النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١١ - ١٣ [الرعد: ١٠] و﴿من أمر الله﴾ يحتمل أن يكون صفة لـ ﴿معقبات) ويحتمل أن يكون المعنى: يحفظونه من كل ما جرى القدر باندفاعه، فإذا جاء المقدور الواقع أسلم المرء إليه . وقال ابن عباس أيضاً: الضمير في ﴿له﴾ عائد على المذكور في قوله ﴿من هو مستخف بالليل﴾ [الرعد: ١٠] وكذلك باقي الضمائر التي في الآية، قالوا: و﴿معقبات) - على هذا - حرس الرجل وجلاوزته الذين يحفظونه، قالوا: والآية - على هذا - فى الرؤساء الكافرين، واختار هذا القول الطبري، وهو قول عكرمة وجماعة، قال عكرمة: هي المواكب خلفه وأمامه . قال القاضي أبو محمد: ويصح على التأويل الأول الذي قبل هذا أن يكون الضمير في ﴿له﴾ للعبد المؤمن على معنی جعل الله له . قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل عندي أقوى، لأن غرض الآية إنما هو التنبيه على قدرة الله تعالى، فذكر استواء ﴿من هو مستخف﴾ [الرعد: ١٠] ومن هو ﴿سارب﴾ [الرعد: ١٠] وأن ﴿له معقبات﴾ من الله تحفظه في كل حال، ثم ذكر أن الله تعالى لا يغير هذه الحالة من الحفظ للعبد حتى يغير ما بنفسه . قال القاضي أبو محمد: وعلى كلا التأويلين ليست الضمائر لمعين من البشر. وقال عبد الرحمن بن زيد: الآية في النبي عليه السلام، ونزلت في حفظ الله له من أربد بن ربيعة وعامر بن الطفيل في القصة التي ستأتي بعد هذا في ذكر الصواعق. قال القاضي أبو محمدٍ: وهذه الآية وإن كانت بألفاظها تنطبق على معنى القصة فيضعف القول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتقدم له ذكر فيعود الضمير في ﴿له﴾ عليه. و((المعقبات)): الجماعات التي يعقب بعضها بعضاً، فعلى التأويل الأول هي الملائكة، وينظر هذا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة المغرب والصبح))، وعلى التأويل الثاني: هي الحرس والوزعة الذين للملوك. و﴿معقبات﴾ جمع معقبة وهي الجماعة التي تأتي بعد الأخرى، والتعقيب - بالجملة - أن تكون حال تعقبها حال أخرى من نوعها، وقد تكون من غير النوع، ومنه معاقبة الركوب ومعاقبة الجاني ومعقب عقبة القدر والمعاقبة في الأزواج، ومنه قول سلامة بن جندل: [البسيط] وكرّنا الخيل في آثارهم رجعاً كسر السنابك من بدء وتعقيب وقرأ عبيد الله بن زياد على المنبر: ((له معاقيب)) قال أبو الفتح: هو تكسير معقب. قال القاضي أبو محمد: بسكون العين وكسر القاف كمطعم ومطاعيم، ومقدم ومقاديم. وهي قراءة أبي البرهسم - فكأن معقباً جمع على معاقبة ثم جعلت الياء في معاقيب عوضاً من الهاء المحذوفة في معاقبة، والمعقبة ليست جمع معقب ــ كما ذكر ذلك الطبري وشبه ذلك برجل ورجال i ٣٠٢ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١١ -١٣ ورجالات، وليس الأمر كما ذكر لأن تلك كجمل وجمال وجمالات، ومعقبة ومعقبات إنما هي كضاربة وضاربات . وفي قراءة أبيّ بن كعب ((من بين يديه ورقيب من خلفه))، وقرأ ابن عباس: ((ورقباء من خلفه))، وذكر عنه أبو حاتم أنه قرأ: ((معقبات من خلفه ورقيب من بين يديه يحفظونه بأمر الله)). وقوله : ﴿يحفظونه﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون بمعنى يحرسونه، ويذبون عنه: فالضمير محمول ليحقّظ. والمعنى الثاني أن يكون بمعنى حفظ الأقوال وتحصيلها، ففي اللفظة حينئذ حذف مضاف تقديره: يحفظون أعماله، ويكون هذا حينئذ من باب ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢] وهذا قول ابن جريج. وقوله: ﴿من أمر الله﴾ من جعل ﴿يحفظونه﴾ بمعنى يحرسونه كان معنى قوله: ﴿من أمر الله﴾ يراد به ((المعقبات))، فيكون في الآية تقديم وتأخير، أي ((له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه)) قال أبو الفتح: فـ ﴿من أمر الله﴾ في موضع رفع لأنه صفة لمرفوع وهي ((المعقبات)). قال القاضي أبو محمد: ويحتمل هذا التأويل في قوله: ﴿من أمر الله﴾ مع التأويل الأول في ﴿يحفظونه﴾ . ومن تأول الضمير في ﴿له﴾ عائد على العبد، وجعل ((المعقبات)) الحرس، وجعل الآية في رؤساء الكافرين - جعل قوله ﴿من أمر الله﴾ بمعنى يحفظونه بزعمه من قدر الله، ويدفعونه في ظنه، عنه، وذلك لجهالته بالله تعالى . قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل جعلها المتأول في الكافرين. قال أبو الفتح: فـ ﴿من أمر الله﴾ على هذا في موضع نصب، كقولك حفظت زيداً من الأسد، فمن الأسد معمول لحفظت وقال قتادة: معنى ﴿من أمر الله﴾: بأمر الله، أي يحفظونه مما أمر الله، وهذا تحكم في التأويل، وقال قوم: المعنى الحفظ من أمر الله، وقد تقدم نحو هذا. وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وعكرمة وجعفر بن محمد: ((يحفظونه بأمر الله)). ثم أخبر تعالى أنه لا يغير ما بقوم - بأن يعذبهم ويمتحنهم معاقباً - حتى يقع منهم تكسب للمعاصي وتغيير ما أمروا به من طاعة . وهذا موضع تأمل لأنه يداخل هذا الخبر ما قررت الشريعة من أخذ العامة بذنوب الخاصة، ومنه قوله تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيين الذين ظلموا منكم خاصة﴾ [الأنفال: ٢٥] ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - وقد قيل له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ - قال: نعم إذا كثر الخبث. إلى أشياء كثيرة من هذا. فقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لا يغير ما بقوم حتى يغيروا﴾ معناه حتى يقع تغيير إما منهم وإما من ٣٠٣ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١١ - ١٣ الناظر إليهم أو ممن هو منهم بسبب، كما غير الله تعالى بالمنهزمين يوم أحد بسبب تغيير الرماة ما بأنفسهم، إلى غير هذا من أمثلة الشريعة . فليس معنى الآية أنه ليس ينزل بأحد عقوبة إلا بأن يتقدم منه ذنب بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير، وثم أيضاً مصائب يريد الله بها أجر المصاب فتلك ليست تغييراً . ثم أخبر تعالى أنه ﴿إِذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مرد له﴾ ولا حفظ منه، وهذا جرى في طريقة التنبيه على قدرة الله تعالى وإحاطته، والسوء والخير بمنزلة واحدة في أنهما إذا أرادهما الله بعبد لم يردا، لكنه خص السوء بالذكر ليكون في الآية تخويف، واختلف القراء في - وال ـ فأماله بعضهم ولم يمله بعضهم، والوالي الذي يلي أمر الإنسان كالولي هما من الولاية كعليم وعالم من العلم. وقوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم﴾ الآية، هذه آية تنبيه على القدرة، و ﴿ البرق﴾ روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مخراق بيد ملك يزجر به السحاب، وهذا أصح ما روي فيه، وروي عن بعض العلماء أنه قال: البرق: اصطكاك الأجرام، وهذا عندي مردود، وقال أبو الجلد: البرق - في هذه الآية - الماء، وذكره مكي عن ابن عباس . قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول: أنه لما كان داعية الماء، وكان خوف المسافرين من الماء وطمع المقيمين فيه عبر - في هذا القول - عنه بالماء . وقوله: ﴿خوفاً وطمعاً﴾ - من رأى ذلك في الماء فهو على ما تقدم، والظاهر أن الخوف إنما هو من صواعق البرق - والطمع في المطر الذي يكون معه، وهو قول الحسن، و ﴿السحاب﴾ جمع سحابة، ولذلك جمع الصفة - و ﴿الثقال﴾ معناه: بحمل الماء، وبذلك فسر قتادة ومجاهد، والعرب تصفها بذلك، ومنه قول قيس بن الخطيم: [المتقارب]. فما روضة من رياض القطا أن المصابيح حواذنُها دلوح تكشف أدجانُها بأحسن منها ولا مزنة والدلوح: المثقلة. و﴿الرعد﴾ ملك يزجر ﴿السحاب﴾ بصوته، وصوته - هذا المسموع - تسبيح - و﴿الرعد﴾ اسم الملك: وقيل: ((الرعد)) اسم صوت الملك وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع ((الرعد)) قال: ((اللهم لا تهلكنا بغضبك ولا تقتلنا بعذابك وعافنا قبل ذلك)) وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره: أنهم كانوا إذا سمعوا الرعد قالوا: سبحان من سبحت له وروي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع ((الرعد)) قال: ((سبحان من سبح الرعد بحمده)). وقال ابن أبي زكرياء: من قال - إذا سمع الرعد - سبحان الله وبحمده، لم تصبه صاعقة. وقيل في الرعد أيضاً إنه ربح تختنق بين السحاب - روي ذلك عن ابن عباس في غير ما ديوان. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي فيه نظر، لأنها نزعات الطبيعيين وغيرهم. وروي أيضاً عن ابن عباس: أن الملك إذا غضب وزجر السحاب اصطدمت من خوفه فيكون البرق، وتحتكّ فتكون الصواعق. وقوله: ﴿ويرسل الصواعق) الآية - قيل: إنه أدخلها في التنبيه على القدرة بغير سبب ساق ذلك. ٣٠٤ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١١ - ١٣ وقال ابن جريج: كان سبب نزولها قصة أربد أخي لبيد بن ربيعة لأمِّه وعامر بن الطفيل، وكان من أمرهما - فيما روي - أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى أن يجعل الأمر بعده إلى عامر بن الطفيل ويدخلا في دينه - فأبى، فقال عامر: فتكون أنت على أهل الوبر، وأنا على أهل المدر - فأبى، فقال له عامر: فماذا تعطيني؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعطيك أعنة الخيل، فإنك رجل فارس؛ فقال له عامر: والله لأملأنها عليك خيلاً ورجالاً حتى آخذك؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأبى الله ذلك وابنا قيلة؛ فخرجا من عنده، فقال أحدهما لصاحبه: لو قتلناه ما انتطح فيه عنزان، فتآمر في الرجوع لذلك، فقال عامر لأربد: أنا أشغله لك بالحديث واضربه أنت بالسيف؛ فجعل عامر يحدثه وأربد لا يصنع شيئاً؛ فلما انصرفا قال له عامر: والله يا أربد لا خفتك أبداً ولقد كنت أخافك قبل هذا، فقال له أربد: والله لقد أردت إخراج السيف فما قدرت على ذلك، ولقد كنت أراك بيني وبينه أفأضربك؟ فمضيا للحشد على النبي ◌َ فأصابت أربد صاعقة فقتلته، ففي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخوه: أرهب نوء السماك والأسد أخشى على أربد الحتوف ولا بالفارس يوم الكريهة النجد فجعني الرعد والصواعق فنزلت الآية في ذلك. وروي عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن جباراً من جبابرة العرب بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم ليسلم فقال: أخبروني عن إله محمد أمن لؤلؤ هو أو من ذهب؟ فنزلت عليه صاعقة ونزلت الآية فيه . وقال مجاهد: إن بعض اليهود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يناظره، فبينما هو كذلك إذ نزلت صاعقة فأخذت قحف رأسه فنزلت الآية فيه. ٠١٠٠ وقوله: ﴿وهم يجادلون في الله﴾ يجوز أن تكون إشارة إلى جدال اليهودي المذكور، وتكون الواو واو حال؛ أو إلى جدال الجبار المذكور. ويجوز - إن كانت الآية على غير سبب - أن يكون قوله: ﴿وهم يجادلون في الله﴾ إشارة إلى جميع الكفرة من العرب وغيرهم، الذين جلبت لهم هذه التنبيهات. و ﴿المحال﴾: القوة والإهلاك، ومنه قول الأعشى: [الخفيف] عظيم الندى شديد المحال فرع نبع يهتز في غصن المجد ومنه قول عبد المطلب: ومحالهم عدواً محالك لا يغلبن صليبهم وقرأ الأعرج والضحاك ((المحال)) بفتح الميم بمعنى المحالة، وهي الحيلة، ومنه قول العرب في مثل: المرء يعجز لا المحالة، وهذا كالاستدراج والمكر ونحوه وهذه استعارات في ذكر الله تعالى، والميم إذا كسرت أصلية، وإذا فتحت زائدة، ويقال: محل الرجل بالرجل إذا مكر به وأخذه بسعاية شديدة. قوله عز وجل : لَهُ وَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَسِطِ كَفَّتِّهِ إِلَى الْمَآءِ لِيَّلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ ٣٠٥ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١٤ - ١٦ بَِلِغِهِ، وَمَادُعَةُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَلِ ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرُهَا وَظِلَلُهُم بِالْغُدُوِّ وَاْأَصَالِ ﴾﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لَا يَمْلِكُونَ لَِهُسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ نَسْنَوِى الظُّلُمَتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوْلِلَّهِ شُرَّكَآَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَبَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقٌّ كَلِ شَىْءٍ وَهُوَ الْوَحِدُ اَلْقَهَّرُ ١٦ الضمير في ﴿له﴾ عائد على اسم الله عز وجل، وقال ابن عباس: ﴿دعوة الحق): لا إله إلا الله. قال القاضي أبو محمد: وما كان من الشريعة في معناها. وقال علي بن أبي طالب: ﴿دعوة الحق): التوحيد. ويصح أن يكون معناها له دعوة العباد بالحق، ودعاء غيره من الأوثان باطل. وقوله: ﴿والذين﴾ يراد به ما عبد من دون الله، والضمير في ﴿يدعون﴾ لكفار قريش وغيرهم من العرب .. وروى اليزيدي عن أبي عمرو بن العلاء: ((تدعون من دونه)) بالتاء من فوق، و﴿يستجيبون﴾ بمعنى يجيبون، ومنه قول الشاعر: [الطويل] وداع دعا: يا من يجيب إلى النِّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيب ومعنى الكلام: والذين يدعوهم الكفار في حوائجهم ومنافعهم لا يجيبون بشيء. ثم مثل تعالى مثالاً لإجابتهم بالذي يبسط ﴿كفيه﴾ نحو الماء ويشير إليه بالإقبال إلى فيه، فلا يبلغ فمه أبداً، فكذلك إجابة هؤلاء والانتفاع بهم لا يقع. وقوله: ﴿هو﴾ يراد به الماء، وهو البالغ، والضمير في ((بالغه)) للفم، ويصح أن يكون ﴿هو﴾ يريد به الفم وهو البالغ أيضاً، والضمير في ((بالغه)) للماء، لأن الفم لا يبلغ الماء أبداً على تلك الحال. ثم أخبر تعالى عن ﴿دعاء الكافرين﴾ أنه في انتلاف و ﴿ضلال﴾ لا يفيد فيه شيئاً ولا يغنيه. وقوله تعالى: ﴿ولله يسجد﴾ الآية، يحتمل ظاهر هذه الألفاظ: أنه جرى في طريق التنبيه على قدرة الله، وتسخر الأشياء له فقط، ويحتمل أن يكون في ذلك طعن على كفار قريش وحاضري محمد عليه السلام، أي إن كنتم أنتم لا توقنون ولا تسجدون، فإن جميع ﴿من في السماوات والأرض﴾ لهم سجود لله تعالى: وإلى هذا الاحتمال نحا الطبري. قال القاضي أبو محمد: و﴿من﴾ تقع على الملائكة عموماً، وسجودهم طوع بلا خلاف، وأما أهل الأرض فالمؤمنون منهم داخلون في ﴿من﴾ وسجودهم طوع، وأما سجود الكفرة فهو الكره، وذلك على نحوین من هذا المعنى : فإن جعلنا السجود هذه الهيئة المعهودة فالمراد من الكفرة من يضمه السيف إلى الإسلام - كما قال ..... ٣٠٦ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١٤ - ١٦ قتادة - فيسجد كرهاً، إما نفاقاً، وإما أن يكون الكره أول حاله فتستمر عليه الصفة، وإن صح إيمانه بعد. وإن جعلنا السجود الخضوع والتذلل - على حسب ما هو في اللغة كقول الشاعر: ترى الأكم فيه سجداً للحوافر فيدخل الكفار أجمعون في ﴿من﴾ لأنه ليس من كافر إلا وتلحقه من التذلل والاستكانة بقدرة الله أنواع أكثر من أن تحصى بحسب رزایاه واعتباراته. وقال النحاس والزجاج: إن الكره يكون في سجود عصاة المؤمنين وأهن الكسن منهم .: قال القاضي أبو محمد: وإن كان اللفظ يقتضي هذا فهو قلق من جهة المعنى المقصود بالآية . . وقوله: ﴿وظلالهم بالغدو والآصال﴾، إخبار عن أن الظلال لها سجود لله تعالى بالبكر والعشبيات. قال الطبري: وهذا كقوله تعالى: ﴿أو لم يروا إلى ما خلق من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجداً الله﴾ [النحل: ٤٨] قال: وذلك هو فيئه بالعشي وقال مجاهد: ظل الكافر يسجد طوعاً وهو كاره. وقال ابن عباس: يسجد ظل الكافر حين يفيء عن يمينه وشماله، وحكى الزجاج أن بعض الناس قال: ((الظلال)) هنا يراد به الأشخاص - وضعفه أبو إسحاق . و﴿الآصال﴾ جمع أصيل. وقرأ أبو مجلز: ((والإيصال) قال أبو الفتح: هو مصدر أصلنا أي دخلنا في الأصيل، كأصبحنا وأمسينا. وروي أن الكافر إذا سجد لصنمه فإن ظله یسجد لله تعالى حينئذ. وقوله: ﴿قل: من رب السماوات﴾ الآية، جاء السؤال والجواب في هذه الآية من ناحية واحدة، إذ كان السؤال والتقرير على أمر واضح لا مدافعة لأحد فيه ملزم للحجة، فكان السبق إلى الجواب أفصح في الاحتجاج وأسرع في قطعهم من انتظار الجواب منهم، إذ لا جواب إلا هذا الذي وقع البدار إليه، وقال مكي : جهلوا الجواب وطلبوه من جهة السائل فأعلمهم به السائل، فلما تقيد من هذا كله أن الله تعالى هو ﴿رب السماوات والأرض﴾ وقع التوبيخ على اتخاذهم ﴿من دونه أولياء﴾ متصفين بأنهم لا ينفعون أنفسهم ولا يضرونها، وهذه غاية العجز، وفي ضمن هذا الكلام: وتركتموه وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولفظة: ﴿من دونه﴾ تقتضي ذلك. ثم مثل الكفار والمؤمنين بعد هذا بقوله: ﴿قل هل يستوي الأعمى والبصير﴾. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم: ((تستوي الظلمات)) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: «یستوي)» بالیاء، فالتأنیث حسن لأنه مؤنث لم يفصل بينه وبين عامله شيء. والتذكير شائع لأنه تأنيث غير حقيقي، والفعل مقدم. وشبهت هذه الآية الكافر بـ ﴿الأعمى﴾. والكفر بـ ﴿الظلمات﴾ وشبهت المؤمن بـ ﴿البصير﴾ والإيمان بـ ﴿النور): ثم وقفهم بعد: هل رأوا خلقاً لغير الله فحملهم ذلك واشتباهه بما خلق الله على أن جعلوا إلهاً غير الله؟ ثم أمر محمداً عليه السلام بالإفصاح بصفات الله تعالى في أنه ﴿خالق كل شيء﴾ وهذا ٣٠٧ تفسير سورة الرعد / الآية : ١٧ عموم في اللفظ يراد به الخصوص في كل ما هو خلق الله تعالى. قال القاضي ابن الطيب وأبو المعالي وغيرهما من الأصوليين: ويخرج عن ذلك صفات ذاته - لا رب غيره - والقرآن، ووصف نفسه بـ ﴿الواحد القهار﴾ من حيث لا موجود إلا به، وهو في وجوده مستغن عن الموجودات لا إله إلا هو العلي العظيم. قوله عز وجل : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةُ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّبِيًا وَمِمَا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِ النَّارِ ج ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَعِ زَبَدٌ مِثْلُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءَ وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِ الْأَرْضِّ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ١٧ صدر هذه الآية تنبيه على قدرة الله، وإقامة الحجة على الكفرة به، فلما فرغ ذكر ذلك جعله مثالاً للحق والباطل، والإيمان والكفر، والشك في الشرع واليقين به . وقوله: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ يريد به المطر، و((الأودية)) ما بين الجبال من الانخفاض والخنادق، وقوله: ﴿بقدرها﴾ يحتمل أن يريد بما قدر لها من الماء، ويحتمل أن يريد بقدر ما تحتمله على قدر صغرها و کېرها . وقرأ جمهور الناس: ((بقدرها)) بفتح الدال، وقرأ الأشهب العقيلي: ((بقدْرها)) بسكون الدال. و«الزبد)» ما يحمله السيل من غثاء ونحوه وما يرمي به ضفتيه من الحباب الملتبك، ومنه قول حسان بن ثابت: فيغطئلُّ ويرمي العبر بالزبد ما البحر حینَ تھبُّ الربحُ شامیةٌ و ((الرابي)): المنتفخ الذي قد ربا، ومنه الربوة. وقوله: ﴿ومما﴾ خبر ابتداء، والابتداء قوله: ﴿زبد﴾، و ﴿مثله﴾ نعت لـ ﴿زيد﴾. والمعنى: ومن الأشياء التي ﴿توقدون﴾ عليها ابتغاء الحلي وهي الذهب والفضة، ابتغاء الاستمتاع بما في المرافق، وهي الحديد والرصاص والنحاس ونحوها من الأشياء التي ﴿توقدون﴾ عليها، فأخبر تعالى أن من هذه إذا أحمي عليها يكون ﴿زبد﴾ مماثل للزبد الذي يحمله السيل، ثم ضرب تعالى ذلك مثالاً لـ ﴿الحق والباطل) أي أن الماء الذي تشربه الأرض من السيل فيقع النفع به هو ((كالحق)) - و ﴿الزبد﴾ الذي يجمد وينفش ويذهب هو كالباطل، وكذلك ما يخلص من الذهب والفضة والحديد ونحوها هو كالحق، وما يذهب في الدخان هو كالباطل. وقوله: ﴿في النار﴾ متعلق بمحذوف تقديره: كائناً أو ثابتاً - كذا قال مكي وغيره - ومنعوا أن يتعلق بقوله: ﴿توقدون﴾ لأنهم زعموا: ليس يوقد على شيء إلا وهو ﴿في النار﴾ وتعليق حرف الجر بـ ﴿توقدون﴾ يتضمن تخصيص حال من حال أخرى. وذهب أبو علي الفارسي إلى تعلقها بـ ﴿توقدون﴾ ٣٠٨ تفسير سورة الرعد / الآيات: ١٨ -٢١ وقال: قد يوقد على شيء وليس في النار كقوله تعالى: ﴿فأوقد لي يا هامان على الطين﴾ [القصص: ٣٨] فذلك البناء الذي أمر به يوقد عليه وليس في النار لكن يصيبه لهبها . وقوله: ﴿جفاء﴾ مصدر من قولهم: أجفأت القدر إذا غلت حتى خرج زبدها وذهب. وقرأ رؤبة: ((جفالاً)) من قولهم: جفلت الريح السحاب، إذا حملته وفرقته. قال أبو حاتم: لا تعتبر قراءة الأعراب في القرآن. وقوله: ﴿ما ينفع الناس﴾ يريد الخالص من الماء ومن تلك الأحجار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر، وأبو جعفر والأعرج وشيبة والحسن: (توقدون)) بالتاء، أي أنتم أيها الموقدون، وهي صفة لجميع أنواع الناس، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم وابن محيصن ومجاهد وطلحة ويحيى وأهل الكوفة: ((يوقدون)) بالياء، على الإشارة إلى الناس، و﴿جفاء﴾ مصدر في موضع الحال. قال القاضي أبو محمد: وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء﴾ يريد به الشرع والدين. وقوله: ﴿فسالت أودية﴾: يريد به القلوب، أي أخذ النبيل بحظه. والبليد بحظه. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يصح - والله أعلم - عن ابن عباس، لأنه ينحو إلى أقوال أصحاب الرموز، وقد تمسك به الغزالي وأهل ذلك الطريق، ولا وجه لإخراج اللفظ عن مفهوم كلام العرب لغير علة تدعو إلى ذلك، والله الموفق للصواب برحمته، وإن صح هذا القول عن ابن عباس فإنما قصد أن قوله تعالى: ﴿كذلك يضرب الله الحق والباطل﴾ معناه: ﴿الحق) الذي يتقرر في القلوب المهدية، ﴿والباطل): الذي يعتريها أيضاً من وساوس وشبه حين تنظر في كتاب الله عز وجل. قوله عز وجل: لِلَّذِينَ أُسْتَجَابُوْلِرَبِهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوْلَهُ لَوْأَنَّ لَهُم مَّا فِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنْزِلَ مَعَلُ لَا فْتَدَ وْبِهِ، أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوَءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنَهُمْ جَهَةٌمٌ وَبِئْسَ لِهَادُ لَّ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَ إِنَّنَذَكَّرُ أُوْلُواْالْأَلْبَبٍ (١٦) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِثَقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ، أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَالْحِسَابِ ٢٠ ﴿الذين استجابوا﴾: هم المؤمنون الذين دعاهم الله عز وجل على لسان رسوله فأجابوه إلى ما دعاهم إليه من اتباع دينه، و﴿الحسنى﴾: هي الجنة وكل ما يختص به المؤمنون من نعم الله عز وجل، ﴿والذين لم يستجيبوا﴾ هم: الكفرة، و﴿سوء الحساب﴾ هو: التقصي على المحاسب وأن لا يقع في حسابه من التجاوز شيء - قاله شهر بن حوشب وإبراهيم النخعي، وقاله فرقد السبخي وغيره - و ((المأوى)»: حيث يأوي الإنسان ويسكن و﴿المهاد): ما يفترش ويلبس بالجلوس والرقاد. وقوله: ﴿أفمن يعلم﴾ استفهام : ٣٠٩ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٢٢ - ٢٤ بمعنى التقرير، والمعنى: أسواء من هداه الله فعلم صدق نبوتك وآمن بك، ومن لم يهتد ولا رزق بصيرة فبقي على كفره، فمثل عز وجل ذلك بالعمى . وروي أن هذه الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب وأبي جهل بن هشام، وقيل: في عمار بن ياسر وأبي جهل بن هشام، وهي بعد هذا مثال في جميع العالم. و﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصرة، أي ﴿إنما يتذكر﴾ فيؤمن ويراقب الله من له لب وتحصيل. ثم أخذ تعالى في وصف هؤلاء الذين يسرهم للإيمان فقال: ﴿الذين يوفون بعهد الله﴾ وقوله: ﴿بعهد الله﴾: اسم للجنس، أي بجميع عهود الله وهي أوامره ونواهيه التي وصى بها عبيده، ويدخل في هذه الألفاظ التزام جميع الفروض وتجنب جميع المعاصي . وقوله: ﴿ولا ينقضون الميثاق﴾ يحتمل أن يريد به جنس المواثيق أي إذا اعتقدوا في طاعة الله عهداً لم ينقضوه. قال قتادة: وتقدم الله إلى عباده في نقض الميثاق ونهى عنه في بضع وعشرين آية ويحتمل أن يشير إلى ميثاق معين وهو الذي أخذه الله على عباده وقت مسحه على ظهر أبيهم آدم عليه السلام. ووصل ما أمر الله به أن يوصل: ظاهره في القرابات وهو مع ذلك يتناول جميع الطاعات. و﴿سوء الحساب﴾ هو أن يتقصى ولا تقع فيه مسامحة ولا تغمد. قوله عز وجل : وَاُلَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِهِمْ وَأَقَامُواْالصَّلَوَةَ وَأَنْفَقُوْ مِمَّا رَزَقْنَهُمْ سِرَّا وَعَلَانِيَةٌ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَنَّةِ اُلسَِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴿٢٣ جَتُ عَدٍْ يَدْخُلُونَها وَمَن صَلَحَ مِنْ ءَابَِّهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ﴿اَسَلَمُّ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِيّ (الصبر لوجه الله)) يدخل في الرزايا والأسقام والعبادات وعن الشهوات ونحو ذلك. و ﴿ابتغاء﴾ نصب على المصدر أو على المفعول لأجله، و((الوجه)) في هذه الآية ظاهره الجهة التي تقصد عنده تعالى بالحسنات لتقع عليها المثوبة، وهذا كما تقول: خرج الجيش لوجه كذا، وهذا أظهر ما فيه مع احتمال غيره و((إقامة الصلاة)) هي الإتيان بها على كمالها، و﴿الصلاة﴾ هنا هي المفروضة وقوله: ﴿وأنفقوا) يريد به مواساة المحتاج، و((السر)) هو فيما أنفق تطوعاً، و((العلانية)) فيما أنفق من الزكاة المفروضة، لأن التطوع كله الأفضل فيه التكتم. وقوله: ﴿ويدرؤون بالحسنة السيئة﴾ أي ويدفعون من رأوا منه مكروهاً بالتي هي أحسن، وقيل: يدفعون بقول: لا إله إلا الله، شركهم وقيل: يدفعون بالسلام غوائل الناس. قال القاضي أبو محمد: وبالجملة فإنهم لا يكافئون الشر بالشر، وهذا بخلاف خلق الجاهلية، وروي أن هذه الآية نزلت في الأنصار ثم هي عامة بعد ذلك في كل من اتصف بهذه الصفات. ٣١٠ تفسير سورة الزعد / الآيات: ٢٥ - ٢٩ وقوله: ﴿عقبى الدار﴾ يحتمل أن يكون ﴿عقبى﴾ دار الدنيا، ثم فسر العقبى بقوله: ﴿جنات عدد﴾ إذ العقبى تعم حالة الخير وحالة الشر، ويحتمل أن يريد ﴿عقبى﴾ دار الآخرة لدار الدنيا، أي العقبى الحسنة في الدار الآخرة هي لهم. وقرأ الجمهور: ((جنات عدن)) وقرأ النخعي: ((جنة عدن يُدخَلونها)) بضم الياء وفتح الخاء. و﴿جنات﴾ بدل من ﴿عقبى﴾ وتفسير لها. و﴿عدن﴾ هي مدينة الجنة ووسطها، ومنها جنات الإقامة. من عدن في المكان إذا أقام فيه طويلاً ومنه المعادن، و﴿جنات عدن﴾ يقال: هي مسكن الأنبياء والشهداء والعلماء فقط - قاله عبد الله بن عمرو بن العاصي - ويروى: أن لها خمسة آلاف باب. وقوله: ﴿ومن صلح﴾ أي من عمل صالحاً وآمن - قاله مجاهد وغيره - ويحتمل: أي من صلح لذلك بقدر الله تعالى وسابق علمه . وحكى الطبري في صفة دخول الملائكة أحاديث لم نطول بها لضعف أسانيدها. والمعنى: يقولون : سلام عليكم، فحذف - يقولون - تخفيفاً وإيجازاً، لدلالة ظاهر الكلام عليه، والمعنى: هذا بما صبرتم، والقول في ﴿عقبى الدار﴾ على ما تقدم من المعنيين. وقرأ الجمهور ((فِنِعْم)) بكسر النون وسكون العين، وقرأ يحيى بين وثاب ((فنَعِم)) بفتح النون وكسر العين. وقالت فرقة: معنى ﴿عقبى الدار﴾ أي أن أعقبوا الجنة من جهنم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل مبني على حديث ورد، وهو: أن كل رجل في الجنة فقد كان له مقعد معروف في النار، فصرفه الله عنه إلى النعيم، فيعرض عليه ويقال له: هذا كان مقعدك فبدلك الله منه الجنة بإيمانك وطاعتك وصبرك . قوله عز وجل : وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِشَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَاللَّهُ بِهِ= أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ ج أُوْلَكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَمُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ اللَّهُ يَسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُواْ بِاَ لْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَّوَةُ وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أَنْزِلَ عَلَيْهِ ءَآَيَّةٌ مِّن رَّبِّهِ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ ٢٦ الدُّنْيَا فِ الْآَخِرَةِ إِلََّ مَتَعٌ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَّ يِذِكْرِ اللَّهِ ٢٧ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِيِّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ٢٩ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَابٍ. ٢٨ تَطْمَبِنَّ اُلْقُلُوبُ هذه صفة حالة مضادة للمتقدمة. وقال ابن جريج في قوله ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ إنه روي: إذا لم تمش إلى قريبك برجلك ولم تواسه بمالك فقد قطعته. وقال مصعب بن سعد، سألت أبي عن قوله تعالى: ﴿هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا﴾ ٣١١ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٢٥ - ٢٩ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤] هم الحرورية؟ قال: لا ولكن الحرورية: ﴿هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾ وأولئك هم الفاسقون، فكان سعد بن أبي وقاص يجعل فيهم الآيتين. و((اللعنة)): الإبعاد من رحمة الله ومن الخير جملة. و﴿سوء الدار﴾ ضد ﴿عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣] والأظهر في ﴿الدار﴾ هنا أنها دار الآخرة، ويحتمل أنها الدنيا على ضعف. وقوله: ﴿الله يبسط الرزق لمن يشاء) الآية، لما أخبر عمن تقدمت صفته بأن ﴿لهم اللعنة ولهم سوء الدار﴾ أنحى بعد ذلك على أغنيائهم، وحقر شأنهم وشأن أموالهم، المعنى: أن هذا كله بمشيئة الله، يهب الكافر المال ليهلكه به، ويقدر على المؤمن ليعظم بذلك أجره وذخره. وقوله: ﴿ويقدر﴾ أي من التقدير، فهو مناقض يبسط. ثم استجهلهم في قوله: ﴿وفرحوا بالحياة الدنيا) وهي بالإضافة إلى الآخرة متاع ذاهب مضمحل يستمتع به قليلاً ثم يفنى. و((المتاع)): ما يتمتع به مما لا يبقى وقال الشاعر: [الوافر] سبقت به الممات هو المتاع تمثِّعْ يا مشعث إن شيئاً وقوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا: لولا أنزل عليه آية﴾ الآية، هذا رد على مقترحي الآيات من كفار قريش، كسقوط السماء عليهم كسفاً ونحو ذلك من قولهم: سيِّر عنا الأخشبين واجعل لنا البطاح محارث ومغترساً كالأردن، وأحي لناقصيّاً وأسلافنا، فلما لم يكن ذلك - بحسب أن آيات الاقتراح لم تجر عادة الأنبياء بالإتيان بها إلا إذا أراد الله تعذيب قوم - قالوا هذه المقالة، فرد الله عليهم ﴿قل ... ﴾ أي أن نزول الآية لا تكون معه ضرورة إيمانكم ولا هداكم، وإنما الأمر بيد الله ﴿يضل من يشاء ويهدي﴾ إلى طاعته والإيمان به ﴿من أناب﴾ إلى الطاعة وآمن بالآيات الدالة. ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿إليه﴾ على القرآن الكريم، ويحتمل أن يعود على محمد عليه السلام. و﴿الذين﴾ بدل من ﴿من) في قوله: ﴿من أناب) و((طمأنينة القلوب)) هي الاستكانة والسرور بذكر الله. والسكون به كمالاً به. ورضى بالثواب عليه وجودة اليقين. ثم استفتح عز وجل الإخبار بأن طمأنينة القلوب بذكر الله تعالى .. وفي هذا الإخبار حض وترغيب في الإيمان، والمعنى: أن بهذا تقع الطمأنينة لا بالآيات المقترحة، بل ربما كفر بعدها، فنزل العذاب كما سلف في بعض الأمم. و﴿الذين﴾ الثاني ابتداء وخبره: ﴿طوبى لهم) ويصح أن يكون ﴿الذين﴾ بدلاً من الأول. و﴿طوبى﴾ ابتداء و﴿لهم) خبره. و﴿طوبى) اسم، يدل على ذلك كونه ابتداء. وهي فعلى من الطيب في قول بعضهم، وذهب سيبويه بها مذهب الدعاء وقال: هي في موضع رفع، ويدل على ذلك رفع ﴿وحسن). وقال ثعلب: ﴿طوبى) مصدر. وقرىء ((وحسنَ)) بالنصب فـ (طوبى﴾ على هذا مصدر كما قالوا: سقياً لك، ونظيره من المصادر الرجعى والعقبى. قال ابن سيده: والطوبى جمع طيبة عن كراع. ٣١٢ - تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٠ - ٣٢ ونظيره كوسى في جمع كيسة وضوفى في جمع ضيفة. قال القاضي أبو محمد: والذي قرأ: ((وحسنَ)) بالنصب هو يحيى بن يعمر وابن أبي عبلة واختلف في معنى ﴿طوبى﴾ فقيل: خير لهم، وقال عكرمة: معناه نعم ما لهم، وقال الضحاك: معناه: غبطة لهم. وقال ابن عباس: ﴿طوبى﴾: اسم الجنة بالحبشية، وقال سعيد بن مسجوع: اسم الجنة ﴿طوبى﴾ بالهندية، وقيل ﴿طوبى﴾: اسم شجرة في الجنة - وبهذا تواترت الأحاديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى شجرة في الجنة، يسير الراكب المجدّ في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرؤوا إن شئتم)): ﴿وظل ممدود﴾ [الواقعة: ٣٠] وحكى الطبري عن أبي هريرة وعن مغيث بن سميّ وعتبة بن عبد يرفعه أخباراً مقتضاها: أن هذه الشجرة ليس دار في الجنة إلا وفيها من أغصانها، وأنها تثمر بثياب أهل الجنة، وأنه يخرج منها الخيل بسروجها ولجمها ونحو هذا مما لم يثبت سنده. و((المآب)): المرجع من آب يؤوب. ويقال في ﴿طوبى﴾ طيبى. قوله عز وجل : كَذَلِكَ أَرْسَلْنَكَ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمٌَّ لِّتَتْلُواْ عَلَيْهِمُ الَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَرَبِ لَآ إِلَهَ إِلَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَنَابٍ ﴿ وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانَا سُبِرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِعَتْ بِهِالْأَرْضُ أَفَكُلِّمَ بِهِ الْمَوْنَّىُ بَلِ لِلَّهِ آلْأَمْرُ جَمِيعً أَفَلَمْ يَأَيْفَسِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَن ◌َّوْيَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُ وْتُصِيُهُم بِمَا صَنَعُوْ فَارِعَةٌ أَوْ تَحُلّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِىَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ ﴿ وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ صِے ٣٢ ثُمَّ أَخَذْ تُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ الكاف في ﴿كذلك﴾ متعلقة بالمعنى الذي في قوله: ﴿قل إن اللّه يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب﴾ [الرعد: ٢٧] أي كما أنفذ الله هذا ﴿كذلك﴾ أرسلتك - هذا قول - والذي يظهر لي أن المعنى كما أجرينا العادة بأن الله يضل ويهدي، لا بالآيات المقترحة. فكذلك أيضاً فعلنا في هذه الأمة: ﴿أرسلناك﴾ إليها بوحي، لا بآيات مقترحة، فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء. وقوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ قال قتادة وابن جريج: نزلت حين عاهدهم رسول اللّه عام الحديبية، فكتب الكاتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال قائلهم: نحن لا نعرف الرحمن ولا نقرأ اسمه . قال القاضي أبو محمد: والذي أقول في هذا: أن ((الرحمن)) يراد به الله تعالى وذاته، ونسب إليهم. الكفر به على الإطلاق، وقصة الحديبية وقصة أمية بن خلف مع عبد الرحمن بن عوف، إنما هي إِياية الاسم فقط، وهروب عن هذه العبارة التي لم يعرفوها إلا من قبل محمد عليه السلام. ثم أمر الله تعالى نبيه بالتصريح بالدين والإفصاح بالدعوة في قوله: ﴿قل هو ربي لا إله إلا هو عليه : ٣١٣ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٠ - ٣٢ توكلت﴾ و((المتاب)): المرجع كالمآب، لأن التوبة الرجوع. ويحتمل قوله: ﴿ولو أن قرآنا﴾ الآية، أن يكون متعلقاً بقوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن﴾ فيكون معنى الآية الإخبار عنهم أنهم لا يؤمنون ولو نزل ((قرآن تسير به الجبال وتقطع به الأرض)) - هذا تأويل الفراء وفرقة من المتألين - وقالت فرقة: بل جواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: ولو أن قرآناً يكون صفته كذا لما آمنوا بوجه، وقال أهل هذا التأويل - ابن عباس ومجاهد وغيرهما - إن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أزح عنا وسير جبلي مكة فقد ضيقا علينا، واجعل لنا أرضنا قطع غراسة وحرث، وأحي لنا آباءنا وأجدادنا وفلاناً وفلاناً - فنزلت الآية في ذلك معلمة أنهم لا يؤمنون ولو كان ذلك كله، وقالت فرقة: جواب ﴿لو﴾ محذوف، ولكن ليس في هذا المعنى، بل تقديره: لكان هذا القرآن الذي يصنع هذا به، وتتضمن الآية - على هذا - تعظيم القرآن، وهذا قول حسن يحرز فصاحة الآية. وقوله: ﴿بل لله الأمر جميعاً﴾ يعضد التأويل الأخير ويترتب مع الآخرين. وقوله: ﴿أفلم ييئس الذين آمنوا) الآية، ﴿ييئس) معناه: يعلم، وهي لغة هوازن - قاله القاسم بن معن - وقال ابن الكلبي: هي لغة هبيل حي من النخع، ومنه قول سحيم بن وثيل الرياحي: [الطويل] ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم أقول لهم بالشعب إذ ييسرونني قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون اليأس في هذه الآية على بابه، وذلك أنه لما أبعد إيمانهم في قوله: ﴿ولو أن قرآناً﴾ الآية - على التأويلين في المحذوف المقدر - قال، في هذه الآية : أفلم ييئس المؤمنون من إيمان هؤلاء الكفرة، علماً منهم ﴿أن لو يشاء لهدى الناس جميعاً﴾. وقرأ ابن كثير وابن محيصن ((يأيس)) وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن أبي مليكة وعكرمة والجحدري وعلي بن حسين وزيد بن علي وجعفر بن محمد ((أفلم يتبين)). ثم أخبر تعالى عن كفار قريش والعرب أنهم لا يزالون تصيبهم قوارع من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وغزواته . وفي قراءة ابن مسعود ومجاهد: ((ولا يزال الذين ظلموا)) ثم قال: ﴿أو تحل﴾ أنت يا محمد ﴿قريباً من دارهم﴾ هذا تأويل فرقة منهم الطبري وعزاه إلى ابن عباس ومجاهد وقتادة .. وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى ﴿أو تحل﴾ القارعة ﴿قريباً من دارهم﴾. وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير: ((أو يحل)) بالياء ((قريباً من ديارهم)» بالجمع. و ((وعد الله)) - على قول ابن عباس وقوم - فتح مكة، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية عامة في الكفار إلى يوم القيامة، وأن حال الكفرة هكذا هي أبداً. و((وعد الله)): قيام الساعة، و((القارعة)): الرزية التي تقرع قلب صاحبها بفظاعتها كالقتل والأسر ونهب المال وكشف الحريم ونحوه. وقوله: ﴿ولقد استهزىء﴾ الآية، هذه آية تأنيس للنبي عليه السلام، أي لا يضيق صدرك يا محمد ٣١٤ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٣ - ٣٥ بما ترى من قومك وتلقى منهم، فليس ذلك ببدع ولا نكير، قد تقدم هذا في الأمم و ((أمليت لهم» أي مددت المدة وأطلت، والإملاء: الإمهال على جهة الاستدراج، وهو من الملاوة من الزمن، ومنه: تمليت حسن العيش. وقوله: ﴿فكيف كان عقاب﴾ تقرير وتعجيب، في ضمنه وعيد للكفار المعاصرين لمحمد عليه السلام. قوله عز وجل : أَفَنْ هُوَ قَابِعٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنِعُونَهُبِمَا لَا يَعْلَمُ فِى اُلْأَرْضِ أَم ◌ِظَهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْمَكْرُهُمْ وَصُدُّ واعَنِ السَّبِيلُ وَ مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَهُ مَّثَلُ مِنْ هَادٍ ﴿الَهُمْ عَذَابٌ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَالَهُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (٦) اُلْجَنَّةِ الَّتِى وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ أُكُلُهَا دَآبِهٌ وَظِلُهَأَ تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ ٣٥ وَعُقْبَىَ الْكَفِرِينَ النَّارُ هذه الآية راجعة بالمعنى إلى قوله: ﴿وهم يكفرون بالرحمن، قل هو ربي لا إله إلا هو﴾ [الرعد: ٣٠] والمعنى: ﴿أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت﴾ أحق بالعبادة أم الجمادات التي لا تنفع ولا تضر؟ ـ هذا تأويل - ويظهر أن القول مرتبط بقوله: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ كأن المعنى: أفمن له القدرة والوحدانية ويجعل له شريك أهل أن ينتقم ويعاقب أم لا؟. و((الأنفس)) من مخلوقاته وهو قائم على الكل أي محيط به لتقرب الموعظة من حس السامع. ثم خص من أحوال الأنفس حال كسبها ليتفكر الإنسان عند نظر الآية في أعماله وكسبه. وقوله: ﴿قل سموهم﴾ أي سموا من له صفات يستحق بها الألوهية ثم أضرب القول وقرر؛" هل تعلمون الله ﴿بما لا يعلم﴾؟ . وقرأ الحسن:((هل تنْبئونه)) بإسكان النون وتخفيف الباء و﴿أم﴾ هي بمعنى: بل، وألف الاستفهام - هذا مذهب سيبويه - وهي كقولهم: إنها لإبل أم شاء. ثم قررهم بعد، هل يريدون تجويز ذلك بظاهر من الأمر، لأن ظاهر الأمر له إلباس ما وموضع من الاحتمال، وما لم يكن إلا بظاهر القول فقط فلا شبهة له. وقرأ الجمهور ((زين)) على بناء الفعل للمفعول ((مكرُهم)) بالرفع، وقرأ مجاهد ((زين)) على بنائه للفاعل (مكرهم)) بالنصب، أي زين الله، و﴿مكرهم﴾: لفظ يعم أقوالهم وأفعالهم التي كانت بسبيل مناقضة الشرع. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((وصُدوا)) بضم الصاد، وهذا على تعدي الفعل وقرأ الباقون هنا، وفي ((صم)) المؤمن - بفتحها، وذلك يحتمل أن يكون ((صَدوا)) أنفسهم أو ((صدوا)) غيرهم، وقرأ يحيفى بن وثاب: «وصدوا)) بكسر الصاد. ١٠٥٠٤ . .. ...- ٣١٥ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٦ - ٣٩ وقوله: ﴿لهم عذاب﴾ الآية، آية وعيد أي لهم عذاب في دنياهم بالقتل والأسر والجدوب والبلايا في أجسامهم وغير ذلك مما يمتحنهم الله، ثم لهم في الآخرة عذاب ﴿أشق﴾ من هذا كله، وهو الاحتراق بالنار، و﴿أشق﴾ أصعب من المشقة، و((الواقي)): الساتر على جهة الحماية من الوقاية. وقوله تعالى: ﴿مثل الجنة) الآية، قال قوم: ﴿مثل﴾ معناه، صفة، وهذا من قولك: مثلت الشيء، إذا وصفته لأحد وقربت عليه فهم أمره، وليس بضرب مثل لها، وهو كقوله: ﴿وله المثل الأعلى﴾ [الروم: ٢٧] أي الوصف الأعلى. ويظهر أن المعنى الذي يتحصل في النفس مثالاً للجنة هو جري الأنهار وأن أكلها دائم . وراجعه عند سيبويه فقدر قبل، تقديره: فيما يتلى عليكم أو ينص عليكم مثل الجنة. وراجعه عند الفراء قوله: ﴿تجري﴾ أي صفة الجنة أنها ﴿تجري من تحتها الأنهار) ونحو هذا موجود في كلام العرب، وتأول عليه قوم: أن ﴿مثل﴾ مقحم وأن التقدير: ﴿الجنة التي وعد المتقون تجري﴾. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا قلق . وقرأ علي بن أبي طالب وابن مسعود ((أمثال الجنة)). وقد تقدم غير مرة معنى قوله: ﴿تجري من تحتها الأنهار) وقوله: ﴿أكلها﴾ معناه: ما يؤكل فيها. و((العقبى)) والعاقبة والعاقب: حال تتلو أخرى قبلها. وباقي الآية بين. وقيل: التقدير في صدر الآية، مثل الجنة جنة تجري - قاله الزجاج - فتكون الآية على هذا ضرب مثل لجنة النعيم في الآخرة. قوله عز وجل : وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَاللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ يِهِ: إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ ﴿ وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَهُ حُكْمًا عَبَّا وَلَيْنِ أَبَعْتَ أَهْوَآءَ هُمْ بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَالَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيِّ وَلَاَ وَاقٍ (*) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَارُسُلَّاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِ بِعَايَةٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِهُلِ أَجَلِ كِتَابٌ ٣٨ يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُنْبِثٌ وَعِندَهُ أُمُ الْكِتَبِ اختلف المتأولون فيمن عنى بقوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ فقال ابن زيد: عنى به من آمن من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وشبهه . قال القاضي أبو محمد: والمعنى: مدحهم بأنهم لشدة إيمانهم يسرون بجميع ما يرد على النبي عليه السلام من زيادات الشرع. ٣١٦ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٦ -٣٩ وقال قتادة: عنى به جميع المؤمنين، و﴿الكتاب﴾ هو القرآن، و﴿بما أنزل إليك﴾ يراد به، جميع الشرع. وقالت فرقة: المراد بـ ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ اليهود والنصارى، وذلك أنهم لهم فرح بما ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من تصديق شرائعهم وذكر أوائلهم. قال القاضي أبو محمد: ويضعف هذا التأويل بأن همهم به أكثر من فرحهم، ويضعف أيضاً بأن اليهود والنصارى ينكرون بعضه. وقد فرق الله في هذه الآية بين الذين ينكرون بعضه وبين الذين آتيناهم الکتاب . و ﴿الأحزاب﴾ قال مجاهد: هم اليهود والنصارى والمجوس، وقالت فرقة: هم أحزاب الجاهلية من العرب. وأمره الله تعالى أن يطرح اختلافهم ويصدع بأنه إنما أمر بعبادة الله وترك الإشراك، والدعاء إليه، واعتقاد ((المآب)) إليه وهو الرجوع عند البعث يوم القيامة. وقوله: ﴿وكذلك﴾ المعنى: كما يسرنا هؤلاء للفرح، وهؤلاء لإنكار البعض، كذلك ﴿أنزلناه حكماً عربياً﴾، ويحتمل المعنى: والمؤمنون آتيناهموه يفرحون به لفهمهم به وسرعة تلقيهم. ثم عدد النعمة بقوله: ((كذلك جعلناه)) أي سهلنا عليهم في ذلك وتفضلنا. و﴿حكماً﴾ نصب على الحال، و((الحكم)) هو ما تضمنه القرآن من المعاني، وجعله ﴿عربياً﴾ لما كانت العبارة عنه بالعربية . ثم خاطب النبي عليه السلام محذراً من اتباع أهواء هذه الفرق الضالة، والخطاب لمحمد عليه السلام، وهو بالمعنى يتناول المؤمنين إلى يوم القيامة . ووقف ابن كثير وحده على «واقي)» و «هادي)» و «والي» بالياء. قال أبو علي: والجمهور يقفون بغير ياء، وهو الوجه. وباقي الآية بين. وقوله: ﴿ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك) الآية. في صدر هذه الآية تأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم ورد على المقترحين من قريش بالملائكة المتعجبين من بعثة الله بشراً رسولاً. فالمعنى: أن بعثك يا محمد ليس ببدع فقد تقدم هذا في الأمم. ثم جاء قوله: ﴿وما كان لرسول﴾ الآية، لفظة لفظ النهي والزجر، •المقصود به إنما هو النفي المحض، لكنه نفي تأكد بهذه العبارة، ومتى كانت هذه العبارة عن أمر واقع تحت قدرة المنهي فهي زجر، ومتى لم يقع ذلك تحت قدرته فهو نفي محض مؤكد، و﴿بإذن الله﴾ معناه: إلا أن يأذن الله في ذلك. وقوله: ﴿لكل أجل كتاب﴾ لفظ عام في جميع الأشياء التي لها آجال، وذلك أنه ليس كائن منهذا إلا وله أجل في بدئه أو في خاتمته. وكل أجل مكتوب محصور، فأخبر تعالى عن كتبه الآجال التي للأشياء عامة، وقال الضحاك والفراء: المعنى: لكل كتاب أجل. قال القاضي أبو محمد: وهذا العكس غير لازم ولا وجه له، إذ المعنى تام في ترتيب القرآن، بل يمكن هدم قولهما بأن الأشياء التي كتبها الله تعالى أزلية باقية كتنعيم أهل الجنة وغيره يوجد كتابها لا أجل له .. ٣١٧ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٣٦ - ٣٩ وقوله: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ قرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ((ويثبّت)) بشد الباء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ((ويثبت)» بتخفيفها. وتخبط الناس في معنى هذه الألفاظ، والذي يتخلص به مشكلها: أن نعتقد أن الأشياء التي قدرها الله تعالى في الأزل وعلمها بحال ما لا يصح فيها محو ولا تبديل، وهي التي ثبتت في ﴿أم الكتاب﴾ وسبق بها القضاء، وهذا مروي عن ابن عباس وغيره من أهل العلم، وأما الأشياء التي قد أخبر الله تعالى أنه يبدل فيها وينقل كعفو الذنوب بعد تقريرها، وكنسخ آية بعد تلاوتها واستقرار حكمها - ففيها يقع المحو والتثبيت فيما يقيده الحفظة ونحو ذلك، وأما إذا رد الأمر للقضاء والقدر فقد محا الله ما محا وثبت ما ثبت. وجاءت العبارة مستقلة بمجيء الحوادث، وهذه الأمور فيما يستأنف من الزمان فينتظر البشر ما يمحو أو ما يثبت وبحسب ذلك خوفهم ورجاؤهم ودعاؤهم. وقالت فرقة - منها الحسن - هي في آجال بني آدم، وذلك أن الله تعالى في ليلة القدر، وقيل : - في ليلة نصف شعبان - يكتب آجال الموتى فيمحى ناس من ديوان الأحياء ويثبتون في ديوان الموتى. وقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ . قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص في الآجال أو غيرها لا معنى له، وإنما يحسن من الأقوال هنا ما كان عاماً في جميع الأشياء، فمن ذلك أن يكون معنى الآية أن الله تعالى يغير الأمور على أحوالها، أعني ما من شأنه أن يغير - على ما قدمناه - فيمحوه من تلك الحالة ويثبته في التي نقله إليها. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عبد الله بن مسعود أنهما كانا يقولان في دعائهما: اللهم إن كنت كتبتنا في ديوان الشقاوة فامحنا وأثبتنا في ديوان السعادة، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت . قال القاضي أبو محمد: وهذا دعاء في غفران الذنوب وعلى جهة انجزع منها. أي اللهم إن كنا شقينا بمعصيتك وكتب علينا ذنوب وشقاوة بها فامحها عنا بالمغفرة، وفي لفظ عمر في بعض الروايات بعض من هذا، ولم يكن دعاؤهما البتة في تبديل سابق القضاء ولا يتأول عليهما ذلك. وقيل: إن هذه الآية نزلت لأن قريشاً لما سمعت قول الله تعالى: ﴿وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله﴾، قال: ليس لمحمد في هذا الأمر قدرة ولا حظ، فنزلت ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت﴾ أي ربما أذن الله من ذلك فیما تکرهون بعد أن لم یکن یأذن . وحكى الطبري عن ابن عباس أنه قال: معنى الآية ((يمحو الله ما يشاء ويثبت)) من أمور عباده إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنه لا محو فيها. قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو ما أحلناه أولاً في الآية . وحكي عن فرقة أنها قالت: ((يمحو الله ما يشاء ويثبت)) من كتاب حاشى أمر الكتاب الذي عنده الذي لا يغير منه شيئاً. وقالت فرقة معناه: يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد، ونحو هذه الأقوال التي هي سهلة المعارضة . ٣١٨ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٤٠ - ٤٣ وأسند الطبري عن إبراهيم النخعي أن كعباً قال لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين أولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة. قال: وما هي؟ قال: ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾. وذكر أبو المعالي في التلخيص: أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو الذي قال هذه المقالة المذكورة عن كعب. قال القاضي أبو محمد: وذلك عندي لا يصح عن علي. واختلفت أيضاً عبارة المفسرين في تفسير ﴿أم الكتاب﴾ فقال ابن عباس: هو الذكر، وقال كعب: هو علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون. قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يفسر به ﴿أم الكتاب﴾ أنه كتاب الأمور المجزومة التي قد سبق القضاء فيها بما هو كائن وسبق ألا تبدل، ويبقى المحو والتثبيت في الأمور التي سبق في القضاء أن تبدل وتمحى وتثبت - قال نحوه قتادة - وقالت فرقة: معنى ﴿أم الكتاب﴾ الحلال والحرام - وهذا قول الحسن بن أبي الحسن . قوله عز وجل : أَوَلَمْ يَرَوْأ وَإِن مَّانُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ أَوْنَتَوَفَيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ( أَنَّا نَأْتِى الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَهُوَ سَرِيعُ اَلْحِسَابِ (١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِالْمَكْرُ جَمِيعًاً يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلّ نَفْسِ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَرُ لِمَنْ عُقْبَ الدَّارِ! ٤٢ ج وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ ٤٣ عِلْمُ الْكِنَبِ ﴿إن﴾ شرط دخلت عليها ﴿ما﴾ مؤكدة، وهي قبل الفعل فصارت في ذلك بمنزلة اللام المؤكدة في القسم التي تكون قبل الفعل في قولك: والله لنخرجن، فلذلك يحسن أن تدخل النون الثقيلة في قولك: ﴿نرينك﴾ لحلولها هنا محل اللام هنالك، ولو لم تدخل ﴿ما﴾ لما جاز ذلك إلا في الشعر، وخص ((البعض)) بالذكر إذ مفهوم أن الأعمار تقصر عن إدراك جميع ما تأتي به الأقدار مما توعد به الكفار. وكذلك أعطي الوجود، ألا ترى أن أكثر الفتوح إنما كان بعد النبي عليه السلام و﴿أو﴾ عاطفة. وقوله: ﴿فإنما﴾ جواب الشرط . ومعنى الآية: إن نبقك يا محمد لترى أو نتوفينك، فعلى كلا الوجهين إنما يلزمك البلاغ فقط. وقوله: ﴿نعدهم﴾ محتمل أن يريد به المضار التي توعد بها الكفار، فأطلق فيها لفظة الوعد لما كانت تلك المضار معلومة مصرحاً بها، ويحتمل أن يريد الوعد لمحمد في إهلاك الكفرة، ثم أضاف الوعد إليهم لما كان في شأنهم. . .....--- - ٣١٩ : تفسير سورة الرعد / الآيات: ٤٠ - ٤٣ والضمير في قوله: ﴿يروا﴾ عائد على كفار قريش وهم المتقدم ضميرهم في قوله: ﴿نعدهم﴾. وقوله: ﴿نأتي﴾ معناه بالقدرة والأمر، كما قال الله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ [النحل: ٢٦] و﴿الأرض) يريد به اسم الجنس، وقيل: يريد أرض الكفار المذكورين. قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾. وقرأ الجمهور: (نَنقصها)) وقرأ الضحاك ((نُنقصها)). وقوله: ﴿من أطرافها﴾ من قال: إنها أرض الكفار المذكورين - قال: معناه: ألم يروا أنا نأتي أرض هؤلاء بالفتح عليك فننقصها بما يدخل في دينك من القبائل، والبلاد المجاورة لهم، فما يؤمنهم أن نمكنك منهم أيضاً، كما فعلنا بمجاوريهم - قاله ابن عباس والضحاك. 1 قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الاختلاف في قوله: ﴿ننقصها من أطرافها﴾ القول لا يتأتى إلا بأن نقدر نزول هذه الآية بالمدينة، ومن قال: إن ﴿الأرض﴾ اسم جنس جعل الانتقاص من الأطراف بتخريب العمران الذي يحله الله بالكفرة - هذا قول ابن عباس أيضاً ومجاهد. وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت البشر وهلاك الثمرات ونقص البركة، قاله ابن عباس أيضاً والشعبي وعكرمة وقتادة. وقالت فرقة: الانتقاص هو بموت العلماء والأخيار - قال ذلك ابن عباس أيضاً ومجاهد - وكل ما ذكر يدخل في لفظ الآية . و((الطرف)) من كل شيء خياره، ومنه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلوم أودية في أي واد أخذت منها حسرت فخذوا من كل شيء طرفاً. يعني خياراً . وجملة معنى هذه الآية: الموعظة وضرب المثل، أي ألم يروا فيقع منهم اتعاظ. وأليق ما يقصد لفظ الآية هو تنقص الأرض بالفتوح على محمد. وقوله: ﴿لا معقب﴾ أي لا راد ولا مناقض يتعقب أحكامه، أي ينظر في أعقابها أمصيبة هي أم لا؟ وسرعة حساب الله واجبة لأنها بالإحاطة ليست بعدد. و﴿المكر﴾: ما يتمرس بالإنسان ويسعى عليه - علم بذلك أو لم يعلم - فوصف الله تعالى الأمم التي سعت على أنبيائها - كما فعلت قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم - بـ ﴿المكر﴾. وقوله: ﴿فلله المكر جميعاً﴾ أي العقوبات التي أحلها بهم. وسماها ((مكراً)) على عرف تسمية المعاقبة باسم الذنب، كقوله تعالى: ﴿الله يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥] ونحو هذا. وفي قوله تعالى: ﴿يعلم ما تكسب كل نفس﴾ تنبيه وتحذير في طي إخبار ثم توعدهم تعالى بقوله: ﴿وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار﴾. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((الكافر)) بالإفراد، وهو اسم الجنس، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي ((الكفار))، وقرأ عبد الله بن مسعود ((الكافرون))، وقرأ أبي بن كعب: ((الذين كفروا)). وتقدم القول في ﴿عقبى الدار﴾ قبل هذا. ٣٢٠ تفسير سورة الرعد / الآيات: ٤٠ - ٤٣ وقوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا﴾ الآية، المعنى: ويكذبك يا محمد هؤلاء الكفرة ويقولون: لست مرسلا من الله وإنما أنت مدع، قل لهم: ﴿كفى بالله شهيداً﴾ . و﴿بالله﴾ في موضع رفع، التقدير: كفى الله. و((شهيد)) بمعنى: شاهد، وقوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ قيل: يريد اليهود والنصارى الذين عندهم الكتب الناطقة برفض الأصنام وتوحيد الله تعالى، وقال قتادة: يريد من آمن منهم كعبد الله بن سلام وتميم الداري وسلمان الفارسي، الذين يشهدون بتصديق محمد، وقال مجاهد: يريد عبد الله بن سلام خاصة، قال هو: فيّ نزلت ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾. قال القاضي أبو محمد: وهذان القولان الأخيران لا يستقيمان إلا أن تكون الآية مدنية، والجمهور على أنها مكية - قاله سعيد بن جبير، وقال: لا يصح أن تكون الآية في ابن سلام لكونها مكية وكان يقرأ: ((ومن عنده علم الكتاب)). وقيل: يريد جنياً معروفاً، حكاه النقاش، وهو قول شاذ ضعيف. وقيل: يريد الله تعالى، كأنه استشهد بالله تعالى، ثم ذكره بهذه الألفاظ التي تتضمن صفة تعظيم. ويعترض هذا القول بأن فيه عطف الصفة على الموصوف، وذلك لا يجوز وإنما تعطف الصفات بعضها على بعض. ويحتمل أن تكون في موضع رفع بالابتداء، والخبر محذوف تقديره: أعدل وأمضى قولاً، ونحو هذا مما يدل عليه لفظ ﴿شهيداً﴾ ويراد بذلك الله تعالى . وقرأ علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وابن عباس وابن جبير وعكرمة ومجاهد والضحاك والحكم وغيرهم ((ومِن عندِه علم الكتاب)) بكسر الميم من ((من)) وخفض الدال، قال أبو الفتح: ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ علي بن أبي طالب أيضاً والحسن وابن السميفع ((ومِن عند، عُلم الكتابُ)) بكسر الميم من ((من)) وضم العين من ((علم)) على أنه مفعول لم يسم فاعله، ورفع الكتاب، وهذه القراءات يراد فيها الله تعالى، لا يحتمل لفظها غير ذلك. والله المعين برحمته . ،