النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ تفسير سورة الأنعام / الآية : ٩٢ أنزل الكتاب على موسى، ثم اعترض على بني إسرائيل فقال لهم خلال الكلام تجعلونه أنتم يا بني إسرائيل قراطيس، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً)) بالياء في الأفعال الثلاثة، فمن رأى الاحتجاج على قريش رآه إخباراً من الله عز وجل بما فعلته اليهود في الكتاب، ويحتمل أن يكون الإخبار بذلك لقريش أو للنبي صلى الله عليه وسلم وحده، وما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن فأمته متلقية ذلك، و﴿قراطيس﴾ جمع قرطاس أي بطائق وأوراقاً والمعنى يجعلونه ذا قراطيس من حيث يكتب فيها، وتوبيخهم بالإبداء والإخفاء هو على إخفائهم آيات محمد عليه السلام والإخبار بنبوته وجميع ما عليهم فيه حجة وقوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم﴾ قال مجاهد وغيره هي مخاطبة للعرب، فالمعنى على هذا قصد ذكر منة الله عليهم بذلك أي علمتم يا معشر العرب من الهدايات والتحيد والإرشاد إلى الحق ما لم تكونوا عالمين به ولا آباؤكم . قال القاضي أبو محمد: وقوله: ﴿وعلمتم ما لم تعلموا﴾ يصلح على هذا المعنى لمخاطبة من انتفع بالتعليم ومن لم ينتفع به، ويصح الامتنان بتعليم الصنفين، وليس من شرط من علم أن يعلم ولا بد، اما أن التعليم الكامل هو الذي يقع معه التعلم، وقالت فرقة بل هي مخاطبة لبني إسرائيل، والمعنى على هذا يترتب على وجهين، أحدهما أن يقصد به الامتنان عليهم وعلى آبائهم بأن علموا من دين الله وهداياته ما لم يكونوا عالمين به، لأن آباء المخاطبين من بني إسرائيل كانوا علموا أيضاً وعلم بعضهم، وليس ذلك في آباء العرب، والوجه الآخر أن يكون المقصود منهم أي وعلمتم أنتم وآباؤكم ما لم تعلموه بعد التعليم ولا انتفعتم به الإعراضكم وضلالكم ثم أمره تعالى بالمبادرة إلى موضع الحجة أي قل: الله هو الذي أنزل الكتاب على موسى ويحتمل أن يكون المعنى فإن جهلوا أو تحيروا أو سألوا أو نحو هذا فقل الله ثم أمره بترك من كفر وأعرض، وهذه آية منسوخة بآية القتال إن تأولت موادعة، وقد يحتمل أن لا يدخلها نسخ إذا جعلت تتضمن تهديداً ووعيداً مجرداً من موادعة، و((الخوض)) الذهاب فيما لا تسبر حقائقه، وأصله في الماء ثم يستعمل في المعاني المشكلة الملتبسة، و﴿يلعبون﴾ في موضع الحال. قوله عز وجل : وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَاً وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ٩٢ بِالَّْخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّةٍ، وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ - قوله ﴿هذا﴾ إشارة إلى القرآن، و﴿مبارك﴾ صفة له، و﴿مصدق﴾ كذلك، وحذف التنوين من ﴿مصدق﴾ للإضافة وهي إضافة غير محضة لم يتعرف بها مصدق ولذلك ساغ أن يكون وصفاً لنكرة، و﴿الذي﴾ في موضع المفعول، والعامل فيه مصدر، ولا يصلح أن يكون ﴿مصدق﴾ مع حذف التنوين منه يتسلط على ﴿الذي﴾، ويقدر حذف التنوين للالتقاء وإنما جاء ذلك شاذاً في الشعر في قوله: [المتقارب] فألْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ ولا ذَاكِر الله إلَّ قَليلا 1 ٣٢٢ - تفسير سورة الأنعام / الآية: ٩٣ ولا يقاس عليه، و﴿بين يديه﴾ هي حال التوراة والإنجيل لأن ما تقدم فهو بين يدي ما تأخر، وقالت فرقة ﴿الذي بين يديه﴾ القيامة . قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا غير صحيح لأن القرآن هو بين يدي القيامة، وقرأ الجمهور ((ولتنذر أم القرى)) أي أنت يا محمد، وقرأ أبو بكر عن عاصم ((ولينذر)) أي القرآن بمواعظه وأوامره، واللام في ﴿لتنذر﴾ متعلقة بفعل متأخر تقديره ولتنذر أم القرى أو من حولها أنزلناه، و﴿أم القرى﴾ مكة سميت بذلك لوجوه أربعة، منها أنها منشأ الدين والشرع ومنها ما روي أن الأرضن منها دحية ومنها أنها وسط الأرض وكالنقطة للقرى، ومنها ما لحق عن الشرع من أنها قبلة كل قرية فهي لهذا كله.أم وسائر القرى بنات، وتقدير الآية لتنذر أهل أم القرى، ﴿ومن حولها﴾ يريد أهل سائر الأرض، و﴿حولها﴾ ظرف العامل فيه فعل مضمر تقديره ومن استقر حولها، ثم ابتدأ تبارك وتعالى بمدح وصفهم. وأخبر عنهم أنهم يؤمنون بالآخرة والبعث والنشور، و﴿يؤمنون﴾ بالقرآن ويصدقون بحقيقته، ثم قوى عز وجل مدحهم بأنهم ((يحافظون على صلاتهم)) التي هي قاعدة العبادات وأم الطاعات، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو بكر عن عاصم ((صلواتهم)) بالجمع، ومن قرأ بالإفراد فإنه مفرد يدل على الجميع وإذا إنضافت الصلاة إلى ضمير لم تكتب إلا بالألف ولا تكتب في المصحف بواو إلا إذا لم تنضف إلى ضمير. قوله عز وجل : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْقَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأَنِلُ مِثْلَ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ وَلَوْتَرَىّ إِذِالظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْأَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَأْ أَنْفُسَكُمُ اُلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَتِهِ تَسْتَكْبُونَ(® هذه ألفاظ عامة فكل من واقع شيئاً مما يدخل تحت هذه الألفاظ فهو داخل في الظلم الذي قد عظمه الله تعالى بقوله: ﴿ومن أظلم﴾ أي لا أحد أظلم وقال قتادة وغيره: المراد بهذه الآيات مسيلمة والأسود العنسي، وذكروا رؤية النبي عليه السلام للسوارين وقال السدي: المراد بها عبد الله بن سعد بن أبي سرح الغامدي وكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم الوحي وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة فلما نزلت ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر﴾ [المؤمنون: ١٤] فقال عبد الله بن سعد من تلقاء نفسه ﴿فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ [المؤمنون: ٢٣] فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبها فهكذا أنزلت، فتوهم عبد الله ولحق بمكة مرتداً وقال أنا أنزل مثل ما أنزل الله، وروي عنه أيضاً أن النبي عليه السلام ربما أملى عليه ((والله غفور رحيم)) فبدلها هو ((والله سميع عليم)) فقال النبي عليه السلام: ذلك سواء ونحو هذا، وقال عكرمة: أولها في مسيلمة والآخر في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وذكر الزهراوي والمهدوي أن الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه عارض القرآن بقوله والزارعات زرعاً والخابزات خبزاً إلى غير ذلك من السخافات. أ ٣٢٣ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٩٣ قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فخصص المتأولون في هذه الآيات ذکر قومٍ قد یمکن أن كانوا أسباب نزولها ثم هي إلى يوم القيامة تتناول من تعرض شيئاً من معانيها كطليحة الأسدي والمختار بن أبي عبيد وسواهما وقرأ الجمهور ((سأنزل مثل ما أنزل)) بتخفيف وقرأ أبو حيوة ((سأنّزّل)) بفتح النون وتشديد الزاي . قوله عز وجل: ﴿ولو ترى إذ الظالمون) الآية، جواب ﴿لو﴾ محذوف تقديره لرأيت عجباً أو هولاً ونحو هذا وحذف هذا الجواب أبلغ من نصه لأن السامع إذا لم ينص له الجواب يترك مع غاية تخيله و﴿الظالمون) لفظ عام لمن واقع ما تقدم ذكره وغير ذلك من أنواع الظلم الذي هو كفر و ((الغمرات)) جمع غمرة وهي المصيبة المبهمة المذهلة، وهي مشبهة بغمرة الماء، ومنه قول الشاعر [بشر بن أبي خازم]: [ الوافر] وَلَا يُنْجِي مِنَ الغَمَرَاتِ إلّ بَراكاءُ القِتَّالِ أوِ الْفِرَارُ ﴿والملائكة﴾ ملائكة قبض الروح، و﴿باسطو أيديهم) كناية عن مدها بالمكروه كما قال تعالى حكاية عن ابني آدم: ﴿لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني﴾ [المائدة: ٢٨]. وهذا المكروه هو لا محالة أوائل عذاب وأماراته، قال ابن عباس: يضربون وجوههم وأدبارهم، وأما البسط لمجرد قبض النفس فإنه يشترك فيه الصالحون والكفرة، وقيل إن المراد بسط الأيدي في جهنم، والغمرات كذلك لكنهم لا يقضى عليهم فيموتوا، وقوله: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾ حكاية لما تقوله الملائكة، والتقدير يقولون أخرجوا أنفسكم، ويحتمل قول الملائكة ذلك أن يريدوا فأخرجوا أنفسكم من هذه المصائب والمحن وخلصوها إن كان ما زعمتموه حقاً في الدنيا، وفي ذلك توبيخ وتوقيف على سالف فعلهم القبيح، قال الحسن: هذا التوبيخ على هذا الوجه هو في جهنم، ويحتمل أن يكون ذلك على معنى الزجر والإهانة كما يقول الرجل لمن يقهره بنفسه على أمر ما أفعل كذا، لذلك الأمر الذي هو يتناوله بنفسه منه على جهة الإهانة وإدخال الرعب عليه. وقوله تعالى: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾ الآية، هذه حكاية عن قول الملائكة للكفرة عند قبض أرواحهم، و ﴿الهون﴾ الهوان ومنه قول ذي الأصبع: [البسيط] إِلَيْكَ عني فما ألمى براعية تَرْعَى المَخَاضَ ولا أفضى على الهُونِ وقرأ عبد الله بن مسعود وعكرمة ((عذاب الهوان)) بالألف. وقوله تعالى: ﴿تقولون على الله غير الحق﴾ لفظ جامع لكل نوع من الكفر ولكنه يظهر منه ومن قوله ﴿وكنتم عن آياته تستكبرون﴾ الإنحاء على من قرب ذكره من هؤلاء الذين ادعوا الوحي وأن ينزلوا مثل ما أنزل الله، فإنها أفعال بين فيها ((قول غير الحق على الله)) وبين فيها الاستكبار. قوله عز وجل : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَدَىْ كَمَا خَلَقْتَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم ◌َّا خَوَّلْنَكُمْ وَرَآءَ ظُهُورِكُمْ وَمَانَرَى مَعَكُمْ ٣٢٤ تفسير سورة الأنعام / الآية : ٩٤ ٩٤ شُفَعَآءَ كُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَهُمْ فِيَكُمْ شُرَكَوْأَلَقَدَ نَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَّا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ( هذه حكاية عما يقال لهم بعد قبض أرواحهم، فإما عند خروجها من الأجساد وإما يوم القيامة كل ذلك محتمل، و﴿فرادى﴾ معناه فرداً فرداً، والألف في آخره ألف تأنيث ومنه قول الشاعر [ابن مقبل]: ترى النعرات الزرق تحت لبانه فرادى ومثنى أصعقتها صواهله وقرأ أبو حيوة ((فرادىًّ)) منوناً على وزن فعال وهي لغة تميم، و﴿فرادى﴾ قيل هو جمع فرد بفتح الراء، وقيل جمع فرد بإسكان الراء والمقصد فى الآية توقيف الكفار على انفرادهم وقلة النصير واحتياجهم إلى الله عز وجل بفقد الخول والشفعاء، فيكون قوله: ﴿كما خلقناكم أول مرة﴾ تشبيهاً بالانفراد الأول في وقت الخلقة، ويتوجه معنى آخر وهو أن يتضمن قوله: ﴿كما خلقناكم﴾ زيادة معان على الانفراد كأنه قال ولقد جئتمونا فرادى وبأحوال كذا، والإشارة على هذا بقوله كما هي إلى ما قاله النبي عليه السلام في صفة من يحشر أنهم يحشرون حفاة عراة غرلاً، و﴿خولناكم﴾ معناه أعطيناكم، وكان أبو عمرو بن العلاء ينشد بيت زهير: [الطويل]: هنالك إنْ يُسْتَخْوَلُوا المالَ يُخْوِلُوا وإن يُسْألُوا يُعْطُوا وإن يُبْسِرُوا يُغْلُوا ﴿وراء ظهوركم﴾ إشارة إلى الدنيا لأنهم يتركون ذلك موجوداً. وقوله تعالى: ﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ الآية، توقيف على الخطأ في عبادة الأصنام وتعظيمها، قال الطبري: وروي أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث لأنه قال سوف تشفع له اللات والعزى. قال القاضي أبو محمد: ومن كان من العرب يعتقد أنها تشفع وتقرب إلى الله زلفى ويرى شركتها بهذا الوجه فمخاطبته بالآية متمكن وهكذا كان الأكثر، ومن كان منهم لا يقر بإله غيرها فليس هو في هذه الآية، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر، وحمزة ((بينكم)) بالرفع، وقرأ نافع والكساء ((بينكم)) بالنصب أما الرفع فعلى وجوه، أولاها أنه الظرف استعمل اسماً وأسند إليه الفعل كما قد استعملوه، اسماً في قوله تعالى: ﴿من بيننا وبينك حجاب﴾ [فُصّلت: ٥] وكقولهم فيما حكى سيبويه أحمر بن بين العينين، ورجح هذا القول أبو علي الفارسي، والوجه الآخر أن بعض المفسرين منهم الزهراوي والمهدوي وأبو الفتح وسواهم حكوا أن ((البين)) في اللغة يقال على الافتراق وعلى الوصل فكأنه قال لقد تقطع وصلكم. قال القاضي أبو محمد: وفي هذا عندي اعتراض لأن ذلك لم يرو مسموعاً عن العرب وإنما انتزع من الآية، والآية محتملة، قال الخليل في العين ((والبين)) الوصل. لقوله عز وجل: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ فعلل سوق اللفظة بالآية، والآية معرضة لغير ذلك، أما إن أبا الفتح قوى أن ((البين)) الوصل وقال: ((وقد أتقن ذلك بعض المحدثين بقوله: قد أتصف البين من البين)). والوجه الثالث من وجوه الرفع أن يكون ((البين)) على أصله في الفرقة من بان يبين إذا بعد، ويكون في قوله: ﴿تقطع﴾ تجوز على نحو ما يقال في الأمر البعيد في المسافة تقطعت الفجاج بين كذا وكذا عبارة عن بعد ٣٢٥ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٩٦،٩٥ ذلك، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك ((بالبين)) الذي هو الفرقة، وأما وجه قراءة النصب فأن يكون ظرفاً ويكون الفعل مستنداً إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس: مجاهد والسدي وغيرهما، وجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل مسنداً إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع، ومثل هذا عنده قوله: ﴿وإنّا منا الصالحون ومنا دون ذلك﴾ [الجن: ١١] وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش ((تقطع ما بينكم)) بزيادة ما و﴿ضل﴾ معناه تلف وذهب، و﴿ما كنتم تزعمون﴾ يريد دعواهم أنها تشفع رتشارك الله في الألوهية. قوله عز وجل : إِنَّاللَّهَ فَالِقُ اُلْحَبِّ وَالنَّوَىُّ يُخْرِجُ الْحَ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ آلْحِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ فَالِقُ اُلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اُلَّيْلَ سَكَنَّا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِالْعَلِيمِ ٩٦ ٩٥ هذا ابتداء تنبيه على العبرة والنظر، ويتصل المعنى بما قبله لأن القصد أن الله لا هذه الأصنام، وقال مجاهد وأبو مالك هذه إشارة إلى الشق الذي في حبة البر ونواة التمر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والعبرة على هذا القول مخصوصة في بعض الحب وبعض النوى، وليس لذلك وجه، وقال الضحاك وقتادة والسدي وغيرهما هذه إشارة إلى فعل الله في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا هو الظاهر الذي يعطي العبرة التامة، فسبحان الخلاق العليم، وقال الضحاك: ﴿فالق﴾ بمعنى خالق، وقال السدي وأبو مالك: ﴿يخرج الحي من الميت) إشارة إلى إخراج النبات الأخضر والشجر الأخضر من الحب اليابس والنوى اليابس، فكأنه جعل الخضرة والنضارة حياة واليبس موتاً و﴿مخرج الميت من الحي﴾ إشارة إلى إخراج اليابس من النبات والشجر، وقال ابن عباس وغيره، بل ذلك كله إشارة إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة وإخراج النطفة الميتة من الإنسان الحي، وكذلك سائر الحيوان والطير من البيض والحوت وجميع الحيوان. قال القاضي أبو محمد: وهذا القول أرجح وإنما تعلق قائلو القول الأول بتناسب تأويلهم مع قوله : ﴿فالق الحب والنوى﴾ وهما على هذا التأويل الراجح معنيان متباينان فيهما معتبر، وقال الحسن: المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن، وقوله: ﴿ذلكم الله﴾ ابتداء وخبر متضمن التنبيه، ﴿فأنّى تؤفكون﴾ أي تصرفون وتصدون و﴿فالق الإصباح﴾ أي شاقه ومظهره، والفلق الصبح، وقرأ الجمهور ((فالق الإصباح)) بكسر الهمزة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء ((فالق الأصباح)) بفتح الهمزة جمع صبح، وقرأت فرقة ((فالق الإصباح)) بحذف التنوين ((فالقُ)) لالتقاء الساكنين، ونصب ٣٢٦ - تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٩٨،٩٧ ((الإصباحَ)) بـ ((فالقٌ)) كأنه أراد ((فالق الإصباح)) بتنوين القاف، وهذه قراءة شاذة، وإنما جوز سيبويه مثل هذا في الشعر وأنشد عليها: [المتقارب] فَأَلْفَيْتُهُ غَيْرَ مُسْتَعْتِبٍ وَلَا ذاكِرَ الله إلّ قليلا وحكى النحاس عن المبرد جواز ذلك في الكلام، وقرأ أبو حيوة وإبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب ((فلق الإصباح)» بفعل ماض، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((وجاع الليل)) وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((وجعل الليل))، وهذا لما كان ((فالق)) بمعنى الماضي فكأن اللفظ ((قُلق الإصباح)» وجعل، ويؤيد ذلك نصب ﴿الشمسَ والقمرَ﴾، وقرأ الجمهور ((سكناً)) وروي عن يعقوب ((ساكناً)) قال أبو عمرو الداني ولا يصح ذلك عنه، ونصبه بفعل مضمر إذا قرأنا ((وجاعل)) لأنه بمعنى المضي، وتقدير الفعل المضمر وجاعل الليل يجعله سكناً، وهذا مثل قولك هذا معطي زيد أمس درهماً، والذي حكاه أبو علي في هذا أن ينتصب بما في الكلام من معنى معطي. وقرأ أبو حيوة ((والشمس والقمرٍ)) بالخفض عطفاً على لفظ ((الليل)) و﴿حسباناً﴾ جمع حساب كشهبان في جمع شهاب، أي تجري بحساب، هذا قول ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد، وقال مجاهد في صحيح البخاري المراد حسبان كحسبان إلى حي وهو الدولاب والعود الذي عليه دورانه . قوله عز وجل : وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِنَّهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا اُلْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ®َ وَهُوَ الَّذِىَّ أَنشَأَ كُمْ مِن نَّفْسِ وَاحِدَةِ فَمُستَقَرُوُمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا اُلَيَتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ٩٨ هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين، فالحجة بها على الكافرين قائمة والعبرة بها للمؤمنين ممكنة متعرضة، و﴿جعل﴾ هنا بمعنى خلق لدخولها على مفعول واحد، وقد يمكن أن تكون بمعنى صير ويقدر المفعول الثاني في ﴿لتهتدوا﴾ لأنه يقدر وهو الذي جعل لكم النجوم هداية، و﴿في ظلمات﴾ هي ها هنا على حقيقتها في ظلمة الليل بقرينة النجوم التي لا تكون إلا بالليل، ويصح أن تكون ((الظلمات)) ها هنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدى فيها الشمس، وذكر الله تعالى النجوم في ثلاث منافع وهي قوله: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ [المُلك: ٥] وقوله: ﴿وجعلناها رجوماً للشياطين﴾ [المُلك: ٥] وقوله: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ فالواجب أن يعتقد أن ما عدا هذه الوجوه من قول أهل التأثير باطل واختلاق على الله وكفر به، و﴿فصلنا﴾ معناه بينا وقسمنا و﴿الآيات﴾ الدلائل و﴿لقوم يعلمون﴾ تخصيص لهم بالذكر وتنبيه منهم لتحصلهم الآية المفصلة المنصوبة، وغيرهم تمر عليهم الآيات وهم معرضون عنها، وقوله: ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع﴾ الآية، الإنشاء فعل الشيء، و﴿من نفس واحدة﴾ يريد آدم عليه السلام، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ((فمستقَر)) بفتح القاف على أنه موضع استقرار، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((فمستقِر)) بكسر القاف على أنه اسم فاعل، وأجمعوا على فتح الدال من ((مستودع)) بأن يقدر موضع ٣٢٧ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٩٩ استيداع، وأن يقدر أيضاً مفعولاً ولا يصح ذلك في مستقر لأن استقر لا يتعدى فيبنى منه مفعول أما أنه روى هارون الأعور عن أبي عمرو ((ومستودع)) بكسر الدال، فمن قرأ ((فمستقَر ومستودع)) على أنها موضع استقرار وموضع استيداع علقها بمجرور تقديره فلكم مستقر ومستودع، ومن قرأ ((فمستقر ومستودع)» على اسم الفاعل في ((مستقِر)) واسم المفعول في ((مستودَع)) علقها بمجرور تقديره فمنكم مستقر ومستودع واضطرب المتأولون في معنى هذا الاستقرار والاستيداع، فقال الجمهور مستقر في الرحم ومستودع في ظهور الآباء حتى يقضي الله بخروجهم، وقال ابن عون: مشيت إلى منزل إبراهيم النخعي وهو مريض فقالوا قد توفي فأخبرني بعضهم أن عبد الرحمن بن الأسود سأله عن ((مستقر ومستودع)) فقال: مستقر في الرحم ومستودع في الصلب، وقال الحسن بن أبي الحسن: مستقر في القبور ومستودع في الدنيا، وقال ابن عباس: المستقر الأرض والمستودع عند الرحم، وقال ابن جبير: المستودع في الصلب والمستقر في الآخرة والذي يقتضيه النظر أن ابن آدم هو مستودع في ظهر أبيه وليس بمستقر فيه استقراراً مطلقاً لأنه ينتقل لا محالة ثم ينتقل إلى الرحم ثم ينتقل إلى القبر ثم ينتقل إلى المحشر ثم ينتقل إلى الجنة أو النار فيستقر في أحدهما استقراراً مطلقاً، وليس فيها مستودع لأنه لا نقلة له بعد وهو في كل رتبة متوسطة بين هذين الطرفين ((مستقر)) بالإضافة إلى التي قبلها و((مستودع)) بالإضافة إلى التي بعدها لأن لفظ الوديعة يقتضي فيها نقلة ولا بد، و﴿يفقهون﴾ معناه يفهمون وقد تقدم تفسير مثل هذا آنفاً . قوله عز وجل : وَهُوَ اُلَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَخْرَجْنَا بِهِ، نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَامِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُتَرَاكِبًا وَ مِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِّةٍ أَنْظُرُواْ إِلَى تَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَ يَنْعِهِ: إِنَّ فِ ذَلِكُمْ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ٩٩ ﴿السماء﴾ في هذا الموضع السحاب، وكل ما أظلك فهو سماء، و﴿ماء﴾ أصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فجاء ماه فبدلت الهاء بالهمزة لأن الألف والهاء ضعيفان مهموسان، وقوله: ﴿نبات كل شيء﴾ قال بعض المفسرين أي مما ينبت، وحسن إطلاق العموم في ﴿كل شيء﴾ لأن ذكر النبات قبله قد قيد المقصد وقال الطبري والمراد بـ ﴿كل شيء﴾ ما ينمو من جميع الحيوانات والنبات والمعادن وغير ذلك، لأن ذلك كله يتغذى وينمو بنزول الماء من السماء، والضمير في ﴿منه﴾ يعود على النبات، وفي الثاني يعود على الخضر، و﴿خضراً﴾ بمعنى أخضر، ومنه قوله عليه السلام: ((الدنيا خضرة حلوة)) بمعنى خضراء. قال القاضي أبو محمد: وكأن ((خضراً)) إنما يأتي أبداً لمعنى النضارة وليس للون فيه مدخل، وأخضر إنما تمكنه في اللون، وهو في النضارة تجوز، وقوله: ﴿حباً متراكباً﴾ يعم جميع السنابل وما شاكلها كالصنوبر، والرمان وغيرها من جميع النبات، وقوله تعالى: ﴿ومن النخل﴾ تقديره ونخرج من النخل و﴿من طلعها قنوان﴾ ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول بنخرج، و((الطلع)) أول ما يخرج من النخلة في أكمامه، و﴿قنوان﴾ جمع قنو وهو العِذق بكسر العين وهي الكباسة، والعرجون عوده الذي ينتظم التمر، ----- - ٣٢٨ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٩٩ قرأ الأعرج ((قنوان)) بفتح القاف، وقال أبو الفتح ينبغي أن يكون اسماً للجمع غير مكسر لأن فعلان ليس من أمثلة الجمع قال المهدوي وروي عن الأعرج ضم القاف، وكذلك أنه جمع ((قُنو)) بضم القاف، قال الفراء وهي لغة قيس وأهل الحجاز، والكسر أشهر في العرب، وقنو يثنى قنوان منصرفة النون، و﴿دانية﴾ معناه قريبة من المتناول، قاله ابن عباس والبراء بن عازب والضحاك وقيل قريبة بعضها من بعض، وقرأ الجمهور ((وجناتٍ)) بنصب جنات عطفاً على قوله نبات، وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى ورويت عن أبي بكر عن عاصم ((وجناتٌ)) بالرفع على تقدير ولكم جنات أو نحو هذا، وقال الطبري وهو عطف على قنوان. قال القاضي أبو محمد: وقوله ضعيف والزيتون والرمان﴾ بالنصب إجماعاً عطفاً على قوله: ﴿حباً﴾، ﴿ومشتبها وغير متشابه﴾ قال قتادة: معناه تتشابه في اللون وتتباين في الثمر، وقال الطبري: جائز أن تتشابه في الثمر وتتباين في الطعم، ويحتمل أن يريد تتشابه في الطعم وتتباين في المنظر، وهذه الأحوال موجودة بالاعتبار في أنواع الثمرات، وقوله تعالى: ﴿انظروا﴾ وهو نظر بصر يترتب عليه فكرة قلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع وابن عامر وعاصم ((إلى ثَمَره)» بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة كبقرة وبقر وشجرة وشجر، وقرأ يحيى بن وثاب ومجاهد ((ثُمُره)) بضم الثاء والميم قالا وهي أصناف المال. قال القاضي أبو محمد: كأن المعنى انظروا إلى الأموال التي تتحصل منه، وهي قراءة حمزة والكسائي، قال أبو علي والأحسن فيه أن يكون جمع ثمره كخشبة وخشب وأكمة وأكم، ومنه قول الشاعر: [الطويل] تَرَى الأكْمَ فيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِ نظيره في المعتل لابة ولوب وناقة ونوق وساحة وسوح. : ويجوز أن يكون جمع جمع فتقول ثمرة وثمار وثمر مثل حمار وحمر، وقرأت فرقة ((إلى ثُمْره)) بضم الثاء وإسكان الميم كأنها ذهبت إلى طلب الخفة في تسكين الميم، والثمر في اللغة جنى الشجر وما يطلع، وإن سمي الشجر ثماراً فتجوز، وقرأ جمهور الناس و ((ينعه)) بفتح الياء وهو مصدر ينع يينع إذا نضج، يقال ينع وأينع، وبالنضج فسر ابن عباس هذه الآية، ومنه قول الحجاج ((إني لأرى رؤوساً قد أينعت))، ويستعمل ينع بمعنى استقل واخضر ناضراً، ومنه قول الشاعر: [المديد] في قبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ حَوْلَها الزّيْتُونُ قَدْ يَنْعَا وقيل في ﴿ينعه﴾ إنه جمع يانع مثل في تاجر وتجر وراكب وركب ذكره الطبري، وقرأ ابن محيصن وقتادة والضحاك ((ويُنعه)) بضم الياء أي نضجه، وقرأ ابن أبي عبلة واليماني. ((ويانعه))، وقوله ﴿إن في ذلكم. لآيات﴾ إیجاب تنبيه وتذکیر وتقدم تفسیر مثله. قوله عز وجل : وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَتِ بِغَيْرِ عِلْمِ سُبْحَانَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ (٣) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَى يَكُونُ لَهُوَلَدٌ وَلَمْتَكُن لَُّ صَِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلُّ شَىٍَّ وَهُوَ ٣٢٩ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٠٠ - ١٠٢ بِكُلِ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴿٤ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ خَكَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ١٠٢ ﴿جعلوا﴾ بمعنى صيروا، و﴿الجن﴾ مفعول و﴿شركاء﴾ مفعول ثان مقدم، ويصح أن يكون قوله ﴿شركاء﴾ مفعولاً أولاً و﴿لله﴾ في موضع المفعول الثاني و﴿الجن﴾ بدل من قوله ﴿شركاء﴾، وهذه الآية مشيرة إلى العادلين بالله والقائلين إن الجن تعلم الغيب العابدين للجن، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا، أما الذين ((خرقوا البنين)) فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح، وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات اللّه، فكأن الضمير في ﴿جعلوا﴾ و﴿خرقوا﴾ لجميع الكفار إذا فعل بعضهم هذا، وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد، وقرأ شعيب بن أبي حمزة ((شركاء الجنِّ)) بخفض النون، وقرأ يزيد بن قطيب وأبو حيوة ((الجن والجن)) بالخفض والرفع على تقديرهم الجن، وقرأ الجمهور ((وخلقهم)) بفتح اللام على معنى وهو خلقهم، وفي مصحف عبد الله بن مسعود ((وهو خلقهم)) يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين، وقرأ يحيى بن يعمر ((وخلقهم)) بسكون اللام عطفاً على الجن أي جعلوا خلفهم الذي ينحتونه أصناماً شركاء بالله، وقرأ السبعة سوى نافع ((وخرقوا)) بتخفيف للراء وهو بمعنى اختلفوا وافتروا وقرأ نافع ((وخرّقوا)) بتشديد الراء على المبالغة، وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما ((وحرّفوا)) من التحريف كذا قال أبو الفتح، قال أبو عمرو الداني قرأ ابن عباس ((حرَفوا)) خفيفة الراء، وابن عمر ((حرّفوا)) مشددة الراء، وقوله ﴿بغير علم﴾ نص على قبح تقحمهم المجهلة وافترائهم الباطل على عمى، ﴿سبحانه﴾ أي تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك وتعالى و﴿بديع﴾ بمعنى: مبدع ومخترع وخالق، فهو بناء اسم فاعل كما جاء: سميع بمعنى مسمع و﴿أنى﴾ بمعنى كيف ومن أين، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير، وقرأ جمهور الناس ((ولم تكن)) بالتاء على تأنيث علامة الفعل، وقرأ إبراهيم النخعي: بالياء على تذكيرها وتذكير كان وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ذلك في سائر الأفعال، فقولك: كان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند، وحسن القراءة الفصل بالظرف الذي هو الخبر ويتجه في القراءة المذكورة أن يكون في ﴿تكن﴾ ضمير اسم الله تعالى، وتكون. الجملة التي هي ﴿له صاحبة﴾ خبر كان، ويتجه أن يكون في ((يكن)) ضمير أمر وشأن وتكون الجملة بعد تفسيراً له وخبراً، وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد، وقوله ﴿وخلق كل شيء﴾ لفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى وكلامه، فليس هو عموماً مخصصاً على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن يتناول العموم شيئاً ثم يخرجه التخصيص، وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها، وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان: قتلت كل فارس وأفحمت كل خصم فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه، وأما قوله ﴿وهو بكل شيء عليم) فهذا عموم على الإطلاق ولأن الله عز وجل يعلم كل شيء لا رب غيره ولا معبود سواه، ولما تقررت الحجج وبانت الوحدانية جاء قوله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم) الآية تتضمن تقريراً وحكماً إخلاصاً أمراً بالعبادة وإعلاماً بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير. ٣٣٠ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٠٣ - ١٠٥ قوله تعالى : لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَّ وَهُوَ اُلَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴿أَقَدْ جَاءَ كُمْ بَصَابِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ عَمِىَ فَعَلَيْهَا وَمَآ أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ آلْأَيَتِ ١٠٥ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبِيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ أجمع أهل السنة على أن الله تعالى يرى يوم القيامة، يراه المؤمنون وقاله ابن وهب عن مالك بن أنس، والوجه أن يبين جواز ذلك عقلًا ثم يستند إلى ورود السمع بوقوع ذلك الجائز، واختصار تبيين ذلك يعتبر بعلمنا بالله عز وجل، فمن حيث جاز أن نعلمه لا في مكان ولا متحيز ولا مقابل ولم يتعلق علمنا بأكثر من الوجود، جاز أن نراه غير مقابل ولا محاذى ولا مكيفاً ولا محدوداً، وكان الإمام أبو عبد الله النحوي يقول: مسألة العلم حلقت لحى المعتزلة ثم ورد الشرع بذلك وهو قوله عز وجل: ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ [القيامة: ٢٢] وتعدية النظر يأتي إنما هو في كلام العرب لمعنى الرؤية لا لمعنى الانتظار على ما ذهبت إليه المعتزلة، وذكر هذا المذهب لمالك فقال: فأين هم عن قوله تعالى: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾ [المطفّفين: ١٥]. قال القاضي أبو محمد: فقال بدليل الخطاب ذكره النقاش ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، فيما صح عنه وتواتر وكثر نقله: إنكم ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر ونحوه من الأحاديث على اختلاف ترتيب ألفاظها، وذهبت المعتزلة إلى المنع من جواز رؤية الله تعالى يوم القيامة واستحال ذلك بآراء مجردة، وتمسكوا بقوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار) وانفصل أهل السنة عن تمسكهم بأن الآية مخصوصة في الدنيا، ورؤية الآخرة ثابتة بأخبارها، وانفصال آخر، وهو أن يفرق بين معنى الإدراك ومعنى الرؤية، ونقول إنه عز وجل تراه الأبصار ولا تدركه، وذلك الإدراك يتضمن الإحاطة بالشيء والوصول إلى أعماقه وحوزه من جميع جهاته، وذلك كله محال في أوصاف الله عز وجل، والرؤية لا تفتقر إلى أن يحيط الرائي بالمرئي ويبلغ غايته، وعلى هذا التأويل يترتب العكس في قوله ﴿وهو يدرك الأبصار﴾ ويحسن معناه، ونحو هذا روي عن ابن عباس وقتادة وعطية العوفي، فرقوا بين الرؤية والإدراك، وأما الطبري رحمه الله ففرق بين الرؤية والإدراك واحتج بقول بني إسرائيل إنّا لمدركون فقال إنهم رأوهم ولم يدركوهم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا كله خطأ لأن هذا الإدراك ليس بإدراك البصر بل هو مستعار منه أو باشتراك، وقال بعضهم إن المؤمنين يرون الله تعالى بحاسة سادسة تخلق يوم القيامة، وتبقى هذه الآية في منع الإدراك بالأبصار عامة سليمة، قال: وقال بعضهم: إن هذه الآية مخصوصة في الکافرین، أي إنه لا تدركه أبصارهم لأنهم محجوبون عنه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذه الأقوال كلها ضعيفة ودعاو لا تستند إلى قرآن ولا حديث، و﴿اللطيف﴾ المتلطف في خلقه واختراعه وإتقانه، وبخلقه وعباده و﴿الخبير﴾ المختبر لباطن أمورهم ٣٣١ تفسير سورة الأنعام / الآیات: ١٠٣ - ١٠٥ وظاهرها، و((البصائر)) جمع بصيرة وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها، بالاعتبار، فكأنه قال قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق والمعينة عليه، والبصيرة للقلب مستعارة من إبصار العين، والبصيرة أيضاً هي المعتقد المحصل في قول الشاعر [الأسعر الجعفي]: [الكامل] راحوا بَصَائِرُهُمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ وَبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدْ وَأَى وقال بعض الناس في هذا البيت البصيرة طريقة الدم، والشاعر إنما يصف جماعة مشوا به في طلب دم ففتروا فجعلوا الأمر وراء ظهورهم، وقوله تعالى: ﴿من أبصر ومن عمي﴾ عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل، وقوله ﴿وما أنا عليكم بحفيظ) كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حفيظاً على العالم آخذاً لهم بالإسلام والسيف، وقوله تعالى: ﴿وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست﴾ الآية، الكاف في قوله ﴿وكذلك﴾ في موضع نصب بـ ﴿نصرف﴾ أي ومثل ما بينا البصائر وغير ذلك نصرف الآيات أي نرددها ونوضحها وقرأت طائفة ((وليقولوا درست)) بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد. وقرأ الجمهور ((وليقولوا)) بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً﴾ [القصص: ٨] إلى ذلك، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي ((درست)) أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((دارست)) أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة ((درستْ)) بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت، قال أبو علي واللام في ﴿ليقولوا﴾ على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة، وقرأت فرقة ((دارست)) كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم، وقرأت فرقة ((دُرُست)) بضم الراء وكأنها في معنى درست أي بليت، وقرأ قتادة ((دُرٍست)) بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن، قال أبو الفتح في ((درست)) ضمير الآيات، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت، وقرأ أبي بن كعب ((درس)) وهي في مصحف عبد الله، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد الله أيضاً ((درس))، ورويت عن الحسن، وقرأت فرقة ((درّس)) بتشديد الراء على المبالغة في درس، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف، واللام في قوله و﴿ليقولوا﴾ وفي قوله ﴿ولنبينه﴾ متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود ((ولتبينه)) بالتاء على مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأه فرقة ((وليبينه)) بياء أي الله تعالى، وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله ﴿وليقولوا﴾ فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما أضمروها في قوله ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦]. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع . ٣٣٢ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٠٦ - ١٠٨ قوله عز وجل : قلے الَِّعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكٌَ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (*) وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا أَشْرَّكُوْ وَلَا تَسُبُّواْلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ١٠٧ وَمَا جَعَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًّاً وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ اُللَّهِ فَيَسُبُّواْاللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنًا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّإِلَى رَبِهِم ◌َّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمبِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ١٠٨ هذان أمران للنبي صلى الله عليه وسلم مضمنهما الاقتصار على اتباع الوحي وموادعة الكفار. وذلك كان في أول الإسلام ثم نسخ الإعراض عنهم بالقتال والسوق إلى الدين طوعاً أو كرهاً، وقوله تعالى: ﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾ في ظاهرها رد على المعتزلة القائلين إنه ليس عند الله لطفب يؤمن به الكافر وإن الكافر والإنسان في الجملة يخلق أفعاله، وهي متضمنة أن إشراكهم وغيره وقف على مشيئة الله عز وجل، وقوله تعالى: ﴿وما جعلناك عليهم حفيظاً﴾ كان في أول الإسلام، وكذلك ﴿وما أنت عليهم بوكيل) وقوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾ الآية، مخاطبة للمؤمنين والنبي عليه السلام، وقال ابن عباس وسببها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب إما أن ينتهي محمد وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها وإما نسب إلهه ونهجوه فنزلت الآية، وحكمها على كل حال باق في الأمة، فمتى كان الكافر في منعة وخيف أن يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم والله عز وجل فلا يحل للمسلم أن يسب دينهم ولا صلبانهم ولا يتعرض ما يؤدي إلى ذلك أو نحوه، وعبر عن الأصنام وهي لا تعقل بـ ﴿الذين﴾ وذلك على معتقد الكفرة فيها، وفي هذه الآية ضرب من الموادعة. وقرأ جمهور الناس ((عَدْواً)) بفتح العين وسكون الدال نصب على المصدر، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وأبو رجاء وقتادة ويعقوب وسلام وعبد الله بن زيد ((عُدُوّاً)) بضم العين والدال وتشديد الواو، وهذا أيضاً نصب على المصدر وهو من الاعتداء، وقرأ بعض الكوفيين ((عَدُواً)) بفتح العين وضم الدال نصب على الحال أي في حال عداوة لله، وهو لفظ مفرد يدل على الجمع، وقوله ﴿بغير علم﴾ بيان لمعنى الاعتداء المتقدم، وقوله تعالى: ﴿كذلك زينا لكل أمة﴾ إشارة إلى ما زين الله لهؤلاء عبدة الأصنام من التمسك بأصنامهم والذب عنها وتزيين الله عمل الأمم هو ما يخلقه ويخترعه في النفوس من المحبة للخير والشر والاتباع لطرقه، وتزيين الشيطان هو بما يقذفه في النفوس من الوسوسة وخطرات السوء، وقوله ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم﴾ يتضمن وعداً جميلاً للمحسنين ووعيداً ثقيلاً للمسيئين. قوله عز وجل : وَأَقْسَمُواْبِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِهِمْ لَبِن جَاءَّتُهُمْ ءَايَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الَيَتُ عِندَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرَكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٦) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْبِهِ: أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ١١٠ ٠٠ ٣٣٣ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٠٩، ١١٠ الضمير في قوله ﴿وأقسموا﴾ عائد على المشركين المتقدم ذكرهم، و﴿جهد﴾ نصب على المصدر والعامل فيه ﴿أقسموا﴾ على مذهب سيبويه لأنه في معناه، وعلى مذهب أبي العباس المبرد فعل من لفظة، واللام في قوله ﴿لئن﴾ لام موطئة للقسم مؤذنة به، وأما اللام المتلقية للقسم فهي قوله ﴿ليؤمنن﴾ و﴿ آية﴾ يريد علامة، وحكي أن الكفار لما نزلت ﴿إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾ [الشعراء: ٤] أقسموا حينئذ أنها إن نزلت آمنوا فنزلت هذه الآية . وحكي أنهم اقترحوا أن يعود الصفا ذهباً وأقسموا فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في ذلك فجاءه جبريل فقال له إن شئت أصبح ذهباً فإن لم يؤمنوا هلكوا عن آخرهم معاجلة كمافعل بالأمم إذا لم تؤمن بالآيات المقترحة، وإن شئت أخروا حتى يتوب تائبهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل حتى يتوب تائبهم ونزلت هذه الآية، وقرأ ابن مصرف ((ليؤمَنَنْ)) بفتح الميم والنون وبالنون الخفيفة، ثم قال تعالى قل لهم يا محمد على جهة الرد والتخطية إنما الآيات بيد الله وعنده، ليست عندي فتقترح عليّ، ثم قال ﴿وما يشعركم﴾ فاختلف المتأولون فمن المخاطب بقوله ﴿وما يشعركم) ومن المستفهم بـ ((ما)) التي يعود عليها الضمير الفاعل في ((يشعركم))، فقال مجاهد وابن زيد: المخاطب بذلك الكفار، وقال الفراء وغيره، المخاطب بها المؤمنون، ﴿وما يشعركم﴾ معناه وما يعلمكم وما يدريكم، وقرأ قوم ((يشعرْكم)) بسكون الراء، وهي على التخفيف، ويحسنها أن الخروج من كسرة إلى ضمة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم في رواية دواد الايادي ((إنها)) بكسر الألف على القطع واستئناف الإخبار، فمن قرأ ((تؤمنون)) بالتاء وهي قراءة ابن عامر وحمزة استقامت له المخاطبة أولاً وآخراً للكفار، ومن قرأ ((يؤمنون)) بالياء وهي قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي فيحتمل أن يخاطب أولاً وآخراً المؤمنين، ويحتمل أن يخاطب بقوله ﴿وما يشعركم﴾ الكفار ثم يستأنف الإخبار عنهم للمؤمنين، ومفعول ﴿يشعركم﴾ الثاني محذوف ويختلف تقديره بحسب كل تأويل، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص وحمزة والكسائي وابن عامر ((أنها)) بفتح الألف، فمنهم من جعلها ((أن)) التي تدخل على الجمل وتأتي بعد الأفعال كعلمت وظننت وأعمل فيها ﴿يشعركم﴾، والتزم بعضهم ((أن لا)» زائدة في قوله ﴿لا يؤمنون﴾ وأنّ معنى الكلام وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون أو تؤمنون فزيدت لا كما زيدت في قوله ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ [الأنبياء: ٩٥] لأن المعنى وحرام على قرية مهلكة رجوعهم، وكما جاءت في قول الشاعر: [الطويل] أبى جُودُهُ لا البُخْلَ وأَسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ مِنْ فَتِىِّ لا يَمْنَعُ الجُود قاتِلُهْ قال الزجاج أراد ((أبى جوده البخل))، كما جاءَت زائدة في قول الشاعر: أفمنك لا برق كان وميضه غاب تسنمه ضرام مثقب ودعا إلى التزام هذا حفظ المعنى لأنها لو لم تكن زائدة لعاد الكلام عذراً للكفار وفسد المراد بالآية، وضعّف الزجّاج وغيره زيادة لا وقال هذا غلط، ومنهم من جعل ((أنها)) بمعنى لعلها وحكاها سيبويه علن الخليل وهو تأويل لا يحتاج معه إلى تقدير زيادة لا، وحكى الكسائي أنه كذلك في مصحف أبي بن كعب: وما أدراكم لعلها إذا جاءت لا يؤمنون، ومن هذا المعنى قول الشاعر [أبو النجم]: [الرجز] ---- - ٣٣٤ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٠٩، ١١٠ قُلْتُ لِشَيْبَانَ آدْنُ مِنْ لِقَائِهِ أنَّى تَغذّى القومُ من شوائِهِ فهذه كلها بمعنى لعل وضعّف أبو علي هذا بأن التوقع الذي فيه لا يناسب الآية بعد التي حكمت بأنهم لا يؤمنون، وترجح عنده في الآية أن تكون ((أن)) على بابها وأن يكون المعنى قل إنما الآيات عند الله لأنها إذا جاءت ((لا يؤمنون))، فهو لا يأتي بها لإصرارهم على كفرهم، وتكون الآية نظير قوله تعالى: ﴿وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون﴾ [الإسراء: ٥٩] أي بالآيات المقترحة. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: ويترتب على هذا التأويل أن تكون ((ما)) نافية، ذكر ذلك أبو علي فتأمل وترجح عنده أيضاً أن تكون لا زائدة، وبسط شواهده في ذلك، وحكى بعض المفسرين أن في آخر الآية حذفاً يستغنى به عن زيادة لا، وعن تأويلها بمعنى لعل وتقديره عندهم أنها إذا جاءت ((لا يؤمنون)» أو يؤمنون . قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا قول ضعيف لا يعضده لفظ الآية ولا يقتضيه وتحتمل الآية أن يكون المعنى يتضمن الإخبار أنهم لا يؤمنون، وقيل لهم وما يشعركم بهذه الحقيقة أي لا سبيل إلى شعوركم بها وهي حق في نفسها وهم لا يؤمنون أن لو جاءت، و﴿ما﴾ استفهام على هذا التأويل، وفي مصحف ابن مسعود ((وما يشعركم إذا جاءتهم يؤمنون)) بسقوط أنها، وقوله تعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا﴾ المعنى على ما قالت فرقة ونقلب أفئدتهم وأبصارهم في النار وفي لهيبها في الآخرة لما لم يؤمنوا في الدنيا ثم استأنف على هذا ونذرهم في الدنيا ﴿في طغيانهم يعمهون﴾. وقالت فرقة إنما المراد بالتقليب التحويل عن الحق والهدى، والترك في الضلالة والكفر، ومعنى الآية أن هؤلاء الذين أقسموا أنهم يؤمنون إن جاءت آية نحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم أن لو جاءت فلا يؤمنون بها كما لو يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من عبادة الله، فأخبر الله تعالى على هذا التأويل بصورة فعله بهم، وقرأ أبو رجاء ((يذرهم)) بالياء ورويت عن عاصم، وقرأ إبراهيم النخعي ((ويقلب ويذرهم)) بالياء فيهما كناية عن الله تبارك وتعالى وقرأ أيضاً فيما روى عنه مغيرة ((وتَقلَب)) بفتح التاء واللام بمعنى وتنقلب أفئدتهم وأبصارهم بالرفع فيهما، ((ويذرْهم)) بالياء وجزم الراء، وقالت فرقة قوله ﴿كما﴾ في هذه الآية إنما هي بمعنى المجازاة أي لما لم يؤمنوا أول مرة نجازيهم بأن نقلب أفئدتهم عن الهدى ونطبع على قلوبهم، فكأنه قال ونحن نقلب أفئدتهم وأبصارهم جزاء لما لم يؤمنوا أول مرة بما دعوا إليه من الشرع، والضمير في ((به)) يحتمل أن يعود على الله عز وجل أو على القرآن أو على النبي عليه السلام، و﴿نذرهم﴾ معناه نتركهم، وقرأ الأعمش والهمداني ((ويذرْهم)) بالياء وجزم الراء على وجه التخفيف، والطغيان: التخبط في الشر والإفراط فيما يتناوله المرء، والعمى التردد والحيرة. قوله عز وجل : وَلَوْ أَتَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيَّهِمُ الْمَلَئِ كَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَىْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلَّا أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ * وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنّ ٣٣٥ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١١٢،١١١ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقُوّلِ غُرُورًا وَلَوْشَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ أخبر الله عز وجل في هذه الآية أنه لو أتى بجميع ما اقترحوه من إنزال الملائكة وإحياء سلفهم حسبما كان من اقتراح بعضهم أن يحشر قصي وغيره، فيخبر بصدق محمد أو يجمع عليهم كل شيء يعقل أن يحشر عليهم، ما آمنوا إلا بالمشيئة واللطف الذي يخلقه ويخترعه في نفس من شاء لا رب غيره، وهذا يتضمن الرد على المعتزلة في قولهم بالآيات التي تضطر الكفار إلى الإيمان، وقال ابن جريج: نزلت هذه الآية في المستهزئين. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: لا يثبت إلا بسند، وقرأ نافع وابن عامر وغيرهما ((قبَلًا)) بكسر القاف وفتح الباء، ومعناه مواجهة ومعاينة قاله ابن عباس، وغيره ونصبه على الحال، وقال المبرد: المعنى ناحية کما تقول له قبل فلان دین. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فنصبه على هذا هو على الظرف، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم ((قُبُلاً)) بضم القاف والباء، وكذلك قرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا وقرأ ﴿العذاب قبلاً﴾ [الكهف: ٥٥] مكسورة القاف واختلف في معناه فقال عبد الله بن زيد ومجاهد وابن زيد: ((قبل)) جمع قبيل أي صنفاً صنفاً ونوعاً نوعاً كما يجمع قضيب على قضب وغيره، وقال الفراء والزجّاج هو جمع قبيل وهو الكفيل. ((وحشرنا عليهم كل شيء كفلاء)) بصدق محمد وذكره الفارسي وضعفه، وقال بعضهم قبل الضم بمعنى قبل بكسر القاف أي مواجهة كما تقول قبل ودبر، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدّ من قبل﴾ [يوسف: ٢٦] ومنه قراءة ابن عمر ﴿لقبل عدتهن﴾ [الطلاق: ١] أي لاستقبالها ومواجهتها في الزمن وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة ((قُبْلًا)) بضم القاف وسكون الباء، وذلك على جهة التخفيف. وقرأ طلحة بن مصرف ((قَبْلاً)) بفتح القاف وإسكان الباء، وقرأ أبيّ والأعمش ((قبيلاً)) بفتح القاف وكسر الباء وزيادة ياء، والنصب في هذا كله على الحال، وقوله عز وجل: ﴿ولكن أكثرهم يجهلون﴾ الضمير عائد إلى الكفار المتقدم ذكرهم، والمعنى يجهلون أن الآية تقتضي إيمانهم ولا بد، فيقتضي اللفظ أن الأقل لا يجهل فكان فيهم من يعتقد أن الآية لو جاءت ((لم يؤمن إلا أن يشاء الله)) له ذلك، وقوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي﴾ الآية، تتضمن تسلية النبي عليه السلام وعرض القدوة عليه، أي إن هذا الذي امتحنت به يا محمد من الأعداء قد امتحن به غيرك من الأنبياء ليبتلي الله أولي العزم منهم، و﴿عدواً﴾ مفرد في معنى الجمع، ونصبه على المفعول الأول لـ ﴿جعلنا﴾ والمفعول الثاني في قوله ﴿لكل نبي﴾، و﴿شياطين﴾ بدل من قوله ﴿عدواً﴾، ويصح أن يكون المفعول الأول ﴿شياطين) والثاني ﴿عدواً﴾، وقوله ﴿شياطين الإنس والجن﴾ يريد به المتمردين من النوعين الذين هم من شيم السوء كالشياطين، وهذا قول جماعة من المفسرين ويؤيده حديث أبي ذر أنه صلى يوماً فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((تعوذ يا أبا ذر من شياطين الجن والإنس))، قال وإن من الإنس لشياطين؟ قال: نعم. قال السدي وعكرمة: المراد بالشياطين الموكلون بالإنس والشياطين الموكلون بمؤمني الجن، وزعما أن للجن شياطين موكلين بغوايتهم ٣٣٦ تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ١١٤،١١٣ وأنهم يوحون إلى شياطين الإنس بالشر والوسوسة يتعلمها بعضهم من بعض، قالا: ولا شياطين من الإنس. قال القاضي أبو محمد: وهذا قول لا يستند إلى خبر ولا إلى نظر، و﴿يوحي﴾ معناه يلقيه في اختفاء فهو كالمناجاة والسرار، و﴿زخرف القول﴾ معناه محسنه ومزينه بالأباطيل، قاله عكرمة ومجاهد، و((الزخرفة)) أكثر ذلك إنما يستعمل في الشر والباطل، و﴿غروراً﴾ نصب على المصدر ومعناه أنهم يغرون به المضللين ويوهمون لهم أنهم على شيء والأمر بخلاف، والضمير في قوله ﴿فعلوه﴾ عائد على اعتقادهم العداوة، ويحتمل على الوحي الذي تضمنته ﴿يوحي﴾. وقوله ﴿فذرهم وما يفترون﴾ لفظ يتضمن الأمر بالموادعة منسوخ بآيات القتال، قال قتادة كل ذر في كتاب الله فهو منسوخ بالقتال و﴿يفترون﴾ معناه يختلفون ويشتقون، وهو من الفرقة تشبيهاً بفري الأديم. قوله عز وجل : وَلِنَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَأَ يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ ١١٣ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَّمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ إِلَيِْكُمُ الْكِتَبَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ ١١٤ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَّبِّكَ بِالْحِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿ولتصغى إليه﴾ معناه لتميل يقال صغى يصغى وأصلها يصغي بكسر الغين لكن رده خرف الحلق إلى الفتح ويقال صغى يصغو وأصغى يصغي وصغى يصغى و﴿أفئدة﴾ جمع فؤاد و ((يقترفون)) معناه يواقعون ويجترحون، وهي مستعملة أكثر ذلك في الشر والذنوب ونحوه، والقراء على كسر اللام في الثلاثة الأفعال على أنها لام كي، فإما أن تكون معطوفة على ﴿غروراً﴾ [الأنعام: ١١٢]، وإما أن تكون متعلقة بفعل مؤخر تقديره فعلوا ذلك أو جعلنا ذلك، فهي لام صيرورة قاله الزجّاج، ولا يحتمل أن تكون هذه اللامات على هذه القراءة لام الأمر وضمنها الوعيد، وتبقى في ((لتصغى)) على نحو ما جاء من ذلك في قول الشاعر: ألم يأتيك الخ .... إلى غير ذلك مما قد قرىء به. قال أبو الفتح قرأها الحسن بالتسكين في الثلاثة وهي لام كي وهي معطوفة على قوله ﴿غروراً﴾ [الأنعام: ١١٢] التقدير لأجل الغرور ((ولْتصغى)) وإسكان هذه اللام شاذ في الاستعمال قوي في القياس. قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن تحمل قراءة الحسن بسكون اللامات الثلاثة على أنها لام الأمر المضمن الوعيد والتهديد، والخط على هذه القراءة ((ولتصغ)) ذكر أبو عمرو الداني أن تسكينه في اللامات الثلاثة وكذلك قال أبو الفتح وذكر أن الحسن إنما يسكن اللامين الثانية والثالثة. قال القاضي أبو محمد: وذلك يخالفه خط المصحف في ((ولتصغى)) .. قال القاضي أبو محمد: ويتحصل أن يسكن اللام في ﴿ولتصغى﴾ على ما ذكرناه في قراءة الجماعة، ٣٣٧ تفسير سورة الأنعام / الآیات: ١١٥ - ١١٧ قال أبو عمرو: وقراءة الحسن إنما هي ((لتصغي)) بكسر الغين، وقراءة إبراهيم النخعي ((لتُصغي)) بضم التاء وكسر الغين من أصغى يصغي، وكذلك قرأ الجراح بن عبد الله، وقوله تعالى: ﴿أَفغير﴾ نصب بـ ﴿أبتغي﴾، و﴿حكماً﴾ نصب على البيان، والتمييز، و﴿مفصلاً﴾ معناه مزال الإشكال قد فصلت آياته، وإن كان معناها يعم في أن الله لا يبتغى سواه حكماً في كل شيء وفي كل قضية فإنّا نحتاج في وصف الكلام واتساق المعاني أن ننظر إلى قضية فيما تقدم تكون سبباً إلى قوله ﴿أفغير الله أبتغي حكماً﴾ فهي والله أعلم حكمه عليهم بأنهم لا يؤمنون ولو بعث إليهم كل الآيات. وحكمه بأن جعل الأنبياء أعداء من الجن والإنس، و﴿حَكَماً﴾ أبلغ من حاكم إذ هي صيغة للعدل من الحكام والحاكم جار على الفعل فقد يقال للجائر، و﴿حَكَماً﴾ نصب على البيان أو الحال، وبهذه الآية خاصمت الخوارج علياً رضي الله عنه في تكفيره بالتحكيم، ولا حجة لها لأن الله تعالى حكم في الصيد وبين الزوجين فتحكيم المؤمنين من حكمه تعالى. وقوله تعالى: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق﴾ . يتضمن الإشهاد بمؤمنيهم والطعن والتنبيه على مشركيهم وحسدتهم، وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم ((منزّل)) بالتشديد، والباقون بالتخفيف، ((والكتاب)) أولاً هو القرآن، وثانياً اسم جنس التوراة والإنجيل والزبور والصحف، ووصفه أهل الكتاب بالعلم عموم بمعنى الخصوص وإنما يريد علماءهم وأحبارهم، وقوله ﴿فلا تكونن من الممترين﴾ تثبيت ومبالغة وطعن على الممترين. قوله عز وجل: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٥) وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّ يَخْرُصُونَ (٣) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿تمت﴾ في هذا الموضع بمعنى استمرت وصحت في الأزل صدقاً وعدلاً، وليس بتمام من نقص، ومثله ما وقع في كتاب السيرة من قولهم وتم حمزة على إسلامه في الحديث مع أبي جهل، و((الكلمات)) ما نزل على عباده، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ((كلمة)) بالإفراد هنا وفي يونس في الموضعين وفي حم المؤمن. وقرأ نافع وابن عامر جميع ذلك ((كلماتُ)) بالجمع. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو هنا فقط ((كلمات)) بالجمع، وذهب الطبري إلى أنه القرآن كما يقال كلمة فلان في قصيدة الشعر والخطبة البليغة. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي بعيد معترض، وإنما القصد العبارة عن نفوذ قوله تعالى: ﴿صدقاً﴾ فيما تضمنه من خبر ﴿وعدلاً﴾ فيما تضمنه من حكم، وهما مصدران في موضع الحال، قال الطبري نصباً على التمييز وهذا غير صواب، ولا مبدل لكلماته﴾ معناه في معانيها بأن يبين أحد أن خبره بخلاف ما أخبر به أو يبين أن أمره لا ينفذ، والمثال من هذا أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج﴾ [التوبة ٨٣] إلى الخالفين، فقال المنافقون بعد ذلك للنبي عليه ٣٣٨ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١١٨، ١١٩ السلام وللمؤمنين ذرونا نتبعكم فقال الله لنبيه: ﴿يريدون أن يبدلوا كلام الله، قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾ [الفتح: ١٥] أو في قوله ﴿فقل لن تخرجوا معي أبداً﴾ [التوبة: ٨٣] لأن مضمنه الخبر بأن لا يباح لهم خروج، وأما الألفاظ فقد بدلتها بنو إسرائيل وغيرتها، هذا مذهب جماعة من العلماء، وروي عن ابن عباس أنهم إنما بدلوا بالتأويل والأول أرجح، وفي حرف أبي بن كعب، ((لا مبدل لكلمات الله))، وقوله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض) الآية، المعنى فامض يا محمد لما أمرت به وانفذ لرسالتك فإنك إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك وذكر ﴿أكثر﴾ لأن أهل الأرض حينئذ كان أكثرهم كافرين ولم يكن المؤمنون إلا قلة، وقال ابن عباس: ﴿الأرض﴾ هنا الدنيا، وحكي أن سبب هذه الآية أن المشركين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أمر الذبائح وقالوا: تأكل ما تقتل وتترك ما قتل الله؟، فنزلت الآية، ووصفهم عز وجل بأنهم يقتدون بظنونهم ويتبعون تخرصهم، والخرص الحزر والظن وقرأ جمهور الناس ((يضل) بفتح الياء. وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((يُضل)) بضم الياء، ورواه أحمد بن أبي شريح عن الكسائي، و﴿من﴾ في قوله﴿من يضل﴾ في موضع نصب بفعل مضمر تقديره يعلم من، وقيل في موضع رفع كأنه قال أي يضل عن سبيله؛ ذكره أبو الفتح وضعفه أبو علي وقيل في موضع خفض بإضمار باء الجر كأنه قال: بمن بيضل عن سبيله، وهذا ضعيف، قال أبو الفتح هذا هو المراد فحذفت باء الجر ووصل ﴿أعلم﴾ بنفسه، قال ولا يجوز أن يكون ﴿أعلم﴾ مضافاً إلى ﴿من﴾ لأن أفعل التفضيل بعض ما يضاف إليه، وهذه الآية خبر في ضمنه وعيد للضالين ووعد للمهتدين . قوله عز وجل : وَمَا لَكُمْ آَلَّاتَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أَسْمُ فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ أُسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِشَايَتِهِ، مُؤْمِنِينَ (ِّ) اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّاحَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّ مَا أَضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهٌ وَإِنَّ كَثِيرَالَُّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِمْ بِغَيْرٍ عِلْمٍّ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ القصد بهذه الآية النهي عما ذبح للنصب وغيرها وعن الميتة وأنواعها، فجاءت العبارة أمراً بما يضاد ما قصد النهي عنه، ولا قصد في الآية إلى ما نسي فيه المؤمن التسمية أو تعمدها بالترك، وقال عطاء: هذه الآية أمر بذكر اسم الله على الشراب والطعام والذبح وكل مطعوم وقوله﴿إن كنتم بآياته مؤمنین﴾ أي إن كنتم بأحكامه وأوامره آخذين، فإن الإيمان بها يتضمن ويقتضي الأخذ بها والانقياد لها، وقوله تعالى: ﴿وما لكم ألا تأكلوا﴾ الآية، ﴿ما﴾ استفهام يتضمن التقرير، وتقدير هذا الكلام أي شيء لكم في أن لا تأكلوا، فـ ((أن)) في موضع خفض بتقدير حرف الجر، ويصح أن تكون في موضع نصب على أن لا يقدر حرف جر ويكون الناصب معنى الفعل الذي في قوله ﴿ما لكم﴾ تقديره ما يجعلكم ﴿وقد فصل لكم ما حرم﴾ أي قد بين لكم الحرام من الحلال وأزيل عنكم اللبس والشك. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر «وقد فُصِّل لكم ما حُرِّم عليكم)) على بناء الفعل للمفعول في ٣٣٩ تفسير سورة الأنعام / الآية: ١٢٠ الفعلين وقرأ نافع وحفص عن عاصم ((وقد فَصَّل لكم ما حَرَّم عليكم)) على بناء الفعل للفاعل في الفعلين، وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة والكسائي ((وقد فُصِّل)) على بناء الفعل إلى المفعول، وقرأ عطية العوفي ((وقد فصّل)) على بناء الفعل للفاعل وفتح الصاد وتخفيفها، ((ما حُرِّم)) على بناء الفعل للمفعول ، والمعنى قد فصل الحرام من الحلال وانتزعه بالنبيين، و﴿ما﴾ في قوله ﴿إلا ما اضطررتم﴾ يريد بها من جميع ما حرم كالميتة وغيرها، وهي في موضع نصب بالاستثناء والاستثناء منقطع، وقوله تعالى ﴿وإن كثيراً﴾ يريد الكفرة المحادين المجادلين في المطاعم بما ذكرناه من قولهم: تأكلون ما تذبحون ولا تأكلون ما ذبح الله، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((لَيَضلون)) بفتح الياء على معنى إسناد الضلال إليهم في هذه السورة وفي يونس ﴿ربنا ليضلوا﴾ [الآية: ٨٨] وفي سورة إبراهيم ﴿أنداداً ليضلوا﴾ [الآية: ٣٠] وفي الحج ﴿ثاني عطفه ليضل﴾ [الآية: ٩] وفي لقمان ﴿ليضل عن سبيل الله بغير علم﴾ [الآية: ٦] وفي الزمر ﴿أنداداً ليضل) [الزمر: ٨]. وقرأ نافع وابن عامر كذلك في هذه وفي يونس وفي الأربعة التي بعد هذه يضمان الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، وهذه أبلغ في ذمهم لأن كل مضل ضال وليس كل ضال مضلاً، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي في المواضع الستة ((ليُضلون)) بضم الياء على معنى إسناد إضلال غيرهم إليهم، ثم بين عز وجل في ضلالهم أنه على أقبح الوجوه وأنه بالهوى لا بالنظر والتأمل، و﴿بغير علم﴾ معناه في غير نظر فإن لمن يضل بنظر ما بعض عذر لا ينفع في أنه اجتهد، ثم توعدهم تعالى بقوله: ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾. قوله عز وجل : وَذَرُ واْ ظَهِرَاُلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ آلْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَفْتَرِفُونَ هذا نهي عام من طرفيه لأن ﴿الإثم﴾ يعم الأحكام والنسب اللاحقة للعصاة عن جميع المعاصي، والظاهر والباطن يستوفيان جميع المعاصي، وقد ذهب المتأونون إلى أن الآية من ذلك في مخصص، فقال السدي: ظاهره الزنا الشهير الذي كانت العرب تفعله، وباطنه اتخاذ الأخدان، وقال سعيد بن جبير: الظاهر ما نص الله على تحريمه من النساء بقوله ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]، وقوله ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: ٢٢]، والباطن الزنا، وقال ابن زيد: الظاهر التعري والباطن الزنا. قال القاضي أبو محمد: يريد التعري الذي كانت العرب تفعله في طوافها، قال قوم: الظاهر الأعمال والباطن المعتقد. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن لأنه عاد ثم توعد تعالى كسبة الإثم بالمجازاة على ما اكتسبوه من ذلك وتحملوا ثقله، و((الاقتراف)) الاكتساب. قوله عز وجل : وَلَاتَأْكُلُوْمِمَا لَمْيُذْكَرٍ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسُقٌ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآَبِهِمْ ٣٤٠ تفسير سورة الأنعام / الآية : ١٢١٠ لِيُجَدِ لُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ ◌َتْرِكُونَ المقصد بهذه الآية النهي عن الميتة إذ هي جواب لقول المشركين تتركون ما قتل الله، والنهي أيضاً عما ذبح للأنصاب، ومع ذلك فلفظها يعم ما تركت التسمية عليه من ذبح الإسلام، وبهذا العموم تعلق محمد بن سيرين وعبد الله بن عياش بن أبي ربيعة وعبد الله بن عمر ونافع وعبد الله بن يزيد الخطمي والشعبي وغيرهم فيما تركت التسمية عليه نسياناً أو عمداً لم يؤكل، وقالت طائفة عظيمة من أهل العلم: يؤكل ما ذبح ولم يسم عليه نسياناً، ولا يؤكل ما لم يسم عليه عمداً، وهذا قول الجمهور، وحكى الزهراوي عن مالك بن أنس أنه قال: تؤكل الذبيحة التي تركت التسمية عليها عمداً أو نسياناً، وعن ربيعة أيضاً قال عبد الوهاب : التسمية سنة فإذا تركها الذابح ناسياً أكلت الذبيحة في قول مالك وأصحابه، وإذا تركها عمداً فقال مالك لا تؤكل، فحمل بعض أصحابه قوله لا تؤكل على التحريم، وحمله بعضهم على الكراهة، وقال أشهب: تؤكل ذبيحة تارك التسمية عمداً إلا أن يكون مستخفاً، وقال نحوه الطبري، وذبائح أهل الكتاب عند جمهور العلماء في حكم ما ذكر اسم الله عليه من حيث لهم دين وتشرع، وقال قوم نسخ من هذه الآية ذبائح أهل الكتاب، قاله عكرمة والحسن بن أبي الحسن، والضمير في ﴿إنه﴾ من قوله: ﴿وإنه لفسق﴾. عائد على الأكل الذي تضمنه الفعل في قوله ﴿ولا تأكلوا﴾ ويحتمل أن يعود على ترك الذكر الذي يتضمنه قوله ﴿لم يذكر﴾، والفسق الخروج عن الطاعة، هذا عرفه في الشرع، وقوله تعالى: ﴿وإن. الشياطين) الآية، قال عكرمة عنى بالشياطين في هذه الآية مردة الإنس من مجوس فارس، وذلك أنهم كانوا يوالون قريشاً على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فخاطبوهم منبهين على الحجة التي ذكرناها في أمر الذبح من قولهم تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، فذلك من مخاطبتهم هو الوحي الذي عنى، و((الأولياء)) قريش، و((المجادلة)) هي تلك الحجة، وقال ابن عباس وعبد الله بن كثير: بل ﴿الشياطين﴾ الجن واللفظة على وجهها وكفرة الجن أولياء الكفرة قريش، ووحيهم إليهم كان بالوسوسة حتى ألهموهم لتلك الحجة أو على ألسنة الكهان، وقال أبو زميل: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إن إسحاق يعني المختار زعم أنه أوحي إليه الليلة. فقال ابن عباس صدق، فنفرت فقال ابن عباس: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ ثم نهى الله عز وجل عن طاعتهم بلفظ يتضمن الوعيد وعرض أصعب مثال في أن يشبه المؤمن بمشرك، وحكى الطبري عن ابن عباس قولاً: إن الذين جادلوا بتلك الحجة هم قوم من اليهود. ١ قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن اليهود لا تأكل الميتة، أما أن ذلك يتجه منهم على جهة المغالطة كأنهم يحتجون عن العرب. قوله عز وجل : أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ فِى النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِىِ الظُّلُمَتِ لَيْسَ ج وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ١٢٢ ◌ِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ