النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٤٨ - ٥١
وقرأ ابن أبي عبلة ((ما زادكم)) بغير واو، وقرأ جمهور الناس ﴿لأوضعوا﴾ ومعناه لأسرعوا السير،
و﴿خلالكم﴾ معناه فيما بينكم من هنا إلى هنا يسد الموضع الخلة بين الرجلين، والإيضاع سرعة السير،
وقال الزجّاج ﴿خلالكم﴾ معناه فيما يخل بكم.
قال القاضى أبو محمد: وهذا ضعيف، وماذا يقول فى قوله: ﴿فجاسوا خلال الديار﴾ [الإسراء: ٥]
وقرأ مجاهد فيما حكى النقاش عنه، ((ولأوفضوا)) وهو أيضاً بمعنى الإسراع ومنه قوله تعالى: ﴿إِلى نصب
يوفضون﴾ [المعارج: ٤٣]، وحكى عن الزبير أنه قرأ ((ولأرفضوا)) قال أبو الفتح: هذه من رفض البعير إذا
أسرع في مشيه رقصاً ورقصاناً، ومنه قول حسان بن ثابت: [الكامل]
رقص القلوص براكب مستعجل
ووقعت ((ولا أوضعوا)) بألف بعد ((لا)) في المصحف، وكذلك وقعت في قوله ﴿أو لأذبحنه﴾
[النمل: ٢١]، قيل وذلك لخشونة هجاء الأولين قال الزجّاج: وإنما وقعوا في ذلك لأن الفتحة في العبرانية
وكثير من الألسنة تكتب ألفاً .
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن تمطل حركة اللام فيحدث بين اللام والهمزة التي من أوضع،
وقوله: ﴿يبغونكم الفتنة﴾ أي يطلبون لكم الفتنة، وقوله ﴿وفيكم سماعون﴾، قال سفيان بن عيينة والحسن
ومجاهد وابن زيد معناه جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم، ورجحه الطبري، قال النقاش: بناء
المبالغة يضعف هذا القول، وقال جمهور المفسرين معناه وفيكم مطيعون سامعون لهم، وقوله: ﴿والله
عليم بالظالمين﴾ توعد لهم ولمن كان من المؤمنين على هذا الصفة.
قوله عز وجل :
لَقَدِ أَبْتَغَوْ اُلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْىُ اللَّهِ وَهُمْ
كَرِهُونَ ﴿ وَمِنْهُمْ مَن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِِّ وَلَا نَفْتِنِى أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُوْ وَ إِنَ
جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِينَ ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمٌّ وَإِن تُصِبْكَ
مُصِيبَةٌ يَقُولُواْقَدْ أَ خَذْنَآ أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْوَهُمْ فَرِحُونَ الْجَقُل لَّنْ يُصِيبَنَآ
٥١
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَننَا وَ عَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَ كَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
في هذه الآية تحقير شأنهم، وذلك أنه أخبر أنهم قد لما سعوا على الإسلام فأبطل الله سعيهم،
ومعنى قوله: ﴿من قبل﴾ ما كان من حالهم من وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعهم عنه
في أحد وغيرها، ومعنى ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ دبروها ظهراً لبطن ونظروا في نواحيها وأقسامها وسعوا بكل
حيلة، وقرأ مسلمة بن محارب ((وقلَبوا لك)) بالتخفيف في اللام، و﴿أمر الله﴾ الإسلام ودعوته، وقوله تعالى
﴿ومنهم من يقول ائذن لي﴾ نزلت في الجد بن قيس، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما أمر

٤٢
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٤٨ - ٥١
بالغزو إلى بلاد الروم حرض الناس فقال للجد بن قيس هل لك العام في جلاد بني الأصفر، وقال له
وللناس : اغزوا تغنموا بنات الأصفر، فقال له الجد بن قيس: ائذن لي في التخلف ولا تفتني بذكر بنات
الأصفر، فقد علم قومي أني لا أتمالك عن النساء إذا رأيتهن، ذكر ابن إسحاق ونحو هذا من القول الذي
فيه فتور كثير وتخلف في الاعتذار، وأسند الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اغزوا تبوك
تغنموا بنات الأصفر، فقال الجد ائذن ولا تفتنا بالنساء، وهذا منزع الأول إذا نظر، وهو أشبه بالنفاق
والمحادة، وقال ابن عباس إن الجد قال: ولكني أعينك بمالي، وتأول بعض الناس قوله ﴿ولا تفتني﴾ أي لا
تصعب علي حتى أحتاج إلى مواقعة معصيتك ومخالفتك، فسهل أنت عليّ ودعني غير مجلح، وهذا تأويل
حسن واقف مع اللفظ، لكن تظاهر ما روي من ذكر بنات الأصفر، وذلك معترض في هذا التأويل، وقرأ
عيسى بن عمر ((ولا تُفتني)) بضم التاء الأولى قال أبو حاتم هي لغة بني تميم، والأصفر هو الروم بن عيصوبن
إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وكان أصفر اللون فيقال للروم بنو الأصفر، ومن ذلك قول أبي
سفيان: أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، ومنه قول الشاعر [عدي بن زيد العبادي]:
[الخفيف]
وبنو الأصفر الكرام ملوك الر وم لم يبق منهمُّ مذكور
وذكر النقاش والمهدوي أن الأصفر رجل من الحبشة وقع ببلاد الروم فتزوج وأنسل بنات لهن جمال
وهذا ضعيف، وقوله: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾ أي في الذي أظهروا الفرار منه بما تبين لك وللمؤمنين من
نفاقهم وصح عندكم من كفرهم وفسد مما بينكم وبينهم، و﴿سقطوا﴾ عبارة منبئة عن تمكن وقوعهم ومنه
على الخبير سقطت، ثم قال ﴿وإن جهنم المحيطة بالكافرين﴾، وهذا توعد شديد لهم أي هي مآلهم
ومصيرهم كيف ما تقلبوا في الدنيا فإليها يرجعون فهي محيطة بهذا الوجه، وقوله تعالى: ﴿إِن تصبك
حسنة) الآية، أخبر تعالى عن معتقدهم وما هم عليه، و((الحسنة)) هنا بحسب الغزوة هي الغنيمة والظفر،
و((المصيبة)) الهزم والخيبة، واللفظ عام بعد ذلك في كل محبوب ومكروه، ومعنى قوله: ﴿قد أخذنا أمرنا
من قبل﴾، أي حزمنا نحن في تخلفنا ونظرنا لأنفسنا، وقوله تعالى: ﴿قل لن يصيبنا) الآية، أمر الله عز
وجل نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية أن يرد على المنافقين ويفسد عليهم فرحهم بأن يعلمهم أن
الشيء الذي يعتقدونه مصيبة ليس كما اعتقدوه، بل الجميع مما قد كتبه الله عز وجل للمؤمنين، فإما أن
يكون ظفراً وسروراً في الدنيا وإما أن يكون ذخراً للآخرة، وقرأ طلحة بن مصرف ((قل هل يصيبنا))، ذكره
أبو حاتم، وعند ابن جني وقرأ طلحة بن مصرف وأعين قاضي الري ((قل لن يصيِّبنا)» بشد الياء التي بعد
الصاد وكسرها كذا ذكر أبو الفتح وشرح ذلك وهو وهم، والله أعلم.
قال أبوحاتم: قال عمرو بن شفيق سمعت أعين قاضي الري يقرأ ((قل لن يصيبنا)) النون مشددة، قال
أبو حاتم : ولا يجوز ذلك لأن النون لا تدخل مع لن، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجازت لأنها مع («هل»،
قال الله عز وجل ﴿هل يذهبن كيده ما يغيظ﴾ [الحج: ١٥] وقوله: ﴿كتب الله﴾ يحتمل أن يريد ما قضى
وقدر.

٤٣
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ٥٣،٥٢
ويحتمل أن يريد ما كتب الله لنا في قرآننا علينا من أنّا إما أن نظفر بعدونا وإما أن نستشهد فندخل
الجنة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا الاحتمال يرجع إلى الأول وقد ذكرهما الزجّاج، وقوله: ﴿وعلى الله
فليتوكل المؤمنون﴾، معناه مع سعيهم وجدهم إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا قول أكثر العلماء وهو
الصحيح، والذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، مدة عمره ومنه مظاهرته بين درعين، وتخبط الناس
في معنى التوكل في الرزق فالأشهر والأصح أن الرجل الذي يمكنه التحرف الحلال المحض الذي لا
تدخله كراهية ينبغي له أن يمتثل منه ما يصونه ويحمله كالاحتطاب ونحوه، وقد قرن الله تعالى الرزق
بالتسبب، ومنه ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً﴾ [مريم: ٢٥] ومنه قول النبي صلى
الله عليه وسلم في الطير: ((تغدو خماصاً)) الحديث.
ومنه قوله: ((قيدها وتوكل))، وذهب بعض الناس إلى أن الرجل القوي الجلد إذا بلغ من التوكل إلى
أن يدخل غاراً أو بيتاً يجهل أمره فيه ويبقى في ذكر الله متوكلا يقول إن كان بقي لي رزق فسيأتي الله به وإن
كان رزقي قد تم مت إذ ذلك حسن بالغ عند قوم، وحدثني أبي رضي الله عنه أنه كان في الحرم رجل
ملازم، يخرج من جيبه المرة بعد المرة بطاقة ينظر فيها ثم يصرفها ويبقى على حاله حتى مات في ذلك
الموضع، فقرأت البطاقة فإذا فيها مكتوب ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ [الطور: ٤٨].
قال القاضي أبو محمد: وهذه الطريقة لا يراها جل أهل العلم بل ينبغي أن يسعى الرجل لقدر القوت
سعياً جميلاً لا يواقع فيه شبهة، فإن تعذر عليه جميع ذلك وخرج إلى حد الاضطرار فحينئذ إن تسامح في
السؤال وأكل الميتة وما أمكنه من ذلك فهو له مباح، وإن صبر وتحتسب نفسه كان في أعلى رتبة عند قوم،
ومن الناس من يرى أن فرضاً عليه إبقاء رمقه وأما من يختار الإلقاء باليد - والسعي ممكن - فما كان هذا قط
من خلق الرسول ولا الصحابة ولا العلماء، والله سبحانه الموفق للصواب، ومن حجج من يقول بالتوكل
حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ((يدخل الجنة سبعون ألفاً من أمتي بلا حساب وهم الذين لا
يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطبيون وعلى ربهم يتوكلون»، وفي هذا الحديث أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم دعا لعكاشة بن محصن أن يكون منهم، فقيل ذلك لأنه عرف منه أنه معد لذلك، وقال للآخر
سبقك بها عكاشة ورُدّت الدعوة، فقيل: ذلك لأنه كان منافقاً، وقيل بل عرف منه أنه لا يصح لهذه الدرجة
من التوكل .
قوله عز وجل :
قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِّ وَغَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ
مِنْ عِندِهِ، أَوْ بِأَيَدِينَا فَتَرَبَّصُوْاْ إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِصُونَ ﴿﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْكَرْهًا
أَنْ يُنَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمُ قَوْمًا فَسِقِينَ
٥٣
فالمعنى فى هذه الآية الرد على المنافقين في معتقدهم في المؤمنين، وإزالة ظنهم أن المؤمنين تنزل

٤٤
تفسير سورة التوبة / الآيتان: ٥٣،٥٢
بهم مصائب، والإعلام بأنها حسنى كيف تصرفت، و﴿تربصون﴾ معناه تنتظرون و((الحسنيان)) الشهادة
والظفر، وقرأ ابن محيصن: ((إلا احدى الحسنيين)) بوصل ألف ﴿إِحدى﴾.
قال القاضي أبو محمد: وهذه لغة ليست بالقياس وهذا مثل قول الشاعر: [الكامل]
يا آبا المغيرة رب أمر معضل
وقول الآخر: [الكامل]
إن لم أقاتل فألبسيني برقعا
وقوله ﴿بعذاب من عنده﴾، يريد الموت بأخذات الأسف، ويحتمل أن يكون توعداً بعذاب الآخرة،
وقوله ﴿أو بأيدينا﴾، يريد القتل وقيل ﴿بعذاب من عنده﴾ يريد أنواع المصائب والقوارع وقوله: ﴿فتربصوا
إنَّا معكم متربصون﴾ وعيد وتهديد، وقوله: ﴿قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً﴾ سببها: أن الجد بن قيس حين
قال: ﴿ائذن لي ولا تفتني﴾ [التوبة: ٤٩] قال إني أعينك بمال فنزلت هذه الآية فيه وهي عامة بعده،
والطوع والكره يعمان كل إنفاق، وقرأ ابن وثاب والأعمش ((وكُرها)) بضم الكاف.
قال القاضى أبو محمد: ويتصل ها هنا ذكر أفعال الكافر إذا كانت براً كصلة القرابة وجبر الكسير وإغاثة
المظلوم هل ينتفع بها أم لا، فاختصار القول في ذلك أن في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال ((إن ثواب الكافر على أفعاله البرة هو في الطعمة يطعمها)) ونحو ذلك، فهذا مقنع لا يحتاج معه إلى
نظر وأما ما ينتفع بها في الآخرة فلا، دليل ذلك أن عائشة أم المؤمنين قالت للنبي صلى الله عليه وسلم يا
رسول الله: أرأيت عبد الله بن جدعان أينفعه ما كان يطعم ويصنع من خير فقال: ((لا إنه لم يقل يوماً، رب
اغفر لي خطيئتي يوم الدين)»، ودليل آخر في قول عمر رضي الله عنه لابنه: ذاك العاصي بن وائل لا جزاه
الله خيراً وكان هذا القول بعد موت العاصي، الحديث بطوله، ودليل ثالث في حديث حكيم بن حزام على
أحد التأويلين: أعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما سلف لك من خير، ولا حجة
في أمر أبي طالب كونه في ضحضاح من نار لأن ذلك إنما هو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، وبأنه
وجده في غمرة من النار فأخرجه، ولو فرضنا أن ذلك بأعماله لم يحتج إلى شفاعة، وأما أفعال الكافر
القبيحة فإنها تزيد في عذابه وبذلك هو تفاضلهم في عذاب جهنم، وقوله: ﴿أنفقوا﴾ أمر في ضمنه جزاء
وهذا مستمر في كل أمر معه جواب فالتقدير: إن تنفقوا لم يتقبل منكم، وأما إذا عري الأمر من جواب فليس
يصحبه تضمن الشرط.
قوله عز وجل :
وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَتُهُمْ إِلَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ
٥٤
فَلاَ تُعْجِبُّكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ
إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّاوَهُمْ كَرِهُونَ
وَيَحْلِفُونَ
٥٥
إِنَّمَايُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ

٤٥
تفسير سورة التوبة / الآيات : ٥٤ - ٥٦
٥٦
بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِنْكُ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَفُونَ
يحتمل أن يكون معنى الآية: وما منعهم الله من أن تقبل إلا لأجل أنهم كفروا بالله، فـ ﴿أن﴾ الأولى
على هذا في موضع خفض نصبها الفعل حين زال الخافض، و((أن)) الثانية، في موضع نصب مفعول من
أجله، ويحتمل أن يكون التقدير: وما منعهم الله قبول نفقاتهم إلا لأجل كفرهم، فالأولى على هذا في
موضع نصب، ويحتمل أن يكون المعنى: وما منعهم قبول نفقاتهم إلا كفرهم، فالثانية في موضع رفع
فاعلة، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وعاصم: ((أن تقبل منهم نفقاتهم))، وقرأ حمزة والكسائي ونافع فيما
روي عنه: ((أن يقبل منهم نفقاتهم)) بالياء وقرأ الأعرج بخلاف عنه: ((أن تقبل منهم نفقتهم)) بالتاء من فوق
وإفراد النفقة، وقرأ الأعمش، ((أن يقبل منهم صدقاتهم))، وقرأت فرقة: ((أن نقبل منهم نفقتهم)) بالنون
ونصب النفقة، و﴿كسالى﴾ جمع كسلان، وكسلان إذا كانت مؤنثته کسلی لا ينصرف بوجه وإن كانت مؤنثته
كسلانة فهو ينصرف في النكرة ثم أخبر عنهم تعالى أنهم ((لا ينفقون دومة إلا على كراهية)) إذ لا يقصدون بها
وجه الله ولا محبة المؤمنين، فلم يبق إلا فقد المال وهو من مكارههم لا محالة، وقوله تعالى: ﴿فلا تعجبك
أموالهم﴾ الآية، حقر هذا اللفظ شأن المنافقين وعلل إعطاء اللّه لهم الأموال والأولاد بإرادته تعذيبهم بها،
واختلف في وجه التعذيب فقال قتادة: في الكلام تقديم وتأخير، فالمعنى ((فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم
في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة))، وقال الحسن: الوجه في التعذيب أنه بما ألزمهم فيها
من أداء الزكاة والنفقة في سبيل الله .
قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله ﴿بها﴾ عائد في هذا القول على ((الأموال)) فقط، وقال ابن
زيد وغيره: ((التعذيب)) هو بمصائب الدنيا ورزاياها هي لهم عذاب إذ لا يؤجرون عليها، وهذا القول وإن
كان يستغرق قول الحسن فإن قول الحسن يتقوى تخصيصه بأن تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم
بسائر الرزايا وذلك لاقتران الذلة والغلبة بأوامر الشريعة لهم قوله: ﴿وتزهق أنفسهم﴾، يحتمل أن يريد
ويموتون على الكفر، ويحتمل أن يريد ((وتزهق أنفسهم)) من شدة التعذيب الذي ينالهم، وقوله ﴿وهم
كافرون﴾ جملة في موضع الحال على التأويل الأول، وليس يلزم ذلك على التأويل الثاني، وقوله
﴿ويحلفون﴾ الآية، أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يحلفون أنهم من المؤمنين في الدين والشريعة ثم
أخبر تعالى عنهم على الجملة لا على التعيين أنهم ليسوا من المؤمنين، وإنما هم يفزعون منهم فيظهرون
الإيمان وهم يبطنون النفاق، و((الفرق»، الخوف، والفروقة الجبان وفي المثل وفرق خير من حبين.
قوله عز وجل :
لَوْيَجِدُونَ مَلْجَنَّا أَوْ مَغَرَاتٍ أَوْمُدَّ خَلَا لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (*) وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ
فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَارَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْ مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (*) وَلَوْ أَنَّهُمْ

٤٦ .
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٥٧ - ٥٩
رَضُواْ مَآءَ اتَنْهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْحَسْبُنَا ◌َللَّهُ سَيُؤْتِيْنَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَرَسُولُهُ إِنَّا
٥٩
إِلَى اللَّهِ رَغْبُونَ
((الملجأ)) من لجأ يلجأ إذا أوى واعتصم، وقرأ جمهور الناس ((أو مَغارات)) بفتح الميم، وقرأ سعيد بن
عبد الرحمن بن عوف ((أو مُغارات)) بضم الميم وهي الغيران في أعراض الجبال ففتح الميم من غار الشيء
إذا دخل كما تقول غارت العين إذا دخلت في الحجاج، وضم الميم من أغار الشيء غيره إذا أدخله، فهذا
وجه من اشتقاق اللفظة، وقيل إن العرب تقول: غار الرجل وأغار بمعنى واحد أي دخل، قال الزجّاج: إذا
دخل الغور فيحتمل أن تكون اللفظة أيضاً من هذا.
قال القاضي أبو محمد: ويصح في قراءة ضم الميم أن تكون من قولهم حبل مُغار أي مفتول ثم
يستعار ذلك في الأمر المحكم المبروم، فيجيء التأويل على هذا: لو يجدون عصرة أو أموراً مرتبطة مشددة
تعصمهم منكم أو مدخلاً لولوا إليه، وقرأ جمهور الناس ((أو مُدخلًاً)) أصله مفتعل وهو بناء تأكيد ومبالغة
ومعناه السرب والنفق في الأرض، وبما ذكرناه في الملجأ والمغارات، ((والمُدخل)) فسر ابن عباس رضي
الله عنه، وقال الزجّاج ((المُدخل)) معناه قوماً يدخلونهم في جملتهم وقرأ مسلمة بن محارب والحسن وابن
أبي إسحاق وابن محيصن وابن كثير بخلاف عنه ((أو مَدخلًا)) فهذا من دخل وقرأ قتادة وعيسى بن عمر
والأعمش ((أو مدّخّلًا)) بتشديدهما وقرأ أبي بن كعب ((مندخلًا)) قال أبو الفتح هذا كقول الشاعر [الكميت]:
[البسيط]
ولا یدي في حميت السمن تندخل
قال القاضي أبو محمد: وقال أبو حاتم: قراءة أبي بن كعب ((متدخلاً)) بتاء مفتوحة، وروي عن
الأعمش وعيسى ((مُدخلًا)) بضم الميم فهو من أدخل، وقرأ الناس ﴿لولوا﴾ وقرأ جد أبي عبيدة بن قرمل
((لوالو)) من الموالاة، وأنكرها سعيد بن مسلم وقال: أظن لوالوا بمعنى للجؤوا، وقرأ جمهور الناس،
((يجمحون)» معناه يسرعون مصممين غير منثنين، ومنه قول مهلهل: [البسيط]
حتى رأيت ذوي احسابهم خمدوا
لقد جمحت جماحاً في دمائهم
وقرأ أنس بن مالك ((يجمزون)) ومعناه يهربون، ومنه قولهم في حديث الرجم: فلما إذ لقته الحجارة
جمزة، وقوله تعالى: ﴿ومنهم من يلمزك) الآية، الضمير في قوله ﴿ومنهم) عائد على المنافقين، وأسند
الطبري إلى أبي سعيد الخدري أنه قال: جاء ابن ذي الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم
قسماً فقال: اعدل يا محمد الحديث المشهور بطوله، وفيه قال أبو سعيد: فنزلت في ذلك ﴿ومنهم من يلمزك
في الصدقات﴾، وروى داود بن أبي عاصم أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصدقة فقسمها ووراءه رجل
من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد: وهذه نزعة منافق، وكذلك روي من غير ما طريق أن الآية نزلت بسبب كلام

٤٧
تفسير سورة التوبة / الآية : ٦٠
المنافقين إذ لم يعطوا بحسب شطط آمالهم، ويلمزك﴾ معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة ومنه قول
الشاعر: [البسيط]
إذا لقيتك تبدي لي مكاشرة
ومنه قول رؤبة: [الرجز]
وأن أغيب فأنت الهامز اللمزة
في ظل عصري باطلي ولمزي
والهمز أيضاً في نحو ذلك ومنه قوله تعالى ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ [الهمزة: ١] وقيل لبعض
العرب: أتهمز الفأرة فقال: إنها تهمزها الهرة قال أبو علي: فجعل الأكل همزاً، وهذه استعارة كما استعار
حسان بن ثابت الغرث في قوله : [الطويل]
وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
تركيباً على استعارة الأكل في الغيبة .
قال القاضي أبو محمد: ولم يجعل الأعرابي الهمز الأكل، وإنما أراد ضربها إياها بالناب والظفر،
وقرأ جمهور الناس ((يلمِزك)) بكسر الميم، وقرأ ابن كثير فيما روى عنه حماد بن سلمة ((يلمُزك)) بضم الميم،
وهي قراءة أهل مكة وقراءة الحسن وأبي رجاء وغيرهم، وقرأ الأعمش ((يُلمّزك))، وروى أيضاً حماد بن
سلمة عن ابن كثير ((يلامزك))، وهي مفاعلة من واحد لأنه فعل لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله
﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله) الآية، وصف للحال التي ينبغي أن يكون عليها المستقيمون،
يقول تعالى: ولو أن هؤلاء المنافقين رضوا قسمة الله الرزق لهم وما أعطاهم على يدي رسوله ورجوا
أنفسهم فضل الله ورسوله وأقروا بالرغبة إلى الله لكان خيراً لهم وأفضل مما هم فيه، وحذف الجواب من
الآية لدلالة ظاهر الكلام عليه، وذلك من فصيح الكلام وإيجازه.
قوله عز وجل:
إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ فُلُوبُهُمْ وَ فِ الْرِقَابِ وَالْغَرِمِينَ
٦٠
وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصرة تقتضي وقوف ﴿الصدقات﴾ على الثمانية الأصناف، وإنما اختلف في
صورة القسمة فقال مالك وغيره: ذلك على قدر اجتهاد الإمام وبحسب أهل الحاجة، وقال الشافعي : هي
ثمانية أقسام على ثمانية أصناف لا يخل بواحد منها إلا أن ﴿المؤلفة﴾ انقطعوا.
قال القاضى أبو محمد: ويقول صاحب هذا القول: إنه لا يجزىء المتصدق والقاسم من كل صنف
أقل من ثلاثة، وأما الفقير والمسكين فقال الأصمعي وغيره: الفقير أبلغ فاقة وقال غيرهم: المسكين أبلغ
فاقة .

٤٨
تفسير سورة التوبة / الآية: ٦٠
قال القاضي أبو محمد: ولا طريق إلى هذا الاختلاف ولا إلى الترجيح إلا النظر في شواهد القرآن
والنظر في كلام العرب وأشعارها، فمن حجة الأولين قول الله عز وجل ﴿أما السفينة فكانت لمساكين
يعملون في البحر﴾ [الكهف: ٧٩] واعترض هذا الشاهد بوجوه منها، أن يكون سماهم ((مساكين)) بالإضافة
إلى الغاصب وإن كانوا أغنياء على جهة الشفقة كما تقول في جماعة تظلم مساكين لا حيلة لهم وربما كانوا
مياسير ومنها: أنه قرىء ((لمسّاكين)) بشد السين بمعنى: دباغين يعملون المسوك قاله النقاش وغيره ومنها:
أن تكون إضافتها إليهم ليست بإضافة ملك بل كانوا عاملين بها فهي كما تقول: سرج الفرس، ومن حجة
الآخرين قول الراعي: [البسيط]
وفق العيال فلم يترك له سبد
أما الفقير الذي كانت حلوبته
وقد اعترض هذا الشاهد بأنه إنما سماه فقيراً بعد أن صار لا حلوبة له، وإنما ذكر الحلوبة بأنها
كانت، وهذا اعتراض يرده معنى القصيدة ومقصد الشاعر بأنه إنما يصف سعاية أتت على مال الحي
بأجمعه، فقال: أما الفقير فاستؤصل ماله فكيف بالغني مع هذه الحال، وذهب من يقول إن المسكين أبلغ
فاقة إلى أنه مشتق من السكون، وأن الفقير مشتق من فقار الظهر كأنه أصيب فقارة فيه لا محالة حركة،
وذهب من يقول إن الفقير أبلغ فاقة: إلى أنه مشتق من فقرت البئر إذا نزعت جميع ما فيها، وأن المسكين
من السكن.
قال القاضي أبو محمد: ومع هذا الاختلاف فإنهما صنفان يعمهما الإقلال والفاقة، فينبغي أن يبحث
على الوجه الذي من أجله جعلهما الله اثنين، والمعنى فيهما واحد، وقد اضطرب الناس في هذا، فقال
الضحاك بن مزاحم: ﴿الفقراء﴾ هم من المهاجرين ﴿والمساكين﴾ من لم يهاجر، وقال النخعي نحوه،
قال سفيان: يعني لا يعطى فقراء الأعراب منها شيئاً .
قال القاضي أبو محمد: ((والمسكين السائل)» يعطى في المدينة وغيرها، وهذا القول هو حكاية الحال
وقت نزول الآية، وأما منذ زالت الهجرة فاستوى الناس، وتعطى الزكاة لكل متصف بفقر، وقال عكرمة:
﴿الفقراء﴾ من المسلمين، ﴿والمساكين﴾ من أهل الذمة، ولا تقولوا لفقراء المسلمين مساكين، وقال الشافعي
في كتاب ابن المنذر: ((الفقير)) من لا مال له ولا حرفة سائلاً كان أو متعففاً، ((والمسكين)» الذي له حرفة أو مال
ولكن لا يغنيه ذلك سائلاً كان أو غير سائل، وقال قتادة بن دعامة: الفقير الزمن المحتاج، والمسكين
الصحیح المحتاج، وقال ابن عباس والحسن ومجاهد والزهري وابن زيد وجابر بن زيد ومحمد بن مسلمة:
((المساكين)) الذين يسعون ويسألون، و((الفقراء)) هم الذين يتصاونون، وهذا القول الأخير إذا لخص وحرر
أحسن ما يقال في هذا، وتحريره: أن الفقير هو الذي لا مال له إلا أنه لم يذل ولا بذل وجهه، وذلك إما
التعفف مفرط وإما لبلغة تكون له كالحلوبة وما أشبهها، والمسكين هو الذي يقترن بفقره تذلل وخضوع
وسؤال، فهذه هي المسكنة، فعلى هذا كل مسكين فقير وليس كل فقير مسكيناً، ويقوي هذا أن الله تعالى
قد وصف بني إسرائيل بالمسكنة وقرنها بالذلة مع غناهم، وإذا تأملت ما قلناه بان أنهما صنفان موجودان في
المسلمين، ويقوي هذا قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض
يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ [البقرة: ٢٧٣] وقيل لأعرابي: أفقير أنت؟ فقال: إني والله مسكين،

٤٩
تفسير سورة التوبة / الآية : ٦٠
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي ترده اللقمة واللقمتان، ولكن
المسكين هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، اقرأوا إن شئتم ﴿لا يسألون الناس
إلحافاً﴾ [البقرة: ٢٧٣]، فدل هذا الحديث على أن المسكين في اللغة هو الطواف، وجرى تنبيه النبي
صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على المتصاون مجرى تقديم ﴿الفقراء﴾ في الآية لمعنى الاهتمام إذ
هم بحيث إن لم يتهمم بهم هلكوا، والمسكين يلح ويذكر بنفسه، وأما العامل فهو الرجل الذي يستنيبه
الإمام في السعي على الناس وجمع صدقاتهم، وكل من يصرف من عون لا يستغنى عنه فهو من
﴿العاملين﴾ لأنه يحشر الناس على السعي، وقال الضحاك: للعاملين ثمن ما عملوا على قسمة القرآن،
وقال الجمهور: لهم قدر تعبهم ومؤنتهم قاله مالك والشافعي في كتاب ابن المنذر، فإن تجاوز ذلك ثمن
الصدقة فاختلف، فقيل يتم لهم ذلك من سائر الأنصباء وقيل، بل يتم لهم ذلك من خمس الغنيمة،
واختلف إذا عمل في الصدقات هاشمي فقيل: يعطى منها عمالته وقيل: بل يعطاها الخمس، ولا يجوز
للعامل قبول الهدية والمصانعة ممن يسعى عليه وذلك إن فعله رد في بيت المال كما فعل النبي صلى الله
عليه وسلم بابن اللتبية حين استعمله على الصدقة فقال، هذا لكم وهذا أهدي لي، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((هلا قعدت في بيت أبيك وأمك حتى تعلم ما يهدى لك)) وأخذ الجميع منه.
قال القاضي أبو محمد: وتأمل عمالة الساعي هل يأخذها قبل العمل أو بعده، وهل هي إجازة أو هي
جعل وهل العمل معلوم أو هو يتتبع وإنما يعرف قدره بعد الفراغ، وأما ﴿المؤلفة قلوبهم﴾ فكانوا صنفين،
مسلمين وكافرين مساترين، قال يحيى بن أبي كثير، كان منهم أبو سفيان بن حرب بن أمية والحارث بن
هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وحكيم بن حزام وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعيينة
والأقرع ومالك بن عوف والعباس بن مرداس والعلاء بن جارية الثقفي.
قال القاضي أبو محمد: وأكثر هؤلاء من الطلقاء الذين ظاهر أمرهم يوم الفتح الكفر، ثم بقوا مظهرين
الإسلام حتى وثقه الاستثلاف في أكثرهم واستئلافهم إنما كان لتجلب إلى الإسلام منفعة أو تدفع عنه
مضرة، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه والحسن والشعبي وجماعة من أهل العلم: انقطع هذا الصنف
بعزة الإسلام وظهوره ، وهذا مشهور مذهب مالك رحمه الله، قال عبد الوهاب: إن احتيج إليهم في بعض
الأوقات أعطوا من الصدقة.
قال القاضي أبو محمد: وقول عمر عندي إنما هو المعنيين، فإنه قال لأبي سفيان حين أراد أخذ
عطائه القديم: إنما تأخذ كرجل من المسلمين فإن الله قد أغنى عنك وعن ضربائك، يريد في الاستئلاف،
وأما أن ينكر عمر الاستئلاف جملة وفي ثغور الإسلام فبعيد، وقال كثير من أهل العلم: ﴿المؤلفة قلوبهم﴾
موجودون إلى يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد: وإذا تأملت الثغور وجد فيها الحاجة إلى الاستئلاف، وقال الزهري:
﴿المؤلفة﴾ من أسلم من يهودي أو نصراني وإن كان غنياً.
قال القاضي أبو محمد: يريد لتبسط نفسه ويحبب دين الإسلام إليه، وأما ﴿الرقاب﴾ فقال ابن عباس
:

٥٠
تفسير سورة التوبة / الآية : ٦٠
والحسن ومالك وغيره: هو ابتداء العتق وعون المكاتب بما يأتي على حريته، واختلف هل يعان بها
المكاتب في أثناء نجومه بالمنع والإباحة، واختلف على القول بإباحة ذلك إن عجز فقيل يرد ذلك من عند
السيد، وقيل يمضى لأنه كان يوم دفعه بوجه مترتب، وقال الشافعي: معنى ﴿وفي الرقاب﴾ في المكاتبين ولا
يبتدأ منها عتق عبد، وقاله الليث وإبراهيم النخعي وابن جبير، وذلك أن هذه الأصناف إنما تعطى لمنفعة
المسلمين أو لحاجة في أنفسها، والعبد ليس له واحدة من هاتين العلتين، والمكاتب قد صار من ذوي
الحاجة وقال الزهري: سهم الرقاب نصفان، نصف للمكاتبين ونصف يعتق منه رقاب مسلمون ممن صلى،
قال ابن حبيب: ويفدى منه أسارى المسلمين ومنع ذلك غيره، وأما ((الغارم)) فهو الرجل يركبه دين في غير
معصية ولا سفه، قال العلماء: فهذا يؤدى عنه وإن كانت له عروض تقيم رمقه وتكفي عياله، وكذلك الرجل
يتحمل بحمالة في ديارات أو إصلاح بين القبائل ونحو هذا، وهو أحد الخمسة الذين قال فيهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ولا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو غاز في سبيل الله أو رجل تحمل
بحمالة أو من أهديت له أو من اشتراها بماله)).
قال القاضي أبو محمد: وقد سقط ﴿المؤلفة﴾ من هذا الحديث، ولا يؤدى من الصدقة دين ميت ولا
يعطى منها من عليه كفارة ونحو ذلك من حقوق الله، وإنما ((الغارم)) من عليه دين يسجن فيه، وقد قيل في
مذهبنا وغيره: يؤدى دين الميت من الصدقات قاله أبو ثور، وأما ﴿في سبيل الله﴾ فهو المجاهد يجوز أن
يأخذ من الصدقة لينفقها في غزوه وإن كان غنياً قال ابن حبيب: ولا يعطى منها الحاج إلا أن يكون فقيراً
فيعطى لفقره، وقال ابن عباس وابن عمر وأحمد وإسحاق: يعطى منها الحاج وإن كان غنياً، والحج سبيل
الله، ولا يعطى منها في بناء مسجد ولا قنطرة ولا شراء مصحف ونحو هذا، وأما ﴿ابن السبيل﴾ فهو الرجل
في السفر والغربة يعدم فإنه يعطى من الزكاة وإن كان غنياً في بلده، وسمي المسافر ابن السبيل لملازمته
السبيل كما يقال للطائر: ابن ماء لملازمته له ومنه عندي قولهم: ابن جلا وقد قيل فيه غير هذا ومنه قولهم:
بنو الحرب وبنو المجد ولا يعطى بنو هاشم من الصدقة المفروضة، قال ابن الماجشون ومطرف وأصبغ وابن
حبيب: ولا من التطوع ولا يعطى مواليهم لأن مولى القوم منهم، وقال ابن القاسم: يعطى بنو هاشم من
صدقة التطوع ويعطى مواليهم من الصدقتين، ومن سأل من الصدقة وقال إنه فقير، فقالت فرقة يعطى دون
أن يكلف بينة على فقره بخلاف حقوق الآدميين يدعي معها الفقر فإنه يكلف البينة لأنها حقوق الناس يؤخذ
لها بالأحوط، وأيضاً فالناس إذا تعلقت بهم حقوق آدمي محمولون على الغنى حتى يثبت العدم ويظهر ذلك
من قوله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠] أي ان وقع فيعطي هذا أن الأصل الغنى فإن وقع ذو عسرة
فنظرة، وقالت فرقة : الرجل الصحيح الذي لا يعلم فقره لا يعطى إلا أن يعلم فقره، وأما إن ادعى أنه غارم
أو مكاتب أو ابن سبيل أو في سبيل الله أو نحو ذلك مما لم يعلم منه فلا يعطى إلا ببينة قولاً واحداً، وقد قيل
في الغارم: تباع عروضه وجميع ما يملك ثم يعطى بالفقر، ويعطي الرجل قرابته الفقراء وهم أحق من غيرهم
فإن كان قريبه غائباً في موضع تقصر إليه الصلاة فجاره الفقير أولى، وإن كان في غيبة لا تقصر إليه الصلاة
فقيل هو أولى من الجار الفقير، وقيل الجار أولى ويعطي الرجل قرابته الذين لا تلزمه نفقتهم، وتعطي المرأة
زوجها، وقال بعض الناس ما لم ينفق ذلك عليها، ويعطي الرجل زوجته إذا كانت من الغارمين، واختلف

٥١
تفسير سورة التوبة / الآية: ٦٠
في ولاء الذي يعتق من الصدقة، فقال مالك: ولاؤه لجماعة المسلمين وقال أبو عبيد: ولاؤه للمعتق وقال
عبيد الله بن الحسن: يجعل ماله في بيت الصدقات، وقال الحسن وأحمد وإسحاق: ويعتق من ماله رقاب،
وإذا كان لرجل على معسر دين فقيل يتركه له ويقطع ذلك من صدقته وقيل لا يجوز ذلك جملة، وقيل إن
كان ممن لو رفعه للحاكم أمكن أن يؤديه جاز ذلك وإلا لم يجز لأنه قد توي وأما السبيل: فهو الذي قدمنا
ذكره يعطى الرجل الغازي وإن كان غنياً، وقال أصحاب الرأي لا يعطى الغازي في سبيل الله إلا أن يكون
منقطعاً به، قال ابن المنذر؟ وهذا خلاف ظاهر القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما القرآن فقوله ﴿وفي سبيل الله﴾، وأما الحديث فقوله ((إلا لخمسة لعامل عليها أو غاز في سبيل
الله))، وأما صورة التفريق فقال مالك وغيره: على قدر الحاجة ونظر الإمام يضعها في أي صنف رأى وكذلك
المتصدق، وقاله حذيفة بن اليمان وسعيد بن جبير وإبراهيم وأبو العالية، قال الطبري: وقال بعض
المتأخرين: إذا قسم المتصدق قسم في ستة أصناف لأنه ليس ثم عامل ولأن المؤلفة قد انقطعوا فإن قسم
الإمام ففي سبعة أصناف، وقال الشافعي وعكرمة والزهري: هي ثمانية أقسام لثمانية أصناف لا يخل بواحد
منها واحتج الشافعي بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله: ((إن الله تعالى لم يرض في
الصدقات بقسم نبي ولا غيره حتى قسمها بنفسه فجعلها ثمانية أقسام لثمانية أصناف فإن كنت واحداً منها
أعطيتك)».
قال القاضي أبو محمد: والحديث في مصنف أبي داود، وقال أبو ثور: إذا قسمها الإمام لم يخل
بصنف منها وإن أعطى الرجل صدقته صنفاً دون صنف أجزأه ذلك وقال النخعي : إذا كان المال كثيراً قسم على
الأصناف كلها وإذا كان قليلاً أعطاه صنفاً واحداً. وقالت فرقة من العلماء: من له خمسون درهماً فلا يعطى
من الزكاة، وقال الحسن وأبو عبيد، لا يعطى من له أوقية وهي أربعون درهماً، قال الحسن: وهو غني وقال
الشافعي : قد يكون الرجل الذي لا قدر له غنياً بالدرهم مع سعيه وتحيله، وقد يكون الرجل له القدر والعيال
ضعيف النفس والحيلة فلا تغنيه آلاف، وقال أبو حنيفة: لا يأخذ الصدقة من له مائتا درهم ومن كان له أقل
فلا بأس أن يأخذ، قال سفيان الثوري: لا يدفع إلى أحد من الزكاة أكثر من خمسين درهماً، إلا أن يكون
غارماً وقال أصحاب الرأي، إن أعطي ألفاً وهو محتاج أجزأ ذلك، وقال أبو ثور: يعطى من الصدقة حتى
يغنى ويزول عنه اسم المسكنة ولا بأس أن يعطى الفقير الألف وأكثر من ذلك، وقال ابن المنذر: أجمع أكثر
من يحفظ عنه من أهل العلم أن من له دار وخادم لا يستغني عنهما أن يأخذ من الزكاة وللمعطي أن يعطيه، وقال
مالك: إن لم يكن في ثمن الدار والخادم فضلة على ما يحتاج إليه منهما جاز له الأخذ وإلا لم يجزه، وأما
الرجل يعطي الآخر وهو يظنه فقيراً فإذا هو غنى، فإنه إن كان بفور ذلك أخذها منه فإن فاتت نظر، فإن كان
الآخذ غنياً وأخذها مع علمه بأنها لا تحل له ضمنها على كل وجه، وإن كان لم يغر بل اعتقد أنها تجوز له،
أو لم يتحقق مقصد المعطي نظر، فإن كان أكلها أو لبسها ضمنها، وإن كانت تلفت لم يضمن، واختلف
في إجزائها عن المتصدق فقال الحسن وأبو عبيدة: تجزيه، وقال الثوري وغيره: لا تجزيه، وأهل بلد
الصدقة أحق بها إلا أن تفضل فضلة فتنقل إلى غيرها بحسب نظر الإمام، قال ابن حبيب في الواضحة: أما
﴿المؤلفة﴾ فانقطع سهمهم، وأما سبيل الله فلا بأس أن يعطي الإمام الغزاة إذا قل الفيء في بيت المال.
أ

٥٢
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٦١ - ٦٣
قال القاضي أبو محمد: وهذا الشرط فيه نظر، قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يأمر السعاة بتفريقها
بالمواضع التي جبيت فيها ولا يحمل منه شيء إلى الإمام إلا أن يرى ذلك لحاجة أو فاقة نزلت بقوم، قال
مالك: ومن له مزرعة أو شيء في ثمنه إذا باعه ما يغنيه لم يجز له أخذ الصدقة، وهذه جملة من فقه الآية
كافية على شرطنا في الإيجاز والله الموفق برحمته، وقوله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾ أي موجبة محدودة وهو
مأخوذ من الفرض في الشيء بمعنى الحز والقطع ثبوت ذلك ودوامه، شبه ما يفرض من الأحكام، ونصب
﴿فريضة﴾ على المصدر، ثم وصف نفسه تعالى بصفتين مناسبتين لحكم هذه الآية لأنه صدر عن علم منه
بخلقه وحكمة منه في القسمة بينهم.
قوله عز وجل :
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِىِّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنْ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ
لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَاُلَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٦١
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِلَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ ,أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ
٦٢
أَلَمْ يَعْلَمُواْأَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًافِيهَا ذَلِكَ الْخِزْىُ
اُلْعَظِيمُ
الضمير في قوله ﴿ومنهم﴾ عائد على المنافقين، و﴿يؤذون﴾ لفظ يعم جميع ما كانوا يفعلونه
ويقولونه في جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخص بعد ذلك من قولهم ﴿هو أذن﴾،
وروي أن قائل هذه اللفظة نبتل بن الحارث وكان من مردة المنافقين، وهو الذي قال فيه رسول الله صلى الله
عليه وسلم من سره أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث وكان ثائر الرأس منتفش الشعرة أحمر
العينين أسفع الخدين مشوهاً، وروي عن الحسن البصري ومجاهد أنهما تأولا أنهم أرادوا بقولهم ﴿هو
أذن﴾ أي يسمع منا معاذيرنا وتنصلنا ويقبله، أي فنحن لا نبالي عن أذاه ولا الوقوع فيه إذ هو سماع لكل ما
يقال من اعتذار ونحوه، فهذا تنقص بقلة الحزامة والإنخداع، وروي عن ابن عباس وجماعة معه أنهم
أرادوا بقولهم ﴿هو أذن﴾ أي يسمع كل ما ينقل إليه عنا ويصغي إليه ويقبله، فهذا تشكُّ منه ووصف بأنه
يسوغ عنده الأباطيل والنمائم، ومعنى ﴿أذن﴾ سماع، ويسمى الرجل السماع لكل قول أذناً إذا كثر منه
استعمال الأذن، فهذه تسمية الشيء بالشيء إذا كان منه بسبب كما يقال للربيئة عين وكما يقال للمسنة من
الإبل التي قد بزل نابها ناب وقيل معنى الكلام ذو أذن أي ذو سماع، وقيل إن قوله ﴿أذن﴾ مشتق من قولهم
أذن للشيء إذا استمع كما قال الشاعر وهو علي بن زيد: [الرمل]
أيها القلب تعللْ بِدَدنْ إِن هَمّي في سماعٍ وأُذَنْ
وفي التنزيل ﴿وأذنت لربها وحقت﴾ [الانشقاق: ٢ - ٥] ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم ((ما
أذن الله لشيء كأذنه لنبي يتغنى بالقرآن)) ومن هذا قول الشاعر [عدي بن زيد]: [الرمل]
:

٥٣
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٦١ - ٦٣
في سماع یأذن الشيخ له
ومنه قول الآخر [قعنب بن أم صاحب]: [البسيط]
وحديث مثل ماذيّ مشار
صمّ إذا سمعوا خيراً ذكرت به وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا
وقرأ نافع ((أذْن)) بسكون الذال فيهما، وقرأ الباقون ((أُذُن)) بضم الذال فيهما، وكلهم قرأ بالإضافة إلى
﴿خير﴾ إلا ما روي عن عاصم، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وعيسى بخلاف ((قل أذنٌ خيرٌ)) برفع
خير وتنوين ((أذن))، وهذا يجري مع تأويل الحسن الذي ذكرناه أي من يقبل معاذيركم خير لكم، ورويت
هذه القراءة عن عاصم، ومعنى (أذن خير)) على الإضافة أي سماع خير وحق، ﴿ويؤمن بالله﴾ معناه يصدق
بالله، ﴿ويؤمن للمؤمنين) قيل معناه ويصدق المؤمنين واللام زائدة كما هي في قوله ﴿ردف لكم﴾
[النمل: ٧٢] وقال المبرد هي متعلقة بمصدر مقدر من الفعل كأنه قال وإيمانه للمؤمنين أي تصديقه، ويقال
آمنت لك بمعنى صدقتك ومنه قوله تعالى: ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف: ١٧].
قال القاضي أبو محمد: وعندي أن هذه التي معها اللام في ضمنها باء فالمعنى ويصدق للمؤمنين بما
يخبرونه، وكذلك ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ [يوسف: ١٧] بما نقوله لك والله المستعان، وقرأ جميع السبعة إلا
حمزة ((ورحمةٌ)) بالرفع عطفاً على ﴿أذن﴾، وقرأ حمزة وحده ((ورحمةٍ)) بالخفض عطفاً على ﴿خير﴾، وهي
قراءة أبي بن كعب وعبد الله والأعمش، وخصص الرحمة ﴿للذين آمنوا﴾ إذ هم الذين نجوا بالرسول وفازوا
به، ثم أوجب تعالى للذين يؤذون رسول الله العذاب الأليم وحتم عليهم به، وقوله تعالى: ﴿يحلفون بالله
لكم) الآية، ظاهر هذه الآية أن المراد بها جميع المنافقين الذين يحلفون لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وللمؤمنين بأنهم منهم في الدين وأنهم معهم في كل أمر وكل حزب، وهم في ذلك يبطنون النفاق
ويتربصون الدوائر وهذا قول جماعة من أهل التأويل، وقد روت فرقة أنها نزلت بسبب رجل من المنافقين
قال إن كان ما يقول محمد صلى الله عليه وسلم حقاً فأنا شر من الخمر، فبلغ قوله رسول الله صلى الله عليه
وسلم فدعاه ووقف على قوله ووبخه فحلف مجتهداً أنه ما فعل، فنزلت الآية في ذلك، وقوله ﴿والله﴾
مذهب سيبويه أنهما جملتان حذفت الأولى لدلالة الثانية عليها، والتقدير عنده والله أحق أن يرضوه ورسوله
أحق أن يرضوه وهذا كقول الشاعر: [المنسرح]
ـدك راض والرأي مختلفُ
نحن بما عندنا وأنت بما عن
ومذهب المبرد أن في الكلام تقديماً وتأخيراً، وتقديره والله أحق أن يرضوه ورسوله قال وكانوا
يكرهون أن يجمع الرسول مع الله في ضمير، حكاه النقاش عنه، وليس هذا بشيء، وفي مصنف أبي داود
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما)) فجمع في ضمير، وقوله
صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر ((بئس الخطيب أنت))، إنما ذلك وقف في يعصهما فأدخل العاصي
في الرشد، وقيل الضمير في ﴿يرضوه﴾ عائد على المذكور كما قال رؤية: [الرجز].
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبلقْ كأنَّه في الجلد توليعُ البهقْ

٥٤
تفسير سورة التوبة / الآيات : ٦٤ - ٦٦
وقوله ﴿إن كانوا مؤمنين﴾ أي على قولهم ودعواهم، وقوله ﴿ألم يعلموا﴾ الآية، قوله ﴿ألم﴾ تقرير
ووعيد، وفي مصحف أبي بن كعب ((ألم تعلم)) على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو وعید لهم،
وقرأ الأعرج والحسن ((ألم تعلموا)) بالتاء، و﴿يحادد﴾ معناه يخالف ويشاق، وهو أن يعطي هذا حده وهذا
حده لهذا، وقال الزجاج: هو أن يكون هذا في حد وهذا في حد، وقوله ﴿فإن﴾ مذهب سيبويه أنها بدل من
الأولى وهذا معترض بأن الشيء لا يبدل منه حتى يستوفى، والأولى في هذا الموضع لم يأت خبرها بعد إذ
لم يتم جواب الشرط، وتلك الجملة هي الخبر، وأيضاً فإن الفاء تمانع البدل، وأيضاً فهي في معنى آخر
غير الأول فيقلق البدل، وإذا تلطف للبدل فهو بدل الاشتمال وقال غير سيبويه: هي مجردة لتأكيد الأولى
وقالت فرقة من النحاة: هي في موضع خبر ابتداء تقديره فواجب أن له، وقيل المعنى فله أن له، وقالت فرقة:
هي ابتداء والخبر مضمر تقديره فإن له نار جهنم واجب، وهذا مردود لأن الابتداء بـ ((أن)) لا يجوز مع إضمار
الخبر، قاله المبرد: وحكي عن أبي علي الفارسي قول يقرب معناه من معنى القول الثالث من هذه التي
ذكرنا لا أقف الآن على لفظه، وجميع القراء على فتح ((أن)) الثانية، وحكى الطبري عن بعض نحوبي
البصرة أنه اختار في قراءتها كسر الألف، وذكر أبو عمرو الداني أنها قراءة ابن أبي عبلة، ووجهه في العربية
قوي لأن الفاء تقتضي القطع والاستئناف ولأنه يصلح في موضعها الاسم ويصلح الفعل وإذا كانت كذلك
وجب کسرها.
قوله عز وجل :
يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنَبِتُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِءُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ
مَّا تَحْذَرُونَ ﴿وَ لَيِنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَئِهِ،
لَا تَعْنَذِرُ وَأَقَّدَّكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَنِكُمْ إِن نَعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ
وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴾
مِّنكُمْ تُعَذِّبْ طَابِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ
قوله، ﴿يحذر﴾ خبر عن حال قلوبهم، وحذرهم إنما هو أن تتلى سورة ومعتقدهم هل تنزل أم لا
ليس بنص في الآية لكنه ظاهر، فإن حمل على مقتضى نفاقهم واعتقادهم أن ذلك ليس من عند الله فوجه
بين، وإن قيل إنهم يعتقدون نزول ذلك من عند الله وهم ينافقون مع ذلك فهذا كفر عناد، وقال الزجاج
وبعض من ذهب إلى التحرز من هذا الاحتمال: معنى يحذر الأمر وإن كان لفظه لفظ الخبر كأنه يقول
(يحذر))، وقرأ أبو عمرو وجماعة معه ((أن تُنْزَل)) ساكنة النون خفيفة الزاي، وقرأ بفتح النون مشددة الزاي
الحسن والأعرج وعاصم والأعمش، و﴿أن﴾ من قوله ﴿أن تنزل﴾، مذهب سيبويه أن، ﴿يحذر﴾ عامل فهي
مفعوله، وقال غيره حذر إنما هي من هيئات النفس التي لا تتعدى مثل فزع وإنما التقدير يحذر المنافقون من
أن تنزل عليهم سورة، وقوله ﴿قل استهزئوا﴾ لفظه الأمر ومعناه التهديد، ثم ابتدأ الإخبار عن أنه يخرج لهم
إلى حيز الوجود ما يحذرونه، وفعل ذلك تبارك وتعالى في سورة براءة فهي تسمى الفاضحة لأنها فضحت
١
المنافقين، وقال الطبري: كان المنافقون إذا عابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا شيئاً من أمره قالوا
لعل الله لا يفشي سرنا فنزلت الآية في ذلك.
:

٥٥
تفسير سورة التوبة / الآيات : ٦٤ - ٦٦
قال القاضي أبو محمد: وهذا يقتضي كفر العناد الذي قلناه، وقوله ﴿ولئن سألتهم﴾ الآية، نزلت
على ما ذكر جماعة من المفسيرين في وديعة بن ثابت وذلك أنه مع قوم من المنافقين كانوا يسيرون في غزوة
تبوك، فقال بعضهم لبعض هذا يريد أن يفتح قصور الشام ويأخذ حصون بني الأصفر هيهات هيهات،
فوقفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، وقال لهم قلتم كذا وكذا، فقالوا ﴿إنما كنا نخوض
ونلعب﴾، يريدون كنا غير مجدين، وذكر ابن إسحاق أن قوماً منهم تقدموا النبي صلى الله عليه وسلم،
وقال بعضهم كأنكم والله غداً في الحبال أسرى لبني الأصفر إلى نحو هذا من القول، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم لعمار بن ياسر: ((أدرك القوم فقد احترقوا وأخبرهم بما قالوا))، ونزلت الآية، وروي أن وديعة بن
ثابت المذكور قال في جماعة من المنافقين: ما رأيت كقرائنا هؤلاء لا أرغب بطوناً ولا أكثر كذباً ولا أجبن
عند اللقاء فعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه المقالة فقالوا ﴿إنما كما نخوض ونلعب﴾، ثم
أمره بتقريرهم ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون﴾ وفي ضمن هذا التقرير وعيد، وذكر الطبري عن
عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت قائل هذه المقالة وديعة متعلقاً بحقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم
يماشيها والحجارة تنكبه وهو يقول ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ والنبي يقول ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم
تستهزئون﴾، وذكر النقاش أن هذا المتعلق كان عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك خطأ لأنه لم يشهد تبوك،
وقوله تعالى: ﴿لا تعتذروا﴾ الآية، المعنى قل لهم يا محمد لا تعتذروا على جهة التوبيخ كأنه قال لا تفعلوا
ما لا ينفع.
ثم حکم علیهم بالكفر فقال لهم ﴿قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ الذي زعمتموه ونطقتم به، وقوله ﴿عن
طائفة منكم) يريد فيما ذكر المفسرون رجلاً واحداً قيل اسمه مخشن بن حفير قاله ابن إسحاق، وقال ابن
هشام ويقال فيه مخشي وقال خليفة بن خياط في تاريخه مخاشن بن حمير وذكر ابن عبد البر مخاشن
الحميري وذكر جميعهم أنه استشهد باليمامة وكان قد تاب وتسمى عبد الرحمن، فدعا الله أن يستشهد،
ويجهل أمره فكان ذلك باليمامة ولم يوجد جسده، وذكر أيضاً ابن عبد البر محشي بن حمير بضم الحاء
وفتح الميم وسكون الياء ولم يتقن القصة، وكان محشي مع المنافقين الذين قالوا ﴿إنما كنا نخوض
ونلعب﴾ فقيل كان منافقاً ثم تاب توبة صحيحة، وقيل كان مسلماً مخلصاً إلا أنه سمع كلام المنافقين
فضحك لهم ولم ينكر عليهم فعفا الله عنه في كلا الوجهين، ثم أوجب العذاب لباقي المنافقين الذين قالوا
ما تقدم، وقرأ جميع السبعة سوى عاصم (إن يعف عن طائفة)) بالياء ((تعذب)) بالتاء، وقرأ الجحدري ((إن
يعف)) بالياء على تقدير يعذب الله ((طائفة)) بالنصب، وقرأ عاصم وزيد بن ثابت وأبو عبد الرحمن ((إن نعف))
بالنون ((نعذب)) بنون الجميع أيضاً، وقرأ مجاهد ((إن تعفُ)) بالتاء المضمومة على تقدير إن تعف هذه
الذنوب ((تعذب)) بالتاء أيضاً.
قوله عز وجل:
اٌلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ اُلْمَعْرُوفِ
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِ يَهُمْ نَسُوْاَللَّهَ فَنَسِيَهُمَّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ ﴿ وَعَدَ
٤
١

٥٦
تفسير سورة التوبة / الآيات : ٦٧ - ٦٩
اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَجَهَتَّمَ خَلِينَ فِيهَأَ هِىَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَ هُمُ اللَّهُ
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلَا
٦٨
وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ لـ
وَأَوْلَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِحَقِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَلَفِكُمْ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
بِخَةِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُوْاْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
٦٩
وَأُوْلََكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
هذا ابتداء إخبار عنهم وحكم من الله تعالى عليهم بما تضمنته الآية، فقوله ﴿بعضهم من بعض﴾ یرید
في الحكم والمنزلة من الكفر، وهذا نحو قولهم الأذنان من الرأس يريدون في حكم المسح وإلا فمعلوم
أنهما من الرأس، ولما تقدم قبل «وما هم منكم» حسن هذا الإخبار، وقوله ﴿يأمرون بالمنكر﴾ یرید بالكفر
وعبادة غير الله وسائر ذلك من الآية لأن المنافقين الذين نزلت هذه الآيات فيهم لم يكونوا أهل قدرة ولا
أفعال ظاهرة وذلك بسبب ظهور الإسلام وكلمة الله عز وجل، و((القبض)) هو عن الصدقة وفعل الخير، وقوله
تعالى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أي تركوه حين تركوا نبيه وشرعته فتركهم حين لم يهدهم ولا كفاهم عذاب
النار، وإنما يعبر بالنسيان عن الترك مبالغة إذا بلغ وجوه الترك الوجه الذي يقترن به نسيان، وعلى هذا
يجيء ﴿ولا تنسوا الفضل بينكم﴾ [البقرة: ٢٣٧] ﴿ولا تنس نصيبك من الدنيا﴾ [القصص: ٧٧] ثم حكم
عليهم عز وجل بالفسق وهو فسوق الكفر المقتضي للخلود في النار.
وكان قتادة يقول ﴿فنسيهم﴾ أي من الخير ولم ينسهم من الشر، وقوله ﴿وعد الله المنافقين﴾ الآية،
لما قيد الوعد بالتصريح بالشر صح ذلك وحسن وإن كانت آية وعيد محض، و﴿الكفار﴾ في هذه الآية
المعلنون، وقوله ﴿هي حسبهم﴾ أي كافيتهم وكافية جرمهم وكفرهم نكالاً وجزاء، فلو تمنى أحد لهم عذاباً
لكان ذلك عنده حسباً لهم، ﴿ولعنهم الله﴾ معناه أبعدهم عن رحمته، و﴿عذاب مقيم﴾ معناه مؤبد لا نقلة
له، وقوله تعالى ﴿كالذين من قبلكم﴾ الآية، أمر الله نبيه أن يخاطب بها المنافقين فيقول لهم ﴿کالذین من
قبلكم﴾، والمعنى أنتم كالذين أو مثلكم مثل الذين من قبلكم، وقال الزجّاج: المعنى وعداً كما وعد الذين
من قبلكم فهو متعلق بوعد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، ثم قال ﴿كانوا أشد منكم﴾ وأعظم فعصوا فأهلكوا فأنتم أحرى
بالإهلاك لمعصيتكم وضعفكم، والخلاق الحظ من القدر والدين وجميع حال المرء وخلاق المرء الشيء
الذي هو به خليق والمعنى عجلوا حظهم في دنياهم وتركوا باب الآخرة فاتبعتموهم أنتم.
قال القاضي أبو محمد: وأورد الطبري في تفسير هذه الآية قوله صلى الله عليه وسلم ((لتتبعن سنن
من قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه))، وما شاكل هذا الحديث مما
يقتضي اتباع محمد صلى الله عليه وسلم لسائر الأمم، وهو معنى لا يليق بالآية جداً إذ هي مخاطبة المنافقين
كفار أعمالهم حابطة والحديث مخاطبة لموحدين يتبعون سنن من مضى في أفعال دنيوية لا تخرج عن

٥٧
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٧٠ - ٧٢
الدين، وقوله ﴿خضتم كالذي خاضوا﴾ أي خلطتم كالذي خلطوا، وهو مستعار من الخوض في المائعات،
ولا يستعمل إلا في الباطل، لأن التصرف في الحقائق إنما هو على ترتيب ونظام، وأمور الباطل إنما هي
خوض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((رب متخوض في مال الله له النار يوم القيامة))، ثم قال
تعالى: ﴿أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة﴾ فيحتمل أن يراد بـ ﴿أولئك﴾ القوم الذين وصفهم
بالشدة وكثرة الأموال والاستمتاع بالخلاق، والمعنى وأنتم أيضاً كذلك يعتريكم بإعراضكم عن الحق،
ويحتمل أن يريد بـ﴿أولئك﴾ المنافقين المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويكون الخطاب لمحمد
صلى الله عليه وسلم وفي ذلك خروج من خطاب إلى خطاب غير الأول، و((حبط العمل)) وما جرى مجراه
يحبط حبطاً إذا بطل بعد التعب فيه، وحبّط البطن حبّطاً بفتح الباء وهو داء في البطن، ومنه قول النبي صلى
الله عليه وسلم ((إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم))، وقوله ﴿في الدنيا﴾ معناه إذا كان في المنافقين ما
يصيبهم في الدنيا من المقت من المؤمنين وفساد أعمالهم عليهم وفي الآخرة بأن لا تنفع ولا يقع
عليها جزاء، ويقوي أن الإشارة بـ ﴿أولئك﴾ إلى المنافقين قوله في الآية المستقبلة (ألم يأتهم) فتأمله.
قوله عز وجل :
أَلَّيَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَاٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَهِيمَ وَأَصْحَبٍ مَذْيَنَ
وَالْمُؤْنَفِكَتِ أَنَنْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْأَنْفُسَهُمْ
يَظْلِمُونَ ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اُلْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَئِكَ سَيَرْجِمَهُمُ
ج
اللهُ إِنَّاللَّهَ عَزِ يزٌ حَكِيمٌ ﴾َّ وَ عَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْنِهَا الْأَنْهَرُ
خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
اَلْعَظِيمُ
٧٢
1
يقول عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم ألم يأت هؤلاء المنافقين خبر الأمم السالفة التي عصت الله
بتكذيب رسله فأهلكها، ﴿وعاد وثمود﴾ قبيلتان، ﴿وقوم إبراهيم﴾ نمرود وأصحابه وتباع دولته،
﴿وأصحاب مدين﴾ قوم شعيب، ﴿والمؤتفكات) أهل القرى الأربعة، وقيل السبعة الذين بعث إليهم لوط
صلى الله عليه وسلم، ومعنى ﴿المؤتفكات﴾ المنصرفات والمنقلبات أفكت فانتفكت لأنها جعل أعاليها
أسفلها، وقد جاءت في القرآن مفردة تدل على الجمع، ومن هذه اللفظة قول عمران بن حطان: [البسيط]
بمنطق مستبينٍ غيرِ مُلْتَبِسٍ به اللسانُ وإني غيرُ مؤتفكِ
أي غير منقلب منصرف مضطرب ومنه يقال للريح مؤتفكة لتصرفها، ومنه ﴿أنى يؤفكون﴾
[المائدة: ٧٥، التوبة: ٣٠، العنكبوت: ٦١، الزخرف: ٨٧، المنافقون: ٤] والإفك صرف القول من
/

٥٨
-
تفسير سورة التوبة / الآيات: ٧٠ - ٧٢
الحق إلى الكذب، والضمير في قوله ﴿أتتهم رسلهم﴾ عائد على هذه الأمم المذكورة، وقيل على
﴿المؤتفكات﴾ خاصة، وجعل لهم رسلاً وإنما كان نبيهم واحداً لأنه كان يرسل إلى كل قرية رسولاً داعياً،.
فهم رسل رسول الله ذكره الطبري، والتأويل الأول في عود الضمير على جميع الأمم أبين، وقوله
﴿بالبينات﴾ يريد بالمعجزات وهي بينة في أنفسها بالإضافة إلى الحق لا بالإضافة إلى المكذبين بها، ولما.
فرغ من ذكر المنافقين بالأشياء التي ينبغي أن تصرف عن النفاق وتنهى عنه عقب ذلك بذكر المؤمنين
بالأشياء التي ترغب في الإيمان وتنشط إليه تلطفاً منه تعالى بعباده لا رب غيره، وذكرت هنا ((الولاية)) إذ لا
ولاية بين المنافقين لا شفاعة لهم ولا يدعو بعضهم لبعض وكان المراد هنا الولاية في الله خاصة، وقوله
﴿بالمعروف﴾ يريد بعبادة الله وتوحيده وكل ما اتبع ذلك، وقوله ﴿عن المنكر) يريد عن عبادة الأوثان وكل
ما اتبع ذلك، وذكر الطبري عن أبي العالية أنه قال كل ما ذكر الله في القرآن من الأمر بالمعروف فهو دعاء
من الشرك إلى الإسلام وكل ما ذكر من النهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشياطين، وقال ابن
عباس في قوله ﴿ويقيمون الصلاة﴾ هي الصلوات الخمس.
قال القاضي أبو محمد: وبحسب هذا تكون ﴿الزكاة﴾ المفروضة، والمدح عندي بالنوافل أبلغ، إذ
من يقيم النوافل أحرى بإقامة الفرض، وقوله ﴿ويطيعون الله ورسوله﴾ جامع للمندوبات، والسين في قوله
﴿سيرحمهم﴾ مدخلة في الوعد مهلة لتكون النفوس تنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، وقوله
تعالى ﴿وعد الله المؤمنين) الآية، وعد في هذه الآية صريحة في الخير، وقوله ﴿من تحتها﴾ إما من تحت:
أشجارها وإما من تحت علياتها وإما من تحتها بالإضافة إلى مبدأ كما تقول في دارين متجاورتين متساويتي
المكان هذه تحت هذه، وذكر الطبري في قوله ﴿ومساكن طيبة﴾ عن الحسن أنه قال سألت عنها عمران بن
الحصين وأبا هريرة فقالا على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قصر في
الجنة من اللؤلؤ فيه سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء، في كل بيت
سبعون سريراً، ونحو هذا مما يشبه هذه الألفاظ أو يقرب منها فاختصرتها طلب الإيجاز، وأما قوله ﴿في
جنات عدن) فمعناه في جنات إقامة وثبوت يقال عدن الشيء في المكان إذا أقام به وثبت، ومنه المعدن أي
موضع ثبوت الشيء، ومنه قول الأعشى :
يضافوا إلى راجح قد عدن
وإن يستضيفوا إلى حلمه
هذا الكلام اللغوي، وقال كعب الأحبار ﴿جنات عدن﴾ هي بالفارسية جنات الكروم والأعناب.
قال القاضي أبو محمد: وأظن هذا وهماً اختلط بالفردوس، وقال الضحاك ﴿جنات عدن﴾ هي مدينة
الجنة وعظمها فيها الأنبياء والعلماء والشهداء وأئمة العدل والناس حولهم بعد، والجنات حولها، وقال ابن
مسعود: ((عدن)) هي بطنان الجنة وسرتها، وقال عطاء: ((عدن)) نهر في الجنة جناته على حافته، وقال
الحسن: ((عدن)) قصر في الجنة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل ومد بها صوته.
قال القاضي أبو محمد: والآية تأبى هذا التخصيص إذ قد وعد الله بها جمع المؤمنين، وأما قوله
﴿ورضوان من الله أكبر﴾ فروي فيه أن الله عز وجل يقول لعباده إذا استقروا في الجنة هل رضيتم؟ فيقولون
... .

- ٥٩
تفسير سورة التوبة / الآيتان : ٧٣، ٧٤
وكيف لا نرضى يا ربنا؟ فيقول إني سأعطيكم أفضل من هذا كله، رضواني أرضى عليكم فلا أسخط
عليكم أبداً، الحديث، وقوله ﴿أكبر﴾ يريد أكبر من جميع ما تقدم، ومعنى الآية والحديث متفق، وقال
الحسن بن أبي الحسن وصل إلى قلوبهم برضوان الله من اللذة والسرور ما هو ألذ عندهم وأقر لأعينهم من
كل شيء أصابوه من لذة الجنة.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن يكون قوله تعالى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ إشارة إلى منازل
المقربين الشاربين من تسنيم والذين يرون كما يرى النجم الفائر في الأفق، وجميع من في الجنة راض
والمنازل مختلفة، وفضل الله تعالى متسع، و﴿الفوز﴾ النجاة والخلاص ومن ﴿أدخل الجنة فقد فاز﴾ [آل
عمران: ١٨٥] والمقربون هم في الفوز العظيم، والعبارة عندي عن حالهم بسرور وكمال أجود من العبارة
عنها بلذة، واللذة أيضاً مستعملة في هذا.
قوله عز وجل :
--
أ
يَّأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَنهُمْ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
O
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلَمِهِمْ وَهَمُواْبِمَا لَمْيَنَالُواْ
ج
وَمَانَقَمُوْ إِلَّ أَنْ أَغْنَمُهُمُ اللَّهُوَرَسُولُهُ، مِن فَضْلِهِ، فَإِن يَتُوبُواْيَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْاْيُعَذِّبُهُمُ
اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ
٧٤
---
قوله ﴿جاهد﴾ مأخوذ من بلوغ الجهد وهي مقصود بها المكافحة والمخالفة، وتتنوع بحسب
المجاهد فجهاد الكافر المعلن بالسيف، وجهاد المنافق المتستر باللسان والتعنيف والاکفهرار في وجهه،
ونحو ذلك، ألا ترى أن من ألفاظ الشرع قوله صلى الله عليه وسلم ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة
الله))، فجهاد النفس إنما هو مصابرتها باتباع الحق وترك الشهوات، فهذا الذي يليق بمعنى هذه الآية لكنا
نجلب قول المفسرين نصاً لتكون معرضة للنظر، قال الزجّاج: وهو متعلق في ذلك بألفاظ ابن مسعود: أمر
في هذه الآية بجهاد الكفار والمنافقين يالسيف، وأبيح له فيها قتل المنافقين، قال ابن مسعود: إن قدر وإلا
فباللسان وإلا فبالقلب والاكفهرار في الوجه.
قال القاضي أبو محمد: والقتل لا يكون إلا مع التجليح ومن جلح خرج عن رتبة النفاق، وقال ابن
عباس: المعنى ((جاهد المنافقين)) باللسان، وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى جاهد المنافقين بإقامة
الحدود عليهم، قال: وأكثر ما كانت الحدود يومئذ تصيب المنافقين.
قال القاضي أبو محمد: ووجه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم المنافقين بالمدينة أنهم لم يكونوا
مجلحين بل كان كل مغموص عليه إذا وقف ادعى الإسلام، فكان في تركهم إبقاء وحياطة للإسلام ومخافة
أن تنفر العرب إذا سمعت أن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل من يظهر الإسلام، وقد أوجبت هذا المعنى
في صدر سورة البقرة، ومذهب الطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرفهم ويسترهم، وأما قوله
أ

٦٠
تفسير سورة التوبة / الآيتان : ٧٣، ٧٤
تعالى: ﴿واغلظ عليهم﴾ فلفظة عامة تتصرف في الأفعال والأقوال واللحظات، ومنه قوله تعالى: ﴿ولو
كنت فظاً غليظ القلب﴾ [آل عمران: ١٥٩] ومنه قول النسوة لعمر بن الخطاب: أنت أفظ من رسول الله
صلى الله عليه وسلم ومعنى الغلظ خشن الجانب فهي ضد قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من
المؤمنين﴾ [الشعراء: ٢١٥] ثم جرت الآية المؤمنين عليهم في عقب الأمر بإخباره أنهم في جهنم، والمعنى
هم أهل لجميع ما أمرت أن تفعل بهم، و ((المأوى)) حيث يأوي الإنسان ويستقر، وقوله ﴿يحلفون بالله ما
قالوا﴾ الآية، هذه الآية نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، وذلك كأنه كان يأتي من قباء ومعه ابن
امرأته عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق، وقال عروة اسمه مصعب، وقال غيره وهما على حمارين.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمى قوماً ممن اتهمهم بالنفاق، وقال إنهم رجس، فقال
الجلاس للذي كان يسير معه: والله ما هؤلاء الذين سمى محمد إلا كبراؤنا وسادتنا، ولئن كان ما يقول
محمد حقاً لنحن شر من حمرنا هذه، فقال له ربيبه أو الرجل الآخر؟ والله إنه لحق، وإنك لشر من حمارك،
ثم خشي الرجل من أن يلحقه في دينه درك، فخرج وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقصة فأرسل
النبي صلى الله عليه وسلم في الجلاس فقرره فحلف بالله ما قال، فنزلت هذه الآية، والإشارة بـ ﴿كلمة
الكفر﴾ إلى قوله: إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمر، إن التكذيب في قوة هذا الكلام، قال
مجاهد وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله، ثم لم
يفعل عجزاً عن ذلك فإلى هذا هي الإشارة بقوله ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾، وقال قتادة بن دعامة: نزلت هذه
الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول، وذلك أن سنان بن وبرة الأنصاري والجهجاه الغفاري كسع أحدهما
رجل الآخر في غزوة المريسيع، فثاروا، فصاح جهجاه بالأنصار وصاح سنان بالمهاجرين، فثار الناس فهدن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: ما أرى هؤلاء إلا قد تداعوا علينا، ما مثلنا
ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ
ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفه فحلف أنه لم يقل ذلك، فنزلت الآية مكذبة له، والإشارة
بـ ﴿كلمة الكفر﴾ إلى تمثيله: سمن كلبك يأكلك، قال قتادة والإشارة بـ ﴿هموا﴾ إلى قوله لئن رجعنا إلى
المدينة، وقال الحسن هم المنافقون من إظهار الشرك ومكابرة النبي صلى الله عليه وسلم بما لم ينالوا،
وقال تعالى: ﴿بعد إسلامهم﴾ ولم يقل بعد إيمانهم لأن ذلك لم يتجاوز ألسنتهم، وقوله تعالى: ﴿وما
تقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله﴾، معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفذ لعبد الله بن أبي ابن سلول
دية كانت قد تعطلت له، ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفاً، وقيل بل كانت للجلاس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب الخلاف المتقدم فيمن نزلت الآية من أولها، وتقدم اختلاف
القراء في ﴿نقموا﴾ في سورة الأعراف، وقرأها أبو حيوة وابن أبي عبلة بكسر القاف، وهي لغة، وقوله ﴿إلا
أن أغناهم الله﴾ استثناء من غير الأول كما قال النابغة:
بهن فلول من قراع الكتائب
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
فكأن الكلام وما نقموا إلا ما حقه أن يشكر، وقال مجاهد في قوله ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ إنها نزلت