النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٥ - ٧
المؤمنون﴾ ظاهرها أنها للمبالغة والتأكيد فقط أي الكاملون، ﴿وجلت﴾ معناه فزعت ورقت وخافت وبهذه
المعاني فسرت العلماء، وقرأ ابن مسعود ((فرقت))، وقرأ أبي بن كعب ((فزعت))، يقال وجل يوجل وياجل
وييجل وهي شاذة وييجل بكسر الياء الأولى ووجه هذه أنهم لما أبدلوا الواو ياء لم يكن لذلك وجه قياس،
فكسروا الياء الأولى ليجيء بدل الواو ياء لعلة، حكى هذه اللغات الأربع سيبويه رحمه الله، و﴿تلیت﴾
معناه سردت وقرئت، والآيات هنا القرآن المتلو، وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج عن نفس التصديق،
منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكماً من أحكام الله في القرآن فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم
فسمعه فآمن به، زاد إيماناً إلى سائر ماقد آمن به، إذ لكل حكم تصديق خاص، وهذا يترتب فيمن بلغه ما
لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة، وتترتب زيادة الإيمان بزيادة الدلائل، ولهذا قال مالك الإيمان يزيد
ولا ينقص وتترتب بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات.
وهؤلاء يقولون يزيد وينقص، وقوله (وعلى ربهم يتوكلون﴾ عبارة جامعة لمصالح الدنيا والآخرة إذا
اعتبرت وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز، وينتظر
بعد ما تكفل له به من نصر أو رزق أو غيره، وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين فجعلها
غاية للأمة يستبق إليها الأفاضل، ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم بإقامة الصلاة ومدحهم بها حضاً على
ذلك، وقوله ﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ قال جماعة من المفسرين: هي الزكاة.
قال القاضي أبو محمد: وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة وإلا فهو لفظ عام في
الزكاة ونوافل الخير وصلاة المستحقين، ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل، وقوله ﴿أولئك هم
المؤمنين حقاً﴾ يريد كل المؤمنين، و﴿حقاً﴾ مصدر مؤكد كذا نص عليه سيبويه، وهو المصدر غير المتنقل،
والعامل فيه أحق ذلك حقاً. وقوله ﴿درجات﴾ ظاهره، وهو قول الجمهور، أن المراد مراتب الجنة ومنازلها
ودرجتها على قدر أعمالهم، وحكى الطبري عن مجاهد أنها درجات أعمال الدنيا، وقوله ﴿ورزق كريم﴾
يريد به مآكل الجنة ومشاربها، و﴿كريم﴾ صفة تقتضي رفع المذام كقولك ثوب كريم وحسب كريم.
قوله عز وجل :
يُجَدِ لُونَكَ فِى الْحَقِّ
كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّيِفَتَيْنِ أَنَّهَا
بَعْدَ مَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (®
لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ،
وَيَقْطَّعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ
اختلف الناس في الشيء الذي تتعلق به الكاف من قوله ﴿كما﴾ حسبما نبين من الأقوال التي أنا
ذاكرها بعد بحول الله، والذي يلتئم به المعنى ويحسن سرد الألفاظ قولان، وأنا أبدأ بهما، قال الفراء:
التقدير امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا كما أخرجك ربك، هذا نص قوله في هداية مكي

٥٠٢
تفسير سورة الأنفال،، الآيات: ٥ - ٧
رحمه الله، والعبارة بقوله: امض لأمرك ونفل من شئت غير محررة، وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال إن هذه
الكاف شبهت هذه القصة التي هي إخراجه من بيته بالقصة المتقدمة التي هي سؤالهم عن الأنفال، كأنهم
سألوا عن النفل وتشاجروا فأخرج الله ذلك عنهم، فكانت فيه الخيرة كما كرهوا في هذه القصة انبعاث النبي
صلى الله عليه وسلم فأخرجه الله من بيته فكانت في ذلك الخيرة، فتشاجرهم في النفل بمثابة كراهيتهم ها
هنا للخروج، وحكم الله في النفل بأنه لله وللرسول دونهم هو بمثابة إخراجه نبيه صلى الله عليه وسلم من
بيته، ثم كانت الخيرة في القصتين فيما صنع الله، وعلى هذا التأويل يمكن أن يكون قوله ﴿يجادلونك﴾
كلاماً مستأنفاً يراد به الكفار، أي يجادلونك في شريعة الإسلام من بعد ما تبين الحق فيها، كأنما يساقون
إلى الموت في الدعاء إلى الإيمان.
!
قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ذكرت من أن ﴿يجادلونك﴾ في الكفار منصوص والقول الثاني قال
مجاهد والكسائي وغيرهما: المعنى في هذه الآية كما أخرجك ربك من بيتك على كراهية من فريق منهم
كذلك يجادلونك في قتال كفار مكة ويودون غير ذات الشوكة من بعد ما تبين لهم أنك إنما تفعل ما أمرت به
لا ما یریدون هم.
قال القاضي أبو محمد: والتقدير على هذا التأويل يجادلونك في الخق مجادلة ككراهتهم إخراج
ربك إياك من بيتك، فالمجادلة على هذا التأويل بمثابة الكراهية وكذلك وقع التشبيه في المعنى، وقائل
هذه المقالة يقول إن المجادلين هم المؤمنون، وقائل المقالة الأولى يقول إن المجادلين هم المشركون،
فهذان قولان مطردان يتم بهما المعنى ويحسن رصف اللفظ وقال الأخفش: الكاف نعت لـ ﴿حقاً﴾
[الأنفال: ٤]، والتقدير هم المؤمنون حقاً كما أخرجك.
قال القاضي أبو محمد: والمعنى على هذا التأويل كما تراه لا يتناسق وقيل الكاف في موضع رفع
والتقدير: كما أخرجك ربك فاتقوا الله كأنه ابتداء وخبر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا المعنى وضعه هذا المفسر وليس من ألفاظ الآية في ورد ولا صدر،
وقال أبو عبيدة: هو قسم أي لهم درجات ومغفرة ورزق كريم كما أخرجك بتقدير والذي أخرجك، فالكاف
في معنى الواو و ((ما)) بمعنى الذي، وقال الزجّاج: الكاف في موضع نصب والتقدير الأنفال ثابتة لك ثباتاً كما
أخرجك ربك، وقيل: الکاف في موضع رفع والتقدير لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق کریم هذا وعد
حق كما أخرجك، وقيل المعنى: وأصلحوا ذات بينكم ذلك خير لكم كما أخرجك، والكاف نعت الخبر
ابتداء محذوف، وقيل التقدير: قل الأنفال لله والرسول كما أخرجك، وهذا نحو أول قول ذکرته، وقال
عكرمة: التقدير وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين كما أخرجك ربك أي الطاعة خير لكم كما كان
إخراجك خيراً لكم، وقوله: ﴿من بيتك﴾ يريد من المدينة يثرب، قاله جمهور المفسرين وقال ابن بكير:
المعنى كما أخرجك من مكة وقت الهجرة، وقرأ عبد الله بن مسعود: ((في الحق بعدما بين)) بضم الباء من
غير تاء، والضمير في قوله ﴿يجادلونك﴾، قيل: هو للمؤمنين وقيل: للمشركين، فمن قال للمؤمنين جعل
﴿الحق﴾ قتال مشركي قريش، ومن قال للمشركين جعل ﴿الحق﴾ شريعة الإسلام، وقوله ﴿إلى الموت﴾

٥٠٣
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٥ - ٧
أي في سوقهم على أن المجادلين المؤمنون في دعائهم إلى الشرع على أنهم المشركون، وقوله ﴿وهم
ينظرون﴾ حال تزيد في فزع السوق وتقتضي شدة حاله.
وقوله تعالى: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم) الآية، في هذه الآية قصص حسن أنا :
أختصره إذ هو مستوعب في كتاب سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن هشام، واختصاره أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لما بلغه وقيل أوحي إليه أن أبا سفيان بن حرب قد أقبل من الشام بالعير التي فيها
تجارة قريش وأموالها، قال لأصحابه إن عير قريش قد عنت لكم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها، قال
فانبعث من معه من خف، وثقل قوم وكرهوا الخروج وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على
من تعذر ولا ينتظر من غاب ظهره، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه بين مهاجري وأنصاري، وقد
ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حرباً فلم يكثر استعدادهم، وكان أبو
سفيان في خلال ذلك يستقصي ويحذر، فلما بلغه خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ضمضم بن
عمرو الغفاري إلى مكة يستنفر أهلها، ففعل ضمضم، فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك، فلما
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهم، أوحى الله إليه وحياً غير متلو يعده إحدى الطائفتين، فعرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك، فسروا وودوا أن تكون لهم العير التي لا قتال معها، فلما
علم أبو سفيان بقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ طريق الساحل وأبعد وفات ولم يبق إلا لقاء أهل
مكة، وأشار بعض الكفار على بعض بالانصراف وقالوا عيرنا قد نجت فلننصرف، فحرش أبو جهل ولج
حتى كان أمر الوقعة، وقال بعض المؤمنين: نحن لم نخرج لقتال ولم نستعد له، فجمع رسول الله صلى الله
عليه وسلم أصحابه وهو بواد يسمى ذفران، وقال أشيروا علي أيها الناس، فقام أبو بكر فتكلم فأحسن
وحرض على لقاء العدو، فأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فقام عمر بمثل ذلك، فأعاد
رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة فتكلم المقداد الكندي فقال: لا نقول لك يا رسول الله إذهب
أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول إنا معكما مقاتلون. والله لو أردت بنا برك الغماد.
قال القاضي أبو محمد: وهي مدينة الحبشة لقاتلنا معك من دونها، فسر رسول الله صلى الله عليه
وسلم بكلامه ودعا له بخير، ثم قال أشيروا علي أيها الناس فكلمه سعد بن معاذ وقيل سعد بن عبادة.
قال القاضي أبو محمد: ويمكن أنهما جميعاً تكلما في ذلك اليوم، فقال يا رسول الله كأنك تريدنا
معشر الأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجل، فقال إنا آمنا بك واتبعناك فامض لأمر الله، فوالله لو
خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى
مصارع القوم، فالتقوا وكانت وقعة بدر، وقرأ مسلمة بن محارب ((وإذ يعدْكم)) بجزم الدال، قال أبو الفتح
ذلك لتوالى الحركات، وقرأ ابن محيصن ((وإذ يعدكم الله احدى الطائفتين)) بوصل الألف من ﴿إحدى﴾
وصلة الهاء بالحاء، و﴿الشوكة﴾ عبارة عن السلاح والحدة، ومنه قول الأعور: [الرجز]
إن العرفج قد أدبى
وقرأ أبو عمرو فيما حكى أبو حاتم ﴿الشوكة تكون﴾ بإدغام التاء في التاء، ومعنى الآية وتودون العير

٥٠٤
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٨ - ١٠
وتأبون قتال الكفار، وقوله ﴿ويريد الله﴾ الآية، المعنى ويريد الله أن يظهر الإسلام ويعلي دعوة الشرع، وقرأ
أبو جعفر وشيبة ونافع بخلاف عنهم ((بكلمته)) على الإفراد الذي يراد به الجمع، والمعنى في قوله
﴿بكلماته﴾ إما أن يريد بأوامره وأمره للملائكة والنصر لجميع ما يظهر الإسلام أن يكون، وإما أن يريد
بكلماته التي سبقت في الأزل والمعنى قريب، و((الدابر)» الذي يدبر القوم أي يأتي في آخرهم، فإذا قطع
فقد أتى على آخرهم بشرط أن يبدأ الإهلاك من أولهم، وهي عبارة في كل من أى الهلاك عليه.
قوله عز وجل :
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ
٨
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ
أَنِى مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُرْ دِفِينَ ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَيِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ
وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ
١٠
﴿ليحق الحق﴾ أي ليظهر ما يجب إظهاره وهو الإسلام ﴿ويبطل الباطل﴾ أي الكفر، ﴿ولو كره﴾
أي وكراهتهم واقعة فهي جملة في موضع الحال، وقوله: ﴿إِذ تستغيثون ربكم﴾ الآية، ﴿إذ﴾ متعلقة
بفعل، تقديره واذكر إذ وهو الفعل الأول الذي عمل في قوله ﴿وإذ يعدكم﴾ [الأنفال الآية: ٧] وقال
الطبري: هي متعلقة بـ ﴿يحق .. ويبطل﴾.
قال القاضي أبو محمد: ويصح أن يعمل فيها ﴿يعدكم﴾ [الأنفال: ٧] فإن الوعد كان في وقت الاستغاثة،
وقرأ أبو عمرو بإدغام الذال في التاء واستحسنها أبو حاتم، و﴿تستغيثون﴾ معناه تطلبون، وليس يبين من ألفاظ
هذه الآية أن المؤمنين علموا قبل القتال بكون الملائكة معهم، فإن استجاب یمکن أن یقع في غيبه تعالى، وقد
روي أنهم علموا ذلك قبل القتال، ومعنى التأنيس وتقوية القلوب يقتضي ذلك، وقرأ جمهور الناس ((أني))
بفتح الألف، وقرأ أبو عمرو في بعض ما روي عنه وعيسى بن عمر بخلاف عنه ((إني)) بكسر الألف أي قال
إني، و﴿ممدكم﴾، أي مكثركم ومقويكم من أمددت. وقرأ جمهور الناس («بألف)) وقرأ عاصم الجحدري
((بتألف)) على مثل فلس وأفلس فهي جمع ألف، والإشارة بها إلى الآلاف المذكورة في آل عمران، وقرأ
عاصم الجحدري أيضاً ((بآلاف)) و﴿مردفين﴾ معناه متبعين، ويحتمل أن يراد المردفين المؤمنين أي أردفوا
بالملائكة ف﴿مردفين﴾ على هذا حال من الضمير في قوله ﴿ممدكم﴾ ويحتمل أن يراد به الملائكة أي
أردف بعضهم ببعض، وهذه القراءة بفتح الدال وهي قراءة نافع وجماعة من أهل المدينة وغيرهم، وقرأ
سائر السبعة غير نافع ((مردِفين)) بكسر الدال وهي قراءة الحسن ومجاهد والمغنى فيها تابع بعضهم بعضاً،
وروي عن ابن عباس خلف كل ملك ملك، وهذا معنى التتابع يقال ردف وأردف إذا أتبع وجاء بعد الشيء،
ويحتمل أن يراد مردفين المؤمنين.
ويحتمل أن يراد مردفين بعضهم بعضاً، ومن قال ((مردفين)) بمعنى أن كل ملك أردف ملكاً وراءه
فقول ضعيف لم يأت بمقتضاه رواية، وقرأ رجل من أهل مكة رواه عنه الخليل ((مَرَدِّفين)) بفتح الراء وكسر
الدال وشدها .
!
:
٠ ٠

٥٠٥
-
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ١٢،١١
وروي عن الخليل أنها بضم الراء كالتي قبلها وفي غير ذلك، وقرأ بعض الناس بكسر الراء مثلهما في
غير ذلك، حكى ذلك أبو عمرو عن سيبويه، وحكاه أبو حاتم قال : كأنه أراد مرتدفين فأدغم وأتبع الحركة،
ويحسن مع هذه القراءة كسر الميم ولا أحفظه قراءة، وأنشد الطبري شاهداً على أن أردف بمعنى جاء تابعاً
قول الشاعر [خزيمة بن مالك]: [الوافر]
إذا الجوزاءُ أردَفَتِ الثُّرَيًّا ظَنْتُ بآلٍ فَاطِمَةَ الُنُونا
والثريا تطلع قبل الجوزاء وروي في الأشهر أن الملائكة قاتلت يوم بدر، واختلف في غيره من مشاهد
رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: لم تقاتل يوم بدر وإنما وقفت وحضرت وهذا ضعيف، وحكى
الطبري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: نزل جبريل في ألف ملك على ميمنة النبي صلى الله
عليه وسلم وفيها أبو بكر ونزل ميكائيل في ألف ملك في المسيرة وأنا فيها، وقال ابن عباس: كانا في
خمسمائة خمسمائة، وقال الزجّاج: قال بعضهم: إن الملائكة خمسة آلاف، وقال بعضهم: تسعة آلاف،
وفي هذا المعنى أحاديث هي مستوعبة في كتاب السير، وقوله تعالى: ﴿وما جعله الله﴾ الآية، الضمير في
﴿جعله﴾ عائد على الوعد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أمكن الأقوال من جهة المعنى، وقال الزجّاج: الضمير عائد على
المدد، ويحتمل أن يعود على الإمداد، وهذا يحسن مع قول من يقول إن الملائكة لم تقاتل وإنما أنست
بحضورها مع المسلمين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي ضعيف ترده الأحاديث الواردة بقتال الملائكة وما رأى من ذلك
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كابن مسعود وغيره، ويحتمل أن يعود على الإرداف وهو قول الطبري،
وهذا أيضاً يجري مجرى القول الذي قبله ويحتمل أن يعود على ((الألف)) وهذا أيضاً كذلك، لأن البشرى
بالشيء إنما هي ما لم يقع بعد، و((البشرى)) مصدر من بشرت، والطمأنينة السكون والاستقرار وقوله ﴿وما
النصر إلا من عند الله﴾ توقيف على أن الأمر كله لله وأن تكسب المرء لا يغني إذا لم يساعده القدر وإن كان
مطلوباً بالجد كما ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وهذه القصة كلها من قصة الكفار وغلبة
المؤمنين لهم تليق بها من صفات الله عز وجل العزة والحكمة إذا تؤمل ذلك.
قوله عز وجل :
إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِنْهُ وَيَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لِيطَهِّرَكُمْ بِهِ، وَيُذْهِبَ عَنكُمْرِجْزَ
الشَّيْطَنِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ { إِذْيُوحِ رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِ مَعَكُمْ
ج
فَشَبِتُواْالَّذِينَ ءَامَنُوْسَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ فَأَضْرِبُواْ فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِبُوا
١٢
مِنْهُمْ كُلَّبَنَانٍ
العامل في ﴿إذ﴾ هو العامل الذي عمل في قوله ﴿وإذ يعدكم﴾ [الأنفال: ٧] بتقدير تكراره لأن

٥٠٦
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ١٢٠١١
الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف، وإنما القصد أن تعدد نعمة الله تعالى على
المؤمنين في يوم بدر فقال: واذكروا إذ فعلنا كذا وقال الطبري: العامل في ﴿إِذ﴾ قوله ﴿ولتطمئن﴾
[الأنفال: ١٠].
قال القاضي أبو محمد: وهذا مع احتماله فيه ضعف، ولو جعل العامل في ﴿إِذ﴾ شيئاً قريباً مما قبلها.
لكان الأولى في ذلك أن يعمل في ﴿إذ ﴾ ﴿حكيم﴾ [الأنفال: ١٠] لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من
الله عز وجل، وقرأ نافع ((يُغْشيكم)) بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح، وقرأ
عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي ((يغَشِّيكم)) بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير
وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((يَغشاكم)) بفتح الياء وألف بعد الشين وهي
قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة ((النعاسُ)) بالرفع، وحجة من قرأ ((يغشاكم)) إجماعهم في آية أحد على
﴿يغشى طائفة منكم﴾ [آل عمران: ١٥٤]، وحجة من قرأ ((يغشيكم)) أن يجيء الكلام متسقاً مع
﴿ينزل﴾، ومعنى ﴿يغشيكم﴾ يغطيكم به ويفرغه عليكم، وهذه استعارة و﴿التعاس﴾ أخف النوم وهو الذي
قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماشٍ ، وينص على ذلك قصص هذه الآية أنهم إنما كان بهم خفق في
الرؤوس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا نعس أحدكم في صلاته)) الحديث، وينص على ذلك قول
الشاعر [ابن الرقاع]: [الكامل]
وسنان أقصده النعاس فرنّقت في عينه سِنَةٌ وڤيس بنائم
وقوله ﴿أمنة﴾ مصدر من أمن الرجل يأمن أمناً وأمنة وأماناً، والهاء فيها لتأنيث المصدر كما هي في
المساءة والمشقة، وقرأ ابن محيصن ((أمْنة)) بسكون الميم وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: النعاس عند
حضور القتال علامة أمن من العدو وهو من الله، وهو فى الصلاة من الشيطان .
-1
قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما طريقه الوحي فهو لا محالة إنما يسنده، وقوله ﴿وينزل عليكم من
السماء ماء﴾ تعديد أيضاً لهذه النعمة في المطر، فقال بعض المفسرين وحكاه الطبري عن ابن عباس
وغيره، وقاله الزجّاج: إن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم
فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك، فقال بعضهم في نفوسهم - بإلقاء الشيطان إليّهم - نزعم
أنَّا أولياء الله وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحالنا هذه والمشركون على الماء، فأنزل الله المطر ليلة
بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية فشرب الناس وتطهروا وسقوا الظهر.
وتدمثت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال وكانت
قبل المطر تسوخ فيها الأرجل فلما نزل الطش تلبدت قالوا: فهذا معنى قوله ﴿ليطهركم به﴾ أي من
الجنابة، ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾ أي عذابه لكم بوساوسه المتقدمة الذكر، والرجز العذاب، وقرأ
أبو العالية ((رجس)) بالسين أي وساوسه التي تمقت وتتقذر، وقرأ ابن محيصن ((رُجز)) بضم الراء، وقرأ
عيسى بن عمر ((ويذهبْ)) بجزم الباء، ﴿وليربط على قلوبكم﴾ أي بتنشيطها وإزالة الكسل عنها وتشجيعها
على العدو ومنه قولهم: رابط الجأش أي ثابت النفس عند جأشها في الحرب ﴿ويثبت به الأقدام﴾ أي في
الرملة الدهسة التي كان المشي فيها صعباً.

٥٠٧
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ١٢،١١
قال القاضي أبو محمد: والصحيح من القول وهو الذي في سيرة ابن إسحاق وغيرها أن المؤمنين
سبقوا إلى الماء ببدر، وفي هذا كلام حباب بن المنذر الأنصاري حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم
على أول ماء، فقال له حباب: أبوحي يا رسول الله هو المنزل فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو عندك
الرأي والمكيدة؟ الحديث المستوعب في السيرة.
قال القاضي أبو محمد: ولكن نزول المطر كان قبل وصولهم إلى الماء وذلك أن القوم من المؤمنين
لحقتهم في سفرهم الجنابات وعدموا الماء قريب بدر فصلوا كذلك فوقع في نفوسهم من ذلك، ووسوس
الشيطان لهم في ذلك مع تخويفه لهم من كثرة العدو وقتلهم، وهذا قبل الترائي بالأعين، وأيضاً فكانت
بينهم وبين ماء بدر مسافة طويلة من رمل دهس لين تسوخ فيه الأرجل وكانوا يتوقعون أن يسبقهم الكفار إلى
ماء بدر فتحرضوا هم أن يسبقوهم إليه فأنزل الله تلك المطرة فسالت الأودية فاغتسلوا وطهرهم الله فذهب
رجز الشيطان وتدمت الطريق وتلبدت تلك الرملة فسهل المشي فيها وأمكنهم الإسراع حتى سبقوا إلى
الماء، ووقع في السير أن ما أصاب المشركين من ذلك المطر بعينه صعب عليهم طريقهم، فسر المؤمنون
وتبينوا من جعل الله بهم ذلك قصد المعونة لهم، فطابت نفوسهم واجتمعت وتشجعت، فذلك الربط على
قلوبهم وتثبيت الأقدام منهم على الرملة اللينة فأمكنهم لحاق الماء قبل المشركين.
قال القاضي أبو محمد: هذا أحد ما يحتمله قوله ﴿ويثبت به الأقدام﴾ والضمير في ﴿به﴾ على هذا
الاحتمال عائد على الماء، ويحتمل أن يعود الضمير في ﴿به﴾ على ربط القلوب فيكون تثبيت الأقدام عبارة
عن النصر والمعونة في موطن الحرب، وبين أن الرابط الجأش تثبت قدمه عند مكافحة الهول.
قال القاضي أبو محمد: ونزول الماء كان في الزمن قبل تغشية النعاس ولم يترتب ذلك في الآية إذ
القصد فيها تعديد النعم فقط، وحكى أبو الفتح أن الشعبي قرأ ((وينزل عليكم من السماء ما)) ساكنة الألف
﴿ليطهركم به﴾ قال: وهي بمعنى الذي .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف وقرأ ابن المسيب ((ليظهركم به)) بسكون الطاء، وقوله تعالى:
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة) الآية، العامل في ﴿إذ﴾ العامل الأول على ما تقدم فيما قبلها، ولو قدرناه
قريباً لكان قوله ﴿ويثبت﴾ على تأويل عود الضمير على الربط، وأما على عوده على الماء فيقلق أن تعمل
﴿ويثبت﴾ في ﴿إذ﴾ ووحي الله إلى الملائكة إما بإلهام أو بإرسال بعض إلى بعض، وقرأ عيسى بن عمر
بخلاف عنه ((إني معكم)) بكسر الألف على استئناف إيجاب القصة، وقرأ جمهور الناس ((أني)) بفتح الألف
على أنها معمولة لـ ﴿يوحي﴾، ووجه الكسر أن الوحي في معنى القول، وقوله ﴿فثبتوا﴾ يحتمل أن يكون
بالقتال معهم على ما روي .
ويحتمل بالحضور في حيزهم والتأنيس لهم بذلك، ويحتمل أن يريد: فثبوتهم بأقوال مؤنسة مقوية
للقلب، وروي في ذلك أن بعض الملائكة كان في صورة الآدميين فكان أحدهم يقول الذي يليه من
المؤمنين: لقد بلغني أن الكفار قالوا لئن حمل المسلمون علينا لنتكشفن، ويقول آخر: ما أرى الغلبة والظفر
إلا لنا. ويقول آخر : أقدم يا فلان، ونحو هذا من الأقوال المثبتة .

٥٠٨
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ١٢٠١١
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أيضاً أن يكون التثبيت الذي أمر به ما يلقيه الملك في قلب الإنسان
بلمته من توهم الظفر واحتقار الكفار ويجري عليه من خواطر تشجيعه ويقوي هذا التأويل مطابقة قوله
تعالى: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ وإن كان إلقاء الرعب يطابق التثبيت على أي صورة كان
التثبيت ولكنه أشبه بهذا إذ هي من جنس واحد.
٠٠ :.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل يجيء قوله ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾
مخاطبة للملائكة، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾ لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر عن صورة
الحال كما تقول إذا وصفت حرباً لمن تخاطبه لقينا القوم وهزمناهم فاضرب بسيفك حيث شئت واقتل وخذ
أسيرك، أي هذه كانت صفة الحال.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون ﴿سألقي﴾ إلى آخر الآية خبراً يخاطب بَه المؤمنين عما
يفعله في الكفار في المستقبل كما فعله في الماضي، ثم أمرهم بضرب الرقاب والبنان تشجيعاً لهم وحضاً
على نصرة الدين، وقرأ الأعرج ((الرعُب)) بضم العين والناس على تسكينها، واختلف الناس في قوله ﴿فوق
الأعناق﴾، فقال الأخفش (فوق) زيادة، وحكاه الطبري عن عطية أن المعنى فاضربوا الأعثاق وقال غيره
بمعنى على، وقال عكرمة مولى ابن عباس: هي على بابها وأراد الرؤوس إذ هي فوق الأعناق، وقال
المبرد: وفي هذا إباحة ضرب الكافر في الوجه ...
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل أنبلها، ويحتمل عندي أن يريد بقوله ﴿فوق الأعتاق﴾ وصف
أبلغ ضربات العنق وأحكمها، وهي الضربة التي تكون فوق عظم العنق ودون عظم الرأس في المفصل،
وينظر إلى هذا المعنى قول دريد بن الصمة السلمي حين قال له خذ سيفي وارفع به عن العظم واخفض عن
الدماغ فهكذا كنت أضرب أعناق الأبطال، ومثله قول الشاعر: [الوافر] ..
وبين أسيل محديه عذارا
جعلت السيف بين الجيد منه
فيجيء على هذا ﴿فوق الأعناق﴾ متمكناً، وقال ابن قتيبة (فوق) في هذه الآية بمعنى دون، وهذا
خطأ بين، وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: ﴿ما بعوضة فما فوقها﴾ [البقرة:٢٦٠] أي فما دونها ..
قال القاضي أبو محمد: وليست ﴿فوق﴾ هنا بمعنى دون وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر فأشبه
المعنى دون وال﴿بنان﴾ قالت فرقة: هي المفاصل حيث كانت من الأعضاء، فالمعنى على هذا واضربوا
منهم في كل موضع، وقالت فرقة: البنان الأصابع، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا التأويل وإنْ كان
الضرب في كل موضع مباحاً فإنما قصد أبلغ المواضع لأن المقاتل إذا قطع بنأنه استأسر ولم ينتفع بشيء
من أعضائه في مكافحة وقتال.
قوله عز وجل :
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآَقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُوَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
١٣٠

٥٠٩
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ١٣ - ١٦
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
١٤
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَفِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (
وَمَنْ يُوَلّهِمْ يَوْمَيِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِنَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا
كَفَرُواْ زَحْفًا فَلَا تُوَلَّهُمُ الْأَدْبَارَ
إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمٌ وَبِئْسَ الْصِيرُ!
١٦
هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون داخلون فيه بالمعنى والضمير في ﴿بأنهم﴾ عائد
على الذين كفروا، و﴿شاقوا﴾ معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا، وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين
شيئين، وهذه مفاعلة فكأن الله لما شرع شرعاً وأمر بأوامر وكذبوا هم وصدوا تباعد ما بينهم وانفصل
وانشق، مأخوذ من هذا لأنه مع شقه الآخر تباعدا وانفصلا وعبر المفسرون عن قوله ﴿شاقوا﴾ أي صاروا في
شق غير شقه .
قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان معناه صحيحاً فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه، والمثال
الأول إنما هو الشَّق بفتح الشين، وأجمعوا على الإظهار في ﴿يشاقق﴾ إتباعاً لخط المصحف، وقوله ﴿فإن
الله شديد العقاب﴾ جواب الشرط تضمن وعيداً وتهديداً، وقوله تعالى: ﴿ذلكم فذوقوه﴾ المخاطبة
للكفار، أي ذلكم الضرب والقتل وما أوقع الله بهم يوم بدر، فكأنه قال الأمر ذلكم فذوقوه وكذا فسره
سيبويه، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون ﴿ذلكم﴾ في موضع نصب كقوله زيداً فاضربه، وقرأ جمهور
الناس ((وأن)) بفتح الألف، فإما على تقدير وحتم أن. فيقدر على ابتداء محذوف يكون ((أن)) خبره، وإما
على تقدير واعلموا أن، فهي على هذا في موضع نصب، وروى سليمان عن الحسن بن أبي الحسن و((إن)»
على القطع والاستئناف، وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً﴾ الآية، ﴿زحفاً﴾
يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص، أي يزحف بعضهم إلى بعض، وأصل الزحف الاندفاع على الآلية
ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويداً زاحفاً، إذ في مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي
الزاحف، ومن الزحف الذي هو الاندفاع قولهم لنار العرفج وما جرى مجراه في سرعة الاتقاد نار الزحفتين
ومن التباطؤ في المشي قول الشاعر : [البسيط]
طير تكشف عن جون مزاحيف
كأنهنَّ بأيدي القومِ في كَبْدٍ
ومنه قول الفرزدق: [البسيط]
على مزاحيف تزجى مخها رير
على عمائمنا تُلقى وأرجلنا
ومنه قول الآخر [الأعشى]: [الطويل]
لمن الظعائن سَيْرُهُنَّ تَزَخُّفُ
ومن التزحف بمعنى التدافع قول الهذلي : [الوافر]
كان مزاحف الحيّات فيه قبيل الصبح آثار السياط

٥١٠
تفسير سورة الأثقال / الآيات: ١٣ - ١٦
وأمر الله عز وجل في هذه الآية أن لا يولي المؤمنون أمام الكفار، وهذا الأمر مقيد بالشريطة
المنصوصة في مثلي المؤمنين، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنة من المشركين فالفرض أن
لا يفروا أمامهم، فالفرار هناك كبيرة موبقة بظاهر القرآن والحديث وإجماع الأكثر من الأمة، والذي يراعى
العدد حسب ما في كتاب الله عز وجل: وهذا قول جمهور الأمة، وقالت فرقةٍ منهم ابن الماجشون في
الواضحة: يراعى أيضاً الضعف والقوة والعدة فيجوز على قولهم أن تفر مائة فارس إذا علموا أن عند
المشركين من العدة والنجدة والبسالة ضعف ما عندهم، وأمام أقل أو أكثر بحسب ذلك وأما على قول
الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا أمام ما زاد على مائتين والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة، لأنها
بشعة على الفار ذامة له، وقرأ الجمهور ((دُبُره)) بضم الباء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((دبْره)) بسكون الباء،
واختلف المتأولون في المشار إليه بقوله ﴿يومئذ﴾ فقالت فرقة الإشارة إلى يوم بدر وما وليه، وفي ذلك اليوم
وقع الوعيد بالغضب على من فر، ونسخ بعد ذلك حكم الآية بآية الضعف، وبقي الفرار من الزحف ليس
بكبيرة وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال فيهم يوم حنين: ﴿ثم وليتم مديرين﴾ [التوبة: ٢٥] ولم
يقع على ذلك تعنيف.
:
قال القاضي أبو محمد: وقال الجمهور من الأمة: الإشارة بـ ﴿يومئذ﴾ إلى يوم اللقاء الذي يتضمنه
قوله ﴿إذا لقيتم﴾ وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس
في الآية نسخ، وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا لكون رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيهم وفرارهم عنه، وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف أمام الكثرة، ويحتمل أن عفو الله عمن
فريوم أحد كان عفواً عن كبيرة، و﴿متحرفاً لقتال﴾ يراد به الذي يرى أن فعله ذلك أنكى للعدو وأعود عليه
بالشر ونصبه على الحال، وكذلك نصب متحيز، وأما الاستثناء فهو من المولين الذين يتضمنهم ﴿من﴾، وقال
قوم: الاستثناء هو من أنواع التولي .
قال القاضي أبو محمد: ولو كان ذلك لوجب أن يكون إلا تحرفاً وتحيزاً، والفئة ها هنا الجماعة من
الناس الحاضرة للحرب، هذا على قول الجمهور في أن الفرار من الزحف كبيرة، وأما على القول الآخر
فتكون الفئة المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا، روي هذا القول عن عمر رضي الله عنه وأنه
قال : أنا فئتكم أيها المسلمون.
قال القاضي أبو محمد: وهذا منه على جهة الحيطة على المؤمنين إذ كانوا في ذلك الزمن يثبتون
الأضعافهم مراراً، وفي مسند ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
لجماعة فرت في سرية من سراياه: ((أنا فئة المسلمين)) حين قدموا عليه، وفي صحيح البخاري من حديث
أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اتقوا السبع الموبقات)) وعدد فيها الفرار من
الزحف، و﴿باء﴾ بمعنى نهض متحملاً للثقل المذكور في الكلام غضباً كان أو نحوه، والغضب من صفات
الله عز وجل إذا أخذ بمعنى الإرادة فهى صفة ذات، وإذا أخذ بمعنى إظهار أفعال الغاضب على العبد فهي
صفة فعل، وهذا المعنى أشبه بهذه الآية، والمأوى الموضع الذي يأوي إليه الإنسان.

٥١١
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ١٧، ١٨
قوله عز وجل :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَثَلَهُمْ وَمَارَمَيْنَ إِذْرَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِىَ الْمُؤْمِنِينَ
١٨
مِنْهُ بَلَآءَ حَسَنًاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿ ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَفِرِينَ
هذه مخاطبة للمؤمنين أعلم الله بها أن القتلة من المؤمنين ليس هم مستبدين بالقتل، لأن القتل
بالإقدار عليه، والخلق والاختراع في جميع حالات القاتل إنما هي لله تعالى ليس للقاتل فيها شيء، وإنما
يشاركه بتكسبه وقصده، وهذه الألفاظ ترد على من يقول بأن أفعال العباد خلق لهم، وسبب هذه الآية فيما
روي عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدروا عن بدر ذكر كل واحد منهم ما فعل، فقال
قتلت كذا وفعلت كذا فجاء من ذلك تفاخر ونحو ذلك فنزلت الآية، وقوله ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله
رمى﴾ يراد به ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله يومئذ، وذلك أنه أخذ قبضات من حصى وتراب،
فرمى بها في وجوه القوم وتلقاهم ثلاث مرات فانهزموا عند آخر رمية، ويروى أنه قال يوم بدر: شاهت
الوجوه، وهذه الفعلة أيضاً کانت یوم حنین بلا خلاف، وروي أن التراب الذي رمی به لم یبق کافر إلا دخل
في عينيه منه شيء، وروي أنه رمى بثلاثة أحجار فكانت الهزيمة مع الحجر الثالث.
قال القاضي أبو محمد: فيحتمل قوله تعالى: ﴿وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ ما قلناه في قوله
﴿فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم﴾ وذلك منصوص في الطبري وغيره، وهو خارج في كلام العرب على معنى
وما رميت الرمي الكافي إذ رميت، ونحوه قول العباس بن مرداس: [المتقارب]
فلم أعط شيئاً ولم أمنعٍ
أي لن أعط شيئاً مرضياً ويحتمل أن يريد، وما رميت الرعب في قلوبهم إذ رميت حصياتك، ولكن اللّه رماه
وهذا أيضاً منصوص في المهدوي وغيره، ويحتمل أن يريد وما أغنيت إذ رميت حصياتك ولكن الله رمى أي أعانك
وأظفرك، والعرب تقول في الدعاء: رمى الله لك، أي أعانك وصنع لك .
وحكى هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز وقرأت فرقة ((ولكنّ اللّه رمى)) بتشديد النون، وفرقة ((ولكنْ
اللهُ) بتخفيفها ورفع الهاء من ((الله))، ﴿وليبلي﴾ أي ليصيبهم ببلاء حسن، فظاهر وصفه بالحسن يقتضي أنه
أراد الغنيمة والظفر والعزة، وقيل أراد الشهادة لمن استشهد يوم بدر وهم أربعة عشر رجلاً، منهم عبيدة بن
الحارث بن عبد المطلب ومهجع مولى عمر، ومعاذ وعمرو ابنا عفراء، وغيرهم، ﴿إن الله سميع﴾
لاستغاثتكم، ﴿عليم﴾ بوجه الحكمة في جميع أفعاله لا إله إلا هو، وحكى الطبري: أن المراد
بقوله ﴿وما رميت إذ رميت﴾ رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة على أبيّ بن خلف يوم أحد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآية نزلت عقب بدر، وعلى هذا القول تكون أجنبية مما
قبلها وما بعدها وذلك بعيد، وحكي أيضاً أن المراد السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وسلم
في حصن خيبر فصار في الهويّ حتى أصاب ابن أبي الحقيق فقتله وهو على فراشه، وهذا فاسد، وخيبر
فتحها أبعد من أحد بكثير، والصحيح في قتل ابن أبي الحقيق غير هذا، فهذان القولان ضعيفان لما

٥١٢
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ١٩ - ٢١
ذكرناه، وقوله ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى ما تقدم من قتل الله ورميه إياهم، وموضع ﴿ذلكم﴾ من الإعراب رفع،
قال سيبويه: التقدير الأمر ذلكم، وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون في موضع نصب بتقدير فعل ذلكم
﴿وأن﴾ معطوف على ﴿ذلكم﴾، ويحتمل أن يكون خبر ابتداء مقدر تقديره وحتم وسابق وثابت ونحو هذا،
وقرأت فرقة ((وإن)) بكسر الهمزة على القطع والاستئناف. و﴿موهن﴾ معناه مضعف مبطل، يقال وهن
الشيء مثل وعد يعد، ويقال وهن مثل ولي يلي، وقرىء ﴿فما وهنوا لما أصابهم﴾ [آل عمران: ١٤٦]
بكسر الهاء، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر عن عاصم ((موهن كيد)) من أوهن، وقرأ ابن كثير
ونافع وأبو عمرو ((موهن كيد)) من وهن، وقرأ حفص عن عاصم ((موهن كيدٍ)) بكسر الدال والإضافة، وذكر
الزجّاج أن فيها أربعة أوجه فذكر هذه القراءات الثلاث، وزاد ((موهّن كيد)) بتشديد الهاء والإضافة إلا أنه لم
ينص أنها قراءة.
قوله عز وجل :
إِن تَسْتَفْئِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الْفَتْحُ وَ إِن تَنْتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌلَّكُمْ وَ إِن تَعُودُ واْنَعُدْ وَلَنْ تُغْنِىَ عَنَكُمْ
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ
فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْكَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ()
وَلَا تَوَلَّوْ عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُواْسَمِعْنَاوَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
٢١
قال بعض المتأولين: هذه الآية مخاطبة للمؤمنين الحاضرين يوم بدر، قال الله لهم : ﴿إن تستفتحوا
فقد جاءکم الفتح﴾ وهو الحكم بینکم وبین الكافرین فقد جاءكم، وقد حكم الله لكم، ﴿وإن تنتهوا﴾ عما
فعلتم من الكلام في أمر الغنائم وما شجر بينكم فيها وعن تفاخركم بأفعالكم من قتل وغيره فهو خير لكم
﴿وإن تعودوا﴾ لهذه الأفعال نعد لتوبيخكم، ثم أعلمهم أن الفئة وهي الجماعة لا تغني وإن كثرت إلا بنصر
الله تعالى ومعونته، ثم أنسهم بقوله وإيجابه، أنه مع المؤمنين، وقال أكثر المتأولين: هذه الآية مخاطبة
للكفار أهل مكة، وذلك أنه روي أن أبا جهل كان يدعو أبداً في محافل قريش، ويقول اللهم أقطعنا للرحم
، آتانا بما لا يعرف فأهلكه واجعله المغلوب، يريد محمداً صلى الله عليه وسلم وإياهم، وروي أن قريشاً
لما عزموا على الخروج إلى حماية العير تعلقوا بأستار الكعبة واستفتحوا، وروي أن أبا جهل قال صبيحة يوم
بدر: اللهم انصر أحب الفئتين إليك وأظهر خير الدينين عندك، اللهم أقطعنا للرحم فاحنه الغداة، ونحو
هذا فقال لهم الله : إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم أي كما ترونه عليكم لا لكم.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا توبيخ، ثم قال لهم ﴿وإن تنتهوا﴾ عن کفرکم وغیکم ﴿فهو خير
لكم﴾ ثم أخبرهم أنهم إن عادوا للاستفتاح عاد بمثل الوقعة يوم بدر عليهم، ثم أعلمهم أن فئتهم لا تغني
شيئاً وإن كانت كثيرة، ثم أعلمهم أنه مع المؤمنين.
وقالت فرقة من المتأولين: قوله ﴿وإن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، هي مخاطبة للمؤمنين، وسائر
الآية مخاطبة للمشركين، كأنه قال وأنتم الكفار إن تنتهوا فهو خير لكم، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي
!
:

٥١٣
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٢٢ - ٢٤
بكر وأبي عمرو وحمزة والكسائي ((وإن الله)) بكسر الهمزة على القطع، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية
حفص ((وأن)) بفتح الألف، فإما أن يكون في موضع رفع على خبر ابتداء محذوف، وإما في موضع نصب
بإضمار فعل وما ذكره الطبري من أن التقدير لكثرتها ولأن الله مع المؤمنين محتمل المعنى، وفي قراءة ابن
مسعود: ((ولو كثرت والله مع المؤمنين)). وهذا يقوي قراءة من كسر الألف، من ((إن)) وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين
آمنوا أطيعوا الله ورسوله﴾ الآية، الخطاب للمؤمنين المصدقين، جدد عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ونهوا
عن التولي عنه، وهذا قول الجمهور، ويكون هذا متناصراً مع قول من يقول: إن الخطاب بقوله ﴿وإن
تنتهوا﴾ هو للمؤمنين، فيجيء الكلام من نمط واحد في معناه، وأما على قول من يقول إن المخاطبة بـ ﴿إن
تنتهوا﴾ هي للكفار فيرى أن هذه الآية إنما نزلت بسبب اختلافهم في النفل ومجادلتهم في الحق وكراهيتهم
خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاخرهم بقتل الكفار والنكاية فيهم، وقالت فرقة: الخطاب بهذه
الآية إنما هو للمنافقين والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جداً لأجل أن الله وصف من
خاطب في هذه الآية بالإيمان، والإيمان التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء، وقيل إن
الخطاب لبني إسرائيل، وهذا أجنبي من الآية، و﴿تولوا﴾ أصله تتولوا لأن تفعل دخلت عليه تاء المخاطب
بالفعل المستقبل فحذفت الواحدة، والمحذوفة هي تاء تفعل، والباقية هي تاء العلامة، لأن الحاجة إليها
هنا أمس ليبقى الفعل مستقبلاً، وقوله ﴿وأنتم تسمعون) يريد دعاءه لكم بالقرآن والمواعظ والآيات، وقوله
﴿كالذين قالوا﴾ يريد الكفار، فإما من قريش لقولهم ﴿سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ [الأنفال: ٨] وإما
الكفار على الإطلاق الذين يقولون سمعنا القرآن وعلمنا أنه سحر أو شعر وأساطير بحسب اختلافهم، ثم
أخبر الله عنهم خبراً نفى به أنهم سمعوا أي فهموا ووعوا، لأنه لا خلاف أنهم كانوا يسمعون التلاوة بآذانهم
ولكن صدورهم مطبقة لم يشرحها الله عز وجل لتلقي معاني القرآن والإيمان به .
قوله عز وجل :
إِنَّ شَرَّ الَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الصُمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴿٦) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمَّ
وَلَوْأَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ، وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
٢٤
المقصود بهذه الآية أن يبين أن هذه الصنيفة العاتية من الكفار هي شر الناس عند الله عز وجل، وأنها
أخس المنازل لديه، وعبر بـ ﴿الدواب﴾ ليتأكد ذمهم وليفضل عليهم الكلب العقور والخنزير ونحوهما من
السبع، والخمس الفواسق وغيرها، و﴿الدواب﴾ كل ما دب فهو جميع الحيوان بجملته، وقوله ﴿الصم
البكم﴾ عبارة عما في قلوبهم وقلة انشراح صدورهم وإدراك عقولهم، فلذلك وصفهم بالصم والبكم وسلب
العقل، وروي أن هذه الآية نزلت في طائفة من بني عبد الدار وظاهرها العموم فيهم وفي غيرهم ممن
اتصف بهذه الأوصاف، ثم أخبر تعالى بأن عدم سمعهم وهداهم إنما هو بما علمه الله منهم وسبق من

٥١٤
تفسير سورة الأنفال / الآيات : ٢٢ - ٢٤
قضائه عليهم فخرج ذلك في عبارة بليغة في ذمهم في قوله ﴿ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم﴾ والمراد
لأسمعهم إسماع تفهيم وهدى، ثم ابتدأ عز وجل الخبر عنهم بما هم عليه من حتمه عليهم بالكفر فقال
﴿ولو أسمعهم﴾ أي ولو أفهمهم ﴿لتولوا﴾ بحكم القضاء السابق فيهم ولأعرضوا عما تبين لهم من الهدى،
وحكى الطبري عن فرقة أنها قالت: المعنيّ بهذه الآية المنافقون، وضعفه الطبري وكذلك هو ضعيف.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾ الآية، هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين
بلا خلاف، و﴿استجيبوا﴾ بمعنى أجيبوا، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ويتعدى أجاب دوم
لام، وقد يجيء تعدي استجاب بغير لام والشاهد قول الشاعر: [الطويل]
وداعٍ دعا يا من يجيبُ إلى النِّدا فلم يستجبْه عند ذاك مجيب
وقوله ﴿لما يحييكم﴾ قال مجاهد والجمهور: المعنى للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواه، وهذا
إحياء مستعار لأنه من موت الكفر والجهل، وقيل الإسلام وهذا نحو الأول ويضعف من جهة أن من آمن لا
يقال له ادخل في الإسلام، وقيل ﴿لما يحييكم﴾ معناه للحرب وجهاد العدو وهو يحيي بالعزة والغلبة
والظفر، فسمي ذلك حياة كما تقول حييت حال فلان إذا ارتفعت، ويحيي أيضاً كما يحبي الإسلام والطاعة
وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة فى الآخرة، وقال النقاش: المراد إذا دعاكم للشهادة.
قال القاضي أبو محمد: فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة، وقوله ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء.
وقلبه﴾ يحتمل وجوهاً، ومنها أنه لما أمرهم بالاستجابة في الطاعة حضهم على المبادرة والاستعجال فقال:
﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾ بالموت والقبض أي فبادروا بالطاعات، ويلتئم مع هذا التأويل
قوله ﴿وأنه إليه تحشرون﴾، أي فبادروا الطاعات وتزودوها ليوم الحشر، ومنها أن يقصد بقوله ﴿واعلموا أن
الله يحول بين المرء وقلبه﴾ إعلامهم أن قدرة الله وإحاطته وعلمه والجة بين المرء وقلبه حاصلة هناك حائلة
بینه وبین قلبه .
قال القاضي أبو محمد: فكأن هذا المعنى يحض على المراقبة والخوف لله المطلع على الضمائر،
ويشبه على هذا التأويل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [قَ: ١٦]، حكي
هذا التأويل عن قتادة، ويحتمل أن يريد تخويفهم إن لم يمتثلوا الطاعات ويستجيبوا لله وللرسول بما حل
بالكفار الذين أرادهم بقوله ﴿ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون﴾، لأن حتمه عليهم بأنهم لو سمعوا وفهموا
لم ينتفعوا يقتضي أنه قد كان حال بينهم وبين قلوبهم، فكأنه قال للمؤمنين في هذه الأخرى استجيبوا لله
وللرسول ولا تأمنوا إن تفعلوا أن ينزل بكم ما نزل بالكفار من الحول بينهم وبين قلوبهم، فنبه على ما جرى
على الكفار بأبلغ عبارة وأعلقها بالنفس، ومنها أن يكون المعنى ترجية لهم بأن الله يبدل الخوف الذي في
قلوبهم من كثرة العدو فيجعله جرأة وقوة وبضد ذلك الكفار فإن الله هو مقلّب القلوب كما كان قسم النبي
صلى الله عليه وسلم، قال بعض الناس ومنه لا حول ولا قوة إلا بالله أي لا حول على معصية ولا قوة على
طاعة إلا بالله، وقال المفسرون في ذلك أقوالاً هي أجنبية من ألفاظ الآية حكاها الطبري، منها أن الله يحول
بين المؤمن والكفر وبين الكافر والإيمان ونحو هذا، وقرأ ابن أبي إسحاق ((بين المرء)» بكسر الميم ذكره أبو
:

٥١٥
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٢٥، ٢٦
حاتم، قال أبو الفتح: وقرأ الحسن والزبيدي ((بين المَرِّ) بفتح الميم وشد الراء المكسورة، و﴿تحشرون﴾
أي تبعثون يوم القيامة، وروي عن طريق مالك بن أنس والنسائي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا
أبيّ بن كعب وهو في الصلاة فلم يجب وأسرع في بقية صلاته، فلما جاءه قال له رسول الله صلى الله عليه
وسلم: أما سمعت فيما يوحى إلي ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) فقال
أبيّ: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني أبداً إلا أجبتك، الحديث بطوله واختلاف ألفاظه ، وفي البخاري
ومسلم أن ذلك وقع مع أبي سعيد بن المعلى، وروي أنه وقع نحوه مع حذيفة بن اليمان في غزوة
الخندق.
قوله عز وجل :
وَأَتَّقُواْفِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْكُمْ خَاصَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
٢٥
وَأَذْكُرُواْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَشَاوَنَكُمْ وَأَيَّدَّكُمْ
بِنَصْرِهِ، وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطَّيِّبَتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
هذه الآية تحتمل تأويلات، أسبقها إلى النفس أن يريد الله أن يحذر جميع المؤمنين من فتنة إن
أصابت لم تخص الظلمة فقط، بل تصيب الكل من ظالم وبريء، وهذا التأويل تأول فيها الزبير بن العوام
رضي الله عنه، فإنه قال يوم الجمل وما علمت أنَّا أردنا بهذه الآية إلا اليوم، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب
بها ذلك الوقت، وكذلك تأول الحسن البصري، فإنه قال: هذه الآية في علي وعمار وطلحة والزبير، وكذلك
تأول ابن عباس، فإنه قال: أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب،
وبينه القتبي فيما ذكر مكي عنه بياناً شافياً .
قال القاضي أبو محمد: فيجيء قوله ﴿لا تصيين﴾ على هذا التأويل صفة لـ ﴿فتنة﴾، فكان الواجب
إذا قدرنا ذلك أن يكون اللفظ لا تصيب وتلطف لدخول النون الثقيلة في الخبر عن الفتنة فقال الزجاج: زعم
بعض النحويين أن الكلام جزاء فيه طرق من النهي، قال ومثله قوله تعالى: ﴿ادخلوا مساكنكم لا
يحطمنكم﴾ [النمل: ١٨] فالمعنى أن تدخلوا لا يحطمنكم فكذلك هذا إن تتقوا لا تصيبن، وقال قوم: هو
خبر بمعنى الجزاء فلذلك أمكن دخول النون، وقال المهدوي: وقيل هو جواب قسم مقدر تقديره واتقوا فتنة
لا تصيين، ودخلت النون مع لا حملاً على دخولها مع اللام فقط.
قال القاضي أبو محمد: وهذا في القول تكره، لأن جواب القسم إذا دخلته ((لا)) أو كان منفياً في
الجملة لم تدخل النون، وإذا كان موجباً دخلته اللام والنون الشديدة كقوله والله لا يقوم زيد والله ليقومن
زيد، هذا هو قانون الباب ولكن معنى هذه الآية يستقيم مع التكره الذي ذكرناه والتأويل الآخر في الآية هو أن
يكون قوله ﴿واتقوا فتنة﴾ خطاباً عاماً لجميع المؤمنين مستقلاً بنفسه تم الكلام عنده ثم ابتدأ نهي الظلمة
خاصة عن التعرض للظلم فتصيبهم الفتنة خاصة وأخرج النهي على جهة المخاطبة للفتنة فهو نهي محول.

٥١٦
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٢٦،٢٥
والعرب تفعل هذا كما قالوا لا أرينك ها هنا يريدون لا تقم ها هنا فتقع مني رؤيتك، ولم يريدوا نهي
الإنسان الرائي نفسه، فكذلك المراد في الآية لا يقع من ظلمتكم ظلم فتقع من الفتنة إصابتهم، نحا إليه،
الزجّاج، وهو قول أبي العباس المبرد وحكاه النقاش عن الفراء، ونهي الظلمة ها هنا بلفظ مخاطبة الجمع
كما تقول لقوم لا يفعل سفهاءكم كذا وكذا وأنت إنما تريد نهي السفهاء فقط، و﴿خاصة﴾ نعت لمصدر
محذوف تقديره إصابة خاصة، فهي نصب على الحال لما انحذف المصدر من الضمير في ﴿تصيبن﴾ وهذا
الفعل هو العامل، ويحتمل أن تكون ﴿خاصة﴾ حالاً من الضمير في ﴿ظلموا﴾ ولا يحتاج إلى تقدير مصدر
محذوف والأول أمكن في المعنى، وقرأ علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأبو جعفر محمد بن علي
والربيع بن أنس وأبو العالية وابن جماز ((لتصيين)) باللام على جواب قسم، والمعنى على هذا وعيد الظلمة
فقط، قال أبو الفتح: يحتمل أن يراد بهذه القراءة ((لا تصيبن)) فحذف الألف من ((لا)) تخفيفاً واكتفاء
بالحركة كما قالوا أم والله ويحتمل أن يراد بقراءة الجماعة، ((لا تصيين)) فمطلت حركة اللام فحدثت عنها
ألف.
قال القاضي أبو محمد: وهذا تنطع في التحميل وحكى النقاش هذه القراءة عن الزبير بن العوام،
وهذا خلاف لما حكى الطبري وغيره من تأويل الزبير رضي الله عنه في الآية، وحكى النقاش عن ابن
مسعود أنه قرأ ((واتقوا فتنة أن تصيب)) وقوله ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب) وعيد يلتئم مع تأويل الزبير
والحسن التئاماً حسناً ويلتئم مع سائر التأويلات بوجوه مختلفة.
٠١٠
وروي عن علي بن سليمان الأخفش أن قوله ﴿لا تصيبن﴾ هي على معنى الدعاء ذكره الزهراوي
وقوله تعالى: ﴿واذكروا إذا أنتم قليل﴾ الآية، هذه آية تتضمن تعديد نعم الله على المؤمنين، و﴿إذ﴾ ظرف
المعمول ﴿واذكروا﴾، تقديره واذكروا حالكم الكائنة أو الثابتة إذ أنتم قليل، ولا يجوز أن تكون ﴿إذ﴾ ظرفاً للذكر
وإنما يعمل الذكر في ﴿إذ﴾ لو قدرناها مفعولة، واختلف الناس في الحال المشار إليها بهذه الآية، فقالت
فرقة هي الأكثر: هي حال مكة في وقت بداءة الإسلام، والناس الذين يخاف («تخطفهم)) كفار مكة،
و((المأوى)) على هذا التأويل المدينة والأنصار، و((التأييد بالنصر)) وقعة بدر وما أنجز معها في وقتها،
و﴿الطيبات﴾ الغنائم وسائر ما فتح الله عليهم به، وقالت فرقة: الحال المشار إليها هي حال رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأصحابه في غزوة بدر، والناس الذين يخاف تخطفهم على هذا عسكر مكة وسائر القبائل
المجاورة، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتخوف من بعضهم، والمأوى على هذا والتأييد بالنّصر
هو الإمداد بالملائكة والتغليب على العدو، و﴿الطيبات﴾ الغنيمة.
قال القاضي أبو محمد: وهذان قولان يناسبان وقت نزول الآية لأنها نزلت عقب بدر، وقال وهب بن
منبه وقتادة: الحال المشار إليها هي حال العرب قاطبة، فإنها كانت أعرى الناس أجساماً وأجوعهم بطوناً
وأقلهم حالاً ونعماً، والناس الذين يخاف ((تخطفهم)) على هذا التأويل فارس والروم، و((المأوى)) على هذا
هو النبوءة والشريعة، و((التأييد بالنصر)) هو فتح البلاد وغلبة الملوك، و﴿الطيبات﴾ هي نعم المآكل
والمشارب والملابس.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يرده أن العرب كانت في وقت نزول هذه الآية كافرة إلا القليل،

:
٥١٧
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٢٧ - ٣٠
ولم تترتب الأحوال التي ذكر هذا المتأول، وإنما كان يمكن أن يخاطب العرب في هذه الآية في آخر زمن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فإن تمثل أحد بهذه الآية لحالة العرب فتمثله صحيح، وأما أن تكون حالة
العرب هي سبب الآية فبعيد لما ذكرناه، وقوله ﴿لعلكم تشكرون﴾ ترج بحسب البشر متعلق بقوله ﴿واذكروا﴾.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَّخُونُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْأَمَنَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (*) وَأَعْلَمُوْاْأَنَّمَا
أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْإِن تَتَّقُواْ
قلے
اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِرْ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ ﴾
وَإِذْ يَمْكُّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِ جُوَكٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرٌ
٣٠
الْمَكِرِينَ
هذا خطاب لجميع المؤمنين إلى يوم القيامة، وهو يجمع أنواع الخيانات كلها قليلها وكثيرها، قال
الزهراوي: والمعنى لا تخونوا بغلول الغنائم، وقال الزهراوي وعبد الله بن أبي قتادة: سبب نزولها أمر أبي
حبابة، وذلك أنه أشار لبني قريظة حين سفر إليهم إلى حلقه يريد بذلك إعلامهم أنه ليس عند رسول الله
صلی الله عليه وسلم إلا الذبح، أي فلا تنزلوا، ثم ندم وربط نفسه بسارية من سواري المسجد حتى تاب
الله عليه، الحديث المشهور، وحكى الطبري أنه أقام سبعة أيام لا يذوق شيئاً حتى تيب عليه، وحكي أنه كان
لأبي لبابة عندهم مال وأولاد فلذلك نزلت ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾، وقال عطاء بن أبي رباح
عن جابر بن عبدالله : سببها أن رجلاً من المنافقين كتب إلى أبي سفيان بن حرب بخبر من أخبار رسول الله
صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية، فقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ معناه أظهروا الإيمان، ويحتمل أن
يخاطب المؤمنين حقاً أن لا يفعلوا فعل ذلك المنافق، وحكى الطبري عن المغيرة بن شعبة أنه قال: أنزلت
هذه الآية في قتل عثمان رضي الله عنه.
قال القاضي أبو محمد: يشبه أن تمثل بالآية في قتل عثمان رحمه الله، فقد كانت خيانة لله وللرسول
والأمانات، والخيانة التنقص للشيء باختفاء وهي مستعملة في أن يفعل الإنسان خلاف ما ينبغي من حفظ
أمر ما، مالاً كان أو سرّاً أو غير ذلك، والخيانة لله تعالى هي في تنقص أوامره في سر، وخيانة الرسول تنقص
ما استحفظ، وخيانات الأمانات هي تنقصها وإسقاطها، والأمانة حال للإنسان يؤمن بها على ما استحفظ،
فقد اؤتمن على دينه وعبادته وحقوق الغير، وقيل المعنى وتخونوا ذوي أماناتكم، وأظن الفارسي أبا علي
حكاه، ﴿وأنتم تعلمون﴾، يريد أن ذلك لا يضر منه إلا ما كان عن تعمد، وقوله ﴿فتنة﴾ يريد محنة واختباراً
وابتلاء ليرى كيف العمل في جميع ذلك، وقوله ﴿وأن الله عنده أجر عظيم﴾ يريد فوز الآخرة فلا تدعوا
حظكم منه للحيطة على أموالكم وأبنائكم فإن المدخور للآخرة أعظم قدراً من مكاسب الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿وتخونوا﴾ قال الطبري: يحتمل أن يكون داخلًا في النهي كأنه قال: لا تخونوا الله

٥١٨
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٢٧ - ٣٠
والرسول ولا تخونوا أماناتكم فمكانه على هذا جزم، ويحتمل أن يكون المعنى لا تخونوا الله والرسول
فذلك خيانة لأماناتكم فموضعه على هذا نصب على تقدير وأن تخونوا أماناتكم، قال الشاعر:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمٌ ..
وقرأ مجاهد وأبو عمرو بن العلاء فيما روي عنه أيضاً ((وتخونوا أمانتكم)) على إفراد الأمانة، وقوله:
﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله﴾ الآية، وعد للمؤمنين بشرط الاتقاء والطاعة له، و﴿يجعل لكم فرقاناً﴾
معناه فرقاً بين حقكم وباطل من ينازعكم أي بالنصرة والتأييد عليهم، و((الفرقان)) مصدر من فرقا بين
الشيئين إذا حال بينهما أو خالف حكمهما، ومنه قوله ﴿يوم الفرقان﴾ [الأنفال: ٤١] وعبر قيادة وبعض
المفسرين عن الفرقان ها هنا بالنجاة، وقال السدي ومجاهد معناه مخرجاً ونحو هذا مما يعمه ما ذكرناه،
وقد يوجد للعرب استعمال الفرقان كما ذكر المفسرون فمن ذلك قول مزرد بن ضرار: [الخفيف]
بادر الأفقُ أنْ يَغِيبَ فلمّا أَظْلَمَ اللّيلُ لمْ يجِدْ فُرْقَانَا
وقال الآخر : [الرجز]
مالك من طولِ الأسَى فُرقانُ
بعد قطينٍ رحلوا وبانوا
1
وقال الآخر: [الطويل]
وكيف أرجّي الخلد والموتُ طالبي
وماليَ من كأس المنيّةِ فرقان:
وقوله تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية، يشبه أن يكون قوله ﴿وإذ﴾ معطوفاً على قوله
﴿إذا أنتم قليل﴾ [الأنفال: ٢٦]، وهذا تذكير بحال مكة وضيقها مع الكفرة وجميل صنع الله تعالى في
جمعها، ويحتمل أن يكون ابتداء كلام، وهذا كله على أن الآية مدنية كسائر السورة وهذا هو الصواب،
وحكى الطبري عن عكرمة ومجاهد أن هذه الآية مكية، وحكي عن ابن زيد أنها نزلت عقب كفاية الله رسوله
المستهزئين بما أحله بكل واحد منهم، الحديث المشهور، ويحتمل عندي قول عكرمة ومجاهد هذه مكية أن
أشار! إلى القصة لا إلى الآية، والمكر المخاتلة والتداهي، تقول: فلان يمكر بفلان إذا كان يستدرجه
ويسوقه إلى هوة وهو يظهر جميلاً وتستراً بما يريد، ويقال أصل المكر الفتل، قاله ابن فورك فكأن الماكر
بالإنسان يفاتله حتى يوقعه، ومن المكر الذي هو الفتل قولهم الجارية المعتدلة اللحم: ممكورة، فمكر
قريش بالنبي صلى الله عليه وسلم كان تدبيرهم ما يسوءه وسعيهم في فساد حاله وإطفاء نوره، وتدبير قريش
على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الخصال الثلاث لم يزل قديماً من لدن ظهوره لكن إعلانهم لا
يسمى مكراً وما استسروا به هو المكر، وقد ذكر الطبري بسند أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم.
يا محمد ماذا يدبر فيك قومك، قال: يريدون أن أقتل أو أسجن أو أخرج، قال أبو طالب من أعلمك هذا؟.
قال: ربي، قال: إن ربك لرب صدق فاستوص به خيراً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل هو يا عم
یستوصي بي خيراً.
قال القاضي أبو محمد: وهذا المكر الذي ذكره الله في هذه الآية هو بإجماع من المفسرين إشارة إلى

٥١٩
تفسير سورة الأنفال / الآيات: ٢٧ - ٣٠
اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره،
الحديث بطوله، وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بسببه، ولا خلاف أن ذلك
كان بعد موت أبي طالب، ففي القصة أن أبا جهل قال: الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قوياً جلداً
فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفاً ويأتون محمداً في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد، فلا يقدر
بنو هاشم على قتال قريش بأسرها، فيأخذون العقل ونستريح منه، فقال النجدي: صدق الفتى، هذا الرأي
لا أرى غيره. فافترقوا على ذلك فأخبر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم، وأذن له في الخروج إلى
المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليلته، وقال لعلي بن أبي طالب التفّ في بردي
الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء، ففعل علي وجاء فتيان قريش فجعلوا يرصدون
الشخص وينتظرون قيامه فيثورون به، فلما قام رأوا علياً فقالوا له أين صاحبك؟ قال: لا أدري. وفي السير أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله عيونهم عنه، وجعل على رأس كل
واحد منهم تراباً ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون، قالوا محمداً، قال إني رأيته الآن جائياً من
ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم، فمد كل واحد يده إلى رأسه، وجاؤوا إلى مضجع النبي
صلى الله عليه وسلم فوجدوا علياً فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول وهو بالغار، ومعنى ﴿ليثبتوك﴾
ليسجنوك فتثبت، قاله السدي وعطاء وابن أبي كثير، وقال ابن عباس ومجاهد: معناه ليوثقوك، وقال الطبري
وقال آخرون المعنى ليسحروك.
وقرأ يحيى بن وثاب فيما ذكر أبو عمرو الداني ((ليثّتوك)) وهذه أيضاً تعدية بالتضعيف، وحكى النقاش
عن يحيى بن وثاب أنه قرأ ((ليبيتوك)) من البيات، وهذا أخذ مع القتل فيضعف من هذه الجهة، وقال أبو
حاتم معنى ﴿ليثبتوك﴾ أي بالجراحة، كما يقال أثبتته الجراحة، وحكاه النقاش عن أهل اللغة ولم يسم
أحداً، وقوله تعالى: ﴿ويمكر الله﴾ معناه يفعل أفعالاً منها تعذيب لهم وعقوبة ومنها ما هو إبطال لمكرهم
ورد له ودفع في صدره حتی لا ینجع، فسمی ذلك كله باسم الذنب الذي جاء ذلك من أجله، ولا یحسن
في هذا المعنى إلا هذا وأما أن ينضاف المكر إلى الله عز وجل على ما يفهم في اللغة فغير جائز أن يقال،
وقد ذكر ابن فورك في هذا ما يقرب من هذا الذي ضعفناه، وإنما قولنا ويمكر الله كما تقول في رجل شتم
الأمير فقتله الأمير هذا هو الشتم فتسمى العقوبة باسم الذنب، وقوله ﴿خير الماكرين﴾ أي أقدرهم وأعزهم
جانباً .
!
قال القاضي أبو محمد: وفي هذه الجهة أعني القدرة والعزة يقع التفضيل لأن مكرة الكفار لهم قدرة
ما، فوقع التفضيل لمشاركتهم بها، وأما من جهة الصلاح الذي فيما يعلمه الله تعالى فلا مشاركة للكفار
بصلاح، فيتعذر التفضيل على مذهب سيبويه والبصريين إلا على ما قد بيناه في ألفاظ العموم مثل خير
واجب ونحو هذا إذ لا يخلو من اشتراك ولو على معتقد من فرقة أو من واحد.
قوله عز وجل :
وَإِذَا نُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَتُنَا قَالُواْقَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ

٥٢٠
تفسير سورة الأنفال / الآيتان: ٣٢:٣١
:
اُلْأَوَّلِينَ ﴿ وَ إِذْقَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً
مِّنَ السَّمَآءِ أَوِأَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
الضمير في ﴿عليهم﴾ عائد على الكفار، و ((الآيات)) هنا آيات القرآن خاصة بقرينة قوله ﴿تتلى﴾،
و﴿قد سمعنا﴾ يريد وقد سمعنا هذا المتلو ﴿لو نشاء لقلنا﴾ مثله وقد سمعنا نظيره على ما روي أن النضر
سمع أحاديث أهل الحيرة من العباد فلو نشاء لقلنا مثله من القصص والأنباء فإن هذه إنما هي أساطير من قد
تقدم، أي قصصهم المكتوبة المسطورة، و﴿أساطير﴾ جمع أسطورة، ويحتمل أن يكون جمع أسطار ولا
يكون جمع أسطر كما قال الطبري، لأنه كان يجيء أساطر دون ياء، هذا هو قانون الباب، وقد شذ منه
شيء كصيرف قالوا في جمعه صياريف، والذي تواترت به الروايات عن ابن جريج والسدي وابن جبير
الذي قال هذه المقالة هو النضر بن الحارث، وذلك أنه كان كثير السفر إلى فارس والحيرة، فكان قد سمع
من قصص الرهبان والأناجيل، وسمع من أخبار رستم وإسبنديار، فلما سمع القرآن ورأى فيه من أخبار
الأنبياء والأمم، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، وكان النضر من مردة قريش النائلين من رسول الله صلى الله
عليه وسلم، ونزلت فيه آيات من كتاب الله، وقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم صبراً بالصفراء منصرفه
من بدر في موضع يقال له الأثيل وكان أسره المقداد، فلما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بضرب عنقه
قال المقداد: أسيري يا رسول اللّه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه كان يقول في كتاب الله ما قد
علمتم، ثم أعاد المقداد مقالته حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أغن المقداد من فضلك))،
فقال المقداد : هذا الذي أردت، فضرب عنق النضر، وحكى الطبري عن سعيد بن جبير أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قتل يوم بدر صبراً ثلاثة نفر، المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط.
قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم عظيم، في خبر المطعم، فقد كان مات قبل يوم بدر، وفيه قال
النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان المطعم حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له يعني أسرى بدر، وقوله
﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) الآية، روي عن مجاهد وابن جبير وعطاء والسدي أن
قائل هذه المقالة هو النضر بن الحارث الذي تقدم ذكره، وفيه نزلت هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد: وترتب أن يقول النضر بن الحارث مقالة وينسبها القرآن إلى جميعهم، لأن
النضر كان فيهم موسوماً بالنبل والفهم مسكونً إلى قوله، فكان إذا قال قولاً قاله منهم كثير واتبعوه عليه
حسبما يفعله الناس أبداً بعلمائهم وفقهائهم، والمشار إليه بهذا هو القرآن وشرع محمد صلى الله عليه
وسلم، والذي حملهم على هذه المقالة هو الحسد، وذلك أنهم استبعدوا أن يكرم الله عليهم محمداً صلى
الله عليه وسلم هذه الكرامة، وعميت بصائرهم عن الهدى، وصمموا على أن هذا ليس بحق، فقالوا هذه
المقالة كما يقول الإنسان لأمر قد تحقق بزعمه إنه لم يكن، إن كان كذا وكذا ففعل الله بي وصنع، وحكى
ابن فورك أن هذه المقالة خرجت مخرج العناد مع علمهم بأنه حق، وكذلك ألزم بعض أهل اليمن
معاوية بن أبي سفيان القصة المشهورة في باب الأجوبة، وحكاه الطبري عن محمد بن قيس ويزيد بن
رومان.
.