النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٨١
تفسير سورة يوسف / الآيات : ٩٦ - ٩٩
ثم رجاهم يعقوب عليه السلام بقوله: ﴿إنه هو الغفور الرحيم﴾.
وقوله: ﴿فلما دخلوا﴾ الآية، ها هنا محذوفات يدل عليها الظاهر، وهي: فرحل يعقوب بأهله
أجمعين وساروا حتى بلغوا يوسف، فلما دخلوا عليه.
و﴿آوى﴾ معناه: ضم وأظهر الحماية بهما، وفي الحديث: ((أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله)).
وقيل: أراد ((بالأبوين)): أباه وأمه - قاله ابن إسحاق والحسن - وقال بعضهم: أباه وجدته - أم أمه - حكاه
الزهراوي - وقيل: أباه وخالته، لأن أمه قد كانت ماتت ــ قاله السدي -.
قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر - بحسب اللفظ - إلا لو ثبت بسند أن أمه قد كانت ماتت.
وفي مصحف ابن مسعود: ((آوى إليه أبويه وإخوته)). وقوله: ﴿ادخلوا مصر﴾ معناه: تمكنوا واسكنوا
واستقروا، لأنهم قد كانوا دخلوا عليه، وقيل: بل قال لهم ذلك في الطريق حين تلقاهم - قاله السدي -
وهذا الاستثناء هو الذي ندب القرآن إليه، أن يقوله الإنسان في جميع ما ينفذه بقوله في المستقبل، وقال
ابن جريج: هذا مؤخر في اللفظ وهو متصل في المعنى بقوله: ﴿سوف أستغفر لكم﴾.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا التأويل ضعف.
و﴿العرش﴾: سرير الملك، وكل ما عرش فهو عريش وعرش، وخصصت اللغة العرش لسرير
الملك، و﴿خرجوا﴾ معناه: تصوبوا إلى الأرض، واختلف في هذا السجود، فقيل: کان کالمعهود عندنا
من وضع الوجه بالأرض، وقيل: بل دون ذلك كالركوع البالغ ونحوه مما كان سيرة تحياتهم للملوك في ذلك
الزمان، وأجمع المفسرون أن ذلك السجود - على أي هيئة كان - فإنما كان تحية لا عبادة. قال قتادة: هذه
كانت تحية الملوك عندهم. وأعطى الله هذه الأمة السلام تحية أهل الجنة. وقال الحسن: الضمير في ﴿له﴾
لله عز وجل .
قال القاضي أبو محمد: ورد على هذا القول.
وحكى الطبري: أن يعقوب لما بلغ مصر في جملته كلم يوسف فرعون في تلقيه فخرج إليه وخرج
الملوك معه فلما دنا يوسف من يعقوب وكان يعقوب يمشي متوكئاً على يهوذا - قال: فنظر يعقوب إلى الخيل
والناس فقال: يا يهوذا، هذا فرعون مصر، قال: لا هو ابنك، قال: فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه
ذهب يوسف يبدأ بالسلام، فمنعه يعقوب من ذلك وكان يعقوب أحق بذلك منه وأفضل، فقال: السلام
عليك يا مذهب الأحزان .
قال القاضي أبو محمد: ونحو هذا من القصص، وفي هذا الوقت قال يوسف ليعقوب: إن فرعون قد
أحسن إلينا فادخل عليه شاكراً، فدخل عليه، فقال فرعون: يا شيخ ما مصيرك إلى ما أرى؟ قال: تتابع
البلاء عليّ. قال: فما زالت قدمه حتى نزل الوحي: يا يعقوب، أتشكوني إلى من لا يضرك ولا ينفعك؟ قال:
يا رب ذنب فاغفره. وقال أبو عمرو الشيباني: تقدم يوسف يعقوب في المشي في بعض تلك المواطن فهبط
جبريل فقال له: أتتقدم أباك؟ إن عقوبتك لذلك ألا يخرج من نسلك نبي.

٢٨٢
تفسير سورة يوسف / الآية : ١٠٠
قوله عز وجل :
وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَاتَأْوِيلُ رُهْ يَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبٍِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَّ بِ إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السِّجْنِ
وَجَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفِى إِنَّ رَبِى لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ إِنَّهُ
١٠٠
هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
المعنى: قال يوسف ليعقوب: هذا السجود الذي كان منكم، هو ما آلت إليه رؤياي قديماً في الأحد
عشر كوكباً وفي الشمس والقمر.
وقوله: ﴿قد جعلها ربي حقاً﴾ ابتداء تعديد نعم الله تعالى عليه، وقوله: ﴿قد أحسن بي﴾، أي أوقع
وناط إحسانه بي. فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء، وقد يقال: أحسنَّ إليَّ، وأحسن فيّ، ومنه قول
عبد الله بن أبي ابن سلول: يا محمد أحسن في مواليّ؛ وهذه المناحي مختلفة المعنى، وأليقها بيوسف قوله:
﴿بي﴾ لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها .
وذكر يوسف عليه السلام إخراجه من السجن، وترك إخراجه من الجب لوجهين:
أحدهما: أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع نفوسهم وتحريك
تلك الغوائل وتخبیث النفوس.
والوجه الآخر: أنه خرج من الجب إلى الرق، ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا أوضح.
وقوله: ﴿وجاء بكم من البدو﴾ يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة بسكنى الحاضرة،
وكان منزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام في بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية .
و﴿نزغ﴾ معناه: فعل فعلًا أفسد به، ومنه قول النبي عليه السلام: ((لا يشر أحدكم على أخيه
بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده».
وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم، لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة
وبلاء فهي أحسن موقعاً .
وقوله: ﴿لما يشاء﴾ أي من الأمور أن يفعله، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا يوسف وبين
ظهورها: فقالت فرقة أربعون سنة - هذا قول سلمان الفارسي وعبد الله بن شداد، وقال عبد الله بن شداد:
ذلك آخر ما تبطىء الرؤيا - وقالت فرقة ـ منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض - ثمانون سنة.
وقال ابن إسحاق: ثمانية عشر، وقيل: اثنان وعشرون ۔ قاله النقاش - وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون
- قاله قتادة - وقال السدي وابن جبير: ستة وثلاثون سنة. وقيل: إن يوسف عليه السلام عمر مائة وعشرين
سنة. وقيل: إن يعقوب بقي عند يوسف نيفاً على عشرين سنة ثم توفي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا

٢٨٣
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ١٠٢،١٠١
الوحي من الله تعالى لما أراد أن يمتحن به يعقوب وبنيه، وأراد من صورة جمعهم - لا إله إلا هو - وقال
النقاش: كان ذلك الوحي في الجب، وهو قوله تعالى: ﴿وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون﴾
[يوسف: ١٥] وهذا محتمل.
ومما روي في أخبار يعقوب عليه السلام: قال الحسن: إنه لما ورده البشير لم يجد عنده شيئاً يثيبه به
فقال له: والله ما أصبت عندنا شيئاً، وما خبزنا منذ سبع ليال، ولكن هون الله عليك سكرات الموت. ومن
أخباره: أنه لما اشتد بلاؤه وقال: يا رب أعميت بصري وغيبت عني يوسف، أفما ترحمني؟ فأوحى الله
إليه: سوف أرحمك وأرد عليك ولدك وبصرك، وما عافبتك بذلك إلا أنك طبخت في منزلك حملاً فشمه
جار لك ولم تساهمه بشيء، فكان يعقوب بعد يدعوه إلى غدائه وعشائه. وحكى الطبري: أنه لما اجتمع
شمله كلفه بنوه أن يدعو الله لهم حتى يأتي الوحي بأن الله قد غفر لهم. قال: فكان يعقوب يصلي ويوسف
وراءه وهم وراء يوسف، ويدعو لهم فلبث كذلك عشرين سنة ثم جاءه الوحي: إني قد غفرت لهم
وأعطيتهم مواثيق النبوة بعدك. ومن أخباره: أنه لما حضرته الوفاة أوصى إلى يوسف أن يدفنه بالشام، فلما
مات نفخ فيه المر وحمله إلى الشام، ثم مات یوسف فدفن بمصر، فلما خرج موسی - بعد ذلك - من أرض
مصر احتمل عظام يوسف حتى دفنها بالشام مع آبائه .
قوله عز وجل :
رَبِّ قَدْ ءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ فَاطِرَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِ فِ
الذُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَقَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِ بِالصَّلِحِينَ ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ
--
وَمَا كُنْتَ لَيْهِمْ إِذْأَ جْمَعُوْ أَمْرَهُمْوَهُمْ يَمْكُرُونَ
٠٢
قرأ ابن مسعود ((آتيتن)) و((علمتن)) بحذف الياء على التخفيف، وقرأ ابن ذر ((رب آتيتني)) بغير ((قد)).
وذكر كثير من المفسرين: أن يوسف عليه السلام لما عدد في هذه الآية نعم الله عنده تشوق إلى لقاء
ربه ولقاء الجلة وصالحي سلفه وغيرهم من المؤمنين، ورأى أن الدنيا كلها قليلة فتمنى الموت في قوله:
﴿توفي مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ وقال ابن عباس: ((لم يتمن الموت نبي غير يوسف))، وذكر المهدوي
تأويلاً آخر - وهو الأقوى عندي - أن ليس في الآية تمني موت - وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده
ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي ﴿توفني﴾ - إذا حان أجلي - على الإسلام، واجعل لحاقي
بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت. وورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا
يتمنينَّ أحدكم الموت لضرّ نزل به)). الحديث بكماله. وروي عنه عليه السلام أنه قال في بعض دعائه :
((وإذا أردت في الناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون))، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: اللهم قد رقّ
عظمي وانتشرت وعييت فتوفني غير مقصر ولا عاجز.
قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: لضر نزل به - إنما يريد ضرر
:
:

٢٨٤
تفسير سورة يوسف / الآيات: ١٠٣ - ١٠٨
الدنيا كالفقر والمرض ونحو ذلك ويبقى تمني الموت مخافة فساد الدين مباحاً، ويدلك على هذا قول النبي
عليه السلام: ((يأتي على الناس زمان يمر فيه الرجل بقبر الرجل فيقول: يا ليتني مكانه، ليس به الدين لكن
ما يرى من البلاء والفتن)).
قال القاضي أبو محمد: فقوله: ليس به الدين - يقتضي إباحة ذلك أن لو كان عن الدين وإنما ذكر
رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة الناس كيف تكون.
وقوله: ﴿آتيتني من الملك﴾ قيل: ﴿من﴾ للتبعيض وقيل: لبيان الجنس؛ وكذلك في قوله: ﴿من
تأويل الأحاديث﴾ والمراد بقوله: ﴿الأحاديث﴾ الأحلام، وقيل: قصص الأنبياء والأمم.
وقوله: ﴿فاطر﴾ منادى، وقوله: ﴿أنت وليي﴾ أي القائم بأمري الكفيل بنصرتي ورحمتي ..
وقوله تعالى: ﴿ذلك من أنباء الغيب) الآية، ﴿ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قصة يوسف، وهذه الآية
تعريض لقريش وتنبيه على آية صدق محمد، وفي ضمن ذلك الطعن على مكذبيه .
والضمير في ﴿لديهم﴾ عائد إلى إخوة يوسف، وكذلك الضمائر إلى آخر الآية، و﴿أجمعوا﴾ معناه:
عزموا وجزموا، و﴿الأمر﴾ هنا هو إلقاء يوسف في الجب، و((المكر)) هو أن تدبر على الإنسان تدبيراً يضره
ويؤذيه، والخديعة هي أن تفعل بإنسان وتقول له ما يوجب أن يفعل هو فعلاً فيه عليه ضرر. وحكى الطبري
عن أبي عمران الجوني أنه قال: والله ما قص الله نبأهم ليعيرهم بذلك، إنهم لأنبياء من أهل الجنة، ولكن
قص الله علينا نبأهم لئلا يقنط عبده.
قوله عز وجل :
وَمَآ أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (٣) وَمَا تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ
١٠٥
لِلْعَلَمِينَ ﴿ وَكَأَيِنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ
أَفَأَمِنُواْأَنْ تَأْتِيَهُمْ غَشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ الَّهِأَوْتَأْتِيَهُمُ
١٠٦
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ
السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿ قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِيَّ أَدْعُواْ إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَأْ وَ مَنِ آَتَّبَعَنِّ
٠٨
وَسُبْحَنَ اللَّهِ وَمَآ أَنْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
هاتان الآيتان تدلان أن الآية التي قبلهما فيها تعريض لقريش ومعاصري محمد عليه السلام، كأنه
قال: فإخبارك بالغيوب دليل قائم على نبوتك، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون وإن كنت أنت حريصاً على
إيمانهم، أي يؤمن من شاء الله. وقوله: ﴿ولو حرصت﴾ اعتراض فصيح.
وقوله: ﴿وما تسألهم) الآية، توبيخ للكفرة وإقامة الحجة عليهم، أي ما أسفههم في أن تدعوهم إلى
الله دون أن تبغي منهم أجراً فيقول قائل: بسبب الأجر يدعوهم.

٢٨٥
تفسير سورة يوسف / الآيات: ١٠٣ - ١٠٨
وقرأ مبشر بن عبيد: ((وما نسألهم)) بالنون .
ثم ابتدأ اللّه تعالى الإخبار عن كتابه العزيز أنه ذكر وموعظة لجميع العالم - نفعنا الله به ووفر حظنا
منه بعزته -.
وقرأت الجماعة ((وكأيّن)) بهمز الألف وشد الياء، قال سيبويه: هي كاف التشبيه اتصلت بأي، ومعناها
معنى كم في التكثير. وقرأ ابن كثير ((وكائن)) بمدالألف وهمز الياء، وهو من اسم الفاعل من كان، فهو كائن
ولكن معناه معنى كم أيضاً. وقد تقدم استيعاب القراءات في هذه الكلمة في قوله: ﴿وكأين من نبي قتل﴾
[ آل عمران: ١٤٦].
وال﴿آية﴾ هنا المخلوقات المنصوبة للاعتبار والحوادث الدالة على الله سبحانه في مصنوعاته،
ومعنى ﴿يمرون عليها﴾ الآية - أي إذا جاء منها ما يحس أو يعلم في الجملة لم يتعظ الكافر به، ولا تأمله
ولا اعتبر به بحسب شهواته وعمهه، فهو لذلك کالمعرض، ونحو هذا المعنى قول الشاعر: [الطويل]
ا صفحاً بساكن ذي الغضا ويصدع قلبي أن يهب هبور
وقرأ السدي ((والأرضَ)) بالنصب بإضمار فعل، والوقف ـ على هذا - في ﴿السماوات) وقرأ عكرمة
وعمرو بن فائد ((والأرضُ)) بالرفع على الابتداء، والخبر قوله: ﴿يمرون﴾ وعلى القراءة بخفض ((الأرض))
ف﴿يمرون﴾ نعت لآية. وفي مصحف عبد الله: ((والأرض يمشون عليها)). وقوله: ﴿وما يؤمن أكثرهم)
الآية، قال ابن عباس: هي في أهل الكتاب الذين يؤمنون بالله ثم يشركون من حيث كفروا بنبيه، أو من
حيث قالوا عزير ابن الله، والمسيح ابن الله. وقال عكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد هي في كفار العرب،
وإيمانهم هو إقرارهم بالخالق والرازق والمميت، فسماه إيماناً وإن أعقبه إشراكهم بالأوثان والأصنام - فهذا
الإيمان لغوي فقط من حيث هو تصديقها. وقيل: هذه الآية نزلت بسبب قول قريش في الطواف والتلبية:
لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سمع
أحدهم يقول: لبيك لا شريك لك، يقول له: قط قط، أي قف هنا ولا تزد: إلا شريك هو لك.
وال﴿غاشية﴾ ما يغشي ويغطي ويغم، وقرأ أبو حفص مبشر بن عبد الله: ((يأتيهم الساعة بغتة)) بالياء،
و﴿بغتة﴾ معناه: فجأة، وذلك أصعب، وهذه الآية من قوله: ﴿وكأين) وإن كانت في الكفار - بحكم ما
قبلها - فإن العصاة يأخذون من ألفاظها بحظ، ويكون الإيمان حقيقة والشرك لغوياً كالرياء، فقد قال عليه
السلام: ((الرياء: الشرك الأصغر)).
وقوله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي﴾ الآية، إشارة إلى دعوة الإسلام والشريعة بأسرها. قال ابن زيد:
المعنى: هذا أمري وسنتي ومنهاجي .
وقرأ ابن مسعود: ((قل هذا سبيلي)) ((والسبيل)): المسلك، وتؤنث وتذكر، وكذلك الطريق،
و﴿بصيرة﴾: اسم لمعتقد الإنسان في الأمر من الحق واليقين، و((البصيرة)) أيضاً في كلام العرب: الطريقة
في الدم، وفي الحديث المشهور: ((تنظر في النصل فلا ترى بصيرة))، وبها فسر بعض الناس قول الأشعر الجعفي :

٢٨٦
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ١٠٩، ١١٠
راحوا بصائرهم على أكتافهم
وبصيرتي يعدو بها عند وأي
يصف قوماً باعوا دم وليهم فكأن دمه حصلت منه طرائق على أكتافهم إذ هم موسومون عند الناس
ببيع ذلك الدم.
قال القاضي أبو محمد: ويجوز أن تكون ((البصيرة)) في بيت الأشعر على المعتقد الحق، أي جعلوا
اعتقادهم طلب النار وبصيرتهم في ذلك وراء ظهورهم، كما تقول: طرح فلان أمري وراء ظهره.
وقوله: ﴿أنا ومن اتبعني﴾ يحتمل أن يكون تأكيداً للضمير في ﴿ادعوا﴾ ويحتمل أن تكون الآية كلها
أمارة بالمعروف داعية إلى الله الكفرة به والعصاة.
و﴿سبحان الله﴾ تنزيه الله، أي وقل: سبحان الله، وقل متبرئاً من الشرك. وروي أن هذه الآية: ﴿قل
هذه سبيلي﴾ إلى آخرها كانت مرقومة على رايات يوسف عليه السلام.
قوله عز وجل:
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَىُّ أَفَلَمْ يَسِيرُ وا فِى الْأَرْضِ
فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ اُلَآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ أَتَّقَوْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
حَتَّ إِذَا أَسْتَيَْسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوْاْأَنَّهُمْ قَدْ كُذِ بُواْجَآءَ هُمْ نَصْرُ نَا فَنُجِىَ مَن نَشَاءُ وَلَا
١٠٩
يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ
١١٠
هذه الآية تتضمن الرد على مستغربي إرسال الرسل من البشر كالطائفة التي قالت: أبعث اللها بشراً
رسولاً، وكالطائفة التي اقترحت ملكاً وغيرهما.
وقرأ الجمهور: ((يوحَى إليهم)) بالياء وفتح الحاء، وهي قراءة عاصم في رواية أبي بكر، وقرأ في رواية
حفص: ((نوجي)» بالنون وكسر الحاء وهي قراءة أبي عبد الرحمن وطلحة . *
و﴿القرى﴾: المدن، وخصصها دون القوم المنتوين - أهل العمود - فإنهم في كل أمة أهل جفاء
وجهالة مفرطة، قال ابن زيد: ﴿أهل القرى﴾ أعلم وأحلم من أهل العمود.
قال القاضي أبو محمد: فإنهم قليل نبلهم ولم ينشىء الله فيهم رسولاً قط. وقال الحسن: لم يبعث
الله رسولاً قط من أهل البادية ولا من النساء ولا من الجن.
قال القاضي أبو محمد: والتبدي مكروه إلا في الفتن وحين يفر بالدين، كقوله عليه السلام ((يوشك
أن يكون خير مال المسلم غنماً)) الحديث. وفي ذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلمة بن الأكوع
وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تعرب في الإسلام)) وقال: من ((بدا جفا)). وروي عنه معاذ بن جبل أنه
قال: ((الشيطان ذيب الإنسان كذيب الغنم يأخذ الشاة القاصية فإياكم والشعاب وعليكم بالمساجد
والجماعات والعامة)).
قال القاضى أبو محمد: ويعترض هذا ببدو يعقوب، وينفصل عن ذلك بوجهين:

٢٨٧
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ١٠٩، ١١٠
أحدهما: أن ذلك البدو لم يكن في أهل عمود بل هو بتقر في منازل وربوع.
والثاني: أنه إنما جعله بدواً بالإضافة إلى مصر كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر.
ثم أحالهم على الاعتبار في الأمم السالفة في أقطار الأرض التي كذبت رسلها فحاق بها عذاب الله،
ثم حض على الآخرة والاستعداد لها والاتقاء من الموبقات فيها، ثم وقفهم موبخاً بقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ .
وقوله: ﴿ولدار الآخرة﴾ زيادة في وصف إنعامه على المؤمنين، أي عذب الكفار ونجى المؤمنين،
ولدار الآخرة أحسن لهم.
وأما إضافة ((الدار)) إلى ﴿الآخرة﴾ فقال الفراء: هي إضافة الشيء إلى نفسه كما قال الشاعر:
[الوافر]
فإنك لو حللت ديار عبس
عرفت الذل عرفان اليقين
وفي رواية :
فلو أقوت عليك ديار إلخ .
وكما يقال: مسجد الجامع، ونحو هذا، وقال البصريون: هذه على حذف مضاف تقديره: ولدار
الحياة الآخرة أو المدة الآخرة.
قال القاضي أبو محمد: وهذه الأسماء التي هي للأجناس كمسجد وثوب وحق وجبل ونحو ذلك - إذا
نطق بها الناطق لم يدر ما يريد بها، فتضاف إلى معرف مخصص للمعنى المقصود فقد تضاف إلى جنس
آخر كقولك: جبل أحد، وقد تضاف إلى صفة كقولك: مسجد الجامع وحق اليقين، وقد تضاف إلى اسم
خاص كقولك جبل أحد ونحوه .
وقرأ الحسن والأعمش والأعرج وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وعلقمة ((يعقلون)) بالياء، واختلف عن
الأعمش. قال أبو حاتم: قراءة العامة: ((أفلا تعقلون)) بالتاء من فوق.
ويتضمن قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾ أن الرسل
الذين بعثهم الله من أهل القرى دعوا أممهم فلم يؤمنوا بهم حتى نزلت بهم المثلات، صاروا في حيز من
يعتبر بعاقبته، فلهذا المضمن حسن أن تدخل ﴿حتى﴾ في قوله: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن وعائشة - بخلاف - وعيسى وقتادة ومحمد بن كعب
والأعرج وأبو رجاء وابن أبي مليكة ((كُذّبوا)) بتشديد الذال وضم الكاف، وقرأ الباقون ((كُذِبوا)) بضم الكاف
وكسر الذال وتخفيفها - وهي قراءة علي بن أبي طالب وأبيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس ومجاهد
وطلحة والأعمش وابن جبير ومسروق والضحاك وإبراهيم وأبي جعفر، ورواها شيبة بن نصاح عن القاسم
عن عائشة - وقرأ مجاهد والضحاك وابن عباس وعبد الله بن الحارث - بخلاف عنهم - ((كَذَبوا)) بفتح الكاف
والذال، فأما الأولى فتحتمل أن يكون الظن بمعنى اليقين، ويكون الضمير في ﴿ظنوا﴾ وفي ﴿كذبوا﴾
للرسل، ويكون المكذبون مشركي من أرسل إليه؛ المعنى: وتيقن الرسل أن المشركين كذبوهم وهموا على
:

٢٨٨
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ١٠٩، ١١٠
ذلك، وأن الانحراف عنه ويحتمل أن يكون الظن على بابه، والضميران للرسل، والمكذبون مؤمنو من
أرسل إليه، أي مما طالت المواعيد حسب الرسل أن المؤمنين أولاً قد كذبوهم وارتابوا بقولهم.
وأما القراءة الثانية - وهي ضم الكاف وكسر الذال وتخفيفها - فيحتمل أن يكون المعنى - حتى إذا
استيأس الرسل من النصر أو من إيمان قومهم - على اختلاف تأويل المفسرين في ذلك - وظن المرسل إليهم
أن الرسل قد كذبوهم فيما ادعوه من النبوءة، أو فيما توعدوهم به من العذاب - لما طال الإمهال واتصلت
العافية - فلما كان المرسل إليهم - على هذا التأويل - مكذبين - بني الفعل للمفعول في قوله: ((كُذِبوا)) - هذا
مشهور قول ابن عباس وابن جبير - وأسند الطبري: أن مسلم بن يسار قال لسعيد بن جبير: يا أبا عبد الله،
آية بلغت مني كل مبلغ: ﴿حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا﴾ فهذا هو أن تظن الرسل أنهم قد
كذبوا مخففة. فقال له ابن جبير: يا أبا عبد الرحمن؛ إنما يئس الرسل من قومهم أن يجيبوهم، وظن قومهم
أن الرسل كذبتهم، فحينئذ جاء النصر. فقام مسلم إلى سعيد فاعتنقه وقال: فرجت عني فرج الله عنك.
قال القاضي أبو محمد: فرضي الله عنهم كيف كان خلقهم في العلم. وقال بهذا التأويل - في هذه
القراءة - ابن مسعود ومجاهد، ورجح أبو علي الفارسي هذا التأويل، وقال: إن رد الضمير في ﴿ظنوا﴾ وفي
((كذبوا)) على المرسل إليهم - وإن كان لم يتقدم لهم ذكر صريح - جائز لوجهين:
أحدهما: أن ذکر الرسل يقتضي ذکر مرسل إليه.
والآخر: أن ذكرهم قد أشير إليه في قوله: ﴿عاقبة الذين﴾، وتحتمل هذه القراءة أيضاً أن يكون
الضمير في ﴿ظنوا﴾ وفي ﴿كذبوا﴾ عائد على الرسل، والمعنى: كذبهم من أخبرهم عن الله، والظن على
بابه - وحكى هذا التأويل قوم من أهل العلم - والرسل بشر فضعفوا وساء ظنهم - قاله ابن عباس وابن مسعود
أيضاً وابن جبير - وقال: ألم يكونوا بشراً؟ وقال ابن مسعود لمن سأله عن هذا هو الذي نكره. وردت هذا
التأويل عائشة أم المؤمنين وجماعة من أهل العلم، وأعظموا أن توصف الرسل بهذا. وقال أبو علي
الفارسي : هذا غير جائز على الرسل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، وأين العصمة والعلم؟
وأما القراءة الثالثة - وهي فتح الكاف والذال ــ فالضمير في ﴿ظنوا﴾ للمرسل إليهم، والضمير في
((كذبوا)) للرسل، ويحتمل أن يكون الضميران للرسل، أي ظن الرسل أنهم قد كذبوا من حيث نقلوا
الكذب وإن كانوا لم يتعمدوه، فيرجع هذا التأويل إلى المعنى المردود الذي تقدم ذكره
وقوله: ﴿جاءهم نصرنا﴾ أي بتعذيب أممهم الكافرة، ثم وصف حال مجيء العذاب في أنه ينجي
الرسل وأتباعهم، وهم الذين شاء رحمتهم، ويحل بأسه بالمجرمين الكفرة.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي ((فُتُنْجي)) - بنونين - من أنجى. وقرأ الحسن:
((فننَجي)) - النون الثانية مفتوحة، وهو من نجى ينجّي. وقرأ أبو عمرو أيضاً وقتادة ((فنجّي)) - بنون واحدة
وشد الجيم وسكون الياء - فقالت فرقة: إنها كالأولى أدغمت النون الثانية في الجيم؛ ومنع بعضهم أن

٢٨٩
تفسير سورة يوسف / الآية: ١١١
يكون هذا موضع إدغام لتنافر النون والجيم في الصفات لا في المخارج، وقال: إنما حذفت النون في
الكتاب لا في اللفظ وقد حكيت هذه القراءة عن الكسائي ونافع. وقرأ عاصم وابن عامر ((فنجي)) بفتح الياء
على وزن فعل. وقرأت فرقة ((فننجي)) - بنونين وفتح الياء - رواها هبيرة عن حفص عن عاصم - وهي غلط من
هبيرة. وقرأ ابن محيصن ومجاهد ((فنجى)) - فعل ماض بتخفيف الجيم وهي قراءة نصر بن عاصم
والحسن بن أبي الحسن وابن السميفع وأبي حيوة، قال أبو عمرو الداني: وقرأت لابن محيصن ((فنجّى))
- بشد الجيم - على معنى فنجى النصر.
و((البأس)): العذاب. وقرأ أبو حيوة ((من يشاء)) - بالياء - وجاء الإخبار عن هلاك الكافرين، بقوله:
﴿ولا يرد بأسنا ... ) الآية - إذ في هذه الألفاظ وعيد بين، وتهديد لمعاصري محمد عليه السلام. وقرأ
الحسن «بأسه))، بالهاء .
قوله عز وجل :
لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىْ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ
الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْضِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمِ يُؤْمِنُونَ
الضمير في ﴿قصصهم﴾ عام ليوسف وأبويه وإخوته وسائر الرسل الذين ذكروا على الجملة، ولما
كان ذلك كله في القرآن قال عنه ﴿ما كان حديثاً يفترى﴾ فإذا تأملت قصة يوسف ظهر أن في غرائبها
وامتحان الله فيها لقوم في مواضع، ولطفه لقوم في مواضع، وإحسانه لقوم في مواضع، معتبراً لمن له لب
وأجاد النظر، حتى يعلم أن كل أمر من عند الله وإليه.
وقوله: ﴿ما كان﴾ صيغة منع، وقرينة الحال تقتضي أن البرهان يقوم على أن ذلك لا يفترى، وذلك
بأدلة النبوءة وأدلة الإعجاز، و((الحديث)) - هنا - واحد الأحاديث، وليس للذي هو خلاف القديم ها هنا
مدخل.
ونصب ﴿تصديقَ﴾ إما على إضمار معنى كان، وإما على أن تكون ﴿لكن﴾ بمعنى لكن المشددة.
وقرأ عيسى الثقفي ((تصديقُ)) بالرفع، وكذلك كل ما عطف عليه، وهذا على حذف المبتدأ، التقدير:
هو تصديق. وقال أبو حاتم: النصب على تقدير: ولكن كان، والرفع على: ولكن هو. وينشد بيت ذي
الرمة بالوجهين :
ولا دية كانت ولا كسي مأثم
وما كان مالي من تراث ورثته
إلى كل محجوب السرادق خضرم
ولكن عطاء الله من كل رحلة
رفع عطاء الله، والنصب أجود.
و﴿الذي بين يديه﴾ هو التوراة والإنجيل، والضمير في ﴿يديه﴾ عائد على القرآن، وهم اسم كان.
وقوله: ﴿كل شيءٍ﴾ يعني من العقائد والأحكام والحلال والحرام. وباقي الآية بين.

٢٩٠
تفسير سورة الرعد/ الآيتان: ٢٠٠١
بسمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِية
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
:4
سُورَةُ الرَّعَنِ
بسم الله الرحمن الرحيم، هذه السورة مكية - قاله سعيد بن جبير - وقال قتادة: هي مدنية غير قوله:
﴿ولو أن قرآناً سيرت ... ﴾ [الرعد: ٣١] الآية - حكاه الزهراوي - وحكى المهدوي عن قتادة: أن السورة
مكية إلا قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا ... ﴾ [الرعد: ٣١].
قال القاضي أبو محمد: وقال النقاش: هي مكية غير آيتين: قوله: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم
بما صنعوا قارعة أو تحل قريباً من دارهم﴾ [الرعد: ٣١]. وقوله: ﴿ومن عنده علم الكتاب﴾ [الرعد: ٤٣]
والظاهر - عندي - أن المدني فيها كثير، وكل ما نزل في شأن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة فهو مدني.
وقيل السورة مدنية - حكاه منذر بن سعيد البلوطي وحكاه مكي بن أبي طالب.
٠٠٠٠,
قوله عز وجل :
الّمَرَّ تِلْكَءَايَتُ الْكِتَبِّ وَالَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرِ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ اللَّهُ
الَّذِى رَفَعَ السَّمَوَتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّكُلّ يَجْرِى لِأَجَلٍ
مپ
٢
◌ُسَمَّى يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ بُفَصِّلُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُم ◌ِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
تقدم القول في فواتح السور وذكر التأويلات في ذلك إلا أن الذي يخص هذا الموضع من ذلك هو ما
قال ابن عباس رضي الله عنه: إن هذه الحروف هي من قوله: ((أنا الله أعلم وأرى)). ومن قال: إن حروف
أوائل السور هي مثال لحروف المعجم - قال: الإشارة هنا بـ ﴿تلك﴾ هي إلى حروف المعجم، ويصح -
على هذا - أن يكون ﴿الكتاب﴾ يراد به القرآن، ويصح أن يراد به التوراة والإنجيل. و﴿المر﴾ - على
هذا - ابتداء، و﴿تلك﴾ ابتداء ثان - و﴿آيات﴾ خبر الثاني، والجملة خبر الأول - وعلى قول ابن عباس
في ﴿المر﴾ يكون ﴿تلك﴾ ابتداء و﴿آيات﴾ بدل منه، ويصح في ﴿الكتاب﴾ التأويلان اللذان تقدما.
وقوله: ﴿والذي أنزل إليك من ربك الحق﴾ ﴿الذي﴾ رفع بالابتداء و﴿الحق﴾ خبره - هذا على
تأويل من يرى ﴿المر﴾ حروف المعجم، و﴿تلك آيات﴾ ابتداء وخبر. وعلى قول ابن عباس يكون
﴿الذي﴾ عطفاً على ﴿تلك﴾ و﴿الحق﴾ خبر ﴿تلك﴾. وإذا أريد بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن فالمراد بـ ﴿الذي
أنزل﴾ جميع الشريعة: ما تضمنه القرآن منها وما لم يتضمنه. ويصح في ﴿الذي﴾ أن يكون في موضع

٢٩١
تفسير سورة الرعد / الآيتان: ٢،١
خفض عطفاً على الكتاب، فإن أردت مع ذلك بـ ﴿الكتاب﴾ القرآن، كانت ((الواو) عطف صفة على صفة
لشيء واحد، كما تقول: جاءني الظريف والعاقل، وأنت تريد شخصاً واحداً، ومن ذلك قول الشاعر:
[المتقارب]
إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم
وإن أردت مع ذلك بـ ﴿الكتاب﴾ التوراة والإنجيل، فذلك بيّن، فإن تأولت مع ذلك ﴿المر﴾ حروف
المعجم - رفعت قوله: ﴿الحق) على إضمار مبتدأ تقديره: هو الحق، وإن تأولتها كما قال ابن عباس
فـ ﴿الحق﴾ خبر ﴿تلك﴾ ومن رفع ﴿الحق﴾ بإضمار ابتداء وقف على قوله: ﴿من ربك﴾ وباقي الآية
ظاهر بين إن شاء الله .
وقوله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها﴾ الآية، لما تضمن قوله: ﴿ولكن أكثر
الناس لا يؤمنون﴾ توبيخ الكفرة، عقب ذلك بذكر الله الذي ينبغي أن يوقن به، ويذكر الأدلة الداعية إلى
الإيمان به .
والضمير في قوله: ﴿ترونها﴾ قالت فرقة: هو عائد على ﴿السماوات﴾، فـ (ترونها﴾ - على هذا -
في موضع الحال، وقال جمهور الناس: لا عمد للسماوات البتة، وقالت فرقة: الضمير عائد على العمد،
فـ (ترونها﴾ - على هذا - صفة للعمد، وقالت هذه الفرقة: للسماوات عمد غير مرئية - قاله مجاهد وقتادة -
وقال ابن عباس: وما يدريك أنها بعمد لا ترى؟ وحكى بعضهم: أن العمد جبل قاف المحيط بالأرض،
والسماء عليها كالقبة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والحق أن لا ((عمد)) جملة، إذ العمد يحتاج إلى العمد
ويتسلسل الأمر، فلا بد من وقوفه على القدرة، وهذا هو الظاهر من قوله تعالى: ﴿ويمسك السماء أن تقع
على الأرض إلا بإذنه﴾ [الحج: ٦٥] ونحو هذا من الآيات، وقال إياس بن معاوية: السماء مقببة على
الأرض مثل القبة .
وفي مصحف أبيّ: ((ترونه)) بتذكير الضمير، و((العمد)): اسم جمع عمود، والباب في جمعه:
((عمد)) - بضم الحروف الثلاثة كرسول ورسل، وشهاب وشهب وغيره، ومن هذه الكلمة قول النابغة:
[البسيط]
وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفّاح والعمد
وقال الطبري: ((العمد)) - بفتح العين - جمع عمود، كما جمع الأديم أدماً.
قال القاضي أبو محمد: وليس كما قال، وفي كتاب سيبويه: إن الأدم اسم جمع، وكذلك نص
اللغويون على العمد، ولكن أبا عبيدة ذكر الأمر غير متيقن فاتبعه الطبري .
وقرأ يحيى بن وثاب ((بغير عُمُد)) بضم العين والميم.
وقوله: ﴿ثم﴾ هي - هنا - لعطف الجمل لا للترتيب، لأن الاستواء على العرش قبل ((رفع

٢٩٢
تفسير سورة الرعد / الآيتان: ٢٠١
السماوات))، ففي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: كان اللّه ولم يكن شيء قبله. وكان
عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض.
وقد تقدم القول في كلام الناس في ((الاستواء))، واختصاره: أن أبا المعالي رجح أنه ﴿استوى﴾
بقهره وغلبته، وقال القاضي ابن الطيب وغيره: ﴿استوى﴾ - في هذا الموضع - بمعنى استولى، والاستيلاء
قد يكون دون قهر. فهذا فرق ما بين القولين، وقال سفيان: فعل فعلاً سماه استواء. وقال الفراء:
﴿استوى﴾ - في هذا الموضع - كما تقول العرب: فعل زيد كذا ثم استوى إلي يكلمني، بمعنى أقبل
وقصد. وحكي لي عن أبي الفضل بن النحوي أنه قال: ﴿العرش) - في هذا الموضع - مصدر عرش،
مكانه أراد جميع المخلوقات، وذكر أبو منصور عن الخليل: أن العرش: الملك، وهذا يؤيد منزع أبي
الفضل بن النحوي إذ قال: العرش مصدر، وهذا خلاف ما مشى عليه الناس من أن العرش هو أعظم
المخلوقات وهو الشخص الذي كان على الماء والذي بين يديه الكرسي؛ وأيضاً فينبغي النظر على أبي
الفضل في معنى الاستواء قريباً مما هو على قول الجميع. وفي البخاري عن مجاهد أنه قال: المعنى: علا
على العرش.
قال القاضي أبو محمد: وكذلك هي عبارة الطبري، والنظر الصحيح يدفع هذه العبارة.
وقوله: ﴿وسخر﴾ تنبيه على القدرة، و ﴿الشمس والقمر﴾ في ضمن ذكرهما ذکر الكواكب - وكذلك
قال: ﴿كل يجري﴾ أي كل ما هو في معنى الشمس والقمر من التسخير، و﴿كل﴾ لفظة تقتضي الإضافة
ظاهرة أو مقدرة، و((الأجل المسمى)) هو انقضاء الدنيا وفساد هذه البنية، وقيل: يريد بقوله: ﴿لأجل
مسمى﴾ الحدود التي لا تتحداها هذه المخلوقات أن تجري على رسوم معلومة.
وقوله: ﴿يدبر﴾ بمعنى: يبرم - وينفذ - وعبر بالتدبير تقريباً لأفهام الناس، إذ التدبير إنما هو النظر في
أدبار الأمور وعواقبها، وذلك من صفة البشر، و﴿الأمر﴾ عام في جميع الأمور وما ينقضي في كل أوان في
السماوات والأرضين وقال مجاهد: ﴿يدبر الأمر﴾ معناه: يقضيه وحده.
وقرأ الجمهور: ((يفصل)) وقرأ الحسن بنون العظمة، ورواها الخفاف وعبد الوهاب عن أبي عمرو
وهبيرة عن حفص، قال المهدوي: ولم يختلف في ﴿يدبر﴾، وقال أبو عمرو الداني: إن الحسن قرأ
((نفصل)) و((ندبر)) بالنون فيهما، والنظر يقتضي أن قوله: ﴿يفصل﴾ ليس على حد قوله: ﴿يدبر﴾ من تعديد
الآيات بل لما تعددت الآيات وفي جملتها يدبر الأمر، أخبر أنه يفصلها لعل الكفرة يوقنون بالبعث،
و﴿الآيات﴾ هنا إشارة إلى ما ذكر في الآية وبعدها.
قوله عز وجل :
وَهُوَ الَّذِىِ مَّاَ لْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَارَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَ مِنْ كُلِ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَوِرَتُ وَجَنَّتٌ مِّنْ أَعْنَبِ
النَّهَارَ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

٢٩٣
تفسير سورة الرعد / الآيتان: ٤،٣
وَزَرْعٌ وَتَّخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَآءٍ وَحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِى الْأُكُلِّ إِنَّ
٤
فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
لما فرغت الآيات من ذكـ السماوات ذكرت آيات الأرض.
وقوله: ﴿مد الأرض﴾ يقتضي أنها بسيطة لا كرة - وهذا هو ظاهر الشريعة وقد تترتب لفظة المد
والبسط مع التكوير والله أعلم. و((الرواسي)) الجبال الثابتة، يقال: رسا يرسو، إذا ثبت، ومنه قول الشاعر:
[الطويل]
به خالدات ما يرمن وهامد وأشعث أرسته الوليدة بالفهر
و «الزوج)) - في هذه الآية - الصنف والنوع، وليس بالزوج المعروف بالمتلازمين الفردين من الحيوان
وغيره، ومنه قوله تعالى: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا
يعلمون﴾ [يس: ٣٦] ومثل هذه الآية: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج
بهيج﴾ [ق: ٧].
وهذه الآية تقتضي أن كل ثمرة فموجود منها نوعان، فإن اتفق أن يوجد في ثمرة أكثر من نوعين فغير
ضار في معنى الآية .
وقرأ ابن کثیر ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم ((يغْشي)) بسكون الغين وتخفيف الشین،
وقرأ حمزة والكسائي وعاصم - في رواية أبي بكر - بفتح الغين وتشديد الشين، وكفى ذكر الواحد ذكر
الآخر، وباقي الآية بین .
قال القاضي أبو محمد: ويشبه أن الأزواج التي يراد بها الأنواع والأصناف والأجناس إنما سميت
بذلك من حيث هي اثنان، اثنان، ويقال: إن في كل ثمرة ذكر وأنثى، وأشار إلى ذلك الفراء عند
المهدوي، وحكى عنه غيره ما يقتضي أن المعنى تم في قوله: ﴿الثمرات﴾ ثم ابتدأ أنه جعل في الأرض
من كل ذكر وأنثى زوجين.
وقوله تعالى: ﴿وفي الأرض قطع ... ) الآية، ((القطع)): جمع قطعة وهي الأجزاء، وقيد منها في
هذا المثال ما جاور وقرب بعضه من بعض، لأن اختلاف ذلك في الأكل أغرب.
وقرأ الجمهور ((وجناتٌ)) بالرفع، عطفاً على ﴿قطع﴾، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((وجناتٍ)) بالنصب
بإضمار فعل، وقيل: هو عطف على ﴿رواسي﴾، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص - عن عاصم - ((وزرعُ
ونخيلٌ صنوانٌ وغيرُ)) بالرفع في الكل - عطفاً على ﴿قطع﴾ - وقرأ الباقون: ((وزرع)) بالخفض في الكل -
عطفاً على ﴿أعناب﴾ وجعل الجنة من الأعناب من رفع الزرع.
و((الجنة)) حقيقة إنما هي الأرض التي فيها الأعناب وفي ذلك تجوز ومنه قول الشاعر: [زهير بن أبي
سلمى] [البسيط]

٢٩٤
تفسير سورة الرعد / الآيتان: ٣، ٤
من النواضح تسقي جنة سحقا
كأن عيني في غربي مقتلة
أي نخيل جنة، إذ لا توصف بالسحق إلا النخل، ومن خفض ((الزرع)) فـ ((الجنات)) من مجموع ذلك
لا من الزرع وحده، لأنه لا يقال للمزرعة جنة إلا إذا خالطتها شجرات.
و﴿صنوان﴾ جمع صنو، وهو الفرع يكون مع الآخر في أصل واحد، وربما كان أكثر من فرعين، قال
البراء بن عازب: الصنوان: المجتمع، ((وغير الصنوان)»: المتفرق فرداً فرداً، ومنه قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((العم صنو الأب)). وروي أن عمر بن الخطاب أسرع إليه العباس في ملاحاة فجاء إلى النبي صلى
الله عليه وسلم فقال: أردت يا رسول الله أن أقول يا رسول الله لعباس، فذكرت مكانك منه فسكت، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يرحمك الله يا عمر العم صنو الأب)). وفي كتاب الزكاة من صحيح مسلم
أنه قال: ((يا عمر أما شعرت أن العم صنو الأب)» وجمع الصنو صنوان، وهو جمع مكسر، قال أبو علي:
وكسرة الصاد في الواحد ليست التي في الجمع، وهو جار مجرى فلك. وتقول: صنو وصنوان في الجمع
بتنوين النون وإعرابه .
وقرأ عاصم - في رواية القواس عن حفص - ((صُنوان)) بضم الصاد قال أبو علي: هو مثل ذئب
وذئبان .
قال القاضي أبو محمد: وهي قراءة ابن مصرف وأبي عبد الرحمن السلمي، وهي لغة تميم وقيس،
وكسر الصاد هي لغة أهل الحجاز، وقرأ الحسن وقتادة ((صَنوان)) بفتح الصاد وهو اسم جمع لا جمع ونظير
هذه اللفظة: قنو وقنوان، وإنما نص على ((الصنوان)) في هذه الآية لأنها بمثابة التجاوز في القطع، تظهر فيه
غرابة اختلاف الأكل .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي والحسن وأبو جعفر وأهل مكة: ((تسقى)) بالتاء،
وأمال حمزة والكسائي القاف. وقرأ عاصم وابن عامر ((يسقى)) بالياء، على معنى يسقى ما ذكر. وقرأ
الجمهور ((نفضل)) بالنون وقرأ حمزة والكسائي ((ويفضل)) بالياء، وقرأ ابن محيصن: ((يسقى بماء واحد،
ويفضل)) بالياء فيهما، وقرأ يحيى بن يعمر وأبو حيوة ((ويفضَّل)) بالياء وفتح الضاد ((بعضُها)) بالرفع، قال أبو
حاتم: وجدته كذلك في نقط يحيى بن يعمر في مصحفه - وهو أول من نقط المصاحف.
و﴿الأكل﴾ اسم ما يؤكل، بضم الهمزة، والأكل المصدر.
وقرأت فرقة ((في الأَكُل)) بضم الهمزة والكاف، وقد تقدم هذا في البقرة وحكى الطبري عن غير
واحد - ابن عباس وغيره - ﴿قطع متجاورات﴾ أي واحدة سبخة، وأخرى عذبة، ونحو هذا من القول، وقال
قتادة المعنى : قرى متجاورات.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وجه من العبرة كأنه قال: وفي الأرض قطع مختلفات بتخصيص الله لها
بمعانٍ، فهي ((تسقى بماء واحد))، ولكن تختلف فيما تخرجه والذي يظهر من وصفه لها بالتجاور إنما هو
أنها من تربة واحدة ونوع واحد، وموضع العبرة في هذا أبين لأنها مع اتفاقها في التربة والماء، تفضل

٢٩٥
تفسير سورة الرعد / الآيات: ٥ - ٧
القدرة والإرادة بعض أكلها على بعض، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن هذه الآية -
فقال: ((الدقل والفارسي والحلو والحامض)). وعلى المعنى الأول قال الحسن: هذا مثل ضربه اللّه لقلوب
بني آدم: كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فسطحها فصارت قطعاً متجاورة فينزل عليها ماء واحد
من السماء - فتخرج هذه زهرة وثمرة، وتخرج هذه سبخة وملحاً وخبثاً، فكذلك الناس: خلقوا من آدم
فنزلت عليهم من السماء تذكرة - فرقت قلوب وخشعت، وقست قلوب ولهت وجفت: قال الحسن: فوالله ما
جالس أحد القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، قال الله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة
للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً﴾ [الإسراء: ٨٢].
والتفضيل في الأكل الأذواق والألوان والملمس وغير ذلك.
قوله عز وجل :
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَءِذَا كُنَّاتُرَبًا أَعِنَالَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِرَتِهِمْ
وَأُوْلَئِكَ الْأَغْلَلُ فِي أَعْنَاقِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ (١٥) وَيَسْتَعِْلُونَكَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اُلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوْلَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ.
٦
تُلْمِهِمٌّ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ لَى
إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِ قَوْمٍ هَادٍ (٢)
هذه آية توبيخ للكفرة أي ((وإن تعجب)) يا محمد من جهالتهم وإعراضهم عن الحق - فهم أهل
لذلك، وعجب وغريب ومزر بهم ((قولهم)): أنعود بعد كوننا («تراباً)) - خلقاً جديداً - ويحتمل اللفظ منزعاً
آخر أي وإن كنت تريد عجباً فلهم، فإن من أعجب العجب («قولهم)».
واختلف القراء في قراءة قوله: ﴿أئذا كنا تراباً﴾ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: ((أئذا كنا تراباً أثنا لفي
خلق جديد)) جميعاً بالاستفهام، غير أن أبا عمرو يمد الهمزة ثم يأتي بالياء ساكنة، وابن كثير يأتي بياء ساكنة
بعد الهمزة من غير مد. وقرأ نافع ((أئذا كنا)) مثل أبي عمرو، واختلف عنه في المد، وقرأ ((إنا لفي خلق
جديد)) مكسورة على الخبر، ووافقه الكسائي في اكتفائه بالاستفهام الأول عن الثاني، غير أنه كان
يهمز همزتين، وقرأ عاصم وحمزة ((أئذا كنا تراباً أثنا)) بهمزتين فيهما. وقرأ ابن عامر ((إذا
كنا)) مكسورة الألف من غير استفهام ((عائنا)) يهمز ثم يمد ثم يهمز، فمن قرأ بالاستفهامين فذلك للتأكيد
والتحفي والاهتبال بهذا التقدير، ومن استفهم في الأول فقط فإنما القصد بالاستفهام الموضع الثاني،
و((إذا)) ظرف له، و((إذا)) في موضع نصب بفعل مضمر، تقديره: أنبعث أو نحشر إذا. ومن استفهم في
الثاني فقط فهو بين، - ولا حول ولا قوة إلا بالله -.
والإشارة بـ ﴿أولئك﴾ إلى القوم القائلين: ﴿أئذا كنا تراباً﴾ وتلك المقالة إنما هي تقرير مصمم على
الجحد والإنكار للبعث، فلذلك حكم عليهم بالكفر.

٢٩٦
تفسير سورة الرعد / الآيات: ٥ - ٧
وقوله: ﴿وأولئك الأغلال﴾ يحتمل معنيين:
:٠
أحدهما: الحقيقة وأنه أخبر عن كون ﴿الأغلال في أعناقهم﴾ في الآخرة فهي كقوله تعالى: ﴿إذ
الأغلال في أعناقهم والسلاسل﴾ [غافر: ٧١].
ويحتمل أن يكون مجازاً وأنه أخبر عن كونهم مغللين عن الإيمان، فهي إذن تجري مجرى الطبع
والختم على القلوب، وهي كقوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً فهي إلى الأذقان، فهم مقمحون﴾
[يس: ٨] وباقي الآية بين.
وقال بعض الناس ﴿الأغلال﴾ - هنا - عبارة عن الأعمال، أي أعمالهم الفاسدة في أعناقهم
کالأغلال .
S.
قال القاضي أبو محمد: وتحرير هذا هو في التأويل الثاني الذي ذكرناه.
وقوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالسيئة .. ) الآية، هذه آية تبين تخطيئهم في أن يتمنوا المصائب،
ويطلبوا سقوط كسف من السماء أو حجارة تمطر عليهم ونحو هذا مع خلو ذلك في الأمم ونزوله بأناس
كثير؛ ولو كان ذلك لم ينزل قط لكانوا أعذر، و﴿المثلات﴾ جمع مثلة، كسمرة وسمرات، وصدقة
وصدقات .
وقرأ الجمهور ((المَثُلات)) بفتح الميم وضم الثاء، وقرأ مجاهد ((المَثَلاث)) بفتح الميم والثاء، وذلك
جمع مثلة، أي الأخذة الفذة بالعقوبة، وقرأ عيسى بن عمر ((المُثلات)) بضم الميم والتاء، ورويت عن أبي
عمرو؛ وقرأ يحيى بن وثاب بضم الميم وسكون الثاء، وهاتان جمع مثلة، وقرأ طلحة بن مصرف
((المَثْلات)) بفتح الميم وسكون الثاء.
ثم رجّى عز وجل بقوله: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم﴾ قال الطبري: معناه في
الآخرة، وقال قوم: المعنى: إذا تابوا، و((شديد العقاب)) إذا كفروا.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر من معنى ((المغفرة)) هنا إنما هو ستره في الدنيا وإمهاله للكفرة، ألا
ترى التيسير في لفظ ﴿مغفرة﴾، وأنها منكرة مقللة، وليس فيها مبالغة كما في قوله: ﴿وإني لغفار لمن
تاب﴾ [طه: ٨٢] ونمط الآية يعطي هذا، ألا ترى حكمه عليهم بالنار، ثم قال: ﴿ويستعجلونك) فلما
ظهر سوء فعلهم وجب في نفس السامع تعذيبهم، فأخبر بسيرته في الأمم وأنه يمهل مع ظلم الكفر، ولم يرد
في الشرع أن الله تعالى يغفر ظلم العباد.
ثم خوف بقوله: ﴿وإن ربك لشديد العقاب﴾ قال ابن المسيب: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله.
صلى الله عليه وسلم: ((لولا عفو الله ومغفرته لما تمنى أحد عيشاً، ولولا عقابه لاتكل كل أحد)). وقال ابن
عباس: ليس في القرآن أرجى من هذه الآية.
و((﴿المثلات﴾ هي العقوبات المنكلات التي تجعل الإنسان مثلاً يتمثل به، ومنه التمثيل بالقتلى،
ومنه المثلة بالعبيد .

٢٩٧
تفسير سورة الرعد / الآيات: ٨ - ١٠
وقوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا﴾ الآية، هذه آية غض من اقتراحاتهم المتشططة التي لم يجر الله
به عادة إلا للأمم التي حتم بعذابها واستئصالها، و((الآية)» هنا يراد بها الأشياء التي سمتها قريش كالملك
والكنز وغير ذلك، ثم أخبره الله تعالى بأنه ﴿منذر﴾ وهذا الخبر قصد هو بلفظه، والناس أجمعون بمعناه.
واختلف المتأولون في قوله: ﴿ولكل قوم هاد﴾ فقال عكرمة وأبو الضحى: المراد بالهادي محمد
عليه السلام، و﴿هادٍ﴾ عطف على ﴿منذر﴾ كأنه قال: إنما أنت ﴿منذر﴾ و﴿هادٍ﴾ لكل قوم. فيكون هذا
المعنى يجري مع قوله عليه السلام: بعثت للأسود والأحمر. و﴿هادٍ﴾ - على هذا - في هذه الآية بمعنى
داعٍ إلى طريق الهدى. وقال مجاهد وابن زيد: المعنى: إنما أنت ((منذر)) ولكل أمة سلفت ((هادٍ)) أي نبي
يدعوهم.
قال القاضي أبو محمد: والمقصد: فليس أمرك يا محمد ببدع ولا منكر، وهذا يشبه غرض الآية.
وقالت فرقة: ((الهادي)) في هذه الآية الله عز وجل، وروي ذلك عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير،
و﴿هادٍ﴾ - على هذا - معناه مخترع للرشاد.
قال القاضي أبو محمد: والألفاظ تطلق بهذا المعنى، ويعرف أن الله تعالى هو الهادي من غير هذا
الموضع.
وقالت فرقة ((الهادي)): علي بن أبي طالب، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن
عباس - أنه قرأ هذه الآية وعلي حاضر، فأومأ بيده إلى منكب علي وقال: أنت الهادي يا علي بك يهتدي
المهتدون من بعدي .
قال القاضي أبو محمد: والذي يشبهه - إن صح هذا - أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل علياً
رضي الله عنه مثالاً من علماء الأمة وهداتها إلى الدين، كأنه قال: أنت يا علي وصنفك، فيدخل في هذا أبو
بكر وعمر وعثمان وسائر علماء الصحابة، ثم كذلك من كل عصر، فيكون المعنى - على هذا - إنما أنت يا
محمد ولكل قوم في القديم والحديث رعاة وهداة إلى الخير.
قال القاضي أبو محمد: والقولان الأولان أرجح ما تأول في الآية .
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ اَلْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
٨
قوله عز وجل :
سَوَاءٌ مِّنكُمْ مَنْ أَسَرَّ اُلْقَوْلَ وَمَنجَهَرَبِهِ،
عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ
١٠
---- --- --
لما تقدم تعجب الكفار واستبعادهم البعث من القبور - قص في هذه الآيات المثل المنبهة على قدرة
الله تعالى القاضية بتجويز البعث:

٢٩٨
تفسير سورة الرعد / الآيات: ٨ - ١٠
فمن ذلك هذه الواحدة من الخمس التي هي من مفاتيح الغيب، وهي أن الله تعالى انفرد بمعرفة ما
تحمل به الإناث، من الأجنة من كل نوع من الحيوان؛ وهذه البدأة تبين أنه لا تتعذر على القادر عليها
الإعادة.
و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما تحمل﴾ يصح أن تكون بمعنى الذي، مفعولة ﴿يعلم﴾ ويصح أن تكون
مصدرية، مفعولة أيضاً بـ ﴿يعلم﴾، ويصح أن تكون استفهاماً في موضع رفع بالابتداء، والخبر:
﴿تحمل﴾ وفي هذا الوجه ضعف.
وفي مصحف أبي بن كعب: ((ما تحمل كل أنثى وما تضع)).
وقوله: ﴿وما تغيض الأرحام﴾ معناه: ما تنقص، وذلك أنه من معنى قوله: ﴿وغيض الماء﴾
[هود: ٤٤] وهو بمعنى النضوب فهي - هاهنا - بمعنى زوال شيء عن الرحم وذهابه، فلما قابله قوله: ﴿وما
تزداد﴾ فسر بمعنى النقصان: ثم اختلف المتأولون في صورة الزيادة والنقصان: فقال مجاهد ((غيض
الرحم)) أن يهرق دماً على الحمل، وإذا كان ذلك ضعف الولد في البطن وشحب، فإذا أكملت الحامل
تسعة أشهر لم تضع وبقي الولد في بطنها زيادة من الزمن يكمل فيها من جسمه وصحته ما نقص بمهراقة
الدم، فهذا هو معنى قوله: ﴿وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾ وجمهور المتأولين على أن غيض الرحم الدم
على الحمل.
وذهب بعض الناس إلى أن غيضه هو نضوب الدم فيه وامتساكه بعد عادة إرساله بالحيض، فيكون
قوله: ﴿وما تزداد﴾ - بعد ذلك - جارياً مجرى ﴿تغيض﴾ على غير مقابلة، بل غيض الرحم هو بمعنى
الزيادة فيه .
وقال الضحاك: غيض الرحم أن تسقط المرأة الولد، والزيادة أن تضعه لمدة كاملة تاماً في خلقه.
وقال قتادة: الغيض: السقط، والزيادة: البقاء بعد تسعة أشهر.
٠٤٠
١
وقوله: ﴿وكل شيء عنده بمقدار﴾ لفظ عام في كل ما يدخله التقدير، و﴿الغيب): ما غاب عن
الإدراكات، و ﴿الشهادة﴾: ما شوهد من الأمور، ووضع المصادر موضع الأشياء التي كل واحد منها لا بد
أن يتصف بإحدى الحالتين.
وقوله: ﴿الكبير﴾ صفة تعظيم على الإطلاق، و ((المتعالي)) من العلو.
واختلفت القراءة في الوقف على ((المتعال)): فأثبت ابن كثير وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه -
الياء في الوصل والوقف، ولم يثبتها الباقون في وصل ولا وقف. وإثباتها هو الوجه والباب. واستسهل
سيبويه حذفها في الفواصل - كهذه الآية - قياساً على القوافي في الشعر، ويقبح حذفها في غير فاصلة ولا
شعر، ولكن وجهه أنه لما كان التنوين يعاقب الألف واللام أبداً، وكانت هذه الياء تحذف مع التنوين،
حسن أن تحذف مع معاقبه.
قال القاضي أبو محمد: ويتصل بهذه الآية فقه يحسن ذكره: فمن ذلك اختلاف الفقهاء في الدم

٢٩٩
تفسير سورة الرعد / الآيات: ٨ - ١٠
الذي تراه الحامل، فذهب مالك رحمه اللّه وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وجماعة، إلى أنه حيض.
وقالت فرقة عظيمة: ليس بحيض، ولو كان حيضاً لما صح استبراء الأمة بحيض وهو إجماع. وروي عن
مالك - في كتاب محمد - ما يقتضي أنه ليس بحيض، ومن ذلك أن الأمة مجمعة على أن أقل مدة الحمل
ستة أشهر، وذلك منتزع من قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهراً﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله تعالى:
﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين﴾ [البقرة: ٢٣٣].
وهذه الستة أشهر هي بالأهلة - كسائر أشهر الشريعة - ولذلك قد روي في المذهب عن بعض
أصحاب مالك - وأظنه في كتاب ابن حارث - أنه إن نقص من الأشهر الستة ثلاثة أيام، فإن الولد يلحق لعلة
نقص الشهور وزيادتها واختلف فى أكثر الحمل فقيل تسعة أشهر.
قال القاضى أبو محمد: وهذا ضعيف.
وقالت عائشة وجماعة من العلماء أكثره حولان، وقالت فرقة: ثلاثة أعوام وفي المدونة: أربعة أعوام
وخمسة أعوام. وقال ابن شهاب وغيره: سبعة أعوام، ويروى أن ابن عجلان ولدت امرأته لسبعة أعوام،
وروي أن الضحاك بن مزاحم بقي حولین - قال: وولدت وقد نبتت ثناياي، وروي أن عبد الملك بن مروان
ولد لستة أشهر.
وقوله تعالى: ﴿سواء منكم﴾ الآية: ﴿سواء﴾ مصدر وهو يطلب بعده شيئين يتماثلان. ورفعه على
خبر الابتداء الذي هو ((من)) والمصدر لا يكون خبراً إلا بإضمار كما قالت الخنساء: [البسيط]:
فإنما هي إقبال وإدبار
أي ذات إقبال وإدبار. فقالت فرقة هنا: المعنى: ذو سواء، وقال الزجاج كثر استعمال سواء في
كلام العرب حتى جرى مجرى اسم الفاعل فلا يحتاج إلى إضمار.
قال القاضي أبو محمد: هو عندي کعدل وزور وضيف.
وقالت فرقة: المعنى : مستوٍ منكم، فلا يحتاج إلى إضمار.
قال القاضي أبو محمد : وضعف هذا سيبويه بأنه ابتداء بنكرة.
ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله فهمس به في نفسه، ﴿ومن
جهر به﴾ فأسمع، لا يخفى على الله تعالى شيء.
٠٠٠
وقوله تعالى: ﴿ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ معناه: من هو بالليل في غاية الاختفاء،
ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما. وذهب ابن عباس ومجاهد
إلى معنى مقتضاه: أن ((المستخفي والسارب)) هو رجل واحد مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في
التصرف مع الناس.
قال القاضي أبو محمد: فهذا قسم واحد جعل الليل نهار راحته، والمعنى: هذا والذي أمره كله
!

٣٠٠-
تفسير سورة الرعد / الآيات: ١١-١٣
واحد بريء من الريب سواء في اطلاع الله تعالى على الكل، ويؤيد هذا التأويل عطف السارب دون تكرار
﴿من﴾ ولا يأتي حذفها إلا في الشعر و((السارب)) - في اللغة - المتصرف كيف شاء، ومن ذلك قول الشاعر:
[الأخنس بن شهاب الثعلبي] [الطويل]
أرى كل قوم كاربوا قيد محلهم ونحن حللنا قيده فهو سارب
أي متصرف غير مدفوع عن جهة، وهذا رجل يفتخر بعزة قومه، ومن ذلك قول الآخر: [قيس بن
الخطيم] [الكامل]
إني سربت وكنت غير سروب وتقرب الأحلام غير قريب
وتحتمل الآية أن تتضمن ثلاثة أصناف: فالذي يسر طرف، والذي يجهر طرف مضاد للأول،
والثالث: متوسط متلون: يعصي بالليل مستخفياً، ويظهر البراءة بالنهار. و﴿القول﴾ في الآية يطرد معناه
في الأعمال.
وقال قطرب ــ فيما حكى الزجاج - ﴿مستخف﴾ معناه: الظاهر من قولهم خفيت الشيء إذا أظهرته .
قال القاضي أبو محمد: قال امرؤ القيس: [الطويل]
خفاهن ودق من عشي مجلّب
خفاهن من أنفاقهن كأنما
قال: و﴿سارب﴾ معناه: متوار في سرب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا القول - وإن كان تعلقه باللغة بيناً - فضعيف، لأن اقتران الليل
بـ ((المستخفي))، والنهار بـ ((السارب)) - يرد على هذا القول.
قوله عز وجل :
لَمُ مُعَقِّبَاتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ
مَا بِأَنْفُسِهِمٌّ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّلَهٌ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِنْ وَالٍ لَهُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ
اُلْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُ السَّحَابَ النِّقَالَ ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَئِكَةُ
مِنْ خِيفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِىِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ
اِحَالِ
١٣
اختلف المتأولون في عود الضمير من ﴿له﴾: فقالت فرقة: هو عائد على اسم الله عز وجل المتقدم
ذكره، و((المعقبات)) - على هذا الملائكة الحفظة على العباد أعمالهم، والحفظة لهم أيضاً - قاله الحسن،
وروى فيه عثمان بن عفان حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول مجاهد والنخعي - والضمير على
هذا في قوله: ﴿يديه﴾ وما بعده من الضمائر عائد على العبد المذكور في قوله: ﴿من هو مستخف﴾