النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ١ - ٣
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِية
◌ُورَةُ ابْرَاهِيمٌ
هذه السورة مكية إلا آيتين وهي قوله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفراً﴾
[إبراهيم: ٢٨] إلى آخر الآيتين: ذكره مكي والنقاش.
بسم الله الرحمن الرحيم، قوله عز وجل :
الّرَّكِتَبُّ أَنزَلْنَهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظَّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ
اللَّهِ الَّذِى لَهُمَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ وَوَيْلٌ لِلْكَفِرِينَ
١
اَلْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ
٢
اللَّهِ وَ يَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ بَعِيدٍ
٣
تقدم القول في الحروف المقطعة في أوائل السور والاختلاف في ذلك.
و﴿كتاب﴾ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره هذا كتاب، وهذا على أكثر الأقوال في الحروف
المقطعة، وأما من قال فيها، إنها كناية عن حروف المعجم، فـ ﴿كتاب﴾ مرتفع بقوله: ﴿الر﴾ أي هذه الحروف
كتاب أنزلناه إليك، وقوله: ﴿أنزلناه﴾ في موضع الصفة للكتاب.
قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما: إن الإنزال لم يتعلق بالكلام القديم الذي هو صفة
الذات، لكن بالمعاني التي أفهمها الله تعالى جبريل عليه السلام من الكلام.
وقوله: ﴿لتخرج﴾ أسند الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم من حيث له فيه المشاركة بالدعاء
والإنذار، وحقيقته إنما هي لله تعالى بالاختراع والهداية. وفي هذه اللفظة تشريف للنبي عليه السلام.
وعم ﴿الناس﴾ إذ هو مبعوث إلى جميع الخلق، ثبت ذلك بآيات القرآن التي اقترن بها ما نقل تواتراً
من دعوته العالم كله، ومن بعثته إلى الأحمر والأسود علم الصحابة ذلك مشاهدة، ونقل عنهم تواتراً، فعلم
قطعاً والحمد لله .
واستعير ﴿الظلمات﴾ للكفر، و﴿النور﴾ للإيمان، تشبيهاً.
وقوله: ﴿بإذن ربهم﴾، أي بعلمه وقضائه به وتمكينه لهم ..

٣٢٢٢
تفسير سورة إبراهيم/ الآيات :: ٣٠١
و ﴿إلى﴾ في قوله: ﴿إلى صراط﴾ بدل من الأولى في قوله: ﴿إلى النور﴾ أي إلى المحجة المؤدية
إلى طاعة الله وللإيمان به ورحمته، فأضافها إلى الله بهذه التعلقات.
و ﴿العزيز الحميد﴾ صفتان لائقتان بهذا الموضع، فالعزة من حيث الإنزال للكتاب، وما في ضمن
ذلك من القدرة، واستيجاب الحمد من جهة بث هذه النعم على العالم في نصب هدايتهم.
وقرأ نافع وابن عامر ((اللهُ الذي)) برفع اسم الله على القطع والابتداء) وخبره ((الذي))، ويصح رفعه
على تقدير هو الله الذي. وقرأ الباقون بكسر الهاء على البدل من قوله: ﴿العزيز الحميد﴾، وروى
الأصمعي وحده هذه القراءة عن نافع. وعبر بعض الناس عن هذا بأن قال: التقدير: إلى صراط الله العزيز
الحميد، ثم قدم الصفات وأبدل منها الموصوف.
قال القاضي أبو محمد: وإذا كانت هكذا فليست بعد بصفات على طريقة صناعة النحو، وإن كانت
بالمعنی صفاته، ذکر معها أو لم يذكر.
وقوله: ﴿وويل﴾ معناه: وشدة وبلاء ونحوه؛ أي يلقونه من عذاب شديد يثالهم الله به يوم القيامة،
ويحتمل أن يريد في الدنيا، هذا معنى قوله: ﴿وويل). وقال بعض: ((ويل)) اسم واد في جهنم يسيل من
صدید أهل النار.
قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر يحتاج إلى سند يقطع العذر، ثم لو كان هذا لقلق تأويل هذه الآية
لقوله: ﴿من عذاب﴾ وإنما يحسن تأوله في قوله: ﴿ويل للمطففين﴾ [المطففين: ١] وما أشبهه، وأها هنا
فإنما يحسن في ((ويل)) أن يكون مصدراً، ورفعه على نحو رفعهم: سلام عليك وشبههِ.
و﴿الذين﴾ بدل من الكافرين وقوله: ﴿يستحبون﴾ من صفة الكافرين الذين توعدهم قبل،
والمعنى: يؤثرون دنياهم وكفرهم وترك الإذعان للشرع على رحمة الله وسكنى جنته، وقوله: ﴿يصدون﴾
يحتمل أن يتعدى وأن يقف، والمعنى على كلا الوجهين مستقل، تقول: صد زيد وصد غيره، ومن تعديته
٠٠
قول الشاعر: [الوافر]
وكان الكأس مجراها اليمينا
صددتِ الكأس عنا أم عمرو
و﴿سبيل الله﴾ طريقة هداه وشرعه الذي جاء به رسوله. وقوله: ﴿ويبغونها عوجاً﴾ يحتمل ثلاثة
أوجه من التأويل: أظهرها أن يريد: ويطلبونها في حالة وج منهم. ولا يراعى إن كانوا بزعمهم على طريق
نظر وبسبيل اجتهاد واتباع الأحسن، فقد وصف الله تعالى حالهم تلك بالعوج، وكأنه قال: ويصدون عن
سبيل الله التي هي بالحقيقة سبيله، ويطلبونها على عوج في النظر.
والتأويل الثاني أن يكون المعنى: ويطلبون لها عوجاً يظهر فيها، أي يسعون على الشريعة بأقوالهم
وأفعالهم. فـ ﴿عوجاً﴾ مفعول.
والتأويل الثالث: أن تكون اللفظة من المعنى، على معنى: ويبغون عليها أو فيها عوجاً، ثم حذف
الجار، وفي هذا بعض القلق.

٣٢٣
تفسير سورة إبراهيم / الآيتان : ٥،٤
وقال كثير من أهل اللغة: العوج - بكسر العين - في الأمور وفي الدين، وبالجملة في المعاني،
والعوج - بفتح العين - في الأجرام .
قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القانون بقوله تعالى: ﴿فيذرها قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً
ولا أمتأ﴾ [طه: ١٠٧] وقد تتداخل اللفظة مع الأخرى، ووصف ((الضلال)) بالبعد عبارة عن تعمقهم فيه.
وصعوبة خروجهم منه .
قوله عز وجل :
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَّمَّ فَيُضِلُّ اَللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن
يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِشَايَتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ
مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَّنِمِ اللَّهِ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
شَكُورِ (
٥
هذه الآية طعن ورد على المستغربين أمر محمد عليه السلام، أي لست يا محمد ببدع من الرسل،
وإنما أرسلناك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور على عادتنا في رسلنا، في أن نبعثهم بألسنة أممهم ليقع
البيان والعبارة المتمكنة، ثم يكون سائر الناس من غير أهل اللسان عيالاً في التبيين على أهل اللسان الذي
يكون للنبي، وجعل الله العلة في إرسال الرسل بألسنة قومهم طلب البيان ثم قطع قوله: ﴿فيضل﴾ أي إن
النبي إنما غايته أن يبلغ ويبين، وليس فيما كلف أن يهدي ويضل، بل ذلك بيد الله ينفذ فيه سابق قضائه،
وله في ذلك العزة التي لا تعارض، والحكمة التي لا تعلل، لا رب غيره.
قال القاضي أبو محمد: فإن اعترض أعجمي بأن يقول: من أين يبين لي هذا الرسول الشريعة وأنا لا
أفهمه؟ قيل له: أهل المعرفة باللسان يعبرون ذلك، وفي ذلك كفايتك.
فإن قال: ومن أين تتبين لي المعجزة وأفهم الإعجاز وأنا لا أفقه اللغة؟ قيل له: الحجة عليك إذعان
أهل الفصاحة والذين كانوا يظن بهم أنهم قادرون على المعارضة وبإذعانهم قامت الحجة على البشر، كما
قامت الحجة في معجزة موسى بإذعان السحرة، وفي معجزة عيسى بإذعان الأطباء.
و ((اللسان)) في هذه الآية يراد به اللغة.
وقرأ أبو السمال ((بلسْن)) بسكون السين دون ألف - كريش ورياش - ويقال: لسن ولسان في اللغة،
فأما العضو فلا یقال فیہ لسن ۔ بسکون السین.
وقوله: ﴿ولقد أرسلنا موسى) الآية، آيات الله هي العصا واليد وسائر التسع. وقوله: ﴿أن أخرج)
تقديره: بأن أخرج، ويجوز أن تكون ﴿أن﴾ مفسرة لا موضع لها من الإعراب، وأما ﴿الظلمات﴾
و ﴿النور﴾ فيحتمل أن يراد بها من الكفر إلى الإيمان. وهذا على ظاهر أمر بني إسرائيل في أنهم كانوا قبل

٣٢٤
تفسير سورة إبراهيم١ / الآيتان: ٥،٤
بعث موسى أشياعاً متفرقين في الدين: قوم مع القبط في عبادة فرعون، وكلهم على غير شيء، وهذا
مذهب الطبري - وحكاه عن ابن عباس - وإن صح أنهم كانوا على دين إبراهيم وإسرائيل ونحو هذا
فـ ﴿الظلمات﴾ الذل والعبودية، و ﴿النور﴾ العزة والدين والظهور بأمر الله تعالى .....
قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية وأكثر الآيات في رسالة موسى عليه السلام أنها إنما كانت
إلى بني إسرائيل خاصة، في معنى الشرع لهم وأمرهم ونهيهم بفروع الديانة، وإلى فرعون وأشراف قومه
في أن ينظروا ويعتبروا في آيات موسى فيقروا بالله ويؤمنوا به تعالى وبموسى ومعجزته ويتحققوا نبوته
ويرسلوا معه بني إسرائيل .
قال القاضي أبو محمد: ولا يترتب هذا إلا بإيمان به. وأما أن تكون رسالته إليهم لمعنى اتباعه
والدخول في شرعه فليس هذا بظاهر القصة ولا كشف الغيب ذلك، ألا ترى أن موسى خرج عنهم ببني
إسرائيل؟ فلو لم يتبع لمضى بأمته، وألا ترى أنه لم يدع القبط بجملتهم وإنما كان يحاور أولي الأمر؟ وأيضاً
فليس دعاؤة لهم على حد دعاء نوح وهود وصالح أممهم في معنى كفرهم ومعاضيهم، بل في الاهتداء
والتزكي وإرسال بني إسرائيل. ومما يؤيد هذا أنه لو كانت دعوته لفرعون والقبط على حدود دعوته لبني
إسرائيل فلم كان يطلب بأمر الله أن يرسل معه بني إسرائيل؟ بل كان يطلب أن يؤمن الجميع ويتشرعوا
بشرعه ويستقر الأمر. وأيضاً فلو كان مبعوثاً إلى القبط لرده الله إليهم حين غرق فرعون وجنوده، ولكن لم
یکونوا أمة له فلم یرد إليهم .
قال القاضي أبو محمد: واحتج من ذهبٍ إلى أن موسى بعث إلى جميعهم بقوله تعالى في غير آية
﴿إلى فرعون وملئه﴾ [الأعراف: ١٠٣]، و﴿إلى فرعون وقومه﴾ [النمل: ١٢] والله أعلم.
وقوله: ﴿وذكرهم) الآية. أمر الله عز وجل موسى أن يعظ قومه بالتهديد بنقلم الله التي أحلها بالأمم
الكافرة قبلهم وبالتعديد لنعمه عليهم في المواطن المتقدمة، وعلى غيرهم من أهل طاعته ليكون جريهم
على منهاج الذين أنعم عليهم وهربهم من طريق الذين حلت بهم النقمات، وعبر عن النعم والنقم
بـ ((الأيام)) إذ هي في أيام، وفي هذه العبارة تعظيم هذه الكوائن المذكر بها، ومن هذا المعنى قولهم: يوم
عصيب، ويوم عبوس، ويوم بسام، وإنما الحقيقة وصف ما وقع فيه من شدة أو سرور. وحكى الطبري عن
فرقة أنها قالت: ﴿أيام الله﴾: نعمه: وعن فرقة أنها قالت: ﴿أيام الله﴾: نقمه.
قال القاضي أبو محمد: ولفظة ((الأيام)) تعم المعنيين، لأن التذكير يقع بالوجهين جميعاً .
وقوله: ﴿لكل صبار شكور﴾ إنما أراد لكل مؤمن ناظر لنفسه، فأخذ من صفات المؤمن صفتين
تجمع أکثر الخصال وتعم أجمل الأفعال.
قوله عز وجل :
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَذْكُرُ وانِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَنُكُمْ مِنْ ءَلِ فِرْعَوْنَ
:

٣٢٥
تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٦ - ٩
ج
يَسُومُونَكُمْ سُوْءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِحُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ
بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿ وَإِذْتَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيْنِ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَيِنِ
كَفَرُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيُ ﴿ وَقَالَ مُوسَىّ إِن تَكْفُرُوَ أَنتُمْ وَمَن فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَلَغَنِىُّ
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُأُالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ
حَيْدُ ﴾
بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّ اللّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّسَتِ فَرَدُّواْأَيْدِيَهُمْ فِيِّ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْإِنَّا
كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَاكِّ مِّمَاتَدْعُوْنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ
هذا من التذكير بأيام الله في النعم، وكان يوم الإنجاء عظيماً لعظم الكائن فيه، وقد تقدم تفسير هذه
الآية وقصصها بما يغني عن إعادته، غير أن في هذه الآية زيادة الواو في قوله: ﴿ويذبحون﴾ وفي البقرة:
﴿يذبحون﴾ [البقرة: ٤٩] - بغير واو عطف. فهناك فسر سوء العذاب بأنه التذبيح والاستحياء، وهنا دل
بسوء العذاب على أنواع غير التذبيح والاستحياء، وعطف التذبيح والاستحياء عليها .
وقرأ ابن محيصن: ((ويَذَبَحون)) بفتح الياء والباء مخففة.
و﴿بلاء﴾ في هذه الآية يحتمل أن يريد به المحنة، ويحتمل أن يريد به الاختبار، والمعنى متقارب.
و﴿تأذن﴾ بمعنى آذن. أي أعلم، وهو مثل: أكرم وتكرم، وأوعد وتوعد، وهذا الإعلام منه مقترن
بإنفاذ وقضاء قد سبقه، وما في تفعل هذه من المحاولة والشروع إذا أسندت إلى البشر منفي في جهة الله
تعالى، وأما قول العرب: تعلم بمعنى أعلم، فمرفوض. الماضي على ما ذكر يعقوب. كقول الشاعر:
تعلم أبيت اللعن ... ونحوه.
وقال بعض العلماء: الزيادة على الشكر ليست في الدنيا وإنما هي من نعم الآخرة، والدنيا أهون من
ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وصحيح جائز أن يكون ذلك، وأن يزيد اللّه أيضاً المؤمن على شكره من نعم
الدنيا وأن يزيده أيضاً منهما جميعاً، وفي هذه الآية ترجية وتخويف، ومما يقضي بأن الشكر متضمن
الإيمان أنه عادله بالكفر، وقد يحتمل أن يكون الكفر كفر النعم لا كفر الجحد، وحكى الطبري عن سفيان
وعن الحسن أنهما قالا: معنى الآية: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ من طاعتي وضعفه الطبري، وليس كما
قال: بل هو قوي حسن، فتأمله .
قال القاضي أبو محمد: وقوله: ﴿لئن شكرتم﴾ هو جواب قسم يتضمنه الكلام.
وقوله: ﴿وقال موسى) الآية، في هذه الآية تحقير للمخاطبين - بشرط كفرهم - وتوبيخ، وذلك بين
من الصفتين اللتين وصف بهما نفسه تعالى في آخر الآية، وقوله: ﴿لغني﴾ يتضمن تحقيرهم وعظمته، إذ
له الكمال التام على الإطلاق، وقوله: ﴿حميد﴾ يتضمن توبيخهم، وذلك أنه صفة يستوجب المحامد

٣٢٦
تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٦-٩
كلها، دائم كذلك في ذاته لم يزل ولا يزال، فكفركم أنتم بإله هذه حاله غاية التخلف والخذلان، وفي قوله
أيضاً: ﴿حميد﴾ ما یتضمن أنه ذو آلاء علیکم أيها الكافرون به کان يستوجب بها حمدكم، فکفركم به مع
ذلك أذهب فى الضلال، وهذا توبيخ بين.
١.٠٠٠
وقوله: ﴿ألم يأتكم﴾ الآية، هذا من التذكير بأيام الله في النقم من الأمم الكافرة، وقوله: ﴿لا
يعلمهم إلا الله﴾ من نحو قوله: ﴿وقروناً بين ذلك كثيراً﴾ [الفرقان: ٣٨]، وفي مثل هذا قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: ((كذب النسابون من فوق عدنان))، وروي عن ابن عباس أنه قال: ((كان بين زمن
موسى وبين زمن نوح قرون ثلاثون لا يعلمهم إلا الله)). وحكى عنه المهدوي أنه قال: ((كان بين عدنان
وإسماعيل ثلاثون أباً لا يعرفون)).
قال القاضي أبو محمد: وهذا الوقوف على عدتهم بعيد، ونفي العلم بها جملة أصح، وهو ظاهر
القرآن
واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾ بحسب احتمال اللفظ.
قال القاضي أبو محمد: و((الأيدي)) في هذه الآية قد تتأول بمعنى الجوارح، وقد تتأول بمعنى أيدي
النعم، فمما ذكر على أن ((الأيدي)) الجوارح أن يكون المعنى: ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم عضاً
عليها من الغيظ على الرسل، ومبالغة في التكذيب - هذا قول ابن مسعود وابن زيد، وقال ابن عباس:
عجبوا وفعلوا ذلك، والعض من الغيظ مشهور من البشر، وفي كتاب الله تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل من
الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] وقال الشاعر:
فأضحى بعضُّ عليّ .. الوظيفا
قد أفنى أنامله أزمه
وقال الآخر: [الرجز]
لو أن سلمى أبصرت تخددي
ودقة في عظم ساقي ويدي
عضت من الوجد بأطراف اليد
وبعد أهلي وجفاء عوَّدي
ومما ذكر أن يكون المعنى أنهم ردوا أيدي أنفسهم في أفواه أنفسهم إشارة على الأنبياء بالسكوت،
واستبشاعاً لما قالوا من دعوى النبوءة ومما ذكر أن يكون المعنى ردوا أيدي أنفسهم في أفواه الرسل تسكيتاً لهم
ودفعاً في صدر قولهم - قاله الحسن - وهذا أشنع في الرد وأذهب في الاستطالة على الرسل والنيل منهم.
قال القاضي أبو محمد: وتحتمل الألفاظ معنى رابعاً وهو أن يتجوز في لفظ ((الأيدي))، أي إنهم ردوا
قوتهم ومدافعتهم ومكافحتهم فيما قالوه بأفواههم من التكذيب، فكأن المعنى: ردوا جميع مدافعتهم في
أفواههم أي في أقوالهم، وعبر عن جميع المدافعة بـ ((الأيدي))، إذ الأيدي موضع لشد المدافعة والمرادة.
وحكى المهدوي قولاً ضعيفاً وهو أن المعنى : أخذوا أيدي الرسل فجعلوها في أقواه الرسل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي لا وجه له.
:

تفسير سورة إبراهيم / الآية: ١٠
٣٢٧
ومما ذكر على أن ((الأيدي)) أيدي النعم ما ذكره الزجاج وذلك أنهم ردوا آلاء الرسل في الإنذار
والتبليغ بأفواههم، أي بأقوالهم - فوصل الفعل بـ ﴿في﴾ عوض وصوله بالباء - وروي نحوه عن مجاهد
وقتادة .
قال القاضي أبو محمد: والمشهور: جمع يد النعمة: أياد، ولا يجمع على أيد، إلا أن جمعه على
أبد، لا يكسر باباً ولا ينقض أصلاً، وبحسبنا أن الزجاج قدره وتأول عليه .
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل اللفظ - على هذا - معنى ثانياً، أن يكون المقصد: ردوا أنعام
الرسل في أفواه الرسل، أي لم يقبلوه، كما تقول لمن لا يعجبك قوله: أمسك يا فلان كلامك في فمك.
ومن حيث كانت أيدي الرسل أقوالاً ساغ هذا فيها، كما تقول: كسرت كلام فلان في فمه، أي رددته عليه
وقطعته بقلة القبول والرد، وحكى المهدوي عن مجاهد أنه قال: معناه: ردوا نعم الرسل في أفواه أنفسهم
بالتكذيب والنجه.
وقوله: ﴿لفي شك مما تدعوننا إليه مريب﴾ يقتضى أنهم شكوا فى صدق نبوتهم وأقوالهم أو كذبها،
وتوقفوا في إمضاء أحد المعتقدين، ثم ارتابوا بالمعتقد الواحد في صدق نبوتهم فجاءهم شك مؤكد
بارتياب .
وقرأ طلحة بن مصرف: ((مما تدعونّا)) بنون واحدة مشددة.
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِى اُللَّهِ سَكٌ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَلَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ
وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلِ مُسَتَّى قَالُواْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ
يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأَتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ
١٠
قوله عز وجل :
قوله: ﴿أفي الله﴾ مقدر فيه ضمير تقديره عند كثير من النحويين أفي إلوهية الله شك؟ وقال أبو علي
الفارسي : تقديره: أفي وحدانية الله شك؟.
قال القاضي أبو محمد: وزعم بعض الناس: أن أبا علي إنما فزع إلى هذه العبارة حفظاً للاعتزال
وزوالاً عما تحتمله لفظة الألوهية من الصفات بحسب عمومها، ولفظة الوحدانية مخلصة من هذا
الاحتمال.
و((الفاطر)) المخترع المبتدي، وسوق هذه الصفة احتجاج على الشاكين يبين التوبيخ، أي أيشك
فيمن هذه صفته؟ فساق الصفة التي هي منصوبة لرفع الشك.
وقوله: ﴿من ذنوبكم﴾ ذهب بعض النحاة إلى أنها زائدة، وسيبويه يأبى أن تكون زائدة ويراها
للتبعيض.
--

٣٢٨
تفسير سورة إبراهيم / الآيتان: ١٢،١١
قال القاضي أبو محمد: وهو معنى صحيح، وذلك أن الوعد وقع بغفران الشرك وما معه من
المعاصي، وبقي ما يستأنفه أحدهم بعد إيمانه من المعاصي مسكوتاً عنه ليبقى معه في مشيئة الله تعالى،
فالغفران إنما نفذ به الوعد في البعض، فصح معنى ﴿من﴾ .
وقوله: ﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ قد تقدم القول فيه في سورة الأعراف، في قوله : ﴿ولكل أمة
أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ [الأعراف: ٣٤] وجلبت هذه هناك بسبب ما يظهر
بين الآيتين من التعارض. ويليق هنا أن نذكر مسألة المقتول: هل قطع أجله أم ذلك هو أجله المحتوم
عليه؟ .
فالأول هو قول المعتزلة، والثاني قول أهل السنة:
فتقول المعتزلة: لو لم يقتله لعاش، وهذا سبب القود.
وقالت فرقة من أهل السنة: لو لم يقتله لمات حتف أنفه.
قال أبو المعالي: وهذا كله تخبط، وإنما هو أجله الذي سبق في القضاء أنه يموت فيه على تلك
الصفة، فمحال أن يقع غير ذلك، فإن فرضنا أنه لو لم يقتله وفرضنا مع ذلك أن علم الله سبق بأنه لا يقتله،
بقي أمره في حيز الجواز في أن يعيش أو يقتل، وكيفما كان علم الله تعالى يسبق فيه.
وقول الكفرة ﴿إن أنتم إلا بشر مثلنا﴾ فيه استبعاد بعثة البشر، وقال بعض الناس: بل أرادوا إحالته،
وذهبوا مذهب البراهمة أو من يقول من الفلاسفة: إن الأجناس لا يقع فيها هذا التباين.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر كلامهم لا يقتضي أنهم أغمضوا هذا الإغماض، ويدل على ما ذكرت
أنهم طلبوا منهم الإتيان بآية و﴿سلطان مبين﴾، ولو كانت بعثتهم عندهم محالاً لما طلبوا منهم حجة،
ويحتمل أن طلبهم منهم السلطان إنما هو على جهة التعجيز، أي بعثتكم مخال وإلا ﴿فأتونا بسلطان
مبين﴾، أي إنكم لا تفعلون ذلك أبداً، فيتقوى بهذا الاحتمال منحاهم إلى مذهب الفلاسفة.
قوله عز وجل :
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن ◌َّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ
لَنَا أَنْ تَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّ بِإِذْنِ اَلَّهِ وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَنَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَالَنَا أَلََّنَوَ كَّلَ
عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَذَننَا سُبُلَنَا وَلَصْبِرَبَّ عَلَى مَآءَ اذَيْتُمُونَا وَ عَلَى اَللَّهِ فَلْيَنَوَكَّلِ الْمُتَوَّكِّلُونَ.
٠١٢
المعنى: صدقتم في قولكم، أي بشر مثلكم في الأشخاص والخلقة لكن تبايننا بفضل الله ومنه الذي
يختص به من يشاء .
قال القاضي أبو محمد: ففارقوهم في المعنى بخلاف قوله تعالى: ﴿كأنهم حمر﴾ [المدثر: ٥٠]
فإن ذلك في المعنى لا في الهيئة.

٣٢٩
تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ١٣ - ١٧
وقوله: ﴿وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان﴾ هذه العبارة إذا قالها الإنسان عن نفسه أو قيلت له فيما يقع
تحت مقدوره ــ فمعناها النهي والحظر، وإن كان ذلك فيما لا قدرة له عليه - فمعناها نفي ذلك الأمر جملة،
وكذا هي آيتنا، وقال المهدوي لفظها لفظ الحظر ومعناها النفي .
واللام في قوله: ﴿ليتوكل﴾ لام الأمر. وقرأها الجمهور ساكنة وقرأها الحسن مكسورة، وتحريكها
بالكسر هو أصلها. وتسكينها طلب التخفيف، ولكثرة استعمالها وللفرق بينها وبين لام كي التي ألزمت
الحركة إجماعاً .
وقوله: ﴿ما لنا ألا نتوكل﴾ الآية، وقفتهم الرسل على جهة التوبيخ على تعليل في أن لا يتوكلوا على
اللّه، وهو قد أنعم عليهم وهداهم طريق النجاة وفضلهم على خلقه، ثم أقسموا أن يقع منهم الصبر على
الإذاية في ذات الله تعالى. و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما آذيتمونا﴾ مصدرية، وهي حرف عند سيبويه بانفرادها،
إلا أنها اسم مع ما اتصل بها من المصدر، وقال بعض النحويين: ((ما)) المصدرية بانفرادها اسم. ويحتمل
أن تكون ﴿ما﴾ - في هذا الموضع - بمعنى الذي، فيكون في ﴿آذیتمونا﴾ ضمیر عائد، تقديره آذیتموناه،
ولا يجوز أن تضمر به سبب إضمار حرف الجر، هذا مذهب سيبويه، والأخفش يجوز ذلك.
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْلِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِ حَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْلَتَعُودُنَ فِى مِلَّتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ
رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ﴿ وَلَنُسْكِنَتَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى
وَخَافَ وَعِيدِ ﴿ وَأَسْتَفْتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿١ مِن وَرَآبِهِ، جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِن مَّآءِ
صَدِيدٍ [٨] يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيفُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَبِمَيْتٍ
وَمِن وَرَآبِهِ، عَذَابٌ غَلِيظٌ
قوله: ﴿أو لتعودن في ملتنا﴾ قالت فرقة: ﴿أو﴾ هنا بمعنى: ((إلا أن)) كما هي في قول امرىء
القيس : [الطويل]
فقلت له لا تبك عيناك إنما نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
قال القاضي أبو محمد: وتحمل ﴿أو﴾ في هذه الآية أن تكون على بابها لوقوع أحد الأمرين، لأنهم
حملوا رسلهم على أحد الوجهين، ولا يحتمل بيت امرئ القيس ذلك، لأنه لم يحاول أن يموت فيعذر،
فتخلصت بمعنى إلا أن، ولذلك نصب الفعل بعدها. وقالت فرقة هي بمعنى ((حتى)) في الآية، وهذا
ضعيف، وإنما تترتب كذلك في قوله: لألزمنك أو تقضيني حقي، وفي قوله: لا يقوم زيد أو يقوم عمرو،
وفي هذه المثل كلها يحسن تقدير إلا أن .
و((العودة)) أبداً إنما هي إلى حالة قد كانت، والرسل ما كانوا قط في ملة الكفر، فإنما المعنى.

٣٣.٠ -
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ١٣ - ١٧
لتعودن في سكوتكم عنا وكونكم أغفالاً، وذلك عند الكفار كون في ملتهم.
وخصص تعالى ﴿الظالمين) من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا المقالة ناس،
فإنما توعد بالإهلاك من خلص للظلم.
وقوله: ﴿لنسكننكم﴾ الخطاب للحاضرين، والمراد هم وذريتهم، ويترتب هذا المعنى في قوله:
﴿ويؤخركم إلى أجل مسمى﴾ [إبراهيم: ١٠] أي يؤخركم وأعقابكم.
٠٠٠٠
وقرأ أبو حيوة: ((ليهلكن)) و ((ليسكننكم)) بالياء فيهما.
وقوله: ﴿مقامي﴾ يحتمل أن يريد به المصدر من القيام على الشيء بالقدرة، ويحتمل أن يريد به
الظرف لقيام العبد بين يديه في الآخرة، فإضافته - إذا كان مصدراً - إضافة المصدر إلى الفاعل، وإضافته -
إذا كان ظرفاً - إضافة الظرف إلى حاضره، أي مقام حسابي، فجائز قوله: ﴿مقامي﴾ وجائز لو قال: مقامه،
وجائز لو قال: مقام العرض والجزاء، وهذا كما تقول: دار الحاكم ودار الحكم ودار المحكوم عليهم.
وقال أبو عبيدة: ﴿مقامي﴾ مجازه، حيث أقيمه بين يدي للحساب، و((الاستفتاح)) طلب الحكم،
والفتاح: الحاكم، والمعنى: أن الرسل استفتحوا، أي سألوا الله تعالى إنفاذ الحكم بنصرهم وتعذيب
الكفرة، وقيل: بل استفتح الكفار، على نحو قول قريش ﴿عجل لنا قطنا﴾ [ص: ١٦] وعلى نحو قول أبي
جهل في بدر اللهم أقطعنا للرحم وأتانا بما لا يعرف فاحنه الغداة. هذا قول أبي زيد.
وقرأت فرقة ((واستفتِحوا)) بكسر التاء، على معنى الأمر للرسل، قرأها ابن عباس ومجاهد وابن
محيصن .
و﴿خاب﴾ معناه: خسر ولم ينجح، و((الجبار)): المتعظم في نفسه، الذي لا يُرى لأحد عليه حقاً،
وقيل: معناه الذي يجبر الناس على ما يكرهون.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو المفهوم من اللفظ، وعبر قتادة وغيره عن ((الجبار)) بأنه الذي يأبى
أن يقول: لا إله إلا الله.
و((العنيد)) الذي يعاند ولا ينقاد، وقوله: ﴿من ورائه﴾ ذكر الطبري وغيره من المفسرين: أن معناه:
من أمامه، وعلى ذلك حملوا قوله تعالى ﴿وكان وراءهم ملك﴾ [الكهف: ٧٩] وأنشد الطبري:
أتوعدني وراء بني رياح
كذبت لتقصرن يداك دوني : :
قال القاضي أبو محمد: وليس الأمر كما ذكر، و((الوراء)) هنا على بابه، أي هو ما يأتي بعد في
الزمان، وذلك أن التقدير في هذه الحوادث بالأمام والوراء إنما هو بالزمان، وما تقدم فهو أمام وهو من اليد،
كما تقول في التوراة والإنجيل إنها بين يدي القرآن، والقرآن وراءهما على هذا، وما تأخر في الزمان فهو
وراء المتقدم، ومنه قولهم لولد الولد، الوراء، وهذا الجبار العنيد وجوده وكفره وأعماله في وقت ما، ثم بعد
ذلك في الزمان يأتيه أمر جهنم.
------- .
:

٣٣١
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ١٨ - ٢٠
قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أن يشبه الزمان بطريق تأتي الحوادث من جهته الواحدة
متتابعة، فما تقدم فهو أمام، وما تأخر فهو وراء المتقدم، وكذلك قوله: ﴿وكان وراءهم﴾ [الكهف: ٧٩]
أي غصبه وتغلبه يأتي بعد حذرهم وتحفظهم.
وقوله: ﴿ويسقى من ماء﴾ وليس بماء لكن لما كان بدل الماء في العرف عندنا عد ماء، ثم نعته
بـ (صديد﴾ كما تقول: هذا خاتم حديد، و((الصديد)) القيح والدم، وهو ما يسيل من أجساد أهل النار،
قاله مجاهد والضحاك.
وقوله: ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه﴾ عبارة عن صعوبة أمره عليهم، وروي أن الكافر يؤتى بالشربة من
شراب أهل النار فيتكرهها، فإذا أدنيت منه شوت وجهه وسقطت فيها فروة رأسه فإذا شربها قطعت أمعاءه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر مفرق في آيات من كتاب الله .
وقوله: ﴿ويأتيه الموت من كل مكان﴾، أي من كل شعرة في بدنه، قاله إبراهيم التيمي، وقيل من
جميع جهاته الست، وقوله: ﴿وما هو بميت﴾ أي لا يراح بالموت، وباقي الآية كأولها، ووصف ((العذاب
بالغليظ)»، مبالغة فيه، وقال الفضيل بن عياض: العذاب الغليظ حبس الأنفاس في الأجساد وقيل: إن
الضمير في ﴿ورائه﴾ هنا هو للعذاب المتقدم.
قوله عز وجل :
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُ واْبِرَتِهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادٍ أُشْتَدَّتْ بِهِ الْرِيْحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لَّا يَقْدِرُونَ مِمَا
كَسَبُواْعَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ أَلَوْتَرَأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ
بِاَ لْحَقِّ إِن يَشَأَيُذْ هِبْكُمْ وَبَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِبِعَزِيزِ
٢٠
اختلف في الشيء الذي ارتفع به قوله: ﴿مثل﴾، فمذهب سيبويه رحمه الله أن التقدير: فيما يتلى
عليكم أو يقص: ﴿مثل الذين كفروا﴾. ومذهب الكسائي والفراء: أنه ابتداء خبره ﴿كرماد﴾ والتقدير
عندهم: مثل أعمال الذين كفروا كرماد، وقد حكي عن الفراء: أنه يرى إلغاء ﴿مثل﴾ وأن المعنى: الذين
كفروا أعمالهم كرماد، وقيل: هو ابتداء و﴿أعمالهم﴾ ابتداء ثان، و﴿كرماد﴾ خبر الثاني، والجملة خبر
الأول، وهذا عندي أرجح الأقوال وكأنك قلت: المتحصل مثالاً في النفس للذين كفروا هذه الجملة
المذكورة، وهي: ﴿أعمالهم كرماد﴾. وهذا يطرد عندي في قوله تعالى: ﴿مثل الجنة﴾ [الرعد: ٣٥،
محمد: ١٥]. وشبهت أعمال الكفرة ومساعيهم في فسادها وقت الحاجة وتلاشيها بالرماد الذي تذروه
الريح، وتفرقه بشدتها حتى لا يبقى أثر، ولا يجتمع منه شيء، ووصف ((اليوم)) بـ ((العصوف)) - وهي من
صفة الريح بالحقيقة - لما كانت في اليوم، ومن هذا المعنى قول الشاعر [جرير]:
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى
ونمت وما ليل المطي بنائم
ومنه قول الآخر: يومين غيمين ويوماً شمساً

٣٣٢
تفسير سورة إبراهيم/ الآية: ٢١
فأعمال الكفرة لتلاشيها لا يقدرون منها على شيء.
وقرأ نافع وحده وأبو جعفر ((الرياح)) والباقون ((الريح)) بالإفراد وقد تقدم هذا ومعناه مستوفى بحمد
الله.
وقوله: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى كونهم بهذه الحال، وعلى مثل هذا الغرور، و﴿الضلال البعيد﴾ الذي قد
١
تعمق فيه صاحبه وأبعد عن لاحب النجاة .
وقرأ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن أبي بكر ((في يوم عاصف)) بإضافة يوم إلى عاصف، وهذا بينَ،
وقرأ السلمي: ((ألم تر)) بسكون الراء، بمعنى ألم تعلم من رؤية القلب. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
وعاصم وابن عامر: ((خلق السماوات)) وقرأ حمزة والكسائي ((خالق السماوات)) فوجه الأولى: أنه فعل قد
مضى، فذكر كذلك، ووجه الثانية: أنه كـ (فاطر السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٤ يوسف: ١٠١
؛
إبراهيم: ١٠ الزمر: ٤٦ الشورى: ١١] و﴿فالق الإصباح﴾ [الأنعام: ٩٦].
وقوله: ﴿بالحق﴾ أي بما يحق في جوده، ومن جهة مصالح عباده، وإنفاذ سابق قضائه، ولتدل عليه
وعلى قدرته. ثم توعد تبارك وتعالى بقوله: ﴿إن يشأ يذهبکم﴾ أي یعدمکم ويطمس آثاركم. وقوله:
﴿بخلق جديد﴾ يصح أن يريد: من فرق بني آدم، ويصح غير ذلك، وقوله: ﴿وما ذلك على الله بعزيز﴾
أي بممتنع .
قوله عز وجل :
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَؤُاْلِلَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا
مِنْ عَذَابِ الَّهِ مِن شَىْ ءٍ قَالُوْ لَوْهَدَ نَا اللَّهُ لَمَّدَ يْنَكُمْ سَوَاءُ عَلَيْنَآ أَجْزِعْنَا أَمْ صَبَّنَا مَا
٢١
لَنَامِن مَّحِیصٍ
﴿برزوا﴾ معناه، صاروا بالبراز، وهي الأرض المتسعة كالبراح والقواء والخبار فاستغير ذلك لجمع
يوم القيامة .
وقولهم ﴿تبعاً﴾ يحتمل أن يكون مصدراً، فيكون على نحو قولهم: قول عدل، وقوم حرب،
ويحتمل أن يكون جمع تابع، على نحو غائب وغيب، وهو تأويل الطبري .
وفسر الناس ﴿الضعفاء﴾ بالأتباع، و((المستكبرين)) بالقادة وأهل الرأي، وقولهم ﴿مغنون﴾ من
الغناء، وهي المنفعة التي تكون من الإنسان للآخر في الدفاع وغيره، وقوله: ﴿أجزعنا﴾ ألف التسوية،
وليست بألف استفهام، بل هي كقوله: ﴿آنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ [البقرة: ٦] و ((المحيض)» المُفر
والملجأ، مأخوذ من حاص يحيص إذا نفر وفر ومنه في حديث هرقل: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى
الأبواب، وروي عن ابن زيد وعن محمد بن كعب: أن أهل النار يقولون: إنما نال أهل الجنة الرحمة
بالصبر على طاعة الله، فتعال فلنصبر، فيصبرون خمسمائة سنة، فلا ينتفعون، فيقولون هلم فلنجزع،
:
:
:

٣٣٣
-
تفسير سورة إبراهيم / الآيتان: ٢٣،٢٢
فيضجون ويصيحون ويبكون خمسمائة سنة أخرى، فلا ينتفعون، فحينئذ يقولون هذا القول الذي في الآية،
وظاهر الآية أنهم إنما يقولونها في موقف العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى.
قوله عز وجل :
وَقَالَ الشَّيْطَنُ لَمَّا قُضِىَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَلَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدَتْكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ
لِيَ عَلَيْكُمْ مِن سُلْطَانٍ إِلَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِ فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُواْأَنفُسَكُمْ قَّآ أَنَأ
بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنْتُم بِمُصْرِخِىٌَّ إِنِِّ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَ كْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظِّلِمِينَ
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا
٢٢
لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٢٣
اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّنُهُمْ فِيَهَا سَلَم
المراد هنا بـ ﴿الشيطان﴾ إبليس الأفذم نفسه، وروي في حديث عن النبي عليه السلام - من طريق
عقبة بن عامر - أنه قال: ((يقوم يوم القيامة خطيبان: أحدهما إبليس يقوم في الكفرة بهذه الألفاظ، والآخر
عيسى ابن مريم يقوم بقوله: ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾ [المائدة: ١١٧]، وقال بعض العلماء: يقوم
إبليس خطيب السوء، الصادق بهذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذه الرواية يكون معنى قوله: ﴿قضي الأمر﴾ أي حصل أهل النار في
النار، وأهل الجنة في الجنة، وهو تأويل الطبري .
قال القاضي أبو محمد: و﴿قضي﴾ قد يعبر عنها في الأمور عن فعل كقوله تعالى: ﴿وقضي الأمر
واستوت على الجودي﴾ [هود: ٤٤] وقد يعبر بها عن عزم على أن يفعل، كقوله: ﴿قضي الأمر الذي فيه
تستفتيان﴾ [يوسف: ٤١].
و﴿الوعد﴾ في هذه الآية على بابه في الخير، أي إن الله وعدهم النعيم إن آمنوا، ووعدهم إبليس
الظفر والأمل إن كذبوا، ومعلوم اقتران وعد الله بوعيده، واتفق أن لم يتبعوا طلب وعد الله فوقعوا في
وعيده، وجاء من ذلك كأن إبليس أخلفهم. والـ ﴿سلطان﴾ الحجة البينة، وقوله: ﴿إلا أن دعوتكم)
استثناء منقطع، و﴿أن﴾ في موضع نصب، ويصح أن تكون في موضع رفع على معنى: إلا أن النائب عن
السلطان، إن دعوتكم فيكون هذا في المعنى كقول الشاعر: [الوافر]
تحیة بینهم ضرب وجيع
ومعنى قوله: ﴿فاستجبتم لي﴾ أي رأيتم ما دعوتكم إليه ببصيرتكم واعتقدتموه الرأي وأتى نظركم
عليه .
قال القاضي أبو محمد: وذكر بعض الناس أن هذا المكان يبطل منه التقليد، وفي هذه المقالة ضعف
على احتمالها، والتقليد وإن كان باطلاً ففساده من غير هذا الموضع.
٠

٣٣٤
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٢٤ - ٢٦
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بـ ((السلطان)) في هذه الآية الغلبة والقدرة والملك، أي ما
اضطررتکم ولا خوفتکم بقوة مني، بل عرضت علیکم شیئاً، فأتی رأیکم عليه ..
وقوله: ﴿فلا تلوموني﴾ يريد بزعمه إذ لا ذنب لي ﴿ولوموا أنفسكم) في سوء نظركم وقلة تثبتكم
فإنكم إنما أتيتم اتباعي عن بصيرة منكم وتكسب. و((المصرخ)) المغيث، والصارخ: المستغيث. ومنه قول
الشاعر: [البسيط]
كنا إذا ما أتانا صارخ فزع. كان الصراخ له قطع الظنابيب
فيقال: صرخ الرجل، وأصرخ غيره، وأما الصريخ فهو مصدر بمنزلة البريح، ويوصف به، كما
يقال: رجل عدل ونحوه.
وقرأ حمزة والأعمش وابن وثاب ((بمصرخي)) بكسر الياء تشبيهاً لياء الإضمار بهاء الإضمار في قوله:
مصرخيه، ورد الزجاج هذه القراءة، وقال: هي ردية مرذولة، وقال فيها القاسم بن معن: إنها صواب،
ووجهها أبو علي وحكى أبو حاتم: أن أبا عمرو حسنها، وأنكر أبو حاتم على أبي عمرو.
وقوله: ﴿بما أشركتمون﴾ أي مع الله تعالى في الطاعة لي التي ينبغي أن يفرد الله بها، فـ ((ما))
مصدرية، وكأنه يقول: إني الآن كافر بإشراككم إياي مع الله قبل هذا الوقتمن
:
قال القاضي أبو محمد: فهذا تبر منه، وقد قال الله تعالى: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾
[فاطر: ١٤] ويحتمل أن يكون اللفظ إقراراً على نفسه بكفره الأقدم، فتكون ((ما)) بمعنى الذي، يريد الله
تعالى، أي خطيئتي قبل خطیئتکم، فلا إصراخ عندي، وباقي الآیة بین .
وقرأ الجمهور ((وأدخلَ)) على بناء الفعل للمفعول، وقرأ الحسن: ((وأدخِلُ)) على فعل المتكلم، أي
يقولها الله عز وجل، وقوله: ﴿من تحتها﴾ أي من تحت ما علا منها، كالغرف والمباني والأشجار وغيره.
و((الخلود)) في هذه الآية على بابه في الدوام، و((الإذن)) هنا عبارة عن القضاء والإمضاء، وقوله:
﴿تحيتهم﴾ مصدر مضاف إلى الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول أي تحييهم الملائكة، وجائز أن
يكون الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضاً .
و﴿تحيتهم﴾ رفع بالابتداء، و﴿سلام﴾ ابتداء ثان، وخبره محذوف تقديره عليكم، والجملة خبر
الأول، والجميع في موضع الحال من المضمرين في ﴿خالدين﴾ أو يكون صفة لـ ﴿جنات﴾.
قوله عز وجل :
أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةٌ كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ
تُؤْنِ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمَّنَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ
(٢٤
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ
٢٥
قوله: ﴿ألم تر﴾ بمعنى ألم تعلم، و﴿مثلاً﴾ مفعول بضرب، و﴿كلمة﴾ مفعول أول بها،

٣٣٥
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٢٤ - ٢٦
و﴿ضرب﴾ هذه تتعدى إلى مفعولين، لأنها بمنزلة جعل ونحوه إذ معناها: جعل ضربها. وقال المهدوي:
﴿مثلا﴾ مفعول، و ﴿کلمة﴾ بدل منه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا على أنها تتعدى إلى مفعول واحد، وإنما أوهم في هذا قلة التحرير في
﴿ضرب﴾ هذه.
والكاف في قوله: ﴿كشجرة﴾ في موضع الحال، أي مشبهة شجرة.
قال القاضي أبو محمد: وقال ابن عباس وغيره: ((الكلمة الطيبة)) هي لا إله إلا الله، مثلها الله
بـ ((الشجرة الطيبة))، وهي النخلة في قول أكثر المتأولين، فكأن هذه الكلمة ﴿أصلها ثابت﴾ في قلوب
المؤمنين، وفضلها وما يصدر عنها من الأفعال الزكية والحسنة وما يتحصل من عفو الله ورحمته - هو فرعها
يصعد إلى السماء من قبل العبد، ويتنزل بها من قبل الله تعالى.
وقرأ أنس بن مالك ((ثابت أصلها)) وقالت فرقة: إنما مثل اللّه بـ ((الشجرة الطيبة)) المؤمن نفسه، إذ
((الكلمة الطيبة)) لا تقع إلا منه، فكأن الكلام كلمة طيبة وقائلها. وكأن المؤمن ثابت في الأرض وأفعاله
وأقواله صاعدة، فهو كشجرة فرعها في السماء، وما يكون أبداً من المؤمن من الطاعة، أو عن الكلمة من
الفضل والأجر والغفران هو بمثابة الأكل الذي تأتي به كل حين.
وقوله عن الشجرة ﴿وفرعها في السماء﴾ أي في الهواء نحو السماء، والعرب تقول عن المستطيل
نحو الهواء، وفي الحديث: خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً، وفي كتاب سيبويه: والقيدودة:
الطويل في غير سماء.
قال القاضي أبو محمد: کأنه انقاد وامتد.
وقال أنس بن مالك وابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: ((الشجرة الطيبة)) في
هذه الآية هي النخلة، وروي ذلك في أحاديث وقال ابن عباس أيضاً: هي شجرة في الجنة .
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تكون شجرة غير معينة إلا أنها كل ما اتصف بهذه الصفات
فيدخل في ذلك النخلة وغيرها. وقد شبه الرسول عليه السلام المؤمن الذي يقرأ القرآن بالأترجة، فلا يتعذر
أيضاً أن يشبه بشجرتها. و((الأكل)) الثمر وقرأ عاصم وحده ((أكلها)) بضم الكاف.
وقوله: ﴿كل حين﴾: ((الحين)) في اللغة - القطيع من الزمن غير محدد كقوله تعالى: ﴿هل أتى على
الإنسان حين﴾ [الإنسان: ١] وكقوله: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ [ص: ٨٨]. وقد تقتضي لفظة الحين
بقرينتها تحديداً، كهذه الآية، فإن ابن عباس وعكرمة ومجاهداً والحكم وحماداً وجماعة من الفقهاء قالوا:
من حلف ألا يفعل شيئاً حيناً فإنه لا يفعله سنة، واستشهدوا بهذه الآية ﴿تؤتي أكلها كل حين﴾ أي كل
سنة، وقال ابن عباس وعكرمة والحسن: أي كل ستة أشهر، وقال ابن المسيب: الحين شهران لأن النخلة
تدوم مثمرة شهرين، وقال ابن عباس أيضاً والضحاك والربيع بن أنس: ﴿كل حين﴾ أي غدوة وعشية ومتى
أرید جناها.

٣٣٦
تفسير سورة إبراهيم / الآيات : ٢٤-٢٦
قال القاضي أبو محمد: وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، أو الكلمة التي
أجرها والصادر عنها من الأعمال مستمر، فيشبه أن قول الله تعالى إنما شبه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في
حال إثمارها إذ تلك أفضل أحوالها. وتأول الطبري في ذلك أن أكل الطلح في الشتاء، وإن أكل الثمر في
كل وقت من أوقات العام، وهو إتيان أكل، وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها على الإطلاق. وهي
إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى كشجرة لا تخل بما جعلت له من الإتيان بالأكل في الأوقات
المعلومة، فكذلك هذا المؤمن لا يخل بما يسر له من الأعمال الصالحة أو الكلمة التي لا تغب بركتها
والأعمال الصادرة عنها بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم. وباقي الآية بين.
قال القاضي أبو محمد: ومن قال: ((الحين)) سنة - راعى أن ثمر النخلة وجناها إنما يأتي كل سنة،
ومن قال ستة أشهر - راعى من وقت جذاذ النخل إلى حملها من الوقت المقبل. وقيل إن التشبيه وقع
بالنخل الذي يثمر مرتين في العام، ومن قال شهرين. قال: هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله
في الإيمان على الحين.
وحكي الكسائي والفراء: أن في قراءة أبي بن كعب ((وضرب الله مثلاً كلمة خبيثة))، و((الكلمة
الخبيثة)) هي كلمة الكفر وما قاربها من كلام السوء في الظلم ونحوه. و﴿الشجرة الخبيثة﴾ قال أكثر
المفسرين هي شجرة الحنظل - قاله أنس بن مالك ورواه عن النبي عليه السلام، وهذا عندي على جهة
المثال. وقالت فرقة: هي الثوم، وقال الزجاج: قيل هي الكشوت.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذه الأقوال من الاعتراض: أن هذه كلها من النجم وليست من
الشجر، والله تعالى إنما مثل بالشجرة فلا تسمى هذه شجرة إلا بتجوز، فقد قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الثوم والبصل: من أكل من هذه الشجرة، وأيضاً فإن هذه كلها ضعيفة وإن لم تجتث، اللهم إلا
أن نقول: اجتثت بالخلقة.
وقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض.
والظاهر عندي أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة إذا وجدت فيها هذه الأوصاف. فالخبث هو أن تكون
كالعضاه، أو كشجر السموم أو نحوها. إذا اجتثت ـ أي اقتلعت، حيث جئتها بنزع الأصول وبقيت في غاية
الوهاء والضعف - لتقلبها أقل ريح. فالكافر يرى أن بيده شيئاً وهو لا يستقُرْ ولا يغني عنه، كهذه الشجرة
التي يظن بها على بعد أو للجهل بها أنها شيء نافع وهي خبيثة الجني غير باقية.
قوله عز وجل :
يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الشَّابِتِ فىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُ اللهُ
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَّلُوا نِعْمَتَ اللّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ
الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ @
٢٨
جَهَتَ يُصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴿ وَجَعَلُوْ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ.
دَارَ الْبَوَارِ
... .
۔
:
:

٣٣٧
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٢٧ - ٣٠
٣٠
قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيَرَكُمْ إِلَى النَّارِ
﴿القول الثابت في الحياة الدنيا﴾، كلمة الإخلاص والنجاة من النار: لا إله إلا الله، والإقرار بالنبوة.
وهذه الآية تعم العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يوم القيامة، وقال طاوس وقتادة وجمهور العلماء:
﴿الحياة الدنيا﴾ هي مدة حياة الإنسان. ﴿وفي الآخرة﴾ هي وقت سؤاله في قبره. وقال البراء بن عازب
وجماعة ﴿في الحياة الدنيا﴾ هي وقت سؤاله في قبره - ورواه البراء عن النبي عليه السلام في لفظ متأول.
قال القاضي أبو محمد: ووجه القول لأن ذلك في مدة وجود الدنيا .
وقوله ﴿في الآخرة﴾ هو يوم القيامة عند العرض.
قال القاضى أبو محمد: والأول أحسن، ورجحه الطبري .
و ﴿الظالمين﴾ في هذه الآية، الكافرين، بدليل أنه عادل بهم المؤمنين، وعادل التثبيت بالإضلال،
وقوله: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ تقرير لهذا التقسيم المتقدم، كأن امرأ رأى التقسيم فطلب في نفسه علته،
فقيل له: ﴿ويفعل الله ما يشاء﴾ بحق الملك.
وفي هذه الآية رد على القدرية.
وذكر الطبري في صفة مساءلة العبد في قبره أحاديث، منها ما وقع في الصحيح. وهي من عقائد
الدين، وأنكرت ذلك المعتزلة. ولم تقل بأن العبد يسأل في قبره، وجماعة السنة تقول: إن الله يخلق له في
قبره إدراكات وتحصيلاً، إما بحياة كالمتعارفة، وإما بحضور النفس وإن لم تتلبس بالجسد كالعرف، كل
هذا جائز في قدرة الله تعالى، غير أن في الأحاديث: ((إنه يسمع خفق النعال))، ومنها: ((إنه يرى الضوء كأن
الشمس دنت للغروب))، وفيها: ((إنه ليراجع))، وفيها: ((فيعاد روحه إلى جسده))، وهذا كله يتضمن الحياة -
فسبحان رب هذه القدرة.
وقوله: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرأ﴾ الآية، هذا تنبيه على مثال من ظالمين أضلوا،
والتقدير: بدلوا شكر نعمة الله كفراً، وهذا كقوله: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون﴾ [الواقعة: ٨٢].
و﴿نعمة الله﴾ المشار إليها في هذه الآية هو محمد عليه السلام ودينه، أنعم الله به على قريش،
فكفروا النعمة ولم يقبلوها، وتبدلوا بها الكفر.
والمراد بـ ﴿الذين) كفرة قريش جملة - هذا بحسب ما اشتهر من حالهم - وهو قول جماعة من
الصحابة والتابعين. وروي عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب: أنها نزلت في الأفجرين من قريش:
بني مخزوم وبني أمية. قال عمر: فأما بنو المغيرة فكفوا يوم بدر. وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وقال ابن
عباس: هذه الآية في جبلة بن الأيهم.
قال القاضي أبو محمد: ولم يرد ابن عباس أنها فيه نزلت لأن نزول الآية قبل قصته، وإنما أراد أنها
تحصر من فعل جبلة إلى يوم القيامة .

٣٣٨
تفسير سورة إبراهيم/ الآيات :- ٣١ -٣٤
وقوله: ﴿وأحلوا قومهم﴾ أي من أطاعهم، وكان معهم في التبديل، فكأن الإشارة والتعنيف إنما هي
للرؤوس والأعلام، و﴿البوار﴾ الهلاك، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.
فاتقٌ ما رتَقْتَ إِذْ أنا بُور
يا رسول المليك إن لساني
قاله الطبري: وقال هو وغيره: إنه يروى لابن الزبعرى، ويحتمل أن يريد بـ ﴿البوار﴾: الهلاك في
الآخرة ففسره حينئذ بقوله: ﴿جهنم يصلونها﴾، يحترقون في حرها ويحتملونه، ويحتمل أن يريد
بـ ﴿البوار): الهلاك في الدنيا بالقتل والخزي فتكون ((الدار)) قليب بدر ونحوه. وقال عطاء: نزلت هذه
الآية في قتلى بدر.
قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله: ﴿جهنم﴾ نصباً، على حد قولك: زيداً ضربته، بإضمار فعل
يقتضيه الظاهر.
و﴿القرار﴾: موضع استقرار الإنسان، و﴿أنداداً﴾ جمع ند وهو المثيل والمشبه المتلوىء والمراد
الأصنام .
1.
واللام في قوله: ﴿ليضلوا﴾ - بضم الياء - لام كي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((ليَضْلوا)) بفتح الياء - أي
هم أنفسهم - فاللام - على هذا - لام عاقبة وصيرورة وقرأ الباقون ((ليُضتلو)) - بضم الياء - أي غيرهم.
وأمرهم بالتمتع هو وعيد وتهديد على حد قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] وغيره ..
قوله عز وجل:
قُل لِعِبَادِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْيُقِيمُواْالصَّلَوةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّارَزَقْنَهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَّةٌ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِىَ يَوْمٌ
لَّابَيْعٌ فِيهِ وَلَاخِلَالُ ﴿اللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ
بِهِ، مِنَ الثَّعَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ، وَسَخَّرَلَكُمُ الْأَنْهَرَ
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَّاِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّتْلَ وَالنَّهَارُ [٣] وَءَاتَنْكُمْ مِّنْ كُلِّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّ وانِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ
((العباد)) جمع عبد، وعرفه في التكرمة بخلاف العبيد. وقوله: ﴿يقيموا﴾ قالت فرقة من التحويين:
جزمه بإضمار لام الأمر على حد قول الشاعر: [الوافر]
محمد تفد نفسك کل نفس
أنشده سيبويه - إلا أنه قال: إن هذا لا يجوز إلا في شعر. وقالت فرقة: أبو علي وغيره - هو فعل
مضارع بني لما كان في معنى فعل الأمر، لأن المراد: أقيموا، وهذا كما بني الاسم المتمكن في النداء في
قولك: يا زيد لما شبه بقبل وبعد، وقال سيبويه: هو جواب شرط مقدر يتضمنه صدر الآية، تقديره: إن تقل
لهم أقيموا یقیموا.
:

٣٣٩
تفسير سورة إبراهيم / الآيات: ٣١ - ٣٤
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون جواب الأمر الذي يعطينا معناه قوله: ﴿قل﴾، وذلك أن
يجعل ﴿قل﴾ في هذه الآية بمعنى: بلغ وأد الشريعة يقيموا الصلاة، وهذا كله على أن المقول هو: الأمر
بالإقامة والإنفاق. وقيل إن المقول هو: الآية التي بعد، أعني قوله: ﴿الله الذي خلق السماوات﴾.
و((السر)): صدقة التنفل، و((العلانية)) المفروضة - وهذا هو مقتضى الأحاديث - وفسر ابن عباس هذه
الآية بزكاة الأموال مجملاً، وكذلك فسر الصلاة بأنها الخمس - وهذا منه - عندي - تقريب للمخاطب.
و﴿خلال﴾ مصدر من خالل: إذا واد وصافى، ومنه الخلة والخليل وقال امرؤ القيس: [الطويل]
ولست بمقلي الخلال ولا قال
صرفت الهوی عنهن من خشية الردى
وقال الأخفش: ((الخلال)) جمع خلة .
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: ((لا بيع ولا خلال)) بالرفع على إلغاء ((لا)) وقرأ أبو
عمرو والحسن وابن كثير: ((لا بيعَ ولا خلالَ)) بالنصب على التبرية، وقد تقدم هذا. والمراد بهذا اليوم يوم
القيامة .
وقوله تعالى: ﴿الله الذي خلق السماوات) الآية، تذكير بآلاء الله، وتنبيه على قدرته التي فيها
إحسان إلى البشر لتقوم الحجة من جهتين.
و﴿الله﴾ مبتدأ، و﴿الذي﴾ خبره. ومن أخبر بهذه الجملة وتقررت في نفسه آمن وصلى وأنفق.
و﴿السماوات﴾ هي الأرقعة السبعة والسماء في قوله، ﴿وأنزل من السماء﴾ [البقرة: ٢٢] السحاب.
وقوله: ﴿من الثمرات) يجوز أن تكون ﴿من﴾ للتبعيض، فيكون المراد بعض جني الأشجار،
ويسقط ما كان منها سماً أو مجرداً للمضرات، ويجوز أن تكون ﴿من﴾ لبيان الجنس، كأنه قال: فأخرج به
رزقاً لكم من الثمرات، وقال بعض الناس: ﴿من﴾ زائدة - وهذا لا يجوز عند سيبويه لكونها في الواجب
ويجوز عند الأخفش.
و﴿الفلك﴾ جمع فلك - وقد تقدم القول فيه مراراً - وقوله: ﴿بأمره﴾ مصدر من أمر يأمر، وهذا
راجع إلى الكلام القائم بالذات، كقول الله تعالى للبحار والأرض وسائر الأشياء، كن - عند الإيجاد - إنما
معناه: كن بحال كذا وعلى وتيرة كذا، وفي هذا يندرج جريان الفلك وغيره. وفي ((تسخير الفلك)) ينطوي
تسخير البحر وتسخير الرياح، وأما ((تسخير الأنهار)) فتفجرها في كل بلد، وانقيادها للسقي وسائر المنافع.
و﴿دائبين﴾ معناه: متماديين ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم لصاحب الجمل الذي بكى وأجهش
عليه: ((إن هذا الجمل شكى إلي أنك تجيعه وتديبه))، أي تديمه في الخدمة والعمل - وظاهر الآية أن
معناه: دائبين في الطلوع والغروب وما بينهما من المنافع للناس التي لا تحصى كثرة. وحكى الطبري عن
مقاتل بن حيان يرفع إلى ابن عباس أنه قال: معناه: دائبين في طاعة الله - وهذا قول إن كان يراد به - أن
الطاعة انقياد منهما في التسخير، فذلك موجود في قوله: ﴿سخر﴾ وإن كان يراد أنها طاعة مقصودة كطاعة
العبادة من البشر، فهذا جيد، والله أعلم.

:٣٤٠
تفسيرا سورة إبراهيم / الآيات: ٣٠ ×٣٧
وقوله: ﴿وآتاكم﴾ للجنس من البشر، أي إن الإنسان بجملته قد أوتي من كل ما شأنه أن يسأل
وينتفع به، ولا يطرد هذا في واحد من الناس وإنما تفرقت هذه النعم في البشر، فيقال - بجيب هذا -
للجميع أوتيتم كذا - على جهة التعديد للنعمة - وقيل المعنى: ﴿وآتاكم من كل ما سألتموه﴾ أن: لو
سألتموه .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قریب من الأول.
و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما سألتموه﴾ يصح أن تكون مصدرية، ويكون الضمير في قوله: ﴿سألتموه﴾
عائداً على الله تعالى: ويصح أن يكون ﴿ما﴾ بمعنى الذي، ويكون الضمير عائداً على الذي.
وقرأ الضحاك بن مزاحم ((من كلّ ما سألتموه)» بتنوين ﴿كل﴾ وهي قراءة الحسن وقتادة وسلام،
ورويت عن نافع، المعنى: وآتاكم من كل هذه المخلوقات المذكورات قبل. ما من شأنه أن يسأل لمعنى
الانتفاع به. فـ ﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما سألتموه﴾ مفعول ثان بـ ﴿آتاكم﴾ وقال بعض الناس: ﴿ما﴾ نافية على
هذه القراءة أي أعطاکم من كل شيء لم يعرض له.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير الضحاك. وأما القراءة الأولى بإضافة ﴿كل﴾ إلى ﴿ما﴾ - فلا بد
من تقدير المفعول الثاني جزءاً أو شيئاً ونحو هذا.
١٠٠٠
.: :
١٠٠.
وقوله: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها﴾ أي لكثرتها وعظمها في الحواس والقوى والإيجاد بعد
العدم والهداية للإيمان وغير ذلك. وقال طلق بن حبيب: إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد،
ونعمه أكثر من أن يحصيها العباد. ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين وقال أبو الدرداء: من لم ير نعمة الله
عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه.
وقوله: ﴿إن الإنسان﴾ يريد به النوع والجنس المعنى: توجد فيه هذه الخلال وهي الظلم والكفر،
فإن كانت هذه الخلال من جاحد فهي بصفة وإن كانت من عاص فهي بصفة أخرى.
قوله عز وجل :
وَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَءَامِنَا وَأَجْنُسْنِى وَبَنِىَّ أَنْ نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ [® ◌َرَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنِّى وَ مَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ جَ زَّبَّنَآ إِنِىّ
أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّمِ رَبََّ لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَاجْعَلْ أَفْهِدَةً
مِنَ النَّاسِ تَهْوِيّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
المعنى: واذكر إذ قال إبراهيم، و﴿البلد﴾: مكة، و﴿آمناً﴾ معناه فيه أمن، فوصفه بالأمن تجوزاً -
كما قال: ﴿في يوم عاصف﴾ [إبراهيم: ١٨]، وكما قال الشاعر:
...
وما ليل المطي بنائم
:
: