النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١
تفسير سورة يونس / الآيات: ٣٩ - ٤٣
وتحصيل المعاني وتركيب الكثير منها في اللفظ القليل: فأما مثل قوله تعالى: ﴿مدهامتان﴾
[الرحمن: ٦٤] وقوله ﴿ثم نظر﴾ [المدثر: ٢١] فلا يصح التحدي بالإتيان بمثله لكن بانتظامه واتصاله يقع
العجز عنه، وقوله ﴿مثله﴾ صفة للسورة والضمير عائد على القرآن المتقدم الذكر، كأنه قال: فأتوا بسورة
مثل القرآن أي في معانيه وألفاظه، وخلطت فرق في قوله ﴿مثله﴾ من جهة اللسان كقول الطبري: ذلك
على المعنى، ولو كان على اللفظ لقال: ((مثلها)»، وهذا وهم بيّن لا يحتاج إليه، وقرأ عمرو بن فائد ((بسورةٍ
مثلهٍ))، على الإضافة، قال أبو الفتح: التقدير بسورة كلام مثله، قال أبو حاتم: أمر عبد الله الأسود أن يسأل
عمر عن إضافة ((سورة)) أو تنوينها فقال له عمر كيف شئت، وقوله ﴿وادعوا من استطعتم﴾ إحالة على
شركائهم وجنهم وغير ذلك، وهو كقوله في الآية الأخرى، ﴿لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً﴾
[الإسراء: ٨٨] أي معيناً، وهذا أشد إقامة لنفوسهم وأوضح تعجيزاً لهم.
قوله عز وجل :
بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ، وَلَمَا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمٌّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٦َ وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَّا يُؤْمِنُ بِهِ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِّيِ عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيّتُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْبَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
٤٠
وَمِنْهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُسْمِعُ الْضُمَّ وَلَوْ كَانُواْلَ يَعْقِلُونَ (١٥) وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَنتَ
٤٣
تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْلَا يُبْصِرُونَ
المعنى: ليس الأمر كما قالوا في أنه مفترى ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه﴾، وهذا اللفظ يحتمل
معنيين: أحدهما أن يريد بها الوعيد الذي توعدهم الله عز وجل على الكفر، وتأويله على هذا يراد به ما
يؤول إليه أمره كما هو في قوله ﴿هل ينظرون إلا تأويله﴾ [الأعراف: ٥٣]، والآية بجملتها على هذا التأويل
تتضمن وعيداً، والمعنى الثاني أنه أراد بل كذبوا بهذا القرآن العظيم المنبىء بالغيوب الذي لم تتقدم لهم به
معرفة ولا أحاطوا بعلم غيوبه وحسن نظمه ولا جاءهم تفسير ذلك وبيانه، و﴿الذين من قبلهم﴾ يريد من
سلف من أمم الأنبياء، قال الزجّاج ﴿كيف﴾ في موضع نصب على خبر ﴿كان﴾ ولا يجوز أن يعمل فيها
((انظر)) لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.
قال القاضي أبو محمد: هذا قانون النحويين لأنهم عاملوا ((كيف)) في كل مكان معاملة الاستفهام
المحض في قولك: كيف زيد، ولـ((كيف)) تصرفات غير هذا، تحل محل المصدر الذي هو كيفية وتخلع
معنى الاستفهام، ويحتمل هذا أن يكون منها ومن تصرفاتها قولهم: كن كيف شئت، وانظر قول البخاري :
كيف كان بدء الوحي فإنه لم يستفهم وذكر الفعل المسند إلى ((العاقبة)) لما كانت بمعنى المآل ونحوه وليس
تأنيثها بحقيقي، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من يؤمن به﴾ الآية، الضمير في ﴿منهم﴾ عائد على قريش، ولهذا
الكلام معنيان قالت فرقة: معناه من هؤلاء القوم من سيؤمن في المستقبل ومنهم من حتم الله أنه لا يؤمن به
١٢٢
تفسير سورة يونس / الآيات: ٤٤ - ٤٦
أبداً، وقالت فرقة: معناه من هؤلاء القوم من هو مؤمن بهذا الرسول إلا أنه يكتم إيمانه وعلمه بأن نبوة محمد
صلى الله عليه وسلم وإعجاز القرآن حق، حفظاً لرياسته أو خوفاً من قومه، كالفتية الذين خرجوا إلى بدر
مع الكفار فقتلوا فنزل فيهم ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧] وكالعباس ونحو
هذا، ومنهم من ليس بمؤمن.
قال القاضي أبو محمد: وفائدة الآية على هذا التأويل التفرق لكلمة الكفار، وإضعاف نفوسهم، وأن
يكون بعضهم على وجل من بعض، وفي قوله ﴿وربك أعلم بالمفسدين﴾، تهديد ووعيد، وقوله ﴿وإن
كذبوك﴾، آية مناجزة لهم ومتاركة وفي ضمنها وعيد وتهديد، وهذه الآية نحو قوله ﴿قل يا أيها الكافرون﴾
[الكافرون": ١] إلى آخر السورة، وقال كثير من المفسرين منهم ابن زيد: هذه الآية منسوخة بالقتال لأن
هذه مكية، وهذا صحيح، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾، جُمع ﴿يستمعون﴾ على معنى
﴿من﴾ لا على لفظها، ومعنى الآية: ومن هؤلاء الكفار من يستمع إلى ما يأتي به من القرآن بإذنه ولكنه حين
لا يؤمن ولا يحصل فكأنه لا يسمع، ثم قال على وجه التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم: أفأنت يا محمد
تريد أن تسمع الصم. أي لا تكترث بذلك، وقوله ﴿ولو كانوا لا يعقلون﴾ معناه: ولو كانوا من أشد حالات
الأصم، لأن الأصم الذي لا يسمع شيئاً بحال، فذلك لا يكون في الأغلب إلا مع فساد العقل والدماغ فلا
سبيل أن يعقل حجة ولا دليلاً أبداً، ﴿ولو﴾ هذه بمعنى ((إن))، وهذا توقيف للنبي صلى الله عليه وسلم أي
ألزم نفسك هذا، وقوله ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾ الآية، هي نحو الأولى في المعنى، وجاء ﴿ينظر﴾ على
لفظ ﴿من﴾، وإذا جاء الفعل على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخر على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها
فلا يجوز أن يعطف آخر على اللفظ، لأن الكلام يلبس حينئذ، وهذه الآية نحو الأولى في المعنى كأنه قال:
ومنهم من ينظر إليك ببصره لكنه لا يعتبر ولا ينظر ببصيرته، فهو لذلك كالأعمى فهون ذلك عليك، أفتريد
أن تهدي العمي ، والهداية أجمع إنما هي بيد الله عز وجل.
قوله عز وجل :
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْيَكْبَنُوا إِلَّا
سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْبِقَاءِ الَّهِ وَمَا كَانُواْمُهْتَدِينَ (٢٥) وَإِمَّانُرِيَنَّكَ بَعْضَ
الَّذِى نَعِدُ هُمْ أَوْنَوَقَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْ جِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ
٤٦
قرأت فرقة: ((ولكنْ الناس)) بتخفيف ((لكن)) ورفع ((الناسُ))، وقرأت فرقة ((ولكنّ)) بتشديد ((لكنْ))
ونصب ((الناسَ))، وظلم الناس لأنفسهم إنما هو بالتكسب منهم الذي يقارن اختراع الله تعالى لأفعالهم،
وعرف ((لكن)) إذا كان قبلها واو أن تثقل وإذا عريت من الواو أن تخفف، وقد ينخرم هذا، وقال الحوميون:
قد يدخل اللام في خبر ((لكن)) المشددة على حد دخولها في ((أن)) ومنع ذلك البصريون، وقوله تعالى:
﴿ويوم نحشرهم﴾ الآية، وعيد بالحشر وخزيهم فيه وتعاونهم في التلاوم بعضهم لبعض، و﴿يوم﴾ ظرف
ونصبه يصح بفعل مضمر تقديره واذكر يوم، ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله ﴿كأن لم يلبثوا إلا
i
١٢٣
تفسير سورة يونس / الآيات : ٤٧ - ٤٩
ساعة من النهار﴾، ويصح نصبه ب﴿يتعارفون﴾، والكاف من قوله ﴿كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾
يصح أن تكون في معنى الصفة لليوم، ويصح أن تكون في موضع نصب للمصدر، كأنه قال ويوم
نحشرهم حشراً كأن لم يلبثوا، ويصح أن يكون قوله ﴿كأن لم يلبثوا﴾ في موضع الحال من الضمير في
﴿نحشرهم﴾ وخصص ﴿النهار) بالذكر لأن ساعاته وقسمه معروفة بيّنة للجميع، فكأن هؤلاء يتحققون قلة
ما لبثوا، إذ كل أمد طويل إذا انقضى فهو واليسير سواء، وأما قوله ﴿يتعارفون﴾ فيحتمل أن يكون معادلة
لقوله: ﴿ويوم نحشرهم﴾ كأنه أخبر أنهم يوم الحشر ﴿يتعارفون﴾، وهذا التعارف على جهة
التلاوم والخزي من بعضهم لبعض. ويحتمل أن يكون في موضع الحال من الضمير في
﴿نحشرهم﴾ ويكون معنى التعارف كالذي قبله، ويحتمل أن يكون حالاً من الضمير في ﴿يلبثوا﴾ ويكون
التعارف في الدنيا، ويجيء معنى الآية ويوم نحشرهم للقيامة فتنقطع المعرفة بينهم والأسباب ويصير
تعارفهم في الدنيا كساعة من النهار لا قدر لها، وبنحو هذا المعنى فسر الطبري، وقرأ السبعة وجمهور
الناس ((نحشرهم))، بالنون، وقرأ الأعمش فيما روي عنه، ((يحشرهم)) بالياء، وقوله ﴿قد خسر الذين﴾ إلى
آخرها حكم على المكذبين بالخسار وفي اللفظ إغلاظ على المحشورين من إظهار لما هم عليه من الغرر
مع الله تعالى، وهذا على أن الكلام إخبار من الله تعالى وقيل: إنه من كلام المحشورين على جهة التوبيخ
لأنفسهم، وقوله تعالى: ﴿وإما نرينك﴾ الآية، ﴿إما﴾ شرط وجوابه ﴿فإلينا﴾، والرؤية في قوله ﴿نرينك﴾
رؤية بصر وقد عدي الفعل بالهمزة فلذلك تعدى إلى مفعولين أحدهما الكاف والآخر ﴿بعض﴾، والإشارة
بقوله ﴿بعض الذي﴾ إلى عقوبة الله لهم نحو بدر وغيرها، ومعنى هذه الآية الوعيد بالرجوع إلى الله تعالى
أي إن أريناك عقوبتهم أو لم نركها فهم على كل حال راجعون إلينا إلى الحساب والعذاب ثم مع ذلك فالله
شهيد من أول تكليفهم على جميع أعمالهم ف﴿ثم﴾ ها هنا لترتيب الإخبار لا لترتيب القصص في أنفسها،
وإما هي ((إن)) زيدت عليها ((ما)) ولأجلها جاز دخول النون الثقيلة ولو كانت إن وحدها لم يجز.
قوله عز وجل :
وَيَقُولُونَ مَتَى
٤٧
وَلِكُلّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
أَقُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِىِ ضَرَّا وَلَا نَفْعَا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا
هَذَا الْوَعْدُ إِنَ كُنْتُمْ صَدِقِينَ لََّ
جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ(@)
قوله تعالى: ﴿ولكل أمة رسول﴾، إخبار مثل قوله تعالى: ﴿كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم
يأتكم نذير قالوا بلى﴾ [الملك: ٨] وقال مجاهد وغيره: المعنى فإذا جاء رسولهم يوم القيامة للشهادة
عليهم صير قوم للجنة وقوم للنار فذلك ((القضاء بينهم بالقسط)) وقيل: المعنى فإذا جاء رسولهم في الدنيا
وبعث صاروا من حتم الله بالعذاب لقوم والمغفرة لآخرين لغاياتهم، فذلك قضاء بينهم بالقسط، وقرن
بعض المتأولين هذه الآية بقوله ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ [الإسراء: ١٥] وذلك يتفق إما بأن
نجعل ﴿معذبين﴾ [الإسراء: ١٥] في الآخرة، وإما بأن نجعل ((القضاء بينهم)) في الدنيا بحيث يصح اشتباه
۔
١٢٤ -
تفسير سورة يونس / الآيات: ٥٠ - ٥٣
الآيتين، وقوله ﴿ويقولون متى هذا الوعد﴾ إلى ﴿يستقدمون﴾، الضمير في ﴿يقولون﴾ يراد به الكفار،
وسؤالهم عن الوعد تحرير بزعمهم في الحجة، أي هذا العذاب الذي توعدنا حدد لنا فيه وقته لنعلم الصدق
في ذلك من الكذب، وقال بعض المفسرين: قولهم هذا على جهة الاستخفاف.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يظهر من اللفظة، ثم أمره تعالى أن يقول لهم ﴿لا أملك لنفسي ضراً
ولا نفعاً إلا ما شاء الله﴾، المعنى قل لهم يا محمد رداً للحجة إني ﴿لا أملك لنفسي ضرّاً ولا نفعاً﴾ من
دون الله ولا أنا إلا في قبضة سلطانه وبضمن الحاجة إلى لطفه، فإذا كنت هكذا فأحرى أن لا أعرف غيبه
ولا أتعاصى شيئاً من أمره، ولكن ﴿لكل أمة أجل﴾ انفرد الله تعالى بعلم حده ووقته، فإذا جاء ذلك الأجل
في موت أو هلاك أمة لم يتأخروا ساعة ولا أمكنهم التقدم عن حد الله عز وجل، وقرأ ابن سيرين ((آجالهم)
بالجمع .
قوله عز وجل :
وَ أَثُمَّإِذَا مَا وَقَعَ ءَا مَنْتُمْ
قُلْ أَرَءَ يَّتُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابٌ بَيَنَّا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ
ثُمَّقِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوْ ذُ وقُواْ عَذَابَ الْخُلّدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا
٥١
◌ِ=ءَآلَْلنَ وَقَّذْ كُنْتُمْ بِهِ، تَسْتَعْجِلُونَ
بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾﴾ وَيَسْتَنَِّئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
٥٣
المعنى: قال يا أيها الكفرة المستعجلون عذاب الله عز وجل ﴿أرأيتم إن أتاكم عذابه﴾ ليلاً وقت المبيت،
يقال: بيت القوم القوم إذا طرقوهم ليلاً بحرب أو نحوها ﴿أو نهاراً﴾ لكم منه منعة أو به طاقة؟ فماذا
تستعجلون منه، وأنتم لا قبل لكم به؟ و((ما) ابتداء و((ذا)) خبره، ويصح أن تكون ﴿ماذا﴾ بمنزلة اسم واحد
في موضع رفع بالابتداء وخبره الجملة التي بعده، وضعف هذا أبو علي وقال: إنما يجوز ذلك على تقدير
إضمار في ﴿يستعجل﴾ وحذفه كما قال [أبو النجم]: [الرجز]
كله لم أصنع
وزيدت ضربت قال: ويصح أن تكون ﴿ماذا﴾ في حال نصب ل﴿يستعجل﴾، والضمير في ﴿منه﴾
يحتمل أن يعود على الله عز وجل، ويحتمل أن يعود على ((العذاب))، وقوله ﴿أثم إذا ما وقع﴾ الآية، عطف
بقوله ﴿ثم﴾ جملة القول على ما تقدم ثم أدخل على الجميع ألف التقرير، ومعنى الآية: إذا وقع العذاب
وعاينتموه آمنتم به حينئذ، وذلك غير نافعكم بل جوابكم الآن وقد كنتم تستعجلونه مكذبين به، وقرأ
طلحة بن مصرف ((أثَم)) بفتح الثاء، وقال الطبري في قوله ((ثُم)) بضم الثاء، معناه هنالك وقال: ليست (ثُم))
هذه التي تأتي بمعنى العطف.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى صحيح على أنها ((ثم)) المعروفة ولكن إطباقه على لفظ التنزيل هو
كما قلنا، وما ادعاه الطبري غير معروف، و﴿الآن﴾ أصله عند بعض النحاة آن فعل ماض دخلت عليه
الألف واللام على حدها في قوله: الحمار اليجدع ولم يتعرف بذلك كل التعريف ولكنها لفظة مضمنة معنى
٠
١٢٥
تفسير سورة يونس / الآيات : ٥٤ - ٥٦
حرف التعريف ولذلك بنيت على الفتح لتضمنها معنى الحرف ولوقوعها موقع المبهم لأن معناها هذا
الوقت، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وعاصم والجمهور ﴿الآن﴾ بالمد والاستفهام على حد التوبيخ، وكذلك
﴿الآن وقد عصيت﴾ [يونس: ٩١] وقرأها باستفهام بغير مد طلحة والأعرج. وقوله تعالى: ﴿ثم قيل للذين
ظلموا) الآية، هو الوعيد الأعظم بالخلود لأهل الظلم الأخص الذي هو ظلم الكفر لا ظلم المعصية، وقوله ﴿هل
تجزون﴾ توقيف وتوبيخ، ونصت هذه الآية على أن الجزاء في الآخرة، هو على تكسب العبد، وقوله
﴿ويسألونك﴾ معناه يستخبرونك، وهي على هذا تتعدى إلى مفعولين: أحدهما الكاف، والآخر في
الابتداء والخبر، وقيل هي بمعنى يستعلمونك، فهي على هذا تحتاج إلى مفعولين ثلاثة: أحدها الكاف،
والابتداء والخبر يسد مسد المفعولين، و﴿أحق هو﴾ قيل الإشارة إلى الشرع والقرآن، وقيل: إلى الوعيد
وهو الأظهر، وقرأ الأعمش ((الحق هو)) بمدة وبلام التعريف، وقوله ﴿إي﴾، هي لفظة تتقدم القسم وهي
بمعنى ((نعم)) ويجيء بعدها حرف القسم وقد لا يجيء، تقول: ﴿إي وربي﴾ وإي ربي و﴿معجزين﴾ معناه
مفلتين، وهذا الفعل أصله تعدية عجز لكن كثر فيه حذف المفعول حتى قالت العرب: أعجز فلان، إذا
ذهب في الأرض فلم يقدر عليه.
قوله عز وجل :
وَلَوْأَنَّ لِكُلِّ نَفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ بِهِ، وَأَسَُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْأ ◌ُلْعَذَابٌ وَقُضِىَ
◌ْ أَلَا إِنَّلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضُِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ
٥٤
بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥) هُوَيُحِى، وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
هذا إخبار للكفار في سياق إخبارهم بأن ذلك الوعد حق، ﴿وأسروا﴾ لفظة تجيء بمعنى أخفوا،
وهي حينئذ من السر، وتجيء بمعنى أظهروا، وهي حينئذ من أسارير الوجه، قال الطبري: المعنى وأخفى
رؤساء هؤلاء الكفار الندامة عن سفلتهم ووضعائهم.
قال القاضي أبو محمد: بل هو عام في جميعهم و﴿ألا﴾ استفتاح وتنبيه، ثم أوجب أن جميع ﴿ما في
السماوات والأرض﴾ ملك الله تعالى، قال الطبري: يقول: فليس لهذا الكافر يومئذ شيء يقتدي به.
قال القاضي أبو محمد: وربط الآيتين هكذا يتجه على بعد، وليس هذا من فصيح المقاصد، وقوله:
﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ قيد بالأكثر لأن بعض الناس يؤمن فهم يعلمون حقيقة وعد الله تعالى وأكثرهم
لا يعلمون فهم لأجل ذلك يكذبون، وقوله ﴿وهو يحيي﴾، يريد يحيي من النطفة ﴿ویمیت﴾ بالأجل ثم
يجعل المرجع إليه بالحشر يوم القيامة وفي قوة هذه الآيات ما يستدعي الإيمان وإجابة دعوة الله، وقرأ
(ترجعون)) بالتاء من فوق الأعرج وأبو عمرو وعاصم ونافع والناس، وقرأ عيسى بن عمر ((يرجعون)) بالياء من
تحت، واختلف عن الحسن.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَآءَ تَكُمْ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِ الصُّدُورِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ
i
!
١٢٦
تفسير سورة يونس / الآيتان: ٥٨،٥٧
:
٥٨
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
هذه آية خوطب بها جميع العالم، و((الموعظة)): القرآن لأن الوعظ إنما هو بقول يأمر بالمعروف
ويزجر ويرقق ويوعد ويعد، وهذه صفة الكتاب العزيز، وقوله ﴿من ربكم﴾ يريد لم يختلقها محمد صلى
الله عليه وسلم بل هي من عند الله، و﴿ما في الصدور﴾ يريد به الجهل والعتو عن النظر في آيات الله ونحو
هذا مما يدفع الإيمان، وجعله موعظة بحسب الناس أجمع، وجعله ﴿هدى ورحمة﴾ بحسب المؤمنين فقط،
وهذا تفسير صحيح المعنى إذا تؤمل بان وجهه، وقوله سبحانه ﴿قل بفضل الله وبرحمته﴾، الباء متعلقة
بمحذوف استغني عن ذكره يدل عليه قوله: ﴿وهدى ورحمة﴾، قال بعض المتأولين وهو هلال بن يساف
وقتادة والحسن وابن عباس: ((الفضل)): الإسلام، و((الرحمة)): القرآن، وقال أبو سعيد الخدري:
(الفضل)): القرآن، و((الرحمة)) أن جعلهم من أهله، وقال زيد بن أسلم والضحاك ((الفضل)): القرآن،
و((الرحمة)): الإسلام، وقالت فرقة: ((الفضل)): محمد صلى الله عليه وسلم، و((الرحمة)): القرآن.
قال القاضي أبو محمد: ولا وجه عندي لشيء من هذا التخصيص إلا أن يستند منه شيء إلى النبي
صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي يقتضيه اللفظ ويلزم منه، أن ((الفضل)) هو هداية الله تعالى إلى دينه
والتوفيق إلى اتباع الشرع، و((الرحمة)) هي عفوه وسكنى جنته التي جعلها جزاء على التشرع بالإسلام
والإيمان به، ومعنى الآية: قل يا محمد لجميع الناس ﴿بفضل الله وبرحمته﴾ فليقع الفرح منكم، لا بأمور
الدنيا وما جمع من حطامها، فالمؤمنون يقال لهم: فلتفرحوا، وهم متلبسون بعلة الفرح وسببه، ومحصلون
لفضل الله منتظرون الرحمة، والكافرون يقال لهم: ﴿بفضل الله وبرحمته﴾ فلتفرحوا، على معنى أن لو
اتفق لكم أو لو سعدتم بالهداية إلى تحصيل ذلك، وقرأ أبي بن كعب وابن القعقاع وابن عامر والحسن على
ما زعم هارون ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم ((فلتفرحوا))، و((تجمعون)) بالتاء فيهما على
المخاطبة، وهي قراءة جماعة من السلف كبيرة، وعن أكثرهم خلاف، وقرأ السبعة سوى ابن عامر وأهل
المدينة والأعرج ومجاهد وابن أبي إسحاق وقتادة وطلحة والأعمش: بالياء فيهما على ذكر الغنائب،
ورويت عن الحسن بالتاء من فوق فيهما، وقرأ أبو التياح وأبو جعفر وقتادة: بخلاف عنهم وابن عامر بالياء
في الأولى وبالتاء في الآخرة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وجماعة من السلف ورويت عن النبي صلى الله
عليه وسلم بالياء في الأولى وفي الآخرة، ورويت عن أبي التياح، وإذا تأملت وجوه ذلك بانت على مهيع
الفصيح من كلام العرب ولذلك كثر الخلاف من كل قارىء ، وفي مصحف أبي بن كعب، ((فبذلك
فافرحوا))، وأما من قرأ ((فلتفرحوا))، فأدخل اللام في أمر المخاطب فذلك على لغة قليلة، حكى ذلك أبو علي
في الحجة، وقال أبو حاتم وغيره: الأصل في كل أمر إدخال اللام إذا كان النهي بحرف فكذلك الأمر، وإذا
كان أمراً لغائب بلام، قال أبو الفتح: إلا أن العرب رفضت إدخال اللام في أمر المخاطب لكثرة ترداده،
وقرأ أبو الفتوح والحسن: بكسر اللام من ((فلتفرحوا))، فإن قيل: كيف أمر الله بالفرح في هذه الآية؟ وفد
ورد ذمه في قوله ﴿الفرح فخور﴾ [هود: ١٠]، وفي قوله ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾
[القصص: ٧٦] قيل إن الفرح إذا ورد مقيداً في خير فليس بمذموم وكذلك هو في هذه الآية، وإذا ورد مقيداً
...
١٢٧
تفسير سورة يونس / الآيات : ٥٩ - ٦٣
في شر أو مطلقاً لحقه ذم إذ ليس من أفعال الآخرة بل ينبغي أن يغلب على الإنسان حزنه على ذنبه وخوفه
لربه، وقوله: ﴿مما يجمعون) يريد من مال الدنيا وحطامها الفاني المؤذي في الآخرة.
قوله عز وجل :
قُلْ أَرَءَ يْتُمِ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِّزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلًا قُلْءَ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ
عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُوفَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّأَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ
٦٠
هذه المخاطبة لكفار العرب الذين جعلوا البحائر والسوائب والنصيب من الحرث والأنعام وغير ذلك
مما لم يأذن الله به، وإنما اختلقوه بأمرهم، وقوله تعالى: ﴿أنزل﴾ لفظة فيها تجوز، وإنزال الرزق، إما أن
يكون في ضمن إنزال المطر بالمآل، أو نزول الأمر به الذي هو ظهور الأثر في المخلوق منه المخترع، ثم
أمر الله نبيه بتوقيفهم على أحد القسمين، وهم لا يمكنهم ادعاء إذن الله تعالى في ذلك، فلم يبق إلا أنهم
افتروه، وهذه الآية نحو قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده﴾ [الأعراف: ٣٢]، ذكر
ذلك الطبري عن ابن عباس، وقوله ﴿وما ظن الذين يفترون على الله﴾ الآية، وعيد، لما تحقق عليهم، بتقسيم
الآية التي قبلها، أنهم مفترون على الله، عظم في هذه الآية جرم الافتراء، أي ظنهم في غاية الرداءة
بحسب سوء أفعالهم، ثم ثنى بإيجاب الفضل على الناس في الإمهال لهم مع الافتراء والعصيان: والإمهال
داعية إلى التوبة والإنابة، ثم استدرك ذكر من لا يرى حق الإمهال ولا يشكره ولا يبادر به فيه على جهة الذم
لهم، والآية بعد هذا تعم جميع فضل الله وجميع تقصير الخلق في شكره، لا رب غيره.
قوله عز وجل :
وَمَا تَكُونُ فِ شَأَنٍ وَمَا نَتْلُواْ مِنْهُ مِنْ قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ
فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ
إِلَّفِكِنَبِمُبِينٍ
اٌلَّذِينَ
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
٦١
٦٣
ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ
قصد الآية وصف إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومعنى اللفظ ﴿وما تكون﴾ يا محمد، والمراد هو
وغيره ﴿في شأن﴾ من جميع الشؤون ﴿وما تتلو منه﴾ الضمير عائد على ﴿شأن﴾ أي فيه وبسببه من قرآن،
ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن، ثم عم بقوله ﴿ولا تعملون من عمل﴾، وفي قوله ﴿إلا كنا
عليكم شهوداً﴾، تحذير وتنبيه، و﴿تفيضون﴾ تنهضون بجد، يقال: أفاض الرجل في سيره وفي حديثه،
ومنه الإفاضة في الحج ومفيض القدام، ويحتمل أن ((فاض)) عدي بالهمزة، و﴿يعزب﴾ معناه: يغيب حتى
١٢٨
تفسير سورة يونس / الآيات: ٦١ - ٦٣
يخفى حتى قالوا للبعيد عازب، ومنه قول الشاعر [ابن مقبل]: [الطويل]
عوازب لم تسمع نبوح مقامه ولم تر ناراً تم حول محرم
وقيل للغائب عن أهله: عازب، حتى قالوه لمن لا زوجة له، وفي السير أن بيت سعد بن خيثمة كان
يقال: بيت العزاب، وقرأ جمهور السبعة والناس ((يعزُب)) يضم الزاي، وقرأ الكسائي وحده منهم: ((يعزِب))
بكسرها وهي قراءة ابن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف، قال أبو حاتم: القراءة بالضم، والكسر لغة،
و((المثقال)): الوزن، وهو اسم، لا صفة كمعطار ومضراب، والذر: صغار النمل، جعلها الله مثالاً إذ لا
يعرف في الحيوان المتغذي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه، وقرأ جمهور الناس وأكثر
السبعة: ((ولا أصغرَ ولا أكبر)) بفتح الراء عطفاً على ﴿ذرة﴾ في موضع خفض لكن منع من ظهوره امتناع
الصرف، وقرأ حمزة وحده: ((ولا أصغر ولا أكبر)» عطفاً على موضع قوله ﴿مثقال﴾، لأن التقدير وما يعزب
عن ربك مثقال ذرة، و((الكتاب المبين)): اللوح المحفوظ، كذا قال بعض المفسرين، ويحتمل أن يريد
تحصيل الكتبة، ويكون القصد ذكر الأعمال المذكورة قبل، وتقديم ((الأصغر)) في الترتيب جرى على قولهم:
القمرين والعمرين، ومنه قوله تعالى: ﴿لا يغادر صغيرة ولا كبيرة﴾ [الكهف: ٤٩] والقصد بذلك تنبيه
الأقل وأن الحكم المقصود إذا وقع على الأقل فأحرى أن يقع على الأعظم، و﴿ألا﴾ استفتاح وتنبيه،
و﴿أولياء الله﴾ هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى فهو
داخل في أولياء الله، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي، وإنّما نبهنا هذا التنبيه حذراً من بعض
الوصفية وبعض الملحدين في الولي، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذ سئل عن أولياء الله؟
فقال: الذين إذا رأيتهم ذكرت الله .
قال القاضي أبو محمد: وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون، وروي عن النبي
صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه قال: ((أولياء الله قوم تحابوا في الله واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا
مال يتعاطونه وقوله ﴿لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ يحتمل أن يكون في الآخرة، أي لا يهتمون بهمها
ولا يخافون عذاباً ولا عقاباً ولا يحزنون لذلك، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أي لا يخافون أحداً من
أهل الدنيا ولا من أعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها، والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا
يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي الذي هو في فوت آمالها وزوال منازلها وكذلك في
الحزن، وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث من الأولياء الذين إذا رآهم أحد ذكر الله،
وروي فيهم حديث: ((إن أولياء الله هم قوم يتحابون في الله وتجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير
وجوههم، فهم في عرصة القيامة لا يخافون ولا يحزنون))، وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال: ((إن من عباد الله عباداً ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من الله
قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال: ((قوم تحابوا بروح الله على غير أرحام ولا أموال))، الحديث، ثم قرأ: ﴿ألا إن
أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وقوله ﴿الذين آمنوا﴾ يصح أن يكون في موضع نصب على البدل
من الأولياء، ويصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء على تقديرهم الذين، وكثيراً ما يفعل ذلك بنعت
ما عملت فيه ((أن)) إذا جاء بعد خبرها، ويصح أن يكون ﴿الذين﴾ ابتداء وخبره في قوله ﴿لهم البشرى﴾،
١٢٩
تفسير سورة يونس / الآيات: ٦٤ - ٦٦
وقوله ﴿وكانوا يتقون﴾ لفظ عام في تقوى الشرك والمعاصي.
قوله عز وجل :
لَهُمُ الْبُشْرَىْ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاْ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( أَلَا إِنَّ لَّهِ مَنْ فِى
السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِّ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكَآءَ إِن
ج
يَتَّبِعُونَ إِلَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ
٦٦
أما بشرى الآخرة فهي بالجنة قولاً واحداً وتلك هي الفضل الكبير الذي في قوله ﴿وبشر المؤمنين بأن
لهم من الله فضلاً كبيراً﴾ [الأحزاب: ٤٧] وأما بشرى الدنيا فتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له، روى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو
الدرداء وعمران بن حصين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم على أنه سئل عن ذلك ففسره
بالرؤيا، وعن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: ((لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا
الصالحة))، وروت عنه أم كرز الكعبية أنه قال: ((ذهبت النبوءة وبقيت المبشرات))، وقال قتادة والضحاك:
البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تكون بشرى الدنيا في القرآن من الآيات المبشرات، ويقوى ذلك
بقوله في هذه الآية ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي صلى الله عليه وسلم:
(هي الرؤيا)) إلا إن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى مثالاً من البشرى وهي تعم جميع الناس، وقوله
﴿لا تبديل لكلمات الله﴾ يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره.
قال القاضي أبو محمد: وقد أخذ ذلك عبد الله بن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في
الألفاظ وذلك أنه روي: أن الحجّاج بن يوسف خطب فأطال خطبته حتى قال: إن عبد الله بن الزبير قد بدل
كتاب الله، فقال له عبد الله بن عمر: إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾، فقال
له الحجاج: لقد أعطيت علماً فلما انصرف إليه في خاصته سكت عنه، وقد روي هذا النظر عن ابن عباس
في غير مقاولة الحجّاج، ذكره البخاري، وقوله ﴿ذلك هو الفوز العظيم) إشارة إلى النعيم الذي به وقعت
البشرى. وقوله: ﴿ولا يحزنك﴾، الآية. هذه آية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم، المعنى
ولا يحزنك يا محمد ويهمك قولهم، أي قول كفار قريش، ولفظة القول تعم جحودهم
واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك، ثم ابتدأ بوجوب ﴿إِن العزة لله جميعاً﴾، أي فهم لا يقدرون على شيء
ولا يؤذونه إلا بما شاء الله وهو القادر على عقابهم لا يعازه شيء، ففي الآية وعيد لهم، وكسر ﴿إِن﴾ في
الابتداء ولا ارتباط لها بالقول المتقدم لها، وقال ابن قتيبة لا يجوز فتح ((إن)) في هذا الموضع وهو كفر.
قال القاضي أبو محمد: وقوله هو كفر غلو، وكأن ذلك يخرج على تقدير لأجل أن العزة لله، وقوله:
١٣٠
تفسير سورة يونس / الآيات: ٦٧ - ٧٠
﴿هو السميع﴾ أي لجميع ما يقولونه ﴿العليم) بما في نفوسهم من ذلك، وفي ضمن هذه الصفات تهديد،
ثم استفتح بقوله ﴿ألا إن الله من في السماوات ومن في الأرض﴾ أي بالملك والإحاطة، وغلب من يعقل في
قوله ﴿من﴾ إذ له ملك الجميع ما فيها ومن فيها، وإذ جاءت العبارة بـ ((ما)) فذلك تغليب للكثرة إذ الأكثر عدداً
من المخلوقات لا يعقل، ف﴿من﴾ تقع للصنفين بمجموعهما، ((وما)) كذلك))، ولا تقع لما يعقل إذا تجرد من
الصفات والأحوال، ألا ترى لو ذكرت لك قوله في مسألة فأردت أن تسأل عن قائلها أيجوز في كلام العرب
أن تقول: ما قائل هذا القول؟ هذا ما يتقلده من يفهم كلام العرب، وقوله ﴿وما يتبع﴾ يصح أن تكون ﴿ما﴾
استفهاماً بمعنى التقرير وتوقيف نظر المخاطب، ويعمل ﴿يدعون﴾ في قوله ﴿شركاء﴾ ويصح أن تكون
نافية ويعمل ﴿يتبع﴾ في ﴿شركاء﴾ على معنى أنهم لا يتبعون شركاء حقاً، ويكون مفعول ﴿يدعون﴾
محذوفاً، وفي هذا الوجه عندي تكلف وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ((تدعون)) بالتاء وهي قراءة غير متجهة
وقوله ﴿إن﴾ نافية و﴿يخرصون﴾ معناه يحدسون ويخمنون لا يقولون بقياس ولا نظر، وقرأت فرقة ((ولا
یُحزنك)) من أحزن، وقرأت فرقة ((ولا يحزنك)) من حزن.
قوله عز وجل :
هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِتَسْكُنُوْفِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَيَاتٍ لِّقَوْمِ
صع
يَسْمَعُونَ ﴿ قَالُواْ أَتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدَّأْ سُبْحَنَهُ هُوَ الْغَنِىُّ لَهُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانِ بِهِذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ
مَتَعٌ فِ الدُّنْيَاثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ
٦٩
يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ
اَلْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوايَكْفُرُونَ
٧٠
لما نص عظمة الله تعالى في الآية المتقدمة عقب ذلك في هذه بالتنبيه على أفعاله لتبين العظمة
المحكوم بها قبل، وقوله ﴿لتسكنوا﴾ دال على أن النهار للحركة والتصرف، وكذلك هو في الوجود، وذلك
أن حركة الليل متعذرة بفقد الضوء، وقوله ﴿والنهار مبصراً﴾ مجاز لأن النهار لا يبصر ولكنه ظرف للإبصار،
وهذا موجود في كلام العرب إذ المقصود من ذلك مفهوم، فمن ذلك قول ذي الرمة: [الطويل]
ونمت وما ليل المطي بنائم
لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى
وليس هذا من باب النسب كعيشة راضية ونحوها. وإنما ذلك مثل قول الشاعر: [الكامل]
والليل في بيت منهوت من الساج
أما النهار ففي قيد وسلسلة
فجعل الليل والنهار بهاتین الحالتین ولیس یرید إلا أنه هو فيهما كذلك، وهذا البيت لمسجون کان
يبيت في خشبة السجن، وعلى أن هذا البيت قد ينشد ((أما النهار)) بالنصب، وفى هذه الألفاظ إيجاز وإحالة
على ذهن السامع لأن العبرة هي في أن الليل مظلم يسكن فيه والنهار مبصر يتصرف فيه، فذكر طرف من
:
١٣١
تفسير سورة يونس / الآية : ٧١
هذا والطرف الآخر من الجهة الثانية ودل المذكوران على المتروكين، وهذا كما في قوله تعالى: ﴿ومثل
الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع﴾ [البقرة: ١٧١]. وقوله ﴿يسمعون﴾ يريد ويعون، والضمير
في ﴿قالوا﴾ للكفار العرب وذلك قول طائفة منهم: الملائكة بنات اللّه، والآية بعد تعم كل من قال نحو هذا
القول كالنصارى ومن يمكن أن يعتقد ذلك من الكفرة، و﴿سبحانه﴾: مصدر معناه تنزيهاً له وبراءة من
ذلك، فسره بهذا النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله ﴿هو الغني﴾ صفة على الإطلاق أي لا يفتقر إلى شيء
من الجهات، و((الولد)) جزء مما هو غني عنه، والحق هو قول الله تعالى ﴿أنتم الفقراء إلى الله﴾
[فاطر: ١٥]، وقوله ﴿ما في السماوات﴾، أي بالملك والإحاطة والخلق، و﴿إن﴾ نافية، و((السلطان))
الحجة، وكذلك معناه حيث تكرر من القرآن، ثم وقفهم موبخاً بقوله ﴿أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾،
وقوله ﴿قل إن الذين يفترون على الله﴾ الآية، هذا توعد لهم بأنهم لا يظفرون ببغية ولا يبقون في نعمة إذ
هذه حال من يصير إلى العذاب وإن نعم في دنياه يسيراً، وقوله: ﴿متاع﴾ مرفوع على خبر ابتداء، أي ذلك متاع
أو هو متاع أو على الابتداء بتقدير: لهم متاع، وقوله ﴿ثم إلينا مرجعهم﴾ إلى آخر الآية توعد بحق.
قوله عز وجل :
وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْقَالَ لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرُ عَلَيْكُمْ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ
تَوَكَّلْتُ فَأَحْمِعُواْأَمَْكُمْ وَشُرَكَاءَ كُمْ ثُمَّلَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا تُنْظِرُونِ
٧١
تقدم في الأعراف الكلام على لفظة (نوح) و((المقام)) وقوف الرجل لكلام أو خطبة أو نحوه،
و ((المُقام)) بضم الميم إقامته ساكناً في موضع أو بلد، ولم يقرأ هنا بضم الميم و «تذكيره)): وعظه وزجره،
والمعنى: يا قوم إن كنتم تستضعفون حالي ودعائي لكم إلى الله فإني لا أبالي عنكم لتوكلي على الله تعالى
فافعلوا ما قدرتم عليه، وقرأ السبعة وجمهور الناس وابن أبي إسحاق وعيسى: ((فأجمعوا)) من أجمع الرجل
على الشيء إذا عزم عليه ومنه قول الشاعر: [الكامل]
هل أغدونْ يوماً وأمر مجمع
ومنه قول الآخر: [الخفيف]
أجمعوا أمرهم بليل فلما
أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء
ومنه الحدیث ما لم يجمع مكثاً ومنه قول أبي ذؤيب: [الكامل]
ذكر الورود بها فأجمع أمرَهُ
شوقاً وأقبل حينه يتتبع
وقرأ نافع فيما روى عنه الأصمعي وهي قراءة الأعرج وأبي رجاء وعاصم الجحدري والزهري
والأعمش ((فاجمعوا)) بفتح الميم من جمع إذا ضم شيئاً إلى شيء، و﴿أمركم﴾ يريد به قدرتكم وحياتكم
ويؤيد هذه القراءة قوله تعالى: ﴿فتولى فرعون فجمع كيده﴾ [طه: ٦٠] وكل هؤلاء نصب ((الشركاء))،
ونصب قوله: ﴿شركاءكم﴾، يحتمل أن يعطف على قوله ﴿أمركم﴾، وهذا على قراءة ((فاجمعوا)) بالوصل،
١٣٢
تفسير سورة يونس / الآيتان : ٧٣،٧٢
وأما من قرأ: ((فأجمعوا)) بقطع الألف فنصب ((الشركاء)» بفعل مضمر كأنه قال: وادعوا شركاءكم فهو من
باب قول الشاعر: [المتقارب]
شراب اللبان وتمر وأقط
ومن قول الآخر: [مجزوء الكامل مرفل]
ورأيت زوجك في الوغى:
ومن قول الآخر: [الرجز]
حتى شأت همالة عيناها
متقلداً سيفاً ورميحا
علفتها تبناً وماءً بارداً
وفي مصحف أبي بن كعب: ((فأجمعوا وادعوا شركاءكم))، قال أبو علي: وقد ينتصب ((الشركاء)) بواو
((مع))، كما قالوا جاء البريد والطيالسة، وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام
ويعقوب وأبو عمرو فيما روي عنه ((وشركاؤكم)» بالرفع عطفاً على الضمير في ﴿أجمعوا﴾، وعطف على
الضمير قبل تأكيده لأن الكاف والميم في ﴿أمركم﴾ ناب مناب أنتم المؤكد للضمير، ولطول الكلام أيضاً،
وهذه العبارة أحسن من أن يطول الكلام بغير ضمير، ويصح أن يرتفع بالابتداء والخبر مقدر تقديره
وشركاؤهم فليجمعوا، وقرأت فرقة ((وشركائكم)) بالخفض على العطف على الضمير في قوله: ﴿أمركم﴾،
التقدير وأمر شركائكم، فهو كقول الشاعر [العجّاج]:
ونار توقد بالليل نارا
أكل امرىء تحسبين امرأً
أي وكل نار، والمراد بالشركاء في هذه الآية الأنداد من دون الله، فأضافهم إليهم إذ يجعلونهم شركاء
بزعمهم، وقوله ﴿ثم لا يكن أمركم عليكم غمة﴾، أي ملتبساً مشكلاً، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في
الهلال، «فإن غم علیکم» ومنه قول الراجز:
بغمة لو لم تفرجّ غمّوا
ولو شهدت الناس إذا تكمّوا
وقوله ﴿ثم اقضوا إلي﴾ ومعناه أنفذوا قضاءكم نحوي، وقرأ السدي بن ينعم: ((ثم أفضوا)) بالفاء وقطع
الألف، ومعناه: أسرعوا وهو مأخوذ من الأرض الفضاء أي اسلكوا إلي بكيدكم واخرجوا معي وبي إلى سعة
وجلية، وقوله ﴿ولا تنظرون﴾ أي لا تؤخرون والنظرة التأخير.
قوله عز وجل :
صىے
فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَاسَأَلْشُكُم مِّنْ أَجْرِإِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَيْنَهُ وَمَن مَّعَهُ، فِيِ اَلْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَكَبِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَئِنَا فَأَنْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْنُذّرِينَ
٧٣
١٠
المعنى فإن لم تقبلوا على دعوتي وكفرتم بها وتوليتم عنها، و((التولي)) أصله في البدن ويستعمل في
١٣٣
تفسير سورة يونس / الآيتان : ٧٤، ٧٥
الإعراض عن المعاني، يقول: فأنا لم أسألكم أجراً على ذلك ولا مالاً، فيقع منكم قطع بي وتقصير
بإرادتي، وإنما أجري على الذي بعثني، وقرأ نافع وأبو عمرو بخلاف عنه: ((أجري)) بسكون الياء، وقرأ
(أجريَ)) بفتح الياء الأعرج وطلحة بن مصرف وعيسى وأبو عمرو، وقال أبو حاتم: هما لغتان، والقراءة
بالإسكان في كل القرآن، ثم أخبرهم بأن الله أمره بالإسلام والدين الحنيفي الذي هو توحيد الله والعمل
بطاعته والإعداد للقائه، وقوله ﴿فكذبوه﴾ الآية، إخبار من الله عز وجل عن حال قوم نوح المكذبين له،
وفي ضمن ذلك الإخبار توعد للكفار بمحمد صلى الله عليه وسلم وضرب المثال لهم، أي أنتم بحال هؤلاء
من التكذيب فسيكونون بحالهم من النقمة والتعذيب، و﴿الفلك﴾: السفينة، والمفسرون وأهل الآثار
مجمعون على أن سفينة نوح كانت واحدة، و﴿الفلك﴾ لفظ الواحد منه ولفظ الجمع مستو وليس به وقد
مضى شرح هذا في الأعراف، و﴿خلائف﴾ حمع خليفة، وقوله ﴿فانظر﴾ مخاطبة للنبي صلى الله عليه
وسلم يشاركه في معناها جميع الخلق، وفي هذه الآية أنه أغرق جميع من كذب بآيات الله التي جاء بها
نوح، وهي مقتضية أيضاً أنه أنذرهم فكانوا منذرين، فلو كانوا جميع أهل الأرض كما قال بعض الناس
لاستوى نوح ومحمد صلى الله عليه وسلم في البعث إلى أهل الأرض، ويرد ذلك قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((أعطيت خمساً لم يعطهنْ أحد قبلي)) الحديث. ويترجح بهذا النظر أن بعثة نوح والغرق إنما كان
في أهل صقع لا في أهل جميع الأرض.
قوله عز وجل :
ثُمَّ بَعَتْنَا مِنْ بَعْدِهِ، رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ هَاءُ وهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُوْ لِيُؤْمِنُواْبِمَا كَذَّبُواْبِهِ، مِن قَبْلُ كَذَلِكَ
ثُمَّبَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِئْهِ-ِئَايَئِنَا
نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ﴾
فَأَسْتَكْبَرُواْوَكَانُواْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
٧٥
الضمير في قوله ﴿من بعده﴾ عائد على نوح عليه السلام والضمير في ﴿قومهم﴾ عائد على الرسل،
ومعنى هذه الآيات كلها ضرب المثل لحاضري محمد صلى الله عليه وسلم، أي كما حل بهؤلاء يحل
بكم، و﴿البينات﴾ المعجزات والبراهين الواضحة، والضمير في قوله ﴿كانوا﴾ وفي ﴿ليؤمنوا﴾ عائد على
قوم الرسل، والضمير في ﴿كانوا﴾ عائد على قوم نوح، وهذا قول بعض المتأولين، وقال بعضهم: بل تعود
الثلاثة على قوم الرسل على معنى أنهم بادروا رسلهم بالتكذيب كلما جاء رسول ثم لجوا في الكفر وتمادوا
فلم يكونوا ليؤمنوا بما سبق به تكذيبهم، وقال يحيى بن سلام ﴿من قبل﴾، معناه من قبل العذاب.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا القول بعد، ويحتمل اللفظ عندي معنى آخر وهو أن تكون ((ما))
مصدرية والمعنى فكذبوا رسلهم فكان عقابهم من الله أن لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم من قبل أي من سببه
ومن جراء، ويؤيد هذا التأويل قوله ﴿كذلك نطبع﴾، وقال بعض العلماء: عقوبة التكذيب الطبع على
القلوب، وقرأ جمهور الناس: ((نطبع)) بالنون، وقرأ العباس بن الفضل: ((يطبع)» بالياء، وقوله ﴿كذلك﴾ أي
هذا فعلنا بهؤلاء، ثم ابتدأ ﴿كذلك نطبع﴾ أي كفعلنا هذا و﴿المعتدين﴾ هم الذين تجاوزوا طورهم
١٣٤
تفسير سورة يونس / الآيات: ٧٦ - ٧٨
واجترحوا ما لا يجوز لهم وهي ها هنا في الكفر، والضمير في ﴿بعدهم﴾ عائد على الرسل، والضمير في
﴿ملئه﴾ عائد على ﴿فرعون﴾، والملأ: الجماعة من قبيلة وأهل مدينة، ثم يقال للأشراف والأعيان من
القبيلة أو البلد ملأ، أي هم يقومون مقام الملأ، وعلى هذا الحد هي في قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم في قريش بدر: ((أولئك الملأ»، وكذلك هي في قوله تعالى: ﴿إن الملأ يأتمرون بك﴾
[القصص: ٢٠]. وأما في هذه الآية فهي عامة لأن بعثة موسى وهارون كانت: إلى فرعون وجميع قومه من
شريف ومشروف وقد مضى في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]، ذكر ما بعث إليهم فيه، و((الآيات)): البراهين
والمعجزات وما في معناها، وقوله ﴿فاستكبروا﴾ أي تعظموا وكفروا بها، و (مجرمين﴾ معناه: يرتكبون ما
لم يبح الله ويجسرون من ذلك على الخطر الصعب.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْإِنَّ هَذَا لَسِحْرٌمُبِينٌ ﴾: قَالَ مُوسَىَ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ
قَالُواْأَجِئْتَنَا لِتَلْفِئَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا
٧٧
أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُونَ
اَلْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْ مِنِينَ
٧٨
يريد ب﴿الحق﴾ آيتي العصا واليد، ويدل على ذلك قولهم عندهما: هذا سحر ولم يقولوا ذلك إلا
عندهما ولا تعاطوا إلا مقاومة العصا فهي معجزة موسى عليه السلام التي وقع فيها عجز المعارض، وقرأ
جمهور الناس: ((لسحر مبين))، وقرأ سعيد بن جبير والأعمش: (الساحر مبين)»، ثم حكي عن موسى أنه
وقفهم ووبخهم بقوله ﴿أتقولون للحق لما جاءكم﴾، ثم اختلف المتأولون في قوله ﴿أسحر هذا﴾ فقالت
فرقة: هو حكاية من موسى عنهم على معنى أن قولهم كان ﴿أسحر هذا﴾، ثم اختلف في معنى قول قوم
فرعون: ﴿أسحر هذا﴾ فقال بعضهم: قالها منهم كل مستفهم جاهل بالأمر، فهو يسأل عنه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يضعفه ما ذكر الله قبل عنهم من أنهم صمموا على أنه سحر
بقولهم: ﴿إن هذا لسحر مبين﴾، وقال بعضهم بل قالوا ذلك على معنى التعظيم للسحر الذي رأوه بزعمهم
كما تقول لفرس تراه يجيد الجري: أفرس هذا؟ على معنى التعجب منه والاستغراب وأنت قد علمت أنه
فرس، وقالت فرقة غير هاتين: ليس ذلك حكاية من موسى عنهم بل القول الذي حكاه عنهم مقدر تقديره
أتقولون للحق لما جاءکم سحر.
قال القاضي أبو محمد: أو نحو هذا من التقدير، ثم ابتدأ يوقفهم بقوله: ﴿أسحر هذا﴾ على جهة
التوبيخ، ثم أخبرهم عن الله تعالى أن الساحرين لا يفلحون ولا يظفرون ببغية، ومثل هذا التقدير المحذوف
على هذا التأويل موجود في كلام العرب، ومنه قول ذي الرمة:
فلما لبسن الليل أو حين نصّبت له من خذا آذانها وهو جانح
٠٠ ٢٠٠
يريد أو حين قاربن ذلك، ومنه قول الله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم﴾
١٣٥
تفسير سورة يونس / الآيات: ٧٩ - ٨٢
[الإسراء: ٧] المعنى بعثناهم ليسوءوا، ومثل هذا كثير شائع، وقوله تعالى: ﴿قالوا أجئتنا﴾ الآية، المعنى
قال قوم فرعون لموسى: أجئتنا لتصرفنا وتلوينا وتردنا عن دين آبائنا، يقال لفت الرجل عن الآخر إذا لواه،
ومنه قولهم: التفت فإنه افتعل من لفت عنقه، ومنه قول رؤية: [الرجز]
لفتاً وتهزيعاً سواء اللفت
وقرأ السبعة سوى أبي عمرو فإنه اختلف عنه ((وتكون)) بالتاء من فوق وهي قراءة جمهور الناس، وقرأ
الحسن بن أبي الحسن فيما زعم خارجة وإسماعيل، ((ويكون)) بالياء من تحت ورويت عن أبي عمرو وعن
عاصم وهي قراءة ابن مسعود، و﴿الكبرياء﴾: مصدر مبالغ من الكبر، والمراد به في هذا الموضع الملك،
وكذلك قال فيه مجاهد والضحاك وأكثر المتأولين، لأنه أعظم تكبر الدنيا، ومنه قول الشاعر [ابن الرقاع]:
[الخفيف]
مؤددا غير فاحش لا تدانيــه تجبارة ولا كبرياء
وقوله ﴿بمؤمنين﴾ بمصدقین.
قوله عز وجل :
◌َ فَلَمَاجَآءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىّ أَلْقُواْ مَآ أَنْتُمْ مُلْقُونَ
ھے
وَقَالَ فِرْعَوْنُ أَثْتُونِ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ(
فَلَمَّا أَلْقَوْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحُرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ اَلْمُفْسِدِينَ
٨٠
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَنِّهِ، وَلَوْكَرَةَ الْمُجْرِمُونَ
٨١
٨٢
يخبر أن فرعون قال لخدمته ومتصرفيه: ﴿ائتوني بكل ساحر﴾، هذه قراءة جمهور الناس، وقرأ
طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب وعيسى ((بكل سحار)) على المبالغة، قال أبو حاتم: لسنا نقرأ (سحار))
إلا في سورة الشعراء، فروي أنهم أتوه بسحرة الفرما وغيرها من بلاد مصر حسبما قد ذكر قبل في غير هذه
الآية، فلما ورد السحرة باستعدادهم للمعارضة خيّروا موسى كما ذكر في غير هذه الآية، فقال لهم عن أمر
الله: ﴿ألقوا ما أنتم ملقون)، وقوله تعالى: ﴿فلما ألقوا﴾ الآية، المعنى فلما ألقوا حبالهم وعصيهم وخيلوا
بها وظنوا أنهم قد ظهروا قال لهم موسى هذه المقالة، وقرأ السبعة سوى أبي عمرو ﴿السحر﴾ وهي قراءة
جمهور الناس، وقرأ أبو عمرو ومجاهد وأصحابه وابن القعقاع ﴿به السحر﴾ بألف الاستفهام ممدودة قبل
﴿السحر﴾.
فأما من قرأ ﴿السحر﴾ بغير ألف استفهام قبله فهما﴾ في موضع رفع على الابتداء وهي بمعنى الذي
وصلتها قوله ﴿جئتم به﴾ والعائد الضمير في ﴿به﴾، وخبرها ﴿السحر)، ويؤيد هذه القراءة والتأويل أن في
مصحف ابن مسعود ((ما جئتم به سحر))، وكذلك قرأها الأعمش وهي قراءة أبي بن كعب، ((ما أتيتم به
سحر))، والتعريف هنا في السحر أرتب لأنه قد تقدم منكراً في قولهم ﴿إن هذا لسحر﴾ [يونس: ٧٦] فجاء
هنا بلام العهد كما يقال في أول الرسالة، سلام عليك وفي آخرها والسلام عليك، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾
..-
١٣٦
تفسير سورة يونس / الآيات: ٨٣ - ٨٦
استفهاماً في موضع رفع بالابتداء و﴿جئتم به﴾ الخبر و﴿السحر﴾ خبر ابتداء مضمر تقديره هو السحر إن الله
سيبطله، ووجه استفهامه هذا هو التقرير والتوبيخ، ويجوز أن تكون ﴿ما﴾ في موضع نصب على معنى أي
شيء جئتم و﴿السحر﴾ مرفوع على خبر الابتداء تقدير الكلام أي شيء جئتهم به هو السحر، ﴿إن الله
سيبطله﴾، وأما من قرأ الاستفهام والمد قبل ﴿السحر﴾ فهما﴾ استفهام رفع بالابتداء و﴿جئتم به﴾ الخبر،
وهذا على جهة التقرير، وقوله: ﴿السحر﴾ استفهام أيضاً كذلك، وهو بدل من الاستفهام الأول، ويجوز أن
تكون ﴿ما﴾ في موضع نصب بمضمر تفسيره ﴿جئتم به﴾ تقديره أي شيء جئتم به السحر، وقوله ﴿إن الله
سيبطله﴾ إيجاب عن عدة من الله تعالى، وقوله ﴿إن الله لا يصلح عمل المفسدين)، يصح أن يكون من
كلام موسى عليه السلام، ويصح أن يكون ابتداء خبر من الله تعالى، وقوله ﴿ويحق الله الحق﴾ الآية،
يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام، ويحتمل أن يكون من إخبار الله عز وجل، وكون ذلك كله
من كلام موسى أقرب وهو الذي ذكر الطبري، وأما قوله ﴿بكلماته﴾ فمعناه بكلماته السابقة الأزلية في الوعد
بذلك، قال ابن سلام ﴿بكلماته﴾ بقوله: لا تخف، ومعنى ﴿ولو كره المجرمون﴾ وإن كره المجرمون
والمجرم: المجترم الراكب للخطر.
قوله عز وجل :
فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّاذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَإِنْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَ إِنَّ فِرْعَوْنَ
لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴿ وَقَالَ مُوسَى يَقَوْمِ إِن كَنْتُمْ ءَامَنُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَّكَلُواْ إِنْ كُم
مُسْلِمِينَ ﴿ فَقَالُواْ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿ وَفَجْنَا بَرَحْمَتِكَ
٨٦
مِنَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ
المعنى فما صدق موسى، ولفظة ﴿آمن﴾ تتعدى بالباء، وتتعدى باللام وفي ضمن المعنى الباء،
واختلف المتأولون في عود الضمير الذي في ﴿قومه﴾ فقالت فرقة: هو عائد على موسى، وقالت فرقة هو
عائد على ﴿فرعون﴾، فمن قال إن العود على موسى قال معنى الآية وصف حال موسى في أول مبعثه أنه
لم يؤمن به إلا فتيان وشباب أكثرهم أولو آباء كانوا تحت خوف من فرعون وملأ بني إسرائيل، فالضمير في
(الملأ)) عائد على ((الذرية)) وتكون الفاء على هذا التأويل عاطفة جملة على جملة لا مرتبة، وقال بعض
القائلين بعود الضمير على موسى: إن معنى الآية أن قوماً أدركهم موسى ولم يؤمنوا به وإنما آمن ذريتهم بعد
هلاكهم لطول الزمان، قاله مجاهد والأعمش، وهذا قول غير واضح، وإذا آمن قوم بعد موت آبائهم فلا
معنى لتخصيصهم باسم الذرية، وأيضاً فما روي من أخبار بني إسرائيل لا يعطي هذا، وهيئة قوله ﴿فما
آمن﴾ يعطي تقليل المؤمنين به لأنه نفى الإيمان ثم أوجبه للبعض ولو كان الأكثر مؤمناً لأوجب الإيمان أولاً
ثم نفاه عن الأقل، وعلى هذا الوجه يترجح قول ابن عباس في الذرية إنه القليل لا أنه أراد أن لفظة الذرية
هي بمعنى القليل كما ظن مكي وغيره، وقالت فرقة إنما سماهم ذرية لأن أمهاتهم كانت من بني إسرائيل
وآباؤهم من القبط، فكان يقال لهم الذرية كما قيل لفرس اليمن الأبناء وهم الفرس المنتقلون مع وهرز
١٣٧
تفسير سورة يونس / الآيات : ٨٣ - ٨٦
بسعاية سيف بن ذي يزن، والأمر بكماله في السير، وقال السدي كانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون.
قال القاضي أبو محمد: ومما يضعف عود الضمير على ((موسى)) أن المعروف من أخبار بني إسرائيل
أنهم كانوا قوماً قد تقدمت فيهم النبوات وکانوا في مدة فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا کشفه علی ید
مولود يخرج فيهم يكون نبياً، فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه واتبعوه ولم يحفظ قط أن طائفة
من بني إسرائيل كفرت به فكيف تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن، فالذي يترجح بحسب هذا
أن الضمير عائد على ((فرعون)) ويؤيد ذلك أيضاً ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم على
قولهم هذا سحر، فذكر الله ذلك عنهم، ثم قال ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية﴾ من قوم فرعون الذين هذه
أقوالهم، وروي في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه، قاله ابن عباس،
والسحرة أيضاً فإنهم معدودون في قوم فرعون وتكون القصة على هذا التأويل بعد ظهور الآية والتعجيز
بالعصا، وتكون الفاء مرتبة للمعاني، التي عطفت، ويعود الضمير في ﴿ملئهم﴾ على ((الذرية))، ولاعتقاد
الفراء وغيره عود الضمير على موسى تخبطوا في عود الضمير في ﴿ملئهم﴾، فقال بعضهم: ذكر فرعون
وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود، كما تقول جاء الخليفة وسافر الملك وأنت تريد جيوشه معه، وقال
الفراء: المعنى على خوف من آل فرعون وملئهم وهو من باب ﴿واسأل القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
قال القاضي أبو محمد: وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله ﴿واسأل القرية﴾
[يوسف: ٨٢] هو سائغ بسبب ما يعقل من أن ((اسأل القرية)) لا تسأل، ففي الظاهر دليل على ما أضمر،
وأما ها هنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج معه إلى إضمار، إما أنه ربما احتج أن الضمير المجموع
في ﴿ ملئهم﴾ يقتضي ذلك والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة ولكن لكثرة استعماله
ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص، وقوله ﴿أن يفتنهم﴾ بدل من (فرعون) وهو بدل الاشتمال،
فـ ﴿أن﴾ في موضع خفض، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من أجله، وقرأ الحسن
والجراح، ونبيح ((أن يُفتنهم)) بضم الياء، ثم أخبر عن فرعون بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال
والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين، وقوله تعالى: ﴿وقال موسى - إلى - الكافرين)، ابتداء حكاية قول
موسى لجماعة بني إسرائيل المؤمنين منهم مؤنساً لهم ونادباً إلى التوكل على الله الذي بيده النصر ومسألة
التوكل متشعبة للناس فيها خوضات، والذي أقول: إن التوكل الذي أمرنا له هو مقترن بتسبب جميل على
مقتضى الشرع، وهو الذي في قوله صلى الله عليه وسلم ((قيدها وتوكل)) فقد جعله متوكلاً مع التقييد،
والنبي صلى الله عليه وسلم رأس المتوكلين وقد تسبب عمره كله، وكذلك السلف كله، فإن شذ متوكل فترك
التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها، كمن يدخل غاراً خفياً يتوكل
فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء، وما روي من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله
ضعيف، وللصحيح منه قرائن تسهله، وللمسلمين أجمعين قال الله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا
فضلاً من ربكم﴾ [البقرة: ١٩٨]، ولهم قال ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ [الأنفال: ٢] ليس فيه أنهم يتركون
التسبب جملة واحدة ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب بل كان يغزو ويأخذ سهمه، وأعني بذلك ترك
التسبب في الغذاء، وأما ترك التسبب في الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة، فكيف
1
١٣٨
تفسير سورة يونس / الآيات: ٨٧ - ٨٩
بمن يحتسب، وقال لهم: ﴿إن كنتم آمنتم﴾ مع علمه بإيمانهم على جهة إقامة الحجة وتنبيه الأنفس وإثارة
الأنفة كما تقول، إن كنت رجلاً فقاتل، تخاطب بذلك رجلاً تريد إقامة نفسه، وقوله ﴿إن كنتم مسلمين﴾،
يريد أهل طاعة منضافة إلى الإيمان المشروط، فذكر الإسلام فيه زيادة معنى، ثم ذكر أنه أجاب بنو إسرائيل
بنية التوكل على الله والنطق بذلك، ثم دعوا في أن لا يجعلهم فتنة للظلمة، والمعنى لا تنزل بنا بلاء بأيديهم
أو بغير ذلك مدة مجاورتنا لهم فيفتنون ويعتقدون أن إهلاكنا إنما هو بقصد منك لسوء ديننا وصلاح دينهم
وأنهم أهل الحق، قاله مجاهد وغيره.
قال القاضي أبو محمد: فهذا الدعاء على هذا التأويل يتضمن دفع فصلين، أحدهما القتل والبلاء
الذي توقعه المؤمنون، والآخر ظهور الشرك باعتقاد أهله أنهم أهل الحق، وفي ذلك فساد الأرض، ونحو
هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم، ((ليس الميت أبو امامة اليهود والمشركين يقولون: لو كان نبياً
لم يمت صاحبه))، ويحتمل اللفظ من التأويل وقد قالته فرقة: إن المعنى لا تفتنهم وتبتلهم بقتلنا فتعذبهم
على ذلك في الآخرة وفي هذا التأويل قلق، وباقي الآية بيّن.
قوله عز وجل :
وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَءَ الِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلَوةَ
وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ {لَّ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَلَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا رَيَّنَا لِضْلُّواْ عَن سَبِيلِكَّ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَ لِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُودِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ حَقّ يَرَوْأْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ شَّاقَالَ قَدْ أُجِيبَت دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّبِعَنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
روي أن فرعون أخاف بني إسرائيل وهدم لهم مواضع كانوا اتخذوها للصلاة ونحو هذا، فأوحى الله
إلى موسى وهارون أن اتخذا وتخيرا لبني إسرائيل بيوتاً بمصر، قال مجاهد: ﴿مصر﴾ في هذه الآية
الإسكندرية، ومصر ما بين البحر إلى أسوان، والإسكندرية من أرض مصر، و﴿تبوّآ﴾ معناه كما قلنا تخيراً
واتخذا، وهي لفظة مستعملة في الأماكن وما يشبه بها، ومن ذلك قول الشاعر: [الطويل]
لأنحامها مرعى تبوأ مضجعا
لها أمرها حتى إذا ما تبوأت
وهذا البيت الراعي وبه سمى المراعي ومنه قول امرىء القيس: [الكامل]
يتبوأون مقاعداً لقتالكم كليوثٍ غابٍ ليلهن زئير
وقرأ الناس ((تبوّآ) بهمزة على تقدير تبوعا، وقرأ حفص في رواية هبيرة ((تبويا)) وهذا تسهيل ليس
بقياسي، ولو جرى على القياس لكان بين الهمزة والألف، قوله ﴿قبلة﴾ ومعناه مساجد ، قاله ابن عباس
والربيع والضحاك والنخعي وغيرهم، قالوا: خافوا فأمروا بالصلاة في بيوتهم، وقيل يقابل بعضها بعضاً، قاله
سعيد بن جبير والأول أصوب، وقيل معناه متوجهة إلى القبلة، قاله ابن عباس، ومن هذا حديث عن النبي
١٣٩
تفسير سورة يونس / الآيات: ٨٧ - ٨٩
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خير بيوتكم ما استقبل به القبلة))، وقوله ﴿وأقيموا الصلاة﴾ خطاب لبني
إسرائيل هذا قبل نزول التوراة لأنها لم تنزل إلا بعد إجازة البحر، وقوله ﴿وبشر المؤمنين﴾ أمر لموسى عليه
السلام، وقال مكي والطبري هو أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا غير متمكن، وقوله تعالى ﴿وقال
موسى﴾ الآية، غضب من موسى على القبط ودعاء عليهم فقدم للدعاء تقرير نعم الله عليهم وكفرهم بها،
و﴿آتيت﴾ معناه أعطيت وملكت، وتكرر قوله ﴿ربنا﴾ استغاثة كما يقول الداعي بالله، وقوله ﴿ليضلوا﴾
يحتمل أن يكون لام كي على بابها على معنى آتيتهم الأموال إملاء لهم واستدراجاً فكان الإيتاء كي يضلوا
ويحتمل أن تكون لام الصيرورة والعاقبة، كما قال ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾
[القصص: ٨] والمعنى آتيتهم ذلك فصار أمرهم إلى كذا، وروي عن الحسن أنه قال: هو دعاء ويحتمل
أن يكون المعنى على جهة الاستفهام أي ربنا ليضلوا فعلت ذلك، وفي هذا تقرير الشنعة عليهم.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والحسن والأعرج وشيبة وأبو جعفر ومجاهد وأبو رجاء وأهل
مكة: ((ليضلوا)) بفتح الياء على معنى ليضلوا في أنفسهم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي والأعمش وقتادة
وعيسى والحسن والأعرج بخلاف عنه، ((ليُضلوا)) بضم الياء على معنى ليضلوا غيرهم، وقرأ الشعبي
((ليضلوا)) بكسر الياء، وقرأ الشعبي أيضاً وغيره ((اطمُس)) بضم الميم، وقرأت فرقة ((اطمِس)) بكسر الميم
وهما لغتان، وطمس يطمِس ويطمُس، قال أبو حاتم: وقراءة الناس بكسر الميم والضم لغة مشهورة، معناه
عف وغيره وهو من طموس الأثر والعين وطمس الوجوه، ومنه قول كعب بن زهير: [البسيط]
عرضتها طامس الأعلام مجهول
من كل نضاخة الذفرى إذا عرقت
وروي أنهم حين دعا موسى بهذه الدعوة رجع سكرهم حجارة وزادهم ودنانيرهم وحبوبهم من الأطعمة
رجعت حجارة، قاله محمد بن كعب القرظي وقتادة وابن زيد، وقال مجاهد وغيره، معناه أهلكها ودمرها،
وروي أن الطمسة من آيات موسى التسع، وقوله ﴿أشدد على قلوبهم) بمعنى اطبع واختم عليهم بالكفر،
قاله مجاهد والضحاك، ولما أشار عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أسرى بدر
شبهه بموسى في دعائه على قومه الذين بعث إليهم في هذه الآية وبنوح في قوله ﴿لا تذر على الأرض من
الكافرين دياراً﴾ [نوح: ٢٦]. وقوله ﴿فلا يؤمنوا﴾ مذهب الأخفش وغيره أن الفعل منصوب عطفاً على
قوله ﴿ليضلوا﴾، وقيل هو منصوب في جواب الأمر، وقال الفراء والكسائي: هو مجزوم على الدعاء ومنه
قول الشاعر [الأعشى]: [الطويل]
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني إلَّ وأنفُكَ راغمُ
وجعل رؤية العذاب نهاية وغاية، وذلك لعلمه من قبل الله أن المؤمن عند رؤية العذاب لا ينفعه
إيمانه في ذلك الوقت ولا يخرجه من كفره، ثم أجاب الله هذه الدعوة في فرعون نفسه، قال ابن عباس:
﴿العذاب﴾ هنا الغرق، وقرأ الناس ((دعوتكم))، وقرأالسدي والضحاك «دعواتكما)، وروي عن ابن جريج
ومحمد بن علي والضحاك أن الدعوة لم تظهر إجابتها إلا بعد أربعين سنة. وحينئذ كان الغرق.
قال القاضي أبو محمد: وأعلما أن دعاءهما صادق مقدوراً، وهذا معنى إجابة الدعاء، وقيل لهما
١٤٠
تفسير سورة يونس / الآيات: ٩٠ - ٩٢
﴿لا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ أي في أن تستعجلا قضائي فإن وعدي لا خلف له، وقوله ﴿دعوتكما﴾
ولم يتقدم الدعاء إلا لموسى، وروي أن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى، قاله محمد بن كعب القرظي،
نسب الدعوة إليهما، وقيل كنّى عن الواحد بلفظ التثنية كما قال ((قفا نبكي)) ونحو هذا.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية تتضمن بعد مخاطبتهما من غير شيء، قال علي بن
سليمان قول موسى: ﴿ربنا﴾ دال على أنهما دعوا معاً، وقوله ﴿فاستقيما﴾ أي على ما أمرتما به من الدعاء
إلى الله، وأمرا بالاستقامة وهما عليها للإدامة والتمادي، وقرأ نافع والناس، ((تتّبعان)) بشد التاء والنون على
النهي، وقرأ ابن عامر وابن ذكوان ((تتبعانٌ)) بتخفيف التاء وشد النون، وقرأ ابن ذكوان أيضاً: ((تتبعانٍ)) بشد التاء
وتخفيف النون وكسرها، وقرأت فرقة ((تتبعانْ)) بتخفيفها وسكون النون رواه الأخفش الدمشقي عن أصحابه
عن ابن عامر، فأما شد النون فهى النون الثقيلة حذفت معها نون التثنية للجزم كما تحذف معها الضمة في
لتفعلنّ بعد ألف التثنية وأما تخفيفها فيصح أن تكون الثقيلة خففت ويصح أن تكون نون التثنية ويكون
الكلام خبراً معناه الأمر، أي لا ينبغي أن تتبعا، قال أبو علي: إن شئت جعلته حالاً من استقيما كأنه قال غير
متبعين.
قال القاضي أبو محمد: والعطف يمانع في هذا فتأمله.
قوله عز وجل :
وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَّهِ يلَ الْبَحْرَ فَأَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ
ءَالْكَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ
ج
قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ ءَامَنَتْ بِهِ بنُواْإِسْرَّهِيلَ وَأَنْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَأَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَءَايَةٌ وَإِنَّ كَثِيرًا
٩١
قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
مِّنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ
قرأ الحسن بن أبي الحسن ((وجوّزنا)) بشد الواو، وطرح الألف، ويشبه عندي أن يكون ((جاوزنا)) كتب
في بعض المصاحف بغير ألف، وتقدم القول في صورة جوازهم في البقرة والأعراف، وقرأ جمهور الناس
(فأتبعهم)) لأنه يقال تبع وأتبع بمعنى واحد، وقرأ قتادة والحسن ((فاتّبعهم)) بشد التاء، قال أبو حاتم: القراءة
((أتبع)) بقطع الألف لأنها تتضمن الإدراك، و ((اتّبع)) بشد التاء هي طلب الأثر سواء أدرك أو لم يدرك، وروي
أن بني إسرائيل الذين جاوزوا البحر كانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب قد استقر أولاً بمصر في نيف على
السبعين ألفاً من ذريته فتناسلوا حتى بلغوا وقت موسى العدد المذكور، وروي أن فرعون كان في ثمانمائة
ألف أدهم حاشى ما يناسبها من ألوان الخيل، وروي أقل من هذه الأعداد ..
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والذي تقتضيه ألفاظ القرآن أن بني إسرائيل كان فهم
جمع کثیر في نفسه قلیل بالإضافة إلى قوم فرعون المتبعين، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عموو والكوفيون
وجماعة ﴿عدواً﴾ على مثال غزا غزاً، وقرأ الحسن وقتادة ((غزواً)) على مثال علا علواً، وقوله ﴿أدركه