النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٣٥ - ٣٧ ﴿واجنبني﴾ معناه: وامنعني، يقال: جنبه كذا وجنبه وأجنبه: إذا منعه من الأمر وحماه منه. وقرأ الجحدري والثقفي ((وأجنبني)) بقطع الألف وكسر النون. وأراد إبراهيم بني صلبه، وكذلك أجيبت دعوته فيهم، وأما باقي نسله فعبدوا الأصنام، وهذا الدعاء من الخليل عليه السلام يقتضي إفراط خوفه على نفسه ومن حصل في رتبته، فكيف يخاف أن يعبد صنماً؟! لكن هذه الآية ينبغي أن يقتدى بها في الخوف وطلب الخاتمة . و﴿الأصنام﴾ هي المنحوتة على خلقة البشر، وما كان منحوتاً على غير خلقة البشر فهي أوثان، قاله الطبري عن مجاهد. ونسب إلى الأصنام أنها أضلت كثيراً من الناس - تجوز - إذ كانت عرضة الإضلال، والأسباب المنصوبة للغيّ ، وعليها تنشأ الأغيار، وحقيقة الإضلال إنما هي لمخترعه، وقيل: أراد بالأصنام هنا الدنانير والدراهم. وقوله: ﴿ومن عصاني﴾ ظاهره بالكفر، بمعادلة قوله: ﴿فمن تبعني فإنه مني﴾، وإذا كان ذلك كذلك فقوله: ﴿فإنك غفور رحيم﴾ معناه: بتوبتك على الكفرة حتى يؤمنوا، لا أنه أراد أن الله يغفر لكافر، لكنه حمله على هذه العبارة ما كان يأخذ نفسه به من القول الجميل والنطق الحسن وجميل الأدب - صلى الله عليه وسلم - قال قتادة: اسمعوا قول الخليل صلى الله عليه وسلم، والله ما كانوا طعانين ولا لعانين، وكذلك قال نبي الله عيسى ﴿وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: ١١٨] وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر حديثاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم: تلا هاتين الآيتين ثم دعا لأمته، فبشر فيهم وكان إبراهيم التيمي يقول: من يأمن على نفسه بعد خوف إبراهيم الخليل على نفسه من عبادة الأصنام؟. وقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ يريد: إسماعيل عليه السلام، وذلك أن سارة لما غارت بهاجر - بعد أن ولدت إسماعيل - تعذب إبراهيم عليه السلام، بهما، فروي أنه ركب البراق - هو وهاجر والطفل - فجاء في يوم واحد من الشام إلى بطن مكة، فنزل وترك ابنه وأمته هنالك، وركب منصرفاً من يومه ذلك، وكان هذا كله بوحي من الله تعالى فلما ولَّ دعا بمضمن هذه الآية، وأما كيفية بقاء هاجر وما صنعت وسائر خبر إسماعيل، ففي كتاب البخاري والسير وغيره. و﴿من﴾ في قوله: ﴿ومن ذريتي﴾ للتبعيض، لأن إسحاق كان بالشام، و((الوادي)): ما بين الجبلين، وليس من شروطه أن يكون فيه ماء. وهذه الآية تقتضي أن إبراهيم عليه السلام قد كان علم من الله تعالى أنه لا يضيع هاجر وابنها في ذلك الوادي، وأنه يرزقهما الماء، وإنما نظر النظر البعيد للعاقبة فقال: ﴿غير ذي زرع﴾، ولو لم يعلم ذلك من الله لقال: غير ذي ماء على ما كانت عليه حال الوادي عند ذلك. وقوله: ﴿عند بيتك المحرم﴾ إما أن يكون البيت قد كان قديماً - على ما روي قبل الطوفان، وكان علمه عند إبراهيم - وإما أن يكون قالها لما كان قد أعلمه الله تعالى أنه سيبني هنالك بيتاً لله تعالى، فيكون ٣٤٢ تفسير سورة إبراهيم/ الآيات: ٣٨ -٤١ محرماً. ومعنى ﴿المحرم﴾ على الجبابرة وأن تنتهك حرمته ويستخف بحقه- قاله قتادة وغيره. وجمعه الضمير في قوله: ﴿ليقيموا﴾ يدل على أن الله قد أعلمه أن ذلك الطفل سيعقب هنالك ويكون له نسل. واللام في قوله: ﴿ليقيموا﴾ هي لام كي هذا هو الظاهر فيها - على أنها متعلقة بـ (أسكنت﴾، والنداء اعتراض، ويصح أن تكون لام أمر، كأن رغب إلى الله أن يوفقهم بإقامة الصلاة، ثم ساق عبارة ملزمة لهم إقامة الصلاة، وفي اللفظ على هذا التأويل بعض تجوز يربطه المعنى ويصلحه. و﴿أفئدة): القلوب، جمع فؤاد. سمي بذلك لإنفاده، مأخوذ من فأد ومنه المفتاد، وهو مستوقد النار حیث یشوى اللحم. وقرأ ابن عامر بخلاف: ﴿فاجعل أفئدة﴾ بياء بعد الهمزة. وقوله: ﴿من الناس﴾ تبعيض، ومراده المؤمنون، قال مجاهد: لو قال إبراهيم: أفئدة الناس - لازدحمت على البيت فارس والروم. وقال سعيد بن جبير: لحجته اليهود والنصارى. و﴿تهوي﴾ معناه: تسير بجد وقصد مستعجل، ومنه قول الشاعر [أبو كبير]: [الكامل] وإذا رميت به الفجاج رأيته" يهوي مخارمها هويَّ الأجدلُ ومنه البيت المروي: [السريع] : k : تهوي إلى مكة تبغى الهدى ما مؤمنو الجن كأنجاسها وقرأ مسلمة بن عبد الله: ((تُهوي)) بضم التاء، من أهوى، وهو الفعل المذكور معدى بالهمزة، وقرأ علي بن أبي طالب ومحمد بن علي ومجاهد ((تَهَوَى)) بفتح التاء والواو. وتعدي هذا الفعل - وهو من الهوى - بـ ((إلى))، لما كان مقترناً بسير وقصد. وروي عن مسلم بن محمد الطائفي: أنه لما دعا عليه السلام بأن يرزق سكان مكة من الثمرات بعث الله جبريل فاقتلع بجناحه قطعة من أرض فلسطين - وقيل من الأردن - فجاء بها وطاف حول البيت بها سبعاً، ووضعها قريب مكة، فهي الطائف، وبهذه القصة سميت، وهي موضع ثقيف، وبها أشجار وثمرات وثم هي ركبة. قوله عز وجل : رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا غُخْفِى وَمَا نُعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هَ الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ [٦] رَبِّ اجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِنْ ذُرِّيَّقِىَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ﴿ رَبَّنَا أَغْفِرْلِ وَلَوَلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ٤١ مقصد إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿ربنا إنك تعلم ما نخفي وما تَعْلن﴾ التنبيه على اختصاره في الدعاء، وتفويضه إلى ما علم الله من رغاثبه وحرصه على هداية بنيه والرفق بهم وغير ذلك، ثم انصرف إلى ٣٤٣ تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٤٢ - ٤٤ الثناء على الله تعالى بأنه علام الغيوب، وإلى حمده على هباته، وهذه من الآيات المعلمة أن علم الله تعالى بالأشياء هو على التفصيل التام. وروي في قوله: ﴿على الكبر﴾ أنه لما ولد له إسماعيل وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً، وروي أقل من هذا، و ﴿إسماعيل﴾ أسنّ من ﴿إسحاق﴾، فيما روي، وبحسب ترتيب هذه الآية - وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: بشر إبراهيم وهو ابن مائة وسبعة عشر عاماً . وقوله: ﴿رب اجعلني مقيم الصلاة)، دعا إبراهيم عليه السلام في أمر كان مثابراً عليه متمسكاً به، ومتى دعا الإنسان في مثل هذا فإنما القصد إدامة ذلك الأمر واستمراره. وقرأ طلحة والأعمش ((دعاء ربنا)) بغير ياء. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ((دعائي)) بياء ساكنة في الوصل، وأثبتها بعضهم دون الوقف في الوصل. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي بغير ياء في وصل ولا وقف. وروى ورش عن نافع: إثبات الياء في الوصل، وقرأت فرقة ((ولوالديّ)) واختلف في تأويل ذلك، وقالت فرقة: كان هذا من إبراهيم قبل يأسه من إيمان أبيه وتبينه أنه عدو الله، فأراد أباه وأمه، لأنها كانت مؤمنة، وقيل: أراد آدم ونوحاً عليهما السلام. وقرأ سعيد بن جبير ((ولوالدي)) بإفراد الأب وحده، وهذا يدخله ما تقدم من التأويلات، وقرأ الزهري وإبراهيم النخعي ((ولولديّ)) على أنه دعاء لإسماعيل وإسحاق، وأنكرها عاصم الجحدري، وقال إن في مصحف أبيّ بن كعب ((ولأبوي))، وقرأ يحيى بن يعمر ((ولوُلْدي)) بضم الواو وسكون اللام، والولد لغة في الولد، ومنه قول الشاعر - أنشده أبو علي وغيره: [الطويل] وليت زياداً كان وُلْدَ حمار فليت زياداً كان في بطن أمَّه ويحتمل أن یکون الولد جمع ولد کأسد في جمع أسد. وقوله: ﴿يوم يقوم الحساب﴾ معناه يوم يقوم الناس للحساب، فأسند القيام للحساب إيجازاً، إذ المعنى مفهوم . قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يريد قيام الحساب نفسه، ويكون القيام بمعنى ظهوره وتلبس العباد بين يدي الله به، كما تقول: قامت السوق وقامت الصلاة، وقامت الحرب على ساق. وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِرُ هُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ ال مُهْطِعِينَ مُقْنِعِى رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُ إِلَيِهِمْ طَرَّفُهُمْ وَأَفْئِدَُّهُمْ هَوَآءٌ (® وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْنِهِمُ اَلْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوْرَبَّنَآ أَخِرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ تُحِبْ دَعْوَتَكَ وَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْأَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَالَكُم مِّن زَوَالٍ ٤٤ قوله عز وجل : هذه الآية بجملتها فيها وعيد للظالمين، وتسلية للمظلومين، والخطاب بقوله: ﴿تحسبن﴾ لمحمد ٣٤٤ تفسير سورة إبراهيم/ الآيات: ٤٢ -٤٤ عليه السلام، والمراد بالنهي غيره ممن يليق به أن يحسب مثل هذا. وقرأ طلحة بن مصرف ((ولا تحسب الله غافلاً)) بإسقاط النون، وكذلك (ولا تحسب الله مخلف وعده)) [إبراهيم: ٤٧] وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن والأعرج: ((نؤخرهم)) بنون العظمة، وقرأ الجمهور: «یؤخرهم» بالياء، أي الله تعالى . و﴿تشخص﴾ معناه: تحد النظر لفزع ولفرط ذلك بشخص المحتضر، و((المهطع)» المسرع في مشیه - قاله ابن جبير وقتادة . . :. قال القاضي أبو محمد: وذلك بذلة واستكانة، كإسراع الأسير والخائف ونحوه - وهذا هو أرجح الأقوال - وقد توصف الإبل بالإهطاع على معنى الإسراع وقلما يكون إسراعها إلا مع خوف السوط ونحوه، فمن ذلك قول الشاعر: [الكامل] في رأس جذع من أوال مشذب بمهطع سرج كأن عنانه ومن ذلك قول عمران بن حطان: [البسيط] : داع سميع فلونا وساقونا. إذا دعانا فأهطعنا لدعوته. ومنه قول ابن مفرغ: [الوافر] بدجلة مهطعين إلى السماع بدجلة دارهم ولقد أراهم ومن ذلك قول الآخر: [الطويل] بمستهطع رسل كأن جديله بقيدوم رعد من صوام ممنع وقال ابن عباس وأبو الضحى: الإهطاع شدة النظر من غير أن يطرق وقال ابنَّ زيد ((المهطع)): الذي لا يرفع رأسه. قال أبو عبيدة: وقد يكون الإهطاع الوجهين جميعاً الإسراع وإدامة النظر، و «المقنع)» هو الذي يرفع رأسه قدماً بوجهه نحو الشيء، ومن ذلك قول الشاعر: [الشماخ] [الوافر] نواجذهن كالحدأ الوقيع يباكرن العضاه بمقنعات يصف الإبل بالإقناع عند رعيها أعالي الشجر. وقال الحسن في تفسير هذه الآية: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد. وذكر المبرد - فيما حكي عن مكي - أن الإقناع يوجد في كلام العرب بمعنى خفض الرأس من الذلة. قال القاضي أبو محمد: والأول أشهر. وقوله: ﴿لا يرتد إليهم طرفهم﴾ أي لا يطرفون من الحذر والجزع وشبدة الحال، وقوله: ﴿وأفئدتهم هواء﴾ تشبيه محض، لأنها ليست بهواء حقيقة، وجهة التشبيه يحتمل أن تكون في فرغ الأفئدة من الخير والرجاء والطمع في الرحمة، فهي منخرقة مشبهة الهواء في تفرغه من الأشياء وانخراقه». ويحتمل أن يكون : : ٣٤٥ تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٤٥ - ٤٨ في اضطراب أفئدتهم وجيشانها في صدورهم وأنها تجيء وتذهب وتبلغ على ما روي - حناجرهم - فهي في ذلك كالهواء الذي هو أبداً في اضطراب. قال القاضي أبو محمد: وعلى هاتين الجهتين يشبه قلب الجبان وقلب الرجل المضطرب في أموره بالهواء، فمن ذلك قول الشاعر: [الطويل] هواء كسقب الناب جوفاً مكاسره ولا تكن من أخدان كل براعة ومن ذلك قول حسان: [الوافر] فأنت مجوف نخب هواء ألا أبلغ أبا سفيان عني ومن ذلك قول زهير: [الوافر] كأن الرحل منه فوق صعل فالمعنى : أنه في غاية الخفة في إجفاله . من الظلمان جوجؤه هواء وقوله تعالى: ﴿وأنذر الناس) الآية، المراد بـ ﴿يوم﴾ يوم القيامة ونصبه على أنه مفعول بـ ﴿أنذر﴾ ولا يجوز أن يكون ظرفاً، لأن القيامة ليست بموطن إنذار، وقوله: ﴿فيقول﴾ رفع عطفاً على قوله: ﴿يأتيهم) وقوله: ﴿ولم تكونوا﴾ إلى آخر الآية، معناه: يقال لهم، فحذف ذلك إيجازاً، إذ المعنى يدل عليه، وقوله: ﴿ما لكم من زوال﴾ هو المقسم عليه نقل المعنى، و﴿من زوال﴾ معناه من الأرض بعد الموت. أي لا بعث من القبور، وهذه الآية ناظرة إلى ما حكى عنهم في قوله: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت﴾ [النحل: ٣٨]. قوله عز وجل : وَسَكَنتُمْ فِ مَسَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوْأَنْفُسَهُمْ وَتَبَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ ﴿ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَ إِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلِجِبَالُ ﴿ فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ، رُسُلَهُ إِنَّاللَّهَ عَزِيزٌ ذُو أَنِقَامِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ وَبَرَزُ واْلَّهِالْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ٤٨ يقول عز وجل: ﴿وسكنتم﴾ أيها المعرضون عن آيات الله من جميع العالم ﴿في مساكن الذين ظلموا أنفسهم﴾ بالكفر من الأمم السالفة، فنزلت بهم المثلات، فكان نولكم الاعتبار والاتعاظ. وقرأ الجمهور ((وتبين)) بتاء. وقرأ السلمي - فيما حكى المهدوي - ((ونبين)) بنون عظمة مضمومة وجزم، على معنى: أو لم يبين، عطف على ﴿أو لم تكونوا﴾ [إبراهيم: ٤٤] قال أبو عمرو: وقرأ أبو عبد الرحمن : بضم النون ورفع النون الأخيرة. ٣٤٦ تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٤٥ -٤٨ وقوله: ﴿وعند الله مكرهم) هو على حذف مضاف تقديره: وعند الله عقاب مكرهم أو جزاء مكرهم، ويحتمل قوله تعالى: ﴿وقد مكروا مكرهم﴾ أن يكون خطاباً لمحمد عليه السلام، والضمير. المعاصريه، ويحتمل أن يكون مما يقال للظلمة يوم القيامة والضمير للذين سكن في منازلهم .. !.. وقرأ السبعة سوى الكسائي: ((وإن كان مكرهم لِتزولَ منه الجبال)) بكسر اللام من ﴿لتزول﴾ وفتح الأخيرة، وهي قراءة علي بن أبي طالب وجماعة سكنوا وهذا على أن تكون ((إن)) نافية بمعنى ما، ومعنى الآية: تحقير مكرهم وأنه ما كان لتزول منه الشرائع والنبوات وأقدار الله بها التي هي كالجبال في ثبوتها وقوتها، هذا تأويل الحسن وجماعة من المفسرين، وتحتمل عندي هذه القراءة أن تكون بمعنى تعظيم مكرهم، أي وإن كان شديداً إنما يفعل لتذهب به عظام الأمور. وقرأ الكسائي: ((وإن كان مكرهم لَتزولُ منه الجبال)) بفتح اللام الأولى من ﴿لتزول﴾ وضم الأخيرة، وهي قراءة ابن عباس ومجاهد وابن وثاب، وهذا على أن تكون ((إن)) مخففة من الثقيلة، ومعنى الآية تعظيم مكرهم وشدته، أي أنه مما يشقى به ويزيل الجبال عن مستقراتها لقوته، ولكن الله تعالى أبطله ونصر أولياءه، وهذا أشد في العبرة. .. أ وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود وعمر بن الخطاب وأبي بن كعب ((وإن كاد مكرهم))، ويترتب مع هذه القراءة في ﴿لتزول﴾ ما تقدم. وذكر أبو حاتم أن في قراءة أبي بن كعب ((ولولا كلمة الله لزال من مكرهم. الجبال)). وحكى الطبري عن بعض المفسرين أنهم جعلوا هذه الآية إشارة إلى ما فعل نمرود إذا علق التابوت من الأنسر، ورفع لها اللحم في أطراف الرماح بعد أن أجاعها ودخل هو وحاجبه في التابوت، فعلت بهما الأنسر حتى قال له نمرود: ماذا ترى؟ قال: أرى بحراً وجزيرة - يريد الدنيا المعمورة - ثم قال: ماذا ترى؟ قال: أرى غماماً ولا أرى جبلاً، فكأن الجبال زالت عن نظر العين بهذا المكر، وذكر ذلك عن علي بن أبي طالب. وذلك عندي لا يصح عن علي رضي الله عنه، وفي هذه القصة كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا. وقوله: ﴿فلا تحسبن الله﴾ الآية، تثبيت للنبي عليه السلام ولغيره من أمته، ولم يكن النبي عليه السلام ممن يحسب مثل هذا، ولكن خرجت العبارة هكذا، والمراد بما فيها من الزجر من شارك النبي عليه السلام في أن قصد تثبيته. وقرأ جمهور الناس ((مخلف وعده)) بالإضافة، ((رسلَه)) بالنصب، وإضافة ((مخلف)) إلى الوعد، إذ للإخلاف تعلق بالوعد على تجوز، وإنما حقيقة تعلقه بالرسل، وهذا نحو قول الشاعر: [الطويل] ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه وسائره باد إلى الشمس أجمع وكقولك: هذا معطي درهم زيداً. وقرأت فرقة: ((مخلف وعده رسلِه)) بنصب الوعد وخفض الرسل، على الإضافة، وهذه القراءة ذكرها الزجاج وضعفها، وهي تحول بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وهي كقول الشاعر: [مجزوء الكامل] زج القلوص أبي مزادة فزججتها بمزجّة ٣٤٧ تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٤٩ - ٥٢ وأما إذا حيل في نحو هذا بالظرف فهو أشهر في الكلام كما قال الشاعر: لله در الیوم من لامها وقال آخر: [الوافر] كما خط الكتاب بكفٍّ يوماً يهوديِّ يقارب أو يزيل والمعنى: لا تحسب يا محمد - أنت ومن اعتبر بالأمر من أمتك وغيرهم - أن الله لا ينجز ميعاده في نصره رسله، وإظهارهم، ومعاقبة من كفر بهم، في الدنيا أو في الآخرة، فإن الله عزيز لا يمتنع منه شيء، ذو انتقام من الكفرة لا سبيل إلى عفوه عنهم. وقوله: ﴿يوم تبدل الأرض) الآية، ﴿يوم) ظرف للانتقام المذكور قبله. ورويت في ((تبديل الأرض)) أقوال، منها في الصحيح: أن الله يبدل هذه الأرض بأرض عفراء بيضاء كأنها قرصة نقي، وفي الصحيح : أن الله يبدلها خبزة يأكل المؤمن منها من تحت قدميه. وروي أنها تبدل أرضاً من فضة. وروي: أنها أرض كالفضة من بياضها. وروي أنها تبدل من نار. وقال بعض المفسرين: تبديل الأرض: هو نسف جبالها وتفجير بحارها وتغييرها حتى لا يرى فيها عوج ولا أمت: فهذه حال غير الأولى، وبهذا وقع التبديل. قال القاضي أبو محمد: وسمعت من أبي رضي الله عنه: أنه روي: أن التبديل يقع في الأرض، ولكن يبدل لكل فريق بما تقتضيه حاله، فالمؤمن يكون على خبز يأكل منه بحسب حاجته إليه، وفريق يكون على فضة - إن صح السند بها - وفريق الكفرة يكونون على نار. ونحو هذا مما كله واقع تحت قدرة الله تعالى . وأكثر المفسرين على أن التبديل يكون بأرض بيضاء عفراء لم يعص الله فيها. ولا سفك فيها دم، وليس فيها معلم لأحد، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((المؤمنون وقت التبديل في ظل العرش))، وروي عنه أنه قال: ((الناس وقت التبديل على الصراط))، وروي أنه قال ((الناس حينئذ أضياف الله فلا یعجزهم ما لديه)). و﴿برزوا﴾ مأخوذ من البراز، أي ظهروا بين يديه لا يواريهم بناء ولا حصن. وقوله: ﴿الواحد القهار﴾ صفتان لائقتان بذكر هذه الحال. قوله عز وجل: سَرَاسِلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ 29 وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِى الْأَصْفَادِ ◌َ هَذَابَغُ لِلنَّاسِ ٥١ لِيَجْزِىَ اَللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ النَّارُ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْلْأَلْبَبِ ٥٢ ﴿المجرمين﴾ هم الكفار، و﴿مقرنين﴾ مربوطين في قرن، وهو الحبل الذي تشد به رؤوس الإبل, والبقر، ومنه قول الشاعر: [البسيط]. وابن اللبون إذا ما لز في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس ٣٤٨ تفسير سورةإبراهيم / الآيات: ٤٩ -٥٢ و﴿الأصفاد﴾ الأغلال، واحدها: صفد، يقال: صفده وأصفده وصفده: إذا غلله، والاسم: الصفاد، ومنه قول سلامة بن جندل: [الوافر] بعض بساعد وبعنظم ساق وزيد الخيل قد لاقى صفاداً وكذلك يقال في العطاء، و((الصفد)) العطاء، ومنه قول النابغة. فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد. و((السرابيل)): القمص، و((القطران)) هو الذي تهنأ به الإبل، وللنار فيه اشتعال شديد، فلذلك جعل الله قمص أهل النار منه، ويقال: ((قَطِران)) بفتح القاف وكسر الطاء، ويقال: ((قِطْران)) بكسر القاف وسكون الطاء، ويقال: ((قَطْران)) بفتح القاف وسكون الطاء. وقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف، وابن عباس وأبو هريرة وعلقمة وسنان بن سلمة وعكرمة وابن سيرين وابن جبير والكلبي وقتادة وعمرو بن عبيد ((من قطر آن)) و ((القطر)): القصدير، وقيل: النحاس. وروي عن عمر أنه قال: ليس بالقطران ولكنه النحاس يسر بلونه. و ((آنْ)) وهو الطائب الحار الذي قد تناهى حره؛ قال الحسن: قد سعرت عليه جهنم منذ خلقت فتناهى حره. وقال ابن عباس المعنی : أنی أن یعذبوا به. وقرأ جمهور الناس ((وجوههم)) بالنصب، ((النارُ)) بالرفع. وقرأ ابن مسعود ((وجوهُهم)) بالرفع. ((النار)) بالنصب. فالأولى على نحو قوله: ﴿والليل إذا يغشى﴾ [الليل: ١] فهي حقيقة الغشيان، والثانية على نحو قول الشاعر: [الكامل] لا يسألون عن السواد المقبل يغشون حتى ما تهر كلابهم فهي بتجوز في الغشيان، كأن ورود الوجوه على النار غشيان. وقوله: ﴿ليجزي﴾ أي لكي يجزي، واللام متعلقة بفعل مضمر، تقديره: فعل هذا، وأنفذ هذا العقاب على المجرمين ليكون في ذلك جزاء المسيء على إساءته. وجاء من لفظة الكسب بما يعم المسيء والمحسن، لينبه على أن المحسن أيضاً يجازى بإحسانه خيراً . وقوله: ﴿سريع الحساب﴾ أي فاصله بين خلقه بالإحاطة التي له بدقيق أمرهم وجليلها. لا إله غيره، وقيل لعلي بن أبي طالب: كيف يحاسب الله العباد في وقت واحد مع كثرتهم؟ قال: كما يرزقهم في وقت. واحد . وقوله: ﴿هذا بلاغ للناس﴾ الآية، إشارة إلى القرآن والوعيد الذي يتضمنه ووصفه بالمصدر في قوله: ﴿بلاغ﴾ والمعنى: هذا بلاغ للناس وهو لينذروا به. وقرأ جمهور الناس ((ولينذروا)) بالياء وفتح الذال على بناء الفعل للمفعول. وقرأ يحيى بن عمارة وأحمد بن يزيد بن أسيد: ((لَيَنذَروا به)) بفتح الياء والذال كقول العرب: نذرت بالشيء إذا أشعرت وتحرزت منه وأعددت وروي أن قوله: ﴿وليذكر أولو الألباب﴾ نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ٣٤٩ تفسير سورة الحجر / الآيات: ١ - ٥ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ ◌ُورَةُ الِّجْر بسم الله الرحمن الرحيم، هذه السورة مكية . قوله عز وجل : الَرَّتِلْكَ ءَايَتُ الْكِتَبِ وَقُرْءَانٍ مُبِينٍ ﴿﴿ زُبَمَا يَوَدُ الَّذِينَ كَفَرُوْلَوْكَانُواْ مُسْلِمِينَ ٢ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ! ٣ كِتَابٌ مَّعْلُومُ ﴿ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَشْخِرُونَ تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور. و﴿تلك﴾ يمكن أن تكون إشارة إلى حروف المعجم - بحسب بعض الأقوال - ويمكن أن تكون إشارة إلى الحكم والعبر ونحوها التي تضمنتها آيات التوراة والإنجيل، وعطف القرآن عليه. قال مجاهد وقتادة: ﴿الكتاب﴾ في الآية، ما نزل من الكتب قبل القرآن، ويحتمل أن يريد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن، ثم تعطف الصفة عليه. وقرأ نافع وعاصم ((ربّما)» بتخفيف الباء. وقرأ الباقون بشدها، إلا أن أبا عمرو قرأها على الوجهين، وهما لغتان، وروي عن عاصم (رُبُما)) بضم الراء والباء مخففة، وقرأ طلحة بن مصرف ((ربتما)) بزيادة تاء، وهي لغة. و﴿ربما﴾ للتقليل وقد تجيء شاذة للتكثير، وقال قوم: إن هذه من ذلك، ومنه: رب رفد هرقته. ومنه: رب کأس هرقت یا ابن لؤي . وأنكر الزجاج أن تجيء ((رب)) للتكثير. و((ما)) التي تدخل عليها ((رب)) قد تكون اسماً نكرة بمنزلة شيء، وذلك إذا كان في الضمير عائد عليه، كقول الشاعر: [الخفيف] ربما تكره النفوس من الأمـ ـر له فرجة كحل العقال التقدير: رب شيء، وقد تكون حرفاً كافاً لرب وموطئاً لها لتدخل على الفعل إذ ليس من شأنها أن تدخل إلا على الأسماء، وذلك إذا لم يكن ثم ضمير عائد كقول الشاعر: [جذيمة الأبرش] [المديد] ترفعن ثوبي شمالات ربما أوفيت في علم قال القاضي أبو محمد: وكذلك دخلت ((ما)) على ((من)) كافة، في نحو قوله: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم مما يحرك شفتيه. ونحو قول الشاعر: [الطويل] على رأسه تلقي اللسان من الفم وإنا لمما نضرب الكبش ضربة ٣٥٠ تفسير سورة الحجر / الآيات : ١ -٥ قال الكسائي والفراء: الباب في ((ربما)) أن تدخل على الفعل الماضي، ودخلت هنا على المستقبل إذ هذه الأفعال المستقبلة من كلام الله تعالى لما كانت صادقة حاصلة ولا بد جرت مجرى الماضي الواقع. قال القاضي أبو محمد: وقد تدخل رب على الماضي الذي يراد به الاستقبال، وتدخل على العكس. والظاهر في ﴿ربما﴾ في هذه الآية أن ((ما)) حرف كاف - هكذا قال أبو علي، قال : . ويحتمل أن تكون اسماً، ويكون في ﴿يود﴾ ضمير عائد عليه، التقدير: رب ود أو شيء يُوده ﴿الذين كفروا لو كانوا مسلمین﴾ . قال القاضي أبو محمد: ویکون ﴿لو كانوا مسلمين﴾ بدلاً من ((ما)). ٠٠٠ وقالت فرقة: تقدير الآية: ربما كان يود الذين كفروا. قال أبو علي: وهذا لا يجيزه سيبويه، لأن كان لا تضمر عنده. واختلف المتأولون في الوقت الذي يود فيه الكفار أن لو كانوا مسلمين، فقالت فرقة: هو عند معاينة الموت في الدنيا - حكى ذلك الضحاك ـ وفيه نظر، لأنه لا يقين للكافر حينئذ بحسن حال المسلمين، وقالت فرقة: هو عند معاينة أهوال يوم القيامة - قاله مجاهد - وهذا بین، لأن حسن حال المسلمين ظاهر، فتود)، وقال ابن عباس وأنس بن مالك: هو عند دخولهم النار ومعرفتهم بدخول المؤمنين الجنة، واحتج لهذا القول بحديث روي في هذا من طريق أبي موسى الأشعري وهو: أن الله إذا أدخل بعصاة المسلمين النار نظر إليهم الكفار فقالوا: ليس هؤلاء من المسلمين فماذا أغنت عنهم لا إله إلا الله؟ قال: فيغضب الله تعالى لقولهم، فيقول: أخرجوا من النار كل مسلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فحينئذ يود الذين کفروا أن لو كانوا مسلمين». قال القاضي أبو محمد: ومن العبر في هذه الآية حديث الوابصي الذي في صدر ذيل الأمالي، ومقتضاه أنه ارتد ونسي القرآن إلا هذه الآية. وقوله: ﴿ذرهم يأكلوا﴾ الآية وعيد وتهديد، وما فيه من المهادنة منسوخ بآية السيف. وقوله: ﴿فسوف يعلمون﴾ وعيد ثان، وحكى الطبري عن بعض العلماء أنه قال: الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، فکیف تطیب حیاة بین هذين الوعیدین؟ ومعنى قوله: ﴿ويلههم﴾ أي يشغلهم أملهم في الدنيا والتزيد منها عن النظر والإيمان بالله ورسوله. ومعنى قوله: ﴿وما أهلكنا من قرية﴾ الآية، أي لا تستبطئن هلاكهم فليس قرية مهلكة إلا يأجل وکتاب معلوم محدود. والواو في قوله: ﴿ولها﴾ هي واو الحال. وقرأ ابن أبي عبلة ((إلا لها)) بغير واو. وقال منذر بن سعيد: هذه الواو هي التي تعطي أن الحالة التي بعدها في اللفظ هي في الزمن قبل الحالة التي قبل الواو، ومنه قوله: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾ [الزمر: ٧٣] وباقي الآية بين. ٠ ٣٥١ تفسير سورة الحجر / الآيات: ٦ - ١١ قوله عز وجل : لَوْمَاتَأْنِيْنَا بِالْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ وَقَالُواْيَأَيُّهَا الَّذِىِ نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ مَا نُنَزِّلُ الْمَلِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذَا مُّنْظَرِينَ ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا الصَّدِقين وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّ كَانُواْبِهِ، ◌َ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ شِيَعِ اُلْأوَّلِينَ (٢) لَهُ لَفِظُونَ ( ١١ يَسْتَهْزِءُونَ الضمير في ﴿قالوا﴾ يراد به كفار قريش. ويروى أن القائلين كانوا: عبد الله بن أبي أمية، والنضر بن الحارث، وأشباههما. وقرأ الأعمش: ((يا أيها الذي ألقي إليه الذكر)). وقولهم: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ كلام على جهة الاستخفاف، أي بزعمك ودعواك، وهذه المخاطبة كما تقول لرجل جاهل أراد أن يتكلم فيما لا يحسن: يا أيها العالم لا تحسن تتوضأ. و﴿لو ما﴾ بمعنى لو لا، فتكون تحضيضاً - كما في هذه الآية - وقد تكون دالة على امتناع الشيء لوجود غيره، كما قال ابن مقبل: [البسيط] لو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر: ((ما تنزل الملائكة)) بفتح التاء والرفع وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - «ما تُنزلُ)) بضم التاء والرفع، وهي قراءة يحيى بن وثاب، وقرأ حمزة والكسائي وحفص ((ما ننزلُ)) بنون العظمة - ((الملائكةَ)) بالنصب، وهي قراءة طلحة بن مصرف. وقوله: ﴿إلا بالحق) قال مجاهد: المعنى: بالرسالة والعذاب. قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن معناه: كما يجب ويحق من الوحي والمنافع التي رآها الله لعباده، لا على اقتراح كافر، ولا باختيار معترض. ثم ذكر عادة الله في الأمم من أنه لم يأتهم بآية اقتراح إلا ومعها العذاب في إثرها إن لم يؤمنوا. فكأن الكلام: ما تنزل الملائكة إلا بحق وواجب، لا باقتراحكم؛ وأيضاً فلو نزلت لم تنظروا بعد ذلك بالعذاب، أي تؤخروا، و((النظرة)): التأخير، المعنى: فهذا لا يكون، إذ كان في علم الله أن منهم من يؤمن أو يلد من یؤمن. وقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ رد على المستخفين في قولهم: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾. وهذا كما يقول لك رجل على جهة الاستخفاف: يا عظيم القدر، فتقول له - على جهة الرد والنجه: نعم أنا عظيم القدر. ثم تأخذ في قولك - فتأمله. وقوله: ﴿وإنا له لحافظون) قالت فرقة: الضمير في ﴿له﴾ عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، ٣٥٢ تفسير سورة الحجر / الآيات: ١٢ - ١٥ أي يحفظه من أذاكم ويحوطه من مكركم وغيره، ذكر الطبري هذا القول ولم ينسبه؛ وفي ضمن هذه العدة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله به الشرع وحان أجله. وقالت فرقة - وهي الأكثر - الضمير في ﴿له﴾ عائد على القرآن وقاله مجاهد وقتادة، والمعنى: ﴿لحافظون﴾ من أن يبدل أو يغير، كما جرى في سائر الكتب المنزلة، وفي آخر ورقة من البخاري عن ابن عباس: أن التبديل فيها إنما كان في التأويل وأما في اللفظ فلا؛ وظاهر آيات القرآن أنهم بدلوا اللفظ، ووضع اليد في آية الرجم هو في معنى تبديل الألفاظ. وقيل: ﴿لحافظون﴾ باختزانه في صدور الرجال. قال القاضي أبو محمد: والمعنى متقارب، وقال قتادة: هذه الآية نحو قوله تعالى: ﴿لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه﴾ [فصلت: ٤٢]. قال القاضي أبو محمد: وقوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك﴾ الآية، تسلية للنبي عليه السلام وعرض أسوة، أي لا يضيق صدرك يا محمد بما يفعله قومك من الاستهزاء في قولهم: ﴿يا أيها الذي نزل عليه الذكر﴾ وغير ذلك، فقد تقدم منا إرسال الرسل في شيع الأولين، وكانت تلك سيرتهم في الاستهزاء بالرسل. و﴿شيع) جمع شيعة، وهي الفرقة التابعة لرأس ما: مذهب أو ربجل أو نحوه وهي مأخوذة من قولهم: شيعت النار: إذا استدمت وقدها بحطب أو غيره، فكأن الشيعة تصل أمر رأسها وتظهره وتمده بمعونة. وقوله: ﴿أرسلنا﴾ يقتضي رسلاً، ثم أوجز باختصار ذكرهم لدلالة الظاهر من القول على ذلك. قوله عز وجل : كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ﴿ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ، (٣) وَلَوْ فَنَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ ﴿ لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَوْ نَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١) يحتمل أن يكون الضمير في ﴿نسلكه﴾ يعود على الاستهزاء والشرك ونحوه - وهو قول الحسن وقتادة وابن جرير وابن زيد - ويكون الضمير في ﴿به﴾ يعود أيضاً على ذلك بعينه، وتكون باء السبب، أي لا يؤمنون بسبب شركهم واستهزائهم، ويكون قوله: ﴿لا يؤمنون به﴾ في موضع الحال. ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿نسلكه﴾ عائداً على الذكر المحفوظ المتقدم الذكر وهو القرآن، أي مكذباً به مردوداً مستهزأ به ندخله في قلوب المجرمين، ويكون الضمير في ﴿به﴾ عائداً عليه أيضاً أي لا يصدقون به . ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿نسلكه﴾ عائداً على الاستهزاء والشرك، والضمير في ﴿به﴾ يعود على القرآن، فيختلف - على هذا - عود الضميرين. والمعنى في ذلك كله ينظر بعضه إلى بعض. و﴿نسلكه﴾ معناه: ندخله، يقال: سلكت الرجل في الأمر، أي أدخلته فيه، ومن هذا قول الشاعر [عدي بن زيد] : [الوافر] ٣٥٣ تفسير سورة الحجر / الآيات: ١٢ - ١٥ وقد سلكوك في يوم عصيب وكنت لزاز خصمك لم أعرد ومنه قول الآخر [عبد مناف بن ربع الهذلي]: [البسيط] حتى إذا سلكوهم في قتايدة شلاكما تطرد الجمالة الشردا ومنه قول أبي وجزة يصف حمر وحش : [البسيط] من نسل جوابة الآفاق مهداج حتى سلكن الشوى منهن في مسك قال الزجاج: ويقرأ: (نُسلِكه)) بضم النون وكسر اللام، و﴿المجرمين) في هذه الآية يراد بهم كفار قریش ومعاصري محمد صلی الله عليه وسلم . وقوله: ﴿لا يؤمنون به﴾ عموم معناه الخصوص فيمن حتم عليه. وقوله ﴿وقد خلت سنة الأولين﴾ أي على هذه الوتيرة. وتقول: سلكت الرجل في الأمر، وأسلكته، بمعنى واحد. ويروى: حتى إذا أسلكوهم في قتايدة؛ البيت. وقوله: ﴿ولو فتحنا عليهم﴾، الضمير في (عليهم) عائد على قريش وكفرة العصر المحتوم عليهم. والضمير في قوله: ﴿فظلوا﴾ يحتمل أن يعود عليهم - وهو أبلغ في إصرارهم - وهذا تأويل الحسن: و ﴿يعرجون﴾ معناه: يصعدون. وقرأ الأعمش وأبو حيوة ((يعرِجون)) بكسر الراء، والمعارج الأدراج، ومنه: المعراج، ومنه قول كثير: [الطويل]. أبوه له فيه معارج سلم إلى حسب عود بنى المرء قبله ويحتمل أن يعود على ﴿الملائكة﴾ [الحجر: ٧] لقولهم: ﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ [الحجر: ٧]، فقال الله تعالى: ((ولو رأوا الملائكة يصعدون ويتصرفون في باب مفتوح في السماء، لما آمنوا)): وهذا تأويل ابن عباس. وقرأ السبعة سوى ابن كثير: ((سُكّرت)) بضم السين وشد الكاف، وقرأ ابن كثير وحده بتخفيف الكاف، وهي قراءة مجاهد. وقرأ ابن الزهري بفتح السين وتخفيف الكاف، على بناء الفعل لفاعل. وقرأ أبان بن تغلب ((سحرت أبصارنا))، ويجيء قوله: ﴿بل نحن قوم مسحورون﴾ انتقالاً إلى درجة عظمى من سحر العقل والجملة. وتقول العرب: سكرت الريح تسكر سكوراً: إذا ركدت ولم تنفذ لما كانت بسبيله أولاً، وتقول سكر الرجل من الشراب سكراً: إذا تغيرت حاله وركد ولم ينفذ فيما للإنسان أن ينفذ فيه، ومن هذا المعنى: سكران لا يبت - أي لا يقطع أمراً، وتقول العرب: سكرت الفتق في مجاري الماء سكراً: إذا طمسته وصرفت الماء عنه، فلم ینفذ لوجهه . قال القاضي أبو محمد: فهذه اللفظة ((سكّرت)) - بشد الكاف - إذا كانت من سكر الشراب أو من i ٣٥٤ تفسير سورة الحجر / الآيات: ١٦ - ٢١ سكور الريح فهي فعل عدي بالتضعيف، وإن كانت من سكر مجاري الماء فتضعيفها للمبالغة، لا للتعدية، لأن المخفف من فعله متعد. ورجح أبو حاتم هذه القراءة، لأن ((الأبصار)) جمع، والتثقيل مع الجمع أمثل، كما قال: ﴿مفتحة لهم الأبواب﴾ [ص: ٥٠] ومن قرأ ((سُكرت)) - بضم السين وتخفيف الكاف، فإن كانت اللفظة من سكر الماء فهو فعل متعد؛ وإن كانت من سكر الشراب أو من سكور الريح، فَيَضمنا أن الفعل بني للمفعول إلى أن ننزله متعدياً، ويكون هذا الفعل من قبيل: رجح ريد ورجحة غيره، وغارت العين وغارها الرجل: فتقول - على هذا - سكر الرجل، وسكره غيره، وسكرت الريح، وسكرها شيء غيرها. ومعنى هذه المقالة منهم: أي غيرت أبصارنا عما كانت عليه، فهي لا تنفذ وتعطينا حقائق الأشياء كما كانت تفعل . قال القاضي أبو محمد: وعبر بعض المفسرين عن هذه اللفظة بقوله: غشي على أبصارنا وقال بعضهم عميت أبصارنا، وهذا ونحوه تفسير بالمعنى لا يرتبط باللفظ . ٠٫٤٠ ٥ ١٥ ٠٠٠ ولقال أيضاً هؤلاء المبصرون عروج الملائكة، أو عروج أنفسهم، بعد قولهم: ﴿سكرت أبصارنا﴾ بل سحرنا حتى ما نعقل الأشياء كما يجب، أي صرف فينا السحر. قوله عز وجل : وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِ السَّمَآءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴿﴿وَحَفِظْنَهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانِ نَّحِيمٍ ١٣ إِلَّا مَنِ أُسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَنْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (٨) وَ الْأَرْضَ مَدَدْنَهَ وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَسِىَّ وَأَنْبَتْنَافِيهَا مِن كُلِّ شَىْءٍ قَوْزُونٍ ﴿ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَِشَ وَ مَن لَّسْتُمْ لَهُ بِزَزِقِينَ ﴿ وَإِن مِّنْ شَىْءٍ إِلََّ عِندَنَا ـه خَزَآمِنُ وَمَا نُنَزِّلُهُ: إِلَّا بِقَدَ رٍمَعْلُومٍ لما ذكر تعالى أنهم لو رأوا الآية المذكورة في السماء لعاندوا فيها - عقب ذلك بهذه الآية - فكأنه قال: وإن في السماء لعبراً منصوبة غير هذه المذكورة، وكفرهم بها، وإعراضهم عنها إصرار منهم وعتو. ((والبروج»: المنازل، واحدها برج، وسمي بذلك لظهوره ووضوحه، ومنه تبرج المرأة: ظهورها وبدوها، والعرب تقول: برج الشيء: إذا ظهر وارتفع . و((حفظ السماء)) هو بالرجم بالشهب ـ على ما تضمنته الأحاديث الصحاح. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الشياطين تقرب من السماء أفواجاً))، قال: فينفرد المارد منها، فيعلو فيسمع، فيرمى بالشهاب. فيقول لأصحابه - وهو يلتهب - إنه من الأمر كذا وكذا - فيزيد الشياطين في ذلك ويلقون إلى الكهنة، فيزيدون مع الكلمة مائة ونحو هذا ... الحديث. وقال ابن عباس: إن الشهب تجرح وتؤذي ولا تقتل، وقال الحسن: تقتل. قال القاضي أبو محمد: وفي الأحاديث ما يدل على أن الرجم كان في الجاهلية ولكنه اشتد في وقت ٣٥٥ تفسير سورة الحجر / الآيات : ١٦ - ٢١ الإسلام وحفظ السماء حفظاً تاماً. وقال الزجاج: لم يكن إلا بعد النبي عليه السلام، بدليل أن الشعراء لم يشبهوا به في السرعة إلا بعد الإسلام. وذكر الزهراوي عن أبي رجاء العطاردي أنه قال: كنا لا نرى الرجم بالنجوم قبل الإسلام. و﴿رجيم﴾ فعيل بمعنى مفعول. فإما من رجم الشهب، وإما من الرجم الذي هو الشتم والذم. ويقال: تبعت الرجل واتبعته بمعنى واحد. و﴿إلا﴾ بمعنى: لكن. قال القاضي أبو محمد: هذا قول، والظاهر أن الاستثناء من الحفظ، وقال محمد بن يحيى عن أبيه: ﴿إلا من استرق السمع﴾، فإنها لم تحفظ منه ـ ذكره الزهراوي. وقوله تعالى: ﴿والأرض مددناها﴾ روي في الحديث: ((أن الأرض كانت تتكفأ بأهلها كما تتكفأ السفينة، فثبتها الله بالجبال)). يقال: رسا الشيء يرسو: إذا رسخ وثبت. وقوله: ﴿موزون﴾ قال الجمهور: معناه مقدر محرر بقصد وإرادة، فالوزن - على هذا - مستعار. 1 وقال ابن زيد: المراد ما يوزن حقيقة كالذهب والفضة والفلز كله وغير ذلك مما يوزن. 1 قال القاضي أبو محمد: الأول أعم وأحسن. .. -- و﴿معايش﴾ جمع معيشة. وقرأها الأعمش بالهمز وكذلك روى خارجة عن نافع. والوجه ترك الهمز لأن أصل ياء معيشة الحركة. فيردها إلى الأصل الجمع، بخلاف: مدينة ومدائن. وقوله: ﴿ومن لستم له برازقين﴾ يحتمل أن تكون ﴿من﴾ في موضع نصب وذلك على ثلاثة أوجه. أحدها: أن يكون عطفاً على ﴿معايش﴾، كأن الله تعالى عدد النعم في المعايش، وهي ما يؤكل ويلبس، ثم عدد النعم في الحيوان والعبيد والصناع وغير ذلك مما ينتفع به الناس وليس عليهم رزقهم. والوجه الثاني: أن تكون ﴿من﴾ معطوفة على موضع الضمير في ﴿لكم﴾ وذلك أن التقدير: وأنعشناكم وأنعشنا أمماً غيركم من الحيوان. فكأن الآية - على هذا - فيها اعتبار وعرض آية. والوجه الثالث: أن تكون ﴿من﴾ منصوبة بفعل مضمر يقتضيه الظاهر، تقديره: وأنعشنا من لستم له برازقین. ويحتمل أن تكون ﴿من﴾ في موضع خفض عطفاً على الضمير في ﴿لكم﴾ وهذا قلق في النحو لأن العطف على الضمير المجرور، وفيه قبح، فكأنه قال: ولمن لستم له برازقين، وأنتم تنتفعون به . وقوله: ﴿وإن من شيءٍ﴾ قال ابن جريج: وهو المطر خاصة. قال القاضي أبو محمد: وينبغي أن تكون أعم من هذا في كثير من المخلوقات. و((الخزائن)) المواضع الحاوية، وظاهر هذا أن الماء والريح ونحو ذلك موجود مخلوق، وهو ظاهر في قولهم في الريح: عنت على الخزان وانفتح منها قدر حلقة الخاتم، ولو كان قدر منخر الثور لأهلك الأرض؛ إلى غير هذا من الشواهد. وذهب قوم إلى أن كونها في القدرة هو خزنها، فإذا شاء الله أوجدها. ٣٥٦ تفسير سورة الحجر / الآيات: ٢٢ - ٢٧ قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ظاهر في أشياء كثيرة. وهو لازم في الاعراض إذا عممنا لفظة ﴿شيء﴾ وكيفما كان الأمر فالقدرة تسعه وتتقنه. وقوله: ﴿ننزله﴾ ما كان من المطر ونحوه. فالإنزال فيه متمكن، وما كان من غير ذلك فإيجاده والتمكين من الانتفاع به، إنزال على تجوز. وقرأ الأعمش: ((وما نرسله)). وقوله: ﴿بقدر معلوم﴾ روي فيه عن ابن مسعود وغيره: أنه ليس عام أكثر مطراً من عام، ولكن الله تعالى ينزله في مواضع دون مواضع. قوله عز وجل : وَإِنَّا وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَأَنْزَ لْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ يَخَزِنِينَ (٢) لَنَحْنُ نُّحِى، وَنُمِيتُ وَغَحْنُ الْوَرِثُونَ * وَلَقَدْ عَلِّمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَفْخِرِينَ( ٢٤ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنِسَنَ مِن ◌َلْصَلٍ مِّنْ حَمَلٍ مَّسْنُونٍ (٦ وَالْجَآَنَ خَلَقْنَهُ مِن قَبْلُ مِن ◌َارِ السَّمُومِ ٢٧ يقال: لقحت الناقة والشجرة فهي لاقحة: إذا حملت، والرياح تلقح الشجر والسحاب، فالوجه في الربح أنها ملقحة لا لاقحة، وتتجه صفة ﴿الرياح﴾ بـ ﴿لواقح) على أربعة أوجه: أولها وأولاها: أن نجعلها لاقحة حقيقة، وذلك أن الرياح منها ما فيها عذاب أو حر ونار، ومنها ما فيه رحمة ومطر أو نصر أو غير ذلك، فإذا بها تحمل ما حملتها القدرة، أو ما علقته من الهواء أو التراب أو الماء الذي مرت عليه، فهي لاقحة بهذا الوجه، وإن كانت أيضاً تلقح غيرها وتصير إليه نفعها .- والعرب تسمي الجنوب الحامل واللاقحة، وتسمي الشمال الحايل والعقيم ومحوة، لأنها تمحو السحاب. وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الريح الجنوب من الجنة، وهي اللواقح التي ذكر الله، وفيها منافع للناس))؛ ومن هذا قول الطرماح: قلق لا فبان الريا ح للاقح منيها وحائل ومن قول أبي وجزة: من نسل جوابة الآفاق فجعلها حاملا تنسل. قال القاضي أبو محمد: ويخرج هذا على أنها ملقحة فلا حجة فيه. والثاني: أن يكون وصفها بـ ﴿لواقح﴾ من باب قولهم: ليل نائم، أي فيه نوم ومعه، ويوم عاصف ونحوه: فهذا على طريق المجاز. تفسير سورة الحجر / الآيات: ٢٢ - ٢٧ ٣٥٧ والثالث: أن توصف الرياح بـ ﴿لواقح) على جهة النسب، أي ذات لقح، كقول النابغة: کلیني لهم يا أميمة ناصب أي ذي نصب. والرابع: أن تكون ﴿لواقح﴾ جمع ملقحة على حذف زوائده، فكأنه لقحة، فجمعها كما تجمع لاقحة، ومثله قول الشاعر [سيبويه]: [الطويل] ليبك يزيد ضارع لخصومة وأشعث ممن طوحته الطوائح وإنما طوحته المطاوح، وعلى هذا النحو فسرها أبو عبيدة في قوله: ﴿لواقح﴾ ملاقح، وكذلك العبارة عنها في كتاب البخاري : لواقح ملاقح ملقحة . وقرأ الجمهور ((الرياح)) بالجمع، وقرأ الكوفيون - حمزة وطلحة بن مصرف والأعمش ويحيى بن وثاب - ((الريح)) بالإفراد، وهي للجنس، فهي في معنى الجمع، ومثلها الطبري بقولهم: ((قميص أخلاق وأرض أغفال)). قال القاضي أبو محمد: وهذا كله من حيث هو أجزاء كثيرة تجمع صفته، فكذلك ريح لواقع لأنها متفرقة الهبوب، وكذلك: دار بلاقع، أي كل موضع منها بلقع . وقال الأعمش: إن في قراءة عبد الله ((وأرسلنا الرياح يلقحن))، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الريح من نفس الرحمن))، ومعنى الإضافة هنا هي من إضافة خلق إلى خالق، كماقال: ﴿من روحي﴾ [الحجر: ٢٩] ومعنى نفس الرحمن: أي من تنفيسه وإزالته الكرائب والشدائد. فمن التنفس بالريح النصر بالصبا وذرو الأرزاق بها، وما لها من الخدمة في الأرزاق وجلب الأمطار وغير ذلك مما يكثر عده. ولقد حدثت أن ابن أبي قحافة رحمه الله فسر هذا الحديث بنحو هذا وأنشد في تفسيره: [الطويل] فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس محزون تجلت همومها وهذا من جملة التنفيس والعرب تقول: أسقى وسقى بمعنى واحد، وقال لبيد: [الوافر] نميراً، والقبائل من هلال سقى قومي بني مجد وأسقى فجاء باللغتين، وقال أبو عبيدة: أما إذا كان من سقي الشفة خاصة فلا يقال إلا سقى، وأما إذا كان لسقي الأرض والثمار وجملة الأشياء فيقال: أسقى، وأما الداعي لأرض أو غيرها بالسقي، فإنما يقال فيه: أسقى، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وقفت على رسم لمية ناقتي تكلمني أحجاره وملاعبه وأسقيه حتى كاد مما أبثه قال القاضي أبو محمد: على أن بيت لبيد دعاء، وفيه اللغتان. وقوله تعالى: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت﴾ الآيات، هذه الآيات مع الآيات التي قبلها تضمنت العبرة والدلالة على قدرة الله تعالى وما يوجب توحيده وعبادته، فمعنى هذه: وإنا لنحن نحيي من نشاء بإخراجه ٣٥٨ تفسيراسورة الحجر / الآيات: ٢٢ -٢٧ من العدم إلى وجود الحياة، وبرده عند البعث من مرقده ميتاً، ونميت بإزالة الحياة عمن كان حياً، ﴿ونحن الوارثون﴾، أي لا يبقى شيء سوانا، وكل شيء هالك إلا وجهه لا رب غيره. ثم أخبر تعالى بإحاطة علمه بمن تقدم من الأمم، وبمن تأخر في الزمن من لدن أهبط آدم إلى الأرض إلى يوم القيامة، وأعلم أنه هو الحاشر لهم الجامع لعرض القيامة على تباعدهم في الأزمان والأقطار، وأن حکمته وعلمه یأتیان بهذا کله على أتم غاياته التي قدرها وأرادها. وقرأ الأعرج ((يحشرهم» بکسر الشین. قال القاضي أبو محمد: بهذا سياق معنى الآية، وهو قول جمهور المفسرين. وقال الحسن: معنى قوله: ﴿ولقد علمنا المستقدمين﴾ أي في الطاعة، والبدار إلى الإيمان والخيرات، و ﴿المستأخرين) بالمعاصي . قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يتناول كل تقدم وتأخر على جميع وجوهه فليس يطرد سياق معنى الآية إلا كما قدمنا، وقال ابن عباس ومروان بن الحكم وأبو الجوزاء: نزل قوله: ﴿ولقد علمنا﴾ الآية، في قوم كانوا يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وكانت تصلي وراءه امرأة جميلة، فكان بعض القوم يتقدم في الصفوف لئلا تفتنه، وكان بعضهم يتأخر ليسرق النظر إليها في الصلاة، فنزلت الآية فيهم. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم الآية من قوله: ﴿ونحن الوارثون﴾ وما تأخر من قوله: ﴿وإن ربك يحشرهم﴾، يضعف هذه التأويلات، لأنها تذهب اتصال المعنى، وقد ذكر ذلك محمد بن كعب القرظي لعون بن عبد الله . وقوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان) الآية، ﴿الإنسان) هنا للجنس، والمراد آدم، قال ابن عباس سمي بذلك لأنه عهد إليه فنسي، ودخل من بعده في ذلك إذ هو من نسله. و((الصلصال)): الطين الذي إذا جف صلصل، هذا قول فرقة، منها من قال: هو طين الخزف، ومنها قول الفراء: هو الطين الحر يخالطه رمل دقيق. وقال ابن عباس: خلق من ثلاثة: من طين لازب وهو اللازق والجيد، ومن ﴿صلصال﴾ وهو الأرض الطيبة يقع عليها الماء ثم ينحسر فتشقق وتصير مثل الخزف، ومن ﴿حما مسنون﴾ وهو الطين في الحماة . قال القاضي أبو محمد: وكان الوجه أن يقال - على هذا المعنى - صلال، ولكن ضوعف الفعل من فائه وأبدلت إحدى اللامين من صلاص صاداً. وهذا مذهب الكوفيين، وقاله ابن جني والزبيدي ونحوهما على البصرة، ومذهب جمهور البصريين: إنهما فعلان متباينان، وكذلك قالوا في ثرة وثرثارة. قال بعضهم: تقول: صل الخزف ونحوه: إذا صوت بتمديد: فإذا كان في صوته ترجيع كالجرس ونحوه قلت: صلصل، ومنه قول الكميت: [البسيط] شعثاً تصلصل في أشداقها اللجم فينا العناجيج تردي في أعنتها وقال مجاهد وغيره: ﴿صلصال﴾ هنا إنما هو مأخوذ من صل اللحم وغيره: إذا انتن. ..... : 1 ١ ٣٥٩ تفسير سورة الحجر / الآيات : ٢٢ - ٢٧ قال القاضي أبو محمد: فجعلوا معنى (صلصال) ومعنى ﴿حما﴾ في لزوم أنتن شيئاً واحداً. قال القاضي أبو محمد: و ((الحمأ)) جمع حمأة وهو الطين الأسود المنتن يخالطه ماء. و((المسنون)) قال معمر: هو المنتن، وهو من أسن الماء إذا تغير. قال القاضي أبو محمد: والتصريف يرد هذا القول. وقال ابن عباس: ((المسنون)): الرطب. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير لا يخص اللفظة. وقال الحسن: المعنى: سن ذريته على خلقه. والذي يترتب في ﴿مسنون﴾ إما أن يكون بمعنى محكوك محكم العمل أملس السطح، فيكون من معنى المسن والسنان، وقولهم: سننت السكين وسننت الحجر: إذا أحكمت تمليسه، ومن ذلك قول الشاعر: [الخفيف] ء وتمشي في مرمر مسنون ثم دافعتها إلى القبة الخضرا أي محكم الإملاس بالسن، وإما أن يكون بمعنى المصبوب، تقول: سننت التراب والماء إذا صببته شيئاً بعد شيء، ومنه قول عمرو بن العاصي لمن حضر دفنه: إذا أدخلتموني في قبري فسنوا علي التراب سناً، ومن هذا: هو سن الغارة. وقال الزجاج: هو مأخوذ من كونه على سنة الطريق، لأنه إنما يتغير إذا فارق الماء، فمعنى الآية - على هذا - من حمأ مصبوب موضوع بعضه فوق بعض على مثال وصورة. ﴿الجان﴾ يراد به جنس الشياطين، ويسمون: جنة وجاناً لاستتارهم عن العين. وسئل وهب بن منبه عنهم فقال: هم أجناب، فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا يشربون ولا يموتون ولا يتوالدون، ومنهم أجناس تفعل هذا كله، منها السعالي والغول وأشباه ذلك. وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((والجأن)» بالهمز. قال القاضي أبو محمد: والمراد بهذه الحلقة إبليس أبو الجن، وفي الحديث: ((أن الله تعالى خلق آدم من جميع أنواع التراب الطيب والخبيث والأسود والأحمر)). وفي سورة البقرة إيعاب هذا وقوله ﴿من قبل﴾ لأن إبليس خلق قبل آدم بمدة، وخلق آدم آخر الخلق. و﴿السموم﴾ - في كلام العرب - إفراط الحر حتى يقتل من نار أو شمس أو ريح. وقالت فرقة: السموم بالليل، والحرور بالنهار. قال القاضي أبو محمد: وأما إضافة ﴿نار﴾ إلى ﴿السموم﴾ في هذه الآية فيحتمل أن تكون النار أنواعاً، ويكون ﴿السموم﴾ أمراً يختص بنوع منها فتصح الإضافة حينئذ؛ وإن لم يكن هذا فيخرج هذا على قولهم: مسجد الجامع، ودار الآخرة، على حذف مضاف. قوله عز وجل : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ إِنِّيِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنْ صَلْصَلٍ مِنْ حَمٍَ مَسْنُونٍ ﴿ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُسَجِدِينَ (٦) فَسَجَدَ الْمَلَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ ﴿ إِلَّا إِبْلِسَ أَبَ أَنْ يَكُونَ ٣٦٠ تفسير سورة الحجر / الآيات: ٢٨- ٣٣ ] قَالَ يَكِبِلِيسُ مَالَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّجِدِينَ ﴿ قَالَ لَمْ أَكُنْ لَّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ ٣١ مَعَ السَّجِدِينَ ٣٣ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَمٍَ مَّسْنُونٍ ﴿إذ﴾ نصب بإضمار فعل تقديره: اذكر إذ قال ربك، و((البشر)» هنا آدم، وهو مأخوذ من البشرة، وهي وجه الجلد، في الأشهر من القول. ومنه قول النبي عليه السلام: ((وافقوا البشر)). وقيل: البشرة ما يلي اللحم، ومنه قولهم في المثل: إنما يعاتب الأديم ذو البشرة لأن تلك الجهة هي التي تبشر. وأخبر الله تعالى الملائكة بعجب عندهم، وذلك أنهم كانوا مخلوقين من نور - فهي مخلوقات لطاف - فأخبرهم: أنه لا يخلق جسماً حياً ذا بشرة وأنه يخلقه ﴿من صلصال﴾. قال القاضي أبو محمد: ((والبشر)) والبشارة أيضاً أصلهما البشرة لأنهما فيها يظهران. و﴿سويته﴾ معناه: كملته وأتقنته حتى استوت أجزاؤه على ما يجب، وقوله: ﴿من روحي﴾ إضافة خلق وملك إلى خالق مالك، أي من الروح الذي هو لي ولفظة الروح هنا للجنس. وقوله: ﴿فقعوا﴾ من وقع يقع، وفتحت القاف لأجل حرف الحلق، وهذه اللفظة تقوي أن سجود الملائكة إنما كان على المعهود عندنا، لا أنه خضوع وتسليم، وإشارة، كما قال بعض الناس، وشبهوه بقول الشاعر (أبي الأخزر الحماني]: [الطويل] كما سجدت نصرانة لم تحنف فكلتاهما خرّت وأسجد رأسها وهذا البيت يشبه أن يكون السجود فيه كالمعهود عندنا. وحكى الطبري في تفسير هذه الآية عن ابن عباس: أنه قال: خلق الله ملائكة أمرهم بالسجود لآدم فأبوا، فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق آخرين فأمرهم بالسجود فأطاعوا إلا إبليس فإنه كان من الأولین . قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس - من الأولين - يحتمل أن يريد في حالهم وكفرهم، ويحتمل أن يريد: في أنه بقي منهم. وقوله: ﴿كلهم أجمعون﴾ هو - عند سيبويه - تأكيد بعد تأكيد، يتضمن الآخر ما تضمن الأول. وقال غيره: ﴿كلهم﴾ لو وقف عليه - لصلحت للاستيفاء، وصلحت على معنى المبالغة مع أن يكون البعض لم يسجد، وهذا كما يقول القائل: كل الناس يعرف كذا، وهو يريد أن المذكور أمر مشتهر، فلما قال: ﴿أجمعون﴾ رفع الاحتمال في أن يبقى منهم أحد، واقتضى الكلام أن جميعهم سجد. وقال ابن المبرد: لو وقف على ﴿كلهم﴾ لاحتمل أن يكون سجودهم في مواطن كثيرة، فلما قال: ﴿أجمعون﴾ دل على أنهم سجدوا في موطن واحد . قال القاضي أبو محمد: واعترض قول المبرد بأنه جعل قوله: ﴿أجمعون﴾ حالاً. بمعنى مجتمعين،