيناه وختمنا به، ثم أدخل في الكلام ﴿إليه﴾ من حيث أوحى
ذلك إليه وأعلمه الله به فجلب هذا المعنى بإيجاز وحذف ما يدل الظاهر عليه و ﴿أن﴾ في موضع نصب،
قال الأخفش: هي بدل من ﴿ذلك﴾، وقال الفراء: بل التقدير ((بأن دابر)) فحذف حرف الجر، والأول
أصوب، و((الدابر)) الذي يأتي آخر القوم أي في أدبارهم، وإذا قطع ذلك وأتى عليه فقد أتى العذاب من
أولهم إلى آخرهم، وهذه ألفاظ دالة على الاستئصال والهلاك التام، يقال قطع الله دابره واستأصل شأفته
وأسكت نأمته بمعنى. و﴿مصبحين﴾ معناه إذا أصبحوا ودخلوا في الصباح، وقوله ﴿وجاء أهل
المدينة﴾، يحتمل أن رجع الوصف أمر جرى قبل إعلام لوط بهلاك أمته، ويدل على هذا أن مجاجة لوط
لقومه تقتضي ضعف من لم يعلم إهلاكهم، وأن الأضياف ملائكة، ويحتمل قوله ﴿وجاء أهل المدينة﴾ أن
يكون بعد علمه بهلاكهم، وكان قوله ما يأتي من المحاورة على جهة التهكم عنهم والإملاء لهم والتربص
بهم .
.

٣٦٩
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٦٦ - ٧٧
قال القاضي أبو محمد: والاحتمال الأول عندي أرجح، وهو الظاهر من آيات غير هذه السورة، وقوله
﴿يستبشرون﴾ أي بالأضياف طمعاً منهم في الفاحشة، و((الضيف)) مصدر وصف به، فهو يقع للواحد
والجميع والمذكر والمؤنث، وقولهم ﴿أو لم ننهك عن العالمين) روي أنهم قد تقدموا إليه في أن لا يضيف
أحداً ولا يجيره، لأنهم لا يراعونه ولا يكتفون عن طلب الفاحشة فيه، وقرأ الأعمش ((إن دابر)) بكسر الهمزة
وروي أن في قراءة عبد الله ((وقضينا إليه ذلك الأمر وقلنا إن دابر هؤلاء مقطوع))، وذكر السدي أنهم إنما
كانوا يفعلون الفاحشة مع الغرباء ولا يفعلونها بعضهم ببعض، فكانوا يعترضون الطرق، وقول لوط عليه
السلام ﴿هؤلاء بناتي﴾ اختلف في تأويله، فقيل أراد نساء أمته لأن زوجات النبيين أمهات الأمم وهو أبوهم
فالنساء بناته في الحرمة والمراد بالتزويج، ويلزم هذا التأويل أن يكون في شرعه جواز زواج الكافر للمؤمنة،
وقد ورد أن المؤمنات به قليل جداً، وقيل إنما أراد بنات صلبه ودعا إلى التزويج أيضاً قاله قتادة ويلزم هذا
التأويل أيضاً ما لزم المتقدم في ترتيبنا.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بقوله عليه السلام ﴿هؤلاء بناتي﴾ بنات صلبه، ويكون
ذلك على طريق المجاز، وهو لا يحقق في إباحة بناته وهذا كما تقول لإنسان تراه يريد قتل آخر اقتلني ولا
تقتله فإنما ذلك على جهة التشنيع عليه والاستنزال من جهة ما واستدعاء الحياء منه، وهذا كله من مبالغة
القول الذي لا يدخله معنى الكذب بل الغرض منه مفهوم، وعليه قول النبي عليه السلام ((ولو كمفحص
قطاة)، إلى غير هذا من الأمثلة و((العَمر)) و((العُمر)) بفتح العين وضمها واحد، وهما مدة الحياة، ولا
يستعمل في القسم إلا بالفتح، وفي هذه الآية شرف لمحمد عليه السلام لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم
يفعل ذلك مع بشر سواء، قاله ابن عباس.
قال القاضي أبو محمد: والقسم بـ ﴿لعمرك﴾ في القرآن، وبـ ((لعمري)) ونحوه في أشعار العرب
وفصيح كلامها في غير موضع .
كقوله: [الطويل]
لعمري وما عمري عليَّ بهين
وقول الآخر: [الوافر]
لعمر أبيك ما نسب المعالي
وكقول الآخر: [طرفة بن العبد] [الطويل]
لكالطّوَلِ المرخى وثنياه باليد
لعمرك إن الموت ما أخطأُ الفتى
والعرب تقول لعمر الله، ومنه قول الشاعر:
لعمر الله أعجيني رضاها
إذا رضيت عليّ بنو قشير
وقال الأعشى : [الكامل]
ولعمر من جعل الشهور علامة فيها فبين نصفها وكمالها

٣٧٠
تفسير سورة الحجر / الآيات ؛ ٦٦ - ٧٧
ويروى وهلالها، وقال بعض أصحاب المعاني، لا يجوز هذا لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما يقال
بقاء أزلي ذكره الزهراوي، وكره إبراهيم النخعي أن يقول الرجل لعمري لأنه حلف بحياة نفسه، وذلك من
كلام ضعفة الرجال، ونحو هذا، قول مالك في ((لعمري)) و((لعمرك)) أنها ليست بيمين، وقال ابن حبيب
ينبغي أن تصرف ﴿لعمرك﴾ في الكلام اقتداء بهذه الآية، و﴿يعمهون﴾ يرتبكون ويتحيرون، والضمائر في
﴿سكرتهم﴾ يراد بها قوم لوط المذكورون، وذكر الطبري أن المراد قريش، وهذا بعيد لأنه ينقطع مما قبله
ومما بعده، وقوله ﴿لفي سكرتهم﴾ مجاز وتشبيه، أي في ضلالتهم وغفلتهم وإعراضهم عن الحق ولهوهم،
و﴿يعمهون﴾ معناه يتردون في حيرتهم، و﴿مشرقين﴾ معناه قد دخلوا في الإشراق وهو سطوع ضوء
الشمس وظهوره قاله ابن زید.
قال القاضي أبو محمد: وهذه ((الصيحة)) هي صيحة الوجبة وليست كصيحة ثمود، وأهلكوا بعد
الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين، وخبر قوله ﴿لعمرك﴾ محذوف تقديره لعمرك قسمي أو يميني،
وفي هذا نظر، وقرأ ابن عباس ((وعمرك))، وقرأ الأشهب العقيلي ((لفي سُكرتهم)) بضم السين، وقرأ ابن أبي
عبلة ((لفي سكراتهم))، وقرأ الأعمش ((لفي سكرهم)) بغير تاء، وقرأ أبو عمرو في رواية الجهضمي ((أنهم في
سكرتهم)) بفتح الألف، وروي في معنى قوله ﴿جعلنا عاليها سافلها﴾ أن جبريل عليه السلام اقتلع المدينة
بجناحيه ورفعها حتى سمعت ملائكة السماء صراخ الديكة ونباح الكلاب ثم قلبها وأرسل الكل، فمن سقط
عليه شيء من جرم المدينة مات، ومن أفلت منهم أصابته ﴿حجارة من سجيل﴾، و﴿سجيل﴾ اسم من
الدنيا، وقيل لفظة فارسية، وهي الحجارة المطبوخة من الطين كالآجر ونحوه، وقد تقدم القول في هذا،
و((المتوسمون)) قال مجاهد المتفرسون، وقال الضحاك الناظرون، وقال قتادة المعتبرون، وقيل غير هذا مما
هو قريب منه، وهذا كله تفسير بالمعنى، وأما تفسير اللفظة فإن المعاني التي تكون في الإنسان وغيره من
خير أو شر يلوح عليه وسم عن تلك المعاني، كالسكون والدماثة واقتصاد الهيئة التي تكون عن الخير ونحو
هذا، فالمتوسم هو الذي ينظر في وسم المعنى فيستدل به على المعنى، وكأن معصية هؤلاء أبقت من
العذاب والإهلاك وسماً، فمن رأى الوسم استدل على المعصية به واقتاده النظر إلى تجنب المعاصي لئلا
ينزل به ما نزل بهم، ومن الشعر في هذه اللفظة قول الشاعر: [الطويل]
عليه وقلت المرء من آل هاشم
توسمته لما رأيت مهابة
وقال آخر:
فظللت فيها واقفاً أتوسم
وقال آخر:
إني توسمت فيك الخير نافلة
والضمير في قوله ﴿وإنها﴾ يحتمل أن يعود على المدينة المهلكة، أي أنها في طريق ظاهر بين
للمعتبر، وهذا تأويل مجاهد وقتادة وابن زيد، ويحتمل أن يعود على الآيات، ويحتمل أن يعود على
الحجارة، ويقوي هذا التأويل ما روي أن النبي عليه السلام قال: ((إن حجارة العذاب معلقة بين السماء
:

٣٧١
تفسير سورة الحجر / الآيات: ٧٨ - ٨٦ -
والأرض منذ ألفي سنة لعصاة أمتي))، وقوله ﴿الآية﴾ أي أمارة وعلامة كما تقول آية ما بيني وبينك كذا
وكذا.
قوله عز وجل :
فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَا مِ قُّبِينٍ ﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَبُ
وَ إِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَلِمِينَ
الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴿ وَءَانَيْنَهُمْ ءَايَتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴿ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُونًا
وَمَا خَلَقْنَا
٨٤
ءَامِنِينَ ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴿٨َ فَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيْنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقُّ وَإِنَ السَّاعَةَ لَآَنِيَّةٌ فَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴿ إِنَّ
رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ الْعَلِيم
٨٦
﴿الأيكة﴾ الغيضة والشجر الملتف المخضر يكون السدر وغيره، قال قتادة، وروي أن أيكة هؤلاء
كانت من شجر الدوم، وقيل من المثل، وقيل من السدر، وكان هؤلاء قوماً يسكنون غيضة ويرتفقون بها في
معايشهم فبعث الله إليهم شعيباً فكفروا فسلط الله عليهم الحر فدام عليهم سبعة أيام ثم رأوا سحابة فخرجوا
فاستظلوا تحتها فاضطرمت عليهم ناراً، وحكى الطبري قال: بعث شعيب إلى أمتين كفرتا فعذبتا بعذابين
مختلفين: أهل مدين عذبوا بالصيحة، و﴿أصحاب الأيكة﴾، ولم يختلف القراء في هذا الموضع في
إدخال الألف واللام على ((أيكة))، وأكثرهم همز ألف أيكة بعد اللام، وروي عن بعضهم أنه سهلها ونقل
حركتها إلى اللام فقرأ ((أصحاب الايكة)) دون همز، واختلفوا في سورة الشعراء وفي سورة ص، و﴿إن﴾
هي المخففة من الثقيلة على مذهب البصريين، وقال الفراء ﴿إن﴾ بمعنى ما، واللام في قوله ﴿الظالمين)
بمعنى إلا . قال أبو علي: الأيك جمع أيكة كترة وتمر.
قال القاضي أبو محمد: ومن الشاهد على اللفظة قول أمية بن أبي الصلت:
ـك فى الطير الجوانح
كبكاء الحمام على غصون الأيـ
ومنه قول جرير: [الوافر]
حمام الأيك يسعدها حمام
وقفت بها فهاج الشوق مني
ومنه قول الآخر:
إذا اخضرَّ منها جانب جف جانب
ألا إنما الدنيا غضارة أيكة
ومنه قول الهذلي :
جنا أيكةٍ تضفو عليها قصارها
موشحة بالطرتين دنا لها
وأنشد الأصمعي : [البسيط]

٣٧٢
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٧٨ - ٨٦
يرمي الصعيد بخشب الأيك والضال
وما خليج من المروت ذو حدب
والضمير في قوله ﴿وإنهما﴾ يحتمل أن يعود على المدينتين اللتين تقدم ذكرهما: مدينة قوم لوط،
ومدينة أصحاب الأيكة، ويحتمل أن يعود للنبيين: على لوط وشعيب، أي أنهما على طريقٍ من الله وشرع
مبين. و((الإمام)) في كلام العرب الشيء الذي يهتدى به ويؤتم، يقولونه لخيط البناء، وقد يكون الطريق،
وقد يكون الكتاب المفيد، وقد يكون القياس الذي يعمل عليه الصناع، وقد يكون الرجل المقتدى به،
ونحو هذا، ومن رأى عود الضمير في ﴿إنهما﴾ على المدينتين قال ((الإمام)) الطريق، وقيل على ذلك
((الإمام)) الكتاب الذي سبق فيه إهلاكهما، و﴿أصحاب الحجر﴾ هم ثمود، وقد تقدم قصصهم،
و﴿الحجر﴾ مدينتهم، وهي ما بين المدينة وتبوك، وقال ﴿المرسلين) من حيث يجب بتكذيب رسول
واحد تكذيب الجميع، إذ القول في المعتقدات واحد للرسل أجمع، فهذه العبارة أشنع على المكذبين،
و((الآية)) التي آتاهم الله هي الناقة وما اشتملت عليه من خرق العادة حسبما تقدم تفسيره وبسطه، وقرأ أبو
حيوة ((وآتيناهم آيتنا)) مفردة، وقوله تعالى: ﴿وكانوا ينحتون﴾ الآية، يصف قوم صالح بشدة النظر للدنيا
والتكسب منها فذكر من ذلك مثالاً أن بيوتهم كانوا ينحتونها في حجر الجبال، و((النحت)» النقر بالمعاول
ونحوها في الحجارة والعود ونحوه، وقرأ جمهور الناس: ((ينجتون)) بكسر الحاء، وقرأ الحسن ((ينحتون))
بفتحها، وذلك لأجل حرف الحلق، وهي قراءة أبي حيوة، وقوله ﴿آمنين﴾ قيل معناه من انهدامها، وقيل
من حوادث الدنيا، وقيل من الموت لاغترارهم بطول الأعمال.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، وأصح ما يظهر في ذلك أنهم كانوا يأمنون عواقب
الآخرة. فكانوا لا يعملون بحسبها، بل كانوا يعملون بحسب الأمن منها، ومعنى ﴿مصبحين﴾ أي عند
دخولهم في الصباح، وذكر أن ذلك كان يوم سبت، وقد تقدم قصص عذابهم وميعادهم وتغير ألوانهم، ولم
تغن عنهم شدة نظرهم للدنيا وتكسبهم شيئاً، ولا دفع عذاب الله، و﴿ما﴾ الأولى تحتمل النفي وتحتمل
التقرير، والثانية مصدرية، وقوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض﴾ الآية، المراد أن هؤلاء
المكتسبين للدنيا الذين لم يغن عنهم اكتسابهم ليسوا في شيء، فإن السماوات والأرض وجميع الأشياء لم
تخلق عبثاً ولا سدى، ولا لتكون طاعة الله كما فعل هؤلاء ونظراؤهم، وإنما خلقت بالحق ولواجب مراد
وأغراض لها نهايات من عذاب أو تنعيم ﴿وإن الساعة لآتية﴾ على جميع أمور الدنيا، أي فلا تهتم يا محمد
بأعمال قومك فإن الجزاء لهم بالمرصاد، ﴿فاصفح﴾ عن أعمالهم، أي ولَّها صفحة عنقك بالإعراض
عنها، وأكد الصفح بنعت الجمال إذ المراد منه أن يكون لا عتب فيه ولا تعرض .
وهذه الآية تقتضي مداهنة، ونسخها في آية السيف قاله قتادة، ثم تلاه في آخر الآية بأن الله تعالى
يخلق من شاء لما شاء ويعلم تعالى وجه الحكمة في ذلك لا هذه الأوثان التي يعبدونها، وقرأ جمهور الناس
((الخلاق))، وقرأ الأعمش والجحدري ((الخالق)).
قوله عز وجل :
وَلَقَدْءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِىِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ﴿لَا تَمُذَنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ
.

٣٧٣
تفسير سورة الحجر / الآيات: ٨٧ - ٩٣
اكَمَآ أَنْزَ لْنَا عَلَى
٨٩
وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقُلْ إِنِّى أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ
] فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ عَمَّا كَانُواْ
الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ
٩٣
يَعْمَلُونَ
قال ابن عمر وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وابن جبير: ((السبع)) هنا هي السبع الطوال البقرة وآل
عمران والنساء والمائدة والأنعام والمص والأنفال مع براءة، وقال ابن جبير: بل السابعة يونس وليست
الأنفال وبراءة منها، و ﴿المثاني﴾ على قول هؤلاء: القرآن كما قال تعالى: ﴿كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه
جلود الذين يخشون ربهم﴾ [الزمر: ٢٣]، وسمي بذلك لأن القصص والأخبار تثنى فيه وتردد، وقال
عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس أيضاً وابن مسعود والحسن وابن أبي مليكة وعبيد بن عمير
وجماعة: ((السبع)) هنا هي آيات الحمد، قال ابن عباس: هي سبع: بسم الله الرحمن الرحيم ، وقال غيره
هي سبع دون البسملة، وروي في هذا حديث أبي بن كعب ونصه: قال أبيّ: قال لي رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((ألا أعلمك يا أبيّ سورة لم تنزل في التوراة والإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها)»،
قلت: بلى، قال: ((إني لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتى تعلمها))، فقام رسول الله وقمت معه ويدي
في يده وجعلت أبطىء في المشي مخافة أن أخرج، فلما دنوت من باب المسجد، قلت: يا رسول الله،
السورة التي وعدتنيها؟ فقال: ((كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة))؟ قال: فقرأت ﴿الحمد لله رب العالمين)
[الفاتحة: ١] حتى كملت فاتحة الكتاب، فقال: («هي هي، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي
أوتيت))، كذا أو نحوه ذكره مالك في الموطأ، وهو مروي في البخاري ومسلم عن أبي سعيد بن المعلى
أيضاً، وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ((إنها السبع المثاني، وأم القرآن، وفاتحة الكتاب)»
وفي كتاب الزهراوي: وليس فيها بسملة، و﴿المثاني﴾ على قول هؤلاء يحتمل أن يكون القرآن،
فـ ﴿من﴾ للتبعيض، وقالت فرقة: بل أراد الحمد نفسها كما قال ﴿الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠]
فـ ﴿من﴾ لبيان الجنس، وسميت بذلك لأنها تثنى في كل ركعة، وقيل سميت بذلك لأنها يثنى بها على الله
تعالى، جوزه الزجاج.
i
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول من جهة التصريف نظر، وقال ابن عباس: سميت بذلك لأن
الله تعالى استثناها لهذه الأمة ولم يعطها لغيرها، وقال نحوه ابن أبي مليكة، وقرأت فرقة ((والقرآن)» بالخفض
عطفاً على ﴿المثاني﴾ وقرأت فرقة ((والقرآنَ)) بالنصب عطفاً على قوله ﴿سبعاً﴾، وقال زياد بن أبي مريم:
المراد بقوله ﴿ولقد آتيناك سبعاً﴾ أي سبع معان من القرآن خولناك فيها شرف المنزلة في الدنيا والآخرة
وهي: مُرْ، وانْهَ، وبشر، وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم، واقصص الغيوب، وقال أبو العالية
(السبع المثاني)) هي آية فاتحة الكتاب، ولقد نزلت هذه السورة وما نزل من السبع الطوال شيء، وقوله ﴿لا
تمدن عينيك﴾ الآية، حكى الطبري، عن سفيان بن عيينة أنه قال هذه الآية أمر بالاستغناء بكتاب الله عن
جميع زينة الدنيا، وهي ناظرة إلى قوله عليه السلام: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن)) أي يستغني به.
1

٣٧٤
تفسير سورة الحجز / الآيات: ٨٧ -٩٣
قال القاضي أبو محمد: فكأنه قال: ولقد آتيناك عظيماً خطيراً فلا تنظر إلى غير ذلك من أمور الدنيا
وزينتها التي متعنا بها أنواعاً من هؤلاء الكفرة، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أوتي
القرآن فرأى أن أحداً أعطي أفضل مما أعطي فقد عظم صغيراً، وصغر عظيماً)) وكأن ((مد العين)) يقترن به
تمنَّ، ولذلك عبر عن الميل إلى زينة الدنيا بـ ((مد العين)) و((الأزواج)) هنا الأنواع والأشباه، وقوله ﴿ولا
تحزن عليهم﴾ أي لا تتأسف لكفرهم وهلاكهم، واصرف وجه تحفيك إلى من آمن بك ﴿واخفض﴾ لهم
﴿جناحك﴾ وهذه استعارة بمعنى لين جناحك ووطىء أكنافك. ((والجناح)) الجانب والجنب، ومنه
﴿واضمم يدك إلى جناحك﴾ [طه: ٢٢] فهو أمر بالميل إليهم، والجنوح الميل، ﴿وقل إني أنا النذير
المبين﴾، أي تمسك بهذا القدر العظيم الذي وهبناك، والكاف من قوله ﴿كما﴾ متعلقة بفعل محذوف
تقديره، وقل إني أنا النذير المبين عذاباً كالذي أنزلنا على المقتسمين، فالكاف اسم في موضع نصب.
قال القاضي أبو محمد: هذا قول المفسرين، وهو عندي غير صحيح لأن ﴿كما﴾ ليس مما يقوله
محمد عليه السلام بل هو من قول الله تعالى له فينفصل الكلام، وإنما يترتب هذا القول بأن نقدر أن الله
تعالى قال له تنذر عذاباً كما، والذي أقول في هذا المعنى: وقل أنا النذير كما قال قبلك رسلنا وأنزلنا عليهم
كما أنزلنا عليك، ويحتمل أن يكون المعنى وقل أنا النذير كما قد أنزلنا قبل في الكتب أنك ستأتي نذيراً،
وهذا على أن ﴿المقتسمين﴾ أهل الكتاب، واختلف الناس في ﴿المقتسمين﴾ من هم؟ فقال ابن زيد: هم
قوم صالح الذين اقتسموا السيئات فالمقتسمون على هذا من القسم.
قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل مع قوله ﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾، وقال ابن عباس
وسعيد بن جبير: ((المقتسمون)) هم أهل الكتاب الذين فرقوا دينهم، وجعلوا كتاب الله أعضاء آمنوا ببعض
وكفروا ببعض، وقال نحوه مجاهد، وقالت فرقة: ((المقتسمون)) هم من كفار قريش الذين اقتسموا الطرق
وقت الموسم ليعرفوا الناس بحال محمد عليه السلام، وجعلوا القرآن سحراً وشعراً وكهانة فعضهوه بهذا
وعضوه أعضاء بهذا التقسيم، وقال عكرمة: ((المقتسمون)) هم قوم كانوا يستهزئون بسور القرآن فيقول
الرجل منهم هذه السورة لي، ويقول الآخر وهذه لي، وقوله ﴿عضين﴾ مفعول ثان وجعل بمعنى صير، أي
بألسنتهم ودعواهم، وأظهر ما فيه أنه جمع عضة، وهي الفرقة من الشيء والجماعة من الناس كثبة وثبين
وعزة وعزين، وأصلها عضهة وثبوة فالياء والنون عوض من المحذوف، كما قالوا سنة وسنون، إذ أصلها
سنهة، وقال ابن عباس وغيره: ﴿عضين﴾ مأخوذ من الأعضاء أي عضوة فجعلوه أعضاء مقسماً، ومن ذلك
قول الراجز:
وليس دين الله بالمعضى
وهذا هو اختيار أبي عبيدة، وقال قتادة: ﴿عضين﴾ مأخوذ من العضة وهو السب المفحش، فقريش
عضهوا كتاب الله بقولهم: هو شعر، هو سحر، هو كهانة، وهذا هو اختيار الكسائي، وقالت فرقة:
﴿عضين﴾ جمع عضة وهي اسم للسحر خاصة بلغة قريش، ومنه قول الراجز :.
للماء من عضتهن زمزمة .
وقال هذا قول عكرمة مولى ابن عباس، وقال العضة السحر، وهم يقولون للساحرة العاضهة، وفي
الحديث ((لعن الله العاضهة والمستعضهة))، وهذا هو اختيار الفراء.

٣٧٥
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٩٤ - ٩٩
قال القاضي أبو محمد: ومن قال جعلوه أعضاء فإنما أراد قسموه كما تقسم الجزور أعضاء، وقوله
﴿فوربك لنسألنهم﴾ إلى آخر الآية، ضمیر عام ووعید محض يأخذ كل أحد منه بحسب جرمه وعصيانه،
فالكافر يسأل عن لا إله إلا الله وعن الرسل وعن كفره وقصده به، والمؤمن العاصي يسأل عن تضييعه، والإمام
عن رعيته، وكل مكلف عما كلف القيام به، وفي هذا المعنى أحاديث، وقال أبو العالية في تفسير هذه
الآية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وماذا أجابوا المرسلين، وقال في تفسيرها
أنس بن مالك وابن عمر ومجاهد: إن السؤال عن لا إله إلا الله، وذكره الزهراوي عن النبي صلى الله عليه
وسلم، وقال ابن عباس في قوله ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون﴾، قال يقال لهم: لم
عملتم كذا وكذا؟ قال وقوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان﴾ [الرحمن: ٣٩] معناه يقال له
ما أذنبت لأن الله تعالى أعلم بذنبه منه .
قوله عز وجل :
﴿ إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ ﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ
فَأُصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (
فَسَبِّحْ بَحَمْدِرَّكَ
إِلَهَاءَآخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُلَكَ بِمَا يَقُولُونَ
وَكُنْ مِّنَ السَّجِدِينَ ﴿ وَأَعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ الْيَقِيرُ
٩٩
﴿فاصدع﴾ معناه فانفد وصرح بما بعثت به، والصدع التفريق بين ملتئم كصدع الزجاجة ونحوه،
فكأن المصرح بقول يرجع إليه، يصدع به ما سواه مما يضاده، والصديع الصبح لأنه يصدع الليل، وقال
مجاهد: نزلت في أن يجهر بالقرآن في الصلاة، وفي ﴿تؤمر﴾ ضمير عائد على ﴿ما﴾، تقديره ما تؤمر به أو
تؤمره وفي هذين تنازع، وقوله ﴿وأعرض عن المشركين﴾ من آيات المهادنات التي نسختها آية السيف،
قاله ابن عباس، ثم أعلمه الله تعالى بأنه قد كفاه ﴿المستهزئين) من كفار مكة ببوائق إصابتهم من الله
تعالى لم يسع فيها محمد ولا تكلف فيها مشقة، وقال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير: ((المستهزئون))
خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل، والأسود بن المطلب أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث،
ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة، وهو ابن غيطلة، وهو ابن قيس، قال أبو بكر الهذلي: قلت للزهري: إن
ابن جبير وعكرمة اختلفا في رجل من المستهزئين، فقال ابن جبير هو الحارث بن غيطلة، وقال عكرمة هو
الحارث بن قيس، فقال الزهري صدقا أمه غيطلة وأبوه قيس وذكر الشعبي في ﴿المستهزئين﴾ هبار بن
الأسود، وذلك وهم لأن هباراً أسلم يوم الفتح ورحل إلى المدينة، وذكر الطبري عن ابن عباس: أن
﴿المستهزئين﴾ كانوا ثمانية كلهم مات قبل بدر، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في
المسجد، فأتاه جبريل فجاز الوليد فأوماً جبريل بأصبعه إلى ساقه، وقال للنبي عليه السلام: كفيت ثم جاز
العاصي، فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث،
فأومأ إلى أخمصه، وقال: كفيت، ثم مر أبو زمعة فأومأ إلى عينه، ثم مر الأسود بن عبد يغوث، فأومأ إلى
رأسه، وقال كفيت، ثم مر الحارث، فأومأ إلى بطنه، وقال: كفيت، وكان الوليد قد مر بقين في خزاعة
-
-
-

٣٧٦
تفسير سورة الحجر / الآيات : ٩٤ - ٩٩
فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش ساقه، ثم برىء فانتقض به ذلك الخدش بعد إشارة جبريل، فقتله،
وقيل إن السهم قطع أكحله، قاله قتادة ومقسم، وركب العاصي بغلة في حاجة فلما جاء ينزل وضع أخمصه
على شبرقه فورمت قدمه فمات، وعمي أبو زمعة، وكان يقول: دعا علي محمد بالعمى فاستجيب له،
ودعوت عليه بأن يكون طريداً شريداً فاستجيب لي، وتمخض رأس الأسود بن عبد يغوث قيحاً فمات،
وامتلأ بطن الحارث ماء فمات حبناً .
قال القاضي أبو محمد: وفي ذكر هؤلاء وكفايتهم اختلاف بين الرواة في صفة أحوالهم، وما جرى
لهم، جليت أصحه مختصراً طلب الإيجاز، ثم قرر تعالى ذنبهم في الكفر واتخاذ الأصنام آلهة مع الله
تعالى، ثم توعدهم بعذاب الآخرة الذي هو أشق، وقوله تعالى: ﴿ولقد تعلم أنك يضيق صدرك بما
يقولون﴾ آية تأنيس للنبي عليه السلام، وتسلية عن أقوال المشركين وإن كانت مما يقلق، وضيق الصدر
يكون من امتلائه غيظاً بما يكره الإنسان، ثم أمره تعالى بملازمة الطاعة وأن تكون مسلاته عند الهموم،
وقوله ﴿من الساجدين﴾ يريد من المصلين، فذكر من الصلاة حالة القرب من الله تعالى وهي السجود،
وهي أكرم خالات الصلاة وأقمنها بنيل الرحمة، وفي الحديث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حزبه
أمر فزع إلى الصلاة)) فهذا منه عليه السلام أخذ بهذه الآية، و﴿اليقين﴾: الموت، بذلك فسره هنا ابن
عمر ومجاهد والحسن وابن زيد، ومنه قول النبي عليه السلام عند موت عثمان بن مظعون: ((أما هو فقد رأى
اليقين))، ويروى ((فقد جاءه اليقين)). وليس ﴿اليقين﴾ من أسماء الموت، وإنما العلم به يقين لا يمتري فيه
عاقل، فسماه هنا يقيناً تجوزاً، أي يأتيك الأمر اليقين علمه ووقوعه وهذه الغاية معناها مدة حياتك،
ويحتمل أن يكون المعنى ﴿حتى يأتيك اليقين﴾ في النصر الذي وعدته.
٠ -

٣٧٧
!
تفسير سورة النحل / الآيات: ١ - ٤
بِسْمِ اللّهِ الزَحمَن الرَّحِيةِ
1
◌ُورَةُ الِحِلِ
هذه السورة كانت تسمى سورة النعم بسبب ما عدد الله فيها من نعمه على عباده، وهي مكية غير قوله
تعالى ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا﴾ [النحل: ١٢٦] نزلت بالمدينة في شأن التمثيل بحمزة وقتلى أحد، وغير قوله
تعالى ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾ [النحل: ١٢٧]، وغير قوله ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾
[النحل: ١١٠]، وأما قوله: ﴿والذين هاجروا في اللّه من بعد ما ظلموا﴾ [النحل: ٤١] فمكي في شأن
هجرة الحبشة .
قوله عز وجل :
أَفَ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُنَ
يُنَزِّلُ الْمَلَئِكَةَ بِالرُّوحِمِنْ أَمْرِهِ،
١
خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ- أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلََّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ
٤
أَخَلَقَ الْإِنِسَنَ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ
٣
بِالْحَقِّ تَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال جبريل في سرد الوحي: ﴿أتى أمر الله﴾ وثب رسول
الله صلى الله عليه وسلم قائماً، فلما قال ﴿فلا تستعجلوه﴾ سكن. وقوله ﴿أمر الله﴾ قال فيه جمهور
المفسرين: إنه يريد القيامة وفيها وعيد للكفار، وقيل: المراد نصر محمد عليه السلام، وقيل: المراد
تعذيب كفار مكة بقتل محمد صلى الله عليه وسلم لهم وظهوره عليهم، ذكر نحو هذا النقاش عن ابن
عباس، وقيل: المراد فرائض الله وأحكامه في عباده وشرعه لهم، هذا هو قول الضحاك، ويضعفه قوله
﴿فلا تستعجلوه﴾ إنا لا نعرف استعجالاً الا ثلاثة اثنان منها للكفار وهي في القيامة وفي العذاب، والثالث
للمؤمنين في النصر وظهور الإسلام، وقوله ﴿أتى﴾ على هذا القول إخبار عن إتيان ما يأتي، وصح ذلك من
جهة التأكيد، وإذا كان الخبر حقاً فيؤكد المستقبل بأن يخرج في صيغة الماضي، أي كأنه لوضوحه والثقة به
قد وقع، ويحسن ذلك في خبر الله تعالى لصدق وقوعه، وقال قوم: ﴿أتى﴾ بمعنى قرب، وهذا نحو ما
قلت، وإنما يجوز الكلام بهذا عندي لمن يعلم قرينة التأكيد ويفهم المجاز، وأما إن كان المخاطب لا يفهم
القرينة فلا يجوز وضع الماضي موضع المستقبل، لأن ذلك يفسد الخبر ويوجب الكذب، وإنما جاز في
الشرط لوضوح القرينة بـ ﴿أن﴾، ومن قال: إن الأمر القيامة، قال: إن قوله ﴿فلا تستعجلوه﴾
رد على المكذبين بالبعث القائلين متى هذا الوعد، ومن قال: إن الأمر تعذيب الكفار بنصر
محمد صلى الله عليه وسلم وقتله لهم، قال إن قوله ﴿فلا تستعجلوه﴾ رد على القائلين ﴿عجل لنا قطنا﴾

٣٧٨
تفسير سورة النحل / الآيات: ١-٤
[ص: ١٦] ونحوه من العذاب، أو على مستبطئي النصر من المؤمنين في قراءة من قرأ بالتاء، وقرأ الجمهور
(فلا تستعجلوه)) بالتاء على مخاطبة المؤمنين أو على مخاطبة الكافرين بمعنى قل لهم: ((فلا تستعجلوه))،
وقرأ سعيد بن جبير بالياء على غيبة المشركين، وقرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق وجميع الباقين قرأ
(يشركون)) بالياء، ورجح الطبري القراءة بالتاء من فوق في الحرفين، قال أبو حاتم: قرأ ((يشركون)) بالياء،
من تحت في هذه والتي بعدها الأعرج وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن نصاح والحسن وأبو رجاء، وقرأ
عيسى الأولى بالتاء من فوق، والثانية بالياء من تحت، وقرأهما جميعاً بالتاء من فوق أبو العالية وطلحة
والأعمش وأبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب والجحدري، وقد روى الأصمعي عن نافع التاء في الأولى.
وقوله ﴿سبحانه﴾ معناه تنزيهاً له، وحكى الطبري عن ابن جريج، قال: لما نزلت ﴿أتى أمر الله فلا
تستعجلوه﴾ قال رجال من الكفار، إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فأمسكوا عما أنتم بسبيله حتى ننظر،
فلما لم يروا شيئاً عادوا فنزلت ﴿اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون﴾ [الأنبياء: ١] فقالوا مثل
ذلك: فنزلت ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه الا يوم يأتيهم ليس مصروفاً
عنهم﴾ [هود: ٨]، وقال أبو بكر بن حفص: لما نزلت ﴿أتى أمر الله﴾ رفعوا رؤوسهم، فنزلت ﴿فلا
تستعجلوه﴾، وحكى الطبري عن أبي صادق أنه قرأ: ((يا عبادي أتى أمر الله فلا تستعجلوه)). و﴿سبحانه﴾
نصب على المصدر أي تنزيهاً له، وقرأ نافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((ينزّل)) بالياء وشد الزاي،
ورجحها الطبري لما فيها من التكثير، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيف الزاي مكسورة وسكون النون، وقرأ
ابن أبي عبلة بالنون التي للعظمة وشد الزاي، وقرأ قتادة بالنون وتخفيف الزّاي وسكون النون، وفي هذه
والتي قبلها شذوذ كثير، وقرأ أبو عمرو عن عاصم ((تُنزَّل الملائكةُ)) بضم التاء وفتح النون والزاي وشدها
ورفع ((الملائكة)) على ما لم يسم فاعله، وهي قراءة الأعمش، وقرأ الجحدري بالتاء مضمومة وسكون النون
وفتح الزاي، وقرأ الحسن وأبو العالية وعاصم الجحدري والأعرج بفتح التاء ورفع ((الملائكةُ)) على أنها
فاعلة، ورواها المفضل عن عاصم، و﴿الملائكة﴾ هنا جبريل، واختلف المتأولون في ﴿الروح) فقال
مجاهد، ﴿الروح) النبوة، وقال ابن عباس: الوحي، وقال قتادة: بالرحمة والوحي، وقال الربيع بن أنس:
كل كلام الله روح، ومنه قوله تعالى ﴿أوحينا إليك روحاً من أمرنا﴾ [الشورى: ٥٢] وقال ابن جريج: الروح
شخص له صورة كصورة بني آدم ما نزل جبريل قط إلا وهو معه، وهو كثير، وهم ملائكة، وهذا قول
ضعيف لم يأت به سند، وقال الزجاج: ﴿الروح﴾ ما تحيى به القلوب من هداية الله تعالى.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، فكأن اللفظة على جهة التشبيه بالمقايسة إلى الأوامر التي
هي في الأفعال والعبادات كالروح للجسد، ألا ترى قوله ﴿أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً﴾
[الأنعام: ١٢٢].
قال القاضي أبو محمد: و ﴿من﴾ في هذه الآية على هذا التأويل الذي قدرنا للتبعيض، وعلى سائر
الأقوال لبيان الجنس، و﴿من﴾ في قوله ﴿من يشاء﴾ هي للأنبياء، و﴿أن﴾ في موضع خقض بدل من
﴿الروح﴾، ويصح أن تكون في موضع نصب بإسقاط الخافض على تقدير بأن أنذروا، ويحتمل أن تكون
مفسرة بمعنى أي، وقرأ الأعمش ((لينذروا أنه))، وحسنت النذارة هنا وإن لم يكن في اللفظ ما فيه خوف من

٣٧٩
تفسير سورة النحل / الآيات: ٥ - ٩
حيث كان المنذرون كافرين بالألوهية، ففي ضمن أمرهم مكان خوف، وفي ضمن الإخبار بالوحدانية نهي
عما كانوا عليه ووعيد، ثم ذكر تعالى ما يقال للأنبياء بالوحي على المعنى، ولم يذكره على لفظه لأنه لو
ذكره على اللفظ لقال ((أن أنذروا أنه لا إله إلا الله))، ولكنه إنما ذكر ذلك على معناه، وهذا سائغ في الأقوال
إذا حكيت أن تحكى على لفظها، أو تحكى بالمعنى فقط، وقوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض﴾
الآية، آية تنبيه على قدرة الله تعالى بالحق أي بالواجب اللائق، وذلك أنها تدل على صفات يحق لمن
كانت له أن يخلق ويخترع ويعيد، وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة النافذة بخلاف شركائهم الذين لا
يحق لهم شيء من صفات الربوبية، وقرأ الأعمش بزيادة فاء ((فتعالى)). وقوله ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾
يريد بـ ﴿الإنسان﴾ الجنس، وأخذ له الغايتين ليظهر له البعد بينهما بقدرة الله، ويروى أن الآية نزلت لقول
أبي بن خلف من يحيي العظام وهي رميم؟ وقوله ﴿خصيم﴾ يحتمل أن يريد به الكفرة الذين
يختصمون في الله ويجادلون في توحيده وشرعه، ذكره ابن سلام عن الحسن البصري، ويحتمل أن يريد
أعم من هذا على أن الآية تعديد نعمة الذهن والبيان على البشر، ويظهر أنها إذا تقدر في خصام الكافرين
ينضاف إلى العبرة وعيد ما.
قوله عز وجل :
وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأْلَكُمْ فِيهَا دِفٌْ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالْ حِينَ
تُرِيِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ﴿ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنفُسِّ
إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَالْخَيَّلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرَكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَالَا
ج
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ وَلَوْشَآءَ لَهَدَنكُمْ أَجْمَعِينَ
٨
تَعْلَمُونَ
﴿الأنعام﴾ الإبل والبقر والغنم وأكثر ما يقال نعم وأنعام للإبل، ويقال للمجموع، ولا يقال للغنم
مفردة، ونصبها إما عطف على ﴿الإنسان﴾ [النحل: ٤] وإما بفعل مقدر وهو أوجه، و((الدفء)) السخانة
وذهاب البرد بالأكسية ونحوها، وذكر النحاس عن الأموي أنه قال: الدفء في لغة بعضهم تناسل الإبل.
قال القاضي أبو محمد: وقد قال ابن عباس: نسل كل شيء، وقد قال ابن سيده: ((الدفء)) نتاج
الإبل وأوبارها والانتفاع بها، والمعنى الأول هو الصحيح، وقرأ الزهري وأبو جعفر ((دفء)) بضم الفاء
وشدها وتنوينها، و ((المنافع)) ألبانها وما تصرف منها ودهونها وحرثها والنضح عليها وغير ذلك، ثم ذكر
((الأكل)) الذي هو من جميعها، وقوله ﴿جمال﴾ أي في المنظر. و﴿تريحون﴾ معناه حين تردونها وقت
الرواح إلى المنازل فتأتي بطاناً ممتلئة الضروع، و﴿تسرحون﴾ معناه تخرجونها غدوة إلى السرح، تقول
سرحت السائمة إذا أرسلتها تسرح فسرحت هي، كرجع رجعته، وهذا ((الجمال)) هو لمالكها ولمحبيه وعلى
حسدته وهذا المعنى كقوله تعالى ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا﴾ [الكهف: ٤٦] وقرأ عكرمة والضحاك
((حينما تريحون حيناً تسرحون))، وقرأت فرقة ((وحيناً ترتحون)».

٣٨٠
تفسير سورة النحل / الآيات : ٥ -٩
قال القاضي أبو محمد: وأظنها تصحيفاً. و ((الأثقال)) الأمتعة، وقيل المراد هنا الأجسام كقوله
﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ [الزلزلة: ٢] أي أجسام بني آدم.
قال القاضي أبو محمد: واللفظ يحتمل المعنيين، قال النقاش: ومنه سمي الإنس والجن الثقلين،
وقوله ﴿إلى بلد﴾ أي بلد توجهتم بحسب اختلاف أغراض الناس، وقال عكرمة وابن عباس والربيع بن
أنس: المراد مكة، وفي الآية على هذا حض على الحج. و((الشق)) المشقة، ومنه قول الشاعر [النمر بن
تولب]: [الطويل]
وذي إبل يسعى ويحسبها له أخي نصب من شقها ودؤوب
أي من مشقتها، ويقال فيها شق وشق أي مشقة، وقرأ أبو جعفر القاري وعمرو بن ميمون وابن أرقم
ومجاهد والأعرج ((بشَق الأنفس)) بفتح الشين، ورويت عن نافع وأبي عمرو، وذهب الفراء إلى أن معنى
﴿بشق الأنفس﴾ أي بذهاب نصفها، كأنه قد دأبت نصباً وتعباً.
قال القاضي أبو محمد: كما تقول لرجل لا تقدر على كذا إلا بذهاب جل نفسك وبقطعة من كبدك
ونحو هذا من المجاز، وذهبوا في فتح الشين إلى أنه مصدر شَق يشق، ثم أوجب رأفة الله ورحمته في هذه
النعم التي أذهبت المشقات ورفعت الكلف، وقوله ﴿والخيل﴾ عطف أي وخلق الخيل، وقرأ ابن أبي
عبلة، ((والخيلُ والبغالُ والحميرُ)) بالرفع في كلها، وسميت الخيل خيلاً لاختيالها في المشية، أفهمه، أعرابي
لأبي عمرو بن العلاء، وقوله ﴿وزينة﴾ نصب بإضمار فعل، قيل تقديره وجعلنا زينة، وقرأ ابن عياض
((لتركبوها زينة)) دون واو، والنصب حينئذ على الحال من الهاء في ﴿تركبوها﴾ وقوله ﴿ويخلق ما لا
تعلمون﴾ عبرة منصوبة على العموم، أي أن مخلوقات الله من الحيوان وغيره لا يحيط بعلمها بشر، بل ما
يخفى عنه أكثر مما يعلمه، وقد روي أن الله تعالى خلق ألف نوع من الحيوان منها في البر أربعمائة، وبثها
بأعيانها في البحر، وزاد فيه مائتين ليست في البر.
وكل من خصص في تفسير هذه الآية شيئاً، كقول من قال سوس الثياب وغير ذلك فإنما هو على جهة
المثال، لا أن ما ذكره هو المقصود في نفسه. قال الطبري: ﴿ما لا تعلمون﴾ هو ما أعد الله في الجنة
لأهلها، وفي النار لأهلها مما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر، واحتج بهذه الآية مالك
رحمه الله ومن ذهب مذهبه في كراهة لحوم الخيل والبغال والحمير أو تحريمها بحسب الاختلاف في ذلك،
وذكر الطبري عن ابن عباس، قال ابن جبير: سئل ابن عباس عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فكرهها
فاحتج بهذه الآية، وقال: جعل الله الأنعام للأكل، وهذه للركوب، وكان الحكم بن عتبة يقول: الخيل.
والبغال والحمير حرام في كتاب الله ويحتج بهذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: وهذه الحجة غير لازمة عند جماعة من العلماء، قالوا إنما ذكر الله عز وجل
عظم منافع الأنعام، وذكر عظم منافع هذه وأهم ما فيها، وليس يقضي ذلك بأن ما ذكر لهذه لا تدخل هذه
فيها، قال الطبري وفي إجماعهم على جواز ركوب ما ذكر للأكل، دليل على جواز أكل ما ذكر للركوب.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولحوم الخیل عند کثیر من العلماء حلال، وفي جواز أكلها