النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
تفسير سورة التوبة / الآيات: ١٢٧ - ١٢٩
قال القاضي أبو محمد: يعني صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنتها الآية، وهذا والله أعلم
قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مدة أبي بكر حين الجمع الأول وحينئذ فقدت الآيتان ولم يجمع من
القرآن شيء في خلافة عمر، وخزيمة بن ثابت هو المعروف بذي الشهادتين، وعرف بذلك لأن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أمضى شهادته وحده في ابتياع فرس وحكم بها لنفسه صلى الله عليه وسلم، وهذا
خصوص لرسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر النقاش عن أبيّ بن كعب أنه قال أقرب القرآن عهداً بالله
تعالى هاتان الآيتان ﴿لقد جاءكم رسول﴾ إلى آخر الآية.

٠٫
١٠٢
تفسير سورة يونس / الآيتان: ١، ٢
بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيِ
,٠
وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما
◌ُورَةٌ يُونِسَ)
هذه السورة هي مكيّة، قال مقاتل: إلا آيتين وهي قوله تعالى ﴿فإن كنت في شك﴾ [يونس: ٩٤]
نزلت بالمدينة وقال الكلبي هي مكية إلا قوله: ﴿ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به﴾ [يونس: ٤٠]
نزلت في اليهود بالمدينة. وقالت فرقة: نزل من أولها نحو من أربعين آية بمكة وباقيها بالمدينة .
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ
١
قوله عز وجل :
الرَّتِلْكَءَايَتُ اَلْكِتَبِ الْحَكِيمِ !
وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَرَبِهِمْ قَالَ الْكَفِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَحِرٌ مُِّينُ
٢
تقدم في أول سورة البقرة ذكر الاختلاف في فواتح السور. وتلك الأقوال كلها تترتب هنا، وفي هذا
الموضع قول يختص به، قال ابن عباس وسالم بن عبد الله وابن جبير والشعبي: ﴿الر﴾ ﴿وحم﴾ [غافر:
١، فصلت: ١، الشورى: ١، الزخرف: ١، الدخان: ١، الجاثية: ١، الأحقاف: ١] و﴿ن﴾ [القلم: ١]
هو الرحمن قطع اللفظ في أوائل هذه السورة واختلف عن نافع في إمالة الراء والقياس أن لا يمال وكذلك
اختلف القرّاء وعلة من أمال الراء أن يدل بذلك على أنها اسم للحرف وليست بحرف في نفسها وإنما
الحرف ((ر))، وقوله تعالى: ﴿تلك﴾ قيل هو بمعنى هذه وقد يشبه أن يتصل المعنى بـ ﴿تلك﴾ دون أن نقدرها
بدل غيرها والنظر في هذه اللفظة إنما يتركب على الخلاف في فواتح السور فتدبره. و﴿الكتاب﴾ قال
مجاهد وقتادة: المراد به التوراة والإنجيل، وقال مجاهد أيضاً وغيره : المراد به القرآن وهو الأظهر،
و﴿الحكيم﴾ فعيل بمعنى محكم كما قال تعالى: ﴿هذا ما لدي عتيد﴾ [قَ: ٢٣] أي معتد معد،، ويمكن
أن يكون («حكيم)) بمعنى ذو حكمة فهو على النسب، وقال الطبري فهو مثل أليم بمعنى مؤلم ثم قال: هو
الذي أحکمه وبيّنه .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية رضي الله عنه: فساق قولين على أنهما واحد، وقوله:
﴿أكان للناس عجباً﴾ الآية، قال ابن عباس وابن جريج وغيرهما نسبت هذه الآية أن قريشاً استبعدوا أن
يبعث الله رسولاً من البشر، وقال الزجاج: إنما عجبوا من إخباره أنهم يبعثون من القبور إذ النذارة والبشارة
تتضمنان ذلك، وكثر كلامهم في ذلك حتى قال بعضهم: أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبي طالب، ونحو
هذا من الأقاويل التي اختصرتها لشهرتها فنزلت الآية، وقوله: ﴿أكان﴾ تقرير والمراد بـ ((الناس)) قائلو هذه
المقالة، و﴿عجباً﴾ خبر كان واسمها﴿أن أوحينا﴾، وفي مصحف ابن مسعود ((أكان للناس عجب)) وجعل

١٠٣
تفسير سورة يونس / الآيتان: ٢،١
الخبر في قوله ﴿أن أوحينا﴾ والأول أصوب لأن الاسم معرفة والخبر نكرة وهذا القلب لا يصح ولا يجيء إلا
شاذاً ومنه قول حسان : [الوافر]
يكون مزاجها عسلٌ وماء
ولفظة العجب هنا ليست بمعنى التعجب فقط بل معناه أوصل إنكارهم وتعجبهم إلى التكذيب؟
وقرأت فرقة ((إلى رجل)) بسكون الجيم، ثم فسر الوحي وقسمه على النذارة للكافرين والبشارة للمؤمنين،
و((القدم)) هنا ما قدم، واختلف في المراد بها ها هنا فقال ابن عباس ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس
وابن زيد: هي الأعمال الصالحة من العبادات، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هي شفاعة محمد
صلى الله عليه وسلم، وقال زيد بن أسلم وغيره: هي المصيبة بمحمد صلى الله عليه وسلم في موته، وقال
ابن عباس أيضاً وغيره: هي السعادة السابقة لهم في اللوح المحفوظ، وهذا أليق الأقوال بالآية، ومن هذه
اللفظة قول حسان: [الطويل]
لنا القدم العليا إليك وخلْفَنا لأوّلنا في طاعةِ اللهِ تابعُ
وقول ذي الرمة: [الطويل]
لكم قدم لا ينكر الناس أنها مع الحسب العادي طمت على البحر
ومن هذه اللفظة قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة جهنم: ((حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول
قط قط))، أي ما قدم لها من خلقه، هذا على أن الجبار اسم الله تعالى ومن جعله اسم جنس كأنه أراد
الجبارين من بني آدم، فـ ((القدم)) على هذا التأويل الجارحة والصدق في هذه الآية بمعنى الصلاح، كما
تقول رجل صدق ورجل سوء، وقوله ﴿قال الكافرون﴾ يحتمل أن يكون تفسيراً لقوله أكان وحينا إلى بشر
عجباً قال الكافرون عنه كذا وكذا، وذهب الطبري إلى أن في الكلام حذفاً يدل الظاهر عليه تقديره فلما أنذر
وبشر قال الكافرون كذا وكذا، وقرأ جمهور الناس وهي قراءة نافع وأبي عمرو وابن عامر ((إن هذا السحر
مبين))، وقرأ مسروق بن الأجدع وابن جبير والباقون من السبعة وابن مسعود وأبو رزين ومجاهد وابن وثاب
وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر بخلاف، وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه ((إن هذا لساحر»، والمعنى
متقارب، وفي مصحف أبي ((قال الكافرون ما هذا إلا سحر مبين))، وقولهم في الإنذار والبشارة سحر إنما
هو بسبب أنه فرق بذلك كلمتهم وحال بين القريب وقريبه فأشبه ذلك ما يفعله الساحر فظنوه من ذلك
الباب .
قوله عز وجل :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِىِ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَ اُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِرُ الْأَمْرَّمَا مِن شَفِيعِ
إِلَّا مِنْ بَعْدٍ إِذْنِهِ، ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَوُاْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُوُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ

١٠٤
: تفسير سورة يونس / الآيتان: ٣، ٤
٤
كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْيَكْفُرُونَ
هذا ابتداء دعاء إلى عبادة الله عز وجل وإعلام بصفاته، والخطاب بها لجميع الناس، و﴿خلق
السماوات والأرض﴾ هو على ما تقرر أن الله عز وجل خلق الأرض ﴿ثم استوى﴾ إلى السماء وهي دخان
فخلقها، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وقوله ﴿في ستة أيام﴾ قيل هي من أيام الآخرة، وقال الجمهور، وهو الصواب:
بل من أیام الدنيا .
قال القاضي أبو محمد: وذلك في التقدير لأن الشمس وجريها لم يتقدم حينئذ وقول النبي صلى الله
عليه وسلم في خلق الله المخلوقات إن الله ابتدأ يوم الأحد كذا ويوم كذا كذا إنما هو على أن نقدر ذلك
الزمان ونعكس إليه التجربة من حين ابتدأ ترتيب اليوم والليلة والمشهور أن الله ابتدأ بالخلق يوم الأحد،
ووقع في بعض الأحاديث في كتاب مسلم وفي الدلائل أن البداءة وقعت يوم السبت وذكر بعض الناس أن
الحكمة في خلق الله تعالى هذه الأشياء في مدة محدودة ممتدة وفي القدرة أن يقول كن فيكون إنما
هو ليعلم عباده التؤدة والتماهل في الأمور.
قال القاضي أبو محمد: وهذا مما لا يوصل تعليله وعلى هذا هي الأجنة في البطون وخلق الثمار وغير ذلك والله
عز وجل قد جعل لكل شيء قدراً وهو أعلم بوجه الحكمة في ذلك وقوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ قد تقدم
القول فيه في ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] وقوله ﴿يدبر الأمر﴾ يصح أن يريد بـ ﴿الأمر﴾ اسم الجنس من الأمور
ويحتمل أن يريد ﴿الأمر﴾ الذي هو مصدر أمر يأمر، وتدبيره لا إله إلا هو إنما هو الإنفاذ لأنه قد أحاط بكل
شيء علماً . وقال مجاهد ﴿يدبر الأمر﴾ معناه يقضيه وحده، وقوله ﴿ما من شفيع إلا من بعد إذنه﴾ رد على
العرب في اعتقادها أن الأصنام تشفع لها، وقوله ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى الله تعالى أي هذا الذي هذه صفاته
فاعبدوه، ثم قررهم على هذه الآيات والعبر فقال ﴿أفلا تذكرون﴾ أي فيكون التذكر سبباً للاهتداء، واختصار
القول في قوله ﴿ثم استوى على العرش﴾ [إما] أن يكون ﴿استوى﴾ بقهره وغلبته وإما أن يكون ﴿استوى﴾
بمعنى استولى إن صحت اللفظة في اللسان، فقد قيل في قول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراق
إنه بيت مصنوع. وإما أن يكون فعل فعلاً في العرش سماه ﴿استوى﴾، واستيعاب القول قد تقدم،
وقوله ﴿إليه مرجعكم جميعاً﴾ الآية، آية إنباء بالبعث من القبور وهي من الأمور التي جوزها العقل وأثبت
وقوعها الشرع، وقوله ﴿جميعاً﴾ حال من الضمير في ﴿مرجعكم﴾، ﴿وعد الله﴾ نصب على المصدر،
وكذلك قوله ﴿حقاً﴾ وقال أبو الفتح ﴿حقاً﴾ نعت، وقرأ الجمهور ((إنه)) بكسر الألف على القطع
والاستئناف، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع والأعمش وسهل بن شعيب وعبد الله ((أنه)) بفتح الألف، وموضعها
النصب على تقدير أحق أنه، وقال الفراء: موضعها رفع على تقدير يحق أنه.
قال القاضي أبو محمد: يجوز عندي أن يكون ﴿أنه﴾ بدلاً من قوله ﴿وعد الله﴾، قال أبو الفتح: إن
شئت قدرت لأنه يبدأ الخلق أي فمن في قدرته هذا فهو غني عن إخلاف الوعد. وإن
شئت قدرته ((وعد الله حقاً أنه)) ولا يعمل فيه المصدر الذي هو ﴿وعد الله﴾ لأنه قد وصف فإذن

١٠٥
تفسير سورة يونس / الآيتان: ٦،٥
ذلك بتمامه وقطع عمله، وقرأ ابن أبي عبلة ((حقِّ)) بالرفع فهو ابتداء وخبره ((أنه)) وقوله ﴿يبدأ الخلق) يريد
النشأة الأولى، والإعادة هي البعث من القبور، وقرأ طلحة ((يُبدِىء الخلق)) بضم الياء وكسر الدال، وقوله
﴿ليجزي﴾ هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال، وقوله ﴿بالقسط﴾ أي
بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم، وقوله ﴿والذين كفروا﴾ ابتداء و((الحميم)) الحار المسخن وهو فعيل
بمعنى مفعول ومنه الحمام والحمة ومنه قول المرقش :
في كل يوم لها مقطرة وكباء معدة وحميم (١)
وحميم النار فيما ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه،
وهو كما وصفه تعالى ﴿يشوي الوجوه﴾ [الكهف: ٢٩].
قوله عز وجل :
هُوَالَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَنُورًا وَقَدَرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْعَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا
خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَعْلَمُونَ ﴿ إِنَّ فِ أَخْئِلَفِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا
خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ
هذا استمرار على وصف آيات الله والتنبيه على صنعته الدالة على الصانع، وهذه الآية تقتضي أن
((الضياء)) أعظم من ((النور)) وأبهى بحسب ﴿الشمس﴾ ﴿والقمر﴾، ويلحق ها هنا اعتراض وهو أنّا وجدنا
الله تعالى شبه هداه ولطفه بخلقه بالنور فقال ﴿الله نور السماوات والأرض﴾ [النور: ٣٥]، وهذا يقتضي أن
النور أعظم هذه الأشياء وأبلغها في الشروق وإلا فلم ترك التشبيه إلا على الذي هو ((الضياء)) وعدل إلى
الأقل الذي هو (النور))، فالجواب عن هذا والانفصال: أن تقول إن لفظة النور أحكم وأبلغ في قوله ﴿الله
نور السماوات والأرض﴾ [النور: ٣٥]، وذلك أنه تعالى شبه هداه ولطفه الذي نصبه لقوم يهتدون وآخرين
يضلون معه بالنور الذي هو أبداً موجود في الليل وأثناء الظلام، ولو شبهه بالضياء لوجب أن لا يضل أحد إذ
كان الهدى يكون مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة، فمعنى الآية أن الله تعالى قد جعل هداه في الكفر
كالنور في الظلام فيهتدي قوم ويضل آخرون، ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد وبقي الضياء
على هذا الانفصال أبلغ في الشروق كما اقتضت آيتنا هذه والله عز وجل هو ضياء السماوات والأرض ونورها
وقيومها، ويحتمل أن يعترض هذا الانفصال والله المستعان، وقوله ﴿وقدره منازل﴾ يريد البروج المذكورة
في غير هذه الآية، وأما الضمير الذي رده على ﴿القمر﴾ وقد تقدم ذكر ﴿الشمس﴾ معه فيحتمل أن يريد
بالضمير ((القمر)) وحده لأنه هو المراعى في معرفة ﴿عدد السنين والحساب﴾ عند العرب ويحتمل أن
يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب. لكنه اجتزأ بذكر الواحد
كما قال ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ [التوبة: ٦٢] وكما قال الشاعر [أبو حيان]: [الطويل]
بريّاً ومن أجل الطويّ رماني
رماني بذنب كنت منه ووالدي

١٠٦
تفسير سورة يونس / الآيات: ٧ - ١٠
قال الزجّاج وكما قال الآخر: [المنسرح]
ـدك راض والرأي مختلفُ
نحن بما عندنا وأنت بما عن
وقوله ﴿لتعلموا﴾ المعنى قدر هذين النيرين، ﴿منازل﴾ لكي ﴿تعلموا﴾ بها، ﴿عدد السنين
والحساب﴾ رفقاً بكم ورفعاً للالتباس في معاشكم وتجركم وإجاراتكم وغير ذلك مما يضطر فيه إلى معرفة
التواريخ، وقوله ﴿ما خلق الله ذلك إلا بالحق﴾ أي للفائدة لا للعب والإهمال فهي إذاً يحق أن تكون كما
هي، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية حفص ((يفصل الآيات))، وقرأ ابن كثير أيضاً وعاصم
والباقون والأعرج وأبو جعفر وشيبة وأهل مكة والحسن والأعمش ((نفصل)) بنون العظمة، وقوله ﴿لقوم
يعلمون﴾ إنما خصهم لأن نفع التفصيل فيهم ظهر وعليهم أضاء وإن كان التفصيل إنما وقع مجملاً للكل
معداً ليحصله الجميع، وقرأ جمهور السبعة وقد رويت عن ابن كثير((ضياء))، وقرأ ابن كثير وحده فيما روي
أيضاً عنه ((ضئاء)) بهمزتين، وأصله ضياء فقلبت فجاءت ضئائاً، فقلبت الياء همزة لوقوعها بين ألفين، قال
أبو علي: وهي غلط، وقوله تعالى ﴿إن في اختلاف الليل والنهار﴾ الآية، آية اعتبار وتنبيه، ولفظه الاختلاف.
تعم تعاقب الليل والنهاروكونهما خلفه وما يتعاورانه من الزيادة والنقص وغير ذلك من لواحق سير الشمس
وبحسب أقطار الأرض، قوله ﴿وما خلق الله في السماوات والأرض﴾ لفظ عام لجميع المخلوقات،
و((الآيات)) العلامات والدلائل، وخصص ((القوم المتقين)) تشريفاً لهم إذ الاعتبار فيهم يقع ونسبتهم إلى
هذه الأشياء المنظور فيها أفضل من نسبة من لم يهتد ولا اتقى .
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَ نَاوَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَئِنَا غَفِلُونَ
◌َ أُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ (٣) إِنَّالَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَِّحَتِ
٧
◌َدَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ
يَهْدِ يهِوْرَبُهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ
اَللَّهُمَّ وَتَحِيِّئُهُمْ فِيهَا سَلَمْ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
١٠
قال أبو عبيدة وتابعه القتبي وغيره، ﴿يرجون﴾ في هذه الآية بمعنى يخافون واحتجوا ببيت أبي
ذؤيب: [الطويل]
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها وخالفها في بيت نوب عواسل
وحكى المهدوي عن بعض أهل اللغة وقال ابن سيده والفراء: إن لفظة الرجاء إذا جاءت منفية فإنها
تكون بمعنى الخوف، وحكي عن بعضهم أنها تكون بمعناها في كل موضع تدل عليه قرائن ما قبله وما
بعده، فعلى هذا التأويل معنى الآية: إن الذين لا يخافون لقاءنا، وقال ابن زيد: هذه الآية في الكفار،
وقال بعض أهل العلم: ((الرجاء)) في هذه الآية على بابه، وذلك أن الكافر المكذب بالبعث ليس يرجو
رحمة في الآخرة ولا يحسن ظناً بأنه يلقى الله ولا له في الآخرة أمل، فإنه لو كان له فيها أمل لقارنه لا محالة

١٠٧
تفسير سورة يونس / الآيات: ٧ - ١٠
خوف، وهذه الحال من الخوف المقارن هي القائدة إلى النجاة، والذي أقول: إن الرجاء في كل موضع
على بابه وإن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها فهو يبني عليه ويصبر إذ يعلم أنه لا بد منه، وقوله
﴿ورضوا بالحياة الدنيا﴾ يريد كانت آخر همهم ومنتهى غرضهم، وأسند الطبري عن قتادة أنه قال في تفسير
هذه الآية: إذا شئت رأيت هذا الموصوف، صاحب دنيا لها يغضب ولها يرضى ولها يفرح ولها يهتم
ويحزن، فكأن قتادة صورها في العصاة ولا يترتب ذلك إلا مع تأول الرجاء على بابه، إذ قد يكون العاصي
المجلح مستوحشاً من آخرته، فأما على التأويل الأول فمن لا يخاف لقاء الله فهو كافر، وقوله ﴿واطمأنوا
بها﴾ تكميل في معنى القناعة بها والرفض لغيرها لأن الطمأنينة بالشيء هي زوال التحرّك إلى غيره ، وقوله
﴿والذين هم عن آياتنا غافلون﴾ يحتمل أن يكون ابتداء إشارة إلى فرقة أخرى من الكفار وهؤلاء على هذا
التأويل أضل صفقة لأنهم ليسوا أهل دنيا بل غفلة فقط، ثم حتم عليهم بالنار وجعلها ﴿مأواهم﴾، وهو
حيث يأوي الإنسان ويستقر، ثم جعل ذلك بسبب كسبهم واجتراحهم، وفي هذه اللفظة رد على الجبرية
ونص على تعلّق العقاب بالتكسب الذي للإنسان، وقوله تعالى :
﴿إن الذين آمنوا﴾. الآية لما قرر تبارك وتعالى حالة الفرقة الهالكة عقب ذلك بذكر حالة الفرقة
الناجية ليتضح الطريقان ويرى الناظر فرق ما بين الهدى والضلال، وهذا كله لطف منه بعباده، وقوله
﴿يهديهم) لا يترتب أن يكون معناه يرشدهم إلى الإيمان لأنه قد قررهم مؤمنين فإنما الهدى في هذه الآية
على أحد وجهين: إما أن يريد أنه يديمهم ويثبتهم، كما قال ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا﴾ [النساء: ١٣٦] فإنما معناه
اثبتوا، وإما أن يريد يرشدهم إلى طرق الجنان في الآخرة، وقوله: ﴿بإيمانهم﴾ يحتمل أن يريد بسبب إيمانهم.
ويكون مقابلاً لقوله قبل ﴿مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾، ويحتمل أن يكون الإيمان هو نفس الهدى،
أي يهديهم إلى طرق الجنة بنور إيمانهم، قال مجاهد: يكون لهم إيمانهم نوراً يمشون به ويتركب هذا
التأويل على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن العبد المؤمن إذا قام من قبره للحشر تمثل له رجل
جميل الوجه طيّب الرائحة فيقول: من أنت؟ فيقول أنا عملك الصالح فيقوده إلى الجنة، وبعكس هذا في
الكافر)»، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره وقوله ﴿تجري من تحتهم الأنهار) يريد من تحت علياتهم وغرفهم وليس
التحت الذي هو بالمماسة بل يكون إلى ناحية من الإنسان كما قال تعالى: ﴿جعل ربك تحتك سرياً﴾ [مريم: ٢٤]
وكما قال حكاية عن فرعون ﴿وهذه الأنهار تجري من تحتي﴾ [الزخرف: ٥١] وقوله ﴿دعواهم) الآية، الدعوى
بمعنى الدعاء يقال دعا الرجل وادعى بمعنى واحد، قاله سيبويه، ﴿وسبحانك اللهم﴾ تقديس وتسبيح
وتنزيه لجلاله عن كل ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك: هي كلمات رضيها الله تعالى
لنفسه، وقال طلحة بن عبيد الله: قلت يا رسول الله، ما معنى سبحان الله؟ فقال: معناها تنزيه الله من
السوء، وقد تقدم ذكر خلاف النحاة في ﴿اللهم﴾، وحكي عن بعض المفسرين أنهم رأوا أن هذه الكلمة
إنما يقولها المؤمن في الجنة عندما يشتهي الطعام فإنه إذا رأى طائراً أو غير ذلك قال: ﴿سبحانك اللهم﴾
فنزلت تلك الإرادة بين يديه فوق ما اشتهى، رواه ابن جريج وسفيان بن عيينة، وقوله ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾
يريد تسليم بعضهم على بعض، و((التحية)) مأخوذة من تمني الحياة للإنسان والدعاء بها، يقال حياه يحييه،
ومنه قول زهير بن جناب: [مجزوء الكامل]
۔
۔

١٠٨
تفسير سورة يونس / الآيتان: ١٢،١١
من كل ما نال الفتى قدنلته إلا التحيه
يريد دعاء الناس للملوك بالحياة، وقد سمي الملك تحية بهذا التدريج ومنه قول عمروبن
معدیکرب :
أنيخ على تحيته بجندي
أزور أبا قابوس حتى
أراد علي مملكته وقال بعض العلماء ﴿وتحيتهم﴾ يريد تسليم الله عز وجل عليهم، و ((السلام)) مأخوذ
من السلامة، وقوله ﴿وآخر دعواهم﴾ يريد وخاتمة دعواهم في كل موطن وكلامهم شكر الله تعالى وحمده
على سابغ نعمه، وكانت بدأتهم بالتنزيه والتعظيم، وقرأ جمهور الناس ((أن الحمد لله)) وهي عند سيبويه
((أن)) المخففة من الثقيلة، وقرأ ابن محيصن وبلال بن أبي بردة ويعقوب وأبو حيوة ((أنّ الحمد لله))، وهي
على الوجهين رفع على خبر الابتداء، قال أبو الفتح: هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة هي أن
المخففة من الثقيلة بمنزلة الأعشى : [البسيط]
في فتية كسيوف الهند قد علموا أنْ هالك كلُّ من يحفى وينتعل
قوله عز وجل :
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ أَسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا
يَرْجُونَ لِقَاءَ نَا فِي طُغْيَنِمْ يَعْمَهُونَ ﴿ وَإِذَامَسَ الْإِنْسَنَ اُلُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْقَاعِدًا
أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّمَسَةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ
١٢
يَعْمَلُونَ
هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا، فأخبر الله تعالى أنه
لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم، ثم
حذف بعد ذلك من القول جملة يتضمنها الظاهر، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون
فاقتضب القول وتوصّل إلى هذا المعنى بقوله ﴿فنذر الذين لا يرجون لقاءنا﴾ فتأمل هذا التقدير تجده
صحيحاً، و﴿استعجالهم﴾ نصب على المصدر، والتقدير مثل استعجالهم، وقيل: التقدير تعجيلًا مثل
استعجالهم، وهذا قريب من الأول، وقيل إن هذه الآية نزلت في قوله ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من
عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ [الأنفال: ٣٢] وقيل نزلت في قوله ﴿آتنا بما تعدنا﴾ [الأعراف: ٧٧] وما
جرى مجراه، وقرأ جمهور القراء ((لقُضي)) على بناء الفعل للمفعول ورفع ((الأجلُ))، وقرأ ابن عامر وحده
وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب، ((لقضى)) على بناء الفعل للفاعل ونصب ((الأجلَ))، وقرأ الأعمش:
(قضينا))، و((الأجل) في هذا الموضع أجل الموت، ومعنى قضى في هذه الآية أكمل وفرغ، ومنه قول أبي
ذؤيب: [الكامل]
٠٠
ودتان قضاهما داودُ أوْ صَنْعُ السوابغِ تبع

١٠٩
تفسير سورة يونس / الآيات: ١٣ - ١٥
وأنشد أبو علي في هذا المعنى: [الطويل]
فوائح في أكمامها لم تفتق
قضیت أموراً ثم غادرت بعدها
وتعدّى ((قضى)) في هذه الآية بـ((إلى)) لما كان بمعنى فرغ، وفرغ يتعدى بإلى ويتعدى باللام، فمن ذلك
قول جرير:
فصرت على جماعتها عذابا
ألانَ فقد فرغت إلى نَمَير
ومن الآخر قوله عز وجل ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١] وقرأ الأعمش: ((فنذر الذين لا
يرجون لقاءنا))، و﴿يرجون﴾ في هذا الموضع على بابها والمراد الذين لا يؤمنون بالبعث فهم لا يرجون لقاء
الله، والرجاء مقترن أبداً بخوف، ((والطغيان)) الغلو في الأمر وتجاوز الحد، و((العمه)) الخبط في ضلال،
فهذه الآية نزلت ذامة لخلق ذميم هو في الناس، يدعون في الخير فيريدون تعجيل الإجابة فيحملهم أحياناً
سوء الخلق على الدعاء في الشر، فلو عجل لهم لهلكوا، وقوله تعالى: ﴿وإذا مسّ الإنسان الضر﴾ الآية،
هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخلق من بعض الناس، ومضمنه النهي عن مثل هذا والأمر بالتسليم إلى
الله تعالى والضراعة إليه في كل حال والعلم بأن الخير والشر منه لا رب غيره، وقوله ﴿لجنبه﴾ في موضع
حال كأنه قال: مضطجعاً، ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان والعامل فيه ﴿مس﴾، ويجوز أن يكون حالاً
من ضمير الفاعل في ﴿دعانا﴾ والعامل فيه دعا وهما معنيان متباينان، و﴿الضر﴾ لفظ لجميع الأمراض،
والرزايا في النفس والمال والأحبة هذا قول اللغويين، وقيل هو مختص برازيا البدن: الهزال والمرض،
وقوله ﴿مر﴾ يقتضي أن نزولها في الكفار ثم هي بعد تتناول كل من دخل تحت معناها من كافر أو عاص،
فمعنى الآية ﴿مر﴾ في إشراكه بالله وقلة توكله عليه، وقوله ﴿زين) إن قدرناه من الله تعالى فهو خلقه الكفر
لهم واختراعه في نفوسهم صحبة أعمالهم الفاسدة ومثابرتهم عليها، وإن قدرنا ذلك من الشيطان فهو بمعنى
الوسوسة والمخادعة، ولفظة التزيين قد جاءت في القرآن بهذين المعنيين من فعل الله تعالى ومرة من فعل
الشياطين.
قوله عز وجل :
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَاُلْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءَ تُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ وَمَاكَانُوْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ
نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٣) ثُمَّ جَعَلْنَكُمْ خَِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِ هِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ()
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَانُنَا بَيِّنَتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَآءَ نَا أَتْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ
قُلْ مَا يَكُونُ لِّ أَنْ أَبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآٍ نَفْسِىّ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّ مَا يُوحَىّ إِلَىَّ إِنِىَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ
١٥
رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
هذه الآية وعيد للكفار وضرب أمثال لهم، أي كما فعل هؤلاء فعلكم فكذلك يفعل بكم ما فعل بهم،
1

١١٠
تفسير سورة يونس / الآيات: ١٦ - ١٨
وقوله ﴿وما كانوا ليؤمنوا﴾ إخبار عن قسوة قلوبهم وشدّة كفرهم، وقرأ جمهور السبعة وغيرهم: ((نجزي))
بنون الجماعة، وفرقة ((يجزي)) بالياء على معنى يجزي اللّه، و﴿خلائف﴾ جمع خليفة، وقوله ﴿لننظر﴾
معناه لنبين في الوجود ما علمناه أزلاً، لكن جرى القول على طريق الإيجاز والفصاحة والمجاز، وقرأ
يحيى بن الحارث وقال: رأيتها في الإمام مصحف عثمان، ((لنظر)) بإدغام النون في الظاء، وقال عمر بن
الخطاب رضي الله عنه: إن الله تعالى إنما جعلنا خلفاء لينظر كيف عملنا فأروا الله حسن أعمالكم في السر
والعلانية، وكان أيضاً يقول: قد استخلفت يا ابن الخطاب فانظر كيف تعمل؟ وأحياناً كان يقول قد
استخلفت يا ابن أم عمر، قوله تعالى ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات﴾ الآية، هذه الآية نزلت في قريش
لأن بعض كفارهم قال هذه المقالة على معنى ساهلنا يا محمد واجعل هذا الكلام الذي هو من قبلك على
اختيارنا وأحل ما حرمته وحرم ما حللته ليكون أمرنا حينئذ واحداً وكلمتنا متصلة، فذم الله هذه الصنعة
وذكرهم بأنهم يقولون هذا للآيات البيّنات، ووصفهم بأنهم لا يؤمنون بالبعث، ثم أمر الله نبيه عليه السلام
أن يرد عليهم بالحق الواضح وأن يستسلم ويتبع حكم الله تعالى ويعلم بخوفه ربه، و((اليوم العظيم)) يوم
القيامة .
قوله عز وجل :
قُل لَّوْشَاءَ اللَّهُ مَاتَلَوَّتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَنِكُمْ بِهِ، فَقَدْ لَبِثْتُ فِيِكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ:
أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبً أَوْكَذَّبَ بِئَايَتِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ
١٧
اُلْمُجْرِمُونَ
هَؤُلَاءِ شُفَعَتُؤْنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتْنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ
١٨
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
هذه من كمال الحجة أي هذا الكلام ليس من قبلي ولا من عندي وإنما هو من عند الله، ولو شاء ما
بعثني به ولا تلوته عليكم ولا أعلمتكم به، و﴿أدراكم﴾ بمعنى أعلمكم يقال دریت بالأمر وأدریت غيري،
وهذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه: ((ولا دراكم به)) وهي لام تأكيد دخلت على
أدرى، والمعنى على هذا ولا علمكم به من غير طريقي وقرأ ابن عباس وابن سيرين وأبو رجاء والحسن ((ولا
أدرأتكم به))، وقرأ ابن عباس أيضاً وشهر بن حوشب: ((ولا أنذرتكم به))، وخرج الفراء قراءة ابن عباس
والحسن على لغة لبعض العرب منها قولهم: لبأت بمعنى لبيت، ومنها قول امرأة منهم: رثأت زوجي
بأبيات أي رئيت. وقال أبو الفتح إنما هي ((أدريتكم)) قلبت الياء ألفاً لانفتاح ما قبلها، وروينا عن قطرب:
أن لغة عقيل في أعطيتك أعطأتك، قال أبو حاتم: قلبت الياء ألفاً كما في لغة بني الحارث بن كعب: السلام
علاك، ثم قال ﴿فقد لبثت فيكم عمراً من قبله﴾ أي الأربعين سنة قبل بعثته عليه السلام، ويريد لم تجربوني في
كذب ولا تكلمت في شيء من هذا ﴿أفلا تعقلون﴾ أن من كان على هذه الصفة لا يصح منه كذب بعد أن
كلا عمره وتقاصر أمله واشتدت حنكته وخوفه لربه، وقرأ الجمهور بالبيان في ((لبثت))، وقرأ أبو عمرو:

١١١
تفسير سورة يونس / الآيات: ١٩ - ٢١
((لبت)) بإدغام الثاء في التاء، وقوله ﴿فمن أظلم) الآية، جاء في هذه الآية التوقيف على عظم جرم المفتري
على الله بعد تقدم التنصل من ذلك قيل، فاتسق القول واطردت فصاحته، وقوله ﴿فمن أظلم﴾ استفهام
وتقرير أي لا أحد أظلم ﴿ممن افترى على الله كذباً﴾، أو ممن ﴿كذب بآياته﴾ بعد بيانها، وذلك أعظم
جرم على الله وأكثر استشراف إلى عذابه، ثم قرر ﴿إنه لا يفلح﴾ أهل الجرم، و﴿يفلح﴾ معناه يظفر ببغيته،
وقوله ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم) الآية، الضمير في ﴿يعبدون﴾ عائد على الكفار من قريش
الذين تقدّمت محاورتهم، و﴿ما لا يضرهم ولا ينفعهم﴾ هي الأصنام، وقولهم ﴿هؤلاء شفعاؤنا﴾ هو
مذهب النبلاء منهم، فأمر الله تعالى نبيه عليه السلام أن يقررهم ويوبخهم أهم يعلمون الله بأنباء من
السماوات والأرض لا يعلمها هو؟ وذكر ﴿السماوات﴾ لأن من العرب من يعبد الملائكة والشعرى،
وبحسب هذا حسن أن يقول: ﴿هؤلاء﴾، وقيل ذلك على تجوز في الأصنام التي لا تعقل، وفي التوقيف
على هذا أعظم غلبة لهم، ولا يمكنهم ألا أن يقولوا: لا نفعل ولا نقدر، وذلك لهم لازم من قولهم:
﴿هؤلاء شفعاؤنا﴾، و﴿سبحانه﴾ استئناف تنزيه الله عز وجل، وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر هنا: ((عما
يشركون)) بالياء على الغيبة، وفي حرفين في النحل وحرف في الروم وحرف في النمل، وذكر أبو حاتم أنه
قرأها كذلك نافع والحسن والأعرج وابن القعقاع وشيبة وحميد وطلحة والأعمش، وقرأ ابن كثير ونافع هنا
وفي النمل فقط ((تشركون)) بالتاء على مخاطبة الحاضر، وقرأ حمزة والكسائي الخمسة الأحرف بالتاء وهي
قراءة أبي عبد الرحمن.
قوله عز وجل :
وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَةً وَحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ
فِيمَافِيهِ يَخْتَلِّفُونَ ﴿ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ، فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ
فَأَنْتَظِرُ وَاْ إِّ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَظِرِينَ (®) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّنْ بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَتْهُمْ إِذَا لَهُم
ج
مَّكْرٌ فِى ءَايَاتِنَّا قُلِ اَللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْنُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ
٢١
قالت فرقة: المراد آدم كان أمة واحدة ثم اختلف الناس بعد في أمر ابنيه وقالت فرقة: المراد نسم بنيه إذ
استخرجهم الله من ظهره وأشهدهم على أنفسهم، وقالت فرقة: المراد آدم وبنوه من لدن نزوله إلى قتل أحد
ابنيه الآخر، وقالت فرقة: المراد ﴿وما كان الناس إلا أمة واحدة﴾ في الضلالة والجهل بالله فاختلفوا فرقاً
في ذلك بحسب الجهالة، ويحتمل أن يكون المعنى كان الناس صنفاً واحداً معداً للاهتداء، واستيفاء
القول في هذا متقدم في سورة البقرة في قوله ﴿كان الناس أمة واحدة﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقرأ الحسن بن
أبي الحسن وأبو جعفر ونافع وشيبة وأبو عمرو ((لقُضِي بينهم)) بضم القاف وكسر الضاد، وقرأ عيسى بن عمر
(قَضى)) بفتحهما على الفعل الماضي، وقوله ﴿ولولا كلمة سبقت من ربك﴾ يريد قضاءه وتقديره لبني آدم
بالآجال الموقتة، ويحتمل أن يريد ((الكلمة)) في أمر القيامة وأن العقاب والثواب إنما كان حينئذ، وقوله
تعالى: ﴿ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه﴾ الآية، يريدون بقولهم ﴿آية من ربه﴾ آية، تضطر الناس

١١٢
-
تفسير سورة يونس / الآية: ٢٢
إلى الإيمان وهذا النوع من الآيات لم يأت بها نبي قط ولا هي المعجزات اضطرارية وإنما هي معرضة للنظر
ليهتدي قوم ويضل آخرون، وقوله ﴿فقل إنما الغيب لله﴾ إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل لا يطلع على غيبه
أحد، وقوله ﴿فانتظروا﴾ وعيد قد صدقه الله تعالى بنصرته محمداً صلى الله عليه وسلم، قال الطبري: في
بدر وغيره، وقوله ﴿وإذا أذقنا الناس) الآية، المراد ب﴿الناس) في هذه الآية الكفار وهي بعد تتناول من
العاصين من لا يؤدي شكر الله تعالى عند زوال المكروه عنه ولا يرتدع بذلك عن معاصيه، وذلك في
الناس كثير، و((الرحمة)) هنا بعد الضراء، كالمطر بعد القحط والأمن بعد الخوف والصحة بعد المرض ونحو
هذا مما لا ينحصر، و((المكر)) الاستهزاء والطعن عليها من الكفار، واطراح الشكر والخوف من العصاة،
ووصف مكر الله بالسرعة وإن كان الاستدراج بمهلهم لأنه متيقن به واقع لا محالة، وكل آت قريب، قال أبو
حاتم: قرأ الناس ((أن رسُلنا)) بضم السين، وخفف السين الحسن وابن أبي إسحاق وأبو عمرو، وقال أبو علي
﴿اسرع﴾ من سرع ولا يكون من أسرع يسرع، قال ولو كان من أسرع لكان شاذاً.
قال القاضي أبو محمد: وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في نار جهنم ((لهي أسود من القار)»
وما حفظ للنبي صلى الله عليه وسلم فليس بشاذ. وقرأ الحسن والأعرج ونافع وقتادة ومجاهد ((تمكرون)) بتاء
على المخاطبة وهي قراءة أهل مكة وشبل وأبي عمرو وعيسى وطلحة وعاصم والأعمش والجحدري
وأيوب بن المتوكل، ورويت أيضر عن نافع والأعرج، قال أبو حاتم: قال أيوب بن المتوكل: في مصحف
أبيّ ((يا أيها الناس إن الله أسرع مكراً وإن رسله لديكم يكتبون ما تمكرون)).
قوله عز وجل :
هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُمْ فِيِ الْبَرِّوَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيجِ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَ تَّهَا
رِيعُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْأَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمٌ دَعَواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
لَبِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَ مِنَ الشَِّكِينَ
هذه الآية تتضمن تعديد النعمة فيما هي الحال بسبيله من ركوب البحر، وركوبه وقت حسن الظن به
للجهاد والحج متفق على جوازه، وكذلك لضرورة المعاش بالصيد فيه أو لتصرف التجر، وأما ركوبه لطلب
الغنى والاستكثار فمكروه عند الأكثر، وغاية مبيحة أن يقول وتركه أحسن، وأما ركوبه في ارتجاجه فمكروه
ممنوع وفي الحديث: ((من ركب البحر في ارتجاجه فقد برئت منه الذمة)). وقال النبي صلى الله عليه وسلم
((البحر لا أركبه أبداً)). وقرأ جمهور القراء من السبعة وغيرهم ((يسيركم)) قال أبو علي. وهو تضعيف مبالغة
لا تضعيف تعدية، لأن العرب تقول : سرت الرجل وسيّته ومنه قول الهذلي: [الطويل]
فلا تجزعنْ من سُنة أنت سرتها وأول راض سنة من يسيرها
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا البيت اعتراض حتى لا يكون شاهداً في هذا. وهو أن يجعل
الضمير كالظرف كما تقول سرت الطريق وهذه قراءة الجمهور من سير، وكذلك هي في مصحف ابن
مسعود، وفي مصحف أبي شيخ وقال عوف بن أبي جميلة قد: كان يقرأ ((ينشركم)) فغيرها الحجاج بن

١١٣
تفسير سورة يونس / الآية : ٢٣
يوسف ((يسيركم))، قال سفيان بن أبي الزعل: كانوا يقرأون ((ينشركم)) فنظروا في مصحف ابن عفان
فوجدوها ((يسيركم))، فأول من كتبها كذلك الحجاج، وقرأ ابن كثير في بعض طرقه ((يسيركم)) من أسار،
وقرأ ابن عامر وحده من السبعة ((يَنْشُركم)) بفتح الياء وضم الشين من النشر والبث، وهي قراءة زيد بن ثابت
والحسن وأبي العالية وأبي جعفر وعبد الله بن جبير بن الفصيح وأبي عبد الرحمن وشيبة، وروي عن الحسن
أنه قرأ ((يُنشِركم)) بضم الياء وكسر الشين وقال: هي قراءة عبد الله، قال أبو حاتم: أظنه غلط، و﴿الفلك﴾
جمع فلك وليس باسم واحد للجميع والفرد ولكنه فعل جمع على فُعل، ومما يدل على ذلك قولهم فلكان
في التثنية وقراءة أبي الدرداء وأم الدرداء ((في الفلكي)» على وزن فعليّ بياء نسب وذلك كقولهم أشقري
وكدواري في دور الدهر وكقول الصلتان أنا الصلتاني، وقوله ﴿وجرين﴾ علامة قليل العدد، وقوله ﴿بهم﴾
خروج من الحضور إلى الغيبة، وحسن ذلك لأن قولهم: ﴿كنتم في الفلك﴾ هو بالمعنى المعقول حتى إذا
حصل بعضهم في السفن، و((الريح)) إذا أفردت فعرفها أن تستعمل في العذاب والمكروه، لكنها لا يحسن
في البحر أن تكون إلا واحدة متصلة لا نشراً، فقيدت المفردة ((بالطيب)) فخرجت عن ذلك العرف وبرع
المعنى، وقرأ ابن أبي عبلة ((جاءتهم ريح عاصف))، والعاصف الشديدة من الريح، يقال: عصفت الريح،
وقوله ﴿وظنوا﴾ على بابه في الظن لكنه ظن غالب مفزع بحسب أنه في محذور، وقوله ﴿دعوا الله﴾ أي
نسوا الأصنام والشركاء وجردوا الدعاء لله، وذكر الطبري في ذلك عن بعض العلماء حكاية قول العجم:
هيا شراهيا ومعناه يا حي يا قيوم، قال الطبري: جواب قوله ﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين﴾: ﴿جاءتها
ريح عاصف﴾، وجواب قوله: ﴿وظنوا أنهم أحيط بهم﴾: ﴿دعوا الله مخلصين﴾.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا أَنْجَنُهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقُّ ◌َأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُم مَّتَعَ
٢٣
اَلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَنْ جِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ نَعْمَلُونَ
﴿يبغون): أي يفسدون ويكفرون، والبغي: التعدي والأعمال الفاسدة، ووكد ذلك بقوله: ﴿بغير
الحق﴾، ثم ابتدأ بالرجز وذم البغي في أوجز لفظ، وقوله (متاعُ الحياة)) رفع، وهذه قراءة الجمهور وذلك
على خبر الابتداء، والمبتدأ ﴿بغيكم﴾، ويصح أن يرتفع ﴿متاع﴾ على خبر ابتداء مضمر تقديره ذلك متاع
أو هو متاع، وخبر ((البغي)) قوله ﴿على أنفسكم)، وقرأ حفص عن عاصم وهارون عن ابن كثير وابن أبي
إسحاق: ((متاعَ)) بالنصب وهو مصدر في موضع الحال من ((البغي))، وخبر البغي على هذا محذوف تقديره:
مذموم أو مكروه ونحو هذا، ولا يجوز أن يكون الخبر قوله ﴿على أنفسكم) لأنه كان يحول بين المصدر وما
عمل فيه بأجنبي، ويصح أن ينتصب ﴿متاع﴾ بفعل مضمر تقديره: تمتعون متاع الحياة الدنيا، وقرأ ابن أبي
إسحاق. ((متاعاً الحياة الدنيا)) بالنصب فيهما، ومعنى الآية إنما بغيكم وإفسادكم مضر لكم وهو في حالة
الدنيا ثم تلقون عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عيينة: ﴿إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا﴾ أي
تعجل لكم عقوبته في الحياة الدنيا، وعلى هذا قالوا: البغي يصرع أهله.

١١٤
تفسير سورة يونس / الآية: ٢٤.
قال القاضي أبو محمد: وقالوا: الباغي مصروع، قال الله تعالى: ﴿ثم بغي عليه لينصرنه اللّه﴾
[الحج: ٦٠] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من ذنب أسرع عقوبة من بغي)). وقرأت فرقة ((فننبئكم))
على ضمير المعظم المتكلم وقرأت فرقة: ((فينبئكم))، على ضمير الغائب، والمراد الله عز وجل.
قوله عز وجل :
إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاكَمَاءٍ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ
حََّإِذَا أَخَذَتِاٌ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَا أَتَنِهَا أَمْرُ نَالَيْلًا
أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ يَنَفَكَّرُونَ (
٢٤
المعنى: ﴿إنما مثل﴾ تفاخر الحياة الدنيا وزينتها بالمال والبنين إذ يصير ذلك إلى الفناء كمطر نزل
من السماء ﴿فاختلط﴾، ووقف هنا بعض القراء على معنى، فاختلط الماء بالأرض ثم استأنف به ﴿نبات
الأرض﴾ على الابتداء والخبر المقدم، ويحتمل على هذا أن يعود الضمير في ﴿به) على ((الماء)) أو على
((الاختلاط)) الذي يتضمنه القول. ووصلت فرقة فرفع ((النباتُ)) على ذلك بقوله ﴿اختلط﴾ أي اختلط النبات
بعضه ببعض بسبب الماء، وقوله ﴿مما يأكل الناس﴾، يريد الزروع والأشجار ونحو ذلك، وقوله
﴿والأنعام﴾ يريد سائر العشب المرعي، و﴿أخذت الأرض﴾، لفظة كثرت في مثل هذا كقوله ﴿خذوا
زينتكم﴾ [الأعراف: ٣١] و ((الزخرف)) التزين بالألوان، وقد يجيء الزخرف بمعنى الذهب إذ الذهب منه،
وقرأ مروان بن الحكم وأبو جعفر والسبعة وشيبة ومجاهد والجمهور: ﴿وازينت﴾ أصله: تزينت سكنت التاء
لتدغم فاحتيج إلى ألف الوصل وقرأ ابن مسعود والأعمش وأبيّ بن كعب ((وتزينت)) وهذه أصل قراءة
الجمهور. وقرأ الحسن وأبو العالية والشعبي وقتادة ونصر بن عاصم وعيسى (وأزينت)) على معنى حضرت"
زينتها كما تقول أحصد الزرع، ((وأزينت)) على مثال أفعلت وقال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا
يقرؤونها ((وازيانت)) النون شديدة والألف ساكنة قبلها، وهي قراءة أبي عثمان النهدي، وقرأت فرقة
((وأزيأنت))، وهي لغة منها قول الشاعر [ابن كثير]: [الطويل]
إذا ما الهوادي بالغبيطِ آحْمارَّتِ
وقرأت فرقة ((وازاينت)) والمعنى في هذا كله ظهرت زينتها، وقوله ﴿وظن أهلها﴾ على بابها.
والضمير في ﴿عليها﴾ عائد على ﴿الأرض)، والمراد ما فيها من نعمة ونبات، وهذا الكلام فيه تشبيه جملة
أمر الحياة الدنيا بهذه الجملة الموصوفة أحوالها، و﴿حتى﴾ غاية وهي حرف ابتداء لدخولها على ﴿إذا﴾
ومعناها متصل إلى قوله ﴿قادرون عليها﴾، ومن بعد ذلك بدأ الجواب، والأمر الآتي واحد الأمور كالريح
والصر والسموم ونحو ذلك، وتقسيمه ﴿ليلا أو نهاراً﴾ تنبيه على الخوف وارتفاع الأمن في كل وقت،
و﴿حصيداً﴾: فعيل بمعنى مفعول وعبر بـ((حصيد)) عن التالف الهالك من النبات وإن لم يهلك بحصاد إذا
الحكم فيهما واحد وكأن الآفة حصدته قبل أوانه، وقوله ﴿كأن لم تغن﴾ أي كأن لم تنعم ولم تنضر ولم تغر.

١١٥
تفسير سورة يونس / الآيات: ٢٥ - ٢٧
بغضارتها وقرأ قتادة ((يغن)) بالياء من تحت يعني الحصيد، وقرأ مروان ((كأن لم تتغن)) بتاءين مثل تتفعل
والمغاني المنازل المعمورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]
بها يقتدننا الخرد الخذالا
وقد نغنى بها ونرى عصوراً
وفي مصحف أبي بن كعب ((كأن لم تغن بالأمس وما كنا لنهلكها إلا بذنوب أهلها كذلك نفصل
الآيات))، رواها عنه ابن عباس، وقيل: إن فيه ((وما كان الله ليهلكها إلا بذنوب أهلها))، وقرأ أبو الدرداء
((لقوم يتذكرون)) ومعنى الآية التحذير من الاغترار بالدنيا، إذ هي معرضة للتلف وأن يصيبها ما أصاب هذه
الأرض المذكورة بموت أو غيره من رزايا الدنيا، وخص ((المتفكرين)) بالذكر تشريفاً للمنزلة وليقع التسابق
إلى هذه الرتبة.
قوله عز وجل :
صے
وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيمٍ
لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ
٢٥
وَالَّذِينَ كَسَبُواْ
وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَاذِلَّةُ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ◌ِلَّةٌ مَالَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِةٍ كَأَنَمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا
٢٧
مِّنَ الَيْلِ مُظْلِمَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِّدُونَ
نصت هذه الآية أن الدعاء إلى الشرع عام في كل بشر، والهداية التي هي الإرشاد مختصة بمن قدر
إيمانه، و﴿السلام﴾ قيل: هو اسم الله عز وجل، فالمعنى يدعو إلى داره التي هي الجنة، وإضافتها إليه
إضافة ملك إلى مالك، وقيل: ﴿السلام) بمعنى السلامة، أي من دخلها ظفر بالسلامة وأمن الفناء
والآفات، وهذه الآية رادة على المعتزلة، وقد وردت في دعوة الله تعالى عباده أحاديث منها رؤيا النبي صلى
الله عليه وسلم إذ رأى في نومه جبريل وميكائيل ومثلا دعوة الله ومحمداً الداعي والملة المدعو إليها والجنة
التي هي ثمرة الغفران بالمادية يدعو إليها ملك إلى منزله. وقال قتادة فى كلامه على هذه الآية ذكر لنا أن في
التوراة مكتوباً ((يا باغي الخير هلم ويا باغي الشر انته)). وقوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾
الآية، قالت فرقة وهي الجمهور: ﴿الحسنى﴾ الجنة و((الزيادة)) النظر إلى وجه الله عز وجل، وروي في نحو
ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه صهيب، وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وحذيفة
وأبي موسى الأشعري وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال:
(الزيادة)) غرفة من لؤلؤة واحدة، وقالت فرقة ﴿الحسنى﴾ هي الحسنة، و((الزيادة)) هي تضعيف الحسنات
إلى سبعمائة فدونها حسبما روي في نص الحديث، وتفسير قوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾
[البقرة: ٢٦١]، وهذا قول يعضده النظر ولولا عظم القائلين بالقول الأول لترجح هذا القول، وطريق
ترجيحه أن الآية تتضمن اقتراناً بين ذكر عمال الحسنات وعمال السيئات، فوصف المحسنين بأن لهم
حسنى وزيادة من جنسها، ووصف المسيئين بأن لهم بالسيئة مثلها فتعادل الكلامان، وعبر عن الحسنات

١١٦
تفسير سورة يونس / الآيات: ٢٨ - ٣٠
بـ ﴿الحسنى﴾ مبالغة، إذ هي عشرة، وقال الطبري: ﴿الحسنى﴾ عام في كل حسنى فهي تعم جميع ما قيل،
ووعد الله تعالى على جميعها بالزيادة، ويؤيد ذلك أيضاً قوله: ﴿أولئك أصحاب الجنة﴾، ولو كان معنى
﴿الحسنى﴾ الجنة لكان في القول تكرير بالمعنى، على أن هذا ينفصل عنه بأنه وصف المحسنين بأن لهم الجنة
وأنهم لا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، ثم قال ﴿أولئك أصحاب الجنة﴾ على جهة المدح لهم، أي أولئك
مستحقوها وأصحابها حقاً وباستيجاب، و﴿يرهق﴾ معناه يغشى مع ذلة وتضييق، والقتر الغبار المسود،
ومنه قول الشاعر [الفرزدق]: [البسيط]
موج ترى وسطه الرايات والقترا
متوج برداء الملك يتبعه
وقرأ الحسن وعيسى بن عمر والأعمش وأبو رجاء ((قَتْر)) بسكون التاء، وقوله: ﴿والذين كسبوا
السيئات﴾ الآية، اختلف النحويون في رفع ((الجزاء)) بم هو؟ فقالت فرقة: التقدير لهم جزاء سيئة بمثلها،
وقالت فرقة: التقدير جزاء سيئة مثلها والباء زائدة.
قال القاضي أبو محمد: ويتوجه أن يكون رفع ((الجزاء)) على المبتدأ وخبره في ﴿الذين﴾ لأن ﴿الذين)
معطوف على قوله ﴿للذين أحسنوا﴾، فكأنه قال والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها، وعلى الوجه
الآخر فقوله ﴿والذين كسبوا السيئات﴾ رفع بالابتداء، وتعم ﴿السيئات﴾ ها هنا الكفر والمعاصي، فمثل
سيئة الكفر التخليد في النار، ومثل سيئة المعاصي مصروف إلى مشيئة الله تعالى. و((العاصم)) المنجي، ومنه
قوله تعالى: ﴿إلى جبل يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣]. و﴿أغشيت﴾ كسيت ومنه الغشاوة، و((القطع))
جمع قطعة، وقرأ ابن كثير والكسائي ((قطعة)) من الليل بسكون الطاء، وقرأ الباقون بفتح الطاء، و((القطع))
الجزء من الليل ومنه قوله تعالى: ﴿فاسر بأهلك بقطع من الليل﴾ [هود: ٨١] وهذا يراد به الجزء من زمان
الليل، وفي هذه الآية الجزء من سواده، و﴿مظلماً﴾، نعت لـ((قطع))، ويجوز أن يكون حالاً من الذكر الذي
في قوله ﴿من الليل﴾، فإذا كان نعتاً فكان حقه أن يكون قبل الجملة ولكن قد يجيء بعدها، وتقدير الجملة
قطعاً استقر من الليل مظلماً على نحو قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب أنزلناه مبارك﴾ [الأنعام: ١٥٥] ومن قرأ
((قطعاً)) على جمع قطعة فنصب ((مظلماً)) على الحال ﴿من الليل﴾ والعامل في الحال ﴿من﴾ إذ هي العامل
في ذي الحال، وقرأ أبي بن كعب، ((كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل وظلم))، وقرأ ابن أبي عبلة («قطّع
من الليل مظلم» بتحريك الطاء في قطع.
قوله عز وجل :
وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّنَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَّكُوْ مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَّكَافَكُمْ فَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَّكَآؤُهُم
٢٩
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَفِلِن
(٢٨
مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ
هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوَاْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ(
٣٠
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم والحسن وشيبة وغيرهم، ((نحشرهم)) بالنون، وقرأت فرقة:

١١٧
تفسير سورة يونس / الآيات: ٣١ - ٣٣
((يحشرهم)) بالياء، والضمير في ((يحشرهم)) عائد على جميع الناس محسنين ومسيئين، و﴿مكانكم﴾ نصب
على تقدير لازموا مكانكم وذلك مقترن بحال شدة وخزي، و﴿مكانكم﴾ في هذا الموضع من أسماء الأفعال
إذ معناه قفوا واسكنوا، وهذا خبر من الله تعالى عن حالة تكون لعبدة الأوثان يوم القيامة يؤمرون بالإقامة في
موقف الخزي مع أصنامهم ثم ينطق الله الأصنام بالتبري منهم. وقوله: ﴿وشركاؤكم﴾، أي الذين تزعمون
أنتم أنهم شركاء لله، فأضافهم إليهم لأن كونهم شركاء إنما هو بزعم هؤلاء، وقوله ﴿فزيلنا بينهم﴾ معناه فرقنا في
الحجة والمذهب وهو من زلت الشيء عن الشيء أزيله، وهو تضعيف مبالغة لا تعدية، وكون مصدر زيل
تزييلا، يدل على أن زيل إنما هو فعل لا فيعل، لأن مصدره كان يجيء على فيعلة، وقرأت ((فزايلنا))،
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار إذا رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب قيل لهم اتبعوا ما
كنتم تعبدون فيقولون كنا نعبد هؤلاء فتقول الأصنام: والله ما كنا نسمع ولا نعقل وما كنتم إيانا تعبدون﴾
فيقولون والله لإياكم كنا نعبد فتقول الآلهة ﴿فكفى بالله شهيداً﴾ الآية.
قال القاضي أبو محمد: وظاهر هذه الآية أن محاورتهم إنما هي مع الأصنام دون الملائكة
وعيسى بن مريم بدليل القول لهم ﴿مكانكم أنتم وشركاؤكم﴾ ودون فرعون ومن عبد من الجن بدليل قولهم
﴿إن كنا عن عبادتكم الغافلين﴾، وهؤلاء لم يغفلوا قط عن عبادة من عبدهم، و﴿أنتم﴾ رفع بالابتداء والخبر
موبخون أو مهانون، ويجوز أن يكون ﴿أنتم﴾ تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو قفوا أو
نحوه. و﴿شهيداً﴾ نصب على التمييز، وقيل على الحال، ((وإنْ)) هذه عند سيبويه هي مخففة موجبة حرف
ابتداء ولزمتها اللام فرقاً بينها وبين ((إن)) النافية، وقال الفراء: ((إن)) بمعنى ما واللام بمعنى إلا، و﴿هنالك﴾
نصب على الظرف، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ((تبلرا)) بالباء بواحدة بمعنى اختبر،
وقرأ حمزة والكسائي ((تتلوا)) بالتاء بنقطتين من فوق بمعنى تتبع أي تطلب وتتبع ما أسلفت من أعمالها،
ويصح أن يكون بمعنى تقرأ كتبها التي ترفع إليها، وقرأ يحيى بن وثاب ((وردوا)) بكسر الراء والجمهور
((وردوا إلى الله))، أي ردوا إلى عقاب مالكهم وشديد بأسه، فهو مولاهم في الملك والإحاطة لا في
الرحمة والنصر ونحوه.
قوله عز وجل :
قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَيْتِ
وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ وَمَن يُدَّبِرُالْأَمْرَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ ﴿ فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ
اْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَلُ فَأَنَّى تُصْرِفُونَ ﴿ كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ
٣٣
فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
هذا توقيف وتوبيخ واحتجاج لا محيد عن التزامه، و﴿من السماء﴾ يريد بالمطهر ومن ﴿الأرض﴾
يريد بالإنبات ونحو ذلك، و﴿يملك السمع والأبصار﴾، لفظ يعم جلة الإنسان ومعظمه حتى أن ما
عداهما من الحواس تبع، ﴿ويخرج الحي من الميت﴾ الجنين من النطفة، والطائر من البيضة، والنبات من

١١٨
تفسير سورة يونس / الآيات: ٣٤ - ٣٦
الأرض إذ له نمو شبيه بالحياة، ﴿ويخرج الميت من الحي﴾، مثل البيضة من الطائر ونحو ذلك، وقد تقدم
فيما سلف إيعاب القول في هذه المعاني، و((تدبير الأمر)) عام لهذا وغيره من جميع الأشياء، وذلك استقامة
الأمور كلها عن إرادته عز وجل، وليس تدبيره بفكر ولا روية وتغيرات تعالى عن ذلك بل علمه محيط كامل
دائم، ﴿فسيقولون الله﴾ لا مندوحة لهم عن ذلك، ولا تمكنهم المباهتة بسواه، فإذا أقروا بذلك ﴿فقل أفلا
تتقون). في افترائكم وجعلكم الأصنام آلهة: وقوله تعالى ﴿فذلكم الله ربكم) الآية، يقول: فهذا الذي
هذه صفاته ﴿ربكم الحق﴾ أي المستوجب للعبادة والألوهية، وإذا كان ذلك فتشريك غيره ضلال وغير
حق، وعبارة القرآن في سوق هذه المعاني تفوت كل تفسير براعة وإيجازاً وإيضاحاً، وحكمت هذه الآية بأنه
ليس بين الحق والضلال منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله وكذلك هو الأمر في نظائرها، وهي
مسائل الأصول التي الحق فيها في طرف واحد، لأن الكلام فيها إنما هو في تقرير وجود ذات كيف
وهي، وذلك بخلاف مسائل الفروع التي قال الله تعالى فيها ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾
[المائدة: ٤٨] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات))،
و﴿الحق﴾ في هذه في الطرفين لأن المتعبدين إنما طلبوا بالاجتهاد لا بعين في كل نازلة ويدلك على أن
((الحق)) في الطرفين اختلاف الشرائع بتحليل وتحريم في شيء واحد، والكلام في مسائل الفروع إنما هو
في أحكام طارئة على وجود ذات متقررة لا يختلف فيها وإنما يختلف في الأحكام المتعلقة بالمشترع،
وقوله: ﴿فأنى تصرفون﴾ تقرير كما قال ﴿فأين تذهبون﴾ [التكوير: ٢٦] ثم قال: ﴿كذلك حقت﴾ أي كما
كانت صفات الله كما وصف وعبادته واجبة كما تقرر وانصراف هؤلاء كما قدر عليهم وتكسبوا ﴿كذلك
حقت﴾، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم، وحمزة والكسائي هنا وفي آخر السورة ((كلمة)) على الإفراد الذي
يراد به الجمع كما يقال للقصيدة كلمة، فعبر عن وعيد الله تعالى بكلمته، وقرأ نافع وابن عامر في
الموضعين المذكورين ((كلمات))، وهي قراءة أبي جعفر وشيبة بن نصاح، وهذه الآية إخبار أن في الكفار
من حتم بكفره وقضى بتخليده، وقرأ ابن أبي عبلة، ((إنهم)) بكسر الألف.
قوله عز وجل :
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَابِكُ مَن يَبْدَؤُ أْخَلْقَ ثُمَ يُعِيدُ هُ قُلِ اللّهُ يَبْدَؤُأْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ فَّى تُؤْفَكُونَ (٦) قُلْ هَلْ
مِنْ شُرَكَاِكُمَنِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُنَّبَعَ أَمَّنَلَّا يَهَدِّىّ
وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَأَ يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ
٣٥
إِلَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُرْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ
٣٦
اُللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ
هذا توقيف أيضاً على قصور الأصنام وعجزها، وتنبيه على قدرة الله عز وجل، و((بدء الخلق)) يريد به
إنشاء الإنسان في أول أمره، و((إعادته)) هي البعث من القبور، و﴿تؤفكون﴾ معناه: تصرفون وتحرمون،
تقول العرب: أرض مأفوكة إذا لم يصبها مطر فهي بمعنى الخيبة والقلب، كما قال ﴿والمؤتفكة أهوى﴾
[النجم: ٥٣] وقوله تعالى ﴿قل هل من شركائكم من يهدي﴾ الآية، ﴿يهدي إلى الحق) يريد به يبين

---.
١١٩
تفسير سورة يونس / الآيتان: ٣٨،٣٧
الطرق والصواب ويدعو إلى العدل ويفصح بالآيات ونحو هذا، ووصف الأصنام بأنها لا تهدي إلا أن
تهدى، ونحن نجدها لا تهتدي وإن هديت، فوجه ذلك أنه عامل في العبارة عنها معاملتهم في وصفها
بأوصاف من يعقل وذلك مجاز وموجود في كثير من القرآن، وذكر ذلك أبو علي الفارسي، والذي أقول: إن
قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى أمن لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحد بهداية من عند
الله، وأما على غيرها من القراءات التي مقتضاها ((أمن لا يهتدي إلا أن يهدى)) فيتجه المعنى على ما تقدم
لأبي علي الفارسي، وفيه تجوز كثير، وقال بعضهم: هي عبارة عن أنها لا تنتقل إلا أن تنقل، ويحتمل أن
يكون ما ذكر الله من تسبيح الجمادات هو اهتداؤها ويحتمل أن يكون الاستثناء في اهتدائها إلى مناكرة
الكفار يوم القيامة، حسبما مضى في هذه السورة، وقراءة حمزة والكسائي هي ((يَهْدي)) بفتح الياء وسكون
الهاء، وقرأ نافع وأبو عمرو وشيبة والأعرج وأبو جعفر ((يَهْدَي)) بسكون الهاء وتشديد الدال، وقرأ ابن كثير
وابن عامر ((يَهَدي)) بفتح الياء والهاء، وهذه أفصح القراءات، نقلت حركة تاء ((يهتدي» إلى الهاء وأدغمت
التاء في الدال، وهذه رواية ورش عن نافع وقرأ عاصم في رواية حفص ((يَهِدّي)) بفتح الياء وكسر الهاء
وشد الدال، أتبع الكسرة الكسرة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، ((يهدّي))، بكسر الياء والهاء وشد الدال
وهذا أيضاً إتباع وقال مجاهد: اللّه يُهدي من الأوثان وغيرها ما شاء.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وقرأ يحيى بن الحارث الزماري. ((إلا أن يهدّي)) بفتح الهاء
وشد الدال، ووقف القراء ﴿فما لكم﴾، ثم يبدأ ﴿كيف تحكمون﴾، وقوله ﴿وما يتبع أكثرهم﴾، إخبار عن
فساد طرائقهم وضعف نظرهم وأنه ظن، ثم بين منزلة الظن من المعارف وبعده من الحق، و﴿الظن﴾ في
هذه الآية على بابه في أنه معتقد أحد جائزين لكن ثم ميل إلى أحدهما دون حجة تبطل الآخر، وجواز ما
اعتقده هؤلاء إنما هو بزعمهم لا في نفسه. بل ظنهم محال في ذاته. و﴿الحق﴾ أيضاً على بابه في أنه
معرفة المعلوم على ما هو به. وبهذه الشروط ((لا يغني الظن من الحق شيئاً)). وأما في طريق الأحكام التي
تعبد الناس بظواهرها فيغني الظن فى تلك الحقائق ويصرف من طريق إلى طريق. والشهادة إنما هي
مظنونة. وكذلك التهم في الشهادات وغيرها تغني. وليس المراد في هذه الآية هذا النمط. وقرأ جمهور
الناس. ((يفعلون)). وقرأ عبد الله بن مسعود ((تفعلون)) بالتاء على مخاطبة الحاضر.
قوله عز وجل :
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْءَانُ أَنْ يُفْتَرَى مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ اُلْكِتَبِ لَاَرَيْبَ
◌َ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَهُ قُلْ فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ اُسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ
فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
إِنَ كُمُ صَدِقِينَ
٣٨
هذا نفي قول من قال من قريش إن محمداً يفتري القرآن وينسبه إلى الله تعالى، وعبر عن ذلك
بهذه الألفاظ التي تتضمن تشنيع قولهم وإعظام الأمر كما قال تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾
[آل عمران: ١٦١] وكما قال حكاية عن عيسى عليه السلام ﴿ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق﴾

١٢٠
تفسير سورة يونس / الآيتان: ٣٨،٣٧
[المائدة: ١١٦] ونحو هذا مما يعطي المعنى والقرائن والبراهين استحالته، و﴿يفترى﴾ معناه: يختلق
وينشأ، وكأن المرء يفريه من حديثه أي يقطعه ويسمه سمة، فهو مشتق من فريت إذا قطعت لإصلاح،
و﴿تصديق﴾ نصب على المصدر والعامل فيه فعل مضمر، وقال الزجّاج: هو خبر ((كان)) مضمرة، والتقدير
ولكن كان تصديق الذي بين يديه، وقوله ﴿الذي بين يديه﴾ يريد التوارة والإنجيل، والذي بين اليد هو
المتقدم للشيء، وقالت فرقة في هذه الآية: إن الذي بين يديه هي أشراط الساعة وما يأتي من الأمور.
قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ، والأمر بالعكس كتاب الله تعالى بين يدي تلك، أما أن الزجاج
تحفظ فقال: الضمير يعود على الأشراط، والتقدير ولكن تصديق الذي بين يديه القرآن.
قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً قلق، وقيام البرهان على قريش حينئذ إنما كان في أن يصدق
القرآن ما في التوراة والإنجيل مع أن الآتي بالقرآن ممن يقطعون أنه لم يطالع تلك الكتب ولا هي في بلده
ولا في قومه، و﴿تفصيل الكتاب﴾ هو تبيينه، و﴿لا ريب فيه﴾ يريد هو في نفسه على هذه الحالة وإن ارتاب
مبطل فذلك لا يلتفت إليه، وقوله ﴿أم يقولون افتراه﴾ الآية، ﴿أم﴾ هذه ليست بالمعادلة لألف الاستفهام
التي في قولك أزيد قام أم عمرو، وإنما هي التي تتوسط الكلام، ومذهب سيبويه أنها بمنزلة الألف وبل لأنها
تتضمن استفهاماً وإضراباً عما تقدم، وهي كقولهم: إنها لا بل أم شاء، وقالت فرقة في ﴿أم﴾ هذه: هي
بمنزلة ألف الاستفهام، ثم عجزهم في قوله ﴿قل فأتوا بسورة مثله﴾ والسورة مأخوذة من سورة البناء وهي
من القرآن هذه القطعة التي لها مبدأ وختم، والتحدي في هذه الآية وقع بجهتي الإعجاز اللتين في القرآن:
إحداهما النظم والرصف والإيجاز والجزالة، كل ذلك في التعريف بالحقائق، والأخرى المعاني من
الغيب لما مضى ولما يستقبل، وحين تحداهم بعشر مفتريات إنما تحداهم بالنظم وحده ..
قال القاضي أبو محمد: هكذا قول جماعة من المتكلمين، وفيه عندي نظر، وكيف يجيء التحدي
بمماثلة في الغيوب رداً على قولهم ﴿افتراه﴾، وما وقع التحدي في الآيتين هذه وآية العشر السور إلا بالنظم
والرصف والإيجاز في التعريف بالحقائق، وما ألزموا قط إتياناً بغيب، لأن التحدي بالإعلام بالغيوب كقوله
﴿وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ [الروم: ٣]، وكقوله ﴿لتدخلن المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٧] ونحو
ذلك من غيوب القرآن فبين أن البشر مقصر عن ذلك، وأما التحدي بالنظم فبين أيضاً أن البشر مقصر عن
نظم القرآن إذ الله عز وجل قد أحاط بكل شيء علماً، فإذا قدر الله اللفظة في القرآن علم بالإحاطة اللفظة
التي هي أليق بها في جميع كلام العرب في المعنى المقصود، حتى كمل القرآن على هذا النظام الأول
فالأول، والبشر مع أن يفرض أفصح العالم، محقوق بنيان وجهل بالألفاظ والحق وبغلط وآفات بشرية،
فمحال أن يمشي في اختياره على الأول فالأول، ونحن نجد العربي ينقح قصيدته - وهي الحوليات - يبدل
فيها ويقدم ويؤخر، ثم يدفع تلك القصيدة إلى أفصح منه فيزيد في التنقيح، ومذهب أهل الصرفة مكسور
بهذا الدليل، فما كان قط في العالم إلا من فيه تقصير سوى من يوحي إليه الله تعالى، وميّزت فصحاء
العرب هذا القدر من القرآن وأذعنت له لصحة فطرتها وخلوص سليقتها وأنهم يعرف بعضهم كلام بعض
ويميزه من غيره، كفعل الفرزدق في أبيات جرير، والجارية في شعر الأعشى، وقول الأعرابي ((عرفجكم))
فقطع ونحو ذلك مما إذا تتبع بان. والقدر المعجز من القرآن ما جمع الجهتين: اطراد النظم والسرد،
: