النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٥٣ - ٥٦
موضع خبر الابتداء، وقوله ﴿فأخذهم﴾ معناه أهلكهم وأتى عليهم بقرينة قوله ﴿بذنوبهم﴾ ثم ابتدأ الإخبار
بقوة الله تعالى وشدة عقابه.
قوله عز وجل :
ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْمَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
٥٣
كَدَأْبٍ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآَ
ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلْ كَانُواْ ظَلِمِينَ ﴿﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ عَهَدَتَ مِنْهُمْ ثُمَّ ◌َنَقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِ كُلِ مَّةٍ وَهُمْ لَا يَنَّقُونَ
٥٦
﴿ذلك﴾ في موضع رفع على خبر الابتداء تقديره عند سيبويه الأمر ذلك، ويحتمل أن يكون التقدير
وجب ذلك، والباء باء السبب، وقوله ﴿لم يك مغيراً﴾ جزم بـ ﴿لم﴾ وجزمه بحذف النون، والأصل يكون
فإذا دخلت لم جاء لم يكن، ثم قالوا ((لم يك مغيراً) كأنهم قصدوا التخفيف فتوهموا دخول ((لم)) على يكن
فحذفت النون للجزم، وحسن ذلك فيها لمشابهتها حروف اللين التي تحذف للجزم كما قالوا لم أبال، ثم
قالوا لم أبل فتوهموا دخول لم على أبال؟ ومعنى هذه الآية الإخبار بأن الله عز وجل إذا أنعم على قوم نعمة
فإنه بلطفه ورحمته لا يبدأ بتغيرها وتكديرها حتى يجيء ذلك منهم بأن يغيروا حالهم التي تراد وتحسن
منهم، فإذا فعلوا ذلك وتلبسوا بالتكسب للمعاصي أو الكفر الذي يوجب عقابهم غير الله نعمته عليهم بنقمته
منهم، ومثال هذا نعمة الله على قريش بمحمد صلى الله عليه وسلم فكفروا ما كان يجب أن يكونوا عليه،
فغير الله تلك النعمة بأن نقلها إلى غيرهم من الأنصار وأحل بهم عقوبته.
وقوله ﴿وأن﴾ عطف على الأولى، و﴿سميع عليم﴾ أي لكل وبكل ما يقع من الناس في تغيير ما
بأنفسهم لا يخفى عليه من ذلك سر ولا جهر، وقوله ﴿كدأب آل فرعون﴾ الآية، الكاف من ﴿كدأب﴾ في
هذه الآية متعلقة بقوله ﴿حتى يغيروا﴾، وهذا التكرير هو لمعنى ليس للأول، إذ الأول دأب في أن هلكوا
لما كفروا، وهذا الثاني دأب في أن لم تغير نعمتهم حتى غيروا ما بأنفسهم، وقد ذكرنا متعلقات الكاف في
الآية الأولى، والإشارة بقوله ﴿الذين من قبلهم﴾ إلى قوم هود وصالح ونوح وشعيب وغيرهم، وقوله تعالى:
﴿إن شر الدواب﴾ إلى ﴿يتقون﴾ المعنى المقصود تفضيل الدواب الذميمة كالخنزير والكلب العقور على
الكافرين الذين حتم عليهم بأنهم لا يؤمنون، وهذا الذي يقتضيه اللفظ، وأما الكافر الذي يؤمن فيما يستأنفه
من عمره فليس بشر الدواب، وقوله ﴿الذين عاهدت منهم﴾ يحتمل أن يريد أن الموصوف ب﴿شر الدواب﴾ هم
الذين لا يؤمنون المعاهدون من الكفار فكانوا شر الدواب على هذا بثلاثة أوصاف: الكفر والموافاة عليه
والمعاهدة مع النقض، و﴿الذين﴾ على هذا بدل البعض من الكل، ويحتمل أن يريد بقوله ﴿الذين
عاهدت﴾ ﴿الذين) الأولى، فتكون بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، والمعنى على هذا الذين
عاهدت فرقة أو طائفة منهم، ثم ابتدأ يصف حال المعاهدين بقوله: ﴿ثم ينقضون عهدهم في كل مرة﴾،

٥٤٢
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٥٧ - ٥٩
والمعاهدة في هذه الآية المسالمة وترك الحرب، وأجمع المتأولون أن الآية نزلت في بني قريظة، وهي بعد
تعم كل من اتصف بهذه الصفة إلى يوم القيامة، ومن قال إن المراد بـ ﴿الدواب﴾ الناس فقول لا يستوفي
المذمة، ولا مرية في أن الدواب تعم الناس وسائر الحيوان، وفي تعميم اللفظة في هذه الآية استيفاء
المذمة، وقوله ﴿في كل مرة﴾ يقتضي أن الغدر قد كان وقع منهم وتكرر ذلك، وحديث قريظة هو أنهم
عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ألا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدواً من غيرهم، فلما اجتمعت
الأحزاب على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة غلب على ظن بني قريظة أن النبي صلى الله عليه وسلم،
مغلوب ومستأصل، وخدع حيي بن أخطب النضري كعب بن أسد القرظي صاحب بني قريظة وعهدهم،
فغدروا ووالوا قريشاً وأمدوهم بالسلاح والأدراع، فلما انجلت تلك الحال عن النبي صلى الله عليه وسلم،
أمره الله بالخروج إليهم وحربهم فاستنزلوا، وضربت أعناقهم بحكم سعد بن معاذ، واستيعاب القصة في
سيرة ابن هشام، وإنما اقتضبت منها ما يخص تفسير الآية.
قوله عز وجل :
فَإِمَّا نَثْقَفَّهُمْ فِىِ الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمِ مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (
وَإِمَّا تَّخَافَنَ مِن
٥٧
ج
قَوْمٍ خِيَانَةً فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَايِنِينَ ﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْسَبَقُوَأْ
إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
٥٩
دخلت النون مع (إما)) تأكيداً ولتفرق بينها وبين إما التي هي حرف انفصال في قولك جاءني إما زيد
وإما عمرو ﴿وتثقفهم﴾ معناه وتحصلهم في ثقافك أو تلقاهم بحال ضعف تقدر عليهم فيها وتغلبهم، وهذا
لازم من اللفظ لقوله ﴿في الحرب﴾، وقيل ثقف أخذ بسرعة ومن ذلك قولهم: رجل ثقف لقف، وقال بعض
الناس معناه تصادفنهم إلى نحو هذا من الأقوال التي لا ترتبط في المعنى، وذلك أن المصادف يغلب فيمكن
التشريد به، وقد لا يغلب، والثقاف في اللغة ما تشد به القناة ونحوها، ومنه قول الشاعر: [البسيط].
إن قناتي لنبع ما يؤيسها عض الثقاف ولا دهن ولا نار
وقال آخر: [البسيط]
عض الثقاف على صم الأنابيب
تدعو قعیناً وقد عضّ الحديد بها
وقوله ﴿فشرد﴾ معناه طرد وخوف وأبعده عن مثل فعلهم، والشريد المبعد عن وطن أو نحوه،
والمعنى بفعل تفعله بهم من قتل أو نحوه يكون تخويفاً لمن خلفهم أي لمن يأتي بعدهم بمثل ما أتوا به،
وسواء كان معاصراً لهم أم لا، وما تقدم الشيء فهو بين يديه وما تأخر عنه فهو خلفه، فمعنى الآية فإن
أسرت هؤلاء الناقضين في حربك لهم فافعل بهم من النقمة ما يكون تشريداً لمن يأتي خلفهم في مثل
طريقتهم، والضمير في ﴿لعلهم﴾ عائد على الفرقة المشردة، وقال ابن عباس: المعنى نكل بهم من
خلفهم، وقالت فرقة ((شرد بهم)) معناه سمع بهم، حكاه الزهراوي عن أبي عبيدة، والمعنى متقارب لأن
.
.

٥٤٣
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٥٧ - ٥٩
التسميع بهم في ضمن ما فسرناه أولاً، وفي مصحف عبد الله ((فشرذ)) بالذال منقوطة، وهي قراءة الأعمش
ولم يحفظ شرذ في لغة العرب ولا وجه لها إلا أن تكون الذال المنقوطة تبدل من الدال كما قالوا لحم
خراديل وخراذيل، وقرأ أبو حيوة وحكاها المهدوي عن الأعمش بخلاف عنه: ((مِن خلفهم)) بكسر الميم من
قوله ﴿من﴾ وخفض الفاء من قوله ﴿خلفهم) والترجي في قوله ﴿لعلهم﴾ بحسب البشر، و﴿يذكرون﴾
معناه يتعظون .
وقوله تعالى: ﴿وإما تخافن﴾ الآية قال أكثر المؤلفين في التفسير: إن هذه الآية هي من بني قريظة،
وحكاه الطبري عن مجاهد، والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة قد انقضى عند قوله ﴿فشرد
بهم من خلفهم﴾ ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة
إلى سالف الدهر، وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته فترتب فيهم هذه الآية وإنما كانت
خيانتهم ظاهرة مشتهرة، فهذه الآية هي عندي فيمن يستقبل حاله من سائر الناس غير بني قريظة، وخوف
الخيانة بأن تبدو جنادع الشر من قبل المعاهدين وتتصل عنهم أقوال وتتحسس من تلقائهم مبادىء الغدر،
فتلك المبادىء معلومة والخيانة التي هي غايتهم مخوفة لا متيقنة، وحينئذ ينبذ إليهم على سواء، فإن التزموا
السلم على ما يجب وإلا حوربوا، وبنو قريظة نبذوا العهد مرتين، وقال يحيى بن سلام: تخاف في هذه الآية
بمعنى تعلم.
قال القاضي أبو محمد: وليس كذلك، وقوله ﴿خيانة﴾ يقتضي حصول عهد لأن من ليس بينك وبينه
عهد فليست محاربته لك خيانة، فأمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم إذا أحس من أهل عهد ما
ذكرنا، وخاف خيانتهم أن يلقي إليهم عهدهم، وهو النبذ ومفعول قوله ﴿فانبذ﴾ محذوف تقديره إليهم
عهدهم .
قال القاضي أبو محمد: وتقتضي قوة هذا اللفظ الحض على حربهم ومناجزتهم إن لم يستقيموا، وقوله
﴿على سواء﴾ قيل معناه حتى يكون الأمر في بيانه والعلم به على سواء منك ومنهم، فتكونون فيه أي في
استشعار الحرب سواء، وقيل معنى قوله ﴿على سواء﴾ أي على معدلة أي فذلك هو العدل والاستواء في
الحق، قال المهدوي: معناه جهراً لا سراً.
قال القاضي أبو محمد: وهذا نحو الأول، وقال الوليد بن مسلم: ﴿على سواء﴾ معناه على مهل كما
قال تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتهم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر)
[التوبة: ٢].
قال القاضي أبو محمد: واللغة تأبى هذا القول، وذكر الفراء أن المعنى انبذ إليهم على اعتدال وسواء
من الأمر أي بيّن لهم على قدر ما ظهر منهم لا تفرط ولا تفجأ بحرب، بل افعل بهم مثلما فعلوا بك.
قال القاضي أبو محمد: يعني موازنة ومقايسة، وقوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ يحتمل أنا
يكون طعناً على الخائنين من الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ويحتمل أن يريد فانبذ إليهم على
سواء حتى تبعد عن الخيانة، فإن الله لا يحب الخائنين فيكون النبذ على هذا التأويل لأجل أن الله لا يحب
ا

٥٤٤
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٥٧ - ٥٩
الخائنين، والسواء في كلام العرب قد يكون بمعنى العدل والمعدلة، ومنه قوله تعالى: ﴿إلى كلمة سواء
بيننا وبينكم﴾ [آل عمران: ٦٤] ومنه قول الراجز: [الرجز]
حتى يجيبوك إلى السواء
فاضرب وجوه الغدر الأعداء
وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله تعالى: ﴿في سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] ومنه قول
حسان بن ثابت: [الكامل]
يا ويح أنصار النبي ورهطه بعد المغيّب في سواء الملحدِ
وقوله تعالى: ﴿ولا یحسبنَّ الذین کفروا سبقوا إنهم لا يعجزون﴾ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو
وعاصم والكسائي ((ولا تحسبن)) بالتاء مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وبكسر السين غير عاصم فإنه
فتحها، و﴿الذين كفروا﴾ مفعول أول، و﴿سبقوا﴾ مفعول ثان، والمعنى فأتوا بأنفسهم وأنجوها ((إنهم لا
يعجزون)) بكسر ألف ((إن)) على القطع والابتداء، و﴿يعجزون﴾ معناه مفلتون ويعجزون طالبهم، فهو
معدى عجز بالهمزة تقول عجز زيد وأعجزه غيره وعجزه أيضاً، قال سويد: [الوافر]
صحيح الجلد من أثر السلاحِ
وأعجزنا أبو ليلى طفيل.
وروي أن الآية نزلت فيمن أفلت من الكفار في حرب النبي صلى الله عليه وسلم، كقريش في بدر
وغيرهم، فالمعنى لا تظنهم ناجين بل هم مدركون، وقيل معناه لا يعجزون في الدنيا، وقيل المراد في
الآخرة، قال أبو حاتم وقرأ مجاهد وابن كثير وشبل ((ولا تحسبن)) بكسر التاء، وقرأ الأعرج وعاصم
وخالد بن الياس ((تَحسَبن)) بفتح التاء من فوق وبفتح السين، وقرأ الأعمش ((ولا يَحسَب)) بفتح السين والياء
من تحت وحذف النون، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وأبو عبد الرحمن وابن محيصن وعيسى ((ولا يحسبنّ)»
بياء من تحت وسين مكسورة ونون مشددة، وقرأ حفص عن عاصم وابن عامر وحمزة ((ولا يحسبْنَ)) بالياء
على الكناية عن غائب وبفتح السين، فإما أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون
التقدير ولا يحسبن أحد، ويكون ﴿قوله الذين كفروا﴾ مفعولاً أولاً و﴿سبقوا﴾ مفعولاً ثانياً، وإما أن يكون
﴿الذين كفروا﴾ هم الفاعلون، ويكون المفعول الأول مضمراً و﴿سبقوا﴾ مفعول ثان، وتقدير هذا الوجه
ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا، وإما أن يكون ﴿الذين كفروا﴾ هو الفاعل وتضمر ((أن)) فيكون
التقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، وتسد أن سبقوا مسد المفعولين، قال الفارسي: ويكون هذا كما
تأوله سيبويه في قوله عز وجل قال ﴿أَفغير الله تأمروني أعبد﴾ [الزمر: ٦٤] التقدير أن أعبد.
قال القاضي أبو محمد: ونحوه قول الشاعر: [الطويل]
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
قال أبو علي: وقد حذفت ((أن)) وهي مع صلتها في موضع الفاعل، وأنشد أحمد بن يحيى في ذلك:
[الطويل]
وما راعنا إلا يسير بشرطة وعهدي به قيناً يفش بكير
:٠

٥٤٥
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٦١،٦٠
وقرأ ابن عامر وحده من السبعة ((أنهم لا يعجزون)) بفتح الألف من ((أنهم))، ووجهه أن يقدر بمعنى
لأنهم لا يعجزون أي لا تحسبن عليهم النجاة لأنهم لا ينجون، وقرأ الجمهور ((يعْجزون)) بسكون العين،
وقرأ بعض الناس فيما ذكر أبو حاتم ((يعَجّزون)) بفتح العين وشد الجيم، وقرأ ابن محيصن ((يعجزونٍ)) بكسر
النون ومنحاها يعجزوني بإلحاق الضمير، قال الزجّاج: الاختيار فتح النون ويجوز كسرها على المعنى أنهم
لا يعجزونني، وتحذف النون الأولى لاجتماع النونين، كما قال الشاعر: [الوافر]
تراه كالثغام يعل مسكاً يسوء الفاليات إذا فليني
قال القاضي أبو محمد: البيت لعمرو بن معد يكرب وقال أبو الحسن الأخفش في قول متمم بن
نويرة: [الكامل]
للحادثات فهل تريني أجزع
ولقد علمت ولا محالة أننى
هذا يجوز على الاضطرار، فقال قوم حذف النون الأولى وحذفها لا يجوز لأنها موضع الإعراب،
وقال أبو العباس المبرد: أرى فيما كان مثل هذا حذف الثانية، وهكذا كان يقول في بيت عمرو بن
معديكرب، وفي مصحف عبد الله ((ولا يحسب الذين كفروا أنهم سبقوا أنهم لا يعجزون))، قال أبو عمرو
الداني بالياء من تحت وبغير نون في يحسب.
قال القاضي أبو محمد: وذكرها الطبري بنون.
قوله عز وجل :
وَأَعِدُواْلَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُمْ مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ اُلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَانَعْلَمُونَهُمَّ اللَّهُ يَعْلَمُهُمّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِى سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
٦١
وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ ﴿وَإِن جَنَحُوْ لِلسَّلِّمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
المخاطبة في هذه الآية لجميع المؤمنين، والضمير في قوله ﴿لهم﴾ عائد على الذين ينبذ إليهم
العهد ، أو على الذين لا يعجزون على تأويل من تأول ذلك في الدنيا ، ويحتمل أن يعيده على جميع
الكفار المأمور بحربهم في ذلك الوقت ثم استمرت الآية في الأمة عامة، إذ الأمر قد توجه بحرب جميع
الكفار وقال عكرمة مولى ابن عباس: ((القوة)) ذكور الخيل و((الرباط)) إناثها، وهذا قول ضعيف، وقالت فرقة:
القوة الرمي واحتجت بحديث عقبة بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ((ألا إن القوة الرمي، ألا
إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي)) ثلاثاً، وقال السدي: القوة السلاح، وذهب الطبري إلى عموم اللفظة،
وذكر عن مجاهد أنه رئي يتجهز وعنده جوالق فقال: هذا من القوة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الصواب، و ﴿الخيل﴾ والمركوب في الجملة والمحمول عليه من
الحيوان والسلاح كله والملابس الباهية والآلات والنفقات كلها داخلة في القوة، وأمر المسلمون بإعداد ما

٥٤٦ -
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٦١،٦٠
استطاعوا من ذلك، ولما كانت الخيل هي أصل الحروب وأوزارها والتي عقد الخير في نواصيها وهي أقوى
القوة وحصون الفرسان خصها الله بالذکر تشریفاً على نحو قوله ﴿من کان عدواً لله وملائكته ورسله وجبریل
وميكائيل﴾ [البقرة: ٩٨] وعلى نحو قوله ﴿فاكهة ونخل ورمان﴾ [الرحمن: ٦٨] وهذا كثير، ونحوه قول
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، هذا في البخاري وغيره، وقال في
صحيح مسلم ((جعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً))، فذكرت التراب على جهة التحفي به إذ هو أعظم أجزاء
الأرض مع دخوله في عموم الحديث الآخر، ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحرب وأنكاه في
العدو وأقربه تناولاً للأرواح خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر والتنبيه عليها، وقد روي عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد الثلاثة من المسلمين الجنة، صانعه والذي
يحتسب في صنعته والذي يرسي به)) وقال عمرو بن عنبسة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من
رمى بسهم في سبيل الله أصاب العدو أو أخطأ فهو كعتق رقبة)) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ارموا
واركبوا، وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا)). و﴿رباط الخيل﴾ جمع ربط ككلب وكلاب، ولا يكثر ربطها
إلا وهي كثيرة، ويجوز أن يكون الرباط مصدراً من ربط كصاح صياحاً ونحوه لأن مصادر الثلاثي غير المزيد
لا تنقاس، وإن جعلناه مصدراً من رابط فكأن ارتباط الخيل واتخاذها يفعله كل واحد لفعل آخر له فترابط
المؤمنون بعضهم بعضاً. فإذا ربط كل واحد منهم فرساً لأجل صاحبه فقد حصل بينهم رباط، وذلك الذي
حض في الآية عليه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من ارتبط فرساً في سبيل اللّه فهو كالباسط يده بالصدقة
لا يقبضها))، والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة ((ومن رُبُط)) بضم
الراء والباء وهو جمع رباط ككتاب وكُتُب، كذا نصه المفسرون وفي جمعه وهو مصدر غير مختلف نظر
و﴿ترهبون﴾ معناه تفزعون وتخوفون، والرهبة الخوف، قال طفيل الغنوي: [البسيط]
بني كلاب غداة الرعب والرهب
ويل أم حيّ دفعتم في نحورهم
ومنه راهب النصارى، يقال رهب إذا خاف، فـ ﴿ترهبون﴾ معدى بالهمزة، وقرأ الحسن ويعقوب
(تُرَهّبون)) بفتح الراء وشد الهاء معدى بالتضعيف، ورويت عن أبي عمرو بن العلاء، قال أبو حاتم: وزعم
عمرو أن الحسن قرأ ((يرهبون)) بالياء من تحت وخففها، فهو على هذا المعدى بالتضعيف، وقرأ ابن عباس
وعكرمة ((تخزون به عدو الله)).
قال القاضي أبو محمد: ذكرها الطبري تفسيراً لا قراءة، وأثبتها أبو عمرو الداني قراءة، وقوله ﴿عدو
الله وعدوكم﴾ ذكر الصفتين وإن كانت متقاربة إذ هي متغايرة المنحى، وبذكرهما يتقوى الذم وتتضح وجوه
بغضنا لهم، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ((عدواً لله)) بتنوين عدو وبلام في المكتوبة، والمراد بهاتين
الصفتين من قرب وصاقب من الكفار وكانت عداوته متحركة بعد، ويجوز أن يراد بها جميع الكفار ويبين
هذا من اختلافهم في قوله ﴿وآخرين من دونهم﴾ الآية، قال مجاهد الإشارة بقوله ﴿وآخرين﴾ إلى قريظة،
وقال السدي: إلى أهل فارس، وقال ابن زيد: الإشارة إلى المنافقين، وقالت فرقة: الإشارة إلى الجن، وقالت
فرقة : هم كل عدو للمسلمين غير الفرقة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرد بهم من خلفهم.
:
:

٥٤٧
تفسير سورة الأنفال / الآيتان : ٦١٫٦٠
قال القاضي أبو محمد: وهذا الخلاف إنما ينبغي أن يترتب على ما يتوجه من المعنى في قوله ﴿لا
تعلمونهم﴾ فإذا حملنا قوله ﴿لا تعلمونهم﴾ على عمومه ونفينا علم المؤمنين بهذه الفرقة المشار إليها جملة
واحدة وكان العلم بمعنى المعرفة لا يتعدى إلا إلى مفعول واحد لم يثبت من الخلاف في قوله ﴿آخرين﴾
إلا قول من قال الإشارة إلى المنافقين وقول من قال: الإشارة إلى الجن، وإذا جعلنا قوله ﴿لا تعلمونهم﴾
محاربين أو نحو هذا مما تفيد به نفي العلم عنهم حسنت الأقوال، وكان العلم متعدياً إلى مفعولين.
قال القاضي أبو محمد: هذا الوجه أشبه عندي، ورجح الطبري أن الإشارة إلى الجن وأسند في ذلك
ما روي من أن صهيل الخيل ينفر الجن وأن الشيطان لا يدخل داراً فيها فرس الجهاد ونحو هذا، وفيه على
احتماله نظر، وكان الأهم في هذه الآيات أن يبرز معناها في كل ما يقوي المسلمين على عدوهم من الإنس
وهم المحاربون والذين يدافعون على الكفر ورهبتهم من المسلمين هي النافعة للإسلام وأهله، ورهبة
الجن وفزعهم لا غناء له في ظهور الإسلام، بل هو تابع لظهور الإسلام وهو أجنبي جداً والأولى أن يتأول
المسملين إذا ظهروا وعزوا هابهم من جاورهم من العدو المحارب لهم، فإذا اتصلت حالهم تلك بمن بعد
من الكفار داخلته الهيبة وإن لم يقصد المسلمون إرهابهم فأولئك هم الآخرون، ویحسن أن يقدر قوله ﴿لا
تعلمونهم﴾ بمعنى لا تعلمونهم فازعين راهبين ولا تظنون ذلك بهم، والله تعالى يعلمهم بتلك الحالة،
ويحسن أيضاً أن تكون الإشارة إلى المنافقين على جهة الطعن عليهم والتنبيه على سوء حالهم وليستريب
بنفسه كل من يعلم منها نفاقاً إذا سمع الآية، ولفزعهم ورهبتهم غناء كثير في ظهور الإسلام وعلوه، وقوله
﴿من دونهم﴾ بمنزلة قولك دون أن يكون هؤلاء فـ ((دون)) في كلام العرب و ((من دون)» يقتضي عدم المذكور
بعدها من النازلة التي هي فيها القول، ومنه المثل :
وأمر دون عبيدة الوذم
تفضل تعالى بعدة المؤمنين على إنفاقهم في سبيل الله بأن النفقة لا بد أن توفى أي تجازى ويثاب
عليها، ولزوم هذا هو في الآخرة، وقد يمكن أن يجازي الله تعالى بعض المؤمنين في الدنيا مجازاة مضافة
إلى مجازاة الآخرة، وقوله تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ الآية، الضمير في ﴿جنحوا﴾ هو
للذين نبذ إليهم على سواء، وجنح الرجل إلى الأمر إذا مال إليه وأعطى يده فيه، ومنه قيل للأضلاع جوانح
لأنها مالت على الحشوة وللخباء جناح وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير وقال ذو الرمة:
بذكراك والعيس المراسيل جنح
إذا مات فوق الرحل أحييت روحه
وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض ومنه قول النابغة: [الطويل].
إذا ما التقى الجمعان أول غالب
جوانح قد أيقنَّ أن قبيله
أي موائل. وقال لبيد: [الوافر]
مكبّاً يجتلي نُقَبَ النصال
جنوح الهالكيِّ على يديه
وقرأ جمهور الناس ((للسَّلم) بفتح السين وشدها وقرأ عاصم في رواية بكر ((للسِّلم)) بكسرها وشدها

٥٤٨٠
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٦٢ - ٦٤
وهما لغتان في المسالمة، ويقال أيضاً ((السَّلَم)) بفتح السين واللام ولا أحفظها قراءة، وقرأ جمهور الناس
((فاجنَح)) بفتح النون وهي لغة تميم، وقرأ الأشهب العقيلي ((فاجنح)) وهي لغة قيس بضم النون، قال أبو
الفتح وهذه القراءة هي القياس، لأن فعل إذا كان غير متعد فمستقبله يفعل بضم العين أقيس قعد يقعد أقيس
من جلس يجلس ، وعاد الضمير في ﴿لها﴾ مؤنثاً إذ السلم بمعنى المسالمة والهدنة، وقيل السلم مؤنثة
كالحرب ذكره النحاس، وقال أبو حاتم يذكر السلم، وقال قتادة والحسن بن أبي الحسن وعكرمة وابن زيد:
هذه الآية منسوخة بآيات القتال في براءة.
قال القاضي أبو محمد: وقد يحتمل ألا يترتب نسخها بها بأن يعنى بهذه من تجوز مصالحته وتبقى
تلك في براءة في عبدة الأوثان وإلى هذا ذهب الطبري وما قالته الجماعة صحيح أيضاً إذا كان الجنوح إلى
سلم العرب مستقراً في صدر الإسلام فنسخت ذلك آية براءة ونبذت إليهم عهودهم، وروي عن ابن عباس
أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [آل عمران: ١٣٩] الآية.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من أن يقوله ابن عباس رضي الله عنه، لأن الآيتين مبيتان،
وقوله ﴿وتوكل على الله﴾ أمر في ضمنه وعد.
قوله عز وجل :
وَإِن يُرِيدُوَأْأَن يَخْدَعُوَكَ فَإِنَ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ، وَبِاَلْمُؤْمِنِينَ ﴿ وَأَلَّفَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهُ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ
٦٤
إِنَّهُ عَنِزُ حَكِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنْ أَتَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
الضمير في قوله ﴿وإن يريدوا﴾ عائد على الكفار الذين قيل فيهم، ﴿وإن جنحوا﴾ [الأنفال: ٦١]
وقوله ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾ يريد بأن يظهروا له السلم ويبطنوا الغدر والخيانة، أي فاجنح وما عليك
من :اتهم الفاسدة، ﴿فإن حسبك الله﴾ أي كافيك ومعطيك نصرة وإظهاراً، وهذا وعد محض، و﴿أيدك﴾
معناه قواك، ﴿وبالمؤمنين﴾ يريد بالأنصار بقرينة قوله ﴿وألف بين قلوبهم) الآية، وهذه إشارة إلى العداوة
التي كانت بين الأوس والخزرج في حروب بعاث فألف الله تعالى قلوبهم على الإسلام وردهم متحابين في
الله، وعددت هذه النعمة تأنيساً لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي كما لطف بك ربك أولاً فكذلك يفعل
آخراً، وقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في المتحابين في الله إذا تراءى المتحابان فتصافحا وتضاحكا
تحاتت خطاياهما، فقال له عبدة بن أبي لبابة إن هذا ليسير، فقال له لا تقل ذلك فإن الله يقول ﴿لو أنفقت ما
في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم﴾ قال عبدة : فعرفت أنه أفقه مني.
قال القاضي أبو محمد: وهذا كله تمثل حسن بالآية لا أن الآية نزلت في ذلك بل تظاهرت أقوال
المفسرين أنها في الأوس والخزرج كما ذكرنا، ولو ذهب إلى عموم المؤمنين في المهاجرين والأنصار
وجعل التأليف ما كان من جميعهم من التحاب حتى تكون ألفة الأوس والخزرج جزءاً من ذلك لساغ ذلك،
:

٥٤٩
تفسير سورة الأنفال / الآيتان : ٦٦،٦٥
وكل تألف في الله فتابع لذلك التألف الكائن في صدر الإسلام، وقد روى سهل بن سعد عن النبي صلى
الله عليه وسلم، أنه قال: ((المؤمن مألفة لا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف)».
قال القاضي أبو محمد: والتشابه هو سبب الألفة فمن كان من أهل الخير ألف أشباهه وألفوه، وقوله
تعالى: ﴿يا أيها النبي أحسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين﴾ قال النقاش: نزلت هذه الآية بالبيداء في غزوة
بدر قبل القتال، وحكي عن ابن عباس أنها نزلت في الأوس والخزرج خاصة، قال ويقال إنها نزلت حين
أسلم عمر وكمل المسلمون أربعين، قاله ابن عمر وأنس، فهي على هذا مكية، و﴿حسبك﴾ في كلام العرب
وشرعك بمعنى كافيك ويكفيك، والمحسب الكافي، وقالت فرقة: معنى هذه الآية يكفيك الله ويكفيك من
اتبعك من المؤمنين، فـ ﴿من﴾ في هذا التأويل رفع عطفاً على اسم الله عز وجل، وقال عامر الشعبي وابن
زيد: معنى الآية حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، فـ ﴿من﴾ في هذا التأويل في موضع نصب
عطفاً على موضع الكاف، لأن موضعها نصب على المعنى ليكفيك التي سدَّت ﴿حسبك﴾ مسدَّها، ويصح
أن تكون ﴿من﴾ في موضع خفض بتقدير محذوف كأنه قال وحسب وهذا كقول الشاعر: [المتقارب]
أكلُّ امرىٍ تحسبين امرأً ونار توقَّدُ بالليلِ نارا
التقدير وكل نار، وهذا الوجه من حذف المضاف مكروه بابه ضرورة الشعر، ويروى البيت وناراً،
ومن نحو هذا قول الشاعر: [الطويل]
إذا كانت الهيجاءُ وانشقَّت العصا فحسبُك والضحَّاكُ سيف مهند
يروى ((الضحاك)) مرفوعاً والضحاك منصوباً والضحاك مخفوضاً فالرفع عطف على قوله سيف بنية
التأخير كما قال الشاعر:
عليك ورحمة الله السلام
ويكون ((الضحاك)) على هذا محسباً للمخاطب، والنصب عطفاً على موضع الكاف من قوله ((حسبك»
والمهند على هذا محسب للمخاطب، والضحاك على تقدير محذوف كأنه قال فحسبك الضحاك.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ إِن يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِأْنَنَيْنٍ وَإِن
يَكُنْ مِّنكُم مِّأْئَةٌ يَغْلِبُوَ أْأَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ ﴿ اُلْكَنَ خَفَّفَ
اللّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيَكُمْ ضَعْفَا فَإِ يَكُنْ مِنكُمْ مِّأْتَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْتَنَيْنَّ وَإِن يَكُنْ مِنْكُمْ
17
أَلْفٌ يَغْلِبُوْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِرِينَ
قوله ﴿حرض﴾ معناه حثهم وحضهم، قال النقاش وقرئت ((حرص)) بالصاد غير منقوطة والمعنى
متقارب والحارض الذي هو القريب من الهلاك لفظة مباينة لهذه ليست منها في شيء، وقالت فرقة من
:

٥٥٠
تفسير سورة الأنفال / الآيتان : ٦٦،٦٥
المفسرين: المعنی حرض على القتال حتی یبین لك فیمن تركه أنه حرض.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول غير ملتئم ولا لازم من اللفظ، ونخا إليه الزجّاج، و﴿القتال﴾
مفترض على المؤمنين بغير هذه الآية، وإنما تضمنت هذه الآية أمر النبي صلى الله عليه وسلم، بتحريضهم
على أمر قد وجب عليهم من غير هذا الموضع، وقوله ﴿إن يكن﴾ إلى آخر الآية في لفظ خبر ضمنه وعد
بشرط لأن قوله ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ بمنزلة أن يقال إن يصبر منكم عشرون يغلبوا، وفي
ضمنه الأمر بالصبر وكسرت العين من ((عشرون)) لأن نسبة عشرين من عشرة نسبة اثنين من واحد فكما جاء
أول اثنين مكسوراً كسرت العين من عشرين ثم اطرد في جموع أجزاء العشرة، فالمفتوح كأربعة وخمسة
وسبعة فتح أول جمعه، والمكسور كستة وتسعة كسر أول جمعه، هذا قول سيبويه، وذهب غيره إلى أن عشرين
جمع عشر الإبل وهو وردها للتسع، فلما كان في عشرة وعشرة عشر وعشر ويومان من الثالث جمع ذلك
على عشرين، كما قال امرؤ القيس:
لما كان في الثلاثين حول
ثلاثون شهراً فى ثلاثة أحوال
وحول وبعض الثالث وتظاهرت الروايات عن ابن عباس وغيره من الصحابة بأن ثبوت الواحد للعشرة
كان فرضاً من الله عز وجل على المؤمنين ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو النسخ لأنه رفع حكم مستقر بحكم آخر شرعي، وفي ضمنه
التخفيف، إذ هذا من نسخ الأثقل بالأخف، وذهب بعض الناس إلى أن ثبوت الواحد للعشرة إنما كان على
جهة ندب المؤمنين إليه، ثم حط ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين، وروي أيضاً هذا عن ابن
عباس، قال كثير من المفسرين: وهذا تخفيف لا نسخ إذ لم يستقر لفرض العشرة حكم شرعي، قال مكي :
وإنما هو كتخفيف الفطر في السفر وهو لو صام لم يأثم وأجزأه.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، ولا يمتنع كون المنسوخ مباحاً من أن يقال نسخ، واعتبر ذلك
في صدقة النجوي، وهذه الآية التخفيف فيها نسخ للثبوت للعشرة، وسواء كان الثبوت للعشرة فرضاً أو ندباً
هو حكم شرعي على كل حال، وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه أو
غير عدده فجائز أن يقال له نسخ لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره، وذكر في ذلك خلافاً .
قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر في ذلك أن النسخ إنما يقال حينئذ على الحكم الأول مقيداً لا
بإطلاق واعتبر ذلك في نسخ الصلاة إلى بيت المقدس، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((إن يكن منكم مائة))
في الموضعين بياء على تذكير العلامة، ورواها خارجة عن نافع .
قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب المعنى لأن الكائن في تلك المائة إنما هم رجال وذاك في
الحمل على المعنى كقوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] إذ أمثالها
حسنات، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ((إن تكن منكم مائة)) في الموضعين على تأنيث العلامة.
قال القاضي أبو محمد: وهذا بحسب اللفظ والمقصد كأنه أراد إن تكن فرقة عددها مائة وقرأ أبو
:

٥٥١
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٦٧ - ٦٩
عمرو بالياء في صدر الآية وبالتاء في آخرها، ذهب في الأولى إلى مراعاة ﴿يغلبوا﴾ وفي الثانية إلى مراعاة
﴿صابرة﴾ قال أبو حاتم: وقرأ ((إن تكن)) بالتاء من فوق منكم ((عشرون صابرون)) الأعرج وجعلها كلها على ((ت).
قال القاضي أبو محمد: إلا قوله ﴿وإن يكن منكم ألف﴾ فإنه لا خلاف في الياء من تحت، قوله ﴿لا
يفقهون﴾ معناه لا يفهمون مراشدهم ولا مقصد قتالهم لا يريدون به إلا الغلبة الدنياوية، فهم يخافون إذا
صبر لهم، ومن يقاتل ليغلب أو يستشهد فيصير إلى الجنة أثبت قدماً لا محالة، وروى المفضل عن عاصم
((وعُلِمَ)) بضم العين وكسر اللام على البناء للمفعول، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر والكسائي وابن
عمرو والحسن والأعرج وابن القعقاع وقتادة وابن أبي إسحاق ((ضُعْفاً)) بضم الضاد وسكون العين، وقرأ
عاصم وحمزة وشيبة وطلحة ((ضَعْفاً)) بفتح الضاد وسكون العين، وكذلك اختلافهم في سورة الروم، وقرأ
عيسى بن عمر ((ضُعُفاً)) بضم الضاد والعين وذكره النقاش، وهي مصادر بمعنى واحد، قال أبو حاتم: من ضم
الضاد جاز له ضم العين وهي لغة، وحكى سيبويه الضَّعْف والضُّعْف لغتان بمنزلة الفَقْر والفُقر، حكى
الزهراوي عن أبي عمرو بن العلاء أنه قال: ضم الضاد لغة أهل الحجاز وفتحها لغة تميم ولا فرق بينهما في
المعنى، وقال الثعالبي في كتاب فقه اللغة له: الضَّعف بفتح الضاد في العقل والرأي، والضَّعف بضمها في
الجسم.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ترده القراءة وذكره أبو غالب بن التياني غير منسوب، وقرأ أبو جعفر
ابن القعقاع أيضاً ((ضعفاء)) بالجمع كظريف وظرفاء، وحكاها النقاش عن ابن عباس، وقوله ﴿والله مع
الصابرين﴾ لفظ خبر في ضمنه وعد وحض على الصبر، ويلحظ منه وعيد لمن لم يصبر بأنه يغلب.
قوله عز وجل:
مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِ اُلْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ
الْآخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿ لَوْلَ كِنَبُ مِّنَ اْللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
٦٨
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
٦٩
هذه الآية تتضمن عندي معاتبة من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى ما كان
ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي أسرى قبل الإثخان، ولهم هو الإخبار ولذلك
استمر الخطاب بـ ﴿تريدون﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ولا أراد
قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية مشيراً
إلى النبي صلى الله عليه وسلم في العتب حين لم ينه عن ذلك حين رآه من العريش، وأنكره سعد بن معاذ
ولكنه صلى الله عليه وسلم شغله بغت الأمر وظهور النصر فترك النهي عن الاستبقاء ولذلك بكى هو وأبو
بكر حين نزلت هذه الآية، ومر كثير من المفسرين على أن هذا التوبيخ إنما كان بسبب إشارة من أشار على
النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع أسرى بدر
استشار فيهم أصحابه، فقال أبو بكر الصديق يا رسول الله هم قرابتك ولعل الله أن يهديهم بعد إلى

٥٥٢
-
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٦٧ - ٦٩
الإسلام ففادهم واستبقهم ويتقوى المسلمون بأموالهم، وقال عمر بن الخطاب لا يا رسول الله بل نضرب
أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة بل نجعلهم في وادٍ كثير الحطب ثم نضرمه عليهم ناراً،
وقد كان سعد بن معاذ قال وهو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش وقد رأى الأسر لقد كان
الإثخان في القتل أحب إليَّ من استبقاء الرجال، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول أبي بكر ومال
إليه، فنزلت هذه الآية مخبرة أن الأولى والأهيب على سائر الكفار كان قتل أسرى بدر، قال ابن عباس نزلت
هذه الآية والمسلمون قليل، فلما كثروا واشتد سلطانهم نزل في الأسر ﴿فإما منّاً بعد وإما فداء﴾
[محمد: ٤٧] وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تكلم أصحابه في الأسرى بما ذكر
دخل ولم يجبهم ثم خرج، فقال: إن الله تعالى يلين قلوب رجال ويشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من
الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال ﴿فمن يتبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾
[إبراهيم: ٣٦] ومثل عيسى قال: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾
[المائدة: ١١٨] ومثلك يا عمر مثل نوح قال: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً﴾ [نوح: ٢٦]
ومثل موسى قال: ﴿ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم﴾
[يونس: ٨٨] ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنتم اليوم فلا يفلتن منهم رجل إلا بفدية أو ضرب
عنق، وفي هذا الحديث قال عمر: فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت.
قال القاضي أبو محمد: وهذه حجة على ذكر الهوى في الصلاح، وقرأت فرقة ((ما كان للنبيّ))
معرفاً، وقرأ جمهور الناس ((لنبي))، وقرأ أبو عمرو بن العلاء وحده ((أن تكون)) على التأنيث العلامة مراعاة
للفظ الأسرى، وقرأ باقي السبعة وجمهور الناس ((أن يكون)) بتذكير العلامة مراعاة لمعنى الأسرى، وقرأ
جمهور الناس والسبعة ((أسرى))، وقرأ بعض الناس ((أسارى)) ورواها المفضل عن عاصم، وهي قراءة أبي
جعفر، والقياس والباب أن يجمع أسير على أسرى، وكذلك كل فعيل بمعنى مفعول وشبه به فعيل وإن لم
يكن بمعنى مفعول كمريض ومرضى، إذا كانت أيضاً أشياء سبيل الإنسان أن يجبر عليها وتأتيه غلبة، فهو
فيها بمنزلة المفعول، وأما جمعه على أساری فشبيه بکسالى في جمع كسلان وجمع أيضاً كسلان على
كسلى تشبيهاً بأسرى في جمع أسير، قاله سيبويه: وهما شاذان، وقال الزجّاج: أسارى جمع أسرى فهو جمع
الجمع، وقرأ جمهور الناس ((يثخن)) بسكون الثاء، وقرأ أبو جعفر ويحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب ((یثخّن))
يفتح الثاء وشد الخاء، ومعناه في الوجهين يبالغ في القتل، والإثخان إنما يكون في القتل والجارحة وما كان
منها، ثم أمر مخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال ﴿تريدون عرضٍ الدنيا﴾ أي مالها الذي يعن
ويعرض، والمراد ما أخذ من الأسرى من الأموال، ﴿والله يريد الآخرة﴾ أي عمل الآخرة فحذف المضاف
وأقيم المضاف إليه مقامه، وقرأ ابن جماز ((الآخرةٍ)) بالخفض على تقدير المضاف، وينظر ذلك لقول
الشاعر: [المتقارب]
أكل امرىء تحسبين امرأً ونار توقّدُ بالليل نارا :...
على تقدير وكل نار، وذكر الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: إن شئتم
٠

٥٥٣
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٦٧ - ٦٩ -
أخذتم فداء الأسرى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم، وإن شئتم قتلوا وسلمتم، فقالوا نأخذ
المال ويستشهد منا سبعون، وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم
بتخییر الناس هكذا.
قال القاضي أبو محمد: وعلى الروايتين فالأمر في هذا التخيير من عند الله فإنه إعلام بغيب، وإذا
خيروا فكيف يقع التوبيخ بعد بقوله تعالى: ﴿لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم﴾ والذي أقول في هذا إن
العتب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ﴿ما كان لنبي) إلى قوله ﴿عظيم﴾ إنما هو على استبقاء
الرجال وقت الهزيمة رغبة في أخذ المال منهم وجميع العتب إذا نظر فإنما هو للناس، وهناك كان عمر يقتل
ويحض على القتل ولا يرى الاستبقاء، وحينئذ قال سعد بن معاذ: الإثخان أحب إليَّ من استبقاء الرجال،
وبذلك جعلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ناجيين من عذاب أن لو نزل، ومما يدل على حرص بعضهم
على المال قول المقداد حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط: أسيري يا رسول
الله، وقول مصعب أين عمير للذي يأسر أخاه شد يدك عليه فإن له أماً موسرة إلى غير ذلك من قصصهم،
فلما تحصل الأسرى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة والمنّ
في أبي عزة وغيره، وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله تعالى فاستشار رسول الله صلى الله عليه
وسلم حينئذ، فمر عمر رضي الله عنه على أول رأيه في القتل، ورأى أبو بكر رضي الله عنه المصلحة في
قوة المسلمين بمال الفداء، ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، وكلا الرأيين اجتهاد
بعد تخيير، فلم ينزل على شيء من هذا عتب، وذكر المفسرون أن الآية نزلت بسبب هذه المشورة والآراء،
وذلك معترض بما ذكرته، وكذلك ذكروا في هذه الآيات تحليل المغانم لهذه الأمة ولا أقول ذلك، لأن
حكم الله تعالى بتحليل المغنم لهذه الأمة قد كان تقدم قبل بدر وذلك في السرية التي قتل فيها عمرو بن
الحضرمي وإنما المبتدع في بدر استبقاء الرجال لأجل المال، والذي منَّ الله به فيها إلحاق فدية الكافر
بالمغانم التي قد تقدم تحليلها، ووجه ما قال المفسرون أن الناس خيروا في أمرين، أحدهما غير جيد
على جهة الاختبار لهم، فاختاروا المفضول فوقع العتب، ولم يكن تخييراً في مستويين، وهذا كما أتي
رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بإناءين فاختار الفاضل، و﴿عزيز حكيم﴾ صفتان من قبل الآية
لأن بالعزة والحكمة يتم مراده على الكمال والتوفية، وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين
عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً .
قال القاضي أبو محمد: وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب، وقد ذكره أيضاً أبو الحسن
الأخفش، وقال : العرب لا تعرف هذا وكلاهما عندهم سواء، وقوله تعالى: ﴿لولا كتاب من الله سبق ﴾
الآية، قالت فرقة: الكتاب السابق هو القرآن، والمعنى لولا الكتاب الذي سبق فآمنتم به وصدقتم لمسكم
العذاب لأخذكم هذه المفاداة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد والحسن أيضاً وابن زيد: الكتاب السابق هو
مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم أو تأخر، وقال الحسن وابن عباس وأبو هريرة وغيرهم: الكتاب هو
ما كان الله قضاه في الأزل من إحلال الغنائم والفداء لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وكانت في سائر
الأمم محرمة، وقالت فرقة: الكتاب السابق هو عفو الله عنهم في هذا الذنب معيناً، وقالت فرقة: الكتاب هو

٥٥٤
تفسير سورة الأنفال / الآجان: ٠٧٠ ٧١
أن الله عز وجل قضى أن لا يعاقب أحداً بذنب أتاه بجهالة، وهذا قول ضعيف تعارضه مواضع من الشريعة،
وذكر الطبري عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب أن الكتاب السابق هو أن لا يعذب أحداً
بذنب إلا بعد النهي عنه ولم يكونوا نهوا بعد، وقالت فرقة: الكتاب السابق هو ما قضاه الله من محو الصغائر
باجتناب الكبائر، وذهب الطبري إلى دخول هذه المعاني كلها تحت اللفظ وأنه يعمها،، ونكب عن
تخصيص معنى دون معنى، واللام في ﴿لمسكم﴾ جواب ﴿لولا﴾، و﴿كتاب﴾ رفع بالابتداء والخبر
محذوف، وهكذا حال الاسم الذي بعد لولا، وتقديره عند سيبويه لولا كتاب سابق من الله تدارككم، وما
من قوله ﴿فيما﴾ يراد بها إما الأسرى وإما الفداء، وهي موصولة، وفي ﴿أخذتم﴾ ضمير عائد عليها، ويحتمل
أن تكون مصدرية فلا تحتاج إلى العائد، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لو نزل في هذا الأمر
عذاب لنجا منه عمر بن الخطاب، وفي حديث آخرٍ وسعد بن معاذ، وذلك أن رأيهما كان أن يقتل الأسرى،
وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ الآية، نص على إباحة المال الذي أخذ من الأسرى وإلحاق له بالغنيمة
التي كان تقدم تحليلها، قوله ﴿حلالاً طيباً﴾ حال في قوله، ويصح أن يكونا من الضمير الذي في
﴿غنمتم﴾ ويحتمل أن يكون ﴿حلالاً﴾ مفعولاً بـ ((كلوا))، ﴿واتقوا الله﴾ معناه في التشرع حسب إرادة البشر
وشهوته في نازلة، أخرى، وجاء قوله ﴿واتقوا الله﴾ اعتراضاً فصيحاً في أثناء الكلام، لأن قوله ﴿إن الله
غفور رحيم﴾ هو متصل بالمعنى بقوله ﴿فكلوا مما غنمتم حلالاً طيباً﴾.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا النَّبِّقُل لِّمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْيَكُمْ خَيْرَاً مِمَّا أُخِذَ
مِنكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِن يُرِيدُ وَأْخِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ
مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ !
روي أن الأسرى بيدر أعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم لهم ميل إلى الإسلام وأنهم
يؤملونه وأنهم إن فدوا ورجعوا إلى قومهم التزموا جلبهم إلى الإسلام وسعوا في ذلك ونحو هذا الغرض،
ففي ذلك نزلت هذه الآية، وقال ابن عباس ﴿الأسرى﴾ في هذه الآية عباس وأصحابه، قالوا للنبي صلى
الله عليه وسلم آمنا بما جئت به ونشهد إنك لرسول الله لننصحن لك على قومنا فنزلت هذه الآية، وقرأ
جمهور الناس: ((من الأسرى)) وقرأ أبو عمرو وحده من السبعة ((من الأسارى)) وهي قراءة أبي جعفر وقتادة
ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق، واختلف عن الحسن بن أبي الحسن وعن الجحدري وقرأ إبن محيصن
((من السرى)) بالإدغام، ومعنى الكلام إن كان هذا عن جد منكم وعلم الله من نفوسكم الخير والإسلام
سيجبر عليكم أفضل مما أعطيتم فدية وسيغفر لكم جميع ما اجترحتموه، وقرأ الأعمش ((يثيبكم خيرً))، وقرأ
جمهور الناس ((أخذ)) بضم الهمزة وكسر الخاء، وقرأ شيبة بن نصاح وأبو حيوة ((أخذ) بفتحهل وروي أن
أسرى بدر افتدوا بأربعين أوقية أربعين أوقية إلا العباس فإنه افتدي بمائة أوقية.
قال القاضي أبو محمد: والأوقية أربعون درهماً، وقال قتادة فادوهم بأربعة آلاف أربعة آلاف، وقال

٥٥٥
تفسير سورة الأنفال / الآية : ٧٢
عبيدة السلماني كان فداء أسرى بدر مائة أوقية، والأوقية أربعون درهماً، ومن الدنانير ستة دنانير، وروي أن
العباس بن عبد المطلب قال: فيَّ وفي أصحابي نزلت هذه الآية، وقال حين أعطاه رسول الله صلى الله عليه
وسلم من مال البحرين ما قدر أن يقل، هذا خير مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر الله لي وأسند الطبري أيضاً
إلى العباس أنه قال فيّ نزلت حين أعلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وسألته أن يحاسبني
بالعشرين الأوقية التي أخذت مني قبل المفاداة فأبى وقال ذلك في فأبدلني الله من ذلك عشرين عبداً
كلهم تاجر بمالي، وروي عن العباس أنه قال: ما أود أن هذه الآية لم تنزل ولي الدنيا بأجمعها، وذلك أن الله
قد آتاني مما أخذ مني وأنا أرجو أن يغفر لي، وقوله تعالى: ﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله﴾ الآية،
قول أمر أن يقوله للأسرى ويورد معناه عليهم، والمعنى إن أخلصوا فعل بهم كذا وإن أبطنوا خيانة ما رغبوا
أن يؤتمنوا عليه من العهد فلا يسرهم ذلك ولا يسكنوا إليه، فإن الله بالمرصاد لهم الذي خانوه قبل بكفرهم
وتركهم النظر في آياته وهو قد بينها لهم إدراكاً يحصلونها به فصار كعهد متقرر، فجعل جزاؤهم على خيانتهم
إياه أن مكن منهم المؤمنين وجعلهم أسرى في أيديهم، وقوله ﴿عليم حكيم﴾ صفتان مناسبتان، أي عليم
بما يبطنونه من إخلاص أو خيانة حكيم فيما يجازيهم به.
قال القاضي أبو محمد: وأما تفسير هذه الآية بقصة عبد الله بن أبي سرخ فينبغي أن يحرر، فإن
جلبت قصة عبد الله بن أبي سرح على أنها مثال كما يمكن أن تجلب أمثلة في عصرنا من ذلك فحسن،
وإن جلبت على أن الآية نزلت في ذلك فخطأ، لأن ابن أبي سرح إنما تبين أمره في يوم فتح مكة، وهذه
الآية نزلت عقیب بدر.
قوله عز وجل :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوَّا
أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَةُ بَعْضِ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِّنْ وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنٍ
أُسْتَصَرُوَكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقُّ وَاَللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾
مقصد هذه الآية وما بعدها تبيين منازل المهاجرين والأنصار والمؤمنين الذين لم يهاجروا، والكفار
والمهاجرين بعد الحديبية، وذكر نسب بعضهم من بعض، فقدم أولاً ذكر المهاجرين وهم أصل الإسلام،
وانظر تقديم عمر لهم في الاستشارة و((هاجر)) معناه أهله وقرابته وهجروه، ﴿وجاهدوا﴾ معناه أجهدوا
أنفسهم في حرب من أجهد نفسه في حربهم، ﴿والذين آووا ونصروا﴾هم الأنصار وآوى معناه هيأ مأوى
وهو الملجأ والحرز، فحكم الله على هاتين الطائفتين بأن ﴿بعضهم أولياء بعض﴾، فقال كثير من المفسرين
هذه الموالاة هي المؤازرة والمعاونة واتصال الأيدي، وعليه فسر الطبري الآية، وهذا الذي قالوا لازم من
دلالة اللفظ، وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وكثير منهم إن هذه الموالاة هي في الميراث، وذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانت بين الأنصار أخوة النسب وكانت أيضاً بين
i

٥٥٦ -
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٧٣ - ٧٥
بعض المهاجرين فكان المهاجريّ إذا مات ولم يكن له بالمدينة ولي مهاجريّ ورثه أخوه الأنصاري، وإن
كان له ولي مسلم لم يهاجر، وكان المسلم الذي لم يهاجر لا ولاية بينه وبين قريبه المهاجري لا يرثه، قال
ابن زيد: واستمر أمرهم كذلك إلى فتح مكة، ثم توارثوا بعد ذلك لما لم تكن هجرة.
قال القاضي أبو محمد: فذهبت هذه الفرقة إلى أن هذا هو مقصد الآية، ومن ذهب إلى أنها في
التآزر والتعاون فإنما يحمل نفي الله تعالى ولايتهم عن المسلمين على أنها صفة الحال لا أن الله حكم بأن
لا ولاية بين المهاجرين وبينهم جملة، وذلك أن حالهم إذا كانوا متباعدي الأقطار تقتضي أن بعضهم إن
حزبه حازب لا يجد الآخر ولا ينتفع به فعلى هذه الجهة نفي الولاية، وعلى التأويلين ففي الآية حض
للأعراب على الهجرة، قاله الحسن بن أبي الحسن، ومن رأى الولاية في الموارثة فهو حكم من الله ينفي
الولاية في الموارثة، قالوا: ونسخ ذلك قوله تعالى ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفال: ٧٥]،
وقرأ جمهور السبعة والناس ((وَلايتهم)) بفتح الواو والولاية أيضاً بالفتح، وقرأ الكسائي ((وَلايتهم)) بفتح الواو
والولاية بكسر الواو، وقرأ الأعمش وابن وثاب ((ولايتهم)) والولاية بكسر الواو وهي قراءة حمزة، قال أبو علي
والفتح أجود لأنها في الدين، قال أبو الحسن الأخفش والكسر فيها لغة وليست بذلك ولحن الأصمعي
والأعمش وأخطأ عليه لأنها إذا كانت لغة فلم يلحن.
قال القاضي أبو محمد: لا سيما ولا يظن به إلا أنه رواها، قال أبو عبيدة: الولاية بالكسر هي من وليت
الأمر إليه فهي في السلطان، والولاية هي من المولى، يقال مولى بين الولاية بفتح الواو، وقوله ﴿وإن
استنصروكم﴾ يعني إن استدعى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصركم على قوم من الكفرة فواجب
عليكم نصرهم إلا إن استنصروكم على قوم كفار قد عاهدتموهم أنتم وواثقتموهم على ترك الحرب فلا
تنصروهم عليهم لأن ذلك عذر ونقض للميثاق وترك لحفظ العهد والوفاء به، والقراءة ((فعليكم النصرُ)) برفع
الراء، ويجوز ((فعليكم النصر)) على الإغراء، ولا أحفظه قراءة، وقرأ جمهور الناس ((والله بما تعملون))
على مخاطبة المؤمنين، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والأعرج ((بما يعملون)) بالياء على ذكر الغائب.
قوله عز وجل :
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ
٧٣
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ وا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقَِّكُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٦َّوَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ واْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنَكُمْ وَأُوْلُواْ
اُلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ فِ كِتَبِ اللَّهِ إِنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٧٥
هذا حكم بأن الكفار ولايتهم واحدة، وذلك بجمع الموارثة والمعاونة والنصرة، وهذه العبارة ترغيب
وإقامة للنفوس، كما تقول لمن تريد أن يستطلع: عدوك مجتهد، أي فاجتهد أنت، وحكى الطبري في
تفسير هذه الآية عن قتادة أنه قال: أبى الله أن يقبل إيمان من آمن ولم يهاجر، وذلك في صدر الإسلام،
:

٥٥٧
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٧٣ - ٧٥
وذلك أيضاً مذكور مستوعب في تفسير قوله عز وجل: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا
فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم
وساءت مصيراً﴾ [النساء: ٩٧].
والذي يظهر من الشرع أن حكم المؤمن التارك للهجرة مع علمه بوجوبها حكم العاصي لا حكم
الكافر، وقوله تعالى: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ [النساء: ٩٧] إنما هي فيمن قتل مع
الكفار، وفيهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا بريء من مسلم أقام بين المشركين لا تراءى ناراهما
الحديث على اختلاف ألفاظه وقول قتادة إنما هو فيمن كان يقوم متربصاً يقول من غلب كنت معه، وكذلك
ذكر في كتاب الطبري والكشي، والضمير في قوله ﴿إلا تفعلوه﴾ قيل هو عائد على الموارثة والتزامها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا تقع الفتنة عنه إلا عن بعد وبوساطة كثيرة، وقيل هو عائد على المؤازرة
والمعاونة واتصال الأيدي، وهذا تقع الفتنة عنه عن قرب فهو آكد من الأول، ويظهر أيضاً عوده على حفظ
العهد والميثاق الذي يتضمنه ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾ [الأنفال: ٧٢] وهذا إن لم يفعل فهي
الفتنة نفسها، ويظهر أن يعود الضمير على النصر للمسلمين المستنصرين في الدين، ويجوز أن يعود
الضمير مجملاً على جميع ما ذكر، والفتنة المحنة بالحرب وما أنجز معها من الغارات والجلاء والأسر،
و((الفساد الكبير)) ظهور الشرك، وقرأ جمهور الناس ((كبير)» بالباء المنقوطة واحدة، وقرأ أبو موسى الحجازي
عن الكسائي بالثاء منقوطة مثلثة وروى أبو حاتم المدني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ((وفساد
عريض))، وقرأت فرقة ((والذين كفروا بعضهم أولى ببعض))، وقوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وهاجروا﴾
الآية، آية تضمنت تخصيص المهاجرين والأنصار وتشريفهم بهذا الوصف العظيم، و﴿حقاً﴾ نصب على
المصدر المؤكد لما قبله، ووصف الرزق بالكريم معناه أنه لا يستحيل نجواً، والمراد به طعام الجنة، كما
ذكر الطبري وغيره ولازم اللفظ نفي المذمات عنه، وما ذكروه فهو في ضمن ذلك، وقوله ﴿من بعد﴾ یرید به
من بعد الحديبية وبيعة الرضوان، وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة قبل ذلك، وكان
يقال لها الهجرة الثانية، لأن الحرب وضعت أوزارها نحو عامين، ثم كان فتح مكة وبه قال صلى الله عليه
وسلم لا هجرة بعد الفتح، وقال الطبري : المعنى من بعد ما بينت لكم حكم الولاية .
قال القاضي أبو محمد: فكان الحاجز بين الهجرتين نزول الآية، فأخبر الله تعالى في هذه الآية بأنهم
من الأولين في المؤازرة وسائر أحكام الإسلام، وقوله تعالى: ﴿وجاهدوا معكم﴾ لفظ يقتضي أنهم تبع لا
صدر، وقوله ﴿فأولئك منكم﴾ كذلك، ونحوه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مولى القوم منهم وابن أخت
القوم منهم))، وقوله ﴿وأولو الأرحام) إلى آخر السورة، قال من تقدم ذكره هي في المواريث وهي ناسخة
للحكم المتقدم ذكره من أن يرث المهاجري الأنصاري، ووجب بهذه الآية الأخيرة أن يرث الرجل قريبه
وإن لم يكن مهاجراً معه، وقالت فرقة منها مالك بن أنس رحمه الله: إن الآية ليست في المواريث، وهذا
فرار عن توريث الخال والعمة ونحو ذلك، وقالت فرقة : هي في المواريث إلا أنها نسخت بآية المواريث
المبينة، وقوله ﴿في كتاب الله﴾، معناه القرآن أي ذلك مثبت في كتاب الله، وقيل المعنى في كتاب الله
السابق في اللوح المحفوظ، و﴿عليم﴾ صفة مناسبة لنفوذ هذه الأحكام، كمل تفسير سورة الأنفال.

:

٥٥٩
فهرس المحتويات
فھرس
الجزء الثاني
من المحرر الوجيز

1
: