النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٢٥ - ١٢٧
صَبْرًا وَتَوَفَنَا مُسْلِمِينَ ﴿ وَقَالَ الْمَلَأُمِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ
وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ قَالَ سَنُقَيِّلُ أَبْنَاءَ هُمْ وَنَسْتَحِىء نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ
١٢٧
هذا تسليم من مؤمني السحرة، واتكال على الله، وثقة بما عنده.
وقرأ جمهور الناس ((تنقِم)) بكسر القاف، وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم وابن أبي عبلة والحسن بن أبي
الحسن ((تنَقم)) بفتحها وهما لغتان، قال أبو حاتم: الوحه في القراءة كسر القاف، وكل العلماء أنشد بيت
ابن الرقيات: ما نقَموا من بني أمية، بفتح القاف ومعناه وما تعد علينا ذنباً وتؤاخذنا به؟ وقولهم ﴿أفرغ علينا
صيراً﴾ معناه عمنا كما يعم الماء من أفرغ عليه، وهي هنا مستعارة، وقال ابن عباس: لما آمنت السحرة
اتبع موسى ستمائة ألف من بني إسرائيل، وحكى النقاش عن مقاتل أنه قال: مكث موسى بمصر بعد إيمان
السحرة عاماً أو نحوه يريهم الآيات .
وقول ملأ فرعون ﴿أتذر موسى وقومه﴾ مقالة تتضمن إغراء فرعون بموسى وقومه وتحريضه على قتلهم
أو تغییر ما بهم حتی لا یکون لهم خروج عن دين فرعون، ومعنى ﴿أتذر موسى﴾: أنترك، وقرأ جمهور الناس
((ويذرَك)) بفتح الراء، ونصبه على معنيين: أحدهما أن يقدر ((وأن يذرك)) فهي واو الصرف فكأنهم قالوا
أتذره، وأن يدرك أي أتتركه وتركك، والمعنى الآخر أن يعطف على قوله ﴿ليفسدوا﴾ وقرأ نعيم بن ميسرة والحسن
بخلاف عنه ((ويذرُك)) بالرفع عطفاً على قولهم ﴿أتذر﴾، وقرأ الأشهب العقيلي ((ويذرْك)) بإسكان الراء وهذا
على التخقيق من يذرك، وقرأ أنس بن مالك ((وينذرُك)» بالنون ورفع الفعل على معنى توعد منهم أو على
معنى إخبار أن الأمر يؤول إلى هذا، وقرأ أبي بن كعب وعبد الله ((في الأرض)) وقد تركوك أن يعبدوك
وآلهتك))، قال أبو حاتم وقرأ الأعمش ((وقد تركك وآلهتك))، وقرأ السبعة وجمهور من العلماء ((وآلهتك))
على الجمع .
قال القاضي أبو محمد: وهذا على ما روي أن فرعون كان في زمنه للناس آلهة من بقر وأصنام وغير
ذلك، وكان فرعون قد شرع ذلك وجعل نفسه الإله الأعلى، فقوله على هذا أنا ربكم الأعلى، إنما هو
بمناسبة بينه وبين سواه من المعبودات.
وقيل: إن فرعون كان يعبد حجراً كان يعلقه فى صدره كياقوتة أو نحوها، قال الحسن: كان لفرعون
حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد لها، وقال سليمان التيمي: بلغني أنه كان يعبد البقر، ذكره أبو حاتم
وقرأ ابن عباس وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وأنس بن مالك وجماعة وغيرهم، ﴿وآلهتك﴾ أي وعبادتك
والتذلل لك، وزعمت هذه الفرقة: أن فرعون لم يبح عبادة شيء سواه وأنه في قوله: الأعلى إنما أراد:
الأعظم والأكبر دون مناسبة، قال ابن عباس: كان فرعون يعبد ولا يعبد، وقرأ ابن كثير ((سنقتل)) بالتخفيف
و ((يقتّلون)) بالتشديد وخففهما جميعاً نافع وقرأ أبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ((يقتّلون)).
و((سنقتّل)) بالتشديد على المبالغة، والمعنى سنستمر على ما كنا عليه من تعذيبهم وقطعهم.
وقوله تعالى: ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾ يريد في المنزلة والتمكن من الدنيا، و﴿قاهرون﴾ يقتضي تحقير
أمرهم أي هم أقل من أن يهتم بهم.
i
!
- -

٤٤٢
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٢٨ - ١٣٠
صے
قوله عز وجل :
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ أَسْتَعِينُواْ بِاللَّهِ وَأَصْبِرُ وَأْإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ»
وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴿ قَالُواْأُوْذِينَا مِن قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَ أَ قَالَ عَسَى رَبّكُمْ
أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ اَلْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (٢) وَلَقَدْ
أَخَذْنَاءَ الَ فِرْعَوْنَ بِالسّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ
لما قال فرعون سنقتل أبناءهم وتوعدهم قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل يثبتهم ويعدهم عند الله
﴿استعينوا بالله واصبروا﴾ وظاهر هذا الكلام كله وعد بغيب فكأن قوته تقتضي أنه من عند الله وليس في
اللفظ شيء من ذلك و﴿الأرض﴾ أرض الدنيا وهو الأظهر، وقيل المراد هنا أرض الجنة، وأما في الثانية
فأرض الدنيا لا غير، وقرأت فرقة ((يورثها)) بفتح الراء، وقرأ السبعة ((يورثها)) ساكنة الواو خفيفة الراء
مكسورة، وروى حفص عن عاصم وهي قراءة الحسن ((يورّثها)) بتشديد الراء على المبالغة، والصبر في هذه
الآية يعم الانتظار الذي هو عبادة والصبر في المناجزات.
وقولهم: ﴿من قبل أن تأتينا﴾ يعنون به الذبح الذي كان فالمدة التي كان فرعون يتخوف فيها أن يولد
المولود الذي يخرب ملكه، والذي من بعد مجيئه يعنون به وعيد فرعون وسائر ما كان خلال تلك المدة من
الإخافة لهم، وقال السدي وابن عباس رضي الله عنه: إنما قالت بنو إسرائيل هذه المقالة حين اتبعهم فرعون
واضطرهم إلى البحر فضاقت صدورهم ورأوا بحراً أمامهم وعدواً كثيفاً وراءهم فقالوا هذه المقالة.
قال القاضي أبو محمد: وبالجملة هو كلام يجري مع المعهود من بني إسرائيل من اضطرابهم على
أنبيائهم وقلة يقينهم وصبرهم على الدين واستعطاف موسى لهم بقوله: ﴿عسى ربكم أن يهلك عدوكم﴾
ووعده لهم بالاستخلاف في الأرض يدل على أنه يستدعي نفوساً نافرة، ويقوي هذا الظن في بني إسرائيل
سلوكهم هذه السبيل في غير قصة، وحكى النقاش أنهم قالوا ذلك بمصر حين كلفهم فرعون من العمل ما
لا يطيقون، وروي أنه كان يكلفهم عمل الطوب ويمنعهم التبن ليشق عليهم عمله، وقوله تعالى: ﴿فينظر
كيف تعملون﴾ تنبيه وحض على الاستقامة، وإن قدر هذا الوعد أنه من عند الله فيتخرج عليه قول
الحسن بن أبي الحسن: ﴿عسى﴾ من الله واجبة، وقد استخلفوا في مصر في زمن داود وسليمان، وقد فتحوا
بیت المقدس مع یوشع .
وقوله: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ الآية خبر أنه أخذ آل فرعون في تلك المدة التي كان
موسى يدعوهم فيها بالسنين وهو الجدوب والقحوط، وهذه سيرة الله في الأمم، وكذلك فعل بقريش السنة
في كلام العرب: القحط ومنه قول ليلى والناس مسنتون، وسنة وعضة وما جرى مجراها من الأسماء
المنقوصة تجمع بالواو والنون ليس على جهة جمع السلامة لكن على جهة العوض مما نقص، وكذلك
أرض توهموا فيها نقص هاء التأنيث لأنه كان حقها أن تكون أرضة، وأما حرة وأحرون فلأن التضعيف أبداً

٠ ٤٤٣
-
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٣١ - ١٣٣
يعتل فتوهموه مثل النقص، وكسر السين من سنون وسنين وزيادة الألف في أحرين دليل على أنه ليس بجمع
سلامة .
:
--
وقوله تعالى: ﴿ونقص من الثمرات﴾ روي أن النخلة كانت لا تحمل إلا ثمرة واحدة، وقال نحوه
رجاء بن حيوة، وأراد الله عز وجل أن ينيبوا ويزدجروا عما هم عليه من الكفر، إذ أحوال الشدة ترق القلوب
وترغب فيما عند الله .
قوله عز وجل :
فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْلَنَاهَذِهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيُِّ واْبِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَآ إِنَّمَا
طَهِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣) وَقَالُواْمَهْمَا تَأْتِنَا ◌ِهِ مِنْءَايَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الُطُوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَالدَّمَ ءَايَتٍ
(١٣٢
نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِینے
١٣٣
◌ُّفَصَّلَتٍ فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ
كان القصد في إصابتهم بالقحط والنقص في الثمرات أن ينيبوا ويرجعوا فإذا بهم قد ضلوا وجعلوها
تشاؤماً بموسى فكانوا إذا اتفق لهم اتفاق حسن في غلات ونحوها قالوا هذا لنا وبسببنا وعلى الحقيقة لنا،
وإذا نالهم ضر قالوا هذا بسبب موسى وشؤمه، قاله مجاهد وغيره، وقرأ جمهور الناس بالياء وشد الطاء والياء
الأخيرة ((يطيّروا))، وقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف بالتاء وتخفيف الطاء ((تطيروا))، وقرأ مجاهد
((تشاءموا بموسى)) بالتاء من فوق وبلفظ الشؤم.
وقوله تعالى: ﴿ألا إنما طائرهم﴾ معناه حظهم ونصيبهم، قاله ابن عباس وهو مأخوذ من زجر الطير
فسمي ما عند الله من القدر للإنسان طائراً لما كان الإنسان يعتقد أن كل ما يصيبه إنما هو بحسب ما يراه في
الطائر، فهي لفظة مستعارة، وقرأ جمهور الناس ((طائرهم))، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((طيرهم)). وقال
﴿أكثرهم﴾ وجميعهم لا يعلم إما لأن القليل علم كالرجل المؤمن وآسية امرأة فرعون وإما أن يراد الجميع
وتجوز في العبارة لأجل الإمكان، ويحتمل أن يكون الضمير في قوله ﴿طائرهم﴾ لجميع العالم ويجيء
تخصيص الأكثر على ظاهره، ويحتمل أن يريد ولكن أكثرهم ليس قريباً أن يعلم لانغمارهم في الجهل،
وعلى هذا فيهم قليل معد لأن يعلم لو وفقه الله .
و﴿مهما﴾ أصلها عند الخليل ((ما ما)) فبدلت الألف الأولى هاء، وقال سيبويه: هي ((مه ما)) خلطتا
وهي حرف واحد، وقال غيره: معناه ((مه وما)) جزاء ذكره الزجّاج، وهذه الآية تتضمن طغيانهم وعتوهم
وقطعهم على أنفسهم بالكفر البحت.
وقوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم الطوفان) الآية، قال الأخفش ﴿الطوفان) جمع طوفانة وهذه عقوبات
وأنواع من العذاب بعثها الله عليهم ليزدجروا وينيبوا، و﴿الطوفان﴾ مصدر من قولك طاف يطوف فهو عام في كل
شيء يطوف إلا أن استعمال العرب له كثر في الماء والمطر الشديد، ومنه قول الشاعر: [الرمل]

٤٤٤
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٣١ - ١٣٣
خرق الريح وطوفان المطر
غير الجدة من عرفانه
ومنه قول أبي النجم: [الرجز]
شهراً شآبيب وشهراً بدا
ومد طوفان فبث مددا
وقال ابن عباس ومجاهد والضحاك: إن ﴿الطوفان﴾ في هذه الآية المطر الشديد أصابهم وتوالى عليهم
حتى هدم بيوتهم وضيق عليهم، وقيل طم فيض النيل عليهم وروي في كيفيته قصص كثير، وقالت عائشة
عن النبي صلى الله عليه وسلم: إن ﴿الطوفان﴾ المراد في هذه الآية هو الموت، وقال ابن عباس في بعض ما
روي عنه هو مصدر معمی عني به شيء أطافه الله بهم، و ﴿الجراد﴾ معروف، قال الأخفش هو جمع جرادة
للمذكر والمؤنث فإن أردت الفصل قلت رأيت جرادة ذكراً، وروي: أن الله عز وجل لما والى عليهم المطر
غرقت أرضهم وامتنعوا الزراعة قالوا يا موسى ادع في كشف هذا عنا ونحن نؤمن، فدعا فدفعه الله عنهم
فأنبتت الأرض إنباتاً حسناً فطغوا وقالوا ما نود أنا لم نمطر وما هذا الإحسان من الله إلينا، فبعث الله حينئذ
الجراد فأكل جميع ما أنبتت الأرض، وروى ابن وهب عن مالك أنه روي أنه أكل أبوابهم وأكل الحديد
والمسامير وضيق عليهم غاية التضييق وترك اللّه من نباتهم ما يقوم به الرمق فقالوا لموسى ادغ في كشف
الجراد ونحن نؤمن، فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم ورأوا أن ما أقام رمقهم قد كفاهم، فبعث الله عليهم
القمل وهي الدبى صغار الجراد الذي يثب ولا يطير قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة، وقيل هو الحمثان وهو
صغار القردان وقيل هو البراغيث وقال ابن عباس ﴿القمل﴾ السوس الذي يخرج من الجنطة، وقيل ﴿القمل)
الزرع إنه حيوان صغير جداً أسود وإنه بأرض مصر حتى الآن، قال حبيب بن أبي ثابت: ﴿القمل﴾
الجعلان، وقرأ الحسن ((القَمْل)) بفتح القاف وسكون الميم فهي على هذا بينة القمل المعروف، وروي أن
موسى مشى بعصاه إلى كثيب أهيل فضربه فانتشر كله قملاً في مصر، ثم إنهم قالوا ادع في كشف هذا فدعا
ورجعوا إلى طغيانهم وكفرهم، وبعث الله عليهم الضفادع فكانت تدخل في فرشهم وبين ثيابهم وإذا هم
الرجل أن يتكلم وثب الضفدع في فمه، قال ابن جبير: كان الرجل يجلس إلى دفنه في الضفادع، وقال ابن
عباس: كانت الضفادع برية فلما أرسلت على آل فرعون سمعت وأطاعت فجعلت تقذف أنفسها في القدور
وهي تغلي فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء.
فقالوا ادع في كشف هذا فدعا فكشف فرجعوا إلى كفرهم وعتوهم فبعث الله عليهم الدم فرجع
ماؤهم الذي يستقونه ويحصل عندهم دماً، فروي أن الرجل منهم كان يستقي من البئر فإذا ارتفع إليه الدلو
عاد دماً، وروي أنه كان يستقي القبطي والإسرائيلي بإناء واحد فإذا خرج الماء كان الذي يلي القبطي دماً والذي
يلي الإسرائيلي ماء إلى نحو هذا وشبهه من العذاب بالدم المنقلب عن الماء، هذا قول جماعة المتأولين،
وقال زيد بن أسلم : إنما سلط الله عليهم الرعاف فهذا معنى قوله والدم.
:
وقوله تعالى: ﴿آيات مفصلات﴾ التفصيل أصله في الأجرام إزالة الاتصال، فهو تفريقٍ شيئين، فإذا
استعمل في المعاني فيراد أنه فرق بينها وأزيل اشتراكها وإشكالها، فيجيء من ذلك بيانها وقالت فرقة من
المفسرين: ﴿مفصلات﴾ يراد به مفرقات بالزمن، والمعنى أنه كان العذاب يرتفع ثم يبقون مدة شهر،.
.

٤٤٥
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٣٤ - ١٣٦
وقيل ثمانية أيام ثم يرد الآخر، فالمراد أن هذه الأنواع من العذاب لم تجىء جملة ولا متصلة، ثم وصفهم
الله عز وجل بالاستكبار عن الآيات والإيمان، وأنهم كان لهم اجترام على الله تعالى وعلى عباده.
قوله عز وجل :
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْيَمُوسَى آدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَّ لَبِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ
١٣٤
لَتُؤْ مِنَنَّلَكَ وَلَنُرْسِكَنَّ مَعَكَ بَنِيّ إِسْرَِّيلَ
هُم بَلِغُوهُ إِذَاهُمْ يَنكُثُونَ (٢) فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْبِثَايَدِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَفِلِينَ
﴿الرجز﴾ العذاب، والظاهر من الآية أن المراد بالرجز هاهنا العذاب المتقدم الذكر من الطوفان
والجراد وغيره، وقال قوم من المفسرين: الإشارة هنا بالرجز إنما هي إلى طاعون أنزله فيهم مات منهم في
ليلة واحدة سبعون ألف قبطي، وروي في ذلك أن موسى عليه السلام أمر بني إسرائيل بأن يذبحوا كبشاً
ويضمخوا أبوابهم بالدم ليكون ذلك فرقاً بينهم وبين القبط في نزول العذاب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وهذه الأخبار وما شاكلها إنما تؤخذ من كتب بني إسرائيل
فلذلك ضعفت، وقولهم: ﴿بما عهد﴾ يريدون بذمامك وماتتك إليه فهي تعم جميع الوسائل بين الله وبين
موسى من طاعة من موسى ونعمة من الله تبارك وتعالى، ويحتمل أن يكون ذلك منهم على جهة القسم على
موسى، ويحتمل أن يكون المعنى ادع لنا ربك ماتّاً إليه بما عهد إليك، ويحتمل إن كان شعر أن بين الله
تعالى وبين موسى في أمرهم عهد ما أن تكون الإشارة إليه، والأول أعم وألزم، والآخر يحتاج إلى رواية،
وقولهم: ﴿لئن كشفت﴾ أي بدعائك ﴿لنؤمنن ولنرسلن﴾ قسم وجوابه، وهذا عهد من فرعون وملئه الذين
إليهم الحل والعقد، ولهم ضمير الجمع في قوله ﴿لنؤمنن﴾، وألفاظ هذه الآية تعطي الفرق بين القبط وبين
بني إسرائيل في رسالة موسى، لأنه لو كان إيمانهم به على أحد إيمان بني إسرائيل لما أرسلوا بني إسرائيل
ولا فارقوا دينهم، بل كانوا يشاركون فيه بني إسرائيل، وروي أنه لما انكشف العذاب قال فرعون لموسى
اذهب ببني إسرائيل حيث شئت فخالفه بعض ملئه فرجع فنكث.
وأخبر الله عز وجل أنه لما كشف عنهم العذاب نكثوا عهدهم الذي أعطوه موسى. و﴿إذا﴾ هاهنا
للمفاجأة، و ﴿إلى﴾ متعلقة بـ (كشفنا) و((الأجل)) يراد به غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك
والموت. وهذا اللازم من اللفظ كما تقول أخذت كذا إلى وقت وأنت لا تريد وقتاً بعينه، وقال يحيى بن
سلام ((الأجل)) هنا الغرق.
قال القاضي أبو محمد: وإنما هذا القول لأنه رأى جمهور هذه الطائفة قد اتفق أن هلكت غرقاً
فاعتقد أن الإشارة هنا بالأجل إنما هي إلى الغرق، وهذا ليس بلازم لأنه لابد أنه مات منهم قبل الغرق عالم
وهم ممن أخر وكشف عنهم العذاب إلى أجل بلغه، ودخل في هذه الآية فأين الغرق من هؤلاء؟ وأين هو
1

٤٤٦
تفسير ملورة الأعراف / الآيتان : :١٣٨،١٣٧
ممن بقي بمصر ولم يغرق؟ وذكر بعض الناس أن معنى الكلام فلما كشفنا عنهم الرجز المؤجل إلى أجل
هم بالغوه إذا هم ينكثون، ومحصول هذا التأويل أن العذاب كان مؤجلاً، والطعنى الأول أفصح لأنه تضمن
توعداً ما وقرأ أبو البرهسم وأبو حيوة: ((ينكثون)) بكسر الكاف، والنكث نقض ما أبرم، ويستعمل في
الأجسام وفي المعاني، وقرأ ابن محيصن ومجاهد وابن جبير ((الرُّجز)) بضم الراء في جميع القرآن، قال أبو
حاتم: إلا أن ابن محيصن كسر حرفين ((رجز الشيطان)) ((والرجز فاهجر)).
قال القاضي أبو محمد: رآهما بمعنى آخر بمثابة الرجز والنتن الذي يجب التطهر منه. و﴿إليـ
البحر، ومنه قول ذي الرمة :
حب
ذوية ودجا ليل كأنهما
يم تراطن في حافاته الروم
والباء في قوله: ﴿بأنهم﴾ باء التسبيب، ووصف الكفار بالغفلة وهم قد كذبوا وردوا في صدر الآيات
من حيث غفلوا عما تتضمنه الآيات من الهدى والنجاة فعن ذلك غفلوا.
قوله عز وجل :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِفَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا الَِّى بَرَكْنَافِيهَّا
صے
وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَةِ يلَ بِمَا صَبَرُ واْ وَ دَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْكُ
وَقَوْمُهُ, وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (٣٦] وَجَوَزْنَا بِبَنِيّ إِسْرَّءِيِلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَّ
ج
أَصْنَامِ لَّهُمْ قَالُواْ يَمُوسَى أَجْعَل لَّنَا إِلَهَا كَمَا لَهُمْءَالِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
٣٨
قوله: ﴿الذين كانوا يستضعفون) كناية عن بني إسرائيل لاستعباد فرعون لهم وغلبته عليهم، وقوله:
﴿مشارق الأرض ومغاربها﴾ قال الحسن وقتادة وغيرهما: يريد أرض الشام، وقال أبو جعفر النحاس: وقيل
يراد أرض مصر وهو قول الحسن في كتاب النقاش، وقالت فرقة: يريد الأرض كلها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا يتجه إما على المجاز لأنه ملكهم بلاداً كثيرة، وإما على الحقيقة في
أنه ملك ذريتهم وهو سليمان بن داود ولكن الذي يليق بمعنى الآية وروي فيها هو أنه ملك أبناء
المستضعفين بأعيانهم مشارق الأرض ومغاربها لا سيما بوصفه الأرض بأنها التي بارك فيها ولا يتصف بهذه
الصفة وينفرد بها أكثر من غيرها إلا أرض الشام لما بها من الماء والشجر والنعم والفوائد، وحكى الطبري
عن قائل لم يسمه وذكر الزهراوي أنه الفراء: أن ﴿مشارق الأرض ومغاربها﴾ نصب على الظرف أي
يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها، وأن قوله: ﴿التي باركنا فيها﴾ معمول لـ ﴿أورثنا﴾، وضعفه
الطبري، وکذلك هو قول غير متجه، و ﴿التي﴾ في موضع خفض نعت لـ ﴿الأرض﴾، ويجوز أن یکون في موصع
نصب نعت لمشارق ومغارب، وقوله: ﴿وتمت كلمة ربك الحسنى﴾ أي ما سبق لهم في عليه وكلامه في
الأزل من النجاة من عدوهم والظهور عليه، قاله مجاهد، وقال المهدوي: وهي قوله ﴿ونريد أن نمن على
الذين استضعفوا في الأرض﴾ [القصص: ٥] وقيل هي قوله: ﴿عسی ربكم أن يهلك عدوكم﴾

٤٤٧
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ١٣٧، ١٣٨
[الأعراف: ١٢٩]، وروي عن أبي عمرو ((كلمات)) و ﴿يعرشون﴾ قال ابن عباس ومجاهد معناه يبنون
وعرش البيت سقفه والعرش البناء والتنضيد، وقال الحسن هي في الكروم وما أشبهها، وقرأ ابن كثير ونافع
وأبو عمرو وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم بكسر الراء، وقرأ الباقون: ابن عامر وعاصم فيما روي عنه
والحسن وأبو رجاء ومجاهد بضمها، وكذلك في سورة النحل وهما لغتان، وقرأ ابن أبي عبلة ((يُعَرِّشون
ويُعَكِّفون)) بضم الياء فيهما وفتحة العين مشددة الراء والكاف مكسورتين .
قال القاضي أبو محمد: ورأيت للحسن البصري أنه احتج بقوله تعالى: ﴿وتمت كلمة ربك﴾ إلى
آخر الآية، على أنه لا ينبغي أن يخرج على ملوك السوء وإنما ينبغي أن يصبر عليهم، فإن الله تعالى
يدمرهم، ورأيت لغيره أنه قال : إذا قابل الناس البلاء بمثله وكلهم الله إليه، وإذا قابلوه بالصبر وانتظار الفرج
أتى الله بالفرج، وروي هذا القول أيضاً عن الحسن.
وقرأ جمهور الناس ((وجاوزنا)) وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((وجوزنا)) ذكره أبو حاتم والمهدوي،
والمعنى قطعناه بهم وجزعناه وهذه الآية ابتداء خبر عنهم، قال النقاش: جاوزوا البحر يوم عاشوراء، وأعطي
موسى التوراة يوم النحر القابل بين الأمرين أحد عشر شهراً، وروي أن قطعهم كان من ضفة البحر إلى ضفة
المناوحة الأولى وروي أنه قطع من الضفة إلى موضع آخر منها.
قال القاضي أبو محمد: فإما أن يكون ذلك بوحي من الله وأمر لينفذ أمره في فرعون وقومه وهذا هو
الظاهر، وإما بحسب اجتهاد موسى في التخلص بأن يكون بين وضعين أوعار وحايلات، ووقع في كتاب
النقاش أنه نيل مصر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا خطأ لا تساعده رواية ولا يحتمله لفظ إلا على تحامل، وإنما هو بحر
القلزم و((القوم)) المشار إليهم في الآية العرب، قيل هم الكنعانيون، وقال قتادة وقال أبو عمران الجوني: هم
قوم من لخم وجذام، والقوم في كلام العرب الرجال خاصة، ومنه قول زهير:
أقوم آل حصن أم نساء
ولا أدري وسوف إخال أدري
ومنه قوله عز وجل: ﴿لا يسخر قوم من قوم .. ولا نساء من نساء﴾ [الحجرات: ١١] وقرأ نافع وابن
کثیر وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ((يعكفون)) بضم الكاف، وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو في رواية
عبد الوارث عنه («يعكفون)) بكسرها وهما لغتان والعكوف: الملازمة بالشخص لأمر ما والإكباب عليه، ومنه
الاعتكاف في المساجد ومنه قول الراجز : [الرجز]
عَكْفَ النَِّيطِ يَلْعَبُون الفَتْرَجَا
و ((الأصنام)» في هذه الآية قيل كانت بقراً على الحقيقة، وقال ابن جريج: كانت تماثيل بقر من حجارة
وعيدان ونحوه وذلك كان أول فتنة العجل.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر من مقالة بني إسرائيل لموسى: ﴿اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة﴾
أنهم استحسنوا ما رأوه من آلهة أولئك القوم فأرادوا أن يكون ذلك في شرع موسى وفي جملة ما يتقرب به

٤٤٨
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٣٩ -١٤١
إلى الله، وإلا فبعيد أن يقولوا لموسى: اجعل لنا صنماً نفرده بالعبادة ونكفر بربك، فعرفهم موسى أن هذا
جهل منهم إذ سألوا أمراً حراماً فيه الإشراك في العبادة ومنه يتطرق إلى إفراد الأصنام بالعبادة والكفر بالله عز
وجل، وعلى هذا الذي قلت يقع التشابه الذي قصه النبي صلى الله عليه وسلم في قول أبي واقد الليثي له
في غزوة حنين إذ مروا على دوح سدرة خضراء عظيمة: اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط كما لهم ذات
أنواط، وكانت ذات أنواط سرحة لبعض المشركين يعلقون بها أسلحتهم ولها يوم يجتمعون إليها فيه، فأزاد
أبو واقد وغيره أن يشرع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام، فرأى رسول الله صلى الله عليه
وسلم أنها ذريعة إلى عبادة تلك السرحة، فأنكره وقال: ((الله أكبر قلتم والله كما قالت بنو إسرائيل ﴿اجعل لنا
إلها كما لهم آلهة﴾ لتتبعن سنن من قبلكم)).
قال القاضي أبو محمد: ولم يقصد أبو واقد بمقالته فساداً، وقال بعض الناس كان ذلك من بني
إسرائيل كفراً ولفظة الإله تقتضي ذلك، وهذا محتمل، وما ذكرته أولاً أصح عندي والله تعالى أعلم.
قوله عز وجل :
قَالَ أَغَيْرَ اَللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهَا وَهُوَ
٣٩
إِنَّ هَؤُلَآءٍ مُتَبَّرُمَا هُمْ فِيهِ وَبَطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴿ وَإِذْ أَ نَجَيْنَكُمْ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ
اُلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَ كُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَ كُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَّهُ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ()
أعلمهم موسى عن الله عز وجل بفساد حال أولئك القوم ليزول ما استحسنره من حالهم فقال ﴿إن
هؤلاء﴾ إشارة إلى أولئك القوم ﴿متبر﴾ أي مهلك مدمر ردي العاقبة، قاله السدي وابن زيد، والتبار الهلاك
وسوى العقبى وإناء متبر أي مكسور وكسارته تبر ومنه تبر الذهب لأنه كسارة، وقوله: ﴿ما هم فيه﴾ لفظ يعم
جمیع حالهم ﴿وباطل﴾ معناه فاسد ذاهب مضمحل.
وقوله تعالى: ﴿قال أغير الله﴾ الآية، أمر الله موسى عليه السلام أن يوقفهم ويقررهم على هذه
المقالة، ويحتمل أن يكون القول من تلقائه عليه السلام، ﴿أبغيكم﴾ معناه: أطلب لكم، من بغيت الشيء
إذا طلبته، و﴿غير﴾ منصوبة بفعل مضمر هذا هو الظاهر، ويحتمل أن ينتصب على الحال كأن تقدير
الكلام: قال أبغيكم إلهاً غير الله فهي في مكان الصفة فلما قدمت نصبت على الحال، و﴿العالمين﴾ لفظ
عام يراد به تخصيص عالم زمانهم، لأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بإجماع، ولقوله
تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ [آل عمران: ١١٠] اللهم إلا أن يراد بالفضل كثرة الأنبياء منهم
فإنهم فضلوا في ذلك على العالمين بالإطلاق.
ثم عدد عليهم في هذه الآية النعم التي يجب من أجلها أن لا يكفروا به ولا يرغبوا عبادة غيره،
وقرأت فرقة ((نجيناكم))، وقرأ جمهور الناس: ((أنجیناكم)) وقد تقدم، وروي عن ابن عباس (وإذ أنجاكم))
أي أنجاكم الله وكذلك هي في مصاحف أهل الشام، و﴿يسومونكم﴾ معناه يحملونكم ويكلفونكم، تقول

٤٤٩
تفسير سورة الأعراف / الآية: ١٤٢
سامه خطة خسف، ونحو هذا، ومساومة البيع ينظر إلى هذا وأن كل واحد من المتساومين يكلف صاحبه
إرادته، ثم فسر ﴿سوء العذاب﴾ بقوله: ﴿يقتلون ويستحيون﴾، و﴿بلاء﴾ في هذا الموضع معناه اختبار
وامتحان، وقوله: ﴿ذلكم﴾ إشارة إلى سوء العذاب، ويحتمل أن يشير به إلى التنجية فكأنه قال وفي
تنجيتكم امتحان لكم واختبار هل يكون منكم وفاء بحسب النعمة .
قال القاضي أبو محمد: والتأويل الأول أظهر، وقالت فرقة: هذه الآية خاطب بها موسى من حضره
من بني إسرائيل، وقال الطبري: بل خوطب بهذه الآية من كان على عهد محمد صلى الله عليه وسلم
تقریعاً لهم بما فعل بأوائلهم وبما جازوا به.
قال القاضي أبو محمد: والأول أظهر وأبين .
قوله عز وجل :
وَوَعَدْنَا مُوسَى تَثِينَ لَيْلَةُ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ وَقَالَ مُوسَى
وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى
◌ِأَخِيهِ هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ لِجَ
لِمِيقَئِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِفِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَئِ وَلَكِنِ أَنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ
أَسْتَقَرَّ مَكَانَهٍُ فَسَوْفَ تَرَينِيّ
قرأ أبو عمرو وأبيّ بن كعب وأبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ((ووعدنا)) وقد تقدم في البقرة، وأخبر الله
تعالى موسى عليه السلام أن يتهيأ لمناجاته ﴿ثلاثين ليلة﴾ ثم زاده في الأجل بعد ذلك عشر ليال ، فذكر أن
(موسى)) عليه السلام أعلم بني إسرائيل بمغيبه ((ثلاثين ليلة)) فلما زاده العشر في حال مغيبه دون أن تعلم بنو
إسرائيل ذلك وجست نفوسهم للزيادة على ما أخبرهم به، فقال لهم السامري: إن ((موسى)) قد هلك ولیس
براجع وأضلهم بالعجل فاتبعوه، قاله كله ابن جريج، وقيل: بل أخبرهم بمغيبه ﴿أربعين﴾ وكذلك أعلمه
الله تعالى وهو المراد بهذه الآية، قاله الحسن، وهو مثل قوله ﴿فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم
تلك عشرة كاملة﴾ [البقرة: ١٩٦] وأنهم عدوا الأيام والليالي فلما تم ((أربعون)) من الدهر قالوا قد أخلف
(موسى)) فضلوا، قال مجاهد إن ((الثلاثين)) هي شهر ذي القعدة وإن ((العشر)) هي ((عشر)» ذي الحجة، وقاله
ابن عباس ومسروق.
وروي أن ((الثلاثين)) إنما وعد بأن يصومها ويتهيأ فيها للمناجاة ويستعد وأن مدة المناجاة هي
((العشر))، وقيل بل مدة المناجاة ((الأربعون))، وإقبال ((موسى)) على الأمر والتزامه يحسن لفظ المواعدة،
وحيث ورد أن المواعدة أربعون ليلة فذلك إخبار بجملة الأمر وهو في هذه الآية إخبار بتفصيله کیف وقع،
و﴿أربعين﴾ في هذه الآية وما بعدها في موضع الحال، ويصح أن تكون ﴿أربعين﴾ ظرفاً من حيث هي عدد
أزمنة، وفي مصحف أبي بن كعب ((وتممناها)) بغير ألف وتشديد الميم، وذكر الزجاج عن بعضهم قال: لما
صام ثلاثين يوماً أنكر خلوف فمه فاستاك بعود خروب فقالت الملائكة: إنا كنا نستنشق من فيك رائحة

٤٥٠
تفسير سورة الأعراف / الآية: ١٤٣
المسك فأفسدته بالسواك فزيدت عليه عشر ليال، و﴿ثلاثين﴾ نصب على تقدير أجلناه ((ثلاثين)) وليسبت
منتصبة على الظرف لأن المواعدة لم تقع في ((الثلاثين))، ثم ردد الأمر بقوله ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة)
قيل ليبين أن ((العشر)) لم تكن ساعات وبالجملة فتأكيد وإيضاح.
وقوله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه﴾ ... الآية، المعنى: وقال موسى حين أراد المضي للمناجاة
والمغيب فيها، و ﴿اخلفني﴾ معناه كن خليفتي وهذا استخلاف في حياة كالوكالة التي تنقضي بعزل الموكل
أو موته لا يقتضي أنه متمادٍ بعد وفاة فينحل على هذا ما تعلق به الإمامية في قولهم إن النبي صلَى الله عليه
وسلم استخلف علياً بقوله أنت مني كهارون من (موسى)) وقال موسى ﴿اخلفني﴾ فيترتب على هذا أن علياً
خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ذكرناه يحل هذا القياس. وأمره في هذه الآية بالإصلاح ثم من
الطرق الأخر في أن لا يتبع سبيل مفسد، قال ابن جريج: كان من الإصلاح أن يزجر السامري ويغير عليه.
ثم أخبر الله تعالى عن ((موسى)) عليه السلام أنه لما جاء إلى الموضع الذي حد له وفي الوقت الذي
عين له وكلمه ربه قال تمنياً منه أي ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ وقرأ الجمهور: ﴿أرني) بكسر الراء، وقرأ أبو
عمرو وابن كثير ﴿أَرْني﴾ بسكون الراء، والمعنى في قوله ﴿كلمه﴾ أي خلق له إدراكاً سُمع به الكلام القائم
بالذات القديم الذي هو صفة ذات، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أدنى الله تعالى ((موسی)) حتى سمع
صريف الأقلام في اللوح، وكلام الله عز وجلّ لا يشبه شيئاً من الكلام الذي للمخلوقين ولا في جهة من
الجهات وكما هو موجود لا كالموجودات، ومعلوم لا کالمعلومات، كذلك كلامه لا يشبه الكلام الذي فيه
علامات الحدوث ، والواو عاطفة ﴿کلمه﴾ على ﴿جاء﴾، ويحتمل أن تكون واو الحال والأول أبین، وقال
وهب بن منبه كلم الله ((موسى)) في ألف مقام كان يرى نور على وجهه ثلاثة أيام إثر كل مقام، وما قرب
((موسى)) النساء منذ ((كلمه)) الله تعالى، وجواب ﴿لما﴾ في قوله ﴿قال﴾، والمعنى أنه لما ((كلمه)) وخصه بهذه
المرتبة طمحت همته إلى رتبة الرؤية وتشوق إلى ذلك، فسأل ربه أن يريه نفسه، قاله السدي وأبو بكر
الهذلي، وقال الربيع: قربناه نجياً حتى سمع صريف الأقلام، ورؤية الله عز وجل عند الأشعرية وأهل السنة
جائزة عقلاً، لأنه من حيث هو موجود تصح رؤيته، قالوا لأن الرؤية للشيء لا تتعلق بصفة من صفاته أكثر
من الوجود، إلا أن الشريعة قررت رؤية الله تعالى في الآخرة نصاً ومنعت من ذلك في الدنيا بظواهر من
الشرع، فموسى عليه السلام لم يسأل ربه محالاً وإنما سأل جائزاً.
وقوله تعالى: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل) الآية ليس بجواب من سأل محالاً، وقد قال تعالى لنوح
﴿فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين﴾ [هود: ٤٦] فلو سأل ((موسى)) محالاً لكان
في الكلام زجر ما وتبيين، وقوله عز وجل: ﴿لن تراني﴾ نص من الله تعالى على منعه الرؤية في الدنيا، و﴿لن﴾
تنفي الفعل المستقبل ولو بقينا مع هذا النفي بمجرده لقضينا أنه لا يراه ((موسى)) أبداً ولا في الآخرة لكن ورد
من جهة أخرى بالحديث المتواتر ان أهل الإيمان يرون الله تعالى يوم القيامة ، فموسى عليه السلام
أحرى برؤيته، وقال مجاهد وغيره: إن الله عز وجل قال لموسى لن تراني ولكن سأتجلى للجبل الذي هو
أقوى منك وأشد فإن استقر وأطاق الصبر لهيبتي فستمكنك أنت رؤيتي .
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا إنما جعل الله له الجبل مثالاً وقالت فرقة: إنما المعنى سأتبدى لك

٤٥١
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٤٣ - ١٤٥
على الجبل فإن استقر لعظمتي فسوف تراني، وروي في كيفية وقوف ((موسى)) وانتظاره الرؤية قصص طويل
اختصرته لبعده وكثرة مواضع الاعتراض فيه.
قوله عز وجل :
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًا وَخَرَّ مُوسَى صَعِفًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ بُّبْتُ
قَالَ يَمُوسَىّ إِنِ اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِ وَبِكَلَمِى
١٤٣
إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
فَخُذْ مَآءَاتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِ الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ واْ بِأَحْسَنِهَا سَأَوْرِيكُمْ دَارَ الْفَسِقِينَ
١٤٥
قال المتأولون المتكلمون كالقاضي ابن الباقلاني وغيره: إن الله عز وجل خلق للجبل حياة وحساً
وإدراكاً يرى به، ثم تجلى له أي ظهر وبدا سلطانه فاندك الجبل لشدة المطلع، فلما رأى موسى ما بالجبل
صعق، وهذا المعنى هو المروي عن ابن عباس، وأسند الطبري عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً﴾ قال: فوضع الإبهام قريباً من خنصره
قال فساخ الجبل، فقال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويقوله أنس، وأكتمه أنا؟ وقالت فرقة: المعنى فلما تجلى الله للجبل بقدرته وسلطانه
اندك الجبل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يتمسك به المعتزلة تمسكاً شديداً لقولهم إن رؤية الله عز وجل
غير جائزة، وقائله من أهل السنة إنما يقوله مع اعتقاده جواز الرؤية ولكنه يقول إنه أليق بألفاظ الآية من أن
تحمل الآية أن الجبل خلق له إدراك وحياة، وقال الزّجاج: من قال إن التقدير فلما تجلى أمر ربه فقد أخطأ
ولا يعرف أهل اللغة ذلك، ورد أبو علي في الإغفال عليه، والدك الانسحاق والتفتت، وقرأ النبي صلى الله
عليه وسلم وابن مسعود وأنس بن مالك والحسن وأبو جعفر وشيبة ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو ونافع
وعاصم وابن عامر ((دكا))، وقرأ حمزة والكسائي وابن عباس والربيع بن خثيم وغيرهم ((دکاء)) على وزن
حمراء، والدكاء الناقة التي لا سنام لها، فالمعنى جعله أرضاً دكاء تشبيهاً بالناقة، فروي أنه ذهب الجبل
بجملته، وقيل ذهب أعلاه وبقي أكثره، وروي أن الجبل تفتت وانسحق حتى صار غباراً تذروه الرياح،
وقال سفيان: روي أنه ساخ في الأرض وأفضى إلى البحر الذي تحت الأرضين، قال ابن الكلبي فهو يهوي
فيه إلى يوم القيامة، وروي أنه انكسر ست فرق فوقعت منه ثلاث بمكة ثبير وغار ثور وحراء، وثلاث
بالمدينة أحد وورقان ورضوى، قاله النقاش، وقال أبو بكر الهذلي: ساخ في الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة،
و﴿صعقاً﴾ معناه مغشياً عليه كحال من تصيبه الصعقة وهي الصيحة المفرطة، قال الخليل: وهي الوقع
الشديد من صوت الرعد قاله ابن زيد وجماعة من المفسرين، وقال قتادة: كان موتاً، قال الزجّاج: وهو
ضعيف، ولفظة ﴿أفاق﴾ تقتضي غير هذا، وقوله ﴿سبحانك﴾ أي تنزيهاً لك كذا فسره النبي صلى الله عليه
وسلم، وقوله ﴿تبت إليك﴾ معناه من أن أسألك الرؤية في الدنيا وأنت لا تبيحها.

٤٥٢
:
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٤٣ - ١٤٥
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل عندي أنه لفظ قاله عليه السلام لشدة هول ما اطلع ولم يعن به
التوبة من شيء معين ولكنه لفظ يصلح لذلك المقام .
قال القاضي أبو محمد: والذي يتحرز منه أهل السنة أن تكون توبة من سؤال المحال كما زعمت
المعتزلة، وقرأ نافع ﴿وأنا﴾ بإثبات الألف في الإدراج، قال الزهراوي والأولى حذفها في الإدراج وإثباتها
لغة شاذة خارجة عن القياس، وقوله ﴿أول﴾ إما أن يريد من قومه بني إسرائيل، وهو قول ابن عباس
ومجاهد أو من أهل زمانه ان كان الكفر قد طبق الآفاق وإما أن يريد أول المؤمنين بأنك لا ترى في الدنيا، قاله
أبو العالية.
ثم أن الله تعالى قرر موسى على آلائه عنده على جهة الإخبار وقنعه بها وأمره بالشكر عليها وكأنه قال
ولا تتعدها إلى غيرها، و((اصطفى)) أصله اصتفى وهو افتعل من صفا يصفو انقلبت التاء طاء لمكان الصاد،
ومعناه تخيرتك وخصصتك، ولا تستعمل إلا في الخير والمنن، لا يقال اصطفاه لشر، وقوله ﴿على الناس﴾ عام
والمراد الخصوص فيمن شارك موسى في الإرسال، فإن الأنبياء كلهم المرسلین مشاركون له بما هم رسل،
والظاهر من الشريعة أن موسى مخصص بالكلام وإن كان قد روي في تكليم الله غيره أشياء بما يشاء من
أعظمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن آدم فقال هو نبي مكلَّم.
قال القاضي أبو محمد: إلا أن ذلك قد تأول بأنه كان في الجنة فيتحفظ على هذا تخصیص موسى،
ويصح أن يكون قوله ﴿على الناس﴾ عموماً مطلقاً في مجموع الدرجتين الرسالة والكلام. وقرأ حمزة والكسائي
وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ((برسالاتي)) على الجمع إذ الذي أرسل به ضروب، وقرأ ابن كثير ونافع
(برسالتي)) على الإفراد الذي يراد به الجمع وتحل الرسالة هاهنا محل المصدر الذي هو الإرسال، وقرأ
جمهور الناس و«بکلامي))، وقرأ أبو رجاء ((برسالتي ويكلمتي))، وقرأ الأعمش ((برسالاتي وبكلمي))، وحكى
عنه المهدوي ((وتكليمي)) على وزن تفعيلي، وقوله ﴿فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾ تأديب وتقنيع
وحمل على جادة السلامة ومثال لكل أحد في حاله، فإن جميع النعم من عنده بمقدار وكل الأمور بمرأى من
الله ومسمع.
وقوله تعالى: ﴿وكتبنا له في الألواح) الآية، الضمير في ﴿له﴾ عائد على موسى عليه السلام، والألف
واللام في ﴿الألواح﴾ عوض من الضمير الذي يقدر وصله بين الألواح وموسى عليه السلام، تقديره في ألواحه،
وهذا كقوله تعالى: ﴿فإن الجنة هي المأوى﴾ [النازعات: ٤١] مأواه وقيل: كانت الألواح اثنين، وقيل
سبعة، وقال مجاهد وابن عباس: كانت الألواح من زمرد، وقال ابن جبير من ياقوت أحمر، وقال أبو العالية
أيضاً من برد، وقال الحسن من خشب، وقوله ﴿من كل شيء﴾ لفظه عموم والمراد به كل شيء ينفع في
معنى الشرع ويحتاج إليه في المصلحة، وقوله ﴿لكل شيء﴾ مثله، قال ابن جبير: ما أمروا به ونهوا عنه،
وقاله مجاهد: وقال السدي: الحلال والحرام. وقوله ﴿بقوة﴾ معناه بجد وصبر عليها واحتمال لمؤنها قاله ابن
عباس والسدي، وقال الربيع بن أنس ﴿بقوة﴾ هنا بطاعة، وقال ابن عباس أمر موسى أن يأخذه بأشد مما أمر
به قومه، و«خذ» أصله أُؤخذ حذفت الهمزة التي هي فاء الفعل على غير قياس فاستغني عن الأول، وقوله

٤٥٣
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٤٣ - ١٤٥
﴿بأحسنها﴾ يحتمل معنيين أحدهما التفضيل كأنه قال: إذا اعترض فيها مباحان فيأخذون الأحسن منهما
كالعفو والقصاص، والصبر والانتصار.
قال القاضي أبو محمد: هذا على القول إن أفعل في التفضيل لا يقال إلا لما لهما اشتراك في
المفضل فيه وأما على القول الآخر فقد يراد بالأحسن المأمور به بالإضافة للمنهي عنه لأنه أحسن منه،
وكذلك الناسخ بالإضافة إلى المنسوخ ونحو هذا، وذهب إلى هذا المعنى الطبري.
قال القاضي أبو محمد: ويؤيد هذا التأويل أنه تدخل فيه الفرائض وهي لا تدخل في التأويل الأول،
وقد يمكن أن يتصور اشتراك في حسن من المأمور به والمنهي عنه ولو بحسب الملاذ وشهوات النفس
الأمارة، والمعنى الآخر الذي يحتمله قوله: ﴿بأحسنها﴾ أن يريد بأحسن وصف الشريعة بجملتها، فكأنه
قال: قد جعلنا لكم شريعة هي أحسن كما تقول: الله أكبر دون مقايسة ثم قال: فمرهم يأخذوا بأحسنها الذي
شرعناه لهم، وفي هذا التأويل اعتراضات، وقرأ جمهور الناس (سأوريكم)، وقرأ الحسن بن أبي الحسن
((سأوريكم)) قال أبو الفتح ظاهر هذه القراءة مردود وهو أبو سعيد المأثور فصاحته فوجهها أن المراد أريكم ثم
أشبعت ضمة الهمزة ومطلت حتى نشأت عنها واو، ويحسن احتمال الواو في هذا الموضع أنه موضع وعيد
وإغلاظ فمكن الصوت فيه .
/
وقرأ قسامة بن زهير ((سأورثكم)) قاله أبو حاتم، ونسبها المهدوي إلى ابن عباس، وثبتت الواو في خط.
المصحف فلذلك أشكل هذا الاختلاف مع أنا لا نتأول إلا أنها مرويات فأما من قرأها ((سأوريكم)) فالمعنى
عنده سأعرض عليكم وأجعلكم تخشون لتعتبروا حال دار الفاسقين، والرؤية هنا رؤية العين إلا أن المعنى
يتضمن الوعد للمؤمنين والوعيد للفاسقين ويدل على أنها رؤية العين تعدى فعلها وقد عدي بالهمزة إلى
مفعولين، ولو كان من رؤية القلب لتعدى بالهمزة إلى ثلاثة مفاعيل، ولو قال قائل: المفعول الثالث يتضمنه
المعنى فهو مقدر أي مدمرة أو خربة مسعرة على قول من قال: هي جهنم، قيل له: ولا يجوز حذف هذا
المفعول والاقتصار دونه أنها داخلة على الابتداء والخبر ولو جوز لكان على قبح في اللسان لا يليق بکتاب
الله عز وجل، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومقاتل وقتادة في كتاب النقاش ﴿دار الفاسقين) مصر
والمراد آل فرعون، وقال قتادة أبضاً: ((دار الفاسقين)) الشام والمراد العمالقة الذين أمر موسى بقتالهم، وقال
مجاهد والحسن: ((دار الفاسقين)) جهنم والمراد الكفرة بموسى عامة، وقال النقاش عن الكلبي: ﴿دار
الفاسقين﴾ دور ثمود وعاد والأمم الخالية: أي سنقصها عليكم فترونها.
قوله عز وجل :
سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَُّونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوُاُكُلَّ ءَايَةٍ لََّيُؤْمِنُواْ
بِهَا وَ إِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَ إِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ
ج
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْبِثَايَتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ
١٤٦
بِأَّهُمْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ

٤٥٤
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٢٤٦ - ١٤٩
أَعْمَلُهُمَّ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّ مَاكَانُواْ يَعْمَلُونَ
١٤٧
المعنى سأمنع وأصد، وقال سفيان بن عيينة: الآيات هنا كل كتاب منزل.
قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن فهمها وتصديقها، وقال ابن جريج: الآيات العلامات المنصوبة
الدالة على الوحدانية .
:
قال القاضي أبو محمد: فالمعنى عن النظر فيها والتفكير والاستدلال بها، واللفظ يعم الوجهين،
والمتكبرون بغير حق في الأرض هم الكفرة، والمعنى في هذه الآية سأجعل الصرف عن الآيات عقوبة
للمتكبرين على تكبرهم، وقوله ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾ حتم من الله عز وجل على الطائفة التي
قدر ألا يؤمنوا، وقراءة الجمهور: ((يَروا)) بفتح الياء قرأها ابن كثير وعاصم ونافع وأبو جعفر وشيبة وشبل وابن
وثاب وطلحة بن مصرف وسائر السبعة، وقرأها مضمومة الياء مالك بن دينار، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو
وعاصم وابن عامر ((الرشد))، وقرأ ابن عامر في بعض ما روي عنه وأبو البرهسم ((الرُّشد)) بضم الراء والشين
وقرأ حمزة والكسائي على أن ((الرُّشد)) بضم الراء وسكون الشين و((الرَّشد)) بفتحهما بمعنى واحد، وقال أبو
عمرو بن العلاء: ((الرُّشد)) بضم الراء: الصلاح في النظر و((الرَّشد)) بفتحهما الدين، وأما قراءة ابن عامر
بضمهما فأتبعت الضمة الضمة، وقرأ ابن أبي عبلة ((لا يتخذوها وتتخذوها)) على تأنيث ((السبيل))، والسبيل
تؤنث وتذكر، وقوله ﴿ذلك﴾ إشارة إلى الصرف أي صرفنا إياهم وعقوبتنا لهم هي بكفرهم وتكذيبهم
وغفلتهم عن النظر في الآيات والوقوف عند الحجج، ويحتمل أن يكون ذلك خبر ابتداء تقديره: الأمر
ذلك، ويحتمل أن يكون في موضع نصب بفعل تقديره فعلنا ذلك.
٠١٠٠
وقوله تعالى: ﴿والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة) الآية، هذه الآية مؤكدة للتي قبلها وسوقها في
جملة المكذب به، ولقاء الآخرة لفظ يتضمن تهديداً أي هنالك يفتضح لهم حالهم، و﴿حبطت﴾ معناه سقطت
وفسدت وأصل الحبط فيما تقدم صلاحه ولكنه قد يستعمل في الذي كان أول مرة فاسداً إذ مثال العاملين
واحد، وقوله ﴿هل يجزون﴾ استفهام بمعنى التقرير أي يستوجبون بسوء فعلهم إلا عقوبة، وساغ أن
يستعمل ﴿حبطت﴾ هنا إذا كانت أعمالهم في معتقداتهم جارية في طريق صلاح فكأن الحبط فيها إنما هو
بحسب معتقداتهم وأما بحسب ما هي عليه في أنفسها ففاسدة منذ أول أمرها، ومن هذه اللفظة قول النبي
صلى الله عليه وسلم إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم أي فساداً لكثرة الأكل بعد الصلاح الذي كان
أولاً، وقرأ ابن عباس وأبو السمال ((حبطت)) بفتح الباء.
قوله عز وجل :
وَأَتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيْهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَايَهْدِيهِمْ
ج
سَبِيلاً اْتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَلِمِينَ (4) وَاسُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ
قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَ مِنَ الْخَسِرِينَ
١٤٩
﴿اتخذ﴾ أصله ايتخذ وزنه افتعل من تخذ هذا قول أبي علي الفارسي، والضمير في ﴿بعده﴾ عائد

٤٥٥
تفسير سورة الأعراف / الآيات : ١٤٦ - ١٤٩
على موسى أي بعد مضيه إلى المناجاة وأضاف الحليّ إلى بني إسرائيل وإن كان مستعاراً من القبط إذ كانوا
قد تملكوه إما بأن نفلوه كما روي وحكى يحيى بن سلام عن الحسن أنه قال: استعار بنو إسرائيل حلي
القبط ليوم الزينة فلما أمر موسى أن يسري بهم ليلاً تعذر عليهم رد العواري، وأيضاً فخشوا أن يفتضح
سرهم، ثم إن اللّه نفلهم إياه، ويحتمل أن يضاف الحلي إلى بني إسرائيل من حيث تصرفت أيديهم فيه بعد
غزو آل فرعون، ويروى أن السامري واسمه موسى بن ظفر وينسب إلى قرية تسمى سامرة قال لهارون حين
ذهب موسى إلى المناجاة: يا هارون إن بني إسرائيل قد بددوا الحلي الذي استعير من القبط وتصرفوا فيه
وأنفقوا منه، فلو جمعته حتى يرى موسى فيه رأيه، قال: فجمعه هارون فلما اجتمع قال للسامري: أنت
أولى الناس بأن يختزن عندك، فأخذه السامري وكان صائغاً فصاغ منه صورة عجل وهو ولد البقرة
﴿جسداً﴾ أي جثة وجماداً وقيل كان جسداً بلا رأس وهذا تعلق بأن الجسد في اللغة ما عدا الرأس وقيل إن
الله جعل له لحماً ودماً .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن الآثار في أن موسى برده بالمبارد تكذب ذلك، و((الخوار))
صوت البقر، ويروى أن هذا العجل إنما خار مرة واحدة، وذلك بحيلة صناعية من السامري أو بسحر تركب
له من قبضه القبضة من أثر الرسول، أو بأن الله أخار العجل لفتن بني إسرائيل، وقرأت فرقة له ((جوار))
بالجيم وهو الصياح قال أبو حاتم وشدة الصوت، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وأبو عمرو والحسن
وأبو جعفر وشيبة ((من حُلِيهم)) بضم الحاء وكسر اللام، وهو جمع حلي على مثال ثدي، وثديّ، وأصله
حلوي قلبت الواو ياء وأدغمت فجاء حلي فكسرت اللام لتناسب الياء، وقرأ حمزة والكسائي ((من حِليهم))
بكسر الحاء على ما قدمنا من التعليل، قال أبو حاتم إلا أنهم كسروا الحاء إتباعا لكسرة اللام، قال أبو علي
وقوى التغيير الذي دخل على الجمع على هذا التغيير الأخير، قال ومما يؤكد كسر الفاء في هذا النحو من
الجمع قولهم فسيّ، قال أبو حاتم وقرأ هكذا يحيى بن وثاب وطلحة والأعمش وأصحاب عبد الله، وقرأ
يعقوب الحضرمي ((من حَلْيهم)) بفتح الحاء وسكون اللام، فإما أن يكون مفرداً يراد به الجميع وإما أن يكون
جمع حلية كتمرة وتمر ومعنى الحلي ما يتجمل به من حجارة وذهب وفضة، ثم بين الله تعالى سوء فطرهم
وقرر فساد اعتقادهم بقوله ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم﴾ الآية، وذلك أن الصامت الجماد لا يتصف بالإلهية
والذي لا يرشد إلى خير ولا يكشف غماً كذلك، والضمير في ﴿اتخذوه﴾ عائد على العجل، وقوله
﴿وكانوا﴾ إخبار لنا عن جميع أحوالهم ماضياً وحالاً ومستقبلاً، ويحتمل أن تكون الواو واو حال، وقد مر
في البقرة سبب اتخاذ العجل وبسط تلك الحال بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقرأ جمهور الناس بكسر القاف وضم السين ((سُقِطَ في أيديهم)) وقرأت فرقة ((سَقَطَ)) بفتح السين
والقاف حكاه الزّجاج، وقرأ ابن أبي عبلة ((أسْقط)) وهي لغة حكاها الطبري بالهمزة المضمومة وسين ساكنة،
والعرب تقول لمن كان ساعياً لوجه أو طالباً غاية ما، فعرضه ما غلبه وصده عن وجهته وأوقفه موقف العجز
عن بغيته وتيقن أنه قد عجز: سقط في يد فلان، وقال أبو عبيدة: يقال لمن قدم على أمر وعجز عنه سقط في
يده .
قال القاضي أبو محمد: والندم عندي عرض يعرض صاحب هذه الحال وقد لا يعرضه فليس الندم

٤٥٦
تفسير سورة الأعراف / الآية: ١٥٠
بأصل في هذا أما أن أكثر أصحاب هذه الحال يصحبهم الندم وكذلك صحب بني إسرائيل المذكورين في
الآية والوجه الذي يصل بين هذه الألفاظ وبين المعنى الذي ذكرناه هو أن السعي أو الصرف أو الدفاع سقط
في يد المشار إليه فصار في يده لا يجاوزها ولا يكون له خارجها تأثير وقال الزجاج: المعنى أن الندم سقط
في أيديهم ويحتمل أن الخسران والخيبة سقط في أيديهم.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا كله يلزم أن يكون ((سقط)) يتعدى فإن ((سقط)) يتضمن مفعولاً وهو
هاهنا المصدر الذي هو الإسقاط كما يقال ذهب بزيد وفي هذا عندي نظر، وأما قراءة من قرأ ((سقَطَ)) على
بناء الفعل للفاعل أو ((أسقط)) على التعدية بالهمزة فبين في الاستغناء عن التعدي ويحتمل أن يقال سقط في
يديه على معنى التشبيه بالأسير الذي تكتف يداه فكأن صاحب هذه الحال يستأسر ويقع ظهور الغلبة عليه
في يده، أو كأن المراد سقط بالغلب والقهر في يده، وحدثت عن أبي مروان بن سراج أنه كان يقول: قول
العرب سقط في يديه مما أعياني معناه، وقال الجرجاني: هذا مما دثر استعماله مثلما دثر استعمال قوله
تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم﴾ [الكهف: ١١].
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام ضعف والسقاط في كلام العرب كثرة الخطأ والندم عليه
ومنه قول سويد بن أبي كاهل: [الرمل]
كيف يرجون سقاطي بعدما
الفع الرأس مشيب وصلع
وقول بني إسرائيل ﴿لئن لم يرحمنا ربنا﴾ إنما كان بعد رجوع موسى وتغييره عليهم ورؤيتهم أنهم قد
خرجوا عن الدين ووقعوا في الكفر، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم والحسن والأعرج وأبو
جعفر وشيبة بن نصاح ومجاهد وغيرهم ((قالوا لئن لم يرحمنا ربنا» بالياء في يرحمنا وإسناد الفعل إلى الرب
تعالى، ((ويغفر)» بالياء، وقرأ حمزة والكسائي والشعبي وابن وثاب والجحدري وطلحة بن مصرف والأعمش
وأيوب ((ترحمنا ربَّنا)) بالتاء في ((ترحمنا)) ونصب لفظة ربنا على جهة النداء ((وتغفر)) بالتاء، من فوق، وفي
مصحف أبيّ ((قالوا ربنا لئن لم ترحمنا وتغفر لنا لنكونن من الخاسرين)).
قوله عز وجل :
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىّ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْبْنَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُهُونِي مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبَّكُمْ وَأَلْقَى
اُلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَ الْقَوْمَ اُسْتَضْعَفُونِى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِىِ فَلَا
تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَجْعَلْنِ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
١٥
يريد رجع من المناجاة، ويروى: أنه لما قرب من محلة بني إسرائيل سمع أصواتهم فقال: هذه
أصوات قوم لاهين، فلما تحقق عكوفهم على عبادة العجل داخله الغضب والأسف وألقى الألواح، قاله ابن
إسحاق، وقال الطبري: أخبره الله تعالى قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل فلذلك رجع وهو غاضب،
و((الأسف)) قد يكون بمعنى الغضب الشديد، وأكثر ما يكون بمعنى الحزن والمعنيان مترتبان هاهنا، و((ما))

٤٥٧
تفسير سورة الأعراف / الآية: ١٥٠
المتصلة بـ ((بئس)) مصدرية، هذا قول الكسائي، وفيها اختلاف قد تقدم في البقرة، أي بئس خلافتكم لي
من بعدي، ويقال: خلفه بخير أو بشر إذا فعله بمن ترك من بعده، ويقال عجل فلان الأمر إذا سبق فيه،
فقوله: ﴿أعجلتم﴾ معناه: أسابقتم قضاء ربكم واستعجلتم إتياني قبل الوقت الذي قدر به، وقوله تعالى:
﴿وألقى الألواح﴾ الآية، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان سبب إلقائه الألواح غضبه على قومه في
عبادتهم العجل وغضبه على أخيه في إهمال أمرهم، وقال قتادة إن صح عنه: بل كان ذلك لما رأى فيها من
فضيلة أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرغب أن يكون ذلك لأمته فلما علم أنه لغيرها غضب.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول رديء لا ينبغي أن يوصف موسى عليه السلام به والأول هو
الصحيح، وبالجملة فكان في خلق موسى عليه السلام ضيق وذلك مستقر في غير موضع، وروي أنها كانت
لوحان وجمع إذ التثنية جمع، وروي أنها كانت وقر سبعين بعيراً يقرأ منها الجزء في سنة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف مفرط، وقاله الربيع بن أنس، وقال ابن عباس: إن موسى لما
ألقاها تكسرت فرفع أكثرها الذي فيه تفصيل كل شيء وبقي الذي في نسخته الهدى والرحمة، وهو الذي
أخذ بعد ذلك، وقد تقدم القول من أي شيء كانت الألواح، وأخذه برأس أخيه ولحيته من الخلق المذكور،
هذا ظاهر اللفظ، وروي أن ذلك إنما كان ليساره فخشي هارون أن يتوهم الناظر إليهما أنه لغضب فلذلك
نهاه ورغب إلیه .
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، والأول هو الصحيح لقوله ﴿فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب
قولي﴾ [طه: ٩٤] وقوله: ﴿يا ابن أم) استلطاف برحم الأم إذ هو ألصق القرابات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو
عمرو وحفص عن عاصم ((ابن أمَّ)) بفتح الميم، فقال الكوفيون أصله ابن أماه فحذفت تخفيفاً، وقال سيبويه
هما اسمان بنيا على الفتح كاسم واحد كخمسة عشر ونحوها، وقرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر
وحمزة والكسائي ((ابن أمِّ)) بكسر الميم، فكأن الأصل ابن أمي فحذفت الياء إما على حد حذفهم من: لا
أبال ولا أدر تخفيفاً، وإما كأنهم جعلوا الأول والآخر اسماً واحداً ثم أضافوا كقولك يا أحد عشر أقبلوا، قاله
سيبويه، وهذا أقيس من الحذف تخفيفاً، ثم أضافوا إلى ياء المتكلم، ثم حذفت الياء من أمي على لغة من
يقول يا غلام فيحذفها من المنادى، ولو لم يقدر جعل الأول والآخر اسماً واحداً لما صح حذفها لأن الأم
ليست بمناداة، و﴿استضعفوني﴾: معناه اعتقدوا أني ضعيف، وقوله: ﴿كادوا﴾ معناه قاربوا ولم يفعلوا،
وقرأ جمهور الناس ((فلا تُشمِت بي الأعداء)) بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء، وقرأ مجاهد فيما
حكاه أبو حاتم ((فلا تَشِمَّت بي)) بفتح التاء من فوق والميم ورفع ((الأعداءُ)) أي لا يكون ذلك منهم لفعل
تفعله أنت بي، وقرأ حميد بن قيس ((تَشمِت)) بتاء مفتوحة ومیم مكسورة ورفع ((الأعداءُ» حكاها أبو حاتم،
وقرأ مجاهد أيضاً فيما حكاه أبو الفتح ((فلا تَشمَت بي الأعداءَ)) بفتح التاء من فوق والميم ونصب الأعداء،
هذا علی أن یعدی شمت یشمت، وقد روي ذلك، قال أبو الفتح :فلا تشمت بي أنت يا رب، وجاز هذا كما
قال تعالى: ﴿يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥] ونحو ذلك، ثم عاد إلى المراد فأضمر فعلاً نصب به الأعداء
كأنه قال: لا تشمت بي الأعداء كقراءة الجماعة.

٤٥٨
تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٥١ - ١٥٣
قال القاضي أبو محمد: وفي كلام أبي الفتح هذا تكلف، وحكى المهدوي عن ابن محيصن:
(تَشمِت)) بفتح التاء وكسر الميم، (الأعداء)) بالنصب، والشماتة: فرحة العدو بمصاب عدوه، وقوله: ﴿ولا
تجعلني مع القوم الظالمين) يريد عبدة العجل.
قوله عز وجل :
إِنَّالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ
١٥١
قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى وَأَدْ خِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحِمُ الْرَحِمِينَ
ج
وَاُلَّذِينَ
١٥٢
الْعِجْلَ سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ
عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنْ بَعْدِهَا وَءَامَنُوَ أَإِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
١٥٣
استغفر موسى من فعله مع أخيه ومن عجلته في إلقاء الألواح واستغفر لأخيه من فعله في الصبر لبني
إسرائيل، ويمكن بأن الاستغفار كان لغير هذا مما لا نعلمه والله أعلم.
وقوله: ﴿إن الذين اتخذوا العجل) الآية، مخاطبة من اللّه لموسى عليه السلام لقوله: ﴿سينالهم﴾
ووقع ذلك النيل في عهد موسى عليه السلام، و((الغضب والذلة)) هو أمرهم بقتل أنفسهم هذا هو الظاهر،
وقال بعض المفسرين: الذلة الجزية، ووجه هذا القول أن الغضب والذلة بقيت في عقب هؤلاء المقصودين
بها أولاً وكأن المراد سينال أعقابهم، وقال ابن جريج: الإشارة في قوله ﴿الذين﴾ إلى من مات من عبدة العجل
قبل التوبة بقتل النفس وإلى من فر فلم يكن حاضراً وقت القتل.
قال القاضي أبو محمد: والغضب على هذا والذلة هو عذاب الآخرة، والغضب من الله عز وجل إن
أخذ بمعنى الإرادة فهو صفة ذات، وإن أخذ بمعنى العقوبة وإحلال النقمة فهو صفة فعل، وقوله:
﴿وكذلك نجزي المفترين﴾ المراد أولاً أولئك الذين افتروا على الله في عبادة العجل وتكون قوة اللفظ تعم
كل مفتر إلى يوم القيامة، وقد قال سفيان بن عيينة وأبو قلابة وغيرهما: كل صاحب بدعة أو فرية ذليل،
واستدلوا بالآية .
وقوله تعالى: ﴿والذين عملوا السيئات﴾ الآية، تضمنت هذه الآية الوعد بأن الله عز وجل يغفر
للتائبين، والإشارة إلى من تاب من بني إسرائيل، وفي الآية ترتيب الإيمان بعد التوبة، والمعنى في ذلك أنه
أراد وآمنوا أن التوبة نافعة لهم منجية فتمسكوا بها فهذا إيمان خاص بعد الإيمان على الإطلاق، ويحتمل أن
يريد بقوله: ﴿وآمنوا﴾ أي وعملوا عمل المؤمنين حتى وافوا على ذلك، ويحتمل أن يريد التأكيد فذكر
التوبة والإيمان إذ هما متلازمان، إلا أن التوبة على هذا تكون من كفر ولابد فيجيء ((تابوا وآمنوا)) بمعنى
واحد، وهذا لا يترتب في توبة المعاصي فإن الإيمان متقدم لتلك ولا بد وهو وتوبة الكفر متلازمان، وقوله:
﴿إن ربك﴾ إيجاب ووعد مرج.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله: ((تابوا وآمنوا)) أن يكون لم تقصد رتبة الفعلين على عرف الواو
في أنها لا توجب رتبة ويكون ﴿وآمنوا﴾ بمعنى وهم مؤمنون قبل وبعد، فكأنه قال ومن صفتهم أن آمنوا.

٤٥٩
تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ١٥٤، ١٥٥
قوله عز وجل :
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ تُوسَى الْغَضَبُّ أَخَذَ اَلْأَ لْوَاحٌّ وَفِي نُسَخَتِهَا هُدَى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ
يرهبون
أَ وَأَخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَئِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتُهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْشِئْتَ
١٥٤
أَهْلَكْنَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَنِيِّ أَنْهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّأَ إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَنُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ
وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَافَاغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ
١٥٥
معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام لما سكن غضبه أخذ الألواح التي كان ألقى، وقد تقدم ما
روي أنه رفع أكثرها أو ذهب في التكسر، وقوله: ﴿سكت﴾ لفظة مستعارة شبه خمود الغضب بانقطاع كلام
المتلکم وهو سكوته، قال يونس بن حبيب: تقول العرب سال الوادي يومين ثم سكت، وقال الزجاج وغيره:
مصدر قولك سَكَتَ الغضب، سكْت، ومصدر قولك سكت الرجل سكوت، وهذا يقتضي أنه فعل على
حدة وليس من سكوت الناس، وقيل إن في المعنى قلباً، والمراد ولما سكت موسى عن الغضب فهو من
باب أدخلت فمي في الحجر وأدخلت القلنسوة في رأسي، وفي هذا أيضاً استعارة، إذ الغضب ليس يتكلم
فيوصف بالسكوت، وقرأ معاوية بن قرة: ((ولما سكن))، وفي مصحف حفصة ((ولما سكت))، وفي مصحف
ابن مسعود ((ولما صبر عن موسى الغضب))، قال النقاش: وفي مصحف أبيّ: ((ولما اشتق عن موسى
الغضب))، وقوله: ﴿وفي نسختها﴾ معناه وفيما ينسخ منها ويقرأ، واللام في قوله ﴿لربهم) يحتمل وجوهاً،
مذهب المبرد أنها تتعلق بمصدر كأنه قال الذين رهبتهم لربهم، ويحتمل أنه لما تقدم المفعول ضعف الفعل
فقوي على التعدي باللام، ويحتمل أن يكون المعنى: هم لأجل طاعة ربهم وخوف ربهم يرهبون العقاب
والوعيد ونحو هذا.
وقوله تعالى: ﴿واختار موسى قومه) الآية، معنى هذه الآية أن موسى عليه السلام اختار من قومه
هذه العدة ليذهب بهم إلى موضع عبادة وابتهال ودعاء ليكون منه ومنهم اعتذار إلى الله عز وجل من خطأ
بني إسرائيل في عبادة العجل وطلب لكمال العفو عمن بقي منهم، وروي عن علي بن أبي طالب أن
اختيارهم إنما كان بسبب قول بني إسرائيل أن موسى قتل هارون حين ذهب معه ولم يرجع، فاختار هؤلاء
ليذهبوا فيكلمهم هارون بأنه مات بأجله، وقوله: ﴿لميقاتنا﴾ يؤيد القول الأول وينافر هذا القول لأنها
تقتضي أن ذلك كان عن توقيت من الله عز وجل وعدة في الوقت الموضع، وتقدير الكلام: واختار موسى
من قومه، فلما انحذف الخافض تعدى الفعل فنصب، وهذا كثير في كلام العرب.
واختلف العلماء في سبب ﴿الرجفة﴾ التي حلت بهم، فقيل كانت عقوبة لهم على سكوتهم
وإغضائهم على عبادة العجل، وقيل: كانت على عبادتهم العجل بأنفسهم وخفي ذلك عن موسى في وقت
الاختيار حتى أعلمه الله، قاله السدي، وقيل: كانت عقوبة لهم لأنهم لما دنوا وعلموا أن موسى يسمع كلام
الله قالوا له: أرنا ربك فأخذتهم الرجفة، وقيل كانت عقوبة لتشططهم في الدعاء بأن قالوا اللهم أعطنا ما لم
تعطه أحداً قبلنا ولا تعطيه أحداً بعدنا، فأخذتهم الرجفة، وقيل: إنما أخذتهم لما سمعوا كلام هارون وهو

٤٦٠٠
- تفسير سورة الأعراف / الآية : ١٥٦
ميت، وذلك أن موسى وهارون ذهبا إلى التعبد أو نحوه فمات هارون فدفنه موسى وجاء فقالت له بنو
إسرائيل: أين هارون؟ فقال: مات، فقالوا بل أنت قتلته لأنك حسدتنا على حسن خلقه وعشرته، فاختار
السبعين ليمضوا معه حتى يروا برهان ما قال لهم، فلما وصلوا قال له موسى يا هارون أقتلت أم مت؟ فناداه
من القبر بل مت فأخذت القوم الرجفة .
قال القاضي أبو محمد: وروي أنهم ماتوا في رجفتهم هذه، ويحتمل أن كانت كالإغماء ونحوه،
و ﴿الرجفة﴾ الاهتزاز والتقلقل للهول العظيم، فلما رأى موسى ذلك أسف عليهم وعلم أن أمر بني إسرائيل
سيتشعب عليه إذا لم يأت بالقوم فجعل يستعطف ربه أي رب لو أهلكتهم قبل هذه الحال وإياي لكان أحق
عليّ، وهذا وقت هلاكهم فيه مفسد على مؤذٍ لي، ثم استفهم على جهة الرغبة والتضرع والتذلل، ويحتمل
قوله: ﴿رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي﴾ أن يريد وقت إغضائهم على عبادة العجل أي وقت عبادتهم
على القول بذلك وفي نفسه هو وقت قتله القبطي، أي فأنت قد سترت وعفوت حينئذ فكيف الآن إذ رجوعي
دونهم فساد لبني إسرائيل، فمنحى الكلام على هذا محض استعطاف، وعلى التأويل الأول منحاه الإدلاء
بالحجة في صيغة استعطاف، وإذا قلنا إن سبب ((الرجفة)) كان عبادة العجل كان الضمير في قوله:
﴿أتهلكنا﴾ له وللسبعين، و﴿السفهاء﴾ إشارة إلى العبدة من بني إسرائيل، وكذلك إذا كان سببها قول بني
إسرائيل له قتلت هارون، وإذا كان سبب الرجفة طلبهم الرؤية وتشططهم في الدعاء أو عبادتهم بأنفسهم
العجل فالضمير في قوله: ﴿أتهلكنا﴾ يريد به نفسه وبني إسرائيل، أي بالتفرق والكفر والعصيان يكون
هلاكهم، ويكون قوله: ﴿السفهاء﴾ إشارة إلى السبعين، وروي أن السبعين لم يكن فيهم من زاد على
الأربعين ولا من قصر عن العشرين، وروي عن علي بن أبي طالب أنهم أحيوا وجعلوا أنبياء كلهم، وقالت
فرقة: إن موسى عليه السلام لما أعلمه الله عز وجل أن السبعين عبدوا العجل تعجب وقال: ﴿إن هي إلا
فتنتك تضل بها من تشاء﴾ أي الأمور بيدك تفعل ما تريد، وقيل: إن الله تعالى لما أعلم موسى بعبادة بني
إسرائيل العجل وبصفته قال موسى: أي رب ومن أخاره؟ قال أنا، قال موسى: فأنت أضالتهم إن هي إلا
فتنتك ويحتمل أن يشير بها إلى قولهم: أرنا الله إذ كانت فتنة من الله أوجبت الرجفة، وفي هذه الآية رد على
المعتزلة، و ﴿اغفر﴾ معناه استر.
قوله عز وجل :
وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىّ أُصِيبُ بِهِ، مَنْ أَشَاء
وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُم
١٥٦
بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ
﴿اكتب﴾ معناه أثبت واقض، والكتب مستعمل في ما يخلد، و﴿حسنة﴾ لفظ عام في كل ما يحسن
في الدنيا من عافية وغنى وطاعة لله تعالى وغير ذلك وحسنة الآخرة الجنة لا حسنة دونها ولا مرمى وراءها،
و﴿هُدنا﴾ بضم الهاء معناه تبنا، وقرأ أبو وجزة ((هِدنا)) بكسر الهاء ومعناه حركنا أنفسنا وجذبناها لطاعتك، وهو