النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ١١٥،١١٤ ﴿ قَالَ اللَّهُ إِنِى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْبَعَهُ مِنْكُمْ فَإِّ أُعَذِّبُ مِنْكٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الزّزِقِينَ ١١٥) عَذَابًا لََّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًّاً مِّنَ الْعَلَمِينَ ذكر الله تعالى عن عيسى أنه أجابهم إلى دعاء الله في أمر المائدة. فروي أنه لبس جبة شعر ورداء شعر وقام يصلي ويبكي ويدعو. و﴿اللهم﴾ عند سيبويه أصلها يا الله فجعلت الميمان بدلاً من ياء و﴿ربنا﴾ منادى آخر، ولا يكون صفة لأن ﴿اللهم﴾ يجري مجرى الأصوات من أجل ما لحقه من التغيير، وقرأ الجمهور (تكون لنا)) على الصفة للمائدة. وقرأ ابن مسعود والأعمش ((تكن لنا)) على جواب ﴿أنزل﴾ والعيد: المجتمع واليوم المشهود، وعرفه أن يقال فيما يستدير بالسنة أو بالشهر والجمعة ونحوه. وهو من عاد يعود. فأصله الواو ولكن لزمته الياء من أجل كسرة العين، وقرأ جمهور الناس ((لأولنا وآخرنا)) وقرأ زيد بن ثابت وابن محيصن والجحدري: ((لأولنا وأخرانا)». واختلف المتأولون في معنى ذلك، فقال السدي وقتادة وابن جريج وسفيان: لأولنا معناه لأول الأمة ثم لمن بعدهم حتى لآخرها يتخذون ذلك اليوم عيداً. وروي عن ابن عباس أن المعنى يكون مجتمعاً لجميعنا أولنا وآخرنا، قال: وأكل من المائدة حين وضعت أول الناس كما أكل آخرهم. قال القاضي أبو محمد: فالعيد على هذا لا يراد به المستدير، وقوله ﴿وآية منك﴾ أي علامة على صدقي وتشريفي. فأجاب الله دعوة عيسى وقال ﴿إني منزلها عليكم﴾ ثم شرط عليهم شرطه المتعارف في الأمم أنه من كفر بعد آية الاقتراح عذب أشد عذاب، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ((إني مُنَزّلها)) بفتح النون وشد الزاي، وقرأ الباقون ((منزلها)) بسكون النون، والقراءتان متجهتان نزل وأنزل بمعنى واحد، وقرأ الأعمش وطلحة بن مصرف، ((قال الله إني سأنزلها عليكم))، واختلف الناس في نزول المائدة، فقال الحسن بن أبي الحسن ومجاهد: إنهم لما سمعوا الشرط في تعذيب من كفر استعفوها فلم تنزل. قال مجاهد فهو مثل ضربه الله تعالى للناس لئلا يسألوا هذه الآيات، وقال جمهور المفسرين: نزلت المائدة، ثم اختلفت الروايات في كيفية ذلك، فروى الشعبي عن أبي عبد الرحمن السلمي، قال: نزلت المائدة خبزاً وسمكاً، وقال عطية: المائدة سمكة فيها طعم کل طعام، قال ابن عباس نزل خوان عليه خبز وسمك يأكلون منه أین ما نزلوا إذا شاؤوا، وقاله وهب بن منبه، قال إسحاق بن عبد الله: نزلت المائدة عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات، قال: فسرق منها بعضهم فرفعت، وقال عمار بن ياسر: سألوا عيسى عليه السلام مائدة يكون عليها طعام لا ينفد، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم وما لم تخبئوا أو تخونوا، فإن فعلتم عذبتم قال فما مضى يوم حتى خبؤوا وخانوا فمسخوا قردة وخنازير، وقال ابن عباس في المائدة أيضاً، كان طعام ينزل عليهم حيث ما نزلوا، وقال عمار بن ياسر: نزلت المائدة عليها ثمار من ثمار الجنة، وقال ميسرة: كانت المائدة إذا وضعت لبني إسرائيل اختلفت عليها الأيدي بكل طعام إلا اللحم. قال القاضي أبو محمد: وكثر الناس في قصص هذه المائدة بما رأيت اختصاره لعدم سنده وقال قوم : لا يصح أن لا تنزل المائدة لأن الله تعالى أخبر أنه منزلها . ٢٦٢ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ١١٧،١١٦ قال القاضي أبو محمد وهذ غير لازم لأن الخبر مقرون بشرط يتضمنه قوله ﴿فمن يكفر بعد منكم﴾، وسائغ ما قال الحسن، أما أن الجمهور على أنها نزلت وكفرت جماعة منهم فمسخهم الله خنازير قاله قتادة وغيره. وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: أشد الناس عذاباً يوم القيامة من كفر من أصحاب المائدة والمنافقون وآل فرعون، ويذكر أن شمعون رأس الحواريين قال لعيسى حين رأى طعام المائدة، يا روح الله أمن طعام الدنيا هو أم من طعام الآخرة؟ قال عيسى عليه السلام: ألم ينهكم الله عن هذه السؤالات، هذا طعام ليس من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة. بل هو بالقدرة الغالبة، قال الله له كن فكان، وروي أنه كان على المائدة بقول سوى الثوم والكراث والبصل، وقيل كان عليها زيتون وتمر وحب رمان. قوله عز وجل : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَءَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ أَتَّخِذُونِ وَأُفِيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ ج مَا يَكُونُ لِيّ أَنْ أَقُولَ مَالَيْسَ لِى بِحَقِّ إِن كُنْتُ قُلْتُهُ، فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَّرْتَنِ بِهِ: أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِىِ وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّمُ الْغُيُوبِ لَّـ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّادُمْتُ فِهِمٌّ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِ كُنْتَ أَنْتَ الَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدُ اختلف المفسرون في وقت وقوع هذا القول. فقال السدي وغيره : لما رفع الله عيسى إليه قالت النصارى ما قالت وزعموا أن عيسى أمرهم بذلك، فسأله تعالى حينئذ عن قولهم فقال ﴿سبحانك﴾ الآية. قال القاضي أبو محمد: فتجيء ﴿قال﴾ على هذا متمكنة في المضي، ويجيء قوله آخراً ﴿وإن تغفر لهم﴾ [المائدة: ١١٨] أي بالتوبة من الكفر، لأن هذا ما قاله عيسى عليه السلام وهم أحياء في الدنيا، وقال ابن عباس وقتادة وجمهور الناس: هذا القول من الله إنما هو في يوم القيامة، يقول الله له على رؤوس الخلائق، فيرى الكفار تبريه منهم، ويعلمون أن ما كانوا فيه باطل . قال القاضي أبو محمد: وقال على هذا التأويل بمعنى يقول. ونزل الماضي موضع المستقبل دلالة على كون الأمر وثبوته، وقوله آخراً ﴿وإن تغفر لهم﴾ [المائدة: ١١٨] معناه إن عذبت العالم كله فبحقك وإن غفرت وسبق ذلك في علمك فلأنك أهل لذلك لا معقب لحكمك ولا منازع لك، فيقول عيسى هذا على جهة التسليم والتعزي عنهم مع علمه بأنهم كفرة قد حتم عليهم العذاب، وليس المعنى أنه لا بد من أن تفعل أحد هذين الأمرين. بل قال هذا القول مع علمه بأن الله لا يغفر أن يشرك به. وفائدة هذا التوقيف على قول من قال إنه في يوم القيامة ظهور الذنب على الكفرة في عبادة عيسى وهو توقيف له يتقرر منه بيان ضلال الضالين. وسبحانك معناه تنزيهاً لك عن أن يقال هذا وينطق به، وقوله ﴿ما يكون لي أن أقول﴾ ... الآية. بقي يعضده دليل العقل، فهذا ممتنع عقلاً أن يكون لبشر محدث أن يدعي الألوهية وقد تجيء هذه الصيغة فيما لا ينبغي ولا يحسن مع إمكانه، ومنه قول الصديق رضي الله عنه: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ فوفق الله عيسى عليه السلام لهذه الحجة ٢٦٣ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١١٨ - ١٢٠ البالغة، وقوله ﴿تعلم ما في نفسي﴾ بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عيسى ويعلم كل هذه الآية على قول من قال: إن توقيف عيسى عليه السلام كان إثر رفعه مستقيمة المعنى. لأنه قال عنهم هذه المقالة وهم أحياء في الدنيا وهو لا يدري على ما يوافون. وهي على قول من قال إن التوقيف هو يوم القيامة بمعنى أن سبقت لهم كلمة العذاب كما سبقت فهم عبادك تصنع بحق الملك ما شئت لا أمره مما عسى أن يكون في نفسه، وقوله ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾ معناه ولا أعلم ما عندك من المعلومات وما أحطت به. وذكر النفس هنا مقابلة لفظية في اللسان العربي يقتضيها الإيجاز، وهذا ينظر من طرف خفي إلى قوله ﴿ومكروا ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ﴿الله يستهزىء بهم﴾ [البقرة: ١٥]، فتسمية العقوبة باسم الذنب إنما قاد إليها طلب المقابلة اللفظية إذ هي من فصيح الكلام وبارع العبارة، ثم أقر عليه السلام لله تعالى بأنه ﴿علام الغيوب﴾، المعنى ولا علم لي أنا بغيب فكيف تكون لي الألوهية . ثم أخبر عما صنع في الدنيا وقال في تبليغه وهو أنه لم يتعد أمر الله في أن أمرهم بعبادته وأقر بربوبيته، و﴿أن﴾ في قوله ﴿أن اعبدوا الله﴾ مفسرة لا موضع لها من الإعراب. ويصح أن تكون بدلاً من ﴿ما﴾. ويصح أن تكون في موضع خفض على تقدير بأن اعبدوا الله، ويصح أن تكون بدلاً من الضمير في ﴿به﴾ ثم أخبر عليه السلام أنه كان شهيداً ما دام فيهم في الدنيا، فما ظرفية. وقوله ﴿فلما توفيتني﴾ قبضتني إليك بالرفع والتصيير في السماء. والرقيب: الحافظ المراعي. قوله عز وجل : قَالَ اَللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّدِقِينَ ١١٨ إِن تُعَذِّبُهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ج صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّدٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِيْنَ فِيهَا أَبَدَّا رَّضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ١١٩ ١٢٠ الِلَهِ مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ اعتراض عليك. وإن تغفر لهم أي لو غفرت بتوبة كما غفرت لغيرهم فإنك أنت العزيز في قدرتك، الحكيم في أفعالك. لا تعارض على حال. فكأنه قال إن يكن لك في الناس معذبون فهم عبادك. وإن يكن مغفور لهم فعزتك وحكمتك تقتضي هذا كله. وهذا هو عندي القول الأرجح. ويتقوى ما بعده. وذلك أن عيسى عليه السلام لما قرر أن الله تعالى له أن يفعل في عباده ما يشاء من تعذيب ومغفرة أظهر الله لعباده ما كانت الأنبياء تخبرهم به، كأنه يقول هذا أمر قد فرغ منه. وقد خلص للرحمة من خلص، وللعذاب من خلص، فقال تبارك وتعالى ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ فدخل تحت هذه العبارة كل مؤمن بالله تعالى وكل ما كان اتقى فهو أدخل في العبارة، ثم جاءت هذه العبارة مشيرة إلى عيسى في حاله تلك وصدقه فيما قال. فحصل له بذلك في الموقف شرف عظيم وإن كان اللفظ يعمه وسواه، وذكر تعالى ما أعد لهم برحمته وطوله إلى قوله ﴿ذلك الفوز العظيم) وقرأ نافع وحده ((هذا يومَ)) بنصب يوم، وقرأ الباقون ((يومُ)) بالرفع على خبر المبتدأ الذي هو ﴿هذا﴾ و﴿يوم﴾ مضاف إلى ﴿ينفع﴾، والمبتدأ والخبر في ٢٦٤ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١١٨ - ١٢٠ موضع نصب بأنه مفعول القول. إذ القول يعمل في الجمل، وأما قراءة نافع فتحتمل وجهين، أحدهما أن يكون ((يوم)) ظرفاً للقول كأن التقدير قال الله هذا القصص أو الخبر يوم. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي معنى يزيل رصف الآية وبهاء اللفظ، والمعنى الثاني أن يكون ما بعد قال حكاية عما قبلها ومن قوله لعيسى إشارة إليه، وخبر ﴿هذا﴾ محذوف إيجازاً، كأن التقدير قال الله: هذا المقتص يقع أو يحدث يوم ينفع الصادقين. قال القاضي أبو محمد: والخطاب على هذا لمحمد عليه السلام وأمته، وهذا أشبه من الذي قبله، والبارع المتوجه قراءة الجماعة، قال أبو علي، ولا يجوز أن تكون ((يوم)) في موضع رفع على قراءة نافع لأن هذا الفعل الذي أضيف إليه معرب، وإنما يكتسي البناء من المضاف إليه إذا كان المضاف إليه مبنياً نحو من عذاب يومئذ، ولا يشبه قول الشاعر. حين عاتبت المشيب على الصبا وقلت ألمًا أصحُ والشيب وازع لأن الماضي الذي في البيت مبني والمضارع الذي في الآية معرب وقرأ الحسن بن العباس الشامي: ((هذا يومٌ)) بالرفع والتنوين، وقوله تعالى: ﴿لله ملك السماوات﴾ ... الآية، يحتمل أن يكون مما يقال يوم القيامة، ويحتمل أنه مقطوع من ذلك مخاطب به محمد صلى الله عليه وسلم وأمته. وعلى الوجهين ففيه عضد ما قال عيسى، إن تعذب الناس فإنهم عبادك على ما تقدم من تأويل الجمهور. كمل تفسير سورة المائدة والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل ٢٦٥ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٢،١ بِسْمِ اللهِ الرَّحمَن الرَحِيةِ وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً ◌ُورَةُ الأَزْدَمُ قيل هي كلها مكية، وقال ابن عباس: نزلت بمكة ليلاً جملة إلا ست آيات، وهي ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾ [الأنعام ١٥١] وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ [الأنعام: ٩١] وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إلي﴾ [الأنعام: ٩٣] وقوله: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم﴾ [الأنعام: ٩٣] وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك﴾ [الأنعام: ١١٤] وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾ [الأنعام: ٢٠]. وقال الكلبي: الأنعام كلها مكية إلا آيتين نزلتا بالمدينة في فنحاص اليهودي، وهي ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [الأنعام ٩١] مع ما يرتبط بهذه الآية، وذلك أن فنحاصاً قال ما أنزل الله على بشر من شيء، وقال ابن عباس: نزلت سورة الأنعام وحولها سبعون ألف ملك لهم زجل يجارون بالتسبيح وقال كعب فاتحة التوراة فاتحة الأنعام ﴿الحمد لله﴾ إلى ﴿يعدلون﴾، وخاتمة التوراة خاتمة هود، ﴿وما ربك بغافل عما تعملون﴾ [هود: ١٢٣] وقيل خاتمتها ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له﴾ إلى ﴿تكبيراً﴾ [الإسراء: ١١١] وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: الأنعام من نجائب القرآن، وقال علي بن أبي طالب: من قرأ سورة الأنعام فقد انتهى في رضى ربه. قوله عز وجل : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ بِرَبِهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّقَضَىَّ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَوْ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ٢ ١ هذا تصريح بأن الله تعالى هو الذي يستحق الحمد بأجمعه. لأن الألف واللام في ﴿الحمد﴾ لاستغراق الجنس، فهو تعالى له الأوصاف السنية والعلم والقدرة والإحاطة والأنعام، فهو أهل للمحامد على ضروبها وله الحمد الذي يستغرق الشكر المختص بأنه على النعم، ولما ورد هذا الإخبار تبعه ذكر بعض أوصافه الموجبة للحمد، وهي الخلق ((السماوات والأرض)) قوام الناس وأرزاقهم، ﴿والأرض﴾ هاهنا للجنس فإفرادها في اللفظ بمنزلة جمعها، والبادي من هذا الترتيب أن السماء خلقت من قبل الأرض، وقد حكاه الطبري عن قتادة، وليس كذلك لأن الواو لا ترتب المعاني، والذي ينبني من مجموع آي القرآن أن الله تعالى خلق الأرض ولم يدحها ثم استوى إلى السماء فخلقها ثم دحا الأرض بعد ذلك، و﴿جعل﴾ هاهنا بمعنى خلق لا ------- ٢٦٦ تفسير سورة الأنعام / الآيتان : ٢،١ يجوز غير ذلك، وتأمل لم خصت ﴿السماوات والأرض﴾ بـ ﴿خلق﴾ و﴿الظلمات والنور﴾ بـ ﴿جعل﴾؟ وقال الطبري ﴿جعل﴾ هذه هي التي تتصرف في طرق الكلام كما تقول جعلت كذا فكأنه قال وجعل إظلامها وإنارتها. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد، لأن ﴿جعل﴾ إذا كانت على هذا النحو فلا بد أن يرتبط معها فعل آخر كما يرتبط في أفعال المقاربة كقولك كاد زيد يموت، ((جعل)) زيد يجيء ويذهب، وأما إذا لم تربط معها فعل فلا يصح أن تكون تلك التي ذكر الطبري، وقال السدي وقتادة والجمهور من المفسرين: ﴿الظلمات﴾ الليل و﴿النور﴾ النهار، وقالت فرقة: ﴿الظلمات﴾ الكفر و﴿النور﴾ الإيمان. قال القاضي أبو محمد: وهذا غير جيد لأنه إخراج لفظ بين في اللغة عن ظاهره الحقيقي إلى باطن لغير ضرورة، وهذا هو طريق اللغز الذي برىء القرآن منه، و ﴿النور﴾ أيضاً هنا للجنس فإفراده بمثابة جمعه. وقوله تعالى: ﴿ثم﴾ دالة على قبح فعل ﴿الذين كفروا﴾ لأن المعنى أن خلقه ((السموات والأرض)) وغيرهما قد تقرر، وآياته قد سطعت، وأنعامه بذلك قد تبين ثم بعد هذا كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني، أي بعد مهلة من وقوع هذا كله، ولو وقع العطف في هذا ونحوه بالواو لم يلزم التوبيخ كلزومه بـ ﴿ثم﴾، ﴿الذين كفروا﴾ في هذا الموضع هم كل من عبد شيئاً سوى الله قال قتادة: هم أهل الشرك صراحية، ومن خصص من المفسرين في ذلك بعضاً دون بعض فلم يصب إلا أن السابق من حال النبي صلى الله عليه وسلم أن الإشارة إلى عبدة الأوثان من العرب لمجاورتهم له، ولفظ الآية أيضاً يشير إلى المانوية ويقال الماننية العابدين للنور القائلين إن الخير من فعل النور والشر من فعل الظلام، وقول ابن أبزى إن المراد أهل الكتاب بعيد، و﴿يعدلون﴾ معناه يسوون ويمثلون، وعدل الشيء قرينه ومثيله، والمنوية مجوس، وورد في مصنف أبي داود حديث وهو القدرية مجوس هذه الأمة ومعناه الإغلاظ عليهم والذم لهم في تشبيههم بالمجوس وموضع الشبه هو أن المجوس تقول الأفعال خيرها خلق النور وشرها خلق الظلمة فجعلوا خالقاً غير الله، والقدرية تقول الإنسان يخلق أفعاله فجعلوا خالقاً غير الله تعالى عن قولهم، وذهب أبو المعالي إلى التشبيه بالمجوس إنما هو قول القدرية: إن الخير من اللّه وإن الشر منه ولا يريده. وإنما قلنا في الحديث إنه تغليظ لأنه قد صرح أنهم من الأمة ولو جعلهم مجوساً حقيقة لم يضفهم إلى الأمة، وهذا كله ان لو صح الحديث والله الموفق. وقوله تعالی : ﴿هو الذي خلقكم من طين) الآية قال مجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم .. المعنى خلق آدم من طين والبشر من آدم فلذلك قال: ﴿خلقكم من طين﴾ وحكى المهدوي عن فرقة أنها قالت بل المعنى أن النطفة التي يخلق منها الإنسان أصلها من طين ثم يقلبها الله نطفة، وذكره مكي والزهراوي، والقول الأول أليق بالشريعة لأن القول الثاني إنما يترتب على قول من يقول بأن الطين يرجع بعد التولد والاستحالات الكثيرة نطفة، وذلك مردود عند الأصوليين، واختلف المفسرون في هذين الأجلين، فقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة والضحاك، ﴿أجلاً﴾ أجل الإنسان من لدن ولادته إلى موته، والأجل المسمى عنده من وقت موته : ٢٦٧ تفسير سورة الأنعام / الآيات : ٣ - ٥ إلى حشره، ووصفه بمسمى عنده لأنه استأثر بعلم وقت القيامة، وقال ابن عباس: ﴿أجلاً﴾، الدنيا، ﴿أجل مسمى﴾ الآخرة، وقال مجاهد: ﴿أجلاً﴾، الآخرة، ﴿وأجل مسمى﴾، الدنيا بعكس الذي قبله، وقال ابن عباس أيضاً: ﴿أجلاً﴾، وفاة الإنسان بالنوم، ﴿وأجل مسمى﴾ وفاته بالموت وقال ابن زيد، الأجل الأول هو في وقت أخذ الميثاق على بني آدم حين استخرجهم من ظهر آدم، وبقي ((أجل)) واحد مسمى في هذه الحياة الدنيا، وحكى المهدوي عن فرقة ﴿أجلاً﴾، ما عرف الناس من آجال الأهلة والسنين والكوائن، ﴿وأجل مسمى﴾ قيام الساعة، وحكي أيضاً عن فرقة ﴿أجلاً﴾ ما عرفناه من أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وأجل مسمى﴾ الآخرة. قال القاضي أبو محمد: رضي الله عنه. وينبغي أن تتأمل لفظة ﴿قضى﴾ في هذه الآية فإنها تحتمل معنيين، فإن جعلت بمعنى قدر وكتب ورجعت إلى سابق علمه وقدره فيقول إن ذلك ولا بد قبل خلقه آدم من طين، وتخرج ثم من معهودها في ترتيب زمني وقوع القصتين ويبقى لها ترتيب زمني الإخبار عنه، كأنه قال: أخبركم أنه خلقكم من طين ثم أخبركم أنه قضى أجلاً، وإن جعلت ﴿قضى﴾ بمعنى أوجد وأظهر ويرجع ذلك إلى صفة فعل فيصح أن يكون خلق آدم من طين قبل إظهار هذا الأجل وإبدائه وتكون ثم على بابها في ترتيب زمني وقوع القضيتين، و﴿تمترون﴾ معناه تشكون، والمرية الشك، وقوله: ﴿ثم أنتم﴾ على نحو قوله: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ في التوبيخ على سوء الفعل بعد مهلة من وضوح الحجج. قوله عز وجل : وَهُوَ اَللَهُ فِي السَّمَوَتِ وَفِي الْأَرْضِّ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَّكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (® وَمَا تَأْنِهِممِّنْءَايَةٍ ٣ مِنْءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ()فَقَذَكَذَّبُواْبِأَلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمِّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَُّواْ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ قاعدة الكلام في هذه الآية أن حلول الله تعالى في الأماكن مستحيل وكذلك مماسته للأجرام أو محاداته لها أو تحيز لا في جهة لامتناع جواز التقرب عليه تبارك وتعالى، فإذا تقرر هذا فبين أن قوله تعالى : ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾ ليس على حد قولنا زيد في الدار بل هو على وجه من التأويل آخر، قالت فرقة ذلك على تقدير صفة محذوفة من اللفظ ثابتة في المعنى، كأنه قال وهو الله المعبود في السماوات وفي الأرض، وعبر بعضهم بأن قدر هو الله المدبر للأمر في ((السماوات وفي الأرض))، وقال الزجاج ﴿في﴾ متعلقة بما تضمنه اسم الله تعالى من المعاني كما يقال: أمير المؤمنين الخليفة في المشرق والمغرب. قال القاضي أبو محمد: وهذا عندي أفضل الأقوال وأكثرها إحرازاً لفصاحة اللفظ وجزالة المعنى، وإيضاحه. أنه أراد أن يدل على خلقه وإيثار قدرته وإحاطته واستيلائه ونحو هذه الصفات فجمع هذه كلها في قوله: ﴿وهو الله﴾ أي الذي له هذه كلها ((في السماوات وفي الأرض)» كأنه وهو الخالق الرازق المحبي المحيط (في السماوات وفي الأرض)) كما تقول زيد السلطان في الشام والعراق، فلو قصدت ذات زيد لقلت ٢٦٨ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٦ محالاً، وإذا كان مقصد قوله زيد الآمر الناهي المبرم الذي يعزل ويولي في الشام والعراق فأقمت السلطان مقام هذه كان فصيحاً صحيحاً، فكذلك في الآية أقام لفظة ﴿الله﴾ مقام تلك الصفات المذكورة، وقالت فرقة ﴿وهو الله﴾ ابتداء وخبرتم الكلام عنده، ثم استأنف، وتعلق قوله ﴿في السماوات﴾ بمفعول ﴿يعلم﴾، كأنه قال ((وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض)) فلا يجوز مع هذا التعليق أن يكون ﴿هو﴾ ضمير أمر وشأن لأنه يرفع ﴿الله﴾ بالابتداء، و﴿يعلم﴾ في موضع الخبر، وقد فرق ﴿في السماوات وفي الأرض﴾ بين الابتداء والخبر وهو ظرف غريب من الجملة، ويلزم قائلي هذه المقالة أن تكون المخاطبة في الكاف في قوله: ﴿سركم وجهركم﴾ لجميع المخلوقين الإنس والملائكة، لأن الإنس لا سر ولا جهر لهم في السماء، فترتيب الكلام على هذا القول وهو الله يعلم يا جميع المخلوقين ((سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض))، وقالت فرقة (وهو) ضمير الأمر والشأن و((الله في السماوات)) ابتداء وخبر تم الكلام عنده، ثم ابتدأ كأنه قال ((ويعلم في الأرض سركم وجهركم))، وهذا القول إذ قد تخلص من لزوم المخاطبة الملائكة فهو مخلص من شبهة الكون في السماء بتقدير حذف المعبود أو المدبر على ما تقدم، وقوله تعالى: ﴿يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون﴾ خبر في ضمنه تحذير وزجر، و﴿تكسبون﴾ لفظ عام لجميع الاعتقادات والأفعال والأقوال. وقوله تعالى : ﴿وما تأتيهم﴾ الآية، ﴿ما) نافية و﴿من﴾ الأولى هي الزائدة التي تدخل على الأجناس بعد النفي، فكأنها تستغرق الجنس، و﴿من﴾ الثانية للتبعيض، والآية العلامة والدلالة والحجة، وقد تقدم القول في وزنها في صدر الكتاب، وتضمنت هذه الآية مذمة هؤلاء الذين يعدلون بالله سواه بأنهم يعرضون عن كل آية ترد عليهم، ثم اقتضت الفاء في قوله ﴿فقد﴾ أن إعراضهم عن الآيات قد أعقب أن كذبوا بالحق وهو محمد عليه السلام وما جاء به، ثم توعدهم بأن يأتيهم عقاب استهزائهم، و﴿ما﴾ بمعنى الذي، ويصح أن تكون مصدرية، وفي الكلام حذف مضاف تقديره يأتيهم مضمن أنباء القرآن الذي كانوا به يستهزئون، وإن جعلت ﴿ما﴾ مصدرية فالتقدير يأتيهم نبأ كونهم مستهزئين، أي عقاب يخبرون أنه على ذلك الاستهزاء، وهذه العقوبات التي توعدوا بها تعم عقوبات الدنيا كبدر وغيرها وعقوبات الآخرة. قوله عز وجل : أَمْ يَرَوْكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم ◌ِن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ اُلْأَرْضِ مَالَمْ نُمَّكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا اُلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن ◌َّحْنِهِمْ فَأَهْلَْنَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِ هِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ ٦ هذاحض على العبرة، والرؤية هنا رؤية القلب، و﴿كم﴾ في موضع نصب بـ ﴿أهلكنا﴾، والقرن والأمة المقترنة في مدة من الزمان، ومنه قوله عليه السلام: خير الناس قرني الحديث، واختلف الناس في مدة القرن كم هي؟ فالأكثر على أنها مائة سنة، ويرجح ذلك الحديث الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد)) قال ابن عمر: ٢٦٩ تفسير سورة الأنعام / الآيات : ٧ - ٩ يريد أنها تحرم ذلك القرن، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن بشير: تعيش قرناً فعاش مائة سنة، وقيل: القرن ثمانون سنة، وقيل سبعون وقيل ستون، وتمسك هؤلاء بالمعترك وحكى النقاش أربعين وذكر الزهراوي في ذلك أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحكى النقاش أيضاً ثلاثين، وحكى عشرين، وحكى ثمانية عشر وهذا كله ضعيف، وهذه طبقات وليست بقرون إنما القرن أن يكون وفاة الأشياخ ثم ولادة الأطفال، ويظهر ذلك من قوله تعالى: ﴿ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين﴾ وإلى مراعاة الطبقات وانقراض الناس بها أشار ابن الماجشون في الواضحة في تجويز شهادة السماع في تقادم خمسة عشر عاماً فصاعداً، وقيل القرن الزمن نفسه، وهو على حذف مضاف تقديره من أهل قرن، والضمير في ﴿مكناهم﴾ عائد على القرن، والمخاطبة في ﴿لكم﴾ هي للمؤمنين ولجميع المعاصرين لهم من سائر الناس، فكأنه قال: ما لم نمكن يا أهل العصر لكم، فهذا أبين ما فيه، ويحتمل أن يقدر في الآية معنى القول لهؤلاء الكفرة، كأنه قال يا محمد قل لهم: ﴿ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض، ما لم نمكن لكم﴾ وإذا أخبرت أنك قلت لغائب أو قيل له أو أمرت أن يقال فلك في فصيح كلام العرب أن تحكي الألفاظ المقولة بعينها فتجيء بلفظ المخاطبة، ولك أن تأتي بالمعنى في الألفاظ بذكر غائب دون مخاطبة ﴿السماء﴾ المطر ومنه قول الشاعر: إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا و﴿مدراراً﴾ بناء تكثير كمذكار ومئناث، ومعناه يدر عليهم بحسب المنفعة، لأن الآية إنما سياقها تعديد النعم وإلا فظاهرها يحتمل النعمة ويحتمل الإهلاك وتحتمل الآية أن تراد السماء المعروفة على تقدير وأرسلنا مطر السماء لأن مدراراً لا يوصف به إلا المطر، وقوله تعالى: ﴿فأهلكناهم﴾ معناه فعصوا وكفروا ﴿فأهلكناهم﴾، ﴿وأنشأنا﴾ اخترعنا وخلقنا، وجمع ﴿آخرين﴾ حملاً على معنى القرن. قوله عز وجل: وَلَوْنَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِنَبًا فِى فِرْطَاسِ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدٍ بِهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَا إِلََّ سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴿ وَقَالُواْ وَلَوْ جَعَلْنَهُ مَلَكًّا لَّجَعَلْنَهُ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَ نْزَ لْنَا مَلَكَّالَّقُضِىَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمِ مَا يَلْبِسُونَ لما أخبر عنهم عز وجل بأنهم كذبوا بكل ما جاءهم من آية تبع ذلك إخبار فيه مبالغة مضمنه أنه لو جاءهم أشنع مما جاء لكذبوا أيضاً، والمعنى ﴿لو نزلنا﴾ بمرأى منهم عليك ﴿كتاباً﴾ أي كلاماً مكتوباً ﴿في قرطاس﴾ أي في صحيفة، ويقال ((قُرطاس)) بضم القاف ﴿فلمسوه بأيديهم) يريد أنهم بالغوا في ميزه وتقليبه ليرتفع كل ارتياب لعاندوا فيه وتابعوا كفرهم وقالوا هذا سحر مبين، ويشبه أن سبب هذه الآية اقتراح عبد الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى الله عليه وسلم، لا أؤمن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك، وما أراني مع هذا كنت أصدقك، ثم أسلم بعد ذلك عبد الله وقتل شهيداً في الطائف، وقوله تعالى: ﴿وقالوا لولا ٢٧٠ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١١،١٠ أنزل عليه ملك﴾ الآية حكاية عمن تشطط من العرب بأن طلب أن ينزل ملك يصدق محمداً في نبوءته ويعلم عن الله عز وجل أنه حق، فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر﴾ وقال مجاهد: معناه لقامت القيامة . قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا ضعيف، وقال قتادة والسدي وابن عباس رضي الله عنه: في الكلام حذف تقديره ولو ((أنزلنا ملكاً فكذبوا به لقضي الأمر)» بعذابهم ولم ينظروا حسبما سلف في كل أمة اقترحت بآية وكذبت بعد أن ظهرت إليها، وهذا قول حسن، وقالت فرقة ﴿لقضي الأمر﴾ أي لماتوا من هول رؤية الملك في صورته، ويؤيد هذا التأويل ما بعده من قوله: ﴿ولو جعلتاه ملكاً لجعلناه رجلاً﴾ فإن أهل التأويل مجمعون أن ذلك لأنهم لم يكونوا يطيقون رؤية الملك في صورته، فالأولى في قوله ﴿لقضي الأمر﴾ أي لماتوا من هول رؤيته، ﴿ينظرون﴾ معناه يؤخرون، والنظرة التأخير، وقوله عز وجل: ﴿ولو جعلناه﴾ الآية المعنى أنَّا لو جعلناه ملكاً لجعلناه ولا بد في خلق رجل لأنهم لا طاقة لهم على رؤية الملك في صورته، وقاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. قال القاضي أبو محمد: ومما يؤيد هذا المعنى الحديث الوارد عن الرجلين اللذين صعدا على الجبل يوم بدر ليريا ما يكون في حرب النبي عليه السلام للمشركين، فسمعا حس الملائكة وقائلاً يقول في السماء، أقدم حيزوم فمات أحدهما لهول ذلك، فكيف برؤية ملك في خلقته، ولا يعارض هذا برؤية النبي عليه السلام لجبريل وغيره في صورهم، لأن النبي عليه السلام أعطي قوة غير هذه كلها صلى الله عليه وسلم، ﴿وللبسنا﴾ أي لخلطنا عليهم ما يخلطون به على أنفسهم وعلى ضعفتهم، أي لفعلنا لهم في ذلك فعلًا ملبساً يطرق لهم إلى أن يلبسوا به، وذلك لا يحسن، ويحتمل الكلام مقصداً آخر، أي (للبسنا)) نحن عليهم كما ((يلبسون)) هم على ضعفتهم فكنا ننهاهم عن التلبيس ونفعله بهم، ويقال: لبس الرجل الأمر يلبسه لبساً إذا خلطه، وقرأ ابن محيصن: ((وَبّسنا)) بفتح اللام وشد الباء، وذكر بعض الناس في هذه الآية: أنها نزلت في أهل الكتاب، وسياق الكلام ومعانيه يقتضي أنها في كفار العرب. قوله عز وجل : ١٠ وَلَقَدِ أُسْنُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُ واْ مِنْهُم مَّا كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ قُلْ سِيُرُواْ فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ قرىء ((ولقد)) بضم الدال مراعاة للضمة بعد الساكن الذي بعد الدال، وقرىء بكسر الدال على عرف الالتقاء، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بالأسوة في الرسل وتقوية لنفسه على محاجّة المشركين وإخبار يتضمن وعيد مكذبيه والمستهزئين، و((حاق)) معناه نزل وأحاط، وهي مخصوصة في الشر، يقال حاق يحيق حيقاً ومنه قول الشاعر: فأوطأ جرد الخيل عقر ديارهم وحاق بهم من بأس ضبة حائق وقال قوم: أصل حاق حق فبدلت القاف الواحدة كما بدلت النون في تظننت. ٢٧١ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٣،١٢ قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، و﴿ما﴾ في قوله: ﴿ما كانوا﴾ يصح أن تكون مع الفعل بتأويل المصدر، كأنه قال: استهزاؤهم، وهذه كناية عن العقوبة كما تهدد إنساناً فتقول سيلحقك عملك، المعنى عاقبته، وسخروا معناه استهزؤوا. وقوله تعالى : ﴿قل سيروا﴾ الآية، حض على الاعتبار بآثار من مضى ممن فعل فعلهم، وقال ﴿كان﴾ ولم يقل كانت لأن تأنيث العاقبة ليس بحقيقي، وهي بمعنى الآخر والمآل، ومعنى الآية ﴿سيروا﴾ وتلقوا ممن سار لأن العبرة بآثار من مضى إنما يستند إلى حس العين. قوله عز وجل : ج قُل لِّمَن مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ قُل لِلَّهِ كَنَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُ وَأَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [٣] وَلَهُ مَا سَكَنَ فِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِوَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ® قال بعض أهل التأويل: في الكلام حذف تقديره: ﴿قل لمن ما في السماوات والأرض﴾؟ فإذا تحيروا ولم يجيبوا، قل الله، وقالت فرقة: المعنى أنه أمر بهذا السؤال فكأنهم لما لم يجيبوا ولا تيقنوا سألوا فقيل له: قل الله، والصحيح أن الله عز وجل أمر محمداً عليه السلام بقطعهم بهذه الحجة الساطعة والبرهان القطعي الذي لا مدافعة فيه عندهم ولا عند أحد، ليعتقد هذا المعتقد الذي بينه وبينهم ثم يتركب احتجاجه عليه، وجاء ذلك بلفظ استفهام وتقرير في قوله: ﴿لمن ما في السماوات والأرض﴾ والوجه في المحاجّة إذا سأل الإنسان خصمه، بأمر لا يدافعه الخصم فيه، أن يسبقه بعد التقرير إليه مبادرة إلى الحجة، كما تقول لمن تريد غلبته بآية تحتج بها عليه، كيف قال الله في كذا؟ ثم تسبقه أنت إلى الآية فتنصها عليه، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: يا أيها الكافرون العادلون بربهم ﴿لمن ما في السماوات والأرض﴾؟ ثم سبقهم فقال: ﴿لله﴾، أي لا مدافعة في هذا عندكم ولا عند أحد، ثم ابتدأ يخبر عنه تعالى: ﴿كتب على نفسه الرحمة﴾ معناه قضاها وأنفذها. وفي هذا المعنى أحاديث عن النبي عليه السلام تتضمن كتب الرحمة، ومعلوم من غير ما موضع من الشريعة أن ذلك للمؤمنين في الآخرة ولجميع الناس في الدنيا، منها أن الله تعالى خلق مائة رحمة فوضع منها واحدة في الأرض فيها تتعاطف البهائم وترفع الفرس رجلها لئلا تطأ ولدها. وبها تتعاطف الطير والحيتان، وعنده تسع وتسعون رحمة، فإذا كان يوم القيامة صير تلك الرحمة مع التسعة والتسعين وبثها في عباده. قال القاضي أبو محمد: فما أشقى من لم تسعه هذه الرحمات تغمدنا الله بفضل منه، ومنها حدیث آخر أن الله عز وجل كتب عنده كتاباً فهو عنده فوق العرش أن رحمتي سبقت غضبي، ويروى: نالت غضبي، ومعناه سبقت، وأنشد علیه ثابت بن قاسم : ٢٧٢ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٣،١٢ أَبَني كُلَيْبٍ إِنَّ عَمِّيَّ اللَّذَا نالا الملوك وفكّكا الأغلالا ويتضمن هذا الإخبار عن الله تعالى بأنه كتب الرحمة تأنيس الكفار ونفي يأسهم من رحمة الله إذا تابوا، وأن باب توبتهم مفتوح، قال الزجاج: ﴿الرحمة) هنا إمهال الكفار وتعميرهم ليتوبوا، وحكى المهدوي: أن جماعة من النحويين قالت: إن ﴿ليجمعنكم) هو تفسير ﴿الرحمة) تقديره: أن يجمعكم فيكون ﴿ليجمعنكم﴾ في موضع نصب على البدل من ﴿الرحمة﴾، وهو مثل قوله: ﴿ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين﴾ [يوسف: ٣٥] المعنى: أن يسجنوه. قال القاضي أبو محمد: يلزم على هذا القول أن تدخل النون الثقيلة في الإيجاب، وهو مردود، وإنما تدخل في الأمر والنهي وباختصاص الواجب في القسم، وقالت فرقة وهو الأظهر: إن اللام لام قسم والكلام مستأنف، ويتخرج ذلك في ﴿ليسجننه﴾، وقالت فرقة ﴿إلى﴾ بمعنى في وقيل على بابها غاية وهو الأرجح، و﴿لا ريب فيه﴾ لا شك فيه، أي هو في نفسه وذاته لا ريب فيه، وقوله تعالى: ﴿الذين خسروا أنفسهم) الآية قيل إن ﴿الذین﴾ منادی. قال القاضي أبو محمد: وهو فاسد لأن حرف النداء لا يسقط مع المبهمات، وقيل: هو نعت المكذبين الذين تقدم ذكرهم، وقيل: هو بدل من الضمير في ﴿ليجمعنكم﴾، قال المبرد: ذلك لا يجوز كما لا يجوز مررت بك زید. قال القاضي أبو محمد: وقوله في الآية ﴿ليجمعنكم﴾ مخالف لهذا المثال لأن الفائدة في البدل مترقبة من الثاني وإذا قلت مررت بك زيد فلا فائدة في الثاني، وقوله: ﴿ليجمعنكم﴾ يصلح لمخاطبة الناس كافة فيفيدنا إبدال ﴿الذين﴾ من الضمير أنهم هم المختصون بالخطاب هنا، وخصوا على جهة الوعيد، ويتضح فيها الوعيد إذا جعلنا اللام للقسم وهو القول الصحيح، ويجيء هذا بدل البعض من الكل، وقال الزجاج ﴿الذين﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿فهم لا يؤمنون﴾، وهذا قول حسن، والفاء في قوله: ﴿فهم﴾ جواب على القول بأن ﴿الذين﴾ رفع بالابتداء لأن معنى الشرط حاصل تقديره، من خسر نفسه فهو لا يؤمن، وعلى القول بأن ﴿الذين﴾ بدل من الضمير هي عاطفة جملة على جملة، و﴿خسروا﴾ معناه غبنوا أنفسهم بأن وجب عليها عذاب الله وسخطه، ومنه قول الشاعر [الأعشى]: [السريع] لا يأخُذُ الرّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ ولا يبالي غَبَنَ الخَاسِرِ وقوله تعالى: ﴿وله ما سكن﴾ الآية ﴿وله﴾ عطف على قوله ﴿لله﴾ واللام للملك، و﴿ما﴾ بمعنى الذي، و﴿سكن﴾ هي من السكنى ونحوه أي ما ثبت وتقرر، قاله السدي وغيره وقالت فرقة: هو من السكون، وقال بعضهم: لأن الساكن من الأشياء أكثر من المتحرك إلى غير هذا من القول الذي هو تخليط، والمقصد في الآية عموم كل شيء وذلك لا يترتب إلا أن يكون ﴿سكن﴾ بمعنى استقر وثبت وإلا فالمتحرك من الأشياء المخلوقات أكثر من السواكن، ألا ترى إلى الفلك والشمس والقمر والنجوم السابحة والملائكة وأنواع الحيوان والليل والنهار حاصران للزمان ﴿وهو السميع العليم) هاتان صفتان تليقان بنمط الآية من قبل أن ما ذكر قبل من الأقوال الردية عن الكفرة العادلين هو سميع لهم عليم بمواقعها مجازٍ عليها، ففي الضمير وعيد. ٢٧٣ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ١٤ - ١٦ قوله عز وجل : قُلْ أَغَيْرِ الَّهِأَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَيُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنَّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ قُلْ إِنَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ١٤ مَنْ أَسْلَمْ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَّنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ ١٥ قال الطبري وغيره: أمر أن يقول هذه المقالة للكفرة الذين دعوه إلى عبادة أوثانهم، فتجيء الآية على هذا جواباً لكلامهم. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل يحتاج إلى سند في أن هذا نزل جواباً وإلا فظاهر الآية لا يتضمنه، والفصيح هو أنه لما قرر معهم أن الله تعالى ﴿له ما في السماوات والأرض﴾ [الأنعام: ١٢] ﴿وله ما سكن في الليل والنهار﴾ [الأنعام: ١٣] وأنه سميع عليم أمر أن يقول لهم على جهة التوبيخ والتوقيف ﴿أغير﴾ هذا الذي هذه صفاته ﴿أتخذ ولياً﴾ بمعنى أن هذا خطأ لو فعلته بين. وتعطي قوة الكلام أن من فعله من سائر الناس بين الخطأ، و﴿أتخذ﴾ عامل في قوله ﴿أغير﴾ وفي قوله: ﴿ولياً﴾ تقدم أحد المفعولين، والولي لفظ عام لمعبود وغير ذلك من الأسباب الواصلة بين العبد وربه، ثم أخذ في صفات الله تعالى فقال: ﴿فاطر﴾ بخفض الراء نعت لله تعالى، وفطر معناه ابتدع وخلق وأنشأ وفطر أيضاً في اللغة: شق، ومنه ﴿هل ترى من فطور﴾ [الملك: ٣] أي من شقوق، ومن هذا انفطار السماء، وفي هذه الجهة يتمكن قولهم فطر ناب البعير إذا خرج لأنه يشق اللثة، وقال ابن عباس ما كنت أعرف معنى ﴿فاطر السماوات﴾ حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي اخترعتها وأنشأتها. قال القاضي أبو محمد: فحمله ابن عباس على هذه الجهة، ويصح حمله، على الجهة الأخرى أنه شق الأرض والبئر حين احتفرها، وقرأ ابن أبي عبلة: ((فاطرُ)) برفع الراء على خبر ابتداء مضمر أو على الابتداء ﴿يطعم ولا يطعم﴾ المقصود به يرزق ولا يرزق، وخص الإطعام من أنواع الرزق لمسّ الحاجة إليه وشهرته واختصاصه بالإنسان، وقرأ يمان العماني وابن أبي عبلة ((يُطعِم)) بضم الياء وكسر العين في الثاني مثل الأول يعني الوثن أنه لا يطعم وقرأ مجاهد وسعيد بن جبير والأعمش وأبو حيوة وعمرو بن عبيد وأبو عمروبن العلاء في رواية عنه في الثاني ((ولا يَطعم)) بفتح الياء على مستقبل طعم فهي صفة تتضمن التبرية أي لا يأكل ولا يشبه المخلوقين، وقوله تعالى: ﴿قل إني أمرت﴾ إلى ﴿عظيم﴾ قال المفسرون: المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، ولا يتضمن الكلام إلا ذلك، قال طائفة: في الكلام حذف تقديره: وقيل لي ولا تكونن من الممترين. قال القاضي أبو محمد: وتلخيص هذا أنه عليه السلام أمر فقيل له كن أول من أسلم ولا تكونن من المشركين. فلما أمر في الآية أن يقول ما أمر به جاء بعض ذلك على المعنى وبعضه باللفظ بعينه ولفظة ﴿عصيت﴾ عامة في أنواع المعاصي، ولكنها هاهنا إنما تشير إلى الشرك الذي نهي عنه، واليوم العظيم هو يوم القيامة وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم ((من يُصرَف عنه)) بضم الياء وفتح الراء، والمفعول أ ٢٧٤ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ١٧، ١٨ الذي أسند إليه الفعل هو الضمير العائد على العذاب فهو مقدر، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم أيضاً: ((من يصرف عنه)) فيسند الفعل إلى الضمير العائد إلى ﴿ربي﴾ ويعمل في ضمير العذاب المذكور آنفاً لكنه مفعوله محذوف وحكي أنه ظهر في قراءة عبد الله وهي ((من يصرفه عنه يومئذ))، وفي قراءة أبيّ بن كعب ((من يصرفه الله عنه)) وقيل: إنها من يصرف الله عنه، قال أبو علي وحذف هذا الضمير لا يحسن كما يحسن حذف الضمير من الصلة كقوله عز وجل: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولاً﴾ [الفرقان: ٤١] وكقوله: ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ [النمل: ٥٩] معناه بعثه واصطفاهم فحسن هذا للطول كما علله سيبويه، ولا يحسن هذا لعدم الصلة، قال بعض الناس القراءة بفتح الياء ((من يَصرف)) أحسن لأنه يناسب ﴿فقد رحمه﴾وكان الأولى على القراءة الأخرى ((فقد رحم)) ليتناسب الفعلان. قال القاضي أبو محمد: وهذا توجيه لفظي تعلقه خفيف، وأما بالمعنى فالقراءتان واحد، ورجح قوم قراءة ضم الياء لأنها أقل إضماراً، وأشار أبو علي إلى تحسين القراءة بفتح الياء بما ذكرناه، وأما مكي بن أبي طالب رحمه الله فتخبط في كتاب الهداية في ترجيح القراءة بفتح الياء، ومثل في احتجاجه بأمثلة فاسدة والله ولي التوفيق، ورحم عامل في الضمير المتصل وهو ضمير من ومستند إلى الضمير العائد إلى ربي، وقوله: ﴿وذلك﴾ إشارة إلى صرف العذاب وإلى الرحمة، والفوز والنجاة." قوله عز وجل : وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَاكَاشِفَ لَهُ: إِلَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ وَهُوَ اُلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ١٧ ﴿يمسسك﴾ معناه يصبك وينلك، وحقيقة المس هي بتلاقي جسمين فكأن الإنسان والضر يتماسان، و((الضُّر) بضم الضاد سوء الحال في الجسم وغيره، ((والضّر)) بفتح الضاد ضد النفع، وناب الضر في هذه الآية مناب الشر وإن كان الشر أعم منه فقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن قانون التكلف والصنعة فإن باب التكلف وترصيع الكلام أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقة أو مضادة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [طه: ١١٨، ١١٩] فجعل الجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرىء القيس: [الطويل] وَلَمْ أَتْبَطَّنْ كَاعِباً ذَاتَ خَلْخَالٍ كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَاداً لِلَذَّةِ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بِعْدَ إِجْفَالِ وَلَمْ أَسْبٍَ الزِّقِّ الرَّوِيَّ ولمْ أَقُلْ وهذا كثير، قال السدي ((الضر)) هاهنا المرض والخير العافية. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثال ومعنى الآية الإخبار عن أن الأشياء كلها بيد الله إن ضر فلا كاشف لضره غيره وإن أصاب بخير فكذلك أيضاً لا راد له ولا مانع منه، هذا تقرير الكلام، ولكن وضع بدل هذا المقدر لفظاً أعم منه يستوعبه وغيره، وهو قوله: ﴿على كل شيء قدير﴾ ودل ظاهر الكلام على المقدر فيه، ٢٧٥ تفسير سورة الأنعام / الآية: ١٩ وقوله: ﴿على كل شيء قدير﴾ عموم أي على كل شيء جائز أن يوصف الله تعالى بالقدرة عليه، وقوله تعالى: ﴿وهو القاهر) الآية، أي وهو عز وجل المستولي المقتدر، و﴿فوق﴾ نصب على الظرف لا في المكان بل في المعنى الذي تضمنه لفظ القاهر، كما تقول زيد فوق عمرو في المنزلة، وحقيقة فوق في الأماكن، وهي في المعاني مستعارة شبه بها من هو رافع رتبة في معنى ما، لما كانت في الأماكن تنبىء حقيقة عن الأرفع وحكى المهدوي: أنها بتقدير الحال، كأنه قال: وهو القاهر غالباً. قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يسلم من الاعتراض أيضاً والأول عندي أصوب: و((العباد)) بمعنى العبيد وهما جمعان للعبد أما أنا نجد ورود لفظة العباد في القرآن وغيره في مواضع تفخيم أو ترفيع أو كرامة، وورود لفظة العبيد في تحقير أو استضعاف أو قصد ذم، ألا ترى قول امرىء القيس: [السريع] قولا لدودانَ عبيدِ العَصَا ولا يستقيم أن يقال هنا عباد العصا وكذلك الذين سموا العباد لا يستقيم أن يقال لهم العبيد لأنهم أفخم من ذلك، وكذلك قول حمزة رضي الله عنه وهل أنتم إلا عبيد لأبي، لا يستقيم فيه عباد، و﴿الحكيم﴾ بمعنى المحكم، و﴿الخبير) دالة على مبالغة العلم، وهما وصفان مناسبان لنمط الآية. قوله عز وجل : قُلْ أَعُ شَىْءٍ أَكْبرُ شَهَدَّةٌ قُلِ اللّهُ شَهِيدُ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ أَبِنَّكُمْ ١٩ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ ءَالِهَةَ أُخْرَى قُل لَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ وَ إِنَِّ بَرِىٌّمِمَا تُشْرِكُونَ ﴿أي﴾ استفهام، وهي معربة مع إبهامها، وإنما كان ذلك لأنها تلتزم الإضافة ولأنها تتضمن علم جزء من المستفهم عنه غير معين، لأنك إذا قلت أي الرجلين جاءنا فقد كنت تعلم أن أحدهما جاء غير معين فأخرجها هذان الوجهان عن غمرة الإبهام فأعربت، وتتضمن هذه الآية أن الله عز وجل يقال عليه ﴿شيء﴾ كما يقال عليه موجود، ولكن ليس كمثله تبارك وتعالى شيء، و﴿شهادة﴾ نصب على التمييز ويصح على المفعول بأن يحمل ﴿أكبر﴾ على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل وهذه الآية مثل قوله تعالى ﴿قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله﴾ [الأنعام: ١٢] في أن استفهم على جهة التوقيف والتقدير ثم بادر إلى الجواب إذ لا تتصور فيه مدافعة، وهذا كما تقول لمن تخاصمه وتتظلم منه من أقدر من في البلد ثم تبادر وتقول السلطان فهو يحول بيننا، ونحو هذا من الأمثلة، فتقدير الآية أنه قال لهم أي شيء أكبر شهادة الله أكبر شهادة، فهو شهيد بيني وبينكم، فـ ﴿الله﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر يدل عليه ظاهر الكلام كما قدرناه، و﴿شهيد﴾ خبر ابتداء مضمر. وقال مجاهد المعنى أن الله تعالى قال لنبيه عليه السلام: قل لهم: أي شيء أكبر شهادة؟ وقل لهم: الله شهيد بيني وبينكم لما عيوا عن الجواب، فـ (شهيد﴾ على هذا التأويل خبر لله وليس في هذا التأويل مبادرة. من السائل إلى الجواب المراد بقوله: ﴿شهيد، بيني وبينكم﴾ أي في تبليغي، وقرأت فرقة: ((وأوحى إليّ ٢٧٦ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٢١،٢٠ هذا القرآن)) على الفعل الماضي ونصب القرآن وفي ((أوحى)) ضمير عائد على الله تعالى من قوله ﴿قل الله﴾، وقرأت فرقة ((وأوحي)) على بناء الفعل للمفعول ((القرآن)) رفعاً، ﴿لأنذركم﴾ معناه لأخوفكم به العقاب والآخرة، ﴿ومن﴾ عطف على الكاف والميم في قوله: ﴿لأنذركم﴾ و﴿بلغ﴾ معناه على قول الجمهور بلاغ القرآن، أي لأنذركم وأنذر من بلغه، ففي بلغ ضمير محذوف لأنه في صلة من، فحذف لطول الكلام، وقالت فرقة ومن بلغ الحكم، ففي ﴿بلغ﴾ على هذا التأويل ضمیر مقدر راجع إلى ﴿من﴾، وروي في معنى التأويل الأول أحاديث، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا أيها الناس بلغواعني ولو آية، فإنه من بلغ آية من كتاب الله تعالى فقد بلغه أمر الله تعالى أخذه أو تركه))، ونحو هذا من الأحاديث كقوله ((من بلغه هذا القرآن فأنا نذيره))، وقرأت فرقة ((أأينكم)) بزيادة ألف بين الهمزة الأولى والثانية المسهلة عاملة بعد التسهيل العاملة قبل التسهيل وقرأت فرقة ((أينكم)) بهمزتين الثانية مسهلة دون ألف بينهما، وقرأت فرقة ((أإنكم) استثقلت اجتماع الهمزتين فزادت ألفاً بين الهمزتين، وقرأت فرقة ((أنكم)) بالإيجاب دون تقدير وهذه الآية مقصدها التوبيخ وتسفيه الرأي. و﴿أخرى﴾ صفة لآلهة وصفة جمع ما لا يعقل تجري في الإفراد مجرى الواحدة المؤنثة كقوله: ﴿مآرب أخرى﴾ [طه: ١٨] وكذلك مخاطبته جمع ما لا يعقل كقوله: ﴿يا جبال أوبي معه﴾ ونحو هذا، ولما كانت هذه الآلهة حجارة وعيداناً أجريت هذا المجرى ثم أمره الله تعالى أن يعلن بالتبري من شهادتهم. والإعلان بالتوحيد لله عز وجل والتبري من إشراكهم،﴿وإنني﴾ إيجاب ألحقت فيه النون التي تلحق الفعل لتبقى حركته عند اتصال الضمير به في قولك ضربني ونحوه، وظاهر الآية أنها في عبدة الأصنام وذكر الطبري أنه قد ورد من وجه لم يثبت صحته أنها نزلت في قوم من اليهود، وأسند إلى ابن عباس قال: جاء النحام بن زيد وفردم بن كعب وبحري بن عمرو، فقالوا: يا محمد ما تعلم مع الله إلهاً غيره؟ فقال لهم: لا إله إلا الله بذلك أمرت، فنزلت الآية فيهم. قوله عز وجل : ج ـمٍوَمَنْ الَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كُمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ٢١ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِكَذِّبًا أَوَكَذَّبَ بِنَايَتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴿الذين﴾ رفع بالابتداء وخبره ﴿يعرفونه﴾ و﴿الكتاب﴾ معناه التوراة والإنجيل وهو لفظ مفرد يدل على الجنس، والضمير في ﴿يعرفونه﴾ عائد في بعض الأقوال على التوحيد لقرب قوله: ﴿قل إنما هو إله. واحد﴾ [الأنعام: ١٩] وهذا استشهاد في ذلك على كفرة قريش والعرب بأهل الكتاب، و﴿الذين خسروا﴾ على هذا التأويل منقطع مرفوع بالابتداء وليس من صفة ﴿الذين﴾ الأولى، لأنه لا يصح أن يستشهد بأهل الكتاب ويذمون في آية واحدة. قال القاضي أبو محمد: وقد يصح ذلك لاختلاف ما استشهد فيه بهم وما ذموا فيه، وأن الذم والاستشهاد ليس من جهة واحدة، وقال قتادة والسدي وابن جريج: الضمير عائد في ﴿يعرفونه﴾ على محمد : ٢٧٧ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٢٢ - ٢٤ عليه السلام ورسالته، وذلك على ما في قوله: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم﴾ [الأنعام: ١٩] فكأنه قال وأهل الكتاب يعرفون ذلك من إنذاري والوحي إليَّ، وتأول هذا التأويل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يدل على ذلك قوله لعبد الله بن سلام إن الله أنزل على نبيه بمكة أنكم تعرفونه كما تعرفون أبناءكم فكيف هذه المعرفة فقال عبد الله بن سلام نعم أعرفه الصفة التي وصفه الله في التوراة فلا أشك فيه، وأما ابني فلا أدري ما أحدثت أمه. قال القاضي أبو محمد: وتأول ابن سلام رضي الله عنه المعرفة بالابن تحقق صحة نسبه، وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته فلا يخطىء الأب فيها، وقالت فرقة: الضمير من ﴿يعرفونه﴾ عائد على القرآن المذكور قبل. قال القاضي أبو محمد: ويصح أن تعيد الضمير على هذه كلها دون اختصاص، كأنه وصف أشياء كثيرة، ثم قال: أهل الكتاب ﴿يعرفونه﴾ أي ما قلنا وما قصصنا وقوله تعالى: ﴿الذين خسروا﴾ الآية، يصح أن يكون ﴿الذين﴾ نعتاً تابعاً لـ ﴿الذين﴾ قبله، والفاء من قوله ﴿فهم﴾ عاطفة جملة على جملة، وهذا يحسن على تأويل من رأى في الآية قبلها أن أهل الكتاب متوعدون مذمومون لا مستشهد بهم، ويصح أن يكون ﴿الذين﴾ رفعاً بالابتداء على استئناف الكلام، وخبره ﴿فهم لا يؤمنون﴾ والفاء على هذا جواب، ﴿وخسروا﴾ معناه غبنوها، وقد تقدم، وروي أن كل عبد له منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمنون ينزلون منازل أهل الكفر في الجنة والكافرون ينزلون منازل أهل الجنة في النار فهاهنا هي الخسارة بينة والربح للآخرين، وقوله تعالى: ﴿ومن أظلم) الآية (من) استفهام مضمنه التوقيف والتقرير، أي لا أحد أظلم ممن افترى، و﴿افترى﴾ معناه اختلق، والمكذب بالآيات مفتري كذب، ولكنهما منحيان من الكفر، فلذلك نصا مفسرين، و((الآيات)) العلامات والمعجزات ونحو ذلك، ثم أوجب ﴿إنه لا يفلح الظالمون) والفلاح بلوغ الأمل والإرادة والنجاح، ومنه قول عبيد: [الرجز] ضعْفٍ وقد يُخْدَعُ الأرِيبُ أفْلِحْ بِمَا شِئْتَ فَقَدْ تَبْلُغُ بالضْـ قوله عز وجل : ثُمَّلَمْتَكُنْ فِتْنَهُهُمْ وَيَوْمَ نَحْشُرُ هُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْأَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (® إِلَّ أَنْ قَالُواْ وَاللَّهِ رَيِّنَا مَا كُنَا مُشْرِكِينَ ﴿ أَنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْعَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ٢٤ قالت فرقة: ﴿لا يفلح الظالمون﴾ [الأنعام: ٢١] كلام تام معناه لا يفلحون جملة، ثم استأنف فقال: واذكر يوم نحشرهم، وقال الطبري المعنى لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ﴿ويوم نحشرهم﴾ عطفاً على الظرف المقدر والكلام متصل، وقرأت طائفة (نحشرهم)) و((نقول)) بالنون، وقرأ حميد ويعقوب فيهما ؟ بالياء، وقرأ عاصم هنا وفي يونس قبل الثلاثين ((نحشرهم ونقول)) بالنون، وقرأ في باقي القرآن بالياء، وقرأ أبو هريرة ((نحشرهم)) بكسر الشين فيجيء الفعل على هذا حشر يحشر ويحشر، واضاف الشركاء إليهم لأنه ٢٧٨ تفسير سورة الأنعام / الآيات: ٢٢ - ٢٤ لا شركة لهم في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء وإنما وقع عليها اسم الشريك بمجرد تسمية الكفرة فأضيفت إليهم لهذه النسبة و﴿تزعمون﴾ معناه تدعون أنهم لله، والزعم القول الأميل إلى الباطل والكذب في أكثر كلامهم، وقد يقال زعم بمعنى ذكر دون ميل إلى الكذب، وعلى هذا الحد يقول سيبويه زعم الخليل ولكن ذلك إنما يستعمل في الشيء الغريب الذي تبقى عهدته على قائله، وقوله تعالى: ﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا) الآية قرأ ابن كثير في رواية شبل عنه وعاصم في رواية حفص وابن عامر ((تكن فتنتهم)) برفع الفتنة و﴿إلا أن قالوا﴾ في موضع نصب على الخبر التقدير إلا قولهم، وهذا مستقيم لأنه أنث العلامة في الفعل حين أسنده إلى مؤنث وهي الفتنة، وقرأ نافع وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر وابن كثير أيضاً ((تكن فتنتهم)) بنصب الفتنة، واسم كان ﴿أن قالوا﴾، وفي هذه القراءة تأنيث ﴿أن قالوا﴾ وساغ ذلك من حيث كان الفتنة في المعنى، قال أبو علي وهذا كقوله تعالى: ﴿فله عشر أمثالها﴾ [الأنعام: ١٦٠] فأنث الأمثال لما كانت الحسنات بالمعنى وقرأ حمزة والكسائي ((يكن)) بالياء ((فتنتَهم)) بالنصب واسم كان ﴿إلا أن قالوا﴾ وهذا مستقيم لأنه ذكر علامة الفعل حين أسنده إلى مذكر، قال الزهراوي وقرأت فرقة («يكن فتنتهم)) برفع الفتنة، وفي هذه القراءة إسناد فعل مذكر العلامة إلى مؤنث، وجاء ذلك بالمعنى لأن الفتنة بمعنى الاختبار أو المودة في الشيء والإعجاب وقرأ أبي بن وكيع وابن مسعود والأعمش ((وما كان فتنتهم))، وقرأ طلحة بن مصرف، ((ثم كان فتنتهم)) والفتنة في كلام العرب لفظة مشتركة تقال بمعنى حب الشيء والإعجاب به كما تقول فتنت بكذا، وتحتمل الآية هنا هذا المعنى أي لم يكن حبهم للأصنام وإعجابهم بها واتباعهم لها لما سئلوا عنها ووقفوا على عجزها إلا التبري منها والإنكار لها، وهذا توبيخ لهم كما تقول لرجل کان یدعي مودة آخر ثم انحرف عنه وعاداه يا فلان لم تكن مودتك لفلان إلا أن شتمته وعاديته، ويقال الفتنة في كلام العرب بمعنى الاختبار، كما قال عز وجل لموسى عليه السلام: ﴿وفتناك فتوناً﴾ [طه: ٤٠]، وكقوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا﴾ [ص: ٣٤] وتحتمل الآية هاهنا هذا المعنى لأن سؤالهم عن الشركاء وتوقيفهم اختبار، فالمعنى ثم لم يكن اختبارنا لهم إذ لم يفد ولا أثمر، إلا إنكارهم الإشراك، وتجيء الفتنة في اللغة على معان غير هذين لا مدخل لها في الآية ومن قال إن أصل الفتنة الاختبار من فتنت الذهب في النار ثم يستعار بعد ذلك في غيره فقد أخطأ لأن الاسم لا يحكم عليه بمعنى الاستعارة حتى يقطع باستحالة حقيقته في الموضع الذي استعير له كقول ذي الرمة: [الطويل] ولَفَّ الثُّرَيَّ فِي مُلاءِهِ الفَجْرُ ونحوه، والفتنة لا يستحيل أن تكون حقيقة في کل موضع قیلت علیه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر والله ((ربّنا)) خفض على النعت لاسم الله، وقرأ حمزة والكسائي ((ربَّنا)) نصب على النداء .. ويجوز فيه تقدير المدح، وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين ((واللهُ ربّنا)) برفع الاسمين وهذا على تقدير تقديم وتأخير كأنهم قالوا ما كنا مشركين والله ربنا، و﴿ما كنا مشر کین﴾ معناه جحود إشراکھم في الدنیا، فروي أنهم إذا رأوا إخراج من في النار من أهل الإيمان ضجوا فيوقفون ويقال لهم أين شركاؤكم فينكرون طماعية منهم أن يفعل بهم ما فعل بأهل الإيمان. وأتى رجل ابن عباس فقال: سمعت الله يقول: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ وفي أخرى ﴿ولا يكتمون الله حديثاً﴾ [النساء: ٤٢] ٢٧٩ تفسير سورة الأنعام / الآية: ٢٥ فقال ابن عباس لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن قالوا تعالوا فلنجحد، وقالوا ما كنا مشركين فختم الله على أفواههم وتكلمت جوارحهم فلا يكتمون الله حديثاً . قال القاضي أبو محمد: وعبد بعض المفسرين عن الفتنة هنا بأن قالوا معذرتهم، قاله قتادة، وقال آخرون كلامهم قاله الضحاك، وقيل غير هذا مما هو كله في ضمن ما ذكرناه، وقوله تعالى ﴿انظر كيف كذبوا﴾ الآية، الخطاب لمحمد عليه السلام والنظر نظر القلب، وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هي حكاية يوم القيامة فلا إشكال في استعمال الماضي فيها موضع المستقبل، ويفيدنا استعمال الماضي تحقيقاً ما في الفعل وإثباتاً له، وهذا مهيع في اللغة، ومنه قول الربيع بن ضبع الفزاري: [المنسرح] أَصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلَاحَ ولا أَمْلِكُ رَأْسَ الْبَعِيرِ إن نَفَرَا يريد أن ينفر ﴿وضل عنهم﴾ معناه ذهب افتراؤهم في الدنيا وكذبهم بادعائهم الله تبارك وتعالى الشركاء. قوله عز وجل : وَمِنْهُمْ مَن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ ٢٥ لَّا يُؤْمِنُواْبِهَاْ حَقََّ إِذَا جَآءُ وَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْإِنْ هَذَا إِلَّ أَسَطِيرُ اُلْأَوَّلِينَ الضمير في قوله ﴿ومنهم﴾ عائد على الكفار الذين تضمنهم قبل قوله ﴿يوم نحشرهم جميعاً﴾ [الأنعام: ٢٢] وأفرد ﴿يستمع﴾ وهو فعل جماعة حملاً على لفظ ﴿من﴾ و﴿أكنة﴾ جمع كنان وهو الغطاء الجامع، ومنه كنانة السهام والكنّ، ومنه قوله تعالى: ﴿بيض مكنون﴾ [الصافات: ٤٩] ومنه قول الشاعر: [الطويل] إذا ما أَنْتَضَوْها في الوغى مِنْ أَكِنَّةُ حَسِبْتَ بُروقَ آلغَيْثِ هَاجَتْ غُيُومُها وفعال وأفعلة مهيع في كلامهم و ﴿أن يفقهوه﴾ نصب على المفعول من أجله أي كراهية أن يفهموه، وقيل المعنى أن لا يفقهوه، ويلزم هذا القول إضمار حرف النفي، و﴿يفقهوه﴾ معناه يفهموه، ويقال فقِه الرجل بكسر القاف إذا فهم الشيء وفقُه بضمها: إذا صار فقيهاً له ملكة، وفقه إذا غلب في الفقه غيره، والوقر: الثقل في السمع، يقال وقرت أذنه ووقرت بكسر القاف وفتحها، ومنه قول الشاعر: [الرمل] وكلام سيّء قد وَقَرَتْ أُذُنِي وما بي مِنْ صَمَمْ وقد سمع أذن موقورة فالفعل على هذا وقرت، وقرأ طلحة بن مصرف: ((وقرآ)) بكسر الواو كأنه ذهب إلى أن آذانهم وقرت بالصمم كما توقر الدابة من الحمل وهي قراءة شاذة، وهذا عبارة عما جعل الله في نفوس هؤلاء القوم من الغلط والبعد عن قبول الخير لا أنهم لم يكونوا سامعين لأقواله، وقوله تعالى: ﴿وإن يروا كل آية﴾ الآية، الرؤية هنا الرؤية العين يريد كانشقاق القمر وشبهه. قال القاضي أبو محمد: ومقصد هذه الآية أنهم في أعجز درجة وحاولوا رد الحق بالدعوى المجردة ٢٨٠ تفسير سورة الأنعام / الآيتان: ٢٧،٢٦ والواو في قوله ﴿وجعلنا﴾ واو الحال والباب أن يصرح معها بقد، وقد تجيء أحياناً مقدرة، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال ومن هؤلاء الكفرة من يستمعك وهو من الغباوة في حد قلبه في كنان وأذنه صماء وهو يرى الآيات فلا يؤمن بها لكنه مع بلوغه الغاية من هذه القصور إذا جاء للمجادلة قابل بدعوى مجردة. والمجادلة المقابلة في الاحتجاج مأخوذ من الجدل، و﴿هذا﴾ في قولهم إشارة إلى القرآن، والأساطير جمع أسطار كأقوال وأقاويل ونحوه، وأسطار جمع سطر وسطر، وقيل الأساطير جمع أسطارة وهي النزهات، وقيل جمع أسطورة كأعجوبة وأضحوكة، وقيل هو اسم جمع لا واحد من لفظه كعبابيد وشماميط والمعنى أخبار الأولين وقصصهم وأحاديثهم التي تسطر وتحكى ولا تحقق كالتواريخ وإنما شبهها الكفار بأحاديث النضر بن الحارث وأبي عبد الله بن أبي أمية عن رستم والسندباد، ومجادلة الكفار كانت مرادّتهم نور الله بأفواههم المبطلة، وقد ذكر الطبري عن ابن عباس أنه مثل من ذلك قولهم: إنكم أيها المتبعون محمداً تأكلون ما قتلتم بذبحكم ولا تأكلون ما قتل الله، ونحو هذا من التخليط الذي لا تتركب منه حجة. قال القاضي أبو محمد: وهذا جدال في حكم، والذي في الآية إنما هو جدال في مدافعة القرآن، فلا تتفسر الآية عندي بأمر الذبح . قوله عز وجل : وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَ يَنْثَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿ وَلَوْتَرَىَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِفَقَالُواْ ٢٧ يَلَيْنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِثَايَتِ رَبِّنَا وَتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِينَ الضمير في قوله: ﴿وهم﴾ عائد على المذكورين قبل، والضمير في ﴿عنه﴾ قال قتادة ومجاهد يعود على القرآن المتقدم ذكره في قوله أن يفهموه وقال ابن عباس وابن الحنفية والضحاك هو عائد على محمد عليه السلام والمعنى أنهم ينهون غيرهم ويبعدون هم بأنفسهم و ((النأي)) البعد، ﴿وإن يهلكون﴾ معناه ما يهلكون إلا أنفسهم بالكفر الذي يدخلهم جهنم، وقال ابن عباس أيضاً والقاسم وحبيب بن أبي ثابت وعطاء بن دينار المراد بقوله ﴿وهم ينهون عنه﴾ أبو طالب ومن كان معه على حماية رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الدوام في الكفر، والمعنى وهم ينهون عنه من يريد إذايته ﴿وينأون عنه﴾ بإيمانهم واتباعهم فهم يفعلون الشيء وخلافه، ويقلق على هذا القول رد قوله ﴿وهم﴾ على جماعة الكفار المتقدم ذكرها، لأن جميعهم لم يكن ينهى عن إذاية النبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: ويتخرج ذلك ويحسن على أن تقدر القصد ذكر ما ينعى على فريق فريق من الجماعة التي هي كلها مجمعة على الكفر، فخرجت العبارة عن فريق من الجماعة بلفظ يعم الجماعة، لأن التوبيخ على هذه الصورة أغلظ عليهم، كما تقول إذا شنعت على جماعة فيها زناة وسرقة وشربة خمر هؤلاء يزنون ويسرقون ويشربون الخمر وحقيقة كلامك أن بعضهم يفعل هذا وبعضهم يفعل هذا، فكأنه قال: من هؤلاء الكفرة من يستمع وهم ینهون عن إذايته ولا يؤمنون به، أي: منهم من يفعل ذلك، ﴿وما يشعرون﴾ معناه: ما يعلمون علم حسّ، وهو مأخوذ من الشعار الذي يلي بدن الإنسان، والشعار مأخوذ من الشعر،