النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ ـسـ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٦ - ٩٨ قال القاضي أبو محمد: وهذا القول منه رضي الله عنه وعظ بالآية، وهو مع ذلك يرى أن يحكم عليه في العودة ويكفر لكنه خشي مع ذلك بقاء النقمة، وقال ابن زيد: معنى الآية ﴿عفا الله عما سلف﴾ لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم، قال وأما من عاد فقتل الصيد وهو عالم بالحرمة متعمد للقتل فهذا لا يحكم عليه، وهو موكول إلى نقمة الله، ومعنى قوله ﴿متعمداً﴾ في صدر الآية أي متعمداً للقتل ناسياً للحرمة . قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم ذكر هذا الفصل، قال الطبري: وقال قوم: هذه الآية مخصوصة في شخص بعينه وأسند إلى زيد بن المعلى أن رجلاً أصاب صيداً وهو محرم فتجوز له عنه ثم عاد فأرسل الله عليه ناراً فأحرقته، فذلك قوله تعالى: ﴿ومن عاد فينتقم الله منه) وقوله تعالى: ﴿والله عزيز ذو انتقام﴾ تنبيه على صفتين تقتضي خوف من له بصيرة، ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل. قوله عز وجل : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّمَادُ مْتُمْ حُمَا وَأَتَّقُواْ جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَمًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ اللَّهُ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ج اُلْحَرَامَ وَالْهَدْىَ وَالْقَلَبِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيهُ ( أَعْلَمُوْ اْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٩٨ هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضاً يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب، و﴿البحر﴾ الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وكل نهر كبير بحر، واختلف الناس في معنى قوله ﴿وطعامه﴾ قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم ((هو الطهور ماؤه الحل ميتته)) وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة: ((طعامه)) كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع تدخله فترده طعاماً، وإنما الصيد الغريض، وقال قوم ﴿طعامه﴾ ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه. وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه الله: أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و((طُعْمه)) بضم الطاء وسكون العين دون ألف و﴿متاعاً﴾ نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون، و﴿لكم﴾ يريد حاضري البحر ومدنه، ﴿وللسيارة﴾ المسافرين، وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار. ٢٤٢ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٦ -٩٨ واختلف العلماء في مقتضى قوله ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾ فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالوا إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيداً صيد من أجله ولا من غير أجله، ولحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان: والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي: ﴿وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً﴾، وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب فجعلها في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، وجاء علي بن أبي طالب فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال: ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل له هل لك في علي؟ أهدي: له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله التصفيف وقال له: أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي: إنه صيد عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك، يعني اليعاقيب وأنا محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأساً للمحرم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان عمر يأكله، قال: قلت فأنت؟ قال كان عمر خيراً مني، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو علیك حرام. قال القاضي أبو محمد: وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب قال أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم، قال الطبري وقال آخرون: إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطًا وهو بالعرج فأكله فَعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك: عليه الجزاء وقال الشافعي لأ جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و ((حَرَّم)) بفتح الحاء والراء مشددة ((صيدَ)) بنصب الدال ((ما دمتم حرماً)) بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، و﴿حرماً﴾ يقع للجميع والواحد كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البروله فيه حياة فهو من صيد البر إن قتله المحرم وداه: وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان ... ٢٤٣ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٦ - ٩٨ قال القاضي أبو محمد؛ ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه راعى أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه . قال القاضي أبو محمد: والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب، وقوله تعالى: ﴿واتقوا الله﴾ تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم. ثم ذكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير، ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت الله وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله تعالى: ﴿جعل الله﴾ الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام و((الهدي)) قوام و((القلائد)) قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل الله هذه الأشياء كالملك لها، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه السلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحليس، فرآه النبي، قال: هذا رجل يعظم الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة، فلما رآها الحليس عظم ذلك عليه، وقال: ما ينبغي أن يصد هؤلاء ورجع عن رسالتهم، وجعل في هذه الآية بمعنى. صير، والكعبة بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، ومنه قول الأسود بن يعفر: والبيت ذي الكعبـات من سنـداد أهل الخورنق والسدير وبارق قالوا كانت فيه بيوت مربعة وفي كتاب سير ابن إسحاق أنه كان في خثعم بيت يسمونه كعبة اليمانية، وقال قوم: سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض، ومنه كعب ثدي الجارية، ومنه كعب القدم ومنه كعوب القناة، و﴿قياماً﴾ معناه أمر يقوم للناس بالأمنة والمنافع كما الملك قوام الرعية وقيامهم، يقال ذلك بالياء كالصيام ونحوه وذلك لخفة الياء فتستعمل أشياء من ذوات الواو بها، وقد يستعمل القوام على الأصل، قال الراجز: قوام دنیا وقوام دین وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى ﴿قياماً للناس﴾ أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد، وقرأ ابن عامر وحده ((قيماً)) دون ألف، وهذا إما على أنه مصدر كالشبع ونحوه، وأعلّ فلم يجر مجرى عوض وحول من حيث أعلّ فعله، وقد تعل الجموع لاعتلال الآحاد، فأحرى أن تعلّ المصادر لاعتلال أفعالها، ويحتمل ((قيماً)) أن تحذف الألف وهي مرادة، وحكم هذا أن يجيء في شعر وغير سعة، وقرأ الجحدري ((قيِّماً)) بفتح القاف وشد الياء المكسورة ﴿والشهر﴾ هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قریش، وله یقول عوف بن الأحوص: ٢٤٤ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٩ - ١٠٢ وشهر بني أمية والهدايا إذا سبقت مدرجها الدماء .. وسماه النبي عليه السلام شهر الله، أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما ﴿الهدي﴾ فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب وأما ﴿القلائد﴾ فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئاً فكان ذلك أماناً له، وكان الأمر فى نفوسهم عظيماً مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئاً خوفاً من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم، وقوله تعالى: ﴿للناس﴾ لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب. قال القاضي أبو محمد: ولا وجه لهذا التخصيص، وقال سعيد بن جبير جعل الله هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياماً، والمعنى فعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم، وقوله تعالى: ﴿بكل شيء عليم﴾ عام عموماً تاماً في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال عز وجل ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها﴾ [الأنعام: ٥٩]، والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر، ثم خوف تعالى عباده ورجاهم بقوله ﴿اعلموا أن الله﴾ الآية، وهكذا هو الأمر في نفسه حري أن يكون العبد خائفاً عاملاً بحسب الخوف متقياً متأنساً بحسب الرجاء . قوله عز وجل : ہے (٩) قُل لَّا يَسْتَوِى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُواْ اللَّهَ يَتَأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْئَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْءَ انُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اُللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ ◌ِفَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِرِينَ ١٠٢ قوله تعالى: ﴿ما على الرسول إلا البلاغ﴾ إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق. فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثواباً أو عقاباً، و﴿البلاغ﴾ مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم. يمتثلوا ما بلغ إليهم وقوله ﴿قل لا يستوي﴾ الآية لفظ عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، فـ ﴿الخبيث﴾ من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، ﴿والطيب﴾ ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى: ﴿والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً﴾ [الأعراف: ٥٨] والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان ٢٤٥ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٩ - ١٠٢ فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد، وقوله تعالى ﴿فاتقوا الله يا أولي الألباب) تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص ﴿أولي الألباب) بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم إهمالها مع البهائم وإدراكهم وكأن الإشارة بهذه ﴿الألباب) إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء﴾ الآية، اختلف الرواة في سببها فقالت فرقة منهم أنس بن مالك وغيره: نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مغضباً، فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فقال أين أنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: في النار فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال من أبي؟ فقال: أبوك حذافة . قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي الحديث مما لم يذكر الطبري فقام آخر فقال من أبي؟ فقال أبوك سالم مولى أبي شيبة، فقام عمر بن الخطاب فجثا على ركبتيه وقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد نبياً نعوذ بالله من الفتن، وبكى الناس من غضب رسول الـ صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية بسبب هذه الأسئلة . قال القاضي أبو محمد: وصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر مغضباً إنما كان بسبب سؤالات الاعراب والجهال والمنافقين، فكان منهم من يقول أين ناقتي؟ وآخر يقول ما الذي ألقى في سفري هذا؟ ونحو هذا مما هو جهالة أو استخفاف وتعنيت، وقال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وابن عباس، في لفظهم اختلاف، والمعنى واحد. خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال: أيها الناس كتب عليكم الحج وقرأ عليهم ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧] قال علي: فقالوا يا رسول الله: أفي كل عام؟ فسكت، فأعادوا، قال: لا ولو قلت نعم، لوجبت، وقال أبو هريرة: فقال عكاشة بن محصن وقال مرة فقال محصن الأسدي، وقال غيره فقام رجل من بني أسد، وقال بعضهم فقام أعرابي فقال يا رسول الله، أفي كل عام؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: من السائل؟ فقيل فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تطيقوه، ولو تركتموه، لهلكتم)) فنزلت هذه الآية بسبب ذلك ، ويقوي هذا حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال: (إن أعظم المسلمين على المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته)) وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت الآية بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية، وقاله سعيد بن جبير. قال القاضي أبو محمد: وروي أنه لما بين الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ! ٢٤٦ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٩-١٠٢ كعمرو بن لحي وغيره، وفي عمرو بن لحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السواتب. قال القاضي أبو محمد: والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية و﴿أشياء﴾ اسم جمع لشيء أصله عند الخليل وسيبويه شيئاً مثل فعال قلبت إلى الفعاء لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم ﴿أشياء﴾ وزنها أفعال وهو جمع شيء وترك الصرف فيه سماع، وقال الكسائي: لم ينصرف ﴿أشياء﴾ لشبه آخرها بآخر حمراء ، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول أشياءات كما تقول حمراوات، ويلزم على هذا أن لا ينصرف أسماء لأنهم يقولون أسماوات، وقال الأخفش: ﴿أشياء﴾ أصلها أشياء على وزن أفعلاء، استثقلت اجتماع الهمزتين فأبدلت الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء استخفافاً، ويلزم على هذا أن يكون واحد الأشياء شيئاً مثل هين وأهوناء ، وقرأ جمهور الناس ((إن تُبِدَ)) بضم التاء وفتح الدال وبناء الفعل للمفعول، وقرأ مجاهد ((إن تَبدُ)) بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي ((إن يبد لكم)) بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة ((يسؤكم)) بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم. وقوله تعالى ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم﴾ قال ابن عباس: معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء. كما قيل للذي قال أين أنا؟ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأکم ربکم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبیانه بین لکم وأبدی؟ . . قال القاضي أبو محمد: فالضمير في قوله ﴿عنها﴾ عائد على نوعها لا على الأولى التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه: إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وعفا من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول: إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية . تّال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: ﴿وإن تسألوا عنها حيِّن ينزل القرآن تبد لكم﴾ أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار، وقوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾ تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي هي ﴿عفا﴾، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول النبي عليه السلام إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل، و﴿غفور حليم﴾ صفتان تناسب العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور. وقرأ عامة الناس ((قد سألها)) بفتح السين. وقرأ إبراهيم النخعي ((قد سألها)) بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قال سلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت، ومعنى الآية أن هذه السؤالات التي هي تغنيتات ٢٤٧ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١٠٣ - ١٠٥ وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم ثم كفروا بها قال الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة. قال السدي: كسؤال قريش أن يجعل الله لهم الصفا ذهباً . أ قال القاضي أبو محمد: وإنما يتجه في قريش مثالاً سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي عليه السلام أين ناقتي؟ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه؟ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو؟ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديماً طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف بما كلفت. قوله تعالى : مَاجَعَلَ اَللَّهُ مِنْ بَحِيْرَةٍ وَلَا سَآَبِبَةٍ وَلَ وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْيَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اُلْكَذِبّ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٣) وَإِذَاقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَامَا وَجَدْ نَا عَلَيْهِ ءَابَآءَ نَا أَوَلَوْ كَانَءَابَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ج يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ ١٠٤ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَاهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَنْ جِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَِّّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ١٠٥ لما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله في تعظيم الكعبة والحرم. أخبر تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئاً منها ولا سنه لعباده. المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن لحي وغيره يفترون على الله الكذب ويقولون هذه قربة إلى الله وأمر يرضيه، ﴿وأكثرهم﴾ يعني الأتباع ﴿لا يعقلون﴾ بل يتبعون هذه الأمور تقليداً وضلالاً بغير حجة و﴿جعل﴾ في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق الله. لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها. ولا هي بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى ما سنَّ ولا شرع فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد و((البحيرة)) فعيلة بمعنى مفعولة. وبحر شق، كانوا إذا انتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها بنصفين طولاً فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال، وقال ابن عباس كانوا يفعلون ذلك بها إذا أنتجت خمسة بطون، وقال مسروق إذا ولدت خمساً أو سبعاً شقوا أذنها. قال القاضي أبو محمد: ويظهر مما يروى في هذا أن العرب كانت تختلف في المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلكل سنة، وهي كلها ضلال، قال ابن سيده ويقال ((البحيرة)) هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة. قال القاضي أبو محمد: أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل: فيه من الأخرج المرتاع قرقرة هدر الزيامي وسط الهجمة البحر ! ٢٤٨ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١٠٣ - ١٠٥ فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان. وروى الشعبي عن أبي الأحوص عن أبيه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول هذه صرم فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال نعم قال: فإن ما آتاك الله لك حل. وساعد الله أشد، وموسى الله أحد، والسائبة هي الناقة التي تسيب للآلهة، والناقة أيضاً إذا تابعت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيهن ذكر سيبت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك، قال أکثم: أيضرني شبهه یا رسول الله؟ قال: لا إنك مؤمن وإنه کافر، هو أول من غير دين إسماعيل عليه السلام ونصب الأوثان وسيب السوائب، وكانت السوائب أيضاً فى العرب كالقربة عند المريض يبرأ منه، والقدوم من السفر، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ولا غيره، يرون ذلك كعتق بني آدم، ذكره السدي وغيره، وكانت العرب تعتقد أن من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فإنه تلحقه عقوبة من اللّه، و((الوصيلة)) قال أكثر الناس: إن ((الوصيلة)) في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جذياً ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقاً استحيوها وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها قمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس، وروي عن سعيد بن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم ثنت بأخرى قالوا وصلت أنثيين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها. شك الطبري في إحدى اللفظتين. وأما (الحامي)) فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشرين وقيل إذا ولد من صلبه عشر، وقيل إذا ولد ولده قالوا حمي ظهره فسيبوه لم يركب ولا سخر في شيء، وقال علقمة لمن سأله في هذه الأشياء ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب؟ وقال نحوه ابن زید. قال القاضي أبو محمد: وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقاً لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تجوز الأحباس والأوقاف، وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبساً لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي عليه السلام قال لعمر بن الخطاب في مال له: اجعله حبساً لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي عليه السلام وقوله تعالى ﴿ولكن الذين كفروا﴾ الآية، وقد تقدم أن المفترين هم المبتدعون، وأن الذين ﴿لا يعقلون﴾ هم الأتباع، وكذلك نص الشعبي وغيره وهو الذي تعطيه الآية، وقال. محمد بن أبي موسى: الذين كفروا وافتروا هم أهل الكتاب، والذين ﴿لا يعقلون﴾ هم أهل الأوثان. قال القاضي أبو محمد: وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى ٢٤٩ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١٠٣ - ١٠٥ وعما تأخر أيضاً من قوله ﴿وإذا قيل لهم﴾ والأول من التأويلين أرجح. والضمير في قوله ﴿قيل لهم﴾ عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و﴿تعالوا﴾ نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، و﴿إلى ما أنزل الله﴾ يعني القرآن الذي فيه التحريم الصحيح، و﴿حسبنا﴾ معناه كفانا وقوله ﴿أُوَلوْ كان آباؤهم﴾ ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك. قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآية، فقال لقد سألت عنها خبيراً. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، انتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر خمسين منك. قال القاضي أبو محمد: وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله ﴿عليكم أنفسكم﴾ فيقول أحدكم عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب، وروي عن ابن مسعود أنه قال: ليس هذا بزمان هذه الآية، قولوا الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن: لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا: ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل. قال القاضي أبو محمد: وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المرء ضرراً يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده، وقال سعيد بن جبير معنى هذه الآية ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾ فالتزموا شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا اهتديتم، وقال ابن زيد: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال: وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت آباءك وضللتهم وفعلت وفعلت فنزلت الآية بسبب ذلك. قال القاضي أبو محمد: ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار وكذلك ينبغي أن لا يعارض لها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي: وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت بسبب ارتداد بعض 1 1 ٢٥٠ تفسير سورة المائدة / الآيتان :: ١٠٧١،١٠٦ المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، وقرأ جمهور الناس ((لا. يضُرُّكم)) بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((لا يضُرْكم)) بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم ((لا يضرك)) بكسر الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور ويضير، وقوله. تعالى: ﴿إِلى الله مرجعكم جميعاً﴾ الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال: ما من يوم إلا يجيء الشيطان فيقول: ما تأكل وما تلبسٍ وأين تسكن؟ فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر. قال القاضي أبو محمد: فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله. قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ شَهِدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبِّكُمْ فِى الْأَرَضِ فَأَصَبَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِّ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَوةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْ تَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَمَنَّا وَلَوْ كَانَ ذَاقُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَدَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا ] فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقًّا إِثْمًا فَا خَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُ مَا مِنَ الَّذِينَ أُسْتَحَقَّ لَمِنَ الْأَثِمِينَ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَنِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَدَ نُنَا أَحَقٌّ مِن شَهِدَ تِهِمَا وَمَاأَعْتَدَيْنَآ إِنَّ إِذَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه: هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً. قال القاضي أبو محمد: وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله وبه نستعين، لا نعلم خلافاً أن سبب هذه الآية أن تميما الداري وعدي بن بداء، كانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي: وهما أخوان وقدم المدينة أيضاً ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص يريد الشام تاجراً فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في الطريق، قال الواقدي فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رحله، فأتيا بعد مدة المدينة برحله فدفعاه، ووجد أولياؤه من بني سهم وصيته مكتوبة، ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها فقالا ماندري، هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأولى فاستحلقهما رسول الله بعد العصر، فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بالذهب، فقيل لمن وجد عنده من أين صار لكم هذا الإناء ؟ فقالوا: ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فارتفع في الأمر إلى النبي عليه السلام فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلم، قال الواقدي: فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، واستحقا، وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه قال: برىء الناس من هذه الآيات غيري وغير عدي بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه قال وكان معه جام فضة يريد به الملك، فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم ٢٥١ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ١٠٦، ١٠٧ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه، ونزعت من عدي خمسمائة. قال القاضي أبو محمد: تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو عمود الأمر، ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه، وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين، وضعف أمره، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة . وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها، فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن عباس وغيرهم، يقولون معنى قوله، ﴿منكم) من المؤمنين، ومعنى، ﴿من غيركم﴾ من الكفار، قال بعضهم وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة، واختلفت هذه الجماعة المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية محكمة، وأسند الطبري إلى الشعبي أن رجلاً حضرته المنية بدقوقا ولم يجد أحداً من المؤمنين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته، فقال أبو موسى الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي عليه السلام ثم أحلفهما بعد صلاة العصر وأمضى شهادتهما، وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية، ولا تجوز أيضاً في الوصية إلا إذا كانوا في سفر، ومذهب جماعة ممن ذكر، أنها منسوخة بقوله تعالى ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ [الطلاق: ٢] وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة الكافر لا تجوز. وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله، قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى: ﴿منكم﴾ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ يريد من غير القرابة والعشيرة، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب، قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر فى سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان، فإذا شهدا فإن لم يقر ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولین. وقال بعض الناس الآية منسوخة، ولا يحلف شاهد، ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة ٢٥٢ تفسير سورة المائدة / الآيتان : ١٠٧،١٠٦ الفقهاء، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب وإذا ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثماً نظر، فإن كان الأمر بيناً غرما دون يمين وليين، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع ما قام لهما من شاهد أو دليل. قال القاضي أبو محمد: فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما، ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية، ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذكر ذلك والرد عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع، والله المستعان، قوله ﴿شهادة بينكم﴾ قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقال الطبري: الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى . قال القاضي أبو محمد: وهذا كله ضعيف، والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدى، ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله ﴿اثنان﴾ قال أبو علي: التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقدره غيره أولاً كأنه قال مقيم شهادة بينكم اثنان، وأضيفت الشهادة إلى ((بين)) اتساعاً في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء، كما قال تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم﴾ [الأنعام: ٩٤] وقرأ الأعرج والشعبي والحسن ((شهادةُ)) بالتنوين ((بينكم)) بالنصب، وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراءة السبعة وروي عن الأعرج وأبي حيوة ((شهادة)) بالنصب والتنوين ((بينكم)) نصب، قال أبو الفتح: التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان، وقوله تعالى: ﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ معناه إذا قرب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت، وهذا كقوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾ [النحل: ٩٨] وكقوله ﴿إذا طلقتم النساء فطلقوهن﴾ [الطلاق: ١] وهذا كثير، والعامل في ﴿إذا﴾ المصدر الذي هو ﴿شهادة﴾، وهذا على أن تجعل ﴿إذا﴾ بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب، ولك أن تجعل ﴿إذا﴾ في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله ﴿شهادة بينكم﴾ إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد، وقوله ﴿حين الوصية﴾ ظرف زمان، والعامل فيه (حضر﴾، وإن شئت جعلته بدلاً من ﴿إذا﴾، قال أبو علي: ولك أن تعلقه ﴿بالموت﴾ لا يجوز أن تعمل فيه ﴿شهادة﴾ لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، وقوله ﴿ذوا عدل﴾ صفة لقوله اثنان، و﴿منكم﴾ صفة أيضاً بعد صفة، وقوله تعالى: ﴿من غيركم﴾ صفة لآخران، و﴿ضربتم في الأرض﴾ معناه سافرتم للتجارة، تقول ضربت في الأرض أي سافرت للتجارة، وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان، وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين، فلذلك خص بالذكر لأن سفر الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين، قال أبو علي: قوله ﴿تحبسونهما﴾ صفة لـ ﴿آخران﴾ واعترض بين الموصوف والصفة بقوله: إن انتم إلى الموت، وأفاد الاعتراض أن العدول إلى ﴿آخران﴾ من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب ﴿إن﴾ لما تقدم من قوله ﴿أو آخران من غيركم﴾ وقال : ٢٥٣ تفسير سورة المائدة / الآيتان : ١٠٧،١٠٦ جمهور العلماء ﴿الصلاة) هنا صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حلف على سلعته وأمر باللعان فيه، وقال ابن عباس: إنما هي بعد صلاة الذميين، وأما العصر فلا حرمة لها عندهما، والفاء في قوله ﴿فيقسمان﴾ عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله ﴿من بعد الصلاة﴾ قال أبو علي: وإن شئت لم تقدر الفاء عاطفة جملة على جملة، ولكن تجعله جزاء كقول ذي الرمة : فيبدو وتارات يجم فيغرق وإنسان عيني يحسر الماء تارة تقديره عندهم إذا حسر بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله ﴿إِن ارتبتم﴾ شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة ترتب في الخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة، والضمير في قول الحالفين ﴿لا نشتري به ثمناً﴾ عائد على القسم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، قال أبو علي: يعود على تحريف الشهادة، وقوله ﴿لا نشتري﴾ جواب ما يقتضيه قوله: فيقسمان بالله، لأن القسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الأيمان، وتقديره به ثمناً، أي ذا ثمن لأن الثمن لا يشترى. وكذلك قوله تعالى: ﴿اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً﴾ [التوبة: ٩] معناه ذا ثمن، ولا يجوز أن يكون ﴿نشتري﴾ في هذه الآية بمعنى نبيع لأن المعنى يبطله وإن كان ذلك موجوداً في اللغة في غير هذا الموضع، وخص ((ذو القربى)) بالذكر لأن العرف ميل النفس إلى قرابتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله تعالى: ﴿ولا نكتم شهادة الله﴾ أضاف ﴿شهادة﴾ إليه تعالى من حيث هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها، وقرأ الحسن والشعبي ((ولا نكتمْ)) بجزم الميم ، وقرأ علي بن أبي طالب ونعيم بن مسيسرة والشعبي بخلاف عنه ((شهادةً)) بالتنوين ((الله)) نصب بـ ﴿نكتم﴾، كأن الكلام ولا نكتم الله شهادة قال الزهري ويحتمل أن يكون المعنى ((ولا نكتم شهادة والله)) ثم حذفت الواو ونصب الفعل إيجازاً، وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش ((شهادةٌ)) بالتنوين الله بقطع الألف دون مد وخفض الهاء، ورويت أيضاً عن الشعبي وغيره أنه كان يقف على الهاء من الشهادة بالسكون، ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم، وروي عنه أنه كان يقرأ ((الله)) بمد ألف الاستفهام في الوجهين أعني بسكون الهاء من الشهادة وتحريكها منوّنة منصوبة، ورويت هذه التي هي تنوين الشهادة ومد ألف الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب، قال أبو الفتح: أما تسكين هاء شهادة والوقف عليها واستئناف القسم فوجه حسن لأن استئناف القسم في أول الكلام أوقر له وأشد هيبة أن يدرج في عرض القول، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حبيب والحسن البصري فيما ذكر أبو عمرو الداني ((شهادةٌ)) بالنصب والتنوين ((الله)) بالمد في همزة الاستفهام التي هي عوض من حرف القسم ((آنا)) بمد ألف الاستفهام أيضاً دخلت لتوقيف وتقرير النفوس المقسمين أو لمن خاطبوه وقرأ ابن محيصن ((لملآثمين)) بالإدغام. ٢٥٤ تفسير سورة المائدة / الآيتان : ١٠٧،١٠٦ وقوله تعالى: ﴿فإن عثر﴾ استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقاً وبعد ((إن)) لم يرج ولم يقصد، وهذا كما يقال على الخبير سقطت، ووقعت على كذا، قال أبو علي: والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم، فسمي آثماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، قال سيبويه: المظلمة اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر. قال القاضي أبو محمد: والذي يظهر هنا أن الإثم على بابه وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتهما لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك، و ﴿استحقا﴾ معناه استوجباه من الله وكانا أهلاً له فهذا استحقاق على بابه، إنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه ((استحقا)) لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى: ﴿فآخران﴾ أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهورهم أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي ((استُحق)) مضمومة التاء. و﴿الأوليان) على التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير ((استحق)) بفتح التاء ((الأوليان)) على التثنية وكذلك روى حفص عن عاصم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر (استحق)) بضم التاء ((الأولين)) على جمع أول، وقرأ الحسن بن أبي الحسن (استحق)) بفتح التاء ((الأولان)» على تثنية أول، وقرأ ابن سيرين (الأولين)) على تثنية أول، ونصبهما على تقدير الأولين، فالأولين في الرتبة والقربى، قال أبو علي في قراءة ابن كثير ومن معه لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الإبتداء وقد أخر فكأنه في التقدير و((الأوليان)) بأمر الميت آخران يقومان، فيجيء الكلام كقولهم تميمي أنا، أو يكون خبر ابتداء محذوف كأنه فآخران يقومان مقامهما هما الأوليان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان؛ أو يكون مسنداً إليه استحق، وأجاز أبو الحسن فيه شيئاً آخر، وهو أن يكون ((الأوليان)) صفة لـ ((آخران))، لأنه لما وصف خصص فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له. قال القاضي أبو محمد: ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا: فأما ما يسند إليه ((استحق)) فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية، أو الإثم. وسمي المأخوذ إثماً كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة. ولذلك جاز أن يستند إليه ﴿استحق﴾. ثم قال بعد كلام: فإن قلت هل يجوز أن يسند ﴿استحق﴾ إلى ﴿الأوليان﴾. فالقول إن ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئاً منها. وأما الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقا فیسند استحق إليهما . قال القاضي أبو محمد: وفي هذا الكلام نظر. ويجوز عندي أن يسند ﴿استحق﴾ إلى ﴿الأوليان﴾. وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح الاستحقاق الحقيقي في النازلة، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه. ولفظة الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثماً فإن الاستحقاق هنا حقيقة وفى قوله استحق مستعار، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه. فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة. إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه. وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على أوقاته، وهكذا هي استحق في 1 ٢٥٥ تفسير سورة المائدة / الآيتان : ١٠٦، ١٠٧ الآية على كل حال وإن أسندت إلى الأنصباء ونحوه لأن قوله ﴿استحق﴾ صلة لـ ﴿الذين﴾ و﴿الذين﴾ واقع على الصنف المناقض للشاهدين الجائرين فالشاهدان ما استحقاقط في هذه النازلة شيئاً حقيقة استحقاق، وإنما تسورا تسور المستحق فلنا أن نقدر الأوليان ابتداء وقد أخر. فيسند ﴿استحق﴾ على هذا إلى المال أو النصيب ونحوه على جهة الاستعارة. وكذلك إذا كان ﴿الأوليان﴾ خبر ابتداء وكذلك على البدل من الضمير في ﴿يقومان) وعلى الصفة على مذهب أبي الحسن. ولنا أن نقدر الكلام بمعنى من الجماعة التي غابت وكان حقهما والمبتغى أن يحضر وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذه الحال وهذان الشاهدان من غير أهل الدين الولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة، ثم بني الفعل للمفعول على هذا المعنى إيجازاً ويقوي هذا الغرض أن تعدي الفعل بـ ((على)) لما كان باقتدار وحمل هيئته على الحال. ولا يقال استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما استحق عليه فيقال في الحمل والغلبة والاستحقاق المستعار والضمير في ﴿عليهم﴾ عائد على كل حال في هذه القراءة على الجماعة التي تناقض شاهدي الزور الآثمين، ويحتمل أن يعود على الصنف الذين منهم شاهد الزور على ما نبينه الآن إن شاء الله فى غير هذه القراءة. وأما رواية قرة عن ابن كثير ((استحق)) بفتح التاء فيحتمل أن يكون الأوليان ابتداء أو خبر ابتداء ، ويكون المعنى في الجمع أو القبيل الذي استحق القضية على هذا الصنف الشاهد بالزور، الضمير في عليهم عائد علی صنف شاهدي الزور. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وفي هذا التأويل تحويل وتحليق وصنعة في ﴿الذين﴾، وعليه ينبني كلام أبي علي في كتاب الحجة، ويحتمل أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم القيام، والصواب من التأويلين أن الضمير في ﴿عليهم﴾ عائد على ﴿الذين﴾، و﴿الأوليان﴾ رفع بـ ﴿استحق﴾ وذلك متخرج على ثلاثة معان. أحدها أن يكون المراد من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور. فسمى شاهدي الزور أوليين من حيث جعلتهما الحال الأولى كذلك، أي صيرهم عدم الناس أولى بهذا الميت وتركته فجاراً فيها، والمعنى الثاني أن يكون المراد من الجماعة الذين حق عليهم أن يكون منهم الأوليان، فاستحق بمعنى حق ووجب، كما تقول هذا بناء قد استحق بمعنى حق كعجب واستعجب ونحوه، والمعنى الثالث أن يجعل استحق بمعنى سعى واستوجب، فكأن الكلام فآخران من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقا عليهم حقهم، أي استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقرباهما، ونحو هذا المعنى الذي يعطيه التعدي بـ ((على)) قول الشاعر: اسعى على حيِّ بني ملك كل امرىء في شأنه ساع وكذلك في الحديث: ((كنت أرعى عليهم الغنم)) في بعض طرق حديث الثلاثة الذين ذكر أحدهم بره بأبويه حين انحطت عليهم الصخرة، وأما قراءة حمزة فمعناها من القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي في الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ ثم بعد ذلك قال ﴿أو آخران من غيركم﴾ وقوله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ يعني الآخرين اللذين يقومان مقام شاهدي التحريف، وقولهما ﴿لشهادتنا أحق من شهادتهما﴾ أي لما أخبرنا نحن به وذكرناه من نص القضية أحق مما ذكراه أولاً، وحرفا فيه، وما اعتدينا نحن في قولنا هذا ولا زدنا على الحد، وقولهما ﴿إنا إذاً لمن. ٢٥٦ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ١٠٨، ١٠٩ الظالمين﴾ في صيغة الاستعظام والاستقباح للظلم، والظلم وضع الشيء في غير موضعه. : قوله عز وجل : ذَلِكَ أَدْنَ أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا أَوْيَخَافُواْأَنْ تُرَدَّ أَعْمٌَ بَعْدَ أَيْمَنِمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَسْمَعُوْ ا وَلَهُ يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أَجِبْتُمْ قَالُواْ لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ ١٠٨ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ١٠٩ عَلَّمُ الْغُيُوبِ الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ هي إلى جميع ما حد الله قبل من حبس الشاهدين من بعد الصلاة لليمين، ثم إن عثر على جورهما ردت اليمين وغرما. فذلك كله يقرب اعتدال هذا الصنف فيما عسى أن ينزل من النوازل، لأنهم يخافون التحليف المغلظ بعقب الصلاة ثم يخافون الفضيحة ورد اليمين، هذا قول ابن عباس رحمه الله، ويظهر من كلام السدي أن الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إنما هي إلى الحبس من بعد الصلاة فقط، ثم يجيء قوله تعالى: ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان﴾ بإزاء ﴿فإن عثر﴾ [المائدة: ١٠٧] الآية، وجمع الضمير في ﴿يأتوا ويخافوا﴾ إذ المراد صنف ونوع من الناس، و﴿أو﴾ في هذه الآية على تأويل السدي بمنزلة قولك تجيني يا زيد أو تسخطني كأنك تريد وإلا أسخطتني فكذلك معنى الآية. ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها وإلا خافوا رد الأيمان. وأما على مذهب ابن عباس فالمعنى ذلك الحكم كله أقرب إلى أن يأتوا وأقرب إلى أن يخافوا، وقوله تعالى: ﴿على وجهها﴾ معناه على جهتها القويمة التي لم تبدل ولا حرفت، ثم أمر تعالى بالتقوى التي هي الاعتصام بالله وبالسمع لهذه الأمور المنجية، وأخبر أنه لا يهدي القوم الفاسقين، من حيث هم فاسقون، وإلا فهو تعالى يهديهم إذا تابوا، ويحتمل أن يكون لفظ ﴿الفاسقين) عاماً والمراد الخصوص فيمن لا يتوب . وقوله تعالى: ﴿ويوم يجمع الله الرسل) ذهب قوم من المفسرين إلى أن العامل في ﴿يوم﴾ ما تقدم من قوله ﴿لا يهدي﴾، وذلك ضعيف، ورصف الآية وبراعتها، إنما هو أن يكون هذا الكلام مستأنفاً، والعامل مقدر إما اذكروا وإما تذكروا وإما احذروا ونحو هذا مما حسن اختصاره لعلم السامع، والإشارة بهذا اليوم إلى يوم القيامة، وخص الرسل بالذكر لأنهم قادة الخلق، وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق وهم المكلمون أولاً و﴿ماذا أجبتم﴾ معناه ماذا أجابت به الأمم من إيمان أو كفر وطاعة أو عصيان، وهذا السؤال للأنبياء الرسل إنما هو لتقوم الحجة على الأمم ويبتدأ حسابهم على الواضح المستبين لكل مفطور، واختلف الناس في معنى قولهم عليهم السلام ﴿لا علم لنا﴾ فقال الطبري ذهلوا عن الجواب لهول المطلع، وذكر عن الحسن أنه قال: لا علم لنا من هول ذلك اليوم. وعن السدي أنه قال: نزلوا منزلاً ذهلت فيه العقول فقالوا لا علم لنا. ثم نزلوا منزلاً آخر شهدوا على قومهم، وعن مجاهد أنه قال: يفزعون فيقولون لا علم لنا .. قال القاضي أبو محمد: وضعّف بعض الناس هذا المنزع بقوله تعالى: ﴿لا يحزنهم الفزع الأكبر﴾ [الأنبياء: ١٠٣] والأنبياء في أشد أهوال يوم القيامة وحالة جواز الصراط يقولون سلم سلم وحالهم أعظم وفضل الله عليهم أكثر من أن تذهل عقولهم حتى يقولوا ما ليس بحق في نفسه، وقال ابن عباس رضي الله ٢٥٧ تفسير سورة المائدة / الآية : ١١٠ عنه: معنى الآية لا علم لنا إلا علماً أنت أعلم به منا. قال القاضي أبو محمد: وهذا حسن، كأن المعنى لا علم لنا يكفي وينتهي إلى الغاية، وقال ابن جريج: معنى ماذا أجبتم؟ ماذا عملوا بعدكم وما أحدثوا؟ فلذلك قالوا لا علم لنا. قال القاضي أبو محمد: وهذا معنى حسن في نفسه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾ لكن لفظة (أجبتم﴾ لا تساعد قول ابن جريج إلا على كره، وقول ابن عباس أصوب هذه المناحي لأنه يتخرج على التسليم لله تعالى ورد الأمر إليه، إذ قوله ﴿ماذا أجبتم﴾ لا علم عندهم في جوابه إلا بما شوفهوا به مدة حياتهم، وينقصهم ما في قلوب المشافهين من نفاق ونحوه، وما ينقصهم ما كان بعدهم من أمتهم والله تعالى يعلم جميع ذلك على التفصيل والكمال. فرأوا التسليم له والخضوع لعلمه المحيط وقرأ أبو حيوة (ماذا أَجبتم)) بفتح الهمزة. قوله عزّ وجلّ : إِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ أَذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدَتُكَ بِرُوجِ الْقُدُسِ تُكٌَّ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ وَالْإِنِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِ فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِى وَتُبْرِئُ اُلْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِى وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْنَى بِإِذْنِىّ وَإِذْكَفَفْتُ بَنِّ إِسْرَّاءِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُم ١١٠ بِالْبَيْنَتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يحتمل أن يكون العامل في ﴿إذ﴾ فعلاً مضمراً تقديره اذكر يا محمد إذ جئتهم بالبينات و ﴿قال﴾ هنا بمعنى يقول، لأن ظاهر هذا القول أنه في القيامة تقدمة لقوله أنت قلت للناس، وذلك كله أحكام لتوبيخ الذين يتحصلون كافرين بالله في ادعائهم ألوهية عيسى، ويحتمل أن تكون ﴿إِذ﴾ بدلاً من قوله ﴿يوم يجمع الله﴾ [المائدة: ١٠٩] ونعمة الله على عيسى هي بالنبوءة وسائر ما ذكر وما علم مما لا يحصى، وعددت عليه النعمة على أن أمه إذ هي نعمة صائرة إليه وبسببه كانت، وقرأ جمهور الناس ((أيّدتك)) بتشديد الياء، وقرأ مجاهد وابن محيصن ((آيدتك)) على وزن فاعلتك ويظهر أن الأصل في القراءتين ((أيدتك)) على وزن أفعلتك، ثم اختلف الإعلال، والمعنى فيهما قويتك من الأيد، وقال عبد المطلب: أيدنا يوم زحوف الأشرم الحمد لله الأعز الأكرم و((روح القدس)) هو جبريل عليه السلام، وقوله ﴿في المهد﴾ حال كأنه قال صغيراً ﴿وكهلا﴾ حال أيضاً معطوفة على الأول. ومثله قوله تعالى: ﴿دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً﴾ [يونس: ١٢] والكهولة من الأربعين إلى الخمسين. وقيل هي من ثلاثة وثلاثين، و﴿الكتاب﴾ في هذه الآية: مصدر كتب يكتب أي علمتك الخط. ويحتمل أن يريد اسم جنس في صحف إبراهيم وغير ذلك. ثم خص بعد ذلك التوراة ﴿والإِنجيل﴾ بالذكر تشريفاً، و﴿الحكمة﴾: هي الفهم والإدراك في أمور الشرع. وقد وهب الله الأنبياء منها ما ٢٥٨ تفسير سورة المائدة / الآية : ١١٠ هم به مختصون معصومون لا ينطقون عن هوى. قوله تعالى: ﴿وإذ﴾ في هذه الآية حيث ما تكررت فهي عطف على الأولى التي عملت فيها نعمتي، و﴿تخلقٍ﴾ معناه: تقدر وتهى تقديره مستوياً، ومنه قول الشاعر: ـض القوم يخلق ثم لا يفري ولأنت تفري ما خلقت وبعـ أي يهيىء ويقدر ليعمل ويكمل ثم لا يفعل. ومنه قول الآخر: من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليله وكان عيسى عليه السلام يصور من الطين أمثال الخفافيش ثم ينفخ فيها أمام الناس فتحيا وتطير بإذن الله. وقد تقدم هذا القصص في آل عمران. وقرأ جمهور الناس ((كهيئة)) بالهمز، وهو مصدر من قولهم هاء الشيء بهاء إذا ثبت واستقر على أمر حسن، قال اللحياني: ويقال ((يهيء)) وقرأ الزهري ((كهيّة)) بتشديد الياء من غير همز وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((كهيئة الطائر)). والإذن في هذه الآية كيف تكرر معناه التمكين مع العلم بما يصنع وما يقصد من دعاء الناس إلى الإيمان. وقوله تعالى: ﴿فتنفخ فيها﴾ هو النفخ المعروف من البشر وإن جعل الله الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه. وهذا كطرح موسى العصا. وكإيراد محمد عليه السلام القرآن. وهذا أحد شروط المعجزات. وقوله ﴿فيها﴾ بضمير مؤنث مع مجيء ذلك في آل عمران ﴿فأنفخ فيه﴾ [آل عمران: ٤٩] بضمير مذكر موضع قد اضطرب المفسرون فيه. قال مكي : هو في آل عمران عائد على الطائر وفي المائدة عائد على الهيئة، قال ويصح عكس هذا، قال غيره الضمير المذكر عائد على الطين. قال القاضي أبو محمد: ولا يصح عود هذا الضمير لا على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة لأن الطين والطائر الذي يجيء على الطين على هيئة لا نفخ فيه البتة، وكذلك لا نفخ في هيئته الخاصة بجسده وهي المذكورة في الآية، وكذلك ﴿الطين﴾ المذكور في الآية إنما هو الطين العام ولا نفخ في ذلك. وإنما النفخ في الصور المخصوصة منه التي رتبتها يد عيسى عليه السلام، فالوجه أن يقال في عود الضمير المؤنث إنه عائد على ما تقتضيه الآية ضرورة، وذلك أن قوله ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾ يقتضي صوراً أو أجساماً أو أشكالاً، وكذلك الضمير المذكر يعود على المخلوق الذي يقتضيه ﴿تخلق﴾، ولك أن تعيده على ما تدل عليه الكاف في معنى المثل لأن المعنى وإذ تخلق من الطين مثل هيئة، ولك أن تعيد الضمير على الكاف نفسه فيمن يجوِّز أن يكون اسماً في غير الشعر، وتكون الكاف في موضع نصب صفة للمصدر المراد تقديره وإذا تخلق خلقاً من الطين كهيئة الطير وقرأ عبد الله بن عباس كهيئة الطير فتنفخها فيكون وقرأ الجمهور ((فتكون)) بالتاء من فوق وقرأ عيسى بن عمر فيها ((فيكون)) بالياء من تحت، وقرأ نافع وحده ((فتكون طائراً))، وقرأ الباقون ((طيراً)) بغير ألف والقراءتان مستفيضتان في الناس. فالطير جمع طائر كتاجر وتجر وصاحب وصحب وراكب وركب. والطائر اسم مفرد والمعنى على قراءة نافع فتكون كل قطعة من تلك المخلوقات طائراً قال أبو علي: ولو قال قائل إن الطائر قد يكون جمعاً كالجامل والباقر فيكون على هذا معنى القراءتين واحداً لكان قياساً، ويقوي ذلك ما حكاه أبو الحسن ٢٥٩ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١١١ - ١١٣ من قولهم طائرة فيكون من باب شعيرة وشعير، وتمرة وتمر وقد تقدم القول في الأكمه والأبرص وفي قصص إحيائه الموتى في آل عمران، و﴿تخرج الموتى﴾ معناه من قبورهم، وكف بني إسرائيل عنه عليه السلام هو رفعه حين أحاطوا به في البيت مع الحواريين ومن أول ما منعه الله منهم هو الكف إلى تلك النازلة الآخرة فهنالك ظهر عظم الكف و((البينات)) هي معجزاته وإنجيله وجميع ما جاء به، وقرأ ابن كثير وعاصم هنا وفي هود والصف ((إلاسحر)) بغير ألف، وقرأ حمزة والكسائي في المواضع الأربعة ((ساحر)) بألف فمن قرأ سحراً جعل الإشارة إلى البينات والحديث وما جاء به، ومن قرأ ساحراً جعل الإشارة إلى الشخص إذ هو ذو سحر عندهم وهذا مطرد في القرآن كله حيثما ورد هذا الخلاف. قوله عز وجل : وَإِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبُّونَ أَنْءَامِنُواْبِى وَبِرَسُولِى قَالُوَأْءَامَنَا وَأَشْهَدْ بِأَنَنَا مُسْلِمُونَ إِذْ ١١٠ قَالَ الْحَوَارِتُّونَ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآبِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ قَالَ أُتَّقُواْاللَّهَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴿ قَالُواْفُرِيدُ أَن تَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِينَ ١١٣ قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت﴾ هو من جملة تعديد النعمة على عيسى و﴿أوحيت﴾ في هذا الموضع إما أن يكون وحي إلهام أو وحي أمر كما قال الشاعر: أوحى لها القرار فاستقرت وبالجملة فهو إلقاء معنى في خفاء أوصله تعالى إلى نفوسهم كيف شاء والرسول في هذه الآية عيسى عليه السلام وقول الحواريين ﴿واشهد﴾ يحتمل أن يكون مخاطبة منهم لله تعالى ويحتمل أن يكون لعيسى عليه السلام، وقد تقدم تفسير لفظة الحواريين في آل عمران. وقوله تعالى: ﴿إِذ قال الحواريون﴾ .. الآية اعتراض أثناء وصف حال قول الله لعيسى يوم القيامة، مضمن الاعتراض إخبار محمد عليه السلام وأمته بنازلة الحواريين في المائدة. إذ هي مثال نافع لكل أمة مع نبيها يقتدى بمحاسنه ويزدجر عما ينقد منه من طلب الآيات ونحوه، وقرأ جمهور الناس ((هل يستطيع ربُّك)) بالياء ورفع الباء من ربك. وهي قراءة السبعة حاشا الكسائي، وهذا ليس لأنهم شكوا في قدرة الله على هذا الأمر كامنة بمعنى هل يفعل تعالى هذا وهل تقع منه إجابة إليه؟ وهذا كما قال لعبد الله بن زيد هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟ فالمعنى هل يخف عليك وهل تفعله؟ أما أن في اللفظة بشاعة بسببها قال عيسى ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ وبسببها مال فريق من الصحابة وغيرهم إلى غير هذه القراءة فقرأ علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير ((هل تستطيع ربِّك)) بالتاء ونصب الباء من ربك. المعنى هل تستطيع أن تسأل ربك؟ قالت عائشة رضي الله عنها: كان الحواريون أعرف بالله من أن يقولوا هل يستطيع ربك. قال القاضي أبو محمد: نزهتهم عائشة عن بشاعة اللفظ وإلا فليس يلزمهم منه جهل بالله تعالى على ٢٦٠ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١١١ - ١١٣ ما قد تبين آنفاً. وبمثل هذه القراءة قرأ الكسائي وزاد أنه أدغم اللام في التاء. قال أبو علي: وذلك حسن، و﴿أن﴾ في قوله ﴿أن ينزل﴾ على هذه القراءة متعلقة بالمصدر المحذوف الذي هو سؤال. و ﴿أن﴾ مفعول به إذ هو في حكم المذكور في اللفظ وإن كان محذوفاً منه إذ لا يتم المعنى إلا به. قال القاضي أبو محمد: وقد يمكن أن يستغنى عن تقدير سؤال على أن يكون المعنى هل يستطيع أن ينزل ربك بدعائك أو بأثرتك عنده ونحوه هذا، فيردك المعنى ولا بد إلى مقدر يدل عليه ما ذكر من اللفظ، و ((المائدة)) فاعلة من ماد إذا تحرك، هذا قول الزجّاج أو من ماد إذا ماد وأطعم كما قال رؤية: إلى أمير المؤمنين الممتاد تهدى رؤوس المترفين الأنداد أي الذي يستطعم ويمتاد منه، وقول عيسى عليه السلام ﴿اتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾ تقرير لهم كما تقول افعل كذا وكذا إن كنت رجلاً، ولا خلاف احفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين، وهذا هو ظاهر الآية، وقال قوم قال الحواريون هذه المقالة في صدر الأمر قبل علمهم بأنه يبرىء الأكمه والأبرص ويحيي الموق ويظهر من قوله عليه السلام ﴿اتقوا الله﴾ إنكار لقولهم ذلك، وذلك على قراءة من قرأ ((يستطيع)) بالياء من أسفل متوجه على أمرين: أحدهما: بشاعة اللفظ، والآخر إنكار طلب الآيات والتعرض إلى سخط الله بها والنبوات ليست مبنية على أن تتعنت وأما على القراءة الأخرى فلم ينكر عليهم إلا الاقتراح وقلة طمأنينتهم إلى ما قد ظهر من آياته. فلما خاطبهم عليه السلام بهذه المقالة صرحوا بالمذاهب التي حملتهم على طلب المائدة ، فقالوا: نريد أن نأكل منها فنشرف في العالم. قال القاضي أبو محمد: لأن هذا الأكل ليس الغرض منه شبع البطن. ﴿وتطمئن قلوبنا﴾ معناه يسكن فكرنا في أمرك بالمعاينة لأمر نازل من السماء بأعيننا ﴿ونعلم﴾ علم الضرورة والمشاهدة أن قد صدقتنا فلا تعترضنا الشبه التى تعرض في علم الاستدلال. قال القاضي أبو محمد: وبهذا يترجح قول من قال كان هذا قبل علمهم بآياته. ويدل أيضاً على ذلك أن وحي الله إليهم أن آمنوا إنما كان في صدر الأمر وعند ذلك قالوا هذه المقالة ثم آمنوا ورأوا الآيات واستمروا وصبروا. وهلك من كفر وقرأ سعيد بن جبير و((يعلم)) بالياء مضمومة على ما لم يسم فاعله، وقولهم ﴿ونكون عليها من الشاهدين﴾ معناه من الشاهدين بهذه الآية الناقلين لها إلى غيرنا الداعين إلى هذا الشرع بسببها . قال القاضي أبو محمد: وروي أن الذي نحا بهم هذا المنحى من الاقتراح هو أن عيسى عليه السلام قال لهم مرة هل لكم في صيام ثلاثين يوماً لله، ثم إن سألتموه حاجة قضاها؟ فلما صاموها قالوا: يا معلم الخير إن حق من عمل عملاً أن يطعم، فهل يستطيع ربك؟ فأرادوا أن تكون المائدة عند ذلك الصوم ... قوله عز وجل : قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ اْللَّهُوَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَاعِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِنَا وَءَايَةً