النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٧ - ١٠
يريد النبوءة وما انضاف إليها من سائر النعم. وقوله: ﴿آل يعقوب﴾ يريد في هذا الموضع الأولاد والقرابة
التي هي من نسله، أي يجعل فيهم النبوءة، ويروى أن ذلك إنما علمه يعقوب من دعوة إسحاق له حين
تشبه له بعيصو - والقصة كاملة في كتاب النقاش لكني اختصرتها لأنه لم ينبل ألفاظها وما أظنه انتزعها إلا من
كتب بني إسرائيل، فإنها قصة مشهورة عندهم، وباقي هذه الآية بيّن. و((النعمة)) على يوسف كانت تخليصه
من السجن وعصمته والملك الذي نال ؛ وعلى ﴿إبراهيم﴾ هي اتخاذه خليلاً؛ وعلى ﴿إسحاق﴾ فديته
بالذبح العظيم، مضافاً ذلك كله إلى النبوءة. و﴿عليم حكيم﴾ مناسبتان لهذا الوعد.
قوله عز وجل :
إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا
٧
◌َّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ:،َايَتٌ لِلِسَّآبِلِينَ
اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِأَطْرَ حُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ
٨
وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلِ تُّبِينٍ
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلَّقُوهُ فِ غَيَبَتِ الْجُبِّ
وَتَكُونُواْمِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَلِحِينَ!
يَلْنَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَعِلِينَ
١٠
قرأ الجمهور ((آيات)) بالجمع، وقرأ ابن كثير - وحده ــ «آية)) بالإفراد، وهي قراءة مجاهد وشبل
وأهل مكة؛ فالأولى: على معنى أن كل حال من أحواله آية فجمعها. والثانية: على أنه بجملته آية، وإن
تنصل بالمعنى، ووزن ((آية)) فعلة أو فعلة أو فاعلة على الخلاف فيه، وذكر الزجّاج: أن في غير مصحف
عثمان: ((عبرة للسائلين))؛ قال أبو حاتم: هو في مصحف أبيّ بن كعب.
وقوله: ﴿للسائلين﴾ يقتضي حضاً ما على تعلم هذه الأنباء، لأنه إنما المراد آية للناس، فوصفهم
بالسؤال إذ كل واحد ينبغي أن يسأل عن مثل هذه القصص، إذ هي مقر العبر والاتعاظ. ويصح أيضاً أن
يصف الناس بالسؤال من حيث كان سبب نزول السورة سؤال سائل كما روي. وقولهم: ﴿وأخوه﴾ يريدون
به: يامين - وهو أصغر من يوسف - ويقال له: بنيامين، وقيل: كان شقيق يوسف وكانت أمهما ماتت، ويدل
على أنهما شقيقان تخصيص الأخوة لهما بـ ﴿أخوه﴾ وهي دلالة غير قاطعة. وكان حب يعقوب ليوسف عليه
السلام ويامين لصغرهما وموت أمهما، وهذا من حب الصغير هي فطرة البشر؛ وقد قيل لابنة الحسن: أي
بنيك أحب إليك؟ قالت: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم، والمريض حتى يفيق.
وقولهم: ﴿ونحن عصبة﴾ أي نحن جماعة تضر وتنفع، وتحمي وتخذل، أي لنا كانت تنبغي المحبة
والمراعاة. و((العصبة)) في اللغة: الجماعة، قيل: من عشرة إلى خمسة عشر، وقيل: من عشرة إلى
أربعين، وقال الزجاج: العشرة ونحوهم، وفي الزهراوي: الثلاثة: نفر - فإذا زادوا فهم: رهط إلى التسعة،
فإذا زادوا فهم: عصبة، ولا يقال لأقل من عشرة: عصبة. وقولهم: ﴿لفي ضلال مبين﴾ أي لفي اختلاف وخطأ
في محبة يوسف وأخيه، وهذا هو معنى الضلال، وإنما يصغر قدره أو يعظم بحسب الشيء الذي فيه يقع
الائتلاف. و﴿مبين﴾ معناه: يظهر للمتأمل.

٢٢٢
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٧ - ١٠
وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة ((مبين اقتلوا)) بكسر التنوين في الوصل لالتقاء ساكن التنوين
والقاف، وقرأ نافع وابن كثير والكسائي ((مبين اقتلوا)) بكسر النون وضم التنوين إتباعاً لضمة التاء ومراعاة
لها.
وقوله: ﴿اقتلوا يوسف﴾ الآية، كانت هذه مقالة بعضهم. ﴿أو اطرحوه﴾ معناه: أبعدوه، ومنه قول
عروة بن الورد :
ومن يك مثلي ذا عيال ومقتراً يغرر ويطرح نفسه كل مطرح
والنوى: الطروح البعيدة، و﴿أرضاً﴾ مفعول ثان بإسقاط حرف الجر، لأن طرح - لا يتعدى إلى
مفعولين إلا كذلك. وقالت فرقة: هو نصب على الظرف - وذلك خطأ لأن الظرف ينبغي أن يكون مبهماً
وهذه هنا ليست كذلك بل هي أرض مقيدة بأنها بعيدة أو قاصية ونحو ذلك فزال بذلك إبهامها، ومعلوم أن
يوسف لم يخل من الكون في أرض، فبين أنها أرض بعيدة غير التي هو فيها قريب من أبيه.
وقوله: ﴿يخل لكم وجه أبيكم﴾ استعارة، أي إذا فقد يوسف رجعت محبته إليكم، ونحو هذا قول
العربي حين أحبته أمه لما قتل إخوته وكانت قبل لا تحبه: الثكل أرأمها، أي عطفها عليه، والضمير في
﴿بعده﴾ عائد على يوسف أو قتله أو طرحه، و﴿صالحين﴾ قال السدي ومقاتل بن سليمان: إنهم أرادوا
صلاح الحال عند أبيهم، وهذا يشبه أن يكون قصدهم في تلك الحال ولم يكونوا حينئذ أنبياء، وقال
الجمهور: ﴿صالحين﴾ معناه بالتوبة، وهذا هو الأظهر من اللفظ، وحالهم أيضاً تعطيه، لأنهم مؤمنون بثوا
على عظيمة وعللوا أنفسهم بالتوبة؛ والقائل منهم قيل: هو روبيل - أسنهم - قاله قتادة وابن إسحاق، وقيل:
يهوذا أحلمهم، وقيل شمعون أشجعهم، قاله مجاهد، وهذا عطف منه على أخيه لا محالة لما أراد الله من
إنفاذ قضائه. و((الغيابة)) ما غاب عنك من الأماكن أو غيب عنك شيئاً آخر ..
وقرأ الجمهور: ((غيابة الجب))، وقرأ نافع وحده (غيابات الجب))، وقرأ الأعرج ((غيّابات الجب)) بشد
الياء، قال أبو الفتح: هو اسم جاء على فعالة، كان أبو علي يلحقه بما ذكر سيبويه من الفياد ونحوه،
ووجدت أنا من ذلك: التيار للموج والفجار للخزف.
قال القاضي أبو محمد: وفي شبه غيابة بهذه الأمثلة نظر لأن غيابة جارية على فعل.
وقرأ الحسن: ((في غيبة الجب)) على وزن فعلة، وكذلك خطت في مصحف أبي بن كعب، ومن هذه
اللفظة قول الشاعر - وهو المنخل -
فسيروا بسيري في العشيرة والأهل
فإن أنا يوماً غيبتني غيابتي
و﴿الجب﴾ البئر التي لم تطو لأنها جبت من الأرض فقط.
وقرأ الجمهور: ((يلتقطه بعض)) بالياء من تحت على لفظ بعض، وقرأ الحسن البصري ومجاهد وقتادة
وأبو رجاء ((تلتقطه)) بالتاء، وهذا من حيث أضيف ﴿البعض) إلى (السيارة) فاستفاد منها تأنيث العلاقة،
ومن هذا قول الشاعر: [الوافر]
:

تفسير سورة يوسف / الآيات: ١١ - ١٥ -
٢٢٣
كما أخذ السرار من الهـلال
أرى مرّ السنين أخذنْ منّي
ومنه قول الآخر: [الطويل]
إذا مات منهم سيد قام سيد
فذلت له أهل القرى والكنائس
وقول كعب: [الكامل]
ذلت لوقعتها جميع نزار
حين أراد بنزار القبيلة، وأمثلة هذا كثير.
وروي أن جماعة من الأعراب التقطت يوسف عليه السلام: و﴿السيارة﴾ جمع سيار. وهو بناء
للمبالغة، وقيل في هذا ﴿الجب﴾: أنه بئر بيت المقدس. وقيل: غيره: وقيل: لم يكن حيث طرحوه ماء
ولكن أخرجه الله فيه حتى قصده الناس للاستقاء: وقيل: بل كان فيه ماء كثير يغرق يوسف فنشز حجر من
أسفل الجب حتى ثبت عليه يوسف، وروي أنهم رموه بحبل في الجب فتماسك بيديه حتى ربطوا يديه
ونزعوا قميصه ورموه حينئذ، وهموا برضخه بالحجارة فمنعهم أخوهم المشير بطرحه من ذلك.
قوله عز وجل :
قَالُواْ يَكَأَبَنَا مَالَكَ لَا تَأْمَنَا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّالُ لَنَصِحُونَ (١) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرَّتَعْ وَيَلْعَبْ
قَالَ إِنِّى لَيَحْزُ نُنِى أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّتْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ
وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ )
قَالُواْلَيْنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّا إِذَا لَّخَسِرُونَ ﴿﴿ فَلَمَّاذَهَبُواْ
غَفِلُونَ فَّ
بِهِوَأَ جْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُنِّ وَأَوْ حَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّتَنَّهُمِ بِأَمْرِ هِمْهَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
١٥
:
الآية الأولى تقتضي أن أباهم قد كان علم منهم إرادتهم الخبيثة في جهة يوسف. وهذه أنهم علموا
هم منه بعلمه ذلك.
!
وقرأ الزهري وأبو جعفر ((لا تأمنا)) بالإدغام دون إشمام. ورواها الحلواني عن قالون، وقرأ السبعة
بالإشمام للضم، وقرأ طلحة بن مصرف ((لا تأمننا)) وقرأ ابن وثاب والأعمش ((لا تيمنا)) بكسر تاء العلامة.
و﴿غداً﴾ ظرف أصله: غدو، فلزم اليوم كله، وبقي الغدو والغدوة اسمين لأول النهار، وقال النضر
ابن شميل: ما بين الفجر إلى الإسفار يقال فيه غدوة. وبكرة.
وقرأ أبو عمرو وأبو عامر: ((نرتعْ ونلعبْ)) بالنون فيهما وإسكان العين والباء، و((نرتعْ)) - على هذا - من
الرتوع وهي الإقامة في الخصب والمرعى في أكل وشرب، ومنه قول الغضبان بن القبعثري: القيد والرتعة
وقلة التعتعة. ومنه قول الشاعر : [الوافر]
٠
وبعد عطائك المائة الرتاعا

٢٢٤
تفسير سورة يوسف / الآيات: ١١ - ١٥
و((لعبهم)) هذا دخل في اللعب المباح كاللعب بالخيل والرمي ونحوه، فلا وصم عليهم في ذلك،
وليس باللعب الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: كيف يقولون: نلعب وهم
أنبياء؟ قال: لم يكونوا حينئذ أنبياء.
وقرأ ابن کثیر: ((نرتع ونلعبْ)» بالنون فيهما، ويكسر العين وجزم الباء، وقد روي عنه ((ويلعب)» بالياء،
وهي قراءة جعفر بن محمد. و((نرتعِ)) - على هذا - من رعاية الإبل: وقال مجاهد هي من المراعاة: أي
يراعي بعضنا بعضاً ويحرسه، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((يرتع ويلعب)) بإسناد ذلك كله إلى يوسف، وقرأ نافع
(يرتع)) بالياء فيهما وكسر العين وجزم الباء، فـ(يرتعِ)) - على هذا - من رعي الإبل؛ قال ابن زيد: المعنى:
يتدرب في الرعي وحفظ المال؛ ومن الارتعاء قول الأعشى:
ترتعي السفح فالكثيب فذاقا ن فروض القطا فذات الرئال
قال أبو علي: وقراءة ابن كثير - ((نرتع)) بالنون و((يلعب)) بالياء - فنزعها حسن، لإسناد النظر في المال
والرعاية إليهم، واللعب إلى يوسف لصباه.
وقرأ العلاء بن سيابة، ((يرتع ويلعبُ)) برفع الباء على القطع. وقرأ مجاهد وقتادة: ((نُريّع)) بضم النون
وكسر التاء و((نلعبْ)) بالنون والجزم. وقرأ ابن كثير - في بعض الروايات عنه - ((نرتعي)) بإثبات الياء - وهي
ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر كما قال الشاعر: [الوافر]
بما لاقت لبون بني زياد
ألم يأتيك والأنباء تنمي
وقرأ أبو رجاء ((يُرتعْ)) بضم الياء وجزم العين و((يلعبْ)) بالياء والجزم.
وعللوا طلبه والخروج به بما يمكن أن يستهوي يوسف لصباه من الرتوع واللعب والنشاط.
وقوله تعالى : ﴿إني ليحزنني﴾ الآية.
قرأ عاصم وابن كثير والحسن والأعرج وعيسى وأبو عمرو وابن محيصن ((ليَحزُنني)) بفتح الياء وضم
الزاي، قال أبو حاتم : وقرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي والإدغام، ورواية روش عن نافع: بيان النونين مع
ضم الياء وكسر الزاي في جميع القرآن، وأن الأولى فاعلة والثانية مفعولة بـ﴿أخاف﴾. وقرأ الكسائي
وحده: ((الذيب)) دون همز وقرأ الباقون بالهمز - وهو الأصل ومنه جمعهم إياه على ذوبان، ومنه تذاءبت
الريح والذئاب إذا أتت من ها هنا وها هنا. وروى ورش عن نافع: ((الذيب)) بغير همز، وقال نصر: سمعت
أبا عمرو لا يهمز، قال: وأهل الحجاز يهمزون.
وإنما خاف يعقوب الذئب دون سواه، وخصصه لأنه كان الحيوان العادي المنبت في القطر، وروي
أن يعقوب کان رأی في منامه ذئباً يشتد على يوسف.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف لأن يعقوب لو رأى ذلك لكان وحياً، فإما أن يخرج على
وجهه وذلك لم يكن، وإما أن يعرف يعقوب بمعرفته لعبارة مثال هذا المرئي، فكان يتشکاه بعينه، اللهم إلا

٢٢٥
تفسير سورة يوسف / الآيات: ١١ - ١٥
أن يكون قوله: ﴿أخاف أن يأكله الذئب﴾ بمعنى أخاف أن يصيبه مثل ما رأيت من أمر الذئب - وهذا بعيد -
وكذلك يقول الربيع بن ضبع: [المنسرح]
والذئب أخشاه.
إنما خصصه لأنه كان حيوان قطره العادي، ويحتمل أن يخصصه يعقوب عليه السلام لصغر يوسف:
أي أخاف عليه هذا الحقير فما فوقه، وكذلك خصصه الربيع لحقارته وضعفه في الحيوان، وباقي الآية
بین.
وقوله تعالى: ﴿فلما ذهبوا به﴾ الآية، أسند الطبري إلى السدي قال: ذهبوا بيوسف وبه عليهم
كرامة، فلما برزوا في البرية أظهروا له العداوة، وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه فجعل لا يرى
منهم رحيماً، فضربوه حتى كادوا يقتلونه، فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب لو تعلم ما صنع بابنك
بنو الإماء، فقال لهم يهوذا: ألم تعطوني موثقاً أن لا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب، فجعلوا يدلونه فيتعلق
بالشفير فربطوا يديه ونزعوا قميصه. فقال: يا إخوتاه ردوا عليَّ قميصي أتوارى به في الجب، فقالوا: ادْعُ
الشمس والقمر والكواكب تؤنسك؛ فدلوه حتى إذا بلغ نصف الجب ألقوه إرادة أن يموت، فكان في الجب
ماء فسقط فيه ثم قام على صخرة يبكي، فنادوه، فظن أنهم رحموه، فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بصخرة،
فمنعهم يهوذا، وكان يأتيه بالطعام .
وجواب ﴿لما﴾ محذوف تقديره: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا﴾ أجمعوا، هذا مذهب الخليل وسيبويه
وهو نص لهما في قول امرىء القيس: [الطويل]
فلما أجزنا ساحية الحي وانتحى .
.....
ومثل هذا قول الله تعالى: ﴿فلما أسلما وتله للجبين﴾ [الصافات: ١٠٣] - وقال بعض النحاة - في
مثل هذا -: إن الواو زائدة - وقوله مردود لأنه ليس في القرآن شيء زائد لغير معنى.
و﴿أجمعوا﴾ معناه: عزموا واتفق رأيهم عليه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم - في المسافر -
(ما لم يجمع مكثً))، على أن إجماع الواحد قد ينفرد بمعنى العزم والشروع، ويتصور ذلك في إجماع إخوة
يوسف وفي سائر الجماعات - وقد يجيء إجماع الجماعة فيما لا عزم فيه ولا شروع ولا يتصور ذلك في
إجماع الواحد.
والضمير في ﴿إليه﴾ عائد إلى يوسف. وقيل على يعقوب، والأول أصح وأكثر، ويحتمل أن يكون
الوحي حينئذ إلى يوسف برسول، ويحتمل أن يكون بإلهام أو بنوم - وكل ذلك قد قيل - وقال الحسن: أعطاه
الله النبوءة وهو في الجب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بعيد.
وقرأ الجمهور: ((لتنبئنهم)) بالتاء، وفي بعض مصاحف البصرة بالياء، وقرأ سلام بالنون، وهذا كله
في العلامة التي تلي اللام.

٢٢٦
تفسير سورة يوسف / الآيات: ١٦ - ١٨
وقوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ قال ابن جريج: وقت التنبيه إنك يوسف، وقال قتادة: لا يشعرون بوحينا
إليه.
قال القاضي أبو محمد: فيكون قوله: ﴿وهم لا يشعرون﴾ - على التأويل الأول - مما أوحي إليه
- وعلى القول الثاني - خبر لمحمد صلى الله عليه وسلم.
قوله عز وجل :
٠٫
أَ قَالُواْيَتَأَ بَانَآ إِنَّاذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَعِنَا
١٦
وَجَاءُ وَ أَبَاهُمْ عِشَآءَ يَبْكُونَ
فَأَكَلَهُ الذِّتْبُ وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنِ أَنَا وَلَوْ كُنَّا صَدِقِينَ ﴿ وَجَآءُ وعَلَى قَمِصِهِ، بِدَمٍ كَذِبٍ
١٨
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُالْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ
قرأت فرقة ((عشاء)) أي وقت العشاء، وقرأ الحسن: ((عشى)) على مثال وجى، أي جمع عاش، قال
أبو الفتح: ((عشاة)) كماش ومشاة، ولكن حذفت اثهاء تخفيفاً كما حذفت من مألكة، وقال عدي:
أنه قد طال حبسي وانتظاري
أبلغ النعمان عنى مألكاً
قال القاضي أبو محمد: ومعنى ذلك أصابهم عشا من البكاء أو شبه العشا إذ كذلك هي هيئة عين
الباكي لأنه يتعاشى، ومثل شريح في امرأة بكت وهي مبطلة ببكاء هؤلاء وقرأ الآية، وروي أن يعقوب لما
سمع بكاءهم قال: ما بالكم أجرى في الغنم شيء؟ قالوا: لا، قال فأين يوسف؟ قالوا: ﴿ذهبنا نستبقَ﴾؛
فبکی وصاح وقال: أين قميصه؟ - وسيأتي قصص ذلك.
و﴿نستبق﴾ معناه: على الأقدام أي نجري غلاباً، وقيل: بالرمي أي ننتضل. وهو نوع من المسابقة،
قاله الزجاج.
وقولهم: ﴿وما أنت بمؤمن﴾ أي بمصدق؛ ومعنى الكلام: أي لو كنا موصوفين بالصدق؛ وقيل:
المعنى: ولو كنت تعتقد ذلك فينا في جميع أقوالنا قديماً لما صدقتنا في هذه النازلة خاصة لما لحقك فيها
من الحزن ونالك من المشقة ولما تقدم من تهمتك لنا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ذكره الزجاج وغيره، ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿ولو كنا
صادقين﴾، بمعنى: وإن كنا صادقين - وقاله المبرد - كأنهم أخبروا عن أنفسهم أنهم صادقون في هذه
النازلة، فهو تمادٍ منهم في الكذب ويكون بمنزلة قوله: ﴿أو لو كنا كارهين﴾ [الأعراف: ٨٨] بمعنى أو إن
کنا کارھین.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا المثال عندي نظر، وتخبط الرماني في هذا الموضع، وقال: ألزموا
أباهم عناداً ونحو هذا مما لا يلزم لأنهم لم يقولوا: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين في معتقدك، بل
قالوا: وما أنت بمصدق لنا ولو كنا صادقين فيما نعتقد نحن، وأما أنت فقد غلب عليك سوء الظن بنا. ولا

٢٢٧
تفسير سورة يوسف / الآيات : ١٦ - ١٨
ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يوح إليهم، فإنما هو بشر، كما قال
صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض
فأقضي له على نحو ما أسمع منه .. )) الحديث. فهذا يقتضي أنه جوز على نفسه أن يصدق الكاذب. وكذلك
قد صدق عليه السلام عبد الله بن أبيّ حين حلف على مقالة زيد بن أرقم وكذب زيداً، حتى نزل الوحي،
فظهر الحق، فكلام اخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة لا إلزام عناد.
وقوله تعالى: ﴿وجاءوا على قميصه بدم كذب﴾ الآية، روي أنهم أخذوا سخلة أو جدياً فذبحوه
ولطخوا به قميص يوسف، وقالوا ليعقوب: هذا قميصه، فأخذه ولطخ به وجهه وبكى، ثم تأمله فلم ير
خرقاً ولا أثر ناب. فاستدل بذلك على كذبهم، وقال لهم: متى كان الذئب حليماً، يأكل يوسف ولا
يخرق قميصه؟ - قص هذا القصص ابن عباس وغيره، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم لصحة
القميص - واستند الفقهاء إلى هذا في إعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها - في قول مالك - إلى غير
ذلك.
قال الشافعي: كان في القميص ثلاث آيات: دلالته على كذبهم وشهادته في قده، ورد بصر يعقوب
به. وروي أنهم ذهبوا فأخذوا ذئباً فلطخوا فاه بالدم وساقوه وقالوا ليعقوب، هذا أكل يوسف، فدعاه يعقوب
فأقعی وتكلم بتكذيبهم.
ووصف الدم ب﴿كذب﴾ إما على معنی بدم ذي كذب، وإما أن يكون بمعنى مكذوب علیه، كما قد
جاء المعقول بدل العقل في قول الشاعر: [الكامل]
حتى إذا لم يتركوا لعظامه
لحماً ولا لفؤادِهِ معقولا
فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب.
قال القاضي أبو محمد: هذا كلام الطبري، ولا شاهد له فيه عندي، لأن نفي المعقول يقتضي نفي
العقل، ولا يحتاج إلى بدل، وإنما ((الدم الكذب)) عندي وصف بالمصدر على جهة المبالغة.
وقرأ الحسن: ((بدم كذب)) بدال غير معجمة، ومعناه الطري ونحوه، وليست هذه القراءة قوية.
ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمراً﴾ أي رضيت وجعلت سولاً
ومراداً. ﴿أمراً﴾ أي صنعاً قبيحاً بيوسف. وقوله: ﴿فصبر جميل﴾ رفع إما على حذف الابتداء وإما على
حذف الخبر: إما على تقدير: فشأني صبر جميل، وإما على تقدير فصبر جميل أمثل. وذكر أن الأشهب
وعيسى بن عمر قرأ بالنصب: ((فصبراً جميلاً)) على إضمار فعل، وكذلك هي في مصحف أبيّ ومصحف
أنس بن مالك - وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر، ولذا يحسن
النصب في قول الشاعر [الرجز]
صبرا جميلاً فكلانا مبتلى
وينشد أيضاً بالرفع ويروى ((صبر جميل))، على نداء الجمل المذكور في قوله: [الرجز]

٢٢٨
تفسير سورة يوسف / الآيتان : ٢٠،١٩
شكى إليّ جملي طول السرى يا جملي ليس إليّ المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى
وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه السلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه.
وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من بث لم يصير صبراً
جميلاً.
وقوله: ﴿والله المستعان على ما تصفون﴾ تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه، والتقدير على احتمال ما
تصفون .
قوله عز وجل :
وَجَآءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَذْلَى دَلْوَّةٌ قَالَ يَبُشْرَى هَذَا عُلَمْ وَأَسَرُّوهُ بِضَعَةٌ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا
م
يَعْمَلُونَ ﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنْ بَخْسِ دَرَهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْفِيهِ مِنَ الزَّهِدِينَ ﴾
قيل إن ((السيارة)) جاءت في اليوم الثاني من طرحه في الجب، ﴿سيارة﴾: جمع سيار، كما قالوا
بغال وبغالة، وهذا بعكس تمرة وتمر، و﴿سيارة﴾: بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق. وروي أن
هذه ((السيارة)) كانوا قوماً من أهل مدين، وقيل: قوم أعراب. و((الوارد)) هو الذي يأتي الماء ليسقي منه
لجماعة، ويروى أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن ذعر، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة
فراسخ من منزل يعقوب، ويقال: ((أدلى الدلو)): إذا ألقاه في البئر ليستقي الماء. ودلاه يدلوه: إذا استقاه
من البئر. وفي الكلام هنا حذف تقديره: فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلي قال: يا بشراي ،
وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين، ويرجح هذا لفظة ﴿غلام﴾، فإنه ما بين الحولين إلى البلوغ،
فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز؛ وقيل: كان ابن سبع عشرة سنة - وهذا بعيد -..
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((يا بشرايَ)) بـإضافة البشرى إلى
المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول: احضري، فهذا وقتك، وهذا نحو قوله: ﴿يا حسرة
على العباد﴾ [يس: ٣٠] وروى ورش عن نافع ((يا بشرائْ)) بسكون الياء، قال أبو علي: وفيها جمع بين
ساكنين على حد دابة وشابة، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد
الذي في أختيها، كما اختصت في القوافي بالتأسيس، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء
من ذلك في الياء والواو.
وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن ((يا بشريًّ)) تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء
الإضافة، وهي لغة فاشية، ومن ذلك قول أبي ذؤيب: [الكامل]
فتخرموا ولكل جنب مصرع
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم

٢٢٩
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٢٠،١٩
وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك:
يطوّف بيَّ كعب في معد
ويطعن بالصملة في قفيا
فما أرويتما أبداً صديا
فإن لم تثأروا لي في معد
وقرأ حمزة والكسائي ((يا بشرِي)) ويميلان ولا يضيفان. وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا
يميل، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي: كان في أصحاب هذا ((الوارد)) رجل اسمه بشرى،
فناداه وأعلمه بالغلام، وقيل: هو على نداء البشرى - كما قدمنا - والضمير في قوله: ﴿وأسروه﴾ ظاهر
الآيات أنه لـ((وارد)) الماء، - قاله مجاهد، وقال: إنهم خشوا من تجار الرفقة إن قالوا: وجدناه أن يشاركوهم
في الغلام الموجود.
قال القاضي أبو محمد: هذا إن كانوا فسقة أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا خياراً، فأسروا بينهم أن
يقولوا: أبضعه معنا بعض أهل المصر.
و﴿بضاعة﴾ حال، و((البضاعة)): القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح، مأخوذة من
قولهم: بضعت أي قطعت. وقيل: إنهم أسروا في أنفسهم يتخذونه بضاعة لأنفسهم أي متجراً، ولم يخافوا
من أهل الرفقة شيئاً؛ ثم يكون الضمير في قوله: ﴿وشروه﴾ لهم أيضاً، أي باعوه بثمن قليل، إذ لم يعرفوا
حقه ولا قدره، بل كانوا زاهدين فيه، وروي - على هذا - أنهم باعوه من تاجر. وقال مجاهد: الضمير في
﴿أسروه﴾ لأصحاب (الدلو))، وفي ﴿شروه﴾ لإخوة يوسف الأحد عشر، وقال ابن عباس: بل الضمير في
﴿أسروه﴾ و﴿شروه﴾ لإخوة يوسف.
قال القاضي أبو محمد: وذلك أنه روي أن إخوته لما رجعوا إلى أبيهم وأعلموه رجع بعضهم إلى
الجب ليتحققوا أمر يوسف، ويقفوا على الحقيقة من فقده فلما علموا أن الوراد قد أخذوه جاؤوهم فقالوا:
هذا عبد أبق لأمنا ووهبته لنا ونحن نبيعه منكم، فقارهم يوسف على هذه المقالة خوفاً منهم، ولينفذ الله
أمره؛ فحينئذ أسره إخوته إذ جحدوا إخوته فأسروها، واتخذوه ﴿بضاعة﴾ أي متجراً لهم ومكسباً ﴿وشروه﴾
أيضاً ﴿بثمن بخس﴾، أي باعوه .
وقوله ﴿والله عليم بما يعملون﴾ إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك توعد، وإن كانت
الضمائر للواردين ففي ذلك تنبيه على إرادة الله تعالى ليوسف، وسوق الأقدار بناء حاله، فهو - حينئذ -
بمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: يدبر ابن آدم والقضاء يضحك.
وفي الآية - أيضاً - تسلية للنبي عليه السلام عما يجري عليه من جهة قريش، أي العاقبة التي للمتقين
هي المراعاة والمنتظرة .
و﴿شروه﴾ - هنا - بمعنى باعوه، وقد يقال: شرى، بمعنى اشترى، ومن الأول قول يزيد بن مفرغ
الحميري : [مجزوء الكامل]
٩
من بعد بردٍ كنتَ هامَهْ
وشريتُ برداً ليتني
1

٢٣٠
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٢٢،٢١
برد: اسم غلام له ندم على بيعه، والضمير يحتمل الوجهين المتقدمين؛ و﴿البخس﴾ مصدر وصف
به ((الثمن)) وهو بمعنى النقص - وهذا أشهر معانيه - فكأنه القليل الناقص - وهو قول الشعبي - وقال قتادة:
((البخس)) هنا بمعنى الظلم، ورجحه الزجاج من حيث الحر لا يحل بيعه، وقال الضحاك: وهو بمعنى
الحرام، وهذا أيضاً بمعنى لا يحل بيعه.
وقوله: ﴿دراهم معدودة﴾ عبارة عن قلة الثمن لأنها دراهم لم تبلغ أن توزن لقلتها، وذلك أنهم كانوا
لا يزنون ما دون الأوقية، وهي أربعون درهماً، واختلف في مبلغ ثمن يوسف عليه السلام: فقيل باعوه بعشرة
دراهم، وقال ابن مسعود: بعشرين، وقال مجاهد: باثنين وعشرين أخذ منها إخوته درهمين وقال عكرمة:
بأربعين درهماً دفعت ناقصة خفافاً، فهذا كان بخسها.
وقوله: ﴿وكانوا فيه من الزاهدين﴾ وصف يترتب في ((ورّاد)) الماء، أي كانوا لا يعرفون قدره، فهم
لذلك قليل اغتباطهم به، لكنه أرتب في إخوة يوسف إذ حقيقة الزهد في الشيء إخراج حبه من القلب
ورفضه من اليد، وهذه كانت حال إخوة يوسف في يوسف، وأما الورّاد فتمسكهم به وتجرهم يمانع زهدهم
إلا على تجوز.
وقوله ﴿فيه﴾ ليست بصلة ل ﴿الزاهدين) - قاله الزجاج وفيه نظر لأنه يقتضي وصفهم بالزهد على
الإطلاق وليس قصد الآية هذا، بل قصدها الزهد الخاص في يوسف، والظروف يجوز فيها من التقديم ما
لا يجوز في سائر الصلات، وقد تقدم القول في عود ضمير الجماعة الذي في قوله: ﴿وشروه﴾ .
قوله عز وجل :
وَقَالَ الَّذِى أَشْتَرَنُهُ مِن مِّصْرَ لِأَمْرَأَنِهِ: أَكْرِمِى مَثْوَنُهُ عَسَىّ أَنْ يَنْفَعَنَّآ أَوْنَتَّخِذَهُ وَلَدَّأَ
وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِ الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ اَلْأَحَادِيثِّ وَاَللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِء
وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴿وَلَنَّابَلَغَ أَشُدَّهُوءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى
٢٢
اَلْمُحْسِنِينَ
روي أن مبتاع يوسف - وهو الوارد من إخوته أو التاجر من الوراد، حسبما تقدم من الخلاف - ورد به
مصر، البلد المعروف، ولذلك لا ينصرف، فعرضه في السوق، وكان أجمل الناس، فوقعت فيه مزايدة
حتى بلغ ثمناً عظيماً - فقيل: وزنه من ذهب ومن فضة ومن حرير فاشتراه العزيز، وكان حاجب الملك
وخازنه، واسم الملك الريان بن الوليد، وقيل مصعب بن الريان، وهو أحد الفراعنة، وقيل: هو فرعون
موسی، عمر إلی زمانه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وذلك أن ظهور يوسف عليه السلام لم يكن في مدة كافر
يخدمه يوسف؛ واسم العزيز المذكور: قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: أطفير، وقيل: قنطور؛ واسم

٢٣١
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٢٢،٢١
امرأته: راعيل، قاله ابن إسحاق، وقيل ربيحة، وقيل: زليخا، وظاهر أمر العزيز أنه كان كافراً، ويدل على
ذلك كون الصنم في بيته - حسبما نذكره في البرهان الذي رأى يوسف - وقال مجاهد: كان العزيز مسلماً.
و((المثوى)) مكان الإقامة، و((الإكرام)» إنما هو الذي المثوى، ففي الكلام استعارة وقوله: ﴿عسى أن
ينفعنا﴾، أي بأن يعيننا في أبواب دنيانا وغير ذلك من وجوه النفع، وقوله: ﴿أو نتخذه ولداً﴾ أي نتبناه،
وکان فیما یقال لا ولد له.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك﴾، أي كما وصفنا ﴿مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه﴾ فعلنا ذلك.
و﴿الأحاديث): الرؤيا في النوم - قاله مجاهد - وقيل: أحاديث الأمم والأنبياء.
والضمير في ﴿أمره﴾ يحتمل أن يعود على يوسف، قاله الطبري، ويحتمل أن يعود على الله عز
وجل، قاله ابن جبير، فيكون إخباراً منبهاً على قدرة الله عز وجل ليس في شأن يوسف خاصة بل عاماً في
كل أمر. وكذلك الاحتمال في قول الشاعر : [الطويل]
رأيت أبا بكر - وربك - غالب
على أمره يبغى الخلافة بالتمر
وأكثر الناس الذين نفي عنهم العلم هم الكفرة، وفيهم الذين زهدوا في يوسف وغيرهم ممن جهل
أمره، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أصح الناس فراسة ثلاثة: العزيز حين قال لامرأته: ﴿أكرمي
مثواه﴾، وابنة شعيب حين قالت: ((استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين)) وأبو بكر حين استخلف
عمر بن الخطاب.
قال القاضي أبو محمد: وفراسة العزيز إنما كانت في نفس نجابة يوسف لا أنه تفرس الذي كان كما
في المثالين الآخرين، فإن ما تفرس خرج بعينه .
و ((الأشد)): استكمال القوة وتناهي البأس، أولهما البلوغ وقد عبر عنه مالك وربيعة بينية الإنسان، وهما
أشدان: وذكره منذر بن سعيد، والثاني: الذي يستعمله العرب وقيل: هو من ثماني عشرة سنة إلى ستين
سنة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف. وقيل: ((الأشد)): بلوغ الأربعين، وقيل: بل ستة
وثلاثون. وقيل : ثلاثة وثلاثون .
قال القاضى أبو محمد: وهذا هو أظهر الأقوال - فيما نحسبه - وهو الأسبوع الخامس، وقيل: عشرون
سنة، وهذا ضعيف. وقال الطبري: ((الأشد)) لا واحد له من لفظه، وقال سيبويه: ((الأشد)) جمع شدة نحو
نعمة وأنعم، وقال الكسائي: ((أشد)) جمع شد نحو قد وأقد، وشد النهار: معظمه وحيث تستكمل نهاريته.
وقوله: ﴿حكماً﴾ يحتمل أن يريد الحكمة والنبوءة، وهذا على الأشد الأعلى، ويحتمل الحكمة
والعلم دون النبوءة، وهذا أشبه إن كانت قصة المراودة بعد هذا. و﴿علماً﴾ يريد تأويل الأحاديث وغير
ذلك. ويحتمل أن يريد بقوله: ﴿حكماً﴾ أي سلطاناً في الدنيا وحكماً بين الناس بالحق. وتدخل النبوة
وتأويل الأحاديث وغير ذلك في قوله: ﴿وعلماً﴾.

٢٣٢
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٢٣- ٢٥
﴿وكذلك نجزي المحسنين﴾ ألفاظ فيها وعد للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يهولنك فعل الكفرة
بك وعتوهم عليك فالله تعالى يصنع للمحسنين أجمل صنع.
قوله عز وجل :
وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اَللّهِ إِنَّهُ.
رَبِّ أَحْسَنَ مَنْوَىّ ◌ِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الَّالِمُونَ ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّءَا بُرْهَانَ
رَبٍِّ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْءَ وَالْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ وَأَسْتَبَقَا
الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَاسَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ قَالَتْ مَاجَزَّآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا
إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (@)
((المراودة)) الملاطفة في السوق إلى غرض، وأكثر استعمال هذه اللفظة إنما هو في هذا المعنى الذي
هو بين الرجال والنساء؛ ويشبه أن يكون من راد يرود إذا تقدم لاختبار الأرض والمراعي، فكان المراود
يختبر أبداً بأقواله وتلطفه حال المراود من الإجابة أو الامتناع.
وفي مصحف وكذلك رويت عن الحسن. و﴿التي هو في بيتها﴾ هي زليخا امرأة العزيز. وقوله ﴿عن
نفسه﴾ كناية عن غرض المواقعة. وقوله: ﴿وغلقت﴾ تضعيف مبالغة لا تعدية، وظاهر هذه النازلة أنها
كانت قبل أن ينبأ عليه السلام .
وقرأ ابن كثير وأهل مكة: ((هَيْتُ)) بفتح الهاء وسكون الياء وضم التاء، وقرأ ابن عباس وابن أبي
إسحاق وابن محيصن وأبو الأسود وعيسى بفتح الهاء وكسر التاء «هَيتٍ))، وقرأ ابن مسعود والحسن
والبصريون ((هَيْتَ)) بفتح الهاء والتاء وسكون الياء، ورويت عن ابن عباس وقتادة وأبي عمرو، قال أبو
حاتم: لا يعرف أهل البصرة غيرها وهم أقل الناس غلواً في القراءة، قال الطبري: وقد رويت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وقرأ نافع وابن عامر ((هِيْتَ)) بكسر الهاء وسكون الياء وفتح التاء - وهي قراءة الأعرج
وشيبة وأبي جعفر - وهذه الأربع بمعنى واحد، واختلف باختلاف اللغات فيها، ومعناه الدعاء أي تعال وأقبل
على هذا الأمر، قال الحسن: معناها هلمَّ، ويحسن أن تتصل بها ﴿لك﴾ إذ حلت محل قولها: إقبالاً أو
قرباً، فجرت مجرى سقياً لك ورعياً لك، ومن هذا قول الشاعر يخاطب علي بن أبي طالب: [مجزوء
الكامل]
أخا العراق إذا أتينا
أبلغ أمير المؤمنين
عنق إليك فهيت هيتا
أن العراق وأهله
ومن ذلك على اللغة الأخرى قول طرفة: [الخفيف]
قال داع من العشيرة هيت
ليس قومي بالأبعدين إذا ما

٢٣٣
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٢٣ - ٢٥
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر: [الرجز]
ولو غدا يعني بنا لهيتا
قد رابني أن الکری قد أسكتا
أسكت: دخل في سكوت، و((هيت)) معناه: قال: هيت، كما قالوا: أفف إذا قال: أف أف، ومنه
سبح وکبر ودعدع إذ قال: داع داع.
والتاء على هذه اللغات كلها مبنية فهي في حال الرفع كقبل وبعد، وفي الكسر على الباب لالتقاء
الساكنين، وفي حال النصب ككيف ونحوها؛ قال أبو عبيدة: وهيت﴾ لا تثنى ولا تجمع، تقول العرب:
﴿هيت لك﴾، وهیت لكما، وهیت لكم.
وقرأ هشام ابن عامر ((هِئتُ))، بكسر الهاء والهمز، ضم التاء وهي قراءة علي بن أبي طالب، وأبي
وائل، وأبي رجاء ويحيى، ورويت عن أبي عمرو، وهذا يحتمل أن يكون من هاء الرجل يهيء إذا أحسن
هيئته - على مثال جاء يجيء - ويحتمل أن يكون بمعنى تهيأت، كما يقال: فئت وتفيأت بمعنى واحد، قال
الله عز وجل: ﴿يتفيؤا ظلاله﴾ [النحل: ٤٨] وقال: ﴿حتى تفيء إلى أمر الله﴾ [الحجرات: ٩].
وقرأ ابن أبي إسحاق - أيضاً - ((هِيْت)) بتسهيل الهمزة من هذه القراءة المتقدمة. وقرأ ابن عباس
- أيضاً - ((هيت لك)). وقرأ الحلواني عن هشام ((هِئتٍ)) بكسر الهاء والهمز وفتح التاء قال أبو علي: ظاهر
أن هذه القراءة وهم، لأنه كان ينبغي أن تقول: هئتَ لي، وسياق الآيات يخالف هذا. وحكى النحاس: أنه
يقرأ ((هِيْتٍ)) بكسر الهاء وسكون الياء وكسر التاء. و﴿معاذَ﴾ نصب على المصدر ومعنى الكلام أعوذ بالله .
ثم قال: ﴿إنه ربي﴾ فيحتمل أن يعود الضمير في ﴿إنه﴾ على الله عز وجل، ويحتمل أن يريد العزيز
سیده، أي فلا يصلح لي أن أخونه وقد أكرم مثواي وائتمنني، قال مجاهد، والسدي ﴿ربي﴾ معناه سيدي،
وقاله ابن إسحاق.
قال القاضي أبو محمد: وإذا حفظ الآدمي لإحسانه فهو عمل زاك، وأحرى أن يحفظ ربه.
ويحتمل أن يكون الضمير للأمر والشأن، ثم يبتدىء ﴿ربي أحسن مثواي﴾.
والضمير في قوله: ﴿إنه لا يفلح﴾ مراد به الأمر والشأن فقط، وحكى بعض المفسرين: أن يوسف
عليه الصلاة والسلام - لما قال: معاذ الله ثم دافع الأمر باحتجاج وملاينة، امتحنه الله تعالى بالهم بما هم
به، ولو قال لا حول ولا قوة إلا بالله، ودافع بعنف وتغيير - لم يهم بشيء من المكروه.
وقرأ الجحدري ((مثواي)) وقرأها كذلك أبو طفيل وروي عن النبي عليه السلام: ((فمن تبع هداي)).
وقوله: ﴿ولقد همت به﴾ الآية، لا شك أن ((هم)) زليخا كان في أن يواقعها يوسف، واختلف في
((هم)) يوسف عليه السلام، فقال الطبري: قالت فرقة: كان مثل ((همها))، واختلفوا كيف يقع من مثل يوسف
وهو نبي؟ فقيل ذلك ليريه الله تعالى موقع العفو والكفاية، وقيل الحكمة في ذلك أن يكون مثالاً للمذنبين

٢٣٤
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٢٣ - ٢٥
ليروا أن توبتهم ترجع بهم إلى عفو الله كما رجعت بمن هو خير منهم ولم يوبقه القرب من الذنب، وهذا
كله على أن هم يوسف بلغ فيما روت هذه الفرقة إلى أن جلس بين رجلي زليخا وأخذ في حل ثيابه وتكته
ونحو هذا، وهي قد استلقت له؛ قاله ابن عباس وجماعة من السلف.
وقالت فرقة في ((همه)) إنما كان بخطرات القلب التي لا يقدر البشر عن التحفظ منها، ونزع عند ذلك
ولم يتجاوزه، فلا يبعد هذا على مثله عليه السلام، وفي الحديث: ((إن من هم بسيئة ولم يعملها قله عشر
حسنات))، وفي حديث آخر ((حسنة))، فقد يدخل يوسف في هذا الصنف.
وقالت فرقة: كان ((هم)) يوسف بضربها ونحو ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف البتة، والذي أقول في هذه الآية: إن كون يوسف نبياً في
وقت هذه النازلة لم يصح ولا تظاهرت به رواية، وإذا كان ذلك فهو مؤمن قد أوتي حكماً وعلماً ويجوز عليه
الهم الذي هو إرادة الشيء دون مواقعته، وأن يستصحب الخاطر الرديء على ما في ذلك من الخطيئة؛ وإن
فرضناه نبياً في ذلك الوقت فلا يجوز عليه عندي إلا الهم الذي هو الخاطر، ولا يصح عليه شيء مما ذكر
من حل تكة ونحو ذلك، لأن العصمة مع النبوة، وما روي من أنه قيل له: تكون في ديوان الأنبياء وتفعل
فعل السفهاء، فإنما معناه العدة بالنبوة فيما بعد، والهم بالشيء مرتبتان: فالواحدة الأولى تجوز عليه مع
النبوة، والثانية الكبرى لا تقع إلا من غير نبي، لأن استصحاب خاطر المعصية والتلذذ به معصية تكتب،
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تنطق به أو تعمل)). معناه
من الخواطر، وأما استصحاب الخاطر فمحال أن يكون مباحاً، فإن وقع فهو خطيئة من الخطايا لكنه ليس
كمواقعة المعصية التي فيها الخاطر، ومما يؤيد أن استصحاب الخاطر معصية قول النبي صلى الله عليه
وسلم: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه.
وقول الله تعالى: ﴿إن بعض الظن إثم﴾ [الحجرات: ١٢] وهذا منتزع من غير موضع من الشرع،
والإجماع منعقد أن الهم بالمعصية واستصحاب التلذذ بها غير جائز ولا داخل في التجاوز.
واختلف في ((البرهان)) الذي رأى يوسف، وقيل: نودي. واختلف فيما نودي به، فقيل ناداه جبريل:
يا يوسف، تكون في ديوان الأنبياء. وتفعل فعل السفهاء؟ وقيل: نودي: يا يوسف، لا تواقع المعصية
فتكون كالطائر الذي عصى فتساقط ريشه فبقي ملقى - ناداه بذلك يعقوب -، وقيل غير هذا مما في معناه.
وقيل: كان ((البرهان)) كتاباً رآه مكتوباً، فقيل: في جدار المجلس الذي كان فيه، وقيل: بین عيني زليخا،
وقيل: في كف من الأرض خرجت دون جسد؛ واختلف في المكتوب، فقيل: قوله تعالى: ﴿أفمن هو قائم
على كل نفس بما كسبت﴾ [الرعد: ٣٣]، وقيل: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء
سبيلاً﴾ [الإسراء: ٣٢] وقيل غير هذا. وقيل: كان البرهان أن رأى يعقوب عليه السلام ممثلاً معه في البيت
عاضاً على إبهامه وقيل: على شفته. وقيل بل انفرج السقف فرآه كذلك. وقيل: إن جبريل قال له: لئن
واقعت المعصية لأمحونك من ديوان النبوة، وقيل: إن جبريل ركضه فخرجت شهوته على أنامله. «،
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقيل: بل كان ((البرهان)) فكرته في عذاب الله ووعيده على:

٢٣٥
:
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٢٣ - ٢٥
المعصية، وقيل: بل كان البرهان الذي اتعظ به أن زليخا قالت له: مكانك حتى أستر هذا الصنم - لصنم
كان معها في البيت - فإني أستحيي منه أن يراني على هذه الحال؛ وقامت إليه فسترته بثوب فاتعظ يوسف
وقال: من يسترني أنا من الله القائم على كل شيء، وإذا كنت أنت تفعلين هذا لما لا يعقل فإن أولى أن
أستحيي من الله .
و((البرهان)) في كلام العرب الشيء الذي يعطي القطع واليقين، كان مما يعلم ضرورة أم بخبر قطعي
أو بقياس نظري، فهذه التي رويت فيما رآه يوسف براهين.
و﴿أن﴾ في قوله: ﴿لولا أن رأى﴾ في موضع رفع، التقدير: لولا رؤيته برهان ربه، وهذه ﴿لولا﴾ التي
يحذف معها الخبر، تقديره: لفعل أو لارتكب المعصية. وذهب قوم إلى أن الكلام تم في قوله: ﴿ولقد
همت به﴾ وأن جواب ﴿لولا) في قوله: ﴿وهم بها﴾ وأن المعنى: لولا أن رأى البرهان لهمَّ أي فلم يهم
عليه السلام، وهذا قول يرده لسان العرب وأقوال السلف. قال الزجّاج: ولو كان الكلام: ولهمَّ بها لولا،
لكان بعيداً، فكيف مع سقوط اللام !.
والكاف من قوله: ﴿كذلك﴾ متعلقة بمضمر تقديره: جرت أفعالنا وأقدارنا ﴿كذلك لنصرف﴾،
ويصح أن تكون الكاف في موضع رفع بتقدير: عصمتنا له كذلك لنصرف.
وقرأ الجمهور ((لنصرف)) بالنون، وقرأ الأعمش ((ليصرف)) بالياء - على الحكاية عن الغائب -، وقرأ
ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر والحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء ((المخلصين)) بكسر اللام في كل
القرآن، وكذلك ﴿مخلصاً﴾ [مريم: ٥١] في سورة مريم. وقرأ نافع ﴿مخلصاً﴾ [الزمر: ٢ - ١١ - ١٤،
مريم: ٥١] كذلك بكسر اللام، وقرأ سائر القرآن ((المخلصين)» بفتح اللام، وقرأ حمزة والكسائي وجمهور
من القراء ((المخلّصين)) بفتح اللام و((مخلصاً)) كذلك في كل القرآن.
وقوله تعالى: ﴿واستبقا الباب﴾ الآية، ﴿واستبقا﴾ معناه سابق كل واحد منهما صاحبه إلى الباب،
هي لترده إلى نفسها وهو ليهرب عنها؛ فقبضت في أعلى قميصه من خلفه، فتخرق القميص عند طوقه،
ونزل التخريق إلى أسفل القميص. و((القد)»: القطع، وأكثر ما يستعمل فيما كان طولاً، ((والقط)) يستعمل
فيما كان عرضاً، وكذلك هي اللفظة في قول النابغة:
تقد السلوقي
فإن قوله: توقد بالصفاح يقتضي أن القطع بالطول. و﴿ألفيا): وجدا، و((السيد)) الزوج، قاله زيد بن
ثابت ومجاهد. فيروى أنهما وجدا العزيز ورجلاً من قرابة زليخا عند الباب الذي استبقا إليه قاله السدي.
فلما رأت الفضيحة فزعت إلى مطالبة يوسف والبغي عليه، فأرت العزيز أن يوسف أرادها، وقالت: ﴿ما ٢
جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم﴾ وتكلمت في الجزاء، أي أن الذنب ثابت متقرر.
وهذه الآية تقتضي بعظم موقع السجن من النفوس لا سيما بذوي الأقدار، إذ قرن بأليم العذاب.

٢٣٦
تفسير سورة يوسف / الآيات: ٢٦ - ٢٩
قوله عز وجل :
قَالَ هِىَ رَوَدَتْنِى عَن نَّفْسِىَّ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قَدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ
وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَلَمَّارَءَا
يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا
٢٨
قَمِيصَهُ قُدَّمِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِ كُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ
٣٩
وَأَسْتَغْفِرِى لِذَنْبِكِّ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
قال نوف الشامي: كان يوسف عليه السلام لم يبن على كشف القصة، فلما بغت به غضب فقال
الحق، فأخبره أنها هي راودته عن نفسه، فروي أن الشاهد كان الرجل ابن عمها، قال: انظر إلى القميص
فإن كان قده من دبر فكذبت، أو من قبل فصدقت، قاله السدي. وقال ابن عباس: كان رجلاً من خاصة
الملك، قاله مجاهد وغيره. وقيل: إن الشاهد كان طفلاً في المهد فتكلم بهذا، قاله أيضاً ابن عباس وأبو
هريرة وابن جبير وهلال بن يساف والضحاك.
قال القاضي أبو محمد: ومما يضعف هذا أن في صحيح البخاري ومسلم: لم يتكلم في المهد إلا
ثلاثة: عيسى بن مريم، وصاحب جريج، وابن السوداء الذي تمنت له أن يكون كالفاجر الجبار، فقال: لم
یتکلم وأسقط صاحب یوسف منها، ومنها أن الصبي لو تكلم لکان الدلیل نفس كلامه دون أن يحتاج إلى
الإستدلال بالقميص. وأسند الطبري إلى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((تكلم في المهد
أربعة))، فذكر الثلاثة وزاد صاحب يوسف، وذكر الطبري عن ابن عباس: أن ابن ماشطة فرعون تكلم في
المهد، فهم على هذا خمسة، وقال مجاهد - أيضاً - الشاهد القميص.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأنه لا يوصف بأنه من الأهل.
وقرأ جمهور الناس: ((من قبُلٍ)) و((من دبُرٍ)) بضم الباءين وبالتنوين، وقرأ ابن يعمر والجارود بن أبي
سبرة ونوح وابن أبي إسحاق ((من قُبُلُ)) و((من دُبُرُ)) بثلاث ضمات من غير تنوين، قال أبو الفتح: هما غايتان
بنيتا، كقوله تعالى: ﴿من قبل ومن بعد﴾ [الروم: ٤] قال أبو حاتم: وهذا رديء في العربية جداً، وإنما يقع
هذا البناء في الظروف، وقرأ الحسن ((من قَبْلٍ)) و((من دبٍْ) بإسكان الباءين والتنوين، ورويت عن أبي عمرو
وروي عن نوح القاري أنه أسكن الباءين وضم الأواخر ولم ينون ورواها عن ابن أبي إسحاق عن يحيى بن
يعمر.
وسمي المتكلم بهذا الكلام ﴿شاهد﴾ من حيث دل على الشاهد ونفس الشاهد هو تخريق القميص.
وقرأت فرقة: ((فلما رأى قميصه عط من دبر)). والضمير في ﴿رأى﴾ هو للعزيز، وهو القائل: ﴿إنه
من كيدكن﴾، قاله الطبري وقيل: بل ((الشاهد)) قال ذلك، والضمير في ﴿إنه﴾ يريد مقالها المتقدم في
الشکوی ب(یوسف)).

٢٣٧
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٣٠، ٣١
ونزع بهذه الآية من يرى الحكم بالأمارة، من العلماء، فإنها معتمدهم، و﴿يوسف﴾ في قوله:
﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ منادى، قاله ابن عباس، ناداه الشاهد، وهو الرجل الذي كان مع العزيز،
و﴿أعرض عن هذا﴾ معناه: عن الكلام به، أي اكتمل ولا تتحدث به؛ ثم رجع إليها فقال: ﴿واستغفري
لذنبك﴾ أي استغفري زوجك وسيدك، وقال: ﴿من الخاطئين﴾ ولم يقل: من الخاطئات لأن الخاطئين
أعم، وهو من: خطىء يخطأ خطئاً وخطأ، ومنه قول الشاعر [أوس بن غلفاء]: [الوافر]
عليّ وإنما أتلفت مالي
لعمرك إنما خطئي وصوبي
وينشد بيت أمية بن أبي الصلت: [الوافر]
بكفيك المنايا والحتوم
عبادك يخطئون وأنت رب
قوله عز وجل :
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِ الْمَدِينَةِ أَمْرَأَتُّ الْعَزِيزِتُرَوِدُ فَنَنِهَا عَن نَّفْسِهِ، قَدْ شَغَفَهَا حُبَّا إِنَّا لَغَرَنَهَا فِ ضَلَلٍ
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّمُتَّكَئًا وَءَاتَتْ كُلَّ وَحِدَةٍ مِنْهُنَ سِكِينًا
٣٠
مُینٍ
وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّارَأَيْنَهُ أَكْبُ نَمُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرَّ إِنْ هَذَآ إِلَّ مَكٌ
كَرِيمٌ
ذكر الفعل المسند إلى ((النسوة)) لتذكير اسم الجمع و﴿نسوة﴾ جمع قلة لا واحد له من لفظه، وجمع
التكثير نساء، و﴿نسوة﴾ فعلة، وهو أحد الأبنية الأربعة التي هي لأدنى العدد، وقد نظمها القائل ببيت
شعر: [ البسيط]
بأفعل وبأفعال وأفعلة
وفعلة يعرف الأدنى من العدد
ويروى أن هؤلاء النسوة كن أربعاً: امرأة خبازة، وامرأة ساقية، وامرأة بوابة، وامرأة سجانة.
و﴿العزيز﴾: الملك ومنه قول الشاعر: [الرمل]
درة غاص عليها تاجر
جلبت عند عزيز يوم طل
و((الفتى)): الغلام، وعرفه في المملوك ـ- وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم عبدي
وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي))، ولكنه قد يقال في غير المملوك، ومنه ﴿إذ قال موسى لفتاه﴾ [الكهف: ٦٠] وأصل
(الفتى)) في اللغة الشاب، ولكن لما كان جل الخدمة شباباً استعير لهم اسم الفتى. و﴿شغفها﴾ معناه: بلغ
حتى صار من قلبها موضع الشغاف، وهو على أكثر القول غلاف من أغشية القلب، وقيل: ((الشغاف)):
سويداء القلب، وقيل: الشغاف: داء يصل إلى القلب.
وقرأ أبو رجاء والأعرج وعلي بن أبي طالب والحسن بخلاف ويحيى بن يعمر وقتادة بخلاف وثابت
وعوف ومجاهد وغيرهم: ((قد شعفها)) بالعين غير منقوطة، ولذلك وجهان :

٢٣٨
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٣٠، ٣١
أحدهما أنه علا بها كل مرقبة من الحب، وذهب بها كل مذهب، فهو مأخوذ - على هذا - من شعف
الجبال وهي رؤوسها وأعاليها، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم
غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن)).
والوجه الآخر أن يكون الشعف لذة بحرقة يوجد من الجراحات والجرب ونحوها ومنه قول امرىء
القيس: [الطويل]
:
كما شَعَفَ المهنوءةَ الرجلُ الطالي
أيقتلني وقد شعفت فؤادها
والمشعوف في اللغة الذي أحرق الحب قلبه، ومنه قول الأعشى :
تعصي الوشاة وكان الحب آونة مما يزين للمشعوف ما صنعا
وروي عن ثابت البناني وأبي رجاء أنهما قرآ: ((قد شعِفعما)) بكسر العين غير منقوطة. قال أبو حاتم:
المعروف فتح العين وهذا قد قرىء به. وقرأ ابن محيصن: ﴿قد شغفها﴾ أدغم الدال في الشين.
وروي أن مقالة هؤلاء النسوة إنما قصدن بها المكر بامرأة العزيز ليغضبنها حتى تعرض عليهن يوسف
ليبين عذرها أو يحق لومها. وقد قال ابن زيد الشغف في الحب والشغف في البغض، وقال الشعبي :
الشغف والمشغوف بالغين منقوطة في الحب والشعف الجنون والمشعوف المجنون، وهذان القولان
ضعيفان .
وقوله تعالى: ﴿فلما سمعت بمكرهن﴾ الآية، إنما سمي قولهن مكراً من حيث أظهرن إنكار منكر
وقصدن إثارة غيظها عليهن، وقيل: ﴿مكرهن﴾ انهن أفشين ذلك عنها وقد كانت أطلعتهن على ذلك
واستكتمتهن إياه، وهذا لا يكون مكراً إلا بأن يظهرن لها خلاف ذلك ويقصدن بالإنشاء أذاها.
ومعنى ﴿أرسلت إليهن﴾ أي ليحضرن، و﴿أعتدت﴾ معناه: أعدت ويسرت، و﴿متكأ﴾ ما يتكأ عليه
من فرش ووسائد، وعبر بذلك عن مجلس أعد لكرامة، ومعلوم أن هذا النوع من الكرامات لا يخلو من
الطعام والشراب، فلذلك فسر مجاهد وعكرمة ((المتكأ)) بالطعام؛ قال ابن عباس: ﴿متكأ﴾ معناه مجلساً،
ذكره الزهراوي. وقال القتبي: يقال: اتكأنا عند فلان أي أكلنا.
وقوله: ﴿وآتت كل واحدة منهن سكيناً﴾ يقتضي أنه كان في جملة الطعام ما يقطع بالسكاكين، فقيل
كان لحماً، وكانوا لا ينتهسون اللحم وإنما كانوا يأكلونه حزاً بالسكاكين؛ وقيل: كأن أترجاً، وقيل: كان
زماورد، وهو من نحو الأترج موجود في تلك البلاد، وقيل: هو مصنوع من سكر ولوز وأخلاط.
وقرأ ابن عباس ومجاهد والجحدري وابن عمر وقتادة والضحاك والكلبي وأبان بن تغلب (تُكا)) بضم
الميم وتنوين الكاف. واختلف في معناه، فقيل: هو الأترنج، وقيل: هو اسم يعم ما يقطع بالسكين من
الفواكه کالأترنج والتفاح وغيره، وأنشد الطبري :
٠٠٠
نشرب الإثم بالصواع جهاراً
وترى المتك بيننا مستعارا

٢٣٩
تفسير سورة يوسف / الآيتان : ٣٠، ٣١
وقرأ الجمهور: ((متَّكأ)) بشد التاء المفتوحة والهمز والقصر، وقرأ الزهري: ((متّكا)) مشدد التاء من غير
همز - وهي قراءة أبي جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح، وقرأ الحسن ((متكاء)) بالمد على إشباع الحركة .
و(السكين)) تذكر وتؤنث، قاله الكسائي والفراء، ولم يعرف الأصمعي إلا التذكير.
وقولها: ﴿اخرج﴾ أمر ليوسف، وأطاعها بحسب الملك، وقال مكي والمهدوي: قيل: إن في الآية
تقديماً وتأخيراً في القصص، وذلك أن قصة النسوة كانت قبل فضيحتها في القميص للسيد، وباشتهار الأمر
للسيد انقطع ما بينها وبين يوسف.
قال القاضي أبو محمد: وهذا محتمل إلا أنه لا يلزم من ألفاظ الآية، بل يحتمل أن كانت قصة النساء
بعد قصة القميص وذلك أن العزيز كان قليل الغيرة بل قومه أجمعين، ألا ترى أن الإنكار في وقت القميص
إنما كان بأن قيل: ﴿إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم﴾ [يوسف: ٢٨] وهذا يدل على قلة الغيرة، ثم سكن
الأمر بأن قال: ﴿يوسف أعرض عن هذا﴾ [يوسف: ٢٩] وأنت ﴿استغفري﴾ [يوسف: ٢٩] وهي لم تبق
حينئذ إلا على إنكارها وإظهار الصحة، فلذلك تغوفل عنها بعد ذلك، لأن دليل القميص لم يكن قاطعاً
وإنما كان أمارة ما؛ هذا إن لم يكن المتكلم طفلاً.
وقوله: ﴿أكبرنه﴾ معناه: أعظمنه واستهولن جماله، هذا قول الجمهور، وقال عبد الصمد بن علي
الهاشمي عن أبيه عن جده: معناه: حضن، وأنشد بعض الناس حجة لهذا التأويل: [البسيط]
يأتي النساء على أطهارهنّ ولا
يأتي النساءَ إذا أكبرن إكبارا
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف من معناه منكور، والبيت مصنوع مختلف - كذلك قال
الطبري وغيره من المحققين، وليس عبد الصمد من رواة العلم رحمه الله .
وقوله: ﴿وقطّعن أيديهن﴾ أي كثرن الحز فيها بالسكاكين، وقال عكرمة: ((الأيدي)) هنا الأكمام،
وقال مجاهد هي الجوارح، وقطعنها حتى ألقينها .
قال القاضي أبو محمد: فظاهر هذا أنه بانت الأيدي، وذلك ضعيف من معناه، وذلك أن قطع العظم
لا يكون إلا بشدة، ومحال أن يسهو أحد عنها، والقطع على المفصل لا يتهيأ إلا بتلطف لا بد أن يقصد،
والذي يشبه أنهن حملن على أيديهن الحمل الذي كن يحملنه قبل المتك فكان ذلك حزاً، وهذا قول
الجماعة .
وضوعفت الطاء في ﴿قطّعن﴾ لكثرتهن وكثرة الحز فربما كان مراراً.
وقرأ أبو عمرو وحده ((حاشى الله)) وقرأ أبيّ وابن مسعود ((حاشى الله))، وقرأ سائر السبعة ((حاش لله))،
وفرقة ((حشى الله)) وهي لغة، وقرأ الحسن ((حاش لله)) بسكون الشين وهي ضعيفة وقرأ الحسن - أيضاً -
((حاش الإلاه)) محذوفاً من ((حاشى)). فأما ((حاش)) فهى حيث جرت حرف معناه الاستثناء، كذا قال
سيبويه، وقد ينصب به، تقول: حاشى زيد وحاشى زيداً، قال المبرد: النصب أولى إذ قد صح أنها فعل
بقولهم: حاش لزيد، والحرف لا يحذف منه.

٢٤٠
-
تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٣١،٣٠
قال القاضي أبو محمد: يظهر من مجموع كلام سيبويه والمبرد أن الحرف يخفض به لا غير، وأن
الفعل هو الذي ينصب به، فهذه اللفظة تستعمل فعلاً وحرفاً، وهي في بعض المواضع فعل وزنه فاعل،
وذلك في قراءة من قرأ ((حاشى الله)) معناه مأخوذ من معنى الحرف، وهو إزالة الشيء عن معنى مقرون به،
وهذا الفعل مأخوذ من الحشا أي هذا في حشى وهذا في حشى، ومن ذلك قول الشاعر: [المعطل
الهذلي].
يقول الذي يمسي إلى الحرز أهله بأي الحشى صار الخليط المباين
ومنه الحاشية كأنها مباينة لسائر ما هي له، ومن المواضع التي حاشى فيه فعل هذه الآية، يدل على
ذلك دخولها على حرف الجر، والحروف لا تدخل بعضها على بعض، ويدل على ذلك حذف الياء منها في
قراءة الباقين ((حاش)) على نحو حذفهم من لا أبال ولا أدر ولوتر، ولا يجوز الحذف من الحروف إلا إذا كان
فيها تضعيف مثل: لعل، فيحذف، ويرجع عل، ويعترض في هذا الشرط بمنذ وفد حذف دون تضعيف
فتأمله.
قال القاضي أبو محمد: ومن ذلك في حديث خالد يوم مؤتة: فحاشى بالناس، فمعنى ((حاشى لله))
أي حاش يوسف لطاعة الله أو لمكان من الله أو لترفيع الله له أن يرمي بما رميته به، أو يدعى إله مثله لأن
تلك أفعال البشر، وهو ليس منهم إنما هو ملك - هكذا رتب أبو علي الفارسي معنى هذا الكلام، على
هاتين القراءتين اللتين في السبع - وأما قراءة أبي بن كعب وابن مسعود، فعلى أن ((حاشى)) حرف استثناء
- كما قال الشاعر [ابن عطية]: [الكامل]
ضنّاً عن الملحاة والشتم
حاشى أبي ثوبان إن به
وتسكين الشين في إحدى قراءتي الحسن، ضعيف، جمع بين ساكنين، وقراءته الثانية محذوفة
الألف من «حاشی)).
قال القاضي أبو محمد: والتشبيه بالملك هو من قبيل التشبيه بالمستعظمات وإن كانت لا ترى.
وقرأ أبو الحويرث الحنفي والحسن ((ما هذا بشر إن هذا إلا ملك كريم)» بكسر اللام في («ملك»،
وعلى هذه القراءة فالكلام فصيح لما استعظمن حسن صورته قلن: ما هذا إلا مما يصلح أن يكون عبد
بشراء، إن هذا مما يصلح أن يكون ملكاً كريماً .
١
ونصب (البشر)) من قوله: ﴿ما هذا بشراً﴾ هو على لغة الحجاز شبهت ﴿ما﴾ بليس، وأما تميم
فترفع، ولم يقرأ به.
:٠٠٠
وروي أن يوسف عليه السلام أعطي ثلث الحسن، وعن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أعطي
نصف الحسن، ففي بعض الأسانيد هو وأمه، وفي بعضها هو وسارة جدة أبيه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا على جهة التمثيل، أي لو كان الحسن مما يقسم لكان حسن يوسف
يقع في نصفه، فالقصد أن يقع في نفس السامع عظم حسنه على نحو التشبيه برؤوس الشياطين وأنياب
الأغوال.