النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ تفسير سورة هود / الآيات: ٨٩ - ٩٢ وظاهر فعلهم هذا الذي أشاروا إليه هو بخس الكيل والوزن الذي تقدم ذكره، وروي أن الإشارة هي إلى قرضهم الدينار والدرهم وإجراء ذلك مع الصحيح على جهة التدليس، قاله محمد بن كعب وغيره، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: قطع الدراهم والدنانير من الفساد في الأرض، فتأول ذلك بهذا المعنى المتقدم، وتؤول أيضاً بمعنى أنه تبديل السكك التي يقصد بها أكل أموال الناس. واختلف في قولهم: ﴿إنك لأنت الحليم الرشيد﴾ فقيل: إنما كانت ألفاظهم: إنك لأنت الجاهل السفيه، فكنى الله عن ذلك وقيل: بل هذا لفظهم بعينه، إلا أنهم قالوه على جهة الاستهزاء - قاله ابن جريج وابن زيد - وقيل المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك. وقيل: بل قالوه على جهة الحقيقة وأنه اعتقادهم فيه، فكأنهم فندوه، أي أنه حليم رشيد فلا ينبغي لك أن تأمرنا بهذه الأوامر، ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة، حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا إخوة القردة))، يا محمد ما علمناك جهولاً . قال القاضي أبو محمد: والشبه بين الأمرين إنما هو المناسبة بين كلام شعيب وتلطفه، وبين ما بادر به محمد عليه السلام بني قريظة . وقوله تعالى: ﴿قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة﴾، الآية، هذه مراجعة لطيفة واستنزال حسن واستدعاء رفيق ونحوها عن محاورة شعيب عليه السلام، قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك خطيب الأنبياء. وجواب الشرط الذي في قوله: ﴿إن كنت على بينة من ربي﴾ محذوف تقديره: أأضل كما ضللتم وأترك تبليغ الرسالة؟ ونحو هذا مما يليق بهذه المحاجة؟ و﴿بيّنة﴾ يحتمل أن تكون بمعنى: بيان أو بين، ودخلت الهاء للمبالغة - كعلامة - ويحتمل أن تكون صفة لمحذوف، فتكون الهاء هاء تأنيث. وقوله: ﴿ورزقني منه رزقاً حسناً﴾ يريد: خالصاً من الفساد الذي أدخلتم أنتم أموالكم. ثم قال لهم: ولست أريد أن أفعل الشيء الذي نهيتكم عنه من نقص الكيل والوزن، فأستأثر بالمال لنفسي، وما أريد إلا إصلاح الجميع، و﴿أنيب﴾ معناه: أرجع وأتوب وأستند. وَقَوْمِ لَايَجْرِ مَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْقَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحٍ وَمَا ج قوله عز وجل : قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ ﴿ وَأَسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْإِلَيْهِ إِنَّ رَتِ رَحِيمٌ وَدُودٌ قَالُواْيَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَتَكَ فِنَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهُْكَ لَرَجَمْتَكَ وَمَّا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴿ قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىّ أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَأَخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَ كُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّى بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴿لا يجرمنكم﴾ معناه: لا يكسبنكم، يقال: جرمه كذا وكذا وأجرمه إذا أكسبه، كما يقال: كسب وأكسب بمعنى، ومن ذلك قول الشاعر: İ أ ٢٠٢ تفسير سورة هود / الآيات: ٨٩ - ٩٢ ولقد طعنت أبا عيينة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا وقرأ الجمهور ((يَجرمنكم)) بفتح الياء، وقرأ الأعمش وابن وثاب ((يُجرمُنكم)) بضمها، و﴿شقاقي﴾ معناه: مشاقتي وعداوتي، و﴿أن﴾ مفعولة ب﴿يجرمنكم﴾. وكانت قصة قوم لوط أقرب القصص عهداً بقصة قوم شعيب، وقد يحتمل أن يريد وما منازل قوم لوط منكم ببعيد، فكأنه قال: وما قوم لوط منكم ببعيد بالمسافة، ويتضمن هذا القول ضرب المثل لهم بقوم لوط . وقرأ الجمهور ((مثلُ)) بالرفع على أنه فاعل ﴿يصبكم﴾ وقرأ مجاهد والجحدري وابن أبي إسحاق ((مثلَ)) بالنصب، وذلك على أحد وجهين: إما أن يكون ((مثل)) فاعلاً، وفتحة اللام فتحة بناء لما أضيف لغير متمكن، فإن ((مثل)) قد يجري مجرى الظروف في هذا الباب وإن لم يكن ظرفاً محضاً. وإما أن يقدر الفاعل محذوفً يقتضيه المعنى، ويكون (مثلَ)) منصوباً على النعت لمصدر محذوف تقديره: إصابة مثل. وقوله ﴿واستغفروا﴾ الآية، تقدم القول في مثل هذا من ترتيب هذا الاستغفار قبل التوبة. و﴿ودود﴾ معناه: أن أفعاله ولطفه بعباده لما كانت في غاية الإحسان إليهم كانت كفعل من يتودد ويود المصنوع له. وقوله تعالى: ﴿قالوا: يا شعيب﴾ الآية، ﴿نفقه﴾ معناه: نفهم وهذا نحو قول قريش ﴿قلوبنا في أكنة﴾ [فصلت: ٥] ومعنى: ((ما نفقه ما تقول)) أي ما نفقه صحة قولك، وأما فقههم لفظه ومعناه فمتحصل، وروي عن ابن جبير وشريك القاضي في قولهم: ﴿ضعيفاً﴾ أنه كان ضرير البصر أعمى، وحكى الزهراوي: أن حمير تقول للأعمى: ضعيف، كما يقال له: ضرير، وقيل: کان ناحل البدن زمنه. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف ولا تقوم عليه حجة بضعف بصره أو بدنه؛ والظاهر من قولهم: ﴿ضعيفاً﴾ أنه ضعيف الانتصار والقدرة، وأن رهطه الكفرة كانوا يراعون فيه. و((الرهط)) جماعة الرجل، ومنه الراهطاء لأن اليربوع يعتصم به كما يفعل الرجل برهطه. و﴿لرجمناك﴾ قيل: معناه بالحجارة - وهو الظاهر وقاله ابن زيد - وقيل معناه: ﴿لرجمناك﴾ بالسب- وبه فسر الطبري. وهذا أيضاً تستعمله العرب. ومنه قوله تعالى: ﴿الأرجمنك واهجرني ملياً﴾ [مريم: ٤٦]، وقولهم ﴿بعزيز﴾ أي بذي منعة وعزة ومنزلة في نفوسنا. وقوله تعالى: ﴿قال يا قوم ارهطي﴾ الآية، ((الظهري)) الشيء الذي يكون وراء الظهر، وقد يكون الشيء وراء الظهر بوجهين: في الكلام، إما بأن يطرح، كما تقول: جعلت كلامي وراء ظهرك ودبر أذنك ومنه قول الفرزدق: بظهر فلا يعبى عليّ جوابها تميم بن زيد لا تكونن حساجتي وإما بأن يسند إليه ويلجأ. ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: ((وألجأت ظهري ٢٠٣ تفسير سورة هود / الآيات : ٩٣ - ٩٥ إليك)) فقال جمهور المتأولين في معنى هذه الآية أنه: واتخذتم اللّه ظهرياً أي غير مراعى وراء الظهر على معنى الاطراح - ورجحه الطبري . قال القاضي أبو محمد: وهو عندي على حذف مضاف ولا بد، وقال بعضهم: الضمير في قوله: ﴿واتخذتموه﴾ عائد على أمر الله وشرعه، إذ يتضمنه الكلام. وقالت فرقة: المغنى: أترون رهطي أعز عليكم من اللّه وأنتم تتخذون اللّه سند ظهوركم وعماد آمالكم . قال القاضي أبو محمد: فقول الجمهور - على أن كان كفر قوم شعيب جحداً بالله تعالى وجهلاً به . وهذا القول الثاني - على أنهم كانوا يقرون بالخالق الرازق ويعتقدون الأصنام وسائط ووسائل ونحو هذا؛ وهاتان الفرقتان موجودتان في الكفرة. ومن اللفظة الاستظهار بالبيّنة، وقد قال ابن زيد: ((الظهري)): الفضل، مثل الجمال يخرج معه بإبل ظهارية يعدها إن احتاج إليها وإلا فهي فضلة. قال القاضي أبو محمد: هذا کله مما يستند إليه. وقوله ﴿إن ربي بما تعملون محيط﴾ خبر في ضمنه توعد. ومعناه محيط علمه وقدرته. كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ ٩٤ قوله عز وجل : وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِى مَعَكُمْ رَقِيبٌ ﴿ وَلَمَّاجَآءَ أَمْرُنَا نَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَلُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَثِمِينَ فِيَا أَلَأَ بُعْدَالْمَدِيْنَ كُمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ ٩٥ ﴿على مكانتكم﴾ معناه: على حالاتكم، وهذا كما تقول: مكانة فلان في العلم فوق مكانة فلان، يستعار من البقاع إلى المعاني . وقرأ الحسن وأبو عبد الرحمن وعاصم: ((مكانتكم)) بالجمع، والجمهور على الإفراد. وقوله: ﴿اعملوا﴾ تهديد ووعيد، وهو نحو قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] وقوله: ﴿من يأتيه﴾ يجوز أن تكون ﴿من) مفعولة بـ﴿تعلمون﴾ والثانية عطف عليها، قال الفراء: ويجوز أن تكون استفهاماً في موضع رفع بالابتداء. قال القاضي أبو محمد: الأول أحسن لأنها موصولة ولا توصل في الاستفهام، ويقضي بصلتها أن المعطوفة عليها موصولة لا محالة، والصحيح أن الوقف في قوله: ﴿إني عامل﴾ ثم ابتداء الكلام بالوعيد، و﴿من﴾ معمولة ل ﴿تعلمون﴾ وهي موصولة. ٢٠٤ تفسير سورة هود / الآيات: ٩٦ - ١٠٠ وقوله: ﴿وارتقبوا﴾ كذلك تهديد أيضاً. وقوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا﴾ الآية، ((الأمر)) ها هنا يصح أن يكون مصدر أمر ويصح أن يكون واحد الأمور. وقوله: ﴿برحمة منا﴾ إما أن يقصد الإخبار عن الرحمة التي لحقت شعيباً لنبوته وحسن عمله وعمل متبعيه، وإما أن يقصد أن النتيجة لم تكن إلا بمجرد رحمة لا بعمل من أعمالهم، وأما ﴿الصيحة﴾ فهي صيحة جبريل عليه السلام، وروي أنه صاح بهم، صيحة جثم لها كل واحد منهم في مكانه حيث سمعها ميتاً قد تقطعت حجب قلبه، و((الجثوم)) أصله في الطائر إذا ضرب بصدره إلى الأرض، ثم يستعمل في غيره إذا کان منه بشبه . وقوله تعالى: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ الآية، الضمير في قوله: ﴿فيها﴾ عائد على ((الديار))، و﴿يغنوا﴾ معناه: يقيمون بنعمة وخفض عيش، ومنه المغاني وهي المنازل المعمورة بالأهل، وقوله: ﴿أَلا﴾ تنبيه السامع، وقوله: ﴿بعدأ﴾ مصدر، دعا به، وهذا كما تقول: سقياً لك ورعياً لك وسحقاً للكافر ونحو هذا، وفارقت هذه قولهم: سلام عليك، لأن هذا كأنه إخبار عن شيء قد وجب وتحصل، وتلك إنما هي دعاء مترجى: ومعنى ((البعد)) - في قراءة من قرأ ((بعدت)) بكسر العين - الهلاك - وهي قراءة الجمهور ومنه قول خرنق بنت هفان: [الكامل] لا يبعدنْ قومي الذين همُ سُمُّ العداءةِ وآفةٌ الجزرِ - ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل] وأين مكان البعد إلا مكانيا يقولون لا تبعد وهم يدفنونني وأما من قرأ (بعدت)) وهو السلمي وأبو حيوة - فهو من البعد الذي ضده القرب، ولا يدعى به إلا على مبغوض. قوله عز وجل : ٢َ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَانَبَّعُواْ أَغْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا ٩٦ وَلَقَدْأَرْسَلْنَا مُوسَى بِثَايَتِنَا وَسُلْطَانِ مُبِينٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ اُلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ أَمْرُفِرْعَوْنَ بِرَشِیدٍ وَأُتْبِعُواْ فِى هَذِهِ، لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ بِئْسَ الْرِفِّدُ اَلْمَرْفُودُ [®] ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْقُرَى نَقُصُهُ. عَلَيْكَ مِنْهَا قَابِهُ وَحَصِيدٌ ١٠٠ (((الآيات)): العلامات، و((السلطان)): البرهان والبيان في الحجة؛ قيل: هو مشتق من السليط الذي يستضاء به، وقيل: من أنه مسلط على كل مناو ومخاصم، و((الملأ)): الجمع من الرجال والمعنى: أرسلناه إليهم ليؤمنوا بالله تعالى، فصدهم فرعون فاتبعوا أمره ولم يؤمنوا وكفروا، ثم أخبر تعالى عن أمر فرعون أنه ليس ﴿برشيد﴾ أي ليس بمصيب في مذهبه ولا مفارق للسفاهة. ٢٠٥ تفسير سورة هود / الآيات: ٩٦ - ١٠٠ وقوله: ﴿يقدم قومه يوم القيامة) الآية، أخبر الله تعالى في هذه الآية عن فرعون أنه يأتي يوم القيامة مع قومه المغرقين معه، وهو يقدمهم إلى النار: وأوقع الفعل الماضي في ﴿أوردهم﴾ موقع المستقبل، لوضوح الأمر وارتفاع الإشكال عنه، ووجه الفصاحة من العرب في أنها تضع أحياناً الماضي موضع المستقبل أن الماضي أدل على وقوع الفعل وحصوله، و((الورود)) في هذه الآية هو ورود الدخول وليس بورود الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله تعالى: ﴿ولما ورد ماء مدين﴾ [القصص: ٢٣] وقال ابن عباس: في القرآن أربعة أوراد: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾ [مريم: ٧١] وقوله: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً﴾ [مريم: ٨٦] وهذه في مريم، وفي الأنبياء: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال: وهي كلها ورد دخول، ثم ينجي الله الذين اتقوا و﴿المورود﴾ صفة لمكان الورد - على أن التقدير: ﴿وبئس﴾ مكان ﴿الورد المورود) - وقيل: ﴿المورود﴾ ابتداء والخبر مقدم، والمعنى: المورود بئس الورد. وقوله: ﴿في هذه﴾ يريد دار الدنيا، و((اللعنة)) إبعادهم بالغرق والاستئصال وقبيح الذكر غابر الدهر، وقوله: ﴿ويوم القيامة﴾ أي يلعنون أيضاً بدخولهم في جهنم، قال مجاهد: فلهم لعنتان، وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما يرفدون به فهي لعنة واحدة أولاً، وقبح إرفاد آخراً، وقوله: ﴿بئس الرفد المرفود﴾ أي بئس العطاء المعطى لهم، و﴿الرفد﴾ في كلام العرب: العطية وسمي العذاب هنا رفداً لأن هذا هو الذي حل محل الرفد، وهذا كما تقول: يا فلان لم يكن خيرك إلا أن تضربني أي لم يكن الذي حل محل الخير منك، والإرفاد: المعونة. ومنه رفادة قريش: معونتهم لفقراء الحج بالطعام الذي كانوا يطعمونه في الموسم. وقوله: ﴿ذلك من أنباء الغيب﴾ الآية، ﴿ذلك) إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة، و(«الأنباء» الأخبار. و﴿القرى﴾ يحتمل أن يراد بها القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة، ويحتمل أن يريد القرى عامة، أي هذه الأنباء المقصوصة عليك هي عوائد المدن إذا كفرت، فيدخل - على هذا التأويل - فيها المدن المعاصرة، ويجيء قوله: ﴿منها قائم وحصيد﴾ منها عامر ودائر، وهذا قول ابن عباس: وعلى التأويل الأول - في أنها تلك القرى المخصوصة - يكون قوله: ﴿قائم وحصيد﴾ بمعنى قائم الجدرات ومتهدم لا أثر له، وهذا قول قتادة وابن جريج، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم. قوله عز وجل : وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمِّ فَمَآ أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ الَّتِى يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَىْءٍ لَّمَّاجَآءَ أَمْرُرَيِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَنْبِيبٍ ﴾ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ، أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾َ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةَ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ ٢٠٦ تفسير سورة هود / الآيات: ١٠١ - ١٠٥ ١٠٣ وَمَا نُؤَخِرُهُ إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ (*) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ ١٠٥ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ وَسَعِيدٌ المعنى: وما وضعنا عندهم من التعذيب ما لا يستحقونه، لكنهم ظلموا أنفسهم بوضعهم الكفر موضع الإيمان، والعبادة في جنبة الأصنام، فما نفعتهم تلك الأصنام ولا دفعت عنهم حين جاء عذاب الله. والـ ﴿تتبيب﴾ الخسران، ومنه ﴿تبت يدا أبي لهب﴾ [المسد: ١] ومنه قول جرير: [الوافر] ألا تباً لما فعلوا تبابا عرابية من بقية قوم لوط وصورة زيادة الأصنام التتبيب، إنما يتصور: إما بأن تأهليها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم وصرفتها عن النظر في الشرع وعاقتها، فلحق عن ذلك عنت وخسران، وإما بأن عذابهم على الكفر يزاد إليه عذاب على مجرد عبادة الأوثان. وقوله ﴿وكذلك﴾ الإشارة إلى ما ذكر من الأحداث في الأمم، وهذه آية وعيد تعم قري المؤمنين، فإن ﴿ظالمة﴾ أعم من كافرة، وقد يمهل اللّه تعالى بعض الكفرة، وأما الظلمة - في الغالب فمعاجلون أما أنه يملى لبعضهم، وفي الحديث - من رواية أبي موسى - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة﴾ الآية. وقرأ أبو رجاء العطاردي وعاصم الجحدري ((ربُّك إذا أخذ القرى)) وهي قراءة متمكنة المعنى ولكن قراءة الجماعة تعطي بقاء الوعيد واستمراره في الزمان، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي . وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآية﴾ المعنى: أن في هذه القرى وما حل بها لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة وتوقع أن يناله عذابها فنظر وتأمل، فإن نظره يؤديه إلى الإيمان بالله تعالى، ثم عظم الله أمر يوم القيامة بوصفه بما تلبس بأجنبي منه للسبب المتصل بينهما، ويعود الضمير عليه، و﴿الناس﴾ - على هذا - مفعول لم يسم فاعله، ويصح أن يكون ﴿الناس﴾ رفعاً بالابتداء و﴿مجموع﴾ خبر مقدم. وهذه الآية خبر عن الحشر، و﴿مشهود﴾ عام على الإطلاق يشهده الأولون والآخرون من الإنس والملائكة والجن والحيوان، في قول الجمهور، وفيه - أعني الحيوان الصامت - اختلاف، وقال ابن عباس: الشاهد: محمد عليه السلام، و((المشهود)) يوم القيامة. وقوله: ﴿وما نؤخره﴾ الآية، المعنى وما نؤخر يوم القيامة عجزاً عن ذلك، لكن القضاء السابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر. وقرأ الجمهور ((نؤخره)) بالنون، وقرأ الأعمش ((يؤخره)) بالياء، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة ((يوم يأت)) بحذف الياء من ﴿يأتي﴾ في الوصل والوقف، وقرأ ابن كثير بإثباتها في الوصل والوقف، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثباتها في الوصل وحذفها في الوقف، ورويت أيضاً كذلك عن ابن كثير، والياء ثابتة في مصحف أبي بن كعب، وسقطت في إمام عثمان، وفي مصحف ابن مسعود ((يوم يأتون))، وقرأ بها ٢٠٧ تفسير سورة هود / الآيات: ١٠٦ - ١٠٨ الأعمش، ووجه حذفها في الوقف التشبيه بالفواصل، وإثباتها في الوجهين هو الأصل، ووجه حذفها في الوصل التخفيف كما قالوا في لا أبال ولا أدر، وأنشد الطبري : كفاك كف ما تليق درهماً جوداً وأخرى تعط بالسيف الدما وقوله: ﴿لا تكلم نفس﴾ يصح أن تكون جملة في موضع الحال من الضمير الذي في ﴿يأتي﴾ وهو العائد على قوله: ﴿ذلك يوم﴾، ولا يجوز أن يعود على قوله: ﴿يوم يأتي﴾ لأن اليوم المضاف إلى الفعل لا يكون فاعل ذلك الفعل، إذ المضاف متعرف بالمضاف إليه، والفعل متعرف بفاعله، وليس في نفسه شيئاً مقصوداً مستقلاً دون الفاعل، وقولهم: سيد قومه ومولى أخيه وواحد أمه - مفارق لما لا يستقل، فلذلك جازت الإضافة فيها، ويكون قوله - على هذا - ﴿يوم يأتي﴾ في موضع الرفع بالابتداء وخبره: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ وفي الكلام - على هذا - عائد محذوف تقديره: لا تكلم نفس فيه إلا، ويصح أن يكون قوله: ﴿لا تكلم نفس﴾ صفة لقوله: ﴿يوم يأتي﴾، والخبر قوله: ﴿فمنهم﴾، ويصح أن يكون قوله: ﴿لا تكلم نفس﴾، خبراً عن قوله: ﴿يوم يأتي﴾. وقوله ﴿ذلك يوم﴾ يراد به اليوم الذي قبله ليلته، وقوله ﴿يوم يأتي﴾ يراد به الحين والوقت لا النهار بعينه، فهو كما قال عثمان: إني رأيت ألا أتزوج يومي هذا، وكما قال الصديق رضي الله عنه: فإن الأمانة اليوم في الناس قليل. ومعنى قوله: ﴿لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ وصف المهابة يوم القيامة وذهول العقل وهول القيامة، وما ورد في القرآن من ذكر كلام أهل الموقف في التلاوم والتساؤل والتجادل، فإما أن يكون بإذن وإما أن تكون هذه هنا مختصة في تكلم شفاعة أو إقامة حجة، وقوله ﴿فمنهم﴾ عائد على الجميع الذي تضمنه قوله: ﴿نفس﴾ إذ هو اسم جنس یراد به الجمع. قوله عز وجل : .. --- -----.. .. خَلِدِينَ فِيهَا مَادَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ فَأَمَا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِىِ النَّارِلَهُمْ فِيَهَا زَفِيْرٌ وَشَهِينٌ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُ واْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيهَا مَادَامَتِ ١٠٧ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَاءُ غَيْرَ مَجْذُونٍ ١٠٨ قوله: ﴿الذين شقوا﴾ على بعض التأويلات في الاستثناء الذي في آخر الآية يراد به كل من يعذب من كافر وعاص - وعلى بعضها - كل من يخلد، وذلك لا يكون إلا فى الكفرة خاصة. وال ﴿زفير﴾: صوت شدید خاص بالمحزون أو الوجع أو المعذب ونحوه، والـ (شهيق﴾ كذلك. كما يفعل الباكي الذي يصيح خلال بكائه، وقال ابن عباس: ((الزفير)): صوت حاد. و((الشهيق)) صوت ثقيل، وقال أبو العالية (الزفير)) من الصدر و((الشهيق)) من الحلق وقيل: بالعكس. وقال قتادة ((الزفير)): أول صوت الحمار. و((الشهيق)): آخره. فصياح أهل النار كذلك. وقيل ((الزفير)): مأخوذ من الزفر وهو الشدة، ٢٠٨ تفسير سورة هود / الآيات: ١٠٦ - ١٠٨ و((الشهيق)): من قولهم: جبل شاهق أي عال. فهما - على هذا المعنى - واحد أو متقارب، والظاهر ما قال أبو العالية: فإن الزفرة هي التي يعظم معها الصدر والجوف والشهقة هي الوقعة الأخيرة من الصوت المندفع معها النفس أحياناً، فقد يشهق المحتضر ويشهق المغشي عليه. وأما قوله ﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ فقيل معناه أن الله تعالى يبدل السماوات والأرض يوم القيامة، ويجعل الأرض مكاناً لجهنم والسماء مكاناً للجنة، ويتأبد ذلك، فقرنت الآية خلود هؤلاء ببقاء هذه؛ ويروى عن ابن عباس أنه قال: إن الله خلق السماوات والأرض من نور العرش ثم يردهما إلى هنالك في الآخرة، فلهما ثم بقاء دائم، وقيل معنى قوله ﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ العبارة عن التأبيد بما تعهده العرب، وذلك أن من فصيح كلامها إذا أرادت أن تخبر عن تأبيد شيء أن تقول: لا أفعل كذا وكذا مدى الدهر، وما ناح الحمام و﴿مادامت السماوات والأرض﴾، ونحو هذا مما يريدون به طولاً من غير نهاية، فأفهمهم الله تعالى تخليد الكفرة بذلك وإن كان قد أخبر بزوال السماوات والأرض. وأما قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ فقيل فيه: إن ذلك على طريق الاستثناء الذي ندب الشرع إلى استعماله في كل كلام، فهو على نحو قوله: ﴿لتدخلن المسجد الحرام - إن شاء الله - آمنين﴾ [الفتح: ٢٧] استثناء في واجب، وهذا الاستثناء في حكم الشرط كأنه قال: إن شاء الله، فليس يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا بمنقطع، ويؤيد هذا قوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾ وقيل: هو استثناء من طول المدة، وذلك على ما روي من أن جهنم تخرب ويعدم أهلها وتغلق أبوابها فهم - على هذا - يخلدون حتى يصير أمرهم إلى هذا. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مختل، والذي روي ونقل عن ابن مسعود وغيره إنما هو الدرك الأعلى المختص بعصاة المؤمنين، وهو الذي يسمى جهنم، وسمي الكل به تجوزاً. وقيل: إنما استثنى ما يلطف الله تعالى به للعصاة من المؤمنين في إخراجهم بعد مدة من النار، فيجيء قوله: ﴿إلا ما شاء ربك﴾ أي لقوم ما، وهذا قول قتادة والضحاك وأبي سنان وغيرهم، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فأما الذين شقوا﴾ عاماً في الكفرة والعصاة - كما قدمنا - ويكون الاستثناء من ﴿خالدين﴾، وقيل: ﴿إِلا﴾ بمعنى الواو، فمعنى الآية: وما شاء اللّه زائداً على ذلك، ونحو هذا قول الشاعر: [الوافر] وكل أخ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلا الفرقدان قال القاضي أبو محمد: وهذا البيت يصح الاستشهاد به على معتقدنا في فناء الفرقدين وغيرهما من العالم، وأما إن كان قائله من دهرية العرب فلا حجة فيه، إذ يرى ذلك مؤبداً فأجرى ((إلا)) على بابها. وقيل ﴿إلا﴾ في هذه الآية بمعنى سوى، والاستثناء منقطع، كما تقول: لي عندك ألفا درهم إلا الألف التي كنت أسلفتك، بمعنى سوى تلك، فكأنه قال: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض﴾ سوى ما شاء الله زائداً على ذلك، ويؤيد هذا التأويل قوله بعد: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾، وهذا قول الفراء، فإنه يقدر الاستثناء المنقطع بـ(سوى))؛ وسيبويه يقدره بـ((لكن))؛ وقيل سوى ما أعده لهم من أنواع العذاب مما لا يعرف كالزمهرير ونحوه، وقيل استثناء من مدة السماوات: المدة التي فرطت لهم في الحياة الدنيا؛ : -- ٢٠٩ تفسير سورة هود / الآيات : ١٠٩ - ١١١ وقيل في البرزخ بين الدنيا والآخرة؛ وقيل: في المسافات التي بينهم في دخول النار، إذ دخولهم إنما هو زمراً بعد زمر؛ وقيل: الاستثناء من قوله: ﴿ففي النار﴾ كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير عن ذلك، وهذا قول رواه أبو نضرة عن جابر أو عن أبي سعيد الخدري. ثم أخبر منبهاً على قدرة الله تعالى بقوله: ﴿إن ربك فعال لما يريد﴾. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم - في رواية أبي بكر - ((سَعدوا)) بفتح السين، وهو فعل لا يتعدى؛ وقرأ حمزة والكسائي وعاصم - في رواية حفص - ((سُعدوا)) بضم السين، وهي شاذة ولا حجة في قولهم: مسعود، لأنه مفعول من أسعد على حذف الزيادة كما يقال: محبوب، من أحب، ومجنون من أجنه الله، وقد قيل فى مسعود: إنما أصله الوصف للمكان، يقال: مكان مسعود فيه ثم نقل إلى التسمية به؛ وذكر أن الفراء حكى أن هذيلًا تقول: سعده الله بمعنى أسعده. وبضم السين قرأ ابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش. والأقوال المترتبة في استثناء التي قبل هذه تترتب ها هنا إلا تأويل من قال: هو استثناء المدة التي تخرب فيها جهنم، فإنه لا يترتب مثله في هذه الآية، ويزيد هنا قول: أن يكون الاستثناء في المدة التي يقيمها العصاة في النار؛ ولا يترتب أيضاً تأويل من قال في تلك: إن الاستثناء هو من قوله: ﴿في النار﴾. وقوله: ﴿عطاء غير مجذوذ﴾، نصب على المصدر، و((المجذوذ)): المقطوع. و((الجذ)): القطع وكذلك ((الجد)) وكذلك ((الحز)). قوله عز وجل : فَلَتَكُ فِىِ مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفَّوهُمْ ج نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (٢٦) وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ وَ إِنَّهُمْ لَفِى شَكٍ مِّنْهُ مُرِيبٍ ﴿﴿ وَ إِنَّ كُلُّا لَّمَّالَيُّوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُبِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ لفظ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى له ولأمته، ولم يقع لأحد شك فيقع عنه نهي ولكن من فصاحة القول في بيان ضلالة الكفرة إخراجه في هذه العبارة، أي حالهم أوضح من أن يمترى فيها، وال﴿مرية﴾: الشك، و﴿هؤلاء﴾ إشارة إلى كفار العرب عبدة الأصنام؛ ثم قال: ﴿ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل﴾. المعنى: أنهم مقلدون لا برهان عندهم ولا حجة، وإنما عبادتهم تشبهاً منهم بآبائهم لا عن بصيرة؛ وقوله: ﴿وإنّا لموفوهم نصيبهم غير منقوص﴾ وعيد، ومعناه: العقوبة التي تقتضيها أعمالهم، ويظهر من قوله: ﴿غير منقوص﴾ أن على الأولين كفلاً من كفر الآخرين. وقرأ الجمهور ((لموفّوهم)) بفتح الواو وشد الفاء، وقرأ ابن محيصن ((لموفوهم)) بسكون الواو وتخفيف الفاء. ٢١٠ تفسير سورة هود / الآيات : ١٠٩ - ١١١ وقوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ الآية، تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وذكر قصة موسى مثل له، أي لا يعظم عليك أمر من كذبك، فهذه هي سيرة الأمم، فقد جاء موسى، بكتاب فاختلف الناس عليه . وقوله: ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ إلى آخر الآية، يحتمل أن يريد به أمة موسى، ويحتمل أن يريد به معاصري محمد عليه السلام؛ وأن يعمهم اللفظ أحسن - عندي - ويؤكد ذلك قوله: ﴿وإن كلَّ﴾ و((الكلمة)) ها هنا عبارة عن الحكم والقضاء والمعنى ﴿لقضي بينهم﴾ أي لفصلى بين المؤمن والكافر، بنعيم هذا وعذاب هذا .... ووصف ((الشك)) بالمريب تقوية لمعنى الشك. 1 وقرأ الكسائي وأبو عمرو: ((وإنَّ كلَّ لمَا)) بتشديد النون وتخفيف الميم من ﴿لما﴾ وقرأ ابن كثير ونافع بتخفيفهما، وقرأ حمزة بتشديدهما، وكذلك حفص عن عاصم؛ وقرأ عاصم - في رواية أبي بكر - بتخفيف ((إنْ) وتشديد الميم من ((لمّا)) وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم: ((وإن كلّا لمَّا)) بتشديد الميم وتنوينها. وقرأ الحسن بخلاف: ((وإنْ كلّ لما)) بتخفيف ((إن)) ورفع ((كلَّ)) وشد ((لمّا)) وكذلك قرأ أبان بن تغلب إلا أنه خفف ((لما))، وفي مصحف أبيّ وابن مسعود ((وإن كل إلا ليوفينهم)) وهي قراءة الأعمش، قال أبو حاتم: الذي في مصحف أبيّ: ((وإن من كل إلا ليوفينهم أعمالهم)). فأما الأول فـ(إن)) فيها على بابها، و(كلاً)) اسمها، وعرفها أن تدخل على خبرها لام. وفي الكلام قسم تدخل لامه أيضاً على خبر (إن)) فلما اجتمع لامان فصل بينهما بـ(ما)) - هذا قول أبي علي - والخبر في قوله ﴿ليوفينهم﴾، وقال بعض النحاة: يصح أن تكون ((ما)) خبر ((إن)) وهي لمن يعقل لأنه موضع جنس وصنف، فهي بمنزلة من، كأنه قال: وإن كلّ لخلق ليوفينهم؛ ورجح الطبري هذا واختاره، إما أنه يلزم القول أن تكون ((ما)) موصوفة إذ هي نكرة، كما قالوا: مررت بما معجب لك، وينفصل بأن قوله: ﴿ليوفينهم﴾ يقوم معناه مقام الصفة، لأن المعنى: وإن كلًّا لخلق موفى عمله، وأما من خففها - وهي القراءة الثانية في ترتيبنا فحكم ((إن)» وهي مخففة حكمها مثقلة، وتلك لغة فصيحة، حكى سيبويه أن الثقة أخبره: أنه سمع بعض العرب يقول: إن عمراً لمنطلق وهو نحو قول الشاعر: ووجه مشرق النحر كأن ثدييه حقان رواه أبو زيد. ويكون القول في فصل ((ما)) بين اللامين حسبما تقدم، ويدخلها القول الآخر من أن تكون ((ماء خبر (إن)) وأما من شددهما أو خفف ((إن)) وشدد ((الميم)) ففي قراءتيهما إشكال، وذلك أن بعض الناس قال: إن ((ما)) بمعنى إلا، كما تقول: سألتك لما فعلت كذا وكذا بمعنى إلا فعلت قال أبو علي: وهذا ضعيف لأن ((لما) هذه لا تفارق القسم، وقال بعض الناس: المعنى لمن ما أبدلت النون ميماً، وأدغمت في التي بعدها فبقي ((لمما)) فحذفت الأولى تخفيفاً لاجتماع الأمثلة، كما قرأ بعض القراء ﴿والبغي يعظكم) [النحل: ٩٠] به بحذف الياء مع الياء وكما قال الشاعر: لدى يتباشرون بما لقينا وأشمت العداة بنا فأضحوا ٢١١ تفسير سورة هود / الآيات: ١١٢ - ١١٥ قال أبو علي وهذا ضعيف؛ وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في قوله: ﴿أمم ممن معك﴾ [هود: ٤٨] ولم يدغم هناك فأحرى أن لا يدغم هنا. قال القاضي أبو محمد: وقال بعض الناس أصلها: لمن ما، فـ((من)) خبر ((إن)) و((ما)) زائدة وفي التأويل الذي قبله أصله: لمن ما، فـ((ما)) هي الخبر دخلت عليها ((من)) على حد دخولها في قول الشاعر: على رأسه تلقى اللسان من الفم وإنا لمن ما نضرب الكبش ضربة وقالت فرقة ((لما)) أصلها ((لماً)) منونة، والمعنى: وإن كلاً عاماً حصراً شديداً، فهو مصدر لم يلم، كما قال: ﴿وتأكلون التراث أكلًا ((لَمَّا)) [الفجر: ١٩] أي شديداً قالت: ولكنه ترك تنوينه وصرفه وبني منه فعلی کما فعل في تتری فقرىء: تترى. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، حكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في ((لما))، قال أبو علي: وأما من قرأ ((لمَّا)) بالتنوين وشد الميم فواضح الوجه كما بينا، وأما من قرأ: ((وإن كل لما)) فهي المخففة من الثقيلة، وحقها - في أكثر لسان العرب - أن يرتفع ما بعدها، و((لما)) هنا بمعنى إلا ، كما قرأ جمهور القراء: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ [الطارق: ٤]. ومن قرأ ((إلا)) مصرحة فمعنى قراءته واضح، وهذه الآية وعيد. وقرأ الجمهور: ((يعملون)) بياء على ذكر الغائب، وقرأ الأعرج ((تعملون)) بتاء على مخاطبة الحاضر. قوله عز وجل : فَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (*) وَلَا تَرْكُوْ إِلَى الَّذِينَ ج وَأَقِمِ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَالَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِرِينَ وَأَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥) أمر النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت، وهذا كما تأمر إنسانً بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس به. والخطاب بهذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر، ولسائر أمته بالمعنى، وروي أن بعض العلماء رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: يا رسول الله بلغنا عنك أنك قلت: شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود؟ قال له: قوله تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾. قال القاضي أبو محمد: والتأويل المشهور في قوله عليه السلام: شيبتني هود وأخواتها - أنها إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السابقة، فكان حذره على هذه الأمة مثل ذلك شيبه عليه السلام. وقوله: ﴿أمرت﴾ مخاطبة تعظيم، وقوله: ﴿ومن﴾ معطوف على الضمير في قوله: ﴿فاستقم﴾، i ٢١٢ تفسير سورة هود / الآيات : ١١٢ - ١١٥ وحسن ذلك دون أن يؤكد لطول الكلام بقوله: ﴿كما أمرت﴾. و﴿لا تطغوا﴾ معناه: ولا تتجاوزوا حدود الله تعالى، و((الطغيان)): تجاوز الحد ومنه قوله: ﴿طغى الماء﴾ [الحاقة: ١١] وقوله في فرعون: ﴿إنه طغى﴾ [طه: ٢٤ - ٤٣، النازعات: ١٧]، وقيل في هذه معناه: ولا تطغينكم النعم، وهذا كالأول. وقرأ الجمهور ((تعملون)) بتاء، وقرأ الحسن والأعمش ((يعملون)) بياء من تحت - وقرأ الجمهور: ((ولا تركّنوا)) بفتح الكاف، وقرأ طلحة بن مصرف وقتادة والأشهب العقيلي وأبو عمرو - فيما روى عنه هارون - بضمها، وهو لغة، يقال: ركن يركّن وركن يركُن، ومعناه السكون، إلى الشيء والرضا به قال أبو العالية: ((الركون)): الرضا. قال ابن زيد: ((الركون)): الإدمان. قال القاضي أبو محمد: فالركون يقع على قليل هذا المعنى وكثيره، والنهي هنا يترتب من معنى الركون على الميل إليهم بالشرك معهم إلى أقل الرتب من ترك التغيير عليهم مع القدرة، و﴿الذين ظلموا﴾ هنا هم الكفار، وهو النص للمتأولين، ويدخل بالمعنى أهل المعاصي. وقرأ الجمهور ((فتَمسكم))، وقرأ يحيى وابن وثاب وعلقمة والأعمش وابن مصرف وحمزة - فيما روي عنه - ((فتمسكِم)) بكسر التاء وهي لغة في كسر العلامات الثلاث دون الياء التي للغائب، وقد جاء في الياء بيجل وبيبى، وعللت هذه بأن الياء التي وليت الأولى ردتها إلى الكسر. وقوله تعالى: ﴿أقم الصلاة﴾ الآية، لم يختلف أحد في أن ﴿الصلاة) في هذه الآية يراد بها الصلوات المفروضة، واختلف في ﴿طرفي النهار﴾ وزلف الليل فقيل: الطرف الأول الصبح، والثاني الظهر والعصر والزلف المغرب والعشاء، قاله مجاهد ومحمد بن كعب القرظي وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المغرب والعشاء: ((هما زلفتا الليل)). وقيل: الطرف الأول: الصبح، والثاني: العصر، قاله الحسن وقتادة والضحاك، والزلف: المغرب والعشاء، وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول - بل هي في غيرها، وقيل الطرفان: الصبح والمغرب - قاله ابن عباس والحسن - أيضاً - والزلف: العشاء، وليست في الآية الظهر والعصر. وقيل: الطرفان: الظهر والعصر، والزلف: المغرب والعشاء والصبح .. قال القاضي أبو محمد: كأن هذا القائل راعى جهر القراءة، والأول أحسن هذه الأقوال عندي ورجح الطبري أن الطرفين: الصبح والمغرب، وأنه الظاهر، إلا أن عموم الصلوات الخمس بالآية أولى. وقرأ الجمهور ((زلَفا)) بفتح اللام، وقرأ طلحة بن مصرف وابن محيصن وعيسى وابن إسحاق وأبو جعفر: ((زلفا)) بضم اللام كأنه اسم مفرد. وقرأ ((زلْفا)) بسكون اللام مجاهد، وقرأ أيضاً: ((زلفى) على وزن - فعلى - وهي قراءة ابن محيصن. والزلف: الساعات القريب بعضها من بعض. ومنه قول العجاج: [الرجز] ناج طواه الأين مما وجفا طي الليالي زلفاً فزلفا سماوة الهلال حتى احقوقفا وقوله ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، ذهب جمهور المتأولين من صحابة وتابعين إلى أن ﴿الحسنات﴾ يراد بها الصلوات الخمس - وإلى هذه الآية ذهب عثمان - رضي الله عنه - عند وضوئه على ٢١٣ تفسير سورة هود / الآيات: ١١٢ - ١١٥ المقاعد وهو تأويل مالك، وقال مجاهد: ﴿الحسنات﴾: قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله إنما هو على جهة المثال في الحسنات، ومن أجل أن الصلوات الخمس هي أعظم الأعمال، والذي يظهر أن لفظ الآية لفظ عام في الحسنات خاص في السيئات بقوله عليه السلام: ((ما اجتنبت الكبائر)). وروي أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار، قيل: هو أبو اليسر بن عمرو، وقيل: اسمه عباد، خلا بامرأة فقبلها وتلذّذ بها فيما دون الجماع، ثم جاء إلى عمر فشكا إليه، فقال: قد ستر الله عليك فاستر على نفسك، فقلق الرجل فجاء أبا بكر فشكا إليه، فقال له مثل مقالة عمر، فقلق الرجل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى معه، ثم أخبره وقال: اقض فيَّ ما شئت، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم لعلها زوجة غاز في سبيل الله، قال: نعم، فوبخه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ما أدري، فنزلت هذه الآية، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاها عليه: فقال معاذ بن جبل: يا رسول الله خاصة؟ قال: بل للناس عامة. وروي أن الآية كانت نزلت قبل ذلك واستعملها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الرجل وروي أن عمر قال ما حكي عن معاذ. قال القاضي أبو محمد: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان - كفارة لما بينها إن اجتنبت الكبائر)). فاختلف أهل السنة في تأويل هذا الشرط في قوله: ((إن اجتنبت الكبائر)»، فقال جمهورهم: هو شرط في معنى الوعد كله، أي إن اجتنبت الكبائر كانت العبادات المذكورة كفارة للذنوب، فإن لم تجتنب لم تكفر العبادات شيئاً من الصغائر. وقالت فرقة: معنى قوله إن اجتنبت: أي هي التي لا تحطها العبادات، فإنما شرط ذلك ليصح بشرطه عموم قوله: ما بينهما، وإن لم تحطها العبادات وحطت الصغائر. قال القاضي أبو محمد: وبهذا أقول وهو الذي يقتضيه حديث خروج الخطايا مع قطر الماء وغيره؛ وذلك كله بشرط التوبة من تلك الصغائر وعدم الإصرار عليها، وهذا نص الحذاق الأصوليين. وعلى التأويل الأول تجيء هذه مخصوصة في مجتنبي الكبائر فقط. وقوله ذلك إشارة إلى الصلوات، ووصفها بـ ﴿ذكرى﴾، أي هي سبب ذكر وموضع ذكرى، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الإخبار بـ ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾، فتكون هذه الذكرى تحض على الحسنات، ويحتمل أن تكون الإشارة إلى جميع ما تقدم من الأوامر والنواهي في هذه السورة، وهو تفسير الطبري . ثم أمره تعالى بالصبر، وجاءت هذه الآيات في نمط واحد: أعلمه الله تعالى أنه يوفي جميع الخلائق أعمالهم المسيء والمحسن، ثم أمره بالاستقامة والمؤمنين معه، ثم أمره بإقامة الصلوات ووعد على ذلك ثم أمره بالصبر على التبليغ والمكاره في ذات الله تعالى، ثم وعد بقوله: ﴿إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ . ٢١٤ تفسير سورة هود /: الآيتان : ١١٧،١١٦ ٠٠. قوله عز وجل : فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْيَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِى الْأَرْضِ إِلََّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَأَتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أَتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ () وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُّهْلِكَ ١١٧ اٌلْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴿لولا﴾ هي التي للتحضيض - لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد، وهذا نحو قوله: ﴿يا حسرة على العباد﴾ [يس: ٣٠]، و﴿القرون من قبلكم﴾ هم قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره، والقرن من الناس: المقترنون في زمان طويل أكثره - فيما حد الناس - مائة سنة، وقيل ثمانون وقيل غير ذلك إلى ثلاثين سنة؛ والأول أرجح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)). قال ابن عمر: يريد أنها تخرم ذلك القرن و﴿بقية﴾ هنا يراد بها النظر والعقل. والحزم والثبوت في الدين، وإنما قيل: ﴿بقية﴾ لأن الشرائع والدول ونحوها - قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول. وقرأت فرقة: ((بقية)) بتخفيف الياء وهو رد فعيلة إلى فعلة، وقرأ أبو جعفر وشيبة ((بُقْية)) بضم الباء وسكون القاف على وزن فُعلة . و﴿الفساد في الأرض﴾ هو الكفر وما اقترن به من المعاصي، وهذه الآية فيها تنبيه لأمة محمد وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد ثم استثنى الله تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم. و﴿قليلاً﴾ نصب على الاستثناء وهو منقطع عند سيبويه، والكلام عنده موجب، وغيره يراه منفياً من حيث معناه أنه لم يكن فيهم أولو بقية. وقرأ جمهور الناس ((واتبعَ)) على بناء الفعل للفاعل، وقرأ حفص بن محمد: ((واتبع)) على بنائه للمفعول، ورویت عن أبي عمرو. 1 و﴿ما أترفوا فيه﴾ أي عاقبة ما نعموا به - على بناء الفعل للمفعول - والمترف: المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك ومنه قول الشاعر: : إلى أمير المؤمنين الممتاد تحيي رؤوس المترفين الصداد يريد المسؤول، يقال ماده: إذا سأله. وقوله: ﴿بظلم)، يحتمل أن يريد بظلم منه لهم - تعالي عن ذلك ــ قال الطبري: ويحتمل أن يريد: بشرك منهم، وهم مصلحون في أعمالهم وسيرهم، وعدل بعضهم في بعض، أي أنهم لا بد من معصية تقترن بكفرهم. ٢١٥ تفسير سورة هود / الآيتان: ١١٨، ١١٩ قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل إن الله تعالى يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور، ولو عكس لكان ذلك متجهاً، أي ما كان الله ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان، والاحتمال الأول في ترتيبنا أصح إن شاء الله . قوله عز وجل : وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينٌ ﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبِّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ١١٩ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ المعنى: لجعلهم أمة واحدة مؤمنة - قاله قتادة - حتى لا يقع منهم كفر ولا تنزل بهم مثلة، ولكنه عز وجل لم يشأ ذلك، فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل - هذا تأويل الجمهور - قال الحسن وعطاء ومجاهد وغيرهم: المرحومون المستثنون هم المؤمنون ليس عندهم اختلاف. وقالت فرقة: ﴿لا يزالون مختلفين﴾ في السعادة والشقاوة، وهذا قريب المعنى من الأول إذ هي ثمرة الأديان والاختلاف فيها، ويكون الاختلاف - على هذا التأويل - يدخل فيه المؤمنون إذ هم مخالفون للكفرة؛ وقال الحسن أيضاً: لا يزالون مختلفين في الغنى والفقر. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد معناه من معنى الآية، ثم استثنى الله تعالى من الضمير في ﴿يزالون﴾ من رحمه من الناس بأن هداه إلى الإيمان ووفقه له. وقوله: ﴿ولذلك خلقهم) اختلف فيه المتأولون، فقالت فرقة: ولشهود اليوم المشهود - المتقدم ذكره - خلقهم، وقالت فرقة: ذلك إشارة إلى قوله - قبل - ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ [هود: ١٠٥] أي لهذا خلقهم. قال القاضي أبو محمد: وهذان المعنيان وإن صحا فهذا العود المتباعد ليس بجيد؛ وروى أشهب عن مالك أنه قال: ذلك إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير. قال القاضي أبو محمد: فجاءت الإشارة بذلك إلى الأمرين: الاختلاف والرحمة وقد قاله ابن عباس واختاره الطبري ويجيء - عليه - الضمير في ﴿خلقهم) للصنفين وقال مجاهد وقتادة ذلك عائد على الرحمة التي تضمنها قوله: ﴿إلا من رحم﴾، أي وللرحمة خلق المرحومين، قال الحسن، وذلك إشارة إلى الاختلاف الذي في قوله: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا بأن يقال: كيف خلقهم للاختلاف؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بخلقهم؟ فالوجه في الانفصال أن نقول: إن قاعدة الشرع أن الله عز وجل خلق خلقاً للسعادة وخلقاً للشقاوة، ثم يسر كلا لما خلق له، وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في ٢١٦ تفسير سورة هود / الآيات: ١٢٠ - ١٢٣ الدين على الحق هو أمارة الشقاوة وبه علق العقاب، فيصح أن يحمل قوله هنا وللاختلاف خلقهم: أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة. ويصح أن يجعل اللام في قوله: ﴿ولذلك﴾ لام الصيرورة أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك، وإن لم يقصد بهم الاختلاف. قال القاضي أبو محمد: ومعنى قوله ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦] أي لآمرهم بالعبادة، وأوجبها عليهم، فعبر عن ذلك بثمرة الأمر ومقتضاه. وقوله، ﴿وتمت كلمة ربك﴾ أي نفذ قضاؤه وحق أمره، واللام في ﴿لأملأن﴾ لام قسم إذ ((الكلمة)) تتضمن القسم. و((الجن)) جمع لا واحد له من لفظه وهو من أجن إذا ستر و(«الهاء)) في ﴿بالجنة﴾ للمبالغة. وإن كان الجن يقع على الواحد فالجنة جمعه. قوله عز وجل : وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيَّكَ مِنْ أَنْبَآءِ الرُّسُلِ مَا نُشَيِّتُ بِهِ فُؤَادَكْ وَجَاءَكَ فِى هَذِهِ الْحَقُّ وَ مَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِّكُمْ إِنَّا عَلْمِلُونَ (١٦) وَأَنَظِرُ وَأَإِنَّا مُنْتَظِرُونَ ١٢٢ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْءٍ وَمَا رَبُّكَ بِغَفِلٍ ١٢٣ عَمَّا تَعْمَلُونَ قوله: ﴿وكلًا﴾ مفعول مقدم بـ﴿نقص﴾ وقيل: هو منصوب على الحال، وقيل على المصدر. قال القاضي أبو محمد: وهذان ضعيفان، وإما﴾ بدل من قوله: ﴿كلًا﴾، و﴿نثبت به فؤادك﴾أي نؤنسك فيما تلقاه، ونجعل لك الأسوة في مَنْ تقدمك مِن الأنبياء، وقوله: ﴿في هذه﴾ قال الحسن: هي إشارة إلى دار الدنيا، وقال ابن عباس: إلى السورة والآيات التي فيها ذكر قصص الأمم، وهذا قول الجمهور. قال القاضي أبو محمد: ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها ب﴿الحق﴾ - والقرآن كله حق - أن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر، أي جاءك في هذه السورة الحق الذي أصاب الأمم الظالمة، وهذا كما يقال عند الشدائد: جاء الحق وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ما وجه، ولا يستعمل في ذلك : جاء الحق ، ثم وصف أيضاً أن ما تضمنته السورة هي ﴿موعظة وذكرى للمؤمنين)؛ فهذا يؤيد أن لفظة ﴿الحق﴾ إنما تختص بما تضمنت من وعيد للكفرة. وقوله تعالى: ﴿وقل للذين لا يؤمنون) الآية، هذه آية وعيد، أي ﴿اعملوا﴾ على حالاتكم التي أنتم عليها من كفركم. ٢١٧ تفسير سورة هود / الآيات: ١٢٠ - ١٢٣ وقرأ الجمهور هنا: ﴿مكانتكم﴾ واحدة دالة على جمع وألفاظ هذه الآية تصلح للموادعة، وتصلح أن تقال على جهة الوعيد المحض والحرب قائمة. وقوله تعالى: ﴿ولله غيب السماوات والأرض) الآية، هذه آية تعظم وانفراد بما لا حظ لمخلوق فيه، وهو علم الغيب، وتبيين أن الخير والشر، وجليل الأشياء وحقيرها - مصروف إلى أحكام مالكه، ثم أمر البشر بالعبادة والتوكل على الله تعالى، وفيها زوال همه وصلاحه ووصوله إلى رضوان الله . وقرأ السبعة - غير نافع - ((يرجعُ الأمرُ)) على بناء الفعل للفاعل، وقرأ نافع وحفص عن عاصم: ((يُرجع الأمرُ)) على بنائه للمفعول ورواها ابن أبي الزناد عن أهل المدينة، وقرأ ((تعملون)) بالتاء من فوق، نافع وابن عامر وحفص عن عاصم، وهي قراءة الأعرج والحسن وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمرو وقتادة والجحدري، واختلف عن الحسن وعيسى، وقرأ الباقون ((يعملون)) بالياء على كناية الغائب. ٢١٨ ــ تفسير سورة يوسف /: الآيات: ١ - ٣ بِسْمِ الهِ الرَّحْضَ الزَّهِيَةْ : أوئف شُورَةَ يُودُ 41 هذه السورة مكية، ويروى أن اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف فنزلت السورة بسبب ذلك؛ ويروى أن اليهود أمروا كفار مكة أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي أحل بني إسرائيل بمصر فنزلت السورة؛ وقيل: سبب نزولها تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يفعله به قومه بما فعل إخوة يوسف بيوسف، وسورة يوسف لم يتكرر من معناها في القرآن شيء كما تكررت قصص الأنبياء، ففيها حجة على من اعترض بأن الفصاحة تمكنت بترداد القول، وفي تلك القصص حجة على من قال في هذه: لو كررت لفترت فصاحتها . قوله عز وجل : الْرِئِلْكَ ءَايَنْتُ الْكِتَبِ الْمُبِينِ ﴿﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ قُرْءَ نَاعَرَ بِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٤)نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَآ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْءَانَ وَإِن كُنْتَ مِن قَبْلِهِ، لَمِنَ الْغَفِلِينَ( ٣ تقدم القول في فواتح السور، و﴿الكتاب﴾ القرآن، ووصفه ب﴿المبين) قيل: من جهة أحكامه وحلاله وحرامه، وقيل: من جهة مواعظه وهداه ونوره، وقيل: من جهة بيان اللسان العربي وجودته إذ فيه ستة أحرف لم تجتمع في لسان - روي هذا القول عن معاذ بن جبل - ويحتمل أن يكون مبيناً لنبوة محمد بإعجازه. والصواب أنه ((مبين)) بجميع هذه الوجوه. والضمير في قوله: ﴿أنزلناه﴾ ل ﴿الكتاب)، والإنزال: إما بمعنى الإثبات، وإما أن تتصف به التلاوة والعبارة؛ وقال الزجاج: الضمير في ﴿أنزلناه﴾ يراد به خبر یوسف . قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقوله: ﴿لعلكم﴾ يحتمل أن تتعلق بـ﴿أنزلناه﴾ أي أنزلناه لعلكم، ويحتمل أن تتعلق بقوله: ﴿عربياً﴾ أي جعلناه ﴿عربياً لعلكم تعقلون﴾، إذ هو لسانكم. و﴿قرآناً﴾ حال، و﴿عربياً﴾ صفة له، وقيل: إن ﴿قرآناً﴾ بدل من الضمير - وهذا فيه نظر - وقيل: ﴿قرآناً﴾ توطئة للحال و﴿عربياً﴾ حال، وهذا كما تقول: مررت بزيد رجلاً صالحاً، وقوله: ﴿نحن نقص عليك) الآية، روى ابن مسعود أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ملوا ملة فقالوا: لو قصصت ٢١٩ تفسير سورة يوسف / الآية: ٤ علينا يا رسول الله، فنزلت هذه الآية، ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: لو حدثتنا يا رسول الله، فنزلت ﴿الله نزل أحسن الحديث كتاباً﴾ [الزمر: ٢٣]. و﴿القصص﴾: الإخبار بما جرى من الأمور، كأن الأنباء تتبع بالقول، وتقتص بالأخبار كما يقتص الآخر، وقوله: ﴿بما أوحينا إليك﴾ أي بوحينا. و﴿القرآن﴾ نعت ل﴿هذا﴾، ويجوز فيه البدل، وعطف البيان فيه ضعيف. و﴿إن﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام في خبرها لام التأكيد - هذا مذهب البصريين - ومذهب أهل الكوفة أن ﴿إن﴾ بمعنى ما، واللام بمعنى إلا. والضمير في ﴿قبله﴾ للقصص العام لما في جميع القرآن منه. و﴿من الغافلين﴾، أي عن معرفة هذا القصص. ومن قال: إن الضمير في ﴿قبله﴾ عائد على ﴿القرآن﴾، جعل ﴿من الغافلين) في معنى قوله تعالى: ﴿ووجدك ضالاً فهدى﴾ [الضحى: ٧] أي على طريق غير هذا الدين الذي بعثت به، ولم يكن عليه السلام في ضلال الكفار ولا في غفلتهم لأنه لم يشرك قط، وإنما كان مستهدياً ربه عز وجل موحداً، والسائل عن الطريق المتخير يقع عليه في اللغة اسم ضال. قوله عز وجل : إِذْقَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِيَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَكَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَيُِّهُمْ لِ سَجِدِينَ ٤ العامل في ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره: اذكر ﴿إِذ﴾ ويصح أن يعمل فيه ﴿نقص﴾ [يوسف: ٣] كأن المعنى: نقص عليك الحال ﴿إذ﴾ وحكى مكي أن العامل فيه ﴿لمن الغافلين﴾ [يوسف: ٣]، وهذا ضعيف. وقرأ طلحة بن مصرف ((يؤسَف)) بالهمز وفتح السين - وفيه ست لغات: ((يُوسُف)) بضم الياء وسكون الواو ويفتح السين وبضمها وبكسرها وكذلك بالهمز. وقرأ الجمهور ((يا أبتِ)) بكسر التاء حذفت الياء من أبي وجعلت التاء بدلاً منها، قاله سيبويه، وقرأ ابن عامر وحده وأبو جعفر والأعرج: ((يا أبتَ)) بفتحها، وكان ابن كثير وابن عامر يقفان بالهاء؛ فأما قراءة ابن عامر بفتح التاء فلها وجهان: إما أن يكون: ((يا أبتا)»، ثم حذفت الألف تخفيفاً وبقيت الفتحة دالة على الألف، وإما أن يكون جارياً مجرى قولهم: يا طلحة أقبل، رخموه ثم ردوا العلامة ولم يعتد بها بعد الترخيم، وهذا كقولهم: اجتمعت اليمامة ثم قالوا: اجتمعت أهل اليمامة، فردوا لفظة الأهل ولم يعتدوا بها، وقرأ أبو جعفر والحسن وطلحة بن سليمان: ((أحد عشر كوكباً)) بسكون العين لتوالي الحركات، ويظهر أن الاسمين قد جعلا واحداً . وقيل: إنه قد رأى كواكب حقيقة والشمس والقمر فتأولها يعقوب إخوته وأبویه، وهذا قول الجمهور، وقيل: الإخوة والأب والخالة لأن أمه كانت ميتة، وقيل إنما كان رأى إخوته وأبويه فعبر عنهم بالكواكب والشمس والقمر، وهذا ضعيف ترجم به الطبري، ثم أدخل عن قتادة والضحاك وغيرهما كلاماً محتملاً أن يكون كما ترجم وأن يكون مثل قول الناس، وقال المفسرون: ﴿القمر﴾ تأويله: الأب، و﴿الشمس﴾ تأويلها: الأم، فانتزع بعض الناس من تقديمها وجوب بر الأم وزيادته على بر الأب، وحكى الطبري عن - ---- ..--- - -.. ٢٢٠ تفسير سورة يوسف / الآيتان: ٦٫٥ جابر بن عبد الله أن يهودياً يسمى بستانة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أخبرني عن أسماء الكواكب التي رآها يوسف عليه السلام، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل جبريل عليه السلام فأخبره بأسمائها، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهودي، فقال: هل أنت مؤمن إن أخبرتك بذلك؟ قال: نعم، قال: حربان، والطارق، والذيال، وذا الكنفان، وقابسٍ، ووثاب، وعمودان والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرغ، والضياء، والنور فقال اليهودي: أي والله إنها لأسماؤها. وتكرر ﴿رأيتهم﴾ لطول الكلام وجرى ضمائر هذه الكواكب في هذه الآية مجرى ضمائر من يعقل إنما كان لما وصفت بأفعال هي خاصة بمن يعقل. وروي أن رؤيا يوسف كانت ليلة القدر ليلة جمعة، وأنها خرجت بعد أربعين سنة، وقيل: بعد ثمانين سنة . قوله عز وجل : صه قَالَ يَبُنَّلَا نَقْصُصْ رُءْ يَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُ والَّكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ عَدُوٌّمُبِينٌ وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُنِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَ مَالِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَّقَّهَا عَلَى أَبَوَيُكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقّ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ تقتضي هذه الآية أن يعقوب عليه السلام كان يحس من بنيه حسد يوسف وبغضته، فنهاه عن قصص الرؤيا عليهم خوف أن يشعل بذلك غل صدورهم، فيعملوا الحيلة على هلاكه، ومن هنا ومن فعلهم بیوسف - الذي يأتي ذكره - يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء في ذلك الوقت. ووقع في كتاب الطبري لابن زيد: أنهم كانوا أنبياء؛ وهذا يرده القطع بعصمة الأنبياء عن الحسد الدنياوي وعن عقوق الآباء وتعريض مؤمن للهلاك والتوافر في قتله . ثم أعلمه: ﴿إن الشيطان للإنسان عدو مبين﴾ أي هو يدخلهم في ذلك ويحضهم عليه. وأمال الكسائي ﴿رؤياك﴾، والرؤيا حيث وقعت وروي عنه: أنه لم يمل: ﴿رؤياك﴾ في هذه السورة وأمال الرؤيا حيث وقعت، وقرأ ((روياك)) بغير همز - وهي لغة أهل الحجاز - ولم يملها الباقون حيث وقعت. و((الرؤيا)) مصدر كثر وقوعه على هذا المتخيل في النوم حتى جرى مجرى الأسماء كما فعلوا في الدر في قولهم: لله درك فخرجا من حكم عمل المصادر وكسروها رؤى بمنزلة ظلم، والمصادر في أكثر الأمر لا تکسر. وقوله: ﴿وكذلك يجتبيك) الآية، فـ ﴿يجتبيك) معناه: يختارك ويصطفيك، ومنه: جبيت الماء في الحوض، ومنه: جباية المال، وقوله: ﴿ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾ قال مجاهد والسدي: هي عبارة الرؤيا. وقال الحسن: هي عواقب الأمور. وقيل: هي عامة لذلك وغيره من المغيبات. وقوله: ﴿ويتم نعمته﴾