النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
تفسير سورة يونس / الآيات: ٩٠ - ٩٢
الغرق﴾ أي في البحر، وروي في ذلك أن فرعون لما انتهى إلى البحر فوجده قد انفرق ومشى فيه بنو
إسرائيل، قال لقومه إنما انفلق بأمري وكان على فرس ذكر فبعث الله جبريل على فرس أنثی ودیق فدخل بها
البحر ولج فرس فرعون ورآه وحثت الجيوش خلفه فلما رأى الانفراق يثبت له استمر، وبعث الله ميكائيل
يسوق الناس حتى حصل جميعهم في البحر، فانطبق عليهم حينئذ، فلما عاين فرعون قال ما حكى عنه في
هذه الآية، وقرأ جمهور الناس ((أنه)) بفتح الألف، ويحتمل أن تكون في موضع نصب، ويحتمل أن تكون
في موضع خفض على إسقاط الباء، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو ((إنه)) بكسر الألف، إما على إضمار
الفعل أي آمنت فقلت إنه، وإما على أن يتم الكلام في قوله ﴿آمنت﴾ ثم يبتدیء إیجاب «إنه))، وروي عن
النبي صلى الله عليه وسلم ((أن جبريل عليه السلام قال ما أبغضت أحداً قط بغضي لفرعون، ولقد سمعته
يقول ﴿آمنت﴾ الآية، فأخذت من حال البحر فملأت فمه مخافة أن تلحقه رحمة الله)) وفي بعض الطرق:
((مخافة أن يقول لا إله إلا الله فتلحقه الرحمة)).
قال القاضي أبو محمد: فانظر إلى كلام فرعون ففيه مجهلة وتلعثم، ولا عذر لأحد في جهل هذا
وإنما العذر فيما لا سبيل إلى علمه كقول علي رضي الله عنه، ((أهللت بإهلال كإهلال النبي صلى الله عليه
وسلم))، والحال الطين، كذا في الغريب المصنف وغيره، والأثر بهذا كثير مختلف اللفظ والمعنى واحد،
وفعل جبريل عليه السلام هذا يشبه أن يكون لأنه اعتقد تجويز المغفرة للتائب وإن عاين ولم يكن عنده قبل
إعلام من الله تعالى أن التوبة بعد المعاينة غير نافعة، وقوله تعالى ﴿الآن وقد عصيت﴾ الآية، قال أبو علي:
اعلم أن لام المعرفة إذا دخلت على كلمة أولها الهمزة فخففت الهمزة فإن في تخفيفها وجهين: أحدهما أن
تحذف وتلقى حركتها على اللام وتقر همزة الوصل فيه فيقال الحمر وقد حكى ذلك سيبويه، وحكى أبو
عثمان عن أبي الحسن أن ناساً يقولون لحمر فيحذفون الهمزة التي للوصل فمن ذلك قول الشاعر:
[الطويل]
فبح لان منها بالذي أنت بائح
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة
قرأ نافع في رواية ورش لم يختلف عنه ((الآن)) بمد الهمزة وفتح اللام، وقرأ الباقون بمد الهمزة
وسكون اللام وهمز الثانية، وقرأت فرقة ((الآن)) بقصر الهمزة وفتح اللام وتخفيف الثانية وقرأ جمهور الناس
((لأن)) بقصر الأولى وسكون اللام وهمز الثانية .
قال القاضي أبو محمد: وقراءات التخفيف في الهمزة تترتب على ما قال أبو علي فتأمله، فإن الأولى
على لغة من يقول الحمر، وهذا على جهة التوبيخ له والإعلان بالنقمة منه، وهذا اللفظ يحتمل أن يكون
مسموعاً لفرعون من قول ملك موصل عن الله وكيف شاء الله، ويحتمل أن كون معنى هذا الكلام معنى
حاله وصورة خزيه، وهذه الآية نص في رد توبة المعاين، وقوله تعالى ﴿فاليوم ننجيك﴾ الآية، يقوي ما
ذكرناه من أنها صورة الحال لأن هذه الألفاظ إنما يظهر أنها قيلت بعد فرقه، وسبب هذه المقالة على ما روي
أن بني إسرائيل بعد عندهم غرق فرعون وهلاكه لعظمه عندهم، وكذب بعضهم أن يكون فرعون يموت
فنجي على نجوة من الأرض حتى رآه جميعهم ميتاً كأنه ثور أحمر، وتحققوا غرقه، وقرأت فرقة ((فاليوم

١٤٢
تفسير سورة يونس / الآيات: ٩٣ ٩٥٠
ننجيك)) وقالت فرقة معناه من النجاة أي من غمرات البحر والماء، وقال جماعة معناه نلقيك على نجوة من
الأرض وهي ما ارتفع منها، ومنه قول أوس بن حجر: [البسيط]
فمن بعقوته كمن بنجوته والمستكن كمن يمشي" بقرواح
وقرأ يعقوب ((نْجِيك)) بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ أبي بن كعب ((ننحّيك)) بالحاء المشددة
من التنحية، وهي قراءة محمد بن السميفع اليماني ويزيد البريدي، وقالت فرقة: معنى ﴿ببدنك﴾
بدرعك، وقالت فرقة معناه بشخصك وقرأت فرقة ((بندائك)) أي بقولك ﴿آمنت﴾ الخ الآية، ويشبه أن يكتب
بندائك بغير ألف في بعض المصاحف، ومعنى الآية أنّا نجعلك آية مع ندائك الذي لا ينفع، وقرأت فرقة
هي الجمهور (خلفك)) أي من أتى بعدك، وقرأت فرقة ((خلقك)) المعنى يجعلك الله آية له في عباده، ثم
بيّن عز وجل العظة لعباده بقوله ﴿وإن كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون﴾ وهذا خبر في ضمنه توعد.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءَ هُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ
يَقْضِى بََّهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فِيمَا كَانُواْفِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿ فَإِنَ كُنْتَ فِى شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَآ إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ
يَقْرَءُ ونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
وَلَا
٩٤
تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ
٩٥
المعنى لقد اخترنا لبني إسرائيل أحسن اختيار وحللناهم من الأماكن أحسن محل، و﴿مبوأ صدق﴾
أي يصدق فيه ظن قاصده وساكنه وأهله، ويعني بهذه الآية: إحلالهم بلاد الشام وبيت المقدس، قاله قتادة
وابن زيد، وقيل: بلاد مصر والشام، قاله الضحاك، والأول أصح بحسب ما حفظ من أنهم لن يعودوا إلى
مصر، على أن القرآن كذلك ﴿وأورثناها بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٥٩] يعني ما ترك القبط من جنات
وعيون وغير ذلك، وقد يحتمل أن يكون ﴿أورثناها﴾ [الشعراء: ٥٩] معناه الحالة من النعمة وإن لم يكن
في قطر واحد، وقوله ﴿فما اختلفوا حتى جاءهم العلم) يحتمل معنيين أحدهما فما اختلفوا في نبوة محمد
.٠
وانتظاره حتى جاءهم وبان علمه وأمره فاختلفوا حينئذ.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التخصيص هو الذي وقع في كتب المتأولين، وهذا التأويل يحتاج إلى
سند، والتأويل الآخر الذي يحتمله اللفظ أن بني إسرائيل لم يكن لهم اختلاف على موسى في أول حاله
فلما جاءهم العلم والأوامر وغرق فرعون اختلفوا.
قال القاضي أبو محمد: فمعنى الآية مذمة ذلك الصدر من بني إسرائيل، ثم أوجب الله بعد ذلك أنه
﴿يقضي بينهم﴾ ويفصل بعقاب من يعاقب ورحمة من يرحم، وقوله تعالى: ﴿فإن كنت في شك) الآية،
قال بعض المتأولين وروي ذلك عن الحسن: أن ﴿إن﴾ نافية بمعنى ما والجمهور على أن ﴿إن﴾ شرطية،
والصواب في معنى الآية أنها مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها سواه من كل من يمكن أن يشك

١٤٣
تفسیر سورة يونس / الآيات : ٩٦ - ٩٨
أو يعارض، وقال قوم: الكلام بمنزلة قولك إن كنت ابني فبرَّني.
قال القاضي أبو محمد: وليس هذا المثال بجيد وإنما مثال هذه قوله تعالى لعيسى ((أأنت قلت للناس
اتخذوني)). وروي أن رجلاً سأل ابن عباس عما يحيك في الصدر من الشك فقال ما نجا من ذلك أحد ولا
النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنزل عليه ﴿فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك﴾.
قال القاضي أبو محمد: وذكر الزهراوي أن هذه المقالة أنكرت أن يقولها ابن عباس وبذلك أقول،
لأن الخواطر لا ينجو منها أحد وهي خلاف الشك الذي يحال فيه عليه الاستشفاء بالسؤال، و﴿الذين
يقرأون الكتب من قبلك﴾ هم من أسلم من بني إسرائيل كعبد الله بن سلام وغيره، وروي أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال لما نزلت هذه الآية: ((أنا لا أشك ولا أسأل)). وقرأ ((فسل)) دون همز الحسن وأبو
جعفر وأهل المدينة وأبو عمرو وعيسى وعاصم، وقرأ جمهور عظيم بالهمز، ثم جزم الله الخبر بقوله ﴿لقد
جاءك الحق من ربك﴾، واللام في ﴿لقد﴾ لام قسم، و﴿الممترين﴾ معناه الشاكين الذين يحتاجون في
اعتقادهم إلى المماراة فيها، وقوله ﴿مما أنزلنا إليك﴾ يريد به من أن بني إسرائيل لم يختلفوا في أمره إلا
من بعد مجيئه، وهذا قول أهل التأويل قاطبة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الذي يشبه أن ترتجى إزالة الشك فيه من قبل أهل الكتاب،
ويحتمل اللفظ أن يريد بما أنزلنا جميع الشرع ولكنه بعيد بالمعنى لأن ذلك لا يعرف ويزول الشك فيه إلا
بأدلة العقل لا بالسماع من مؤمني بني إسرائيل، وقوله ﴿ولا تكونن من الذين كذبوا﴾ الآية، مما خوطب به
النبي صلى الله عليه وسلم والمراد سواه.
قال القاضي أبو محمد: ولهذا فائد، ليس في مخاطبة الناس به وذلك شدة التخويف لأنه إذا كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر من مثل هذا فغيره من الناس أولى أن يحذر ويتقي على نفسه.
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَ يُؤْمِنُونُ ﴿ وَلَوَ جَآءَ تُهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى يَرَوْأ ◌َلْعَذَابَ
اُلْأَلِيمَ [®]فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةُ ءَامَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمََّءَامَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ
٩٨
اُلْخِزْيِ فِ اُلْحَيَوْةِالدُّنْيَا وَمَتَّعْنَهُمْ إِلَىحِينٍ
جاء في هذا تحذير مردود وإعلام بسوء حال هؤلاء المحتوم عليهم، والمعنى أن الله أوجب لهم
سخطه في الأزل وخلقهم لعذابه فلا يؤمنون، ولو جاءهم كل بيان وكل وضوح إلا في الوقت الذي لا ينفعهم
فيه إيمان، كما صنع فرعون وأشباهه من الخلق وذلك وقت المعاينة، وفي ضمن الألفاظ التحذير من هذه
الحال وبعث الكل على المبادرة إلى الإيمان والفرار من سخط الله، وقرأ أبو عمرو وعاصم والحسن وأبو
رجاء ((كلمة)) بالإفراد، وقرأ نافع وأهل المدينة ((كلمات)) بالجمع، وقد تقدم ذكر هذه الترجمة، وقوله
﴿فلولا كانت قرية آمنت﴾ الآية، في مصحف أبيّ وابن مسعود ((فهلا)) والمعنى فيهما واحد، وأصل ((لولا))
أ

١٤٤
تفسير سورة يونس / الآيات : ٩٦ - ٩٨
في الكلام التحضيض أو الدلالة على منع أمر لوجود غيره، فأما هذه فبعيدة عن هذه الآية لكنها من جملة
التي هي للتحضيض بها، أن يكون المحضض يريد من المخاطب فعل ذلك الشيء الذي يخصه عليه،
وقد تجيء ((لولا))، وليس من قصد المخاطب أن يحض المخاطب على فعلى ذلك الشيء فتكون حينئذ
لمعنى توبيخ كقول جرير: [الطويل]
لولا الكمي المقنعا
وذلك أنه لم يقصد حضهم على عقر الكمي، كقولك لرجل قد وقع في أمر صعب: لولا تحرزت،
وهذه الآية من هذا القبيل.
قال القاضي أبو محمد: ومفهوم من معنى الآية نفي إيمان أهل القرى، ومعنى الآية فهلا آمن من
أهل قرية وهم على مهل لم يلتبس العذاب بهم فيكون الإيمان نافعاً في هذه الحالة، ثم استثنى قوم
يونس، فهو بحسب اللفظ استثناء منقطع، وكذلك رسمه النحويون أجمع وهو بحسب المعنى متصل، لأن
تقديره ما آمن من أهل قرية إلا قوم يونس والنصب في قوله ﴿إلا قوم﴾ هو الوجه، ولذلك أدخله سيبويه في
باب ما لا يكون فيه إلا النصب، وكذلك مع انقطاع الاستثناء ويشبه الآية قول النابغة:
إلا الأواري
١٠.
وذلك هو حكم لفظ الآية، وقالت فرقة: يجوز فيه الرفع وهذا اتصال الاستثناء، وقال المهدوي:
والرفع على البدل من ﴿قرية﴾، وروي في قصة قوم يونس: أن القوم لما كفروا أوحى الله إليه: أن أنذرهم
بالعذاب لثلاثة، ففعل فقالوا: هو رجل لا يكذب فارقبوه، فإن قام بين أظهركم فلا عليكم، وإن ارتحل
عنكم فهو نزول العذاب لا شك، فلما كان الليل تزود يونس وخرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا ودعوا
الله وآمنوا ولبسوا المسوح وفرقوا بين الأمهات والأولاد من الناس والبهائم، والعذاب منهم فيما روي عن
ابن عبّاس على ثلثي ميل، وروي عن علي ميل، وقال ابن جبير غشيهم العذاب كما يغشي الثوب القبر
فرفع الله عنهم العذاب فلما مضت الثلاثة وعلم يونس أن العذاب لم ينزل قال كيف أنصرف وقد وجدوني
في كذب فذهب مغاضباً كما ذكر الله في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: وذهب الطبري إلى أن قوم يونس خصوا من بين الأمم بأن تيب عليهم من
بعد معاينة العذاب ذكر ذلك عن جماعة من المفسرين وليس كذلك، والمعاينة التي لا تنفع التوبة معها هي
تلبس العذب أو الموت بشخص الإنسان كقصة فرعون، وأما قوم يونس فلم يصلوا هذا الحد، وقرأ الحسن
وطلحة بن مصرف وعيسى بن عمر وابن وثاب والأعمش ((يونس)) بكسر النون وفيه للعرب ثلاث لغات ضم
النون وفتحها وكسرها وكذلك في (يوسف))، وقوله: ﴿إلى حين﴾، يريد إلى آجالهم المفروضة في الأزل،
وروي أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل ويقتضي ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم حين قال
له إنه من أهل نينوى، من قرية الرجل الصالح يونس بن متى الحديث، الذي في السيرة لابن إسحاق.
قوله عز وجل :
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَمَنَ مَنْ فِى الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًاْ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ
--- -

١٤٥
تفسير سورة يونس / الآيات: ٩٩ - ١٠١
قُلِ
١٠٠
وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرّحْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ
١٠١
أُنْظُرُ واْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِّ وَمَا تُغْنِ اَْيَتُ وَاُلْنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
المعنى أن هذا الذي تقدم إنما كان جميعه بقضاء الله عليهم ومشيئته فيهم، ولو شاء الله لكان الجميع
مؤمناً، فلا تأسف أنت يا محمد على كفر من لم يؤمن بك، وادع ولا عليك فالأمر محتوم، أفتريد أنت أن
تكره الناس بإدخال الإيمان في قلوبهم وتضطرهم إلى ذلك والله عز وجل قد شاء غيره.
قال القاضي أبو محمد: فهذا التأويل الآية عليه محكمة، أي ادع وقاتل من خالفك، وإيمان من آمن
مصروف إلى المشيئة وقالت فرقة: المعنى أفأنت تكره الناس بالقتال حتى يدخلوا في الإيمان، وزعمت أن
هذه الآية في صدر الإسلام وأنها منسوخة بآية السيف، والآية على كلا التأويلين رادة على المعتزلة، وقوله
تعالى: ﴿كلهم جميعاً﴾ تأكيد وهو من فصيح الكلام، و﴿جميعاً﴾ حال مؤكدة، ونحوه قوله ﴿لا تتخذوا
إلهين اثنين﴾ [النحل: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله﴾ الآية، رد إلى الله تعالى
وإلى أن الحول والقوة لله، في إيمان من يؤمن وكون الرجس على الكفار، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر
((ونجعل الرجس)) بنون العظمة، وقرأ الباقون وحفص عن عاصم: ((ويجعل)) بالياء وقرأ الأعمش: ((ويجعل
الله الرجس))، و﴿الرجس﴾ يكون بمعنى العذاب كالرجز، ويكون بمعنى القذر والنجاسة ذكره أبو علي هنا
وغيره وهو في هذه الآية بمعنى العذاب، و﴿لا يعقلون﴾ يريد آيات الله وحجج الشرع. ومعنى ((الإذن)) في
هذه الآية الإرادة والتقدير لذلك، فهو العلم والتمكين، وقوله تعالى: ﴿قل انظروا في السماوات
والأرض﴾، هذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر في المصنوعات الدالة على الصانع وغير ذلك من آيات
السماوات وأفلاكها وكواكبها وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها ومعادنها وغير ذلك، المعنى: انظروا في
ذلك بالواجب فهو ينهاكم إلى المعرفة بالله والإيمان بوحدانيته، وقرأ أبو عبد الرحمن والعامة بالبصرة، ((قل
انظروا)) بكسر اللام، وقرأ نافع وأهل المدينة: قلُ انظروا)) بضم اللام، ثم أعلم في آخر الآية أن النظر في
الآيات والسماع من النذر وهم الأنبياء لا يغني إلا بمشيئة الله، وأن ذلك غير نافع لقوم قد قضى الله أنهم لا
يؤمنون، وهذا على أن تكون ﴿ما﴾ نافية، ويجوز أن يعد استفهاماً على جهة التقرير الذي في ضمنه نفي
وقوع الغناء، وفي الآية على هذا توبيخ لحاضري رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين، وقوله:
﴿الآيات والنذر﴾، حصر طريقي تعريف الله تعالى عباده، ويحتمل أن تكون ﴿ما﴾ في قوله: ﴿وما
تغني﴾، مفعولة بقوله ﴿انظروا﴾ معطوفة على قوله: ﴿ماذا﴾، أي تأملوا قدر غناء الآيات والنذر عن الكفار
إذا قبلوا ذلك كفعل قوم يونس فإنه يرفع بالعذاب في الدنيا والآخرة وينجي من الهلكات، فالآية على هذا
تحريض على الإيمان.
قال القاضي أبو محمد: وتجوز اللفظ على هذا التأويل إنما هو في قوله ﴿لا يؤمنون﴾.
قوله عز وجل:
فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلِهِمَّ قُلْ فَنَظِرُ واْ إِنِ مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ

١٤٦ -
تفسير سورة يونس / الآيات: ١٠٢ - ١٠٧
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن
١٠٣
ثُوَّنُنَجِى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُجِ الْمُؤْمِنِينَ
كُمْ فِ شَكٍ مِّن دِينِ فَلَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِى يَتَوَّنَكُمْ وَأُمْثُ
(١٠٤)
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
هذا وعيد وحض على الإيمان، أي إذا لجوا في الكفر حل بهم العذاب، وإذا آمنوا نجوا، هذه سنة
الله في الأمم الخالية، فهل عند هؤلاء غير ذلك. وهو استفهام بمعنى التوقيف، وفي قوله ﴿قل فانتظروا﴾
مهادنة ما، وهي من جملة ما نسخه القتال، وقوله ﴿ننجي رسلنا﴾ الآية، لما كان العذاب لم تحصر مدته
وكان النبي والمؤمنون بين أظهر الكفرة وقع التصريح بأن عادة الله سلفت بإنجاء رسله ومتبعيهم، فالتخويف
على هذا أشد، وكلهم قرأ (ننجّي)) مشددة الجيم إلا الكسائي وحفصاً عن عاصم فإنهما قرآ ((تُنْجِي))
بسكون النون وتخفيف الجيم، وقرأ عاصم في سورة الأنبياء في بعض ما روي عنه ((نُجي)) بضم النون
وحذف الثانية وشد الجيم، كأن النون أدغمت فيها، وهي قراءة لا وجه لها، ذكر ذلك الزجاج. وحكى أبو
حاتم نحوها عن الأعمش، وخط المصحف في هذه اللفظة ((ننج)) بجيم مطلقة دون ياء وكذلك قرأ
الكسائي في سورة مريم ﴿ثم ننْجِي الذين اتقوا﴾ [مريم: ٧٢] بسكون النون وتخفيف الجيم، والباقون
بفتح النون وشد الجيم، والكاف في قوله ﴿كذلك﴾ يصح أن تكون في موضع رفع، ويصح أن تكون في
موضع نصب نعتاً لمصدر محذوف، وقوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس) الآية، مخاطبة عامة للناس أجمعين
إلى يوم القيامة يدخل تحتها كل من اتصف بالشك في دين الإسلام، وهذه الآية يتسق معناها بمحذوفات
يدل عليها هذا الظاهر الوجيز، والمعنى إن كنتم في شك من ديني فأنتم لا تعبدون الله فاقتضت فصاحة
الكلام وإيجازه اختصار هذا كله، ثم صرح بمعبوده وخص من أوصافه ﴿الذي يتوفاكم﴾ لما فيها من
التذكير للموت وقرع النفوس به، والمصير إلى الله بعده والفقد للأصنام التي كانوا يعتقدونها ضارة ونافعة.
قوله عز وجل:
وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (﴿ وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا
يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنِ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذَا مِنَ الظَِّلِينَ () وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِ فَلَ كَاشِفَ لَهُ:
إِلََّّهُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرِ فَلاَ رَادَ لِفَضْلِهِ، يُصِيبُ بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْغَفُورُ
١٠٧
الرَّحِيمُ
المعنى: قيل لي: كن من المؤمنين وأقم وجهك للدين، ثم جاءت العبارة بهذا الترتيب، و((الوجه))
في هذه الآية بمعنى المنحى والمقصد، أي اجعل طريقك واعتمالك للدين والشرع، و﴿حنيفاً﴾ معناه:
مستقيماً على قول من قال، الحنف الاستقامة، وجعل تسمية المعوج القدم أحنف على جهة التفاؤل. ومن
قال الحنف الميل جعل ﴿حنيفاً﴾ ها هنا مائلاً عن حال الكفرة وطريقهم، و﴿حنيفاً﴾ مصبو على المجال،

١٤٧
تفسير سورة يونس / الآيتان: ١٠٩،١٠٨
وقوله ﴿ولا تدع﴾ معناه قيل لي: ﴿ولا تدع﴾ فهو عطف على ﴿أقم﴾، وهذا الأمر والمخاطبة للنبي صلى
الله عليه وسلم إذا كانت هكذا فأحرى أن يتحرز من ذلك غيره، وما لا ينفع ولا يضر هو الأصنام والأوثان،
والظالم الذي يضع الشيء في غير موضعه، وقوله ﴿وإن يمسسك الله بضر﴾ الآية، مقصد هذه الآية أن
الحول والقوة الله، ويبين ذلك للناس بما يحسونه من أنفسهم، و((الضر)) لفظ جامع لكل ما يكرهه الإنسان
كان ذلك في ماله أو في بدنه، وهذه الآية مظهرة فساد حال الأصنام، لكن كل مميز أدنى ميز يعرف يقيناً
أنها لا تكشف ضرّاً ولا تجلب نفعاً. وقوله ﴿وإن يردك بخير﴾ لفظ تام العموم، وخصص النبي صلى الله
عليه وسلم الفقه بالذكر في قوله ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وهو على جهة التشريف للفقه، وقوله
تعالى: ﴿وهو الغفور الرحيم﴾ ترجية وبسط ووعد ما.
قوله عز وجل :
قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْجَآءَ كُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ ﴿٤) وَتَِّعْ مَايُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمُ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ
اْحَكِمِينَ
هذه مخاطبة لجميع الكفار مستمرة مدى الدهر، و﴿الحق﴾ هو القرآن والشرع الذي جاء به محمد،
﴿فمن اهتدى﴾، أي اتبع الحق وتدين به فإنما يسعى لنفسه لأنه يوجب لها رحمة الله، ويدفع عذابه،
﴿ومن ضل﴾ أي حاد عن طريق الحق ولم ينظر بعين الحقيقة وكفر بالله عز وجل فيضل ذلك، وقوله ﴿وما
أنا عليكم بوكيل﴾، أي لست بأخذكم ولا بد بالإيمان وإنما أنا مبلغ، وهذه الآية منسوخة بالقتال، وقوله
﴿واتبع ما يوحى إليك) الآية معناه: اتبع ما رسمه لك شرعك وما أعلمك الله به من نصرته لك،
﴿واصبر﴾ على شقاء الرسالة وما ينالك في الله من الأذى، وقوله ﴿حتى يحكم الله﴾ وعد للنبي صلى الله
عليه وسلم بأن يغلبهم - كما وقع - تقتضيه قوة اللفظ، وهذا الصبر منسوخ بالقتال، وهذه السورة مكية وقد
تقدم ذكر هذا في أولها.

١٤٨
تفسير سورة هود / الآيات: ١ - ٤
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيةِ
سُورَةٌ هُوَّد
٦
هذه سورة مكية إلا قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك﴾ [هود:
الآية ١٢]، وقوله: ﴿أولئك يؤمنون به﴾ [هود: الآية ١٧]، ونزلت في ابن سلام وأصحابه، وقوله: ﴿إِن
الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]، نزلت في شأن الثمار وهذه الثلاثة مدنية قاله مقاتل، على أن
الأولى تشبه المكي .
وإذا أردت بـ((هود)) اسم السورة لم ينصرف كما تفعل إذا سميت امرأة بعمرو وزيد وإذا أردت سورة
هود صرفت.
قوله عز وجل :
أَلَّا تَعْبُدُ وَإِلَّا اللَّهَ إِنَِّى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ
١
الَرَكِنَبُّ أُحْكِمَتْ ءَايَتُهُ ثُمَ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
وَبَشِيرٌ ﴿ وَأَنِاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْثُمَ نُوبُواْإِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلِ
فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ ﴿﴿ إِلَى اللَّهِ مَنْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرِ
تقدم استيعاب القول في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتختص هذه بأن قيل إن الرحمن فرقت
حروفه فيها وفي ﴿حم﴾ [غافر: ١، فصلت: ١، الشورى: ١، الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١،
الأحقاف: ١] وفي ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١].
و﴿كتاب﴾ مرتفع على خبر الابتداء، فمن قال الحروف إشارة إلى حروف المعجم كانت الحروف
المبتدأ، ومن تأول الحروف غير ذلك كان المبتدأ ((هذا كتاب))؛ والمراد بالكتاب القرآن.
و﴿أحكمت﴾ معناه أتقنت وأجيدت شبه تحكم الأمور المتقنة الكاملة، وبهذه الصفة كان القرآن في
الأزل ثم فصل بتقطيعه وتنويع أحكامه وأوامره على محمد صلى الله عليه وسلم في أزمنة مختلفة ف﴿ثم﴾
على بابها، وهذه طريقة الإحكام والتفصيل إذ الإحكام صفة ذاتية، والتفصيل إنما هو بحسب من يفصل
له، والكتاب بأجمعه محكم مفصل والإحكام الذي هو ضد النسخ والتفصيل الذي هو خلاف الإجمال إنما
يقالان مع ما ذكرناه باشتراك. وحكى الطبري عن بعض المتأولين: أحكمت بالأمر والنهي وفصلت بالثواب
والعقاب؛ وعن بعضهم: أحكمت من الباطل، وفصلت بالحلال والحرام ونحو هذا من التخصيص الذي

١٤٩
تفسير سورة هود / الآبات: ١ - ٤
هو صحيح المعنى ولكن لا يقتضيه اللفظ، وقال قوم: ﴿فصلت﴾ معناه فسرت، وقرأ عكرمة والضحاك
والجحدري وابن كثير - فيما روي عنه -: ((ثم فَصَلَت)) بفتح الفاء والصاد واللام، ويحتمل ذلك معنيين:
أحدهما: ((فَصَلَت)) أي نزلت إلى الناس كما تقول فصل فلان لسفره ونحو هذا المعنى. والثاني فَصَلَت بين
المحق والمبطل من الناس.
و﴿من لدن﴾ معناها من حيث ابتدئت الغاية، كذا قال سيبويه وفيها لغات: يقال: لدُن ولدْن بسكون
الدال: وقرىء بهما. ﴿من لدن﴾، ويقال: ((لَدُ)) بفتح اللام وضم الدال دون نون، ويقال ((لدا))، بدال منونة
مقصورة. ويقال: ((لَّدٍ)) بدال مكسورة منونة، حكى ذلك أبو عبيدة.
و﴿حكيم﴾ أي محكم، و﴿خبير﴾ أي ذو خبرة بالأمور أجمع، ﴿أن لا تعبدوا﴾ ﴿أن﴾ في موضع
نصب إما على إضمار فعل وإما على تقدير بـ((أن)) وإسقاط الخافض، وقيل على البدل من موضع الآيات،
وهذا معترض ضعيف لأنه موضع للآيات، وإن نظر موضع الجملة فهو رفع: ويحتمل أن تكون في موضع
رفع على تقدير: تفصيله ألا تعبدوا وقيل: على البدل من لفظ الآيات.
وقوله تعالى: ﴿إنني لكم منه نذير وبشير﴾ أي من عقابه وبثوابه: وإذا أطلقت هاتان اللفظتان فالنذارة
في المكروه والبشارة في المحبوب وقدم النذير لأن التحذير من النار هو الأهم و﴿إن﴾ معطوفة على التي
قبلها .
ومعنى الآية: استغفروا ربكم أي اطلبوا مغفرته لكم وذلك بطلب دخولكم في الإسلام ثم توبوا من
الكفر أي انسلخوا منه واندموا على سالفه. و﴿ثم﴾ مرتبة لأن الكافر أول ما ينيب فإنه في طلب مغفرة ربه
فإذا تاب وتجرد من الكفر تم إيمانه.
وقرأ الجمهور (يمتّعكم)) بشد التاء، وقرأ ابن محيصن ((يُمْتعكم)) بسكون الميم وتخفيف التاء، وفي
كتاب أبي حاتم: ((إن هذه القراءات بالنون))، وفي هذا نظر. و﴿متاعاً﴾ مصدر جار على غير الفعل المتقدم
مثل قوله ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتاً﴾ [نوح: ١٧] وقيل نصب بتعدي ﴿يمتعكم﴾ لأنك تقول: متعت
زيداً ثوباً. ووصف المتاع ((بالحسن)) إنما هو لطيب عيش المؤمن برجائه في الله عز وجل وفي ثوابه وفرحه
بالتقرب إليه بمفترضاته والسرور بمواعيده والكافر ليس في شيء من هذا، وأما من قال بأن ((المتاع الحسن))
هو فوائد الدنيا وزينتها فيضعف بين الكفرة يتشاركون في ذلك أعظم مشاركة و((الأجل المسمى)): هو أجل
الموت معناه ﴿إلى أجل مسمى﴾ لكل واحد منكم، وهذا ظاهر الآية: و((اليوم الكبير)) - على هذا - هو يوم
القيامة .
وتحتمل الآية أن يكون التوعد بتعجيل العذاب إن كفروا، والوعد بتمتيعهم إن آمنوا، فتشبه ما قاله
نوح عليه السلام، و((اليوم الكبير)) - على هذا - يوم بدر ونحوه والمجهلة في أي الأمرين يكون إنما هي
بحسب البشر والأمر عند الله تعالى معلوم محصل والأجل واحد.
وقوله تعالى: ﴿ويؤت كل ذي فضل فضله﴾ أي كل ذي إحسان بقوله: أو بفعله، أو قوته، أو بماله،
أو غير ذلك، مما يمكن أن يتقرب به و﴿فضله﴾، يحتمل أن يعود الضمير فيه على الله عز وجل أي يؤتي

١٥٠
تفسير سورة هود /الآيتان: ٦،٥
الله فضله كل ذي فضل وعمل صالح من المؤمنين، وهذا المعنى ما وعد به تعالى وتضعيف الحسنة بعشر
أمثالها ومن التضعيف غير المحصور لمن شاء، وهذا التأويل تأوله ابن مسعود وقال: ويل لمن غلبت آحاده
عشراته. ويحتمل أن يكون قول ابن مسعود موافقاً للمعنى الأول.
وقرأ جمهور ((وإن تَولّوا)) بفتح التاء واللام، فبعضهم قال الغيبة، أي فقل لهم: إني أخاف عليكم،
وقال بعضهم معناه فإن تتولوا فحذفت التاء والآية كلها على مخاطبة الحاضر، وقرأ اليماني وعيسى بن عمر:
((وإن تُولُوا)) بضم التاء واللام وإسكان الواو.
وقوله تعالى : ﴿فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير﴾، توعد بيوم القيامة: ويحتمل أن یرید به يوماً من
الدنیا کبدر وغيره.
وقوله تعالى: ﴿إِلى الله مرجعكم) توعد، وهو يؤيد أن ((اليوم الكبير)) يوم القيامة لأنه توعد به، ثم
ذكر الطريق إليه من الرجوع إلى الله، والمعنى إلى عقاب الله وجزائه لكم رجوعكم وهو القادر الذي لا
يضره شيء ولا يجير عليه مجير ولا تنفع من قضائه واقية. وقوله: ﴿على كل شيء﴾ عموم والشيء في اللغة
الموجود وما يتحقق أنه يوجد كزلزلة الساعة وغيرها التي هي أشياء.
قوله عز وجل :
أَلَ إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُ وَرَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلَاحِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ
ج
إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَ عَهَا كُلّ فِ كِتَب ◌ُبِينٍ
٦
قيل إن هذه الآية نزلت في الكفار الذين كانوا إذا لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تظامنوا وثنوا
صدورهم كالمستتر وردوا إليه ظهورهم وغشوا وجوههم بثيابهم تباعداً منه وكراهة للقائه، وهم يظنون أن
ذلك يخفى عليه وعلى الله عز وجل فنزلت الآية في ذلك.
و﴿صدورهم﴾ منصوبة على هذا بؤيثنون﴾. وقيل: هي استعارة للغل والحقد الذي كانوا
ينطوون عليه كما تقول: فلان يطوي كشحه على عداوته، ويثني صدره عليها.
فمعنى الآية: ألا إنهم يسرون العداوة ويتكتمون بها لتخفى في ظنهم عن الله، وهو تعالى جين
تغشيهم بثيابهم وإبلاغهم في التستر يعلم ما يسرون.
١
وقرأ سعيد بن جبير ((يُثُنُون)) بضم الياء والنون من أثنى، وقرأ ابن عباس ((ليثنوه))، وقرأ ابن عباس
أيضاً ومجاهد وابن يعمر وابن بزي ونصر بن عاصم والجحدري وابن إسحاق وابن رزين وعلي بن الحسين
وأبو جعفر محمد بن علي ويزيد بن علي وجعفر بن محمد وأبو الأسود والضحاك (تثبوني صدورُهم)) برفع
الصدور وهي تحتمل المعنيين المتقدمين في ﴿يثنون﴾، وزنها تفوعل على بناء مبالغة لتكرار الأمر، كما

١٥١
تفسير سورة هود / الآيتان: ٦،٥
تقول اعشوشبت الأرض واحلولت الدنيا ونحو ذلك. وحكى الطبري عن ابن عباس على هذه القراءة أن
هذه الآية نزلت في أن قوماً كانوا لا يأتون النساء والحدث إلا ويتغشون ثيابهم كراهية أن يفضوا بفروجهم
إلى السماء. وقرأ ابن عباس - فيما روى ابن عيينة ـ ((تثنو)) بتقديم الثاء على النون وبغير نون بعد الواو،
وقال أبو حاتم هذه القراءة غلط لا تتجه، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق ((ينثوي))
بتقديم النون على الثاء، وقرأ عروة وابن أبي أبزى والأعشى ((تثنّون)) بثاء مثلثة بعدها نون مفتوحة بعدها واو
مكسورة، وقرأ أيضاً هما ومجاهد فيما روي عنه ((تثنان)) بهمزة بدل الواو وهاتان مشتقة من الثن وهي العشب
المثني بسهولة، فشبه صدورهم به إذ هي مجيبة إلى هذا الانطواء على المكر والخدع: وأصل ((تثنون))
تثنونن سكنت النون المكسورة ونقلت حركتها إلى الواو التي قبلها وأدغمت في النون التي بعدها، وأما
((تثنان)) فأصلها تثنان مثل تحمار ثم قالوا: اثنانت كما قالوا احمار وابياض، والضمير في ﴿منه﴾ عائد على
الله تعالى، هذا هو الأفصح الأجزل في المعنى وعلى بعض التأويلات يمكن أن يعود على محمد صلى الله
عليه وسلم، و﴿يستغشون﴾ معناه يجعلونها أغشية وأغطية ومنه قول الخنساء: [البسيط]
وتارة أتّغَشَّى فضل أطماري
أرعى النجوم وما كلّفت رعيتها
وقرأ ابن عباس ((على حين يستغشون)) ومن هذا الاستعمال قول النابغة: [الطويل]
على حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمًا أصحُ والشيبُ وازع
و﴿ذات الصدور): ما فيها، والذات تتصرف في الكلام على وجوه هذا أحدها كقول العرب الذيب
مغبوط بذي بطنه أي بالذي فيه من النفخ وكقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت
خارجة، والذات التي هي حقيقة الشيء ونفسه قلقة في هذا الموضع؛ ويحتمل أن يفرق بين ذي بطنه وبين
الذات وإنما يجمع بينهما المعنى .
وقوله تعالى: ﴿وما من دابة ... ) الآية، تماد في وصف الله تعالى بنحو قوله ﴿يعلم ما يسرون وما
يعلنون﴾. و((الدابة)) ما دب من الحيوان، والمراد جميع الحيوان الذي يحتاج إلى رزق ويدخل في ذلك
الطائر والهوام وغير ذلك كلها دواب، وقد قال الأعشى: [الطويل]
نياف كغصن البان ترتج إن مشت دبيب قطا البطحاء في كل منهل
وقال علقمة بن عبيدة لطيرهن دبيب وفي حديث أبي عبيدة: فإذا دابة مثل الظرب يريد من حيوان
البحر، وتخصيصه بقول ﴿في الأرض﴾ إنما هو لأنه الأقرب لحسهم: والطائر والعائم إنما هو في الأرض،
وما مات من الحیوان قبل أن يتغذى فقد اغتذی في بطن أمه بوجه ما.
وهذه الآية تعطي أن الرزق كل ما صح الانتفاع به خلافاً للمعتزلة في قولهم إنه الحلال المتملك.
وقوله تعالى: ﴿على الله﴾ إيجاب لأنه تعالى لا يجب عليه شيء عقلاً. و((المستقر)): صلب الأب: "
و(المستودع)) بطن الأم، وقيل ((المستقر)): المأوى، و((المستودع)) القبر، وهما على هذا الطرفان، وقيل
((المستقر))، ما حصل موجوداً من الحيوان، والمستودع ما يوجد بعد.

١٥٢
تفسير سورة هود / الآيتان : ٧، ٨
قال القاضي أبو محمد: و((المستقر)) على هذا - مصدر استقر وليس بمفعول كمستودع لأن استقر لا
يتعدى. وقوله: ﴿في كتاب﴾ إشارة إلى اللوح المحفوظ. وقال بعض الناس: هذا مجاز وهي إشارة إلى
علم الله .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وحمله على الظاهر أولى.
قوله عز وجل :
وَهُوَ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامِ وَكَانَ عَرْشُهُ, عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ
أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُونُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ
هَذَآ إِلَّا سِحْرٌمُّبِينٌ ﴿ وَلَبِنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَىَّ أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُوَأَلَا
٨
يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّاكَانُواْبِهِيَسْتَهْزِئُونَ
قال أكثر أهل التفسير: ((الأيام)) هي من أيام الدنيا، وقالت فرقة: هي من أيام الآخرة يوم من ألف
سنة. قاله كعب الأحبار، والأول أرجح .
وأجزاء ذكر السماوات عن كل ما فيها إذ كل ذلك خلق في الستة الأيام، واختلفت الأحاديث في يوم
بداية الخلق، فروى أبو هريرة - فيما أسند الطبري - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال:
خلق الله التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين والمكروه يوم الثلاثاء، والنور يوم
الأربعاء، وبث الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة، ونحو هذا من أن البداءة يوم
السبت في كتاب مسلم، وفي الدلائل لثابت: وكان خلق آدم في يوم الجمعة، لا يعتد به إذ هو بشر كسائر
بنيه، ولو اعتد به لكانت الأيام سبعة خلاف ما في كتاب الله، وروي عن كعب الأحبار أنه قال: بدأ الله
خلق السماوات والأرض يوم الأحد، وفرغ يوم الجمعة، وخلق آدم في آخر ساعة منه. ونحو هذا في جل
الدواوين أن البدأة يوم الأحد، وقال قوم: خلق الله تعالى هذه المخلوقات في ستة أيام مع قدرته على خلقها
في لحظة. نهجآ إلى طريق التؤدة والمهلة في الأعمال ليحكم البشر أعمالهم، وروي عن ابن عباس أنه
قال: كان العرش على الماء، وكان الماء على الريح.
وقوله تعالى: ﴿ليبلوكم﴾ متعلق بـ ﴿خلق﴾ والمعنى أن خلقه إياها كان لهذا وقال بعض الناس: هو
متعلق بفعل مضمر تقديره أعلم بذلك ليبلوكم، ومقصد هذا القائل: أن هذه المخلوقات لم تكن لسبب
البشر.
وقرأ عيسى الثقفي: ((ولئن قلتُ)) بضم التاء، وقرأ الجمهور ((قلتَ)) بفتح التاء.
ومعنى الآية: أن الله عز وجل هذه صفاته وهؤلاء بكفرهم في حيز إن قلت لهم: إنهم مبعوثون كذبوا
وقالوا: هذا سحر. أي فهذا تناقض منكم إذ كل مفطور يقر بأن الله خالق السماوات والأرض، فهم من

١٥٣
تفسير سورة هود / الآيات : ٩ - ١١
جملة المقرين بهذا، ومع ذلك ينكرون ما هو أيسر منه بكثير وهو البعث من القبور إذ البداءة أعسر من
الإعادة، وإذ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس.
واللام في ﴿لئن﴾ مؤذنة بأن اللام في ﴿ليقولن﴾ لام قسم لا جواب شرط.
وقرأ الأعرج والحسن وأبو جعفر وشيبة وفرقة من السبعة ((سحر)) وقرأت فرقة ((ساحر)) وقد تقدم.
وقوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب﴾ الآية، المعنى: ولئن تأخر العذاب الذي توعدتم به عن
الله قالوا ما هذا الحابس لهذا العذاب؟ على جهة التكذيب. و((الأمة)) في هذه الآية: المدة كما قال ﴿وادكر
بعد أمة﴾ [يوسف: ٤٥]. قال الطبري سميت بذلك المدة لأنها تمضي فيها أمة من الناس وتحدث فيها
أخرى، فهي على هذه المدة الطويلة.
ثم استفتح بالإخبار عن أن هذا العذاب يوم يأتي لا يرده شيء ولا يصرفه. و﴿حاق﴾ معناه: حل
وأحاط وهي مستعملة في المكروه و﴿يوم﴾ منتصب بقوله: ﴿مصروفاً﴾ .
قوله عز وجل :
وَلَيْنْ أَذَقْنَا اُلْإِنِسَنَ مِنَا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسُ كَفُورٌ ﴿﴿ وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ
نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّيَّ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ
وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾
﴿أذقنا﴾ ها هنا مستعارة، لأن ((الرحمة)) ها هنا تعم جميع ما ينتفع به من مطعوم وملبوس وجاه وغير
ذلك. و﴿الإنسان) ها هنا اسم الجنس والمعنى أن هذا الخلق في سجية الناس، ثم استثنى منهم الذين
ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح .
و﴿يؤوس﴾ و﴿كفور﴾ بناءان للمبالغة، و﴿كفور﴾ ها هنا من كفر النعمة، والمعنى أنه ييأس ويحرج
ويتسخط، ولو نظر إلى نعمة الله الباقية عليه في عقله وحواسه وغير ذلك، ولم يكفرها لم يكن ذلك، فإن
اتفق هذا أن يكون في كافر أيضاً بالشرع صح ذلك ولكن ليس من لفظ الآية.
وقال بعض الناس في هذه الآية: ﴿الإنسان﴾ إنما يراد به الكافر وحمله على ذلك لفظة ﴿كفور﴾،
وهذا عندي مردود، لأن صفة الكفر لا تطلق على جميع الناس كما تقتضي لفظة الإنسان.
و((النعماء)) تشمل الصحة والمال ونحو ذلك و((الضراء)) من الضر وهو أيضاً شامل. وقد يكثر استعمال
الضراء فيما يخص البدن.
ولفظة ﴿ذهب السيئات عني﴾ تقتضي بطراً وجهلاً أن ذلك بإنعام من الله، واعتقاد أن ذلك اتفاق أو
بسعد من الاعتقادات الفاسدة، وإلا فلو قالها من يعتقد أن ذهابها بإنعام من الله وفضل، لم يقع ذلك.
و﴿السيئات﴾ ها هنا كل ما يسوء في الدنيا.

١٥٤
تفسير سورة هود / الآيتان : ١٣،١٢
وقرأت فرقة ((لفرح)) بكسر الراء، وقرأت فرقة ((لفرُح)) بضمها، وهذا الفرح مطلق، ولذلك ذم، إذ
الفرح انهمال النفس: ولا يأتي الفرح في القرآن ممدوحاً إلا إذا قيد بأنه في خير .....
وقوله تعالى: ﴿إلا الذين صبروا﴾ الآية، هذا الاستثناء متصل على ما قدمناه من أن الإنسان عام يراد
به الجنس: ومن قال إنه مخصوص بالكافر قال هاهنا: إن الاستثناء منقطع، وهو قول ضعيف من جهة المعنى
وأما من جهة اللفظ فجيد، وكذلك قاله من النحاة قوم.
واستثنى الله تعالى من الماشين على سجية الإنسان هؤلاء الذين حملتهم الأديان على الصبر على
المكاره ومثابرة عبادة الله: وليس شيء من ذلك في سجية البشر وإنما حمل على ذلك حب الله وخوف الدار
الآخرة. و((الصبر)) و((العمل الصالح)) لا ينفع إلا مع هداية وإيمان، ثم وعد تعالى أهل هذه الصفة تحريضاً
عليها وحضاً، بالمغفرة للذنوب والتفضل بالأجر والنعيم.
قوله عز وجل :
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَايُوحَى إِلَيْكَ وَضَابِقٌ بِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَفْرُ أَوْجَآءَ
مَعَهُمَلَكُ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلُ ﴿ أَمْ يَقُولُونَ آَفْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَنُواْ بِعَشْرِسُوَرٍ
مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اُسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِإِنْ كُتُمْ صَدِقِينَ
١٣
سبب هذه الآيات أن كفار قريش قالوا: يا محمد لو تركت سب آلهتنا وتسفيه آبائنا لجالسناك
واتبعناك. وقالوا: انت بقرآن غير هذا أو بدله، ونحو هذا من الأقوال. فخاطب الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم على هذه الصورة من المخاطبة، ووقفه بها توقيفاً راداً على أقوالهم ومبطلًا لها، وليس المعنى أنه
صلى الله عليه وسلم هم بشيء من ذلك فزجر عنه، فإنه لم يرد قط ترك شيء مما أوحي إليه، ولا ضاق
صدره، وإنما كان يضيق صدره بأقوالهم وأفعالهم وبعدهم عن الإيمان.
و﴿لعلك﴾ ها هنا بمعنى التوقيف والتقرير، و﴿ما يوحى إليك﴾ هو القرآن والشريعة والدعاء إلى الله.
تعالى كأن في ذلك سب آلهتهم وتسفيه آبائهم أو غيره؛ ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد
عظم عليه ما يلقى من الشدة فمال إلى أن يكون من الله تعالى إذن في مساهلة الكفار بعض المساهلة ونحو
هذا من الاعتقادات التي تليق به صلى الله عليه وسلم، كما جاءت آيات الموادعة. وعبر ب﴿ضائق﴾ دون
ضيق للمناسبة في اللفظ مع ﴿تارك﴾، وإن كان ضيق أكثر استعمالاً لأنه وصف لازم، وإضائق﴾ وصف
عارض فهو الذي يصلح هنا، والضمير في ﴿به﴾ عائد على ((البعض))، ويحتمل أن يعود على ((ها)) ر ﴿ أن﴾
في موضع نصب على تقدير كراهة أن و((الكنز)) ها هنا: المال: وهذا طلبهم آية تضطر إلى الإيمان :: والله
تعالى لم يبعث الأنبياء بآيات اضطرار وإنما بعثهم بآيات النظر والاستدلال، ولم يجعل آية الاضطرار إلا
للأمم التي قدر تعذيبها لكفرها بعد آية الاضطرار، كالناقة لثمود.
:

١٥٥
تفسير سورة هود / الآيات: ١٤ - ١٦
ثم أنسه تعالى بقوله: ﴿إنما أنت نذير﴾، أي هذا القدر هو الذي فوض إليك، والله تعالى بعد ذلك
هو الوكيل الممضي لإيمان من شاء وكفر من شاء.
وقوله تعالى: ﴿أم يقولون ... ) الآية، هذه ﴿أم) التي هي عند سيبويه بمعنى بل وألف الاستفهام،
كأنه أضرب عن الكلام الأول، واستفهم في الثاني على معنى التقرير، كقولهم: إنها لإبل أم شاء،
و((الافتراء)) أخص من الكذب، ولا يستعمل إلا فيما بهت به المرء وكابر، وجاء بأمر عظيم منكر، ووقع
التحدي في هذه الآية ﴿بعشر﴾ لأنه قيدها بالافتراء، فوسع عليهم في القدر لتقوم الحجة غاية القيام، إذ قد
عجزهم في غير هذه الآية ﴿بسورة من مثله﴾ [البقرة: ٢٣، يونس: ٣٨] دون تقييد فهذه مماثلة تامة في
غيوب القرآن ومعانيه الحجة، ونظمه ووعده ووعيده وعجزوا في هذه الآية بل قيل لهم عارضوا القدر منه
بعشر أمثاله في التقدير والغرض واحد واجعلوه مفترى لا يبقى لكم إلا نظمه فهذه غاية التوسعة؛ وليس
المعنى عارضوا عشر سور بعشر، لأن هذه إنما كانت تجيء معارضة سورة بسورة مفتراة ولا تبالي عن تقديم
نزول هذه على هذه: ويؤيد هذا النظر أن التكليف في آية البقرة إنما هو بسبب الريب، ولا يزيل الريب إلا
العلم بأنهم لا يقدرون على المماثلة التامة؛ وفي هذه الآية إنما التكليف بسبب قولهم ﴿افتراه﴾ فكلفوا
نحو ما قالوا: ولا يطرد هذا في آية يونس. وقال بعض الناس: هذه مقدمة في النزول على تلك، ولا يصح
أن يعجزوا في واحدة فيكلفوا عشراً؛ والتكليفان سواء، ولا يصح أن تكون السورة الواحدة إلا مفتراة وآية
سورة يونس في تكليف سورة متركبة على قولهم: ﴿افتراه﴾، وكذلك آية البقرة وإنما ريبهم بأن القرآن
مفترى .
قال القاضي أبو محمد: وقائل هذا القول لم يلحظ الفرق بين التكليفين: في كمال المماثلة مرة،
ووقوفها على النظم مرة .
و﴿من﴾ في قوله: ﴿من استطعتم) يراد بها الآلهة والأصنام والشياطين وكل ما كانوا يعظمونه،
وقوله: ﴿إن كنتم صادقين) يريد في أن القرآن مفترى.
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَأَعْلَمُوْ اْأَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْلَّا إِلَهَ إِلََّ هُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (آ مَن
كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِهَ لَ يُبْخَدُونَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ
لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ التَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيَهَا وَبَطِلٌ مَّاكَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٦
قوله عز وجل :
لهذه الآية تأويلان :
أحدهما أن تكون المخاطبة من النبي صلى الله عليه وسلم للكفار؛ أي فإن لم يستجب من تدعون
إلى شيء من المعارضة ولا قدر جميعكم عليها، فأذعنوا حينئذ واعلموا أنه من عند الله، ويأتي قوله: ﴿فهل
أنتم مسلمون﴾ متمكناً .
................

١٥٦
تفسير سورة هود / الآيات : ١٤ - ١٦
والثاني: أن تكون مخاطبة من اللّه تعالى للمؤمنين: أي فإن لم يستجب الكفار إلى ما دعوا إليه من
المعارضة فاعلموا أن ذلك من عند الله، وهذا على معنى دوموا على علمكم لأنهم كانوا عالمين بذلك. قال
مجاهد: قوله تعالى: ﴿فهل أنتم مسلمون﴾ هو لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: ﴿بعلم الله﴾ يحتمل معنيين:
أحدهما: بإذنه وعلى علم منه.
والثاني: أنه أنزل بما علمه الله تعالى من الغيوب، فكأنه أراد المعلومات له وقوله: ﴿فهل أنتم
مسلمون﴾ تقریر.
وقوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا ... ) الآية، قالت فرقة: ظاهرها العموم ومعناها
الخصوص في الكفرة: هذا قول قتادة والضحاك، وقال مجاهد: هي في الكفرة وفي أهل الرياء من
المؤمنين: وإلى هذا ذهب معاوية حين حدثه سيافه شفي بن ماتع الأصبحي عن أبي هريرة بقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الرجل المتصدق والمجاهد المقتول والقائم بالقرآن ليله ونهاره وكل ذلك رياء،
(إنهم أول من تسعر به النار يوم القيامة)) فلما حدثه شفي بهذا الحديث، بكى معاوية وقال: صدق الله
... ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وباطل ما كانوا يعملون﴾.
ورسوله: وتلا: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها .
فأما من ذهب إلى أنها في الكفرة فمعنى قوله ﴿يريد﴾ يقصد ويعتمد، أي هي وجهه ومقصده لا
مقصد له غيرها. فالمعنى: من كان يريد بأعماله الدنيا فقط إذ لا يعتقد آخرة، فإن الله يجازيه على حسن
أعماله - في الدنيا - بالنعم والحواس وغير ذلك: فمنهم مضيق عليه ومنهم موسع له، ثم حكم عليهم بأنهم
لا يحصل لهم يوم القيامة إلا بالنار ولا تكون لهم حال سواها.
قال القاضي أبو محمد: فاستقام هذا المعنى على لفظ الآية. وهو عندي أرجح التأويلات - بحسب
تقدم ذكر الكفار المناقضين في القرآن - فإنما قصد بهذه الآية ﴿أولئك﴾.
وأما من ذهب إلى أنها في العصاة من المؤمنين فمعنى ﴿يريد﴾ عنده يحب ويؤثر ويفضل ويقصد،
وإن كان له مقصداً آخر بإيمانه فإن الله يجازيه على تلك الأعمال الحسان التي لم يعملها الله بالنعم في
الدنيا، ثم يأتي قوله: ﴿ليس لهم﴾ بمعنى ليس يجب لهم أو يحق لهم إلا النار، وجائز أن يتغمدهم الله
برحمته، وهذا هو ظاهر ألفاظ ابن عباس وسعيد بن جبير.
وقال أنس بن مالك: هي في أهل الكتاب.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا أن أهل الكتاب الكفرة يدخلون في هذه الآية، لا أنها ليست
::
في غيرهم.
وقرأ جمهور الناس: ((نوف)) بنون العظمة؛ وقرأ طلحة وميمون بن مهران ((يوف)) بياء الغائب.
و﴿يبخسون﴾ معناه: يعطون أقل من ثوابهم، و﴿حبط﴾ معناه: يبطل وسقط ومنه قول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((يقتل حبطاً أو يلم))، وهي مستعملة في فساد الأعمال، والضمير في قوله: ﴿فيها﴾ عائد

١٥٧
1
تفسير سورة هود / الآية : ١٧
على الدنيا في الأولين؛ وفي الثالثة عائد على الآخرة، ويحتمل أن يعود في الثلاثة على الدنيا؛ ويحتمل أن
تعود الثانية على الأعمال.
وقرأ جمهور الناس: ((وباطلٌ)) بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ أبيّ وابن مسعود: ((وباطلًا))
بالنصب؛ قال أبو حاتم: ثبتت في أربعة مصاحف، والعامل فيه ﴿يعملون﴾ و﴿ما﴾ زائدة، التقدير: وباطلاً
كانوا يعملون. والباطل كل ما تقتضي ذاته أن لا تنال به غاية في ثواب ونحوه وبالله التوفيق.
قوله عز وجل :
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِهِ، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىَّ إِمَا مَا وَرَحْمَةً أُوْلَكَ
ج
يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَن يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَتَكُ فِى مِّرِيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَأَ يُؤْمِنُونَ
١٧
اختلف المتأولون في المراد بقوله: ﴿أفمن﴾ فقالت فرقة: المراد بذلك المؤمنون بمحمد صلى الله
عليه وسلم. وقالت فرقة المراد محمد صلى الله عليه وسلم خاصة. وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة
ومجاهد والضحاك وابن عباس: المراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنون جميعاً.
وكذلك اختلف في المراد بـ(البيّنة)) فقالت فرقة: المراد بذلك القرآن، أي على جلية بسبب القرآن،
وقالت فرقة: المراد محمد صلى الله عليه وسلم والهاء في ((البيّنة)) للمبالغة كهاء علامة ونسابة.
وكذلك اختلف في المراد بـ((الشاهد)) فقال ابن عباس وإبراهيم النخعي ومجاهد والضحاك وأبو
صالح وعكرمة : هو جبريل.
وقال الحسين بن علي: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد أيضاً: هو ملك وكّله الله
بحفظ القرآن.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يريد بهذه الألفاظ جبريل.
وقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: هو
علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وروي ذلك عنه، وقالت فرقة: هو الإنجيل، وقالت فرقة: هو القرآن،
وقالت فرقة: هو إعجاز القرآن .
قال القاضي أبو محمد: ويتصرف قوله ﴿يتلوه﴾ على معنيين: بمعنى يقرأ، وبمعنى يتبعه، وتصرفه
بسبب الخلاف المذكور في ((الشاهد)) ولنرتب الآن اطراد كل قول وما يحتمل.
فإذا قلنا إن قوله: ﴿أفمن﴾ يراد به المؤمنون، فإن جعلت بعد ذلك ((البيّنة)) محمد صلى الله عليه
وسلم صح أن يترتب ((الشاهد)) الإنجيل ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى يقرأه، لأن الإنجيل يقرأ شأن محمد صلى
الله عليه وسلم وأن يترتب جبريل عليه السلام ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى يتبعه أي في تبليغ الشرع والمعونة

١٥٨
تفسير سورة هود / الآية. ١٧
فيه، وأن يترتب الملك ويكون الضمير في ﴿منه﴾ عائداً على البيّنة التي قدرناها محمداً صلى الله عليه
وسلم وأن يترتب القرآن ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على الرب.
وإن جعلنا ((البيّنة)) القرآن على أن (أفمن﴾ هم المؤمنون - صح أن يترتب ((الشاهد)) محمد صلى الله
عليه وسلم، وصح أن يترتب الإنجيل وصح أن يترتب جبريل والملك. ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى يقرأه: وصح
أن يترتب ((الشاهد)» الإعجاز، ويكون ﴿يتلوه﴾ بمعنى يتبعه، ويعود الضمير في ﴿منه﴾ على القرآن.
وإذا جعلنا ﴿أفمن﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم، كانت ((البيّنة)) القرآن، وترتب ((الشاهد)) لسان
محمد صلى الله عليه وسلم، وترتب الإنجيل، وترتب جبريل والملك، وترتب علي بن أبي طالب رضي الله
عنه، وترتب الإعجاز. ويتأول ﴿يتلوه﴾ بحسب ((الشاهد)) كما قلنا ولكن هذا القول يضعفه قوله ﴿أولئك﴾
فإنا إذا جعلنا قوله: ﴿أفمن﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم وحده لم نجد في الآية مذكورين يشار إليهم بذلك
ونحتاج في الآية إلى تجوز وتشبيه بقوله تعالى: ﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء﴾ [الطلاق: ١] وهو شبه
ليس بالقوي .
والأصح في الآية أن يكون قوله: ﴿أفمن﴾ للمؤمنين، أو للمؤمنين والنبي معهم بأن لا يترتب
(((الشاهد)) بعد ذلك يراد به النبي إذا قدرناه داخلاً في قوله: ﴿أفمن﴾. وما تركناه من بسط هذا الترتيب
يخرجه التدبر بسرعة فتأمله.
وقرأ جمهور الناس ((كتابُ)) بالرفع؛ وقرأ الكلبي وغيره ((كتاباً)) بالنصب فمن رفع قدر (الشاهد»
الإنجيل معناه يقرأ القرآن أو محمد صلى الله عليه وسلم - بحسب الخلاف - و((الإنجيل)) و((من قبل)) كتاب
موسى إذ في الكتابين ذكر القرآن وذكر محمد صلى الله عليه وسلم.
ويصح أن يقدر الرافع ((الشاهد)) القرآن، وتطرد الألفاظ بعد ذلك، ومن نصب ((كتاباً)) قدر ((الشاهد))
جبريل عليه السلام، أي يتلو القرآن جبريل ومن قبل القرآن كتاب موسى.
قال القاضي أبو محمد: وهنا اعتراض يقال: إذ قال ﴿من قبله كتاب موسى) أو ((كتاب)) بالنصب
على القراءتين. والضمير في ﴿قبله﴾ عائد على القرآن - فلم لم يذكر الإنجيل - وهو قبله - بينه وبين كتاب
موسى؟ فالانفصال: أنه خص التوراة بالذكر لأن الملّتين مجمعتان أنهما من عند الله، والإنجيل ليس
كذلك: فكان الاستشهاد بما تقوم به الحجة على الطائفتين أولى: وهذا يجري مع قول الجن: ﴿إنا سمعنا
كتاباً أنزل من بعد موسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومع قول النجاشي: إن هذا، والذي جاء به موسى، لخرج من
مشكاة واحدة؛ فإنما اختصر الإنجيل من جهة أن مذهبهم فيه مخالف لحال القرآن والتوراة، ونصب
﴿إماماً﴾ على الحال من ﴿کتاب موسى﴾، و﴿الأحزاب﴾ ها هنا يراد به جمیع الأمم، وروى سعيد بن جبير
عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما من أحد يسمع بي من هذه الأمة، ولا
من اليهود والنصارى ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار)) فقلت: أين مصداق هذا من كتاب الله؟ حتى وجدته في
هذه الآية، وكنت إذا سمعت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم طلبت مصداقه في كتاب الله.
. ...
... -----
۔
٠

١٥٩
تفسير سورة هود / الآيات: ١٨ - ٢٠
قال القاضي أبو محمد: والراجح عندي من الأقوال في هذه الآية أن يكون ﴿أفمن﴾ للمؤمنين أو لهم
وللنبي معهم، إذ قد تقدم ذكر ﴿الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار﴾ [هود: ١٦]، فعقب ذكرهم بذكر
غيرهم، و((البينة)) القرآن وما تضمن. و((الشاهد)) محمد صلى الله عليه وسلم أو جبريل إذا دخل النبي في
قوله: ﴿أَفمن﴾ أو الإنجيل والضمير في ﴿يتلوه﴾ للبيّنة، وفي ﴿منه﴾ للرب تعالى، والضمير في ﴿قبله﴾
للبيّنة وغير هذا مما ذكرته آنفاً محتمل.
وقرأ الجمهور ((في مِرية)) بكسر الميم، وقرأ السلمي وأبو رجاء وأبو الخطاب السدوسي ((في مُرية))
بضم الميم، وهما لغتان في الشك، والضمير في ﴿منه﴾ عائد على كون الكفرة موعدهم النار، وسائر الآية
بین.
وفي هذه الآية معادلة محذوفة يقتضيها ظاهر اللفظ تقديره: أفمن كان على بيّنة من ربه كمن كفر بالله
وكذب أنبياءه، ونحو هذا، في معنى الحذف، قوله عز وجل: ﴿ولو أن قرآناً سيرت به الجبال أو قطعت به
الأرض أو كلم به الموتى﴾ [الرعد: ٣١]، لكان هذا القرآن، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
فأقسم لو شيء أتانا رسوله
التقدير لرددناه ولم نصغ إليه .
قوله عز وجل:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِّبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلاءِ
﴿ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
١٨
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
وَيَبْغُونَهَاِعَوَجَا وَهُمْ بِآلْأَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِى الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَم
مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءُ يُضَعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَاكَانُوْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُو ◌ْيُبْصِرُونَ
٢٠
قوله: ﴿ومن﴾ استفهام بمعنى التقرير، وكأنه قال: لا أحد أظلم ممن افترى كذباً، والمراد ب﴿من﴾
الكفرة الذين يدعون مع الله إلهاً آخر ويفترون في غير ما شيء، وقوله: ﴿أولئك يعرضون على ربهم﴾
عبارة عن الإشادة بهم والتشهير لخزيهم وإلا فكل بشر معروض على الله يوم القيامة .
وقوله: ﴿يقول الأشهاد﴾ قالت فرقة: يريد الشهداء من الأنبياء والملائكة، فيجيء قوله: ﴿هؤلاء
الذين كذبوا على ربهم﴾ إخباراً عنهم وشهادة عليهم وقالت فرقة: ﴿الأشهاد) بمعنى الشاهدین، ویرید
جميع الخلائق، وفي ذلك إشادة بهم، وروي في نحو هذا حديث: ((إنه لا يخزى أحد يوم القيامة إلا
ويعلم ذلك جميع من شهد المحشر)، فيجيء قوله: ﴿هؤلاء﴾ - على هذا التأويل - استفهاماً عنهم وتثبتاً
فيهم كما تقول إذا رأيت مجرماً قد عوقب: هذا هو الذي فعل كذا وإن كنت قد علمت ذلك، ويحتمل
الإخبار عنهم.

١٦٠
تفسير سورة هود / الآيات: ١٨ - ٢٠
وقوله: ﴿ألا﴾ استفتاح كلام، و((اللعنة)) الإبعاد، و﴿الذين﴾ نعت ل﴿الظالمين)؛ ويحتمل الرفع
على تقدير هم الذين، و﴿يصدون﴾ يحتمل أن يقدر متعدياً على معنى: يصدون الناس ويمنعونهم من
سبيل الله، ويحتمل أن يقدر غير متعد على معنى يصدون هم، أن يعرضون. و﴿سبيل الله﴾ شريعته،
و﴿يبغونها﴾ معناه يطلبون لها كما تقول بغيتك خيراً أو شراً أي طلبت ذلك، و﴿عوجاً﴾ على هذا
مفعول: ويحتمل أن يكون المعنى: ويبغون السبيل على عوج، أي فهم لا يهتدون أبداً.
ف﴿عوجاً﴾ على هذا مصدر في موضع الحال، والعوج الانحراف والميل المؤدي إلى الفساد، وكرر قوله:
﴿هم﴾ على جهة التأكيد، وهي جملة في موضع خبر الابتداء الأول: وليس هذا موضع الفصل لأن الفصل
إنما يكون بين معرفتين، أو معرفة وفكرة تقارب المعرفة، لأنها تفصل ما بين أن يكون ما بعدها صفة أو خبراً
وتخلصه للخبر. و﴿معجزين﴾ معناه: مفلتين لا يقدر عليهم. وخص ذكر ﴿الأرض) لأن تصرف ابن آدم
وتمتعه إنما هو فيها وهي قصاراه لا يستطيع النفوذ منها. وقوله: ﴿وما كان لهم من دون الله من أولياء﴾
یحتمل معنیین :
أحدهما: أن نفي أن يكون لهم ولي أو ناصر كائناً من كان.
والثاني: أن يقصد وصف الأصنام والآلهة بأنهم لم يكونوا أولياء حقيقة، وإن كانوا هم يعتقدون
أنهم أولیاء.
ثم أخبر أنهم يضاعف لهم العذاب يوم القيامة، أي يشدد حتى يكون ضعفي ما كان. و﴿يضاعف﴾
فعل مستأنف وليس بصفة .
وقوله: ﴿وما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون) يحتمل خمسة أوجه :.
أحدها: أن يصف هؤلاء الكفار بهذه الصفة على معنى أن الله ختم عليهم بذلك، فهم لا يسمعون
سماعاً ينتفعون به ولا يبصرون كذلك.
والثاني: أن يكون وصفهم بذلك من أجل بغضتهم في النبي صلى الله عليه وسلم فهم لا يستطيعون.
أن يحملوا أنفسهم على السمع منه والنظر إليه وينظر إلى هذا حشد الطفيل بن عمرو أذنيه بالكرسف، وإباية
قريش وقت الحديبية أن يسمعوا ما نقل إليهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ردهم عن ذلك
مشیختهم ..
والثالث: أن يكون وصف بذلك الأصنام والآلهة التي نفى عنها - على التأويل المقدم - أن تكون
أولیاء.
و﴿ما﴾ في هذه الوجوه نافية.
والرابع: أن يكون التقدير: يضاعف لهم العذاب بما كانوا: بحذف الجار، وتكون ﴿ما﴾ مصدرية،
وهذا قول فيه تحامل. قاله الفراء، وقرنه بقوله: أجازيك ما صنعت بي.
والخامس: أن تكون ﴿ما﴾ ظرفية، يضاعف لهم مدة استطاعتهم السمع والبصر، وقد أعلمت