النص المفهرس
صفحات 421-440
٤٢١ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٧١ - ٧٣ وشعيب، كذا قال النقاش، وفي أمر إسماعيل عليه السلام نظر، وصالح عليه السلام هو صالح بن عبيد بن عارم بن أرم بن سام بن وح كذا ذكر مكي، وقال وهب بعثه الله حين راهق الحلم، ولما هلك قومه ارتحل بمن معه إلى مكة، فأقاموا بها، حتى ماتوا فقبورهم بين دار الندوة والحجر، وقوله ﴿بيئة﴾ صفة حذف الموصوف وأقيمت مقامه، قال سيبويه وذلك قبيح في النكرة أن تحذف وتقام صفتها مقامها، لكن إذا كانت الصفة كثيرة الاستعمال مشتهرة وهي المقصود في الأخبار والأمم زال القبح، كما تقول جاءني عبد لبني فلان وأنت تريد جاءني رجل عبد لأن عبداً صفة فكذلك قوله هنا ﴿بينة﴾، المعنى آية أو حجة أو موعظة ((بينة))، وقال بعض الناس إن ((صالحاً)) جاء بالناقة من تلقاء نفسه، وقالت فرقة وهي الجمهور: بل كانت مقترحة . قال القاضي أبو محمد: وهذا أليق بما ورد في الآثار من أمرهم، وروي أن بعضهم قال «یا صالح)» إن كنت صادقاً فادع ربك يخرج لنا من هذه الهضبة وفي بعض الروايات من هذه الصخرة لصخرة بالحجر يقال لها الكاثبة ناقة عشراء قال فدعا الله فتمخضت تلك الهضبة وتنفضت وانشقت عن ناقة عظيمة، وروي: أنها كانت حاملاً فولدت سقبها المشهور، وروي أنه خرج معها فصيلها من الصخرة، وروي: أن جملاً من جمال ﴿ثمود﴾ ضربها فولدت فصيلها المشهور، وقيل ﴿ناقة الله﴾ تشريفاً لها وتخصيصاً، وهي إضافة خلق إلى خالق، وقال الزجاج: وقيل إنها ناقة من سائر النوق وجعل الله لها شرباً يوماً ولهم شرب يوم، وكانت الآية في شربها وحلبها . قال القاضي أبو محمد: وحكى النقاش عن الحسن أنه قال: هي ناقة اعترضها من إبلهم ولم تكن تحلب والذي عليه الناس أقوى وأصح من هذا، قال المفسرون: وكانت حلفاً عظيماً تأتي إلى الماء بين جبلين فيزحمانها من العظم وقاسمت ﴿ ثمود ﴾ في الماء يوماً بيوم فكانت ترد يومها فتستوفي ماء بئر همشريا ويحلبونها ما شاؤوا من لبن ثم تمكث يوماً وترد بعد ذلك غياً، فاستمر ذلك ما شاء الله حتى أماتها ﴿ثمود﴾ وقالوا ما نصنع باللبن، الماء أحب إلينا منه، وكان سبب الملل فيما روي أنها كانت تصيف في بطن الوادي وادي الحجر وتستوفي ظاهره فكانت مواشيهم تفر منها فتصيف في ظهر الوادي للقيظ، وتستوفي باطنه للزمهرير وفسدت لذلك، فتمالؤوا على قتل الناقة فقال لهم ((صالح)) مرة إن هذا الشهر يولد فيه مولود يكون هلاككم على يديه، فولد لعشرة نفر أولاد فذبح التسعة أولادهم، وبقي العاشر وهو سالف أبو قدار، فنشأ قدار أحمر أزرق فكان التسعة إذا رأوه قالوا لو عاش بنونا كانوا مثل هذا، فاحفظهم إن قتلوا أولادهم بكلام صالح . فأجمعوا على قتله، فخرجوا وكمنوا في غار ليبيتوه منه وتقاسموا لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله، فسقط الغار عليهم فماتوا فهم الرهط التسعة الذين ذكر الله تعالى في كتابه هم قدار بن سالف، ومصرع بن مهرج ضما إلى أنفسهما سبعة نفر وعزموا على عقر الناقة، وروي أن السبب في ذلك أن امرأتين من ﴿ثمود﴾ من أعداء ((صالح)) جعلتا لقدار ومصرع أنفسهما وأموالهما على أن يعقرا الناقة وكانتا من أهل الجمال، وقيل إن قداراً شرب الخمر مع قوم فطلبوا ماء يمزجون به الخمر فلم يجدوه لشرب الناقة، فعزموا على عقرها حينئذ فخرجوا وجلسوا على طريقها وكمن لها قدار خلف صخرة، فلما دنت منه ٤٢٢ تفسير سورة الأغراف / الآيات: ٧٤ ٦ ٧٦ رماها بالحربة ثم سقطت فنحرها، ثم اتبعوا الفصيل فهرب منهم حتى علا ربوة ورغا ثلاث مرات واستغاث فلحقوه وعقروه، وفي بعض الروايات أنهم وجدوا الفصيل على رابية من الأرض فأرادوه فارتفعت به حتى لحقت به في السماء فلم يقدروا عليه، فرغا الفصيل مستغيثاً بالله تعالى فأوحى الله إلى ((صالح)) أن مرهم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، وحكى النقاش عن الحسن أنه قال إن الله تعالى أنطق الفصيل فنادى أين أمي؟ فقال لهم ((صالح)) إن العذاب واقع بكم في الرابع من عقر الناقة، وروي: أنه عقرت يوم الأربعاء وقال لهم ((صالح)) تحمر وجوهم غداً وتصفر في الثاني وتسود في الثالث وينزل العذاب في الرابع يوم الأحد، فلما ظهرت العلامة التي قال لهم أيقنوا واستعدوا ولطخوا أبدانهم بالمن، وحفروا القبور وتحنطوا فأخذتهم الصيحة وخرج صالح ومن معه حتى نزل رملة فلسطين. قال القاضي أبو محمد: وهذا القصص اقتضبته من كثير أورده الطبري رحمه الله رغبة الإيجاز، وقال أبو موسى الأشعري: أتيت بلاد ﴿ثمود﴾ فذرعت صدر الناقة فوجدته ستين ذراعاً. قال القاضي أبو محمد: وبلاد ﴿ثمود﴾ هي بين الشام والمدينة، وهي التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في غزوة تبوك فقال لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم، ثم اعتجر بعمامته وأسرع السير صلى الله عليه وسلم وروي أن المسافة التي أهلكت الصيحة أهلها هي ثمانية عشر ميلاً، وهي بلاد الحجر ومراتعها الجناب وحسمي إلى وادي القرى وما حوله، وقيل في قدار إنه ولد زنا من رجل يقال له ظيبان وولد على فراش سالف فنسب إليه ذكره قتادة وغيره، وذكر الطبري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقبر فقال أتعرفون ما هذا قالوا: لا، قال هذا قبر أبي رغال الذي هو أبو ثقيف كان من ﴿ثمود﴾ فأصاب قومه البلاء وهو بالحرم فسلم فلما خرج من الحرم أصابه ما أصابهم فدفن هنا وجعل معه غصن من ذهب قال فابتدر القوم بأسيافهم فحفروا حتى أخرجوا الغصن. قال القاضي أبو محمد: وهذا الخبر يريد ما في السير من أن أبا رغال هو دليل الفيل وحبيسه إلى مكة والله أعلم. قوله عز وجل : وَأَذْ كُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِئُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوَاْءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ٧٤ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوْاْ أَنَّ صَلِحًا مُرْ سَلٌ مِّن رَّبِّهِ ، قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أَرْسِلَ بِهِ، مُؤْمِنُونَ إِّ ٧٦ إِنَّا بِالَّذِىّءَ مَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ ﴿يوأكم﴾ معناه مكنكم، وهي مستعملة في المكان وظروفه، تقول تبوأ فلان منزلاً حسناً، ومنه قوله ٤٢٣ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٧٧ - ٧٩ تعالى ﴿تبوىء المؤمنين مقاعد للقتال﴾ [آل عمران: ١٢١] وقال الأعشى: [الطويل] بشرقيّ أجيادِ الصّفا والمحرم. فما بُوأ الرحمان بيتك منزلاً و ((القصور)): جمع قصر وهي الدور التي قصرت على بقاع من الأرض مخصوصة بخلاف بيوت العمود وقصرت عن الناس قصراً تاماً، و((النحت)) النجر والقشر في الشيء الصلب كالحجر والعود ونحوه، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((تنحَتون)) بفتح الحاء، وقرأ جمهور الناس: بكسرها وبالتاء من فوق، وقرأ ابن مصرف: بالياء من أسفل وكسر الحاء، وقرأ أبو مالك بالياء من أسفل وفتح الحاء، وكانوا ((ينجتون)) الجبال لطول أعمارهم، و﴿تعثوا﴾ معناه تفسدوا يقال: عثا يعثي وعثا يعثر وعثى يعثى كنسى ينسى وعليها لفظ الآية، وقرأ الأعمش ((تعثوا)) بكسر التاء و﴿مفسدين﴾: حال. وتقدم القول في ﴿الملأ﴾، وقرأ ابن عامر وحده في هذا الموضع ((وقال الملأ)) بواو عطف وهي محذوفة عند الجميع، و﴿الذين استكبروا﴾ هم الأشراف والعظماء الكفرة، و﴿استكبروا﴾ يحتمل أن يكون معناه طلبوا هيئة لنفوسهم من الكبر، أو يكون بمعنى كبروا كبرهم المال والجاه وأعظمهم فيكون على هذا كبر و((استكبر)) بمعنى كعجب واستعجب، والأول هو باب استفعل كاستوقد واسترفد، والذين استضعفوا هم العامة والأغفال في الدنيا وهم أتباع الرسل، وقولهم ﴿أتعلمون﴾ استفهام على معنى الاستهزاء والاستخفاف، فأجاب المؤمنون بالتصديق والصرامة في دين الله فحملت الأنفة الإشراف على مناقضة المؤمنين في مقالتهم واستمروا على كفرهم. قوله عز وجل : فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ VA فَأَخَذَتْهُمُ الرَّحْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دَارِهِمْ جَثِينَ VV أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍِّ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّصِحِينَ ٧٩ قوله تعالى: ﴿فعقروا﴾ يقتضي بتشريكهم أجمعين في الضمير أن عقر الناقة كان على تمالؤ منهم وإصفاق وكذلك: روي أن قداراً لم يعقرها حتى كان يستشير الرجال والنساء والصبيان، فلما أجمعوا تعاطى فعقر، ﴿وعتوا﴾ معناه خشوا وصلبوا ولم يذعنوا للأمر والشرع وصمموا على تكذيبه واستعجلوا النقمة بقولهم (ائتنا بما تعدنا﴾ وحسن الوعد في هذا الموضع لما تقيد بأنه عذاب، قال أبو حاتم قرأ عيسى وعاصم أيتنا بهمز وإشباع ضم، وقرأ بتخفيف الهمزة كأنها ياء في اللفظ أبو عمرو والأعمش. و﴿الرجفة﴾ ما تؤثره الصيحة أو الطامة التي يرجف بها الإنسان وهو أن يتزعزع ويتحرك ويضطرب ويرتعد. ومنه قول خديجة فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، ومنه قول الأخطل: [البسيط]: أما تريني حناني الشيب من كبر كالنسر أرجف والإنسان ممدود ٤٢٤ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٨٠ = ٨٤ ومنه «إرجاف) النفوس لکریه الأخبار أي تحریکها، وروي أن صيحة ثمود کان فيها من صوت كل شيء هائل الصوت، وكانت مفرطة شقت قلوبهم فجثوا على صدورهم والجاثم اللاطىء بالأرض على صدره مع قبض ساقيه كما يرقد الأرنب والطير، فإن جثومها على وجهها، ومنه قول جرير: [الوافرُ]. مطايا القدر كالحدأ الجثوم عرفت المنتأى وعرفت منها وقال بعض المفسرين معناه حمماً محترقين كالرماد الجاثم. قال القاضي أبو محمد: وحيث وجد الرماد الجاثم في شعر فإنما هو مستعار لهيئة الرماد قبل هموده وتفرقه، وذهب صاحب هذا القول إلى أن الصيحة اقترن بها صواعق محرقة. وأخبر الله عز وجل بفعل ((صالح)) في توليه عنهم وقت ((عقرهم)) الناقة وقولهم ﴿ائتنا بما تعدنا﴾ وذلك قبل نزول العذاب وكذلك روي أنه عليه السلام خرج من بين أظهرهم قبل نزول العذاب وهو الذي تقتضيه مخاطبته لهم، وأما لفظ الآية فيحتمل أن خاطبهم وهم موتى على جهة التفجع عليهم وذكر حالهم أو غير ذلك كما خاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل قليب بدر، قال الطبري: وقيل لم تهلك أمة ونبيها معها، وروي أنه ارتحل بمن معه حتى جاء مكة فأقام بها حتى مات، ولفظة التولي تقتضي اليأس من خيرهم واليقين في إهلاكهم. وقوله: ﴿لا تحبون الناصحين﴾ عبارة عن تغليبهم الشهوات على الرأي، إذ كلام الناصح صعب مضاد لشهوة نفس الذي ينصح، ولذلك تقول العرب أمر مبكياتك لا أمر مضحكاتك. قوله عز وجل : وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ ﴿﴿ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّا أَنْ قَالُواْأَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسُ يَنَطَهَرُونَ ﴿٨) فَنَجَّنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ أَمْرَ أَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَبِينَ ٨٤ اُلْمُجْرِمِينَ ((لوط)) عليه السلام بعثه الله إلى أمة تسمى سدوم وروي أنه ابن أخي إبراهيم عليه السلام، ونصبه إما ﴿أرسلنا﴾ المتقدم في الأنبياء وإما بفعل مضمر تقديره واذكر ﴿لوطًا﴾ واستفهامه لهم هو على جهة التوقيف والتوبيخ والتشنيع، و ﴿الفاحشة﴾ هنا إتيان الرجال في الأدبار، وروي أنه لم تكن هذه المعصية في أمم قبلهم. قال القاضي أبو محمد: وإن كان لفظ الآية يقتضي هذا فقد كانت الآية تحتمل أن يراد بها ما سبقكم أحد إلى لزومها وتشهيرها وروي أنهم إن كانوا يأتي بعضهم بعضاً، وروي أنهم إنما كانوا ((يأتون)) الغرباء قاله الحسن البصري، قال عمرو بن دينار ما زنا ذكر على ذكر قبل قوم ((لوط))، وحكى النقاش: أن إبليس كان أصل عملهم بأن دعاهم إلى نفسه، وقال بعض العلماء عامل اللواط كالزاني، وقال مالك رحمه الله ٤٢٥ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٨٠ - ٨٤ وغيره: يرجم أحصن أو لم يحصن، وحرق أبو بكر الصديق رضي الله عنه رجلاً يسمى الفجأة حين عمل عمل قوم ((لوط)). وقرأ نافع والكسائي وحفص عن عاصم ((أنكم)) على الخبر كأنه فسر ﴿الفاحشة﴾ وقرأ ابن كثير أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وحمزة: ((أإنكم)) باستفهام آخر، وهذا لأن الأول استفهام عن أمر مجمل والثاني عن مفسر، إلا أن حمزة وعاصماً قرءا بهمزتين، ولم يهمز أبو عمرو وابن كثير إلا واحدة و﴿شهوة﴾: نصب على المصدر من قولك شهيت الشيء شهاه، والمعنى تدعون الغرض المقصود بالوطء وهو ابتغاء ما كتب الله من الولد وتنفردون بالشهوة فقط، وقوله: ﴿بل أنتم﴾ إضراب عن الإخبار عنهم أو تقريرهم على المعصية وترك لذلك إلى الحكم عليهم بأنهم قوم قد تجاوزوا الحد وارتكبوا الحظر، والإسراف الزيادة المفسدة . وقرأ الجمهور ((جوابَ)) بالنصب، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((جوابُ)) بالرفع، ولم تكن مراجعة قومه باحتجاج منهم ولا بمدافعة عقلية وإنما كانت بكفر وصرامة وخذلان بحت في قولهم ﴿أخرجوهم﴾ وتعليلهم الإخراج بتطهير المخرجين، والضمير عائد على ((لوط)) وأهله وإن كان لم يجر لهم ذكر فإن المعنى يقتضيهم، وروي أنه لم يكن معه غير ابنتيه وعلى هذا عني في الضمير هو وابنتاه، و﴿يتطهرون﴾ معناه يتنزهون عن حالنا وعادتنا، قال مجاهد معناه ﴿يتطهرون﴾ عن أدبار الرجال والنساء، قال قتادة: عابوهم بغير عيب وذموهم بغير ذم، والخلاف في أهله حسبما تقدم. واستثنى الله امرأة ((لوط)) عليه السلام من الناجين وأخبر أنها هلكت، والغابر الباقي هذا المشهور في اللغة، ومنه غير الحيض كما قال أبو كبير الهذلي: [الكامل] وفساد من ضعة وداء مغيل ومبرأ من كل غبر حيضة وغبر اللبن في الضرع بقيته، فقال بعض المفسرين: ﴿كانت من الغابرين﴾ في العذاب والعقاب أي مع الباقين ممن لم ينج، وقال أبو عبيدة معمر: ذكرها الله بأنها كانت ممن أسن وبقي من عصره إلى عصر غيره فكانت غابرة إلى أن هلكت مع قومها. قال القاضي أبو محمد: فكان قوله: ﴿إلا امرأته﴾ اکتفی به في أنها لم تنج ثم ابتدأ وصفها بعد ذلك بصفة لا تتعلق بها النجاة ولا الهلكة، والأول أظهر، وقد يجيء الغابر بمعنى الماضي، وكذلك حكى أهل اللغة غبر بمعنى بقي وبمعنى مضى، وأما قول الأعشى: [السريع] عض بما أبقى المواسي له من أمه في الزمن الغابر فالظاهر أنه أراد الماضي وذلك بالنسبة إلى وقت الهجاء، ويحتمل أن يريد في الزمن الباقي وذلك بالنسبة إلى الحين هو غابر بعد الإبقاء، ويحتمل أن يعلق في الزمن بعض فيكون الباقي على الإطلاق والأول أظهر. وقوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليهم) الآية، نص على إمطار وتظاهرت الآيات في غير هذه السورة أنه 1 ٤٢٦ . تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ٠٨٥ ٨٦ بحجارة، وروي أن الله عز وجل بعث جبريل فاقتلعها بجناحه وهي ست مدن، وقيل خمس، وقيل أربع، فرفعها حتى سمع أهل السماء نهاق الحمير وصراخ الديكة ثم عكسها ورد أعلاها أسفلها وأرسلها إلى الأرض. وتبعتهم الحجارة مع هذا فأهلكت من كان منهم في سفر أو خارجاً عن البقع المرفوعة، وقالت امرأة لوط حين سمعت الرجة: واقوماه والتفتت فأصابتها صخرة فقتلتها. قوله عز وجل : وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أُعْبُدُ واْ اللَّهَ مَالَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرٌمُ قَدْجَآءَ تَكُم : بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُوْ اُلْكَيْلَ وَاُلْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ وَلَا تُفْسِدُ وا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ إِن كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أَوَلَا نَقْعُدُ واْ بِكُلٍّ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَاِوَجًا وَأَذْكُرُواْ إِذْكُنتُمْ قَلِيلًا فَكَتَّرَكُمْ وَأَنْظُرُ واْ كَيْفَ كَانَ ٨٦ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ قيل في ﴿مدين﴾ إنه اسم بلد وقطر، وقيل اسم قبيلة، وقيل هم من ولد ((مدين)) بن إبراهيم الخليل، وروي أن لوط عليه السلام هو جد شعیب لأمه، وقال مکي کان زوج بنت لوط، ومن رأى ﴿مدين﴾ اسم رجل لم يصرفه لأنه معرفة أعجمي، ومن رآه اسماً للقبيلة أو الأرض فهو أحرى ألاّ يصرف، وقوله: ﴿أخاهم﴾ منصوب بقوله ﴿أرسلنا﴾ [الأعراف: ٥٩] في أول القصص، وهذا يؤید أن ﴿لوطأ﴾ [الأعراف: ٨٠] به انتصب، وأن اللفظ مستمر، وهذه الأخوة في القرابة، وقد تقدم القول في ﴿غيره﴾ وغيره، والبيئة إشارة إلى معجزته وإن كنا نحن لم ينص لنا عليها، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((قد جاءتكم آية من ربكم)) مكان ﴿بيئة) وقوله: ﴿فأوفوا الكيل﴾ أمرهم بالاستقامة في الإعطاء وهو بالمعنى في الأخذ والإعطاء، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه و﴿تبخسوا﴾ معناه تظلموا. ومنه قولهم: تحسبها حمقاء وهي باخس أي ظالمة خادعة، و﴿أشياءهم﴾ يريد أموالهم وأمتعتهم مما يكال أو يوزن، وقوله: ﴿ولا تفسدوا﴾ لفظ عام دقيق الفساد وجليله، وكذلك الإصلاح عام والمفسرون نصوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح، وقوله: ﴿ذلكم خير لكم﴾ أي نافع عند الله مكسب فوزه ورضوانه بشرط الإيمان والتوحيد وإلا فلا ينفع عمل دون إيمان. وقوله: ﴿ولا تقعدوا بكل صراط) الآية، قال السدي هذا نهي عن العشارين والمتقبلين ونحوه من أخذ أموال الناس بالباطل، والصراط: الطريق وذلك أنهم كانوا يكثرون من هذا لأنه من قبيل : خسهم ونقصهم الكيل والوزن، وقال أبو هريرة رضي الله عنه، هو نهي عن السلب وقطع الطريق، وكان ذلك من فعلهم روي في ذلك حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وما تقدم قبل من النهي في شأن المال في الموازين والأكيال والنحس يؤيد ٤٢٧ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٨٧ - ٨٩ هذين القولين ويشبههما ، وفي هذا كله توعد للناس إن لم يتركوا أموالهم وقال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي أيضاً، قوله: ﴿ولا تقعدوا﴾ نهي لهم عما كانوا يفعلونه من رد الناس عن شعيب، وذلك أنهم كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب فيتوعدون من أراد المجيء إليه ويصدونه ويقولون إنه كذاب فلا تذهب إليه على نحو ما كانت قريش تفعله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وما بعد هذا من ألفاظ الآية يشبه هذا القول، وقوله تعالى: ﴿وتصدون عن سبيل الله من آمن) الآية المعنى وتفتنون من آمن وتصدونه عن طريق الهدى و ﴿سبيل الله﴾ المفضية إلى رحمته، والضمير في ﴿به﴾ يحتمل: أن يعود على اسم الله وأن يعود على شعيب في قول من رأى القعود على الطرق للرد عن شعيب، وأن يعود على السبيل في لغة من يذكر ((السبيل))، وتقدم القول في مثل قوله: ﴿وتبغونها عوجاً﴾ في صدر السورة، وقال أبو عبيدة والزجاج كسر العين في المعاني وفتحها في الأجرام، ثم عدد عليهم نعم الله تعالى وأنه كثرهم بعد قلة عدد، وقيل: أغناهم بعد فقر، فالمعنى على هذا: إذا كنتم قليلاً قدركم، ثم حذرهم ومثل لهم بمن امتحن من الأمم السابقة. قوله عز وجل : وَإِن كَانَ طَآِفَةٌ مِّنكُمْ ءَامَنُواْبِالَّذِىّ أُرْسِلْتُ بِهِ، وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُواْ فَأَصْبِرُ واحَتَّى يَحْكُمَ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَنَّكَ يَشُعَيْبُ ٨٧ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْلَتَعُودُنَّ فِىِ مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُتَّاكَرِهِينَ ﴿ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ غَنَا اَللَّهُ مِنْهَا وَمَايَكُونُ لَنَا أَنْ تَّعُودَ فِيَهَا إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا ج : كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللَّهِ تَوَكَلْنَاْ رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِحِينَ ٨٩ المعنى: وإن كنتم يا قوم قد اختلفتم عليَّ وشعبتم بكفركم أمري فآمنت طائفة وكفرت طائفة فاصبروا أيها الكفرة حتى يأتي حكم الله بيني وبينكم، وفي قوله: ﴿فاصبروا﴾ قوة التهديد والوعيد، هذا ظاهر الكلام وأن المخاطبة بجميع الآية للكفار، وحكى منذر بن سعيد عن ابن عباس أن الخطاب بقوله: ﴿فاصبروا﴾ للمؤمنين على معنى الوعد لهم، وقاله مقاتل بن حيان، قال النقاش وقال مقاتل بن سليمان المعنى ((فاصبروا)) يا معشر الكفار. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول الجماعة. وتقدم القول في معنى ﴿الملأ﴾ ومعنى الاستكبار، وقولهم: ﴿لنخرجنك يا شعيب﴾ تهديد بالنفي، والقرية المدينة الجامعة للناس لأنها تقرت أي اجتمعت، وقولهم أو ﴿لتعودن في ملتنا﴾ معناه أو لتصيرن، وعاد: تجيء في كلام العرب على وجهين. أحدهما عاد الشيء إلى حال قد كان فيها قبل ذلك، وهي على هذه الجهة لا تتعدى فإن عديت فبحرف، ومنه قول الشاعر: [السريع] إن عادت العقرب عدنا لها وكانت النعل لها حاضرة ٤٢٨ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٨٧ - ٨٩ ومنه قول الآخر: [الطويل] وعصراً تولّى يا بئين يعودُ ألا ليت أيام الشباب جديد ومنه قوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ومنه قول الشاعر: [الطويل] إليّ فقد عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ فإن تكن الأيام أحسن مرة والوجه الثاني أن تكون بمعنى صار وعاملة عملها ولا تتضمن أن الحال قد كانت متقدمة. ومن هذه قول الشاعر: [البسيط] شيباً بماء فعادا بعد أبوالا تلك المكارم لاقعبان من لبن ومنه قول الآخر: [الرجز] وعاد رأسي كالثغامة ومنه قوله تعالى: ﴿حتى عاد كالعرجون القديم﴾ [يس: ٣٩] على أن هذه محتملة، فقوله في الآية أو ﴿لتعودن﴾ و﴿شعيب﴾ عليه السلام لم يكن قط كافراً يقتضي أنها بمعنى صار، وأما في جهة المؤمنين بعد كفرهم فيترتب المعنى الآخر ويخرج عنه ((شعيب)) إلا أن يريدوا عودته إلى حال سكوته قبل أن يبعث، وقوله ﴿أو لو كنا كارهين﴾ توقيف منه لهم على شئعة المعصية وطلب أن يقروا بألسنتهم بإكراه المؤمنين بالله على الإخراج ظلماً وغشماً . والظاهر في قوله: ﴿قد افترينا على الله كذباً إن عدنا في ملتكم﴾ أنه خبر منه أي لقد كنا نواقع عظيماً ونفتري على الله الكذب في الرجوع إلى الكفر، ويحتمل أن يكون على جهة القسم الذي هو في صيغة الدعاء، مثل قول الشاعر: بقيت وفري. وكما تقول ((افتريت على الله)) إن كلمت فلاناً، و﴿افترينا﴾ معناه شققنا بالقول واختلفنا. ومنه قول عائشة: من زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ونجاة (شعيب)) من ملتهم كانت منذ أول أمره، ونجاة من آمن معه كانت بعد مواقعة الكفر، وقوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾ يحتمل أن يريد إلا أن يسبق علينا من الله في ذلك سابق وسوء وينفذ منه قضاء لا يرد. قال القاضي أبو محمد: والمؤمنون هم المجوزون لذلك وشعيب قد عصمته النبوة، وهذا أظهر ما يحتمل القول، ويحتمل أن يريد استثناء ما يمكن أن يتعبد الله به المؤمنين مما يفعله الكفار من القربات، فلما قال لهم: إنا لا نعود في ملتكم ثم خشي أن يتعبد الله بشيء من أفعال الكفرة فيعارض ملحد بذلك ويقول: هذه عودة إلى ملتنا استثنى مشيئة الله تعالى فيما يمكن أن يتعبد به ويحتمل أن يريد بذلك معنى الاستبعاد كما تقول: لا أفعل كذا حتى يشيب الغراب وحتى يلج الجمل في سم الخياط، وقد علم امتناع ذلك فهو إحالة على مستحيل. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل إنما هو للمعتزلة الذين من مذهبهم أن الكفر والإيمان ليسا ٤٢٩ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٩٠ - ٩٣ بمشيئة من الله تعالى فلا يترتب هذا التأويل إلا عندهم، وهذا تأويل حكاه المفسرون ولم يشعروا بما فيه، وقيل: إن هذا الاستثناء إنما هو تستر وتأدُّب. قال القاضي أبو محمد: ويقلق هذا التأويل من جهة استقبال الاستثناء ولو كان في الكلام إن شاء الله قوى هذا التأويل، وقوله: ﴿وسع ربنا كل شيء علماً﴾ معناه: وسع علم ربنا كل شيء كما تقول: تصبب زيد عرقاً أي تصبب عرق زيد، و﴿وسع﴾ بمعنى أحاط، وقوله: ﴿افتح﴾ معناه أحكم والفاتح والفتاح القاضي بلغة حمير، وقيل بلغة مراد، وقال بعضهم: [الوافر] فإني عن فتاحتكم غني ألا أبلغْ بني عصم رسولاً وقال الحسن بن أبي الحسن: إن كل نبي أراد الله هلاك قومه أمره بالدعاء عليهم ثم استجاب له فأهلكهم، وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى هذه اللفظة حتى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعال أفاتحك أي أحاكمك، وقوله ﴿على الله توكلنا﴾ استسلام لله وتمسك بلفظه وذلك يؤيد التأويل الأول في قوله: ﴿إلا أن يشاء الله﴾. قوله عز وجل : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيِنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ اُلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْئُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ وَنَصَحْتُ كَانُواْ هُمُ الْخَسِرِينَ [® لَكُمْ فَكَيْفَ ءَسَى عَلَى قَوْمٍ كَفِرِينَ ٩٣ هذه المقالة قالها الملأ لتبّاعهم وسائر الناس الذي يقلدونهم، و﴿الرجفة﴾ الزلزلة الشديدة التي ينال معها الإنسان اهتزاز وارتعاد واضطراب. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن فرقة من قوم شعيب أهلكت بـ ﴿الرجفة﴾ وفرقة بالظلة ويحتمل أن الظلة و ﴿الرجفة﴾ كانتا في حين واحد، وروي أن الله تعالى بعث ﴿شعيباً﴾ إلى أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة، وقيل هما طائفتان وقيل واحدة وكانوا مع كفرهم يبخسون الكيل والوزن فدعاهم فكذبوه فجرت بينهم هذه المقاولة المتقدمة، فلما عتوا وطالت بهم المدة فتح الله عليهم باباً من أبواب جهنم فأهلكهم الحر منه فلم ينفعهم ظل ولا ماء، ثم إنه بعث سحابة فيها ريح طيبة فوجدوا برد الريح وطيبها فتنادوا، عليكم الظلة، فلما اجتمعوا تحت الظلة وهي تلك السحابة انطبقت عليهم فأهلكتهم، قال الطبري: فبلغني أن رجلاً من أهل مدين يقال له عمرو بن جلهاء قال لما رآها: [البسيط] عنكم سميراً وعمران بن شداد يا قوم إن شعيباً مرسل فذروا تدعو بصوت على ضمّانة الواد إني أرى غيمة يا قوم قد طلعت إلا الرقيم يمشي بين انجاد وإنه لن تروا فيها ضحاء غد ٤٣٠ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٩٠ - ٩٣ وسمير وعمران كاهناهم والرقيم كلبهم، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر ((شعيباً) قال: ذلك خطيب الأنبياء لقوله لقومه: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب﴾. [هود: ٨٨]. قال القاضي أبو محمد: يريد لحسن مراجعته وجميل تلطفه. وحكى الطبري عن أبي عبد الله البجلي أنه قال: أبو جاد وهو زوحطي وكلمن وصعفض وقرست أسماء ملوك مبدين، وكان الملك يوم الظلة كلمن، فقالت أخته ترثيه: [مجزوء الرمل] ١ هلكه وسط المحله كلمن قد هدركنـي سيد القوم اتساه حتف نار وسط ظله دارهم كالمضمحله جعلت نار عليهم. قال القاضي أبو محمد: وهذه حكاية مظنون بها والله علم، وقد تقدم معنى ﴿جاثمين﴾. وقوله: ﴿كأن لم يغنوا فيها﴾ لفظ فيه للإخبار عن قوة هلاكهم ونزول النقمة بهم والتنبيه على العبرة بهم، ونحو هذا قول الشاعر: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا و ﴿یغنوا﴾ معناه یقیموا ويسكنوا. قال القاضي أبو محمد: وغنيت في المكان إنما يقال في الإقامة التي هي مقترنة بتنعم وعيش مرضٍ، هذا الذي استقريت من الأشعار التي ذكرت العرب فيها هذه اللفظة فمن ذلك قول الشاعر: ١ [الوافر] بها يقتدننا الخرد الخذالا وقد نغنى بها ونرى عصوراً ومنه قول الآخر: [الرمل] ولقد پغنى بها جيرانك المسـ ـتمسکو منکم بعهد ووصال أنشده الطبري، ومنه قول الآخر: [الطويل] :ألا حيّ من أجلِ الحبيبِ المغانیا ومنه قول مهلهل: [الخفيف] غنيت دارنا تهامة في الدهر وفيها بنو معد حَلُّوا ويشبه أن تكون اللفظة من الاستغناء، وأما قوله: كأن لم تغن بالأمس ففيه هذا المعنى لأن المراد كأن لم تكن ناعمة نضرة مستقلة، ولا توجد فيما علمت إلا مقترنة بهذا المعنى وأما قول الشاعر: [الطويل] وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر غنينا زماناً بالتصعلك والغنا فمعناه استغنينا بذلك ورضيناه مع أن هذه اللفظة ليست مقترنة بمكان .. 1 . ٤٣١ تفسير سورة الأعراف / الآيات : ٩٤ - ٩٦ وقوله: ﴿يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي) إلى آخر الآية كلام يقتضي أن ﴿شعيباً﴾ عليه السلام وجد في نفسه لما رأى هلاك قومه حزناً وإشفاقاً إذ كان أمله فيهم غير ذلك، فلما وجد ذلك طلب أن يثير في نفسه سبب التسلي عنهم والقسوة عليهم فجعل يعدد معاصيهم وإعراضهم الذي استوجبوا به أن لا يتأسف عليهم، فذكر أنه بلغ الرسالة ونصح، والمعنى فأعرضوا وكذبوا، ثم قال لنفسه لما نظرت في هذا وفكرت فيه ﴿فكيف آسى﴾ على هؤلاء الكفرة، ويحتمل أن يقول هذه المقالة على نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قليب بدر، وقال مكي: وسار شعيب بمن معه حتى سكن مكة إلى أن ماتوا بها، و﴿آسى﴾: أحزن، وقرأ ابن وثاب وطلحة بن مصرف والأعمش: ((إيسى)) بكسر الهمزة وهي لغة كما يقال أخال وأيمن، قال عبد الله ابن عمر لا أخاله، وقال ابنه عبد الله بن عبد الله بن عمر في كتاب الحج لا أيمن وجميع ذلك في البخاري، وهذه اللغة تطرد في العلامات الثلاث، همزة التكلم ونون الجماعة وتاء المخاطبة، ولا يجوز ذلك في ياء الغائب كذا قال سيبويه، وأما قولهم من وجل يبجل فلعله من غير هذا الباب. قوله عز وجل : وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّبِيّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَرَّعُونَ ٩٤ بَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَقَّ عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسََ ءَابَآءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً ٩٥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ ٩٦ هذه الآية خبر من الله عز وجل أنه ما بعث نبياً في مدينة وهي ((القرية)) إلا أخذ أهلها المكذبين له ﴿بالباساء﴾ وهي المصائب في الأموال والهموم وعوارض الزمن، ﴿والضراء﴾ وهي المصائب في البدن كالأمراض ونحوها، هذا قول ابن مسعود وكثير من أهل اللغة، وحكي عن السدي ما يقتضي أن اللفظتين تتداخل فتقال كل واحدة على المعنيين، و﴿لعلهم﴾ ترج بحسب اعتقاد البشر وظنونهم، ﴿يضرعون﴾ أي ينقادون إلى الإيمان، وهكذا قولهم الحمی أضرعتني لك. ثم قال تعالى أنه بعد إنفاذ الحكم في الأولين بدل للخلق مكان السيئة وهي ((الباساء)) و(الضراء)) الحسنة وهي ((السراء)) والنعمة، وهذا بحسب ما عند الناس، وإلا فقد يجيء الأمر كما قال الشاعر: [البسيط] ويبتلي الله بعض القوم بالنعم قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما يصح مع النظر إلى الدار الآخرة والجزاء فيها، والنعمة المطلقة هي التي لا عقوبة فيها: والبلوى المطلقة هي التي لا ثواب عليها، و﴿حتى عفوا﴾ معناه: حتى كثروا يقالم عفا النبات والريش ((يعفو)) إذا كثر نباته، ومن هذا المعنى قول الشاعر: [الوافر] ولكنها يعضُّ السيف منها بأسوق عافيات الشحم كوم ٤٣٢ : تفسير سورة الأعراف / الآيات: ٩٧ - ١٠٠ وعليه قوله صلى الله عليه وسلم ((أحفوا الشوارب واعفوا اللحى)) وعفا أيضاً في اللغة بمعنى درس وبلى فقال بعض الناس هي من الألفاظ التي تستعمل للضدين، وأما قول زهير: على آثار من ذهب العفاء فيحتمل ثلاثة معانٍ الدعاء بالدرس، والإخبار به، والدعاء بالنمو والنبات، كما يقال جادته الديم وسقته العهاد ولما بدل الله حالهم بالخير لطفاً بهم فنموا رأى الخلق بعد ذلك للكفر الذي هم فيه أن إصابة ﴿الضراء والسراء﴾ إنما هي بالاتفاق، وليست بقصد كما يخبر النبي، واعتقدوا أن ما أصابهم من ذلك إنما هو كالاتفاق الذي كان لآبائهم فجعلوه مثالاً، أي قد أصاب هذا آباءنا فلا ينبغي لنا أن ننكره، فأخبر الله تعالى أنه أخذ هذه الطوائف التي هذا معتقدها، وقوله ﴿بغتة﴾ أي فجأة وأخذة أسف وبطشاً للشقاء السابق لهم في قديم علمه، و﴿السراء﴾ السرور والحبرة، ﴿وهم لا يشعرون﴾ معناه وهم مكذبون بالعذاب لا يتحسسون لشيء منه ولا يستشعرونه باستذلال وغيره. وقوله تعالى: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا﴾ الآية المعنى في هذه الآية أنهم لو كانوا ممن سبق في علم الله أن يكتسبوا الإيمان والطاعات ويتصفوا بالتقى لتبع ذلك من فضل الله ورحمته وإنعامه ما ذكر من بركات المطر والنبات ولكنهم لما كانوا ممن سبق كفرهم وتكذيبهم تبع ذلك أخذ الله لهم بسوء ما اجترموه، وكل مقدور، والثواب والعقاب متعلق بكسب البشر، وبسببه استندت الأفعال إليهم في قوله: ﴿آمنوا واتقوا﴾ وفي ﴿كذبوا﴾ وقرأ الستة من القراء السبعة ((لفتحنا)) بخفيف التاء وهى قراءة الناس، وقرأ ابن عامر وحده وعيسى الثقفي وأبو عبد الرحمن: ((لفتحنا)) بتشديد التاء، وفتح البركات إنزالها على الناس ومنه قوله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة﴾ [فاطر: ٢] ومنه قالت الصوفية: الفتوح والبركات النمو والزيادات، ومن السماء لجهة المطر والريح والشمس، ومن الأرض لجهة الإنبات والحفظ لما ينبت، هذا هو الذي يدركه نظر البشر ولله خدام غير ذلك لا يحصى عددهم، وما في علم الله أكثر. قوله عز وجل : أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُم أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىّ أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَابَيَتَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ بَأَسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴿٢) أَفَأَ مِنُوْ مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴿ أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْنَشَاءُ أَصَبْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ١٠٠ هذه الآية تتضمن وعيداً للكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه لما أخبر عما فعل في الأمم الخالية قال: ومن يؤمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك، وهذا استفهام على جهة التوقيف، والبأس: العذاب، و﴿بياناً﴾ نصب على الظرف أي وقت مبيتهم بالليل، ويحتمل أن يكون هذا في موضع الحال. ٤٣٣ تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ١٠٢،١٠١ وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر ﴿أوْ أمن﴾ بسكون الواو وإظهار الهمزتين، وقرأ ورش عن نافع ((أوَامن)) بفتح الواو وإلقاء حركة الهمزة الثانية عليها، وهذه القراءة في معنى الأولى ولكن سهلت، وقرأ عاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي، ((أو أمن)) بفتح الواو وإظهار الهمزتين ومعنى هذه القراءة: أنه دخل ألف الاستفهام على حرف العطف، ومعنى القراءة الأولى: أنه عطف با والتي هي لأحد الشيئين، المعنى: ﴿أَفأمنوا﴾ هذا أو هذا كما تقول: أجاء زيد أو عمرو وليست هذه أو التي هي للإضراب عن الأول كما تقول: أنا أقوم أو أجلس وأنت تقصد الإضراب عن القيام والإثبات للجلوس وتقريره، وقولنا التي هي لأحد الشيئين يعم الإباحة والتخيير كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أو قولك: جالس الحسن أو جالس ابن سيرين، وقوله ﴿يلعبون﴾ يريد في غاية الغفلة والإعراض. و﴿مكر الله﴾ هي إضافة مخلوق إلى الخالق كما تقول: ناقة الله وبيت الله، والمراد فعل يعاقب به مكرة الكفار، وأضيف إلى الله لما كان عقوبة الذنب فإن العرب تسمي العقوبة على أي وجه كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نص في قوله ﴿ومكروا ومكر الله﴾، وهذا الموضع أيضاً كان كفرهم بعد الرسالة وظهور دعوة الله مكر وخديعة واستخفاف ، وقيل عومل في مثل هذا وغيره اللفظ دون المعنى في مثل قوله ﴿الله يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥] و(أن الله لا يمل حتى تملوا)) وغير ذلك. وقوله ﴿أولم يهد للذين يرثون الأرض) الآية، هذه ألف تقرير دخلت على واو العطف، و((يهدي)) معناه يبين والهدى الصباح وأنشدوا على ذلك: حتى استبنت الهدى والبيد هاجمة يسبحن في الآل غلفاً أو يصلينا ويحتمل أن يكون المبين الله تعالى ويحتمل أن يكون المبين قوله ﴿أن لو نشاء﴾ أي علمهم بذلك وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: و((يهدي)) معناه يتبين، وهذه أيضاً آية وعيد، أي ألم يظهر لوارث الأرض بعد أولئك الذين تقدم ذكرهم وما حل بهم أنا نقدر لو شئنا أن نصيبهم إصابة إهلاك بسبب معاصيهم كما فعل بمن تقدم وكنا نطبع: أي نختم، ونختم عليها بالشقاوة، وفي هذه العبارة ذكر القوم الذين قصد ذكرهم وتعديد النعمة عليهم فيما ((ورثوا)) والوعظ بحال من سلف من المهلكين، ونطبع عطف على المعاصي إذ المراد به الاستقبال، ويحتمل أن يكون ونطبع منقطعاً إخباراً عن وقوع الطبع لا أنه متوعد به ويبقى التوعد بالإهلال الذي هو بعذاب كالصيحة والغرق ونحوه، وقرأ أبو عمرو: ﴿ونطبع على﴾ بإدغام العين في العين وإشمام الضم، ذكره أبو حاتم . وقوله عز وجل: تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَابِهَا وَلَقَدْ جَآءَتُهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبٍ الْكَفِرِينَ ١٠٢ مِّنْ عَهْدٍ وَ إِن وَجَدْنَا أَكْتَرَهُمْ لَفَسِقِينَ ﴿تلك﴾ ابتداء، و﴿القرى﴾ قال قوم هو نعت والخبر ﴿نقصٌ﴾ ويؤيد هذا أن القصد إنما الإخبار بالقصص. ٤٣٤ تفسير سورة الأعراف / الآيتان: ١٠٢،١٠١ قال القاضي أبو محمد: والظاهر عندي أن ﴿القرى﴾ هي خبر الابتداء، وفي ذلك معنى التعظيم لها ولمهلكها، وهذا كما قيل في ﴿ذلك الكتاب﴾ [البقرة: ٢] أنه ابتداء وخبر، وكما قال صلى الله عليه وسلم ((أولئك الملأ))، وكقول أبي الصلت تلك المكارم وهذا كثير، وكأن في اللفظ معنى التحسر على القرى المذكورة، والمعنى: نقص عليك من أنباء الماضين لتتبين العبر وتعلم المثلات التي أوقعها الله بالماضين ثم ابتدأ الخبر عن جميعهم بقوله ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾. قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام يحتمل أربعة وجوه من التأويل، أحدها أن يريد أن الرسول جاء لكل فريق منهم فكذبوه لأول أمره ثم استبانت حجته وظهرت الآيات الدالة على صدقه مع استمرار دعوته فلجّوا هم في كفرهم ولم يؤمنوا بما تبين به تكذيبهم من قبل، وكأنه وصفهم على هذا التأويل باللجاج في الكفر والصرامة عليه ويؤيد هذا قوله ﴿كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين﴾ ويحتمل في هذا الوجه أن يكون المعنى فما كانوا ليؤمنوا أي ماكانوا ليوفقهم الله إلى الإيمان بسبب أنهم كذبوا قبل فكان تكذيبهم سبباً لأن يمنعوا الإيمان بعد، والثاني من الوجوه أن يريد فما كان آخرهم في الزمن والعصر ليهتدي ويؤمن بما كذب به أولهم في الزمن والعصر، بل كفر كلهم ومشى بعضهم عن سنن بعض في الكفر. قال القاضي أبو محمد: أشار إلى هذا القول النقاش، فكان الضمير في قوله ﴿کانوا﴾ يختص بالآخرين، والضمير في قوله ﴿كذبوا﴾ يختص بالقدماء منهم، والثالث من الوجوه يحتمل أن يريد فما كان هؤلاء المذكورون بأجمعهم لو ردوا إلى الدنيا ومكنوا من العودة ليؤمنوا بما كذبوا في حال حياتهم ودعاء الرسول لهم، قاله مجاهد وقرنه بقوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾ [الأنعام: ٢٨] وهذه أيضاً صفة بليغة في اللجاج والثبوت على الكفر، بل هي غاية في ذلك، والرابع من الوجوه أنه يحتمل أن يريد وصفهم بأنهم لم يكونوا ليؤمنوا بما قد سبق في علم الله تعالى أنهم مكذبون به، فجعل سابق القدر عليهم بمثابة تكذيبهم بأنفسهم لا سيما وقد خرج تكذيبهم إلى الوجود في وقت مجيء الرسل، وذكر هذا التأويل المفسرون وقرنوه بأن الله عز وجل حتم عليهم التكذيب وقت أخذ الميثاق، وهو قول أبي بن كعب. وقوله تعالى: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾ الآية، أخبر تعالى أنه لم يجد لأكثرهم ثبوتاً على العهد الذي أخذه على ذرية آدم وقت استخراجهم من ظهره، قاله أبو العالية عن أبي بن كعب، ويحتمل أن يكون الكلام عبارة عن أنهم لم يصرفوا عقولهم في الآيات المنصوبة ولا شكروا نعم الله ولا قادتهم معجزات الأنبياء، لأن هذه الأمور عهد في رقاب العقلاء كالعهود ينبغي أن يوفى بها، وأيضاً فمن لدن آدم تقرر العهد الذي هو بمعنى الوصية وبه فسر الحسن هذه الآية فيجيء المعنى: وما وجدنا لأكثرهم التزام عهد وقبول وصاة، ذكره المهدوي، و﴿من﴾ في هذه الآية زائدة، إلا أنها تعطي استغراق جنس العهد ولا تجيء هذه إلا بعد النفي، و﴿إن﴾ هي المخففة من الثقيلة عند سيبويه، واللام في قوله ﴿الفاسقين﴾ للفرق بين ﴿إن﴾ المخففة وغيرها، و﴿إن﴾ عند الفراء هي بمعنى ما واللام بمعنى إلا والتقدير عنده وما ونجدنا أکثرهم إلا فاسقين. قوله عز وجل: ثُم بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ ٤٣٥ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٠٣ - ١٠٨ حَقِيقٌّ عَلَى أَنْ لَّ وَقَالَ مُوسَى يَفِرْعَوْنُ إِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبٍ الْعَلَمِينَ ١٠٣ اَلْمُفْسِدِينَ أَقُولَ عَلَى اللهِإِلََّ الْحَقَّ قَدْ جِئْنُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِيَ إِسْرَةِ يِلَ ﴿ قَالَ إِنْ كُنْتَ وَنَزْعَ ١٠٧ جِئْتَ بِئَايَةٍ فَأَتِ بِهَآ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاءُ لِلنَّظِرِينَ ١٠٨ الضمير في قوله ﴿من بعدهم﴾ عائد على الأنبياء المتقدم ذكرهم وعلى أممهم، و((الآيات)) في هذه الآية عام في التسع وغيرها، وقوله ﴿فظلموا بها﴾ المعنى فظلموا أنفسهم فيها وبسببها وظلموا أيضاً مظهرها، ومتبعي مظهرها وقيل لما نزلت ظلموا منزلة كفروا وجحدوا عديت بالباء كما قال: [الفرزدق] قد قتل الله زياداً عني فأنزل قتل منزلة صرف، ثم حذر الله من عاقبة المفسدين الظالمين وجعلهم مثالاً يتوعد به كفرة عصر النبي صلى الله عليه وسلم. و﴿فرعون﴾ اسم كل ملك لمصر في ذلك الزمان فخاطبه موسى بأعظم أسمائه وأحبها إليه إذ كان من الفراعنة كالنمارذة في يونان وقيصر في الروم وكسرى في فارس والنجاشي في الحبشة، وروي أن موسى بن عمران بن فاهت بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، وروي أن اسم فرعون موسى عليه السلام الوليد بن مصعب، وقيل هو فرعون يوسف وأنه عمر نيفاً وأربعمائة سنة. قال القاضي أبو محمد: ومن قال إن يوسف المبعوث الذي أشار إليه موسى في قوله ﴿ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات﴾ [غافر: ٣٤] هو غير يوسف الصديق فليس يحتاج إلى نظر، ومن قال إنه يوسف الصديق فيعارضه ما يظهر من قصة يوسف، وذلك أنه ملك مصر بعد عزيزها، فكيف يستقيم أن يعيش عزيزها إلى مدة موسى، فينفصل أن العزيز ليس بفرعون الملك إنما كان حاجباً له. وقرأ نافع وحده ﴿عليّ﴾ بإضافة ((على)) إليه، وقرأ الباقون ((على)) سكون الياء، قال الفارسي: معنى هذه القراءة أن ((على)) وضعت موضع الباء، كأنه قال حقيق بأن لا أقول على الله الحق كما وضعت الباء موضع ((على)) في قوله ﴿ولا تقعدوا بكل صراط﴾ [الأعراف: ٨٦] فيتوصل إلى المعنى بهذه ، وبهذه وكما تجيء ((على)) أيضاً بمعنى عن، ومنه قول الشاعر في صفة قوسه: أرمي عليها وهي فرع أجمع وهي ثلاث أذرع وإصبع قال القاضي أبو محمد: و﴿حقيق على﴾ هذا معناه جدير وخليق، وقال الطبري: قال قوم: ﴿حقيق﴾ معناه حريص فلذلك وصلت ب﴿على﴾، وفي هذا القول بعد، وقال قوم: ﴿حقيق﴾ صفة لرسول تم عندها الكلام، وعلى خبر مقدم و﴿أن لا أقول﴾ ابتداء تقدم خبره، وإعراب ﴿أن﴾ على قراءة من سكن الياء خفض، وعلى قراءة من فتحها مشددة رفع، وقال الكسائي في قراءة عبد الله ((حقيق بأن لا أقول))، وقال أبو ٤٣٦ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٠٣ - ١٠٨ عمرو في قراءة عبد الله: ((حقيق أن أقول)) وبه قرأ الأعمش، وهذه المخاطبة إذا تأملت غاية في التلطف ونهاية في القول اللين الذي أمر عليه السلام به. وقوله ﴿قد جئتكم ببينة من ربكم﴾ الآية، البينة هنا إشارة إلى جميع آياته وهي على المعجزة هنا أدل، وهذا من موسى عرض نبوته ومن فرعون استدعاء خرق العادة الدال على الصدق. وظاهر الآية وغيرها أن موسى عليه السلام لم تنبن شريعته إلا على بني إسرائيل فقط، ولم يدع فرعون وقومه إلا إلى إرسال بني إسرائيل، وذكره لعله یخشی أو یزکی ویوحد کما یذکر کل کافر، إذ كل نبي داع إلى التوحيد وإن لم يكن آخذاً به ومقاتلاً عليه، وأما إن دعاه إلى أن يؤمن ويلتزم جميع الشرع فلم يرد هذا نصاً، والأمر محتمل، وبالجملة فيظهر فرق ما بين بني إسرائيل وبين فرعون والقبط، ألا ترى أن بقية القبط وهم الأكثر لم يرجع إليهم موسى أبداً ولا عارضهم وكان القبط مثل عبدة البقر وغيرهم وإنما احتاج إلى محاورة فرعون لتملكه على بني إسرائيل. وقوله تعالى: ﴿فألقى عصاه﴾ الآية، روي أن موسى عليه السلام قلق به وبمحاورته فرعون فقال لأعوانه خذوه فألقى موسى العصا فصارت ثعباناً وهمت بفرعون فهرب منها، وقال السدي : إنه أحدث وقال یا موسی کفه عني فکفه، وقال نحوه سعید بن جبیر. و((إذا)) ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرف زمان في كل موضع، ويقال: إن الثعبان وضع أسفل لحييه في الأرض وأعلاها في شرفات القصر، والثعبان الحية الذكر، وهو أهول وأجرأ، قاله الضحاك، وقال قتادة صارت حية أشعر ذكراً، وقال ابن عباس: غرزت ذنبها في الأرض ورفعت صدرها إلى فرعون، وقوله ﴿مبين﴾ معناه لا تخييل فيه بل هو بين أنه حقيقة، وهو من أبان بمعنى بان أو من بان بمعنى سلب عن أجزائه، وقوله ﴿ونزع يده﴾، معناه من جيبه أو کمه حسب الخلاف في ذلك، وقوله ﴿فإذا هي بيضاء﴾ قال مجاهد کاللبن أو أشد بياضاً، وروي أنها كانت تظهر منيرة شفافة كالشمس تأتلق، وكان موسى عليه السلام ذا دم أحمر إلى السواد، ثم كان يرد ١٠ يده فترجع إلى لون بدنه. قال القاضي أبو محمد: وهاتان الآيتان عرضهما موسى عليه السلام للمعارضة ودعا إلى الله بهما، وخرق العادة بهما وتحدى الناس إلى الدين بهما، فإذا جعلنا التحدي الدعاء إلى الدين مطلقاً فبهما تحدى، وإذا جعلنا التحدي الدعاء بعد العجز عن معارضة المعجزة وظهور ذلك فتنفرد حينئذ العصا بذلك لأن المعارضة والعجز فيها وقعا. قال القاضي أبو محمد: ويقال التحدي هو الدعاء إلى الإتيان بمثل المعجزة، فهذا نحو ثالث وعليه يكون تحدي موسى بالآيتين جميعاً لأن الظاهر من أمره أنه عرضهما للنظر معاً وإن كان لم ينص على الدعاء إلى الإتيان بمثلها، وروي عن فرقد السبخي أن فم الحية كان ينفتح أربعين ذراعاً .. قوله عز وجل : قَالَ الْمَلَأُ مِنِ قَوْمٍ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَحِّ عَلِيمٌ (٤٦) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُمْفَمَاذَا تَأْمُرُونَ : ٤٣٧ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٠٩ - ١١٦ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحِرٍ عَلِيمٍ [®] وَجَآءَ قَالُواْ أَرْجِهُ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِ الْمَدَآبِنِ خَشِرِينَ ١١٠ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ ﴿ قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٣) قَالُوْيَمُوسَىّ إِمَّآ أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن تَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (®] قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّآ ١١٦ أَلْقَوْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَأَسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُ وبِسِحْرٍ عَظِيمٍ أ الساحر كان عندهم في ذلك الزمن أعلى المراتب وأعظم الرجال، ولكن وصفهم موسى بذلك مع مدافعتهم له عن النبوة ذم عظيم وحط، وذلك قصدوا إذ لم يمكنهم أكثر، وقولهم ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾ يعنون بأنه يحكم فيكم بنقل رعيتكم في بني إسرائيل فيفضي ذلك إلى خراب دياركم إذا ذهب الخدمة والعمرة، وأيضاً فلا محالة أنهم خافوا أن يقاتلهم وجالت ظنونهم كل مجال، وقال النقاش: كانوا يأخذون من بني إسرائيل خرجاً كالجزية فرأوا أن ملكهم يذهب بزوال ذلك، وقوله ﴿فماذا تأمرون﴾ الظاهر أنه من کلام الملأ بعضهم إلى بعض، وقیل هو من کلام فرعون لهم، وروی کردم عن نافع («تأمرون» بکسر النون، وكذلك في الشعراء و((في)) استفهام و((ذا)) بمعنى الذي فهما ابتداء وخبر، وفي ﴿تأمرون) ضمير عائد على الذي تقديره تأمرون به ويجوز أن تجعل ﴿ماذا﴾ بمنزلة اسم واحد في موضع نصب بـ ﴿تأمرون﴾ ولا يضمر فيه على هذا، قال الطبري: والسحر مأخوذ من سحر المطر الأرض إذا جادها حتى يقلب نباتها ويقلعه من أصوله فهو يسحرها سحراً والأرض مسحورة. قال القاضي أبو محمد: وإنما سحر المطر الطين إذا أفسده حتى لا يمكن فيه عمل، والسحر الآخذة التي تأخذ العين حتى ترى الأمر غير ما هو، وربما سحر الذهن، ومنه قول ذي الرمة: [الوافر] يرقص في نواشزها الأروم وساحرة السراب من الموامي أراد أنه يخيل نفسه ماء للعيون . ثم أشار الملأ على فرعون بأن يؤخر موسى وهارون ويدع النظر في أمرهما ويجمع السحرة من كل مكان حتى تكون غلبة موسى بحجة واضحة معلومة بينة، وقرأ ابن كثير ((أرجئهو)) بواو بعد الهاء المضمومة وبالهمز قبل الهاء، وقرأ أبو عمرو ((أرجئه)) بالهمز، دون واو بعدها وقرأ نافع وحده في رواية قالون: ((أرجهٍ)) بكسر الهاء، ويحتمل أن يكون المعنى: أخره فسهل الهمزة، ويحتمل من الرجا بمعنى أطعمه ورجه قاله المبرد، وقرأ ورش عن نافع: ((أرجهي)) بياء بعد كسرة الهاء، وقرأ ابن عامر: ((أرجئهِ)) بكسر الهاء وبهمزة قبلها، قال الفارسي وهذا غلط وقرأ عاصم والكسائي ((أرجهُ)) بضم الهاء دون همز، وروى أبان عن عاصم: ((أرجة)) بسكون الهاء وهي لغة تقف على هاء الكناية إذا تحرك ما قبلها، ومنه قول الشاعر: [منظور بن حبة الأسدي] أنحى عليَّ الدهرُ رجلًا ويدا يقسم لا أصلَحَ إلا أفسدا فیصلح اليوم ويفسد غداً . ٤٣٨ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١٠٩ - ١١٦ وقال الآخر: مال إلى أرطاة حقق فاضطجع لما رأى أن لا دعة ولا شبع وحكى النقاش أنه لم يكن يجالس فرعون ولد غية وإنما كانوا أشرافاً ولذلك أشاروا بالإرجاء ولم يشيروا بالقتل وقالوا: إن قتلته دخلت على الناس شبهة ولكن اغلبه بالحجة، و﴿المدائنُ﴾ جمع مدينة وزنها فعيلة من مدن أو مفعلة من دان يدين وعلى هذا يهمز مدائن أو لا يهمز، و﴿حاشرين﴾ معناه جامعين، قال المفسرون: وهم الشرط، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر ((بكل ساحر))، وقرأ حمزة والكسائي: ((بكل سحار)» على بناء المبالغة وكذلك في سورة يونس، وأجمعوا على ((سحار)» في سورة الشعراء، وقال قتادة: معنى الإرجاء الذي أشاروا إليه السجن والحبس. وقوله تعالى: ﴿وجاء السحرة) الآية، هنا محذوفات يقتضيها ظاهر الكلام وهي أنه بعث إلى السحرة وأمرهم بالمجيء، وقال ابن عباس أنه بعث غلماناً فعلموا بالفرما وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية حفص ((أن لنا لأجرا)) على جهة الخبر، وقرأوا في الشعراء ﴿ أن لنا﴾ ممدودة مفتوحة الألف غير عاصم فإنه لا يمدها، قال أبو علي ويجوز أن تكون على جهة الاستفهام وحذف ألفها، وقد قيل ذلك في قوله ﴿أن عبدت بني إسرائيل﴾ [الشعراء: ٢٢] ومنه قول الشاعر: [حضرمي بن عامر]. أفرح أن أرزأ الكرام وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي هنا وفي الشعراء ((آإن)) بألف الاستفهام قبل ((إن)»، وقرأت فرقة ((أئن)) دون مد، وقرأ أبو عمرو هنا وفي الشعراء ((أئن))، والأجر هنا الاجرة فاقترحوها إن غلبوا فأنعم فرعون لهم بها وزادهم المنزلة والجاه، ومعناه المقربين مني، وروي أن السحرة الذين جاءوا إلى فرعون كانوا خمسة عشر ألفاً قاله ابن إسحاق، وقال ابن جريج كانوا تسعمائة، وذكر النقاش أنهم كانوا اثنين وسبعين رجلاً، وقال عكرمة: كانوا سبعين ألفاً قال محمد بن المنكدر كانوا ثمانين ألفاً، وقال السدي مائتي ألف ونيفاً. قال القاضي أبو محمد: وهذه الأقوال ليس لها سند يوقف عنده، وقال كعب الأحبار: اثني عشر ألفاً، وقال السدي : كانوا بضعة وثلاثين ألف رجل مع كل رجل حبل وعصا، وقال أبو ثمامة: كانوا سبعة عشر ألفاً. وقوله تعالى: ﴿قالوا يا موسى إما أن تلقي﴾ الآية، ﴿أن﴾ في قوله ﴿إما أن﴾ في موضع نصب أي إما أن تفعل الإلقاء، ويحتمل أن تكون في موضع رفع أي إما هو الإلقاء، وخير السحرة موسى في أن يتقدم في الإلقاء أو يتأخر. قال القاضي أبو محمد: وهذا فعل المدل الواثق بنفسه، والظاهر أن التقدم في التخيلات والمخارق والحج، لأن بدليتهما تمضي بالنفس، فليظهر الله أمر نبوة موسى قوى نفسه ويقينه ووثق بالحق فأعطاهم التقدم فنشطوا وسروا حتى أظهر الله الحق وأبطل سعيهم. ٠٤ وقوله تعالى: ﴿سحروا أعين الناس﴾ نص في أن لهم فعلاً ما زائداً على ما يحدثونه من التزيق ٤٣٩ تفسير سورة الأعراف / الآيات: ١١٧ - ١٢٤ والآثار في العصا وسائر الأجسام التي يصرفون فيها صناعتهم ﴿واسترهبوهم﴾ بمعنى أرهبوهم أي فزعوهم فكأن فعلهم اقتضى واستدعى الرهبة من الناس، ووصف الله سحرهم بالعظم، ومعنى ذلك من کثرته، وروي أنهم جلبوا ثلاثمائة وستين بعيراً موقرة بالحبال والعصي فلما ألقوها تحركت وملأت الوادي يركب بعضها بعضاً، فاستهول الناس ذلك واسترهبوهم، قال الزجاج: قيل إنهم جعلوا فيها الزئبق فكانت لا تستقر. قوله عز وجل : وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَىَ أَنْ أَلْقِ عَصَالِكٌّ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٦) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْيَعْمَلُونَ قَالُوْءَامَنَّا بِرَبِّ الْعَلَمِينَ ١٢٠ فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَأَنْقَلَبُواْ صَغِرِينَ [٦] وَأَلَّقِىَ السَّحَرَةُ سَجِدِينَ ١١٨ ◌َرَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ ﴿ قَالَ فِرْ عَوْنُ ءَا مَنْتُم بِهِ قَبْلَ أَن ◌َذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِى ١٢١ اُلْمَدِينَةِ لِنُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴿٢) لَأُقَطِعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خَِفٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَتَّكُمْ أَجْمَعِينَ ١٢٤ ﴿أن﴾ في موضع نصب بـ ﴿أوحينا﴾ أي بأن ألق، ويحتمل أن تكون مفسرة بمعنى أي فلا يكون لها موضع من الإعراب، وروي أن موسى لما كان يوم الجمع خرج متكئاً على عصاه ويده في يد أخيه وقد صف له السحرة في عدد عظيم حسبما ذكر، فلما ألقوا واسترهبوا أوحى الله إليه، فألقى فإذا هي ثعبان مبين، فعظم حتى كان كالجبل، وقيل إنه طال حتى جاز النيل، وقيل كان الجمع بالإسكندرية وطال حتى جاز مدينة البحيرة، وقيل كان الجمع بمصر وإنه طال حتى جاز بذنبه بحر القلزم. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول بعيد من الصواب مفرط الإغراق لا ينبغي أن يلتفت إليه، وروي أن السحرة لما ألقوا وألقى موسى عصاه جعلوا يرقون وجعلت حبالهم وعصيهم تعظم وجعلت عصى موسى تعظم حتى سدت الأفق وابتلعت الكل ورجعت بعد ذلك عصا فعندها آمن السحرة، وروي أن عصا موسى كانت عصا آدم عليهما السلام وكانت من الجنة، وقيل كانت من العين الذي في وسط ورق الريحان، وقيل كانت غصناً من الخبيز أو قيل كانت لها شعبتان وقيل كانت عصا الأنبياء مختزنة عند شعيب فلما استرعى موسى قال له اذهب فخذ عصا فذهب إلى البيت فطارت هذه إلى يده فأمره شعيب بردها وأخذ غيرها ففعل فطارت هي إلى يده فأخبر بذلك شعيباً وتركها له، وقال ابن عباس: إن ملكاً من الملائكة دفع العصا إلى موسى في طريق مدين، و﴿تلقف﴾ معناه تبتلع وتزدرد، و﴿ما يأفكون﴾ معناه: ما صوروا فيه إفكهم وكذبهم، وقرأ جمهور الناس ((تلقف))، وقرأ عاصم في رواية حفص ((تلْقَف)) بسكون اللام وفتح القاف، وقرأ ابن كثير في بعض ما روي عنه ((هي تلقف)) بتشديد التاء على إدغام التاء من تتلقف، وهذه القراءة لا تترتب إلا في الوصول، وأما في الابتداء في الفعل فلا يمكن، وقرأ سعيد بن جبير ((تلقم)) بالميم أي تبتلع كاللقمة، وروي أن الثعبان استوفى تلك الحبال والعصي أكلاً وأعدمها الله عز وجل، ومد موسى يده إلى فمه فعاد عصا كما كان، فعلم السحرة حينئذ أن ذلك ليس من عند البشر فخروا سجداً مؤمنين بالله ورسوله. أ ٤٤٠٠ تفسير سورة الأعراف / الآيات : : ١١٧ - ١٢٤ وقوله تعالى: ﴿فوقع الحق) الآية، ((وقع)) معناه نزل ووجد، و﴿الحق﴾ يريد به سطوع البرهان وظهور الإعجاز واستمر التحدي إلى الدين على جميع العالم، و﴿ما كانوا يعملون﴾ لفظ يعم سجر السحرة وسعي فرعون وشيعته . : والضمير في قوله ﴿فغلبوا﴾ عائد على ((جميعهم)) من سحرة وسعي فرعون وشيعته، وفي قوله ﴿وانقلبوا صاغرين﴾ إن قدرنا انقلاب الجمع قبل إيمان السحرة فهم في الضمير وإن قدرناه بعد إيمانهم فليسوا في الضمير ولا لحقهم صغار يصفهم الله به لأنهم آمنوا واستشهدوا رضي الله عنهم. وقوله تعالى: ﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ الآيات، لما رأى السحرة من عظيم القدرة وما تيقنوا به نبوة موسى آمنوا بقلوبهم وانضاف إلى ذلك الاستهوال والاستعظام والفزع من قدرة الله تعالى فخروا سجداً لله تعالى متطارحين وآمنوا نطقاً بألسنتهم، وتبينهم الرب بذكر موسى وهارون زوال عن ربوبية فرعون وما كان یتوهم فیه الجهال من أنه رب الناس، وهارون أخو موسى أسن منه بثلاث سنين، وقول فرعون ﴿قبل أن آذن لكم) دليل على وهن أمره لأنه إنما جعل ذنبهم مفارقة الإذن ولم يجعله نفس الإيمان إلا بشرط، وقرأ عاصم في رواية حفص عنه في كل القرآن ((آمنتم)) على الخبر، وقرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر ((آمنتم)) بهمزة ومدة على الاستفهام وكذلك في طه والشعراء، وقرأ حمزة والكسائي في الثلاثة المواضيع (أآمنتم)) بهمزتين الثانية ممدودة، ورواها الأعمش عن أبي بكر عن عاصم، وقرأ ابن كثير في رواية أبي الأخريط عنه ((وآمنتم)) وهي على ألف الاستفهام إلا أنه سهلها واواً فأجرى المنفصل مجرى المتصل في قولهم تودة في تؤدة، وقرأ قنبل عن القواس ((وآمنتم)) وهي على القراءة بالهمزتين ((اآمنتم)) إلا أنه سهل ألف الاستفهام واوً وترك ألف أفعلتم على ما هي عليه، والضمير في ﴿به﴾ يحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، ويحتمل أن يعود على موسى عليه السلام، وعنفهم فرعون على الإيمان قبل إذنه ثم ألزمهم أن هذا كان على اتفاق منهم، وروي في ذلك عن ابن عباس وابن مسعود: أن موسى اجتمع مع رئيس السحرة واسمه شمعون فقال له موسى: أرأيت إن غلبتكم أتؤمنون بي فقال له نعم، فعلم بذلك فرعون، فلذلك قال ﴿إن هذا لمكر مکرتموه في المدينة﴾ ثم قال للسحرة ﴿الأقطعن أيديكم وأرجلكم) الآية، فرجع فرعون في مقالته هذه إلى الخذلان والغشم وعادة ملوك السوء إذا غولبوا، وقرأ حميد المكي وابن محصن ومجاهد ((لأقْطَعن)) بفتح الهمزة والطاء وإسكان القاف، ((ولأصْلُبن)) بفتح الهمزة وإسكان الصاد وضم اللام، وروي بكسرها، و﴿من خلاف﴾ معناه یمنی ویسری. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من هذه الآيات أن فرعون توعد وليس في القرآن نص على أنه أنفذ ذلك وأوقعه، ولكنه روي أنه صلب بعضهم وقطع، قال ابن عباس: فرعون أول من صلب وقطع من خلاف، وقال ابن عباس وغيره فيهم: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء، وأما التوعد فلجميعهم. قوله عز وجل : وَمَا نَنِقِمُ مِنَّا إِلَّ أَنْ ءَامَنَا بِنَايَتِ رَبِنَا لَمَّاجَاءَ تْنَارَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا قَالُواْإِنَّا إِلَى رَيْنَا مُنقَلِبُونَ