النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٧٣ - ٧٥
التي تناسبه في الثبوت وحصول الوقوع، وضرب في الضد من ذلك نحو طمعت ورجوت وخفت
هو مصرح بأن لم يقع، فهذا الضرب تليه ((أنْ)) الخفيفة إذ هي تناسبه، كقوله تعالى، ﴿والذي أطمع أن
يغفر لي﴾ [الشعراء: ٨٢] ﴿وتخافون أن يتخطفكم الناس﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿فإن خفتم ألا
يقيما حدود الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] و﴿فخشينا أن يرهقهما طغياناً﴾ [الكهف: ٨٠] أشفقتم
أن تقدموا﴾ [المجادلة: ١٣] ونحو هذا، وضرب ثالث ينجذب إلى الأول مرة وإلى الثاني أحياناً
نحو ظننت وحسبت وزعمت فيجري مجرى أرجو وأطمع، من حيث الظن والزعم والمحسبة أمور غير ثابتة
ولا مستقرة، وقد تنزل منزلة العلم من حيث تستعمل استعماله، كقوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو
ربهم ﴿[البقرة: ٤٦] وقوله ﴿إني ظننت أني ملاق حسابيه﴾ [الحاقة: ٢٠] وقرأ جمهور الناس ((عَموا وصَموا))
بفتح العين والصاد، وقرأ ابن وثاب والنخعي ((عُموا وصُموا)) بضم العين والميم مخففة وبضم الصاد وهذا هو
على أن تجرى مجرى زكم الرجل وأزكمه الله وحم الرجل وأحمه الله، ولا يقال زكمه الله ولا حمه الله،
فكذلك يجيء هذا عمى الرجل وأعماه غيره، وصم وأصمه غيره، ولا يقال عميته ولا صممته، وقوله
تعالى: ﴿ثم تاب الله عليهم﴾ أي رجع بهم إلى الطاعة والحق، ومن فصاحة اللفظ استناد هذا الفعل
الشريف إلى الله تعالى، واستناد العمى والصمم اللذين هما عبارة عن الضلال إليهم، وقوله تعالى ﴿كثير﴾
يرتفع من إحدى ثلاث جهات، إما على البدل من الواو في قوله: ﴿عموا وصموا﴾ وإما على جمع الفعل
وإن تقدم على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وإما على أن يكون ﴿كثير﴾ خبر ابتداء مضمر.
ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً بلام القسم عن كفر القائلين: ﴿إن الله هو المسيح ابن مريم﴾ وهذا قول
اليعقوبية من النصارى، ثم أخبر تعالى عن قول المسيح لهم وتبليغه كيف كان؟ فقال: ﴿وقال المسيح یا
بني إسرائيل) الآية، وهذه المعاني قول المسيح بألفاظ لغته، وهي بعينها موجودة في تبليغ محمد صلى الله
عليه وسلم في قوله ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾ [النساء: ٤٨ - ١١٦] إلى غير ذلك من الآيات،
وأخبرهم عيسى عليه السلام أن الله تعالى هو ربه وربهم فضلوا هم وكفروا بسبب ما رأوا على يديه من
الآيات، و((المأوى)) هو المحل الذي يسكنه المرء ويرجع إليه، وقوله تعالى ﴿وما للظالمين من أنصار﴾
يحتمل أن يكون من قول عيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ويحتمل أن يكون إخباراً مستأنفاً لمحمد صلى
الله عليه وسلم، وقد تقدم القول في تفسير لفظة المسيح في سورة آل عمران.
قوله تعالى :
!
لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهُ وَحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا
يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيهُ ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ﴾
مَّا الْمَسِيحُ أَبْرُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ
٧٤
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (
وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنٌ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُزَ
٧٥
اُنْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
هذه الآية إخبار مؤكد كالذي قبله، وهو عن هذه الفرقة الناطقة بالتثليت وهي فيما يقال الملكية وهم

٢٢٢
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٧٣ . ٧٥
فرق منهم النسطورية وغيرهم، ولا معنى لذكر أقوالهم في كتاب تفسير، إنما الحق أنهم على اختلاف
أحوالهم كفار من حيث جعلوا في الألوهية عدداً ومن حيث جعلوا لعيسى عليه السلام حكماً إلهياً، وقوله
تعالى: ﴿ثالث ثلاثة﴾ لا يجوز فيه إلا الإضافة وخفض ﴿ثلاثةٍ﴾ لأن المعنى أحد ثلاثة فإن قلت زيد ثالث اثنين
أو رابع ثلاثة جازلك أن تضيف كما تقدم وجاز أن لا تضيف وتنصب ثلاثة على معنى زيد يربع ثلاثة، وقوله
تعالى ﴿وما من إله إلا إله واحد﴾ خبر صادع بالحق، وهو الخالق المبتدع المتصف بالصفات العلى تعالى عما
يقول المبطلون، ثم توعد تبارك وتعالى هؤلاء القائلين هذه العظيمة بمس العذاب، وذلك وعيد بعذاب
الدنيا من القتل والسبي وبعذاب الآخرة بعد لا يفلت منه أحد منهم.
ثم رفق جل وعلا بهم بتحضيضه إياهم على التوبة وطلب المغفرة، ثم وصف نفسه بالغفران والرحمة
استجلاباً للتائبين وتأنيساً لهم ليكونوا على ثقة من الانتفاع بتوبتهم.
ثم أخبر تعالى عن حقيقة أمر المسيح وأنه رسول بشر كالرسل المتقدمة قبله، و ﴿خلت﴾ معناه
مضت وتقدمت في الخلاء من الأرض، وقرأ حطان بن عبد الله الرقاشي ((قد خلت من قبله رسل)) بتنكير
الرسل، وكذلك قرأ ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقد مضى
القول على وجه هذه القراءة هناك، وقوله تعالى: ﴿وأمه صديقة﴾ صفة ببناء مبالغة من الصدق، ويحتمل أن
يكون من التصديق وبه سمي أبو بكر رضي الله عنه لتصديقه، وهذه الصفة لمريم تدفع قول من قال هي
نبية، وقد يوجد في صحيح الحديث قصص قوم كلمتهم ملائكة في غير ما فن كقصة الثلاثة الأقرع والأعمى
والأبرص وغيرهم، ولا تكون هنالك نبوة، فكذلك أمر مريم، وقوله تعالى: ﴿كانا يأكلان الطعام) تنبيه
على نقص البشرية وعلى حال من الاحتياج إلى الغذاء تنتفي معها الألوهية، وذكر مكي والمهدي
وغيرهما أنها عبارة عن الاحتياج إلى الغائط وهذا قول بشع ولا ضرورة تدفع إليه حتى يقصد هذا
المعنى بالذكر، وإنما هي عبارة عن الاحتياج إلى التغذي ولا محالة أن الناظر إذا تأمل بذهنه لواحق التغذي
وجد ذلك وغيره، ثم أمر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وفي الضمن أمته بالنظر في ضلال هؤلاء القوم
وبعدهم عن سنن الحق، وأن الآيات تبين لهم وتبرز في غاية الوضوح، ثم هم بعد ذلك يصرفون أي
تصرفهم دواعيهم ويزيلهم تكسلهم عن الحق، و﴿كيف﴾ في هذه الآية ليست سؤالاً عن حال لكنها عبارة عن
حال شأنها أن يسأل عنها بكيف، وهذا كقولك: كن كيف شئت فأنت صديق، و﴿أنى﴾ معناها من أي
جهة، قال سيبويه معناها كيف ومن أين، و ﴿يؤفكون﴾ معناه: يصرفون، ومنه قوله عز وجل: ﴿يؤفك عنه
من أفك﴾ [الذاريات: ٩] والأرض المأفوكة التي صرفت عن أن ينالها المطر، والمطر في الحقيقة هو
المصروف، ولكن قيل أرض مأفوكة لما كانت مأفوكة عنها.
قوله عز وجل :
قُلْ أَتَعَّبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
قُلْ يَتَأَهْلَ اُلْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ اُلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ

٠
٢٢٣
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٧٦ - ٧٨
أَلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَنِىّ
مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ لَّه
إِسْرَءِ يلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمُ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوايَعْتَدُونَ
٧٨
أمر الله تعالى نبيه أن يوقفهم على عبادتهم شخصاً من البشر لا يملك أن يضرهم ولا أن ينفعهم،
و﴿من دون﴾ ودون فلان وما جاء من هذه اللفظة فإنما تضاف إلى من ليس في النازلة التي فيها
القول، وتفسيرها بغير أمر غير مطرد، و((الضَّر)) بفتح الضاد المصدر، و((الضَّر)) بضمها الاسم وهو عدم
الخير، و﴿السميع﴾ هنا إشارة إلى تحصيل أقوالهم والعليم بنياتهم، وقال بعض المفسرين: هاتان
الصفتان منبهتان على قصور البشر، أي والله تعالى هو السميع العليم بالإطلاق لا عيسى ولا غيره، وهم
مقرون أن عيسى قد كان مدة لا يسمع ولا يعلم، وقال نحوه مكي .
ثم أمر تعالى نبيه محمداً أن ينهاهم عن الغلو في دينهم، والغلو تجاوز الحد، غلا السهم إذا تجاوز
الغرض المقصود واستوفى سومه من الاطراد، وتلك المسافة هي غلوته، وكما كان قوله ﴿لا تغلوا﴾ بمعنى
لا تقولوا ولا تلتزموا نصب ﴿غير﴾ وليس معنى هذه الآية جنبوا من دينكم الذي أنتم عليه الغلو، وإنما معناه في
دينكم الذي ينبغي أن يكون دينكم، لأن كل إنسان فهو مطلوب بالدين الحق وحري أن يتبعه ويلتزمه، وهذه
المخاطبة هي للنصارى الذين غلوا في عيسى، والقوم الذين نهي النصارى عن اتباع أهوائهم بنو إسرائيل،
ومعنى الآية لا تتبعوا أنتم أهواءكم كما اتبع أولئك أهواءهم، فالمعنى لا تتبعوا طرائقهم، والذي دعا إلى هذا
التأويل أن النصارى في غلوهم ليسوا على هوى بني إسرائيل هم بالضد في الأقوال وإنما اجتمعوا في اتباع نوع الهوى،
فالآية بمنزلة قولك لمن تلومه على وج، هذه طريقة فلان، تمثله بآخر قد اعوج نوعاً آخر من الاعوجاج وإن
اختلفت نوازله، ووصف تعالى اليهود بأنهم ضلوا قديماً وأضلوا كثيراً من أتباعهم، ثم أكد الأمر بتكرار قوله
تعالى: ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾ وذهب بعض المتأولين إلى أن المعنى يا أهل الكتاب من النصارى لا
تتبعوا أهواء هؤلاء اليهود الذين ضلوا من قبل، أي ضل أسلافهم وهم قبل مجيء محمد، وأضلوا كثيراً من
المنافقين وضلوا عن سواء السبيل الآن بعد وضوح الحق.
وقوله تعالى: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل) الآية. قد تقرر في غير موضع من القرآن ما جرى
في مدة موسى من كفر بعضهم وعتوهم، وكذلك أمرهم مع محمد عليه السلام كان مشاهداً في وقت نزول
القرآن، فخصت هذه الآية داود وعيسى إعلاماً بأنهم لعنوا في الكتب الأربعة وأنهم قد لعنوا على لسان غير
موسى ومحمد عليهما السلام، وقال ابن عباس رحمه الله: لعنوا بكل لسان لعنوا على عهد موسى في التوراة
وعلى عهد داود في الزبور وعلى عهد عيسى في الإنجيل وعلى عهد محمد في القرآن، وروى ابن جريج
أنه اقترن بلعنتهم على لسان داود أن مسخوا خنازير، وذلك أن داود عليه السلام مر على نفر وهم في بيت
فقال من في البيت؟ قالوا: خنازير على معنى الانحجاب، قال: اللهم اجعلهم خنازير، فكانوا خنازير، ثم دعا
عيسى على من افترى عليه على أن يكونوا قردة فكانوا قردة، وقال مجاهد وقتادة: بل مسخوا في زمن داود
فردة وفي زمن عيسى خنازير، وحكى الزجّاج نحوه .
1
١

٢٢٤
تفسير سورة المائدة / الآيات ٧٩ - ٨١
قال القاضي أبو محمد: وذكر المسخ ليس مما تعطيه ألفاظ الآية، وإنما تعطي ألفاظ الآية أنهم
لعنهم الله وأبعدهم من رحمته وأعلم بذلك العباد المؤمنون على لسان داود النبي في زمنه وعلى لسان
عيسى في زمنه، وروي عن ابن عباس أنه قال: لعن على لسان داود أصحاب السبت، وعلى لسان عيسى
الذين كفروا بالمائدة، وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى لعنتهم وباقي الآية بيّن.
قوله عز وجل :
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِنْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ ﴿٨ّ تَرَى
كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اُللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَفِى الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ ﴿ وَلَوْ كَانُواْ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالنَّبِيّ وَمَا أُنزِلَ
إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَسِقُونَ
٨١
ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة بأنهم ﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه﴾ أي إنهم كانوا يتجاهرون
بالمعاصي وإن نهى منهم ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته
وخلطته، وروى ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الرجل من بني إسرائيل كان إذا
رأى أخاه على ذنب نهاه عنه تعزيراً، فإذا كان من الغد لم يمنعه ما رأى منه أن يكون خليطه وأكيله، فلما
رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض ولعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى، قال ابن مسعود:
وكان رسول الله متكئاً فجلس، وقال: لا والله حتى تأخذوا على يدي الظالم فتأطروه على الحق أطراً.
قال القاضي أبو محمد: والإجماع على أن النهي عن المنكر واجب لمن أطاقه ونهى بمعروف وأمن
الضرر عليه وعلى المسلمين، فإن تعذر على أحد النهي لشيء من هذه الوجوه ففرض عليه الإنكار بقلبه
وأن لا يخالط ذا المنكر، وقال حذاق أهل العلم: ليس من شروط الناهي أن يكون سليماً من المعصية، بل
ينهى العصاة بعضهم بعضاً، وقال بعض الأصوليين فرض على الذين يتعاطون الكؤوس أن ينهى بعضهم
بعضاً. واستدل قائل هذه المقالة بهذه الآية، لأن قوله ﴿يتناهون﴾ و﴿فعلوه﴾ يقتضي اشتراكهم في الفعل
وذمهم على ترك التناهي. وقوله تعالى: ﴿لبئس ما كانوا يفعلون﴾ اللام لام قسم، وجعل الزجاج ﴿ما﴾
مصدرية وقال: التقدير لبئس شيئاً فعلهم.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقال غيره ﴿ما﴾ نكرة موصوفة، التقدير: لبئس الشيء الذي
كانوا يفعلون فعلاً.
وقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ترى كثيراً﴾ يحتمل أن يكون رؤية قلب وعلى هذا
فيحتمل أن يريد من الأسلاف المذكورين، أي ترى الآن إذا خبرناك، ويحتمل أن يريد من معاصري محمد
صلى الله عليه وسلم لأنه كان يرى ذلك من أمورهم ودلائل حالهم، ويحتمل أن تكون الرؤية رؤية عين فلا
يريد إلا معاصري محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾ أي قدمته

٢٢٥
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٨٣٫٨٢
للآخرة واجترحته، ثم فسر ذلك قوله تعالى: ﴿أن سخط الله عليهم﴾ فـ ﴿أن سخط﴾ في موضع رفع بدل
من ﴿ما﴾، ويحتمل أن يكون التقدير هو أن سخط الله عليهم، وقال الزجاج: ((أن)) في موضع نصب
بـ ﴿أن سخط الله عليهم﴾ .
وقوله تعالى: و﴿النبي﴾ إن كان المراد الأسلاف فالنبي داود وعيسى، وإن كان المراد معاصري
محمد فالنبي محمد عليه السلام، والذين كفروا هم عبدة الأوثان، وخص الكثير منهم بالفسق إذ فيهم قليل
قد آمن.
وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: ﴿ترى كثيراً منهم﴾ كلام منقطع من ذكر بني إسرائيل
وأنه يعني به المنافقين، وقال مجاهد رحمه الله: ﴿ولو كانوا يؤمنون﴾ آية يعني بها المنافقين.
قوله عز وجل :
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم
مَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَدَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿٨) وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الَّمْعِ
٨٢
مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَِّهِدِينَ
اللام في قوله ﴿لتجدن﴾ لام الابتداء، وقال الزجّاج هي لام قسم، ودخلت هذه النون الثقيلة لتفصل
بين الحال والاستقبال.
قال القاضي أبو محمد: وهذا خبر مطلق منسحب على الزمن كله وهكذا هو الأمر حتى الآن، وذلك
أن اليهود مرنوا على تكذيب الأنبياء وقتلهم ودربوا العتو والمعاصي ومردوا على استشعار اللعنة وضرب
الذلة والمسكنة، فهم قد لجت عداواتهم وكثر حسدهم، فهم أشد الناس عداوة للمؤمنين وكذلك
المشركون عبدة الأوثان من العرب والنيران من المجوس لأن الإيمان إياهم كفر وعروشهم ثل، وبين أنهم
ليسوا على شيء من أول أمرهم فلم يبق لهم بقية فعداوتهم شديدة، والنصارى أهل الكتاب يقضي لهم
شرعنا بأن أول أمرهم صحيح لولا أنهم ضلوا، فهم يعتقدون أنهم لم يضلوا وأن هذه الآية لم تنسخ
شرعهم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه صحة دين، ويستهينون من فهموا منه الفسق، فهم
إذا حاربوا فإنما حربهم أنفة وكسب لا أن شرعهم يأخذهم بذلك، وإذا سالموا فسلمهم صاف، ويعين على
هذا أنهم أمة شريفة الخلق، لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكر عمرو بن العاصي في صحيح مسلم وتأمل
أن النبي صلى الله عليه وسلم سر حين غلبت الروم فارس، وذلك لكونهم أهل كتاب، ولم يرد عليه السلام
أن يستمر ظهور الروم وإنما سر بغلبة أهل كتاب لأهل عبادة النار، وانضاف إلى ذلك أن غلب
العدو الأصغر وانكسرت شوكة العدو الأكبر المخوف على الإسلام، واليهود لعنهم الله ليسوا على شيء
من هذه الخلق بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يبغيك هو

٢٢٦
تفسير سورة المائدة / الآيتان : ٨٣٫٨٢
الغوائل إلا الشاذ القليل منهم ممن عسى أن تخصيص بأدب وأمور غير ما علم أولا . ولم يصف الله تعالى
النصارى بأنهم أهل ود وإنما وصفهم بأنهم أقرب من اليهود والمشركين، فهو قرب مودة بالنسبة إلى
متباعدين، وفي قوله تعالى: ﴿الذين قالوا إنا نصارى﴾ إشارة إلى أن المعاصرين لمحمد صلى الله عليه
وسلم من النصارى ليسوا على حقيقة النصرانية بل كونهم نصارى قول منهم وزعم، وقوله تعالى: ﴿ذلك
بأن منهم قسيسين ورهباناً﴾ معناه ذلك بأن منهم أهل خشية وانقطاع إلى الله وعبادة وإن لم يكونوا على
هذي، فهم يميلون إلى أهل العبادة والخشية وليس عند اليهود ولا كان قط أهل ديارات وصوامع وانقطاع
عن الدنيا، بل هم معظمون لها متطاولون في البنيان وأمور الدنيا حتى كأنهم لا يؤمنون بالآخرة، فلذلك لا
يرى فيهم زاهد، ويقال ((قَس) بفتح القاف وبكسّرِها وقسيس وهو اسم أعجمي عرّب، والقس في كلام
العرب النميمة وليس من هذا، وأما الرهبان فجمع راهب. وهذه تسمية عربية والرهب الخوف، ومن
الشواهد على أن الرهبان جمع قول الشاعر جرير:
رهبان مدين لو رأوك تنزلوا والعصم من شغف العقول القادر
وقد قيل الرهبان اسم مفرد والدليل عليه قول الشاعر:
تحدَّر الرهيان يمشي ونزل
لو عاينت رهبان دير في القلل
قال القاضي أبو محمد: ويروى و ((يزل)) بالياء من الزلل، وهذ الرواية أبلغ في معنى غلبة هذه المرأة
على ذهن هذا الراهب، ووصف الله تعالی النصارى بأنهم لا يستكبرون وهذا بین موجود فيهم حتى الآن،
واليهودي متى وجد غروراً طغى وتكبر وإنما أذلهم الله وأضرعتهم الحمى وداسهم كلكل الشريعة ودين
الإسلام أعلاه اللّه، وذكر سعيد بن جبير ومجاهد وابن عباس أن هذه الآية نزلت بسبب وفد بعثهم النجاشي
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروه ويعرفوا حاله، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم عليهم القرآن
وآمنوا ورجعوا إلى النجاشي فآمن، ولم يزل مؤمناً حتى مات فصلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: وروي أن نعش النجاشي كشف للنبي صلى الله عليه وسلم فكان يراه من
موضعه بالمدينة وجاء الخبر بعد مدة أن النجاشي دفن في اليوم الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم
عليه، وذكر السدي: أنهم كانوا اثني عشر سبعة قسيسين وخمسة رهبان. وقال أبو صالح: كانوا سبعة
وستين رجلاً، وقال سعيد بن جبير: كانوا سبعين عليهم ثياب الصوف وكلهم صاحب صومعة اختارهم:
النجاشي الخير بالخير، وذكر السدي: أن النجاشي خرج مهاجراً فمات في الطريق.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لم يذكره أحد من العلماء بالسيرة، وقال قتادة: نزلت هذه
الآيات في قوم كانوا مؤمنين ثم آمنوا بمحمد عليه السلام.
قال القاضي أبو محمد: وفرق الطبري بين هذين القولين وهما واحد، وروى سلمان الفارسي عن
النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بأن منهم صديقين ورهباناً.
وقوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم) الآية الضمير في ﴿سمعوا﴾ ظاهره العموم

٢٢٧
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٨٤ - ٨٧
ومعناه الخصوص فيمن آمن من هؤلاء القادمين من أرض الحبشة، إذ هم عرفوا الحق وقالوا آمنا، وليس كل
النصارى يفعل ذلك، وصدر الآية في قرب المودة عام فيها ولا يتوجه أن يكون صدر الآية خاصاً فيمن آمن
لأن من آمن فهو من الذين آمنوا وليس يقال فيه قالوا إنا نصارى ولا يقال في مؤمنين: ﴿ذلك بأن منهم
قسيسين﴾ ولا يقال إنهم أقرب مودة، بل من آمن فهو أهل مودة محضة، فإنما وقع التخصيص من قوله
تعالى: ﴿وإذا سمعوا﴾ وجاء الضمير عاماً إذ قد تحمد الجماعة بفعل واحد منها، وفي هذا استدعاء
للنصارى ولطف من الله تعالى بهم، ولقد يوجد فيض الدموع غالباً فيهم وإن لم يؤمنوا، وروي أن وفداً من
نجران قدم على أبي بكر الصديق في شيء من أمورهم فأمر من يقرأ القرآن بحضرتهم فيكوا بكاء شديداً
فقال أبوبكر: هكذا كنا ولكن قست القلوب، وروي أن راهباً من رهبان ديارات الشام نظر إلى أصحاب
النبي صلى الله عليه وسلم ورأى عبادتهم وجدهم في قتال عدوهم فعجب من حالهم، وبكى، وقال: ما
كان الذين نشروا بالمناشير على دين عيسى بأصبر من هؤلاء ولا أجدّ في دينهم.
قال القاضي أبو محمد: فالقوم الذين وصفوا بأنهم عرفوا الحق هم الذين بعثهم النجاشي ليروا النبي
صلى الله عليه وسلم ويسمعوا ما عنده، فلما رأوه قرأ عليهم القرآن وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ما أنزل إلى
الرسول﴾ فاضت أعينهم بالدمع من خشية الله ورقت القلوب. والرؤية رؤية العين، و ﴿تفيض﴾ حال من
الأعين، و﴿يقولون﴾ حال أيضاً و﴿آمنا﴾ معناه صدقنا أن هذا رسولك والمسموع كتابك والشاهدون محمد
وأمته، قاله ابن عباس وابن جريج وغيرهما، وقال الطبري : لو قال قائل معنى ذلك مع الشاهدين بتوحيدك من
جميع العالم من تقدم ومن تأخر لكان ذلك صواباً .
قال القاضي أبو محمد: هذا معنى قول الطبري وهو كلام صحيح، وكان ابن عباس رضي الله عنه
خصص أمة محمد عليه السلام لقول الله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣].
قوله عز وجل:
وَمَا لَنَا لَانُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ
٨٤
فَثَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْجَنَّتٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ
٨٥
وَاُلَّذِينَ كَفَرُ واوَ كَذَّبُواْ بِتَابَتِنَا أُوْ لَكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ ﴾َ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُخَرِّمُواْ
طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
٨٧
قولهم ﴿وما لنا﴾ توقيف لأنفسهم أو محاجة لمن عارضهم من الكفار بأن قال لهم آمنتم وعجلتم.
فقالوا وأي شيء يصدنا عن الإيمان وقد لاح الصواب وجاء الحق المنير ﴿وما لنا﴾ ابتداء وخبر، و﴿لا نؤمن﴾ في
موضع الحال، ولكنها حال هي المقصد وفيها الفائدة: كما تقول جاء زيد راكباً وأنت قد سئلت هل جاء
ماشياً أو راكباً. وفي مصحف ابن مسعود ((وما لنا لا نؤمن بالله وما أنزل إلينا ربنا)). ﴿ونطمع﴾ تقديره ونحن
نطمع. فالواو عاطفة جملة على الجملة لا عاطفة فعل على فعل و((القوم الصالحون)) محمد وأصحابه، قاله
ابن زيد وغيره من المفسرين.

٢٢٨
تفسير سورة المائدة / الآيات : ٨٤ - ٨٧
ثم ذكر الله تعالى ما أثابهم به من النعيم على إيمانهم وإحسانهم.
ثم ذكر حال الكافرين المكذبين وأنهم قرناء الجحيم، والمعنى قد علم من غير ما آية من كتاب الله
أنه اقتران لازم دائم أبدي .
:
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ الآية قال أبو مالك وعكرمة
وإبراهيم النخعي وأبو قلابة وقتادة والسدي وعبد الله بن عباس رضي الله عنه وغيرهم: إنها نزلت بسبب
جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بلغت منهم المواعظ وخوف الله إلى أن حرم بعضهم النساء
وبعضهم النوم بالليل والطيب وهمَّ بعضهم بالاختصاء وكان منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون،
قال عكرمة: ومنهم ابن مسعود والمقداد وسالم مولى أبي حذيفة، وقال قتادة رفضوا النساء واللحم وأرادوا
أن يتخذوا الصوامع، وقال ابن عباس أخذوا الشفار ليقطعوا مذاكرهم، وطول السدي في قصة الحولاء امرأة
عثمان بن مظعون مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وإخبارها بأنه لم يلم بها، فلما أعلم رسول الله صلى
الله عليه وسلم بحالهم قال: ((أما أنا فأقوم وأنام وأصوم وأفطر وآتي النساء وأنال الطيب، فمن رغب عن
سنتي فليس مني)) قال الطبري: وكان فيما يتلى من رغب عن سنتك فليس من أمتك، وقد ضل سواء
السبيل، وقال ابن زيد: سبب هذه الآية أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف فانقلب ابن رواحة وضيفه لم
يعشَّ فقال لزوجه ما عشيته؟ قالت: كان الطعام قليلاً فانتظرتك، فقال: حبست ضيفي من أجلي ، طعامك علي
حرام إن ذقته، فقالت هي: وهو علي حرام إن ذقته وإن لم تذقه، وقال الضيف وهو عليّ حرام إن ذقته إن
لم تذوقوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة قال: قربي طعامك كلوا باسم الله فأكلوا جميعاً. ثم غدا إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال له رسول الله أحسنت ونزلت هذه الآية وأسند الطبري إلى ابن
عباس أن الآية نزلت بسبب رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني إذا أصبت من اللحم
انتشرت وأخذتني شهوتي فحرمت اللحم فأنزل الله هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: و((الطيبات)) في هذه الآية المستلذات بدليل
إضافتها إلى ما أحل وبقرينة ما ذكر من سبب الآية، واختلف المتأولون في معنى قوله ﴿ولا تعتدوا﴾ فقال
السدي وعكرمة وغيرهما. وهو نهي عن هذه الأمور المذكورة من تحریم ما أحل الله وشرع ما لم يأذن به،
فقوله ﴿ولا تعتدوا﴾ تأكيد لقوله ﴿لا تحرموا﴾ وقال الحسن بن أبي الحسن: المعنى ولا تعتدوا فتحلوا ما
حرم الله، فالنهيان على هذا تضمنا الطرفين كأنه لا تشددوا فتحرموا حلالاً ولا تترخصوا فتحلوا حراماً وقد
تقدم القول في معنى لا يحب المعتدين غير مرة.
قوله عز وجل :
وَكُلُواْ مِمَارَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَلًا طَيِّبًا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِىّ أَنتُم بِهِ، مُؤْمِنُونَ الَلَا يُؤَاخِذُ كُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ
في أَيْمَنِكُمْ وَلَكِنَ يُؤَاخِذُ كُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطَعَامُ عَشَرَةٍ مَسَلَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ
مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَّحْرِيرُ رَقَّبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ

٢٢٩
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٨٨، ٨٩
٨٩
أَيْمَنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، ◌َعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
﴿كلوا﴾ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب. ونحو ذلك، وخص الأكل
بالذكر لأنه عظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به، وقالت
المعتزلة: الرزق كل ما صح تملكه والحرام ليس برزق لأنه لا يصح تملكه. ويرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل
الحرام ليس بمرزوق من الله تعالى وقد خرج بعض النبلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى ﴿كلوا من رزق
ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور﴾ [سبأ: ١٥] قال فذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام
ورد أبو المعالي في الإرشاد على المعتزلة مشيراً إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما ملك فهو الرزق،
وملك الله تعالی الأشياء لا یصح أن يقال فيه إنه رزق له.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله، وباقي الآية بين.
وقد تقدم القول في سورة البقرة في نظير قوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم) وقوله
تعالى: ﴿بما عقدتم﴾ معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ((عقّدتم)) مشددة القاف، وقرأ عاصم
في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي ((عقَدتم)) خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر ((عاقدتم)) بألف على وزن
فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة
والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين. ومن قرأ ((عقَدتم))
فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة :
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم
ومن قرأ ((عاقدتم)) فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد
به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدى عاقد بـ ((على)) لما هو
في معنى عاهد، قال الله تعالى: ﴿ومن أوفى بما عاهد عليه الله﴾ [الفتح: ١٠] وهذا كما عديت ﴿ناديتم
إلى الصلاة﴾ [المائدة: ٥٨] بـ ((إلى)) وبابها أن تقول ناديت زيداً و﴿ناديناه من جانب الطور الأيمن﴾
[مريم: ٥٢] لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله﴾
[فصلت: ٣٣] عديت نادى بـ ((إلى))، ثم يتسع في قوله تعالى ((عاقدتم)) عليه الإيمان فيحذف الجار،
ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما
عقدتموه الأيمان. كما حذف من قوله تعالى ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحجر: ٩٤] و ﴿الأيمان﴾ جمع يمين
وهي الآلية سميت يميناً لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض عند الآلية. وقوله تعالى :
﴿فكفارته﴾ معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على الصناعة النحوية عائد
على ما، ويحتمل ﴿ما﴾ في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع
المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه و﴿إطعام عشرة
مساكين﴾ معناه إشباعهم مرة، قال الحسن بن أبي الحسن إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم
اعطاهم مكوكاً مكوكاً، وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة، وسواء أطعموا أفراداً أو جماعة

٢٣٠
تفسير سورة المائدة / الآيعان :: ٨٩،٨٨
في حين واحد ولا يجزىء في شيء من ذلك ذمي وإن أطعم صبي فيعطى حظ كبير، ولا يجوز أن يطعم
عبد ولا ذو رحم تلزم نفقته، فإن كان ممن لا تلزم المكفر نفقته فقد قال مالك لا يعجبني أن يطعمه، ولكن
إن فعل وكان فقيراً أجزأه، ولا يجوز أن يطعم منها غني، وإن أطعم جهلاً بغناه ففي المدونة وغير كتاب أنه
لا يجزىء وفي الأسدية أنه يجزىء واختلف الناس في معنى قوله ﴿من أوسط﴾ فرأى مالك رحمه الله
وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر
والصنف.
فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مداً بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك رطل وثلث من
دقيق، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أن يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء. وأفتى
ابن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث، قال ابن المواز: ومد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار
في الغداء والعشاء، قال ابن حبيب: ولا يجزىء الخبز قفاراً ولكن بأدام زيت أو لبن أو لحم أو نحوه، وفي
شرح ابن مزين أن الخبز القفار يجزىء، ورأى من يقول إن التوسط إنما هو في الصنف أن يكون الرجل
المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب المدونة
أن يراعي المكفر عيش البلد، وفي كتاب ابن المواز أن المراعى عيشه في أهله الخاص به، وكأن الآية
على التأويل الأول معناها من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، وعلى
التأويل الثاني معناها من أوسط ما يطعم شخص أهله. وقرأ الجمهور ((أهليكم)) وهو جمع أهل على
السلامة وقرأ جعفر بن محمد ((من أوسط ما تطعمون أهاليكم))، وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح ((أهَال))
بمنزلة ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول أهل وأهلة ومنه قول الشاعر:
وأهلة ود قد تبریت ودهم
ويقال ليلة وليلاة وأنشد ابن الأعرابي :
حتى يقول من رآه إذ رآه.
في كل ما يوم وكل ليلاه
يا ويحه من جمل ما أشقاه
وقرأ الجمهور ((أو كسوتهم)) بكسر الكاف يراد به كسوة الثياب وقرأ سعيد بن المسيب وأبو
عبد الرحمن وإبراهيم النخعي ((أو كُسوتهم)) بضم الكاف، وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني
((أو كأسوتهم)) من الأسوة قال أبو الفتح كأنه قال أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو
ككفاية أسوتهم، قال وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف مضاف.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما
تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق، والعلماء على أن
العتق أفضل ذلك ثم الكسوة ثم الإطعام وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر، ورب مدة ومسغبة يكون فيها
الإطعام أفضل من العتق لكن ذلك شاذ وغير معهود والحكم للأغلب، واختلف العلماء في حد الكسوة
فراعى على قوم نفس اللفظ فإذا كان الحانث المكفر كاسياً والمسكين مكسواً حصل الإجزاء، وهذه رئبة

٢٣١
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٨٨، ٨٩ .
تتحصل بثوب واحد أي ثوب كان بعد إجماع الناس أن القلنسوة بانفرادها لا تجزىء في كفارة اليمين، قال مجاهد :
يجزىء في كفارة اليمين ثوب واحد فما زاد، وقال الحسن: الكسوة ثوب لكل مسكين وقاله طاوس، وقال
منصور: الكسوة ثوب قميص أو رداء أو إزار قاله أبو جعفر وعطاء وابن عباس، وقال قد تجزىء العباءة في
الكفارة وكذلك الشملة، وقال الحسن بن أبي الحسن: تجزىء العمامة في كفارة اليمين، وقال مجاهد:
يجزىء كل شيء إلا التبان، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال: نعم الثوب التبان، أسنده الطبري
وقال الحكم بن عتيبة: تجزىء عمامة يلف بهارأسه وراعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم
لا يجزىء الثوب الواحد إلا إذا كان جامعاً مما قد يتزیی به كالكساء والملحفة، قال إبراهيم النخعي : يجزىء
الثوب الجامع وليس القميص والدرع والخمار ثوباً جامعاً .
قال القاضي أبو محمد: قد يكون القميص الكامل جامعاً وزياً، وقال بعضهم: الكسوة في الكفارة إزار
وقميص ورداء قاله ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن الحسن وابن سيرين وأبي موسى الأشعري أن
الكسوة في الكفارة ثوبان لكل مسكين، وعلق مالك رحمه الله الحكم بما يجزىء في الصلاة، وهذا أحسن
نظر، فقال: يجزىء في الرجل ثوب واحد، وقال ابن حبيب يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً،
وكلام ابن حبيب تفسير، قال مالك: تكسى المرأة درعاً وخماراً، وقال ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغير
الإناث فدرع وخمار كالكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها لصغير، قال عنه ابن المواز ولا تعجبني كسوة
المراضع بحال، فأما من أمر بالصلاة فيكسوه قميصاً ويجزئه، قال ابن المواز من رأيه: بل كسوة رجل كبير
وإلا لم يجزىء، قال أشهب، تعطى الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزىء وقاله ابن الماجشون،
وقوله ﴿أو تحرير رقبة﴾ التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها، فمنه
قوله تعالى عن أم مريم: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محرراً﴾ [آل عمران: ٣٥] أي من شغوب الدنيا،
ومن ذلك قول الفرزدق:
فوهبتكم لعطية بن جعال
ابني غدانة إنني حررتكم
أي حررتكم من الهجاء، وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي فيه يكون الغل والتوثق غالباً
من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها، واختلف الناس في صفة المعتق في الكفارة كيف
ينبغي أن يكون، فقالت جماعة من العلماء: هذه رقبة مطلقة لم تقيد بأيمان فيجوز في كفارة اليمين عتق
الكافر، وهذا مذهب الطبري وجماعة من العلماء، وقالت فرقة كل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى
المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ فلا يجزىء في شيء من الكفارات كافر، وهذا قول مالك رحمه الله
وجماعة معه، وقال مالك رحمه الله: لا يجزي أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وقال ابن شهاب وجماعة، وفي
الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم وفي الخصي، وفي العلماء من رأى أن جميع هذا يجزىء
وفرق النخعي فجوز عتق من يعمل أشغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل كالأعمى والمقعد والأشل
اليدين، قال مالك رحمه الله: والأعجمي عندي يجزىء من قصر النفقة وغیرہ أحب إليّ، قال سحنون يريد
بعد أن يجيب إلى الإسلام، فإن كان الأعجمي لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من
المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين فقال ابن القاسم يجزىء عتقه وإن لم يسلم وقال أشهب لا
-----

٢٣٢
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٠ - ٩٢
يجزىء حتى يسلم، ولا يجزىء عند مالك من فيه شعبة حرية كالمدبر وأم الولد ونحوه.
وقوله تعالى ﴿فمن لم يجد﴾ معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو عتق
الرقبة واختلف العلماء في حد هذا العادم الوجد حتى يصح له الصيام ، فقال الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء
إذا كان المكفر لا يملك إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم ، فإن كان عنده زائداً على ذلك مايطعم
عشرة مساكين لزمه الإطعام، وهذا أيضاً هو مذهب مالك وأصحابه قال مالك في المدونة: لا يجزئه
سيام وهو يقدر على أحد الوجوه الثلاثة، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل له نفقة يوم
فإنه لا يصوم، وقال ابن المواز: ولا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في البلد لا
يعطف عليه فيه، وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: إن كان لحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن
يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال سعيد بن جبير: إن لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم
وقال قتادة: إذا لم یکن له إلا قدر ما يكفر به صام، وقال الحسن بن أبي الحسن: إذا كان له درهمان أطعم،
قال الطبري: وقال آخرون: جائز لمن لم تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد، وقال آخرون:
جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم، وقرأ أبي بن كعب
فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال بذلك جماعة من العلماء
منهم مجاهد وغيره، وقال مالك رحمه الله وغيره: إن تابع فحسن وإن فرق أجزأ، وقوله تعالى: ﴿ذلك
كفارة أيمانكم﴾ إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة وقوله ﴿إذا حلفتم﴾ معناه ثم أردتم الحنث أو وقعتم فيه
وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان.
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْخَفُرُ وَالْمَيْسِرُ وَاُلْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
٩٠
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَوَةَ وَاُلْبَغْضَآءَ فِ الْخَمْرِوَالْمَيْسِ وَيَصُدَّكُمْعَن ذِكْرِاللَّهِوَعَنِ
وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُ واْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى
ج
الصَّلَوَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنَهُونَ
٩٢
رَسُولِنَا الْبَلَغُ الْمُبِينُ
الخطاب للمؤمنين جميعاً، لأن هذه الأشياء شهوات وعادات قد تلبس بها في الجاهلية وغلبت على
النفوس فكان بقي منها في نفوس كثير من المؤمنين، فأما ﴿الخمر﴾ فكانت لم تحرم بعد، وأما ﴿الميسر﴾ ففيه
قمار ولذة للفارغ من النفوس ونفع أيضاً بوجه ما، وأما ﴿الأنصاب﴾ وهي حجارة يذكون عندها لفضل
يعتقدونه فيها، وقيل هي الأصنام المعبودة كانوا يذبحون لها وعندها في الجاهلية. فإن كانت المرادة في
هذه الآية الحجارة التي يذبح عندها فقط فذلك لأنه كان في نفس ضعفة المؤمنين شيءٍ من تعظيم تلك
الحجارة، وهذا كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو الدوسي لزوجها: أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً؟
وذو الشرى صنم لدوس، وإن كانت المرادة في هذه الآية الأصنام فإنما قرنت بهذه الأمور ليبين النقص في.
هذه إذ تقرن بالأصنام، ولا يتأول أنه بقي في نفس مؤمن شيء من تعظيم الأصنام والتلبس بها حتى يقال له

٢٣٣
تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩٠ - ٩٢
اجتنبه، وأما ﴿الأزلام) فهي الثلاثة التي كان أكثر الناس يتخذونها. في أحدها ((لا)) وفي الآخر ((نعم))، والآخر
((غفل))، وهي التي حبسها سراقة بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهجرة، فكانوا
يعظمونها، وبقي منها في بعض النفوس شيء ومن هذا القبيل هو الزجر بالطير وأخذ الفأل منها في الكتب
ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وقد يقال لسهام الميسر أزلام، والزلم السهم وكان من الأزلام أيضاً ما
يكون عند الكهان وكان منها سهام عند الأصنام وهي التي ضرب بها على عبد الله بن عبد المطلب أبي
النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند قريش في الكعبة أزلام فيها أحكام ذكرها ابن إسحاق وغيره،
فأخبر الله تعالى أن هذه الأشياء ﴿رجس﴾، قال ابن زيد: الرجس الشر.
قال القاضي أبو محمد: كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب، وقال ابن عباس في هذه الآية
﴿رجس﴾ سخط، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير،
والرجس يقال للأمرين، وأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر في قوله ﴿فاجتنبوه﴾ نصوص
الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في رتبة التحريم، فبهذا حرمت الخمر بظاهر القرآن ونص
الحديث وإجماع الأمة، وقد تقدم تفسير لفظة ﴿الخمر) ومعناها. وتفسير ﴿الميسر﴾ في سورة البقرة، وتقدم
تفسير ﴿الأنصاب﴾ والاستقسام بالأزلام في صدر هذه السورة، واختلف الناس في سبب نزول هذه الآيات،
فقال أبو ميسرة: نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل
بالناس من أجلها ودعا إلى اللّه في تحريمها، وقال: اللهم بين لنا فيها بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال
عمر انتهينا، انتهينا وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد قال: صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا
فشربنا الخمر حتى انتشينا فتفاخرت الأنصار وقريش فقال كل فريق: نحن خير منكم، فأخذ رجل من
الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف، قال سعد ففيّ نزلت الآية إلى
آخرها، وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا فلما
صحوا جعل كل واحد منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته وجسده، فيقول هذا فعل فلان بي، فحدث بينهم في
ذلك ضغائن، فنزلت هذه الآيات في ذلك.
قال القاضي أبو محمد: وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة، منها قصة حمزة حين جبَّ
الأسنمة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: وهل أنتم إلا عبيد لأبي، ومنها قراءة علي بن أبي طالب في
صلاة المغرب ((قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون)) فنزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم
سكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآية، ثم لم تزل النوازل تحزب الناس بسببها حتى نزلت هذه الآية، فحرمت
بالمدينة وخمر العنب فيها قليل، إنما كانت خمرهم من خمسة أشياء من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن
الحنطة ومن الشعير، والأمة مجمعة على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا
خالطها شيء، وأكثر الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، ولأبي حنيفة وبعض فقهاء الكوفة إباحة ما لا
يسكر مما يسكر كثيره من غير خمر العنب، وهو مذهب مردود، وقد خرج قوم تحريم الخمر من وصفها
برجس، وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بأنها رجس، فيجيء من ذلك
أن کل رجس حرام.

٢٣٤
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٩٤،٩٣
-
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، والاجتناب أن يجعل الشيء جانباً أو ناحية.
ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين
المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزيناً فقيراً
فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم
متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله
إخواناً))، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، و﴿البغضاء﴾ تنقض عرى الدين وتهدم
عماد الحماية، وكذلك أيضاً يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها
بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿فهل أنتم منتهون﴾
وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا.
ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه ﴿وأطيعوا﴾ وكرر ﴿أطيعوا﴾ في ذكر الرسول
تأكيداً، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إتما على الرسول أن يبلغ وعلى
المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع.
قوله عز وجل :
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوْاْإِذَا مَا أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
قلے
ثُمَّأُتَّقَواْ وَءَامَنُوْتُمَ اتَّقَوْ وَأَحْسَنُواْ وَلَهُ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَنَّكُمُ الَّهُ بِشَىْءٍ مِّنَ
الصَّيْدِ تَنَالُهُ: أَيْدِيكُمْ وَرِ مَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
٩٤
سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك: أنه لما نزل تحريم الخمر، قال
قوم من الصحابة: يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول؟ فنزلت
هذه الآية .
قال القاضي أبو محمد: وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت ﴿وما كان الله
ليضيع إيمانكم﴾ [البقرة: ١٤٣] ولما كان أمر القبلة خطيراً ومعلماً من معالم الدين تخيل قوم نقص من
فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات
على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا
قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم،
والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و((الجناح)) الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل
المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي و﴿طعموا﴾ معناه ذاقوا فصاعداً في رتب الأكل والشرب، وقد يستعار
للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق، والتكرار في قوله ﴿اتقوا﴾ يقتضي في كل واحدة زيادة على التي
قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال

٢٣٥
تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٩٤،٩٣
قوم: الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي
الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من
النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية
للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم: الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر،
والثالث في الصغائر.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وليست هذه الآية وقفاً على من عمل الصالحات كلها، واتقى
كل التقوى. بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما
استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح
فيما طعم مما لم يحرم عليه، وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنه،
وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وعمرّ، وكان
ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد
عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر: ومن يشهد معك؟ فقال:
أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد؟ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له
عمر: لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر: أقم على
هذا كتاب الله، فقال له عمر: أخصم أنت أم شهيد، قال: بل شهيد: قال: قد أديت شهادتك، فصمت
الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر: ما أراك إلا خصماً وما شهد معك
إلا رجل واحد، قال الجارود: إني أنشدك الله، قال عمر: لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود: ما
هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة: إن كنت تشك في شهادتنا
فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت
الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال: لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني،
قال عمر لم؟ قال: لأن الله تعالى يقول ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح) الآية، فقال له
عمر: أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضاً فقال له قوم
من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً، فأصبح يوماً وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه: ما ترون في
جلد قدامة؟ قالوا: لا نرى ذلك ما دام وجعاً، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إليَّ من أن
ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة
مغاضباً له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال: عجلوا عليَّ بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال:
سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبى فلما جاء كلمه عمر واستغفر
له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره.
وقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد﴾ أي ليختبركم ليرى طاعتكم من
معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع
منهم مستعماً جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في

٢٣٦
تفسير سورة المائدة / الآية: ٩٥
السبت، و﴿من﴾ تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطري وغيره،
ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال
بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من
الورق، وكما قال تعالى ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] وقوله ﴿بشيء﴾ يقتضي تبعيضاً ما
وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ [المائدة: ٦] أعطت تبعيضاً ما،
وقرأ ابن وثاب والنخعي ((يناله)) بالياء منقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا
يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد.
قال القاضي أبو محمد: والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في
الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص
الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد
للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى ﴿ليعلم﴾ معناه ليستمر
علمه عليه وهو موجود إذا علم تعالى ذلك في الأزل. وقرأ الزهري ((ليُعلِم الله)) بضم الياء وكسر اللام أي
ليعلم عباده، و﴿بالغيب﴾ قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن
المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو
صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله ﴿ليبلونكم﴾ وأشار إليه
قوله ﴿ذلك﴾ والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة.
قوله عز وجل :
ج
يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْالصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَذَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ
بِهِ، ذَوَاعَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْ يَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ،
٩٥
عَفَ اللهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ عَادَ فَيَنْنَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزُ ذُواْنِقَامٍ (
الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل ﴿ليبلونكم﴾
[المائدة: ٩٤] و﴿الصيد﴾ مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام
ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب
العقور)) ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فلم
يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس
وعقرهم ورآه داخلاً في اللفظ فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئاً
بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال أصحاب الرأي إن بدأ السبع المحرم
فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا

٢٣٧
تفسير سورة المائدة / الآية : ٩٥
عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحلَّ به، وأما فراخ السبع الصغار قبل أن تفرس فقال مالك في
المدونة لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب محمد: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب
وابن القاسم لا جزاء عليه، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات،
وأجمع الناس على إباحة قتلها، وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه في حكم العقرب،
وقال مالك: يطعم قاتله شيئاً، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب
الرأي لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن
القاسم في كتاب محمد: وأحب إليَّ أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذيه، ولكن إن فعل فلا شيء
عليه .
قال القاضي أبو محمد: وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء وما عدا ما ذكرناه فهو
مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، وفرض الجزاء على من قتله و﴿حرم﴾ جمع حرام وهو
الذي يدخل في الحرام أو في الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء
في معنى قوله ﴿متعمداً﴾ فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد: معناه متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه،
فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن قتله متعمداً ذاكراً لإحرامه فهذا أجلّ وأعظم من
أن يكفر. قال مجاهد: قد حل ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال
ابن زيد: هذا يوكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك وعطاء وسعيد
ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي
والقاتل خطأ يكفران.
قال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأ أنهما يكفران، وقال بعض الناس لا يلزم
القاتل خطأً كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر ((فجزاءُ مثلِ ما)) بإضافة الجزاء إلى مثل
وخفض مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم ((فجزاء)) بالرفع («مثلُ)) بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها
فعليه جزاء مثل ما قتل أي قضاؤه وغرمه، ودخلت لفظة ((مثل)) هنا كما تقول أنا أكرم مثلك وأنت تقصد
بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن
مثله في الظلمات﴾ [الأنعام: ١٢٢] التقدير كمن هو في الظلمات.
قال القاضي أبو محمد: ويحتمل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل﴾ أن يكون المعنى فعليه أن يجزي مثل
ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعاً، وأما القراءة الثانية فمعناها فالواجب عليه أو
فاللازم له جزاء مثل ما و((مثل)) على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى: ﴿من
النعم﴾ صفة لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله بن مسعود ((فجزاؤه مثل ما)) بإظهار هاء يحتمل أن
تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد الرحمن ((فجزاءً)) بالرفع والتنوين ((مثلَ ما)) بالنصب،
وقال أبو الفتح ((مثل)) منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه الماثلة
كيف تكون؟! فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتول في الخلقة وعظم
المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء: في النعامة

٢٣٨
تفسير سورة المائدة / الآية: ٩٥
وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه كبش، وفي الأرنب ونحوه
ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من جرادة ونحوها ففيها قيضة طعام، وما كان من طير
فيقوم ثمنها طعاماً فإن شاء تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوماً، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل
الفحل على عدد ما أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد منها فلا شيءٍ عليه فيه.
قال القاضي أبو محمد: حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو وعبد الرحمن بن
عوف، قال قبيصة: فقلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك، قال: فضربني بالدرة
حتى سابقته عَدْوا. ثم قال: أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى؟ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه
الألفاظ. وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم. وأما الأرنب واليربوع
ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاماً، فإن شاء تصدق به وإن شاء صام بدل كلّ مدّ يوماً، وكذلك
عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام
الحرم عند مالك شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام وسائر
الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل
الفرخ صارخاً بعد الكسر فإن استهل ففيه الجزاء كاملاً كجزاء كبير ذلك الطير. قال ابن المواز: بحكومة
عدلين، وقال ابن وهب: إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن فصيام يوم أو
مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم منهم النخعي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في
القيمة، يقوّم الصيد المقتول ثم يشترى بقيمته من النعم ثم يهدى، ورد الظبري وغيره
على هذا القول، و﴿النعم﴾ لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل
صنف لم يقل ((نعم)) إلا للإبل وحدها، وقرأ الحسن ((من النعْم)) بسكون العين وهي لغة، والجزاء إنما
يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة الذي اصطاد طائراً
فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين
عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي أن
يأتي رجلين من العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال:
فأتيت عبد الرحمن وسعداً فحكما عليّ تيساً أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ليحكم معه في جزاء،
وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب رحمه الله في العتبية: من السنة أن يخير
الحکمان من أصاب الصید کما خيره الله في أن يخرج هدیاً بالغ الكعبة أو کفارة طعام مساکین أو عدل ذلك
صياماً. فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين، أن يكون عدل ذلك شاة لأنها
أدنى الهدي. فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً.
وكذلك قال مالك في المدونة: إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه
يقوم صيده طعاماً لا دراهم، قال: وإن قوموه دراهم واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعاً، والأول
أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام مكانه لكل مد يوماً، وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن
عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا

٢٣٩
تفسير سورة المائدة / الآية : ٩٥
العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن أحاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا
النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز في صيام الجزاء شهران، قالوا: لأنها أعلى
الكفارات بالصيام، وقوله تعالى: ﴿هدياً بالغ الكعبة﴾ يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى
يبلغ، وذكرت ﴿الكعبة﴾ لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به بعرفة من هذا
الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن
يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغاً الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج ((هدِيّاً بالغ الكعبة)) بكسر الدال
وتشديد الياء، و﴿هدياً﴾ نصب على الحال من الضمير في ﴿به﴾، وقيل على المصدر، و﴿بالغ﴾ نكرة في
الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغاً الكعبة حذف تنويه تخفيفاً، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو
عمرو وحمزة والكسائي ((أو كفارةُ)) منوناً ((طعامُ مساكين)) برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع
وابن عامر برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو علي: إعراب
طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما
هي لقتل الصيد.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي هذا نظر، لأن
الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل
المحض، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد
تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمر ((أو كفارةٌ)) بالرفع والتنوين
((طعامٌ)) بالرفع دون تنوين ((مسكين)) على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال مالك رحمه الله وجماعة من
العلماء: القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان غنياً، وهذا عندهم مقتضى (أو)، وقال ابن عباء
ينتقل المكفر من الهدي إلى الطعام إلا إذا لم يجد هدياً، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، وقاله
إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا: والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي. ومالك رحمه الله
وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء
طعاماً، فمن قتل ظبياً قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة وغيره،
وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من
النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام
مكان كل نصف صاع يوماً قال: وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاماً فإنما يجد جزاء،
وأسنده أيضاً عن السدي.
قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا القول بظاهر لفظ الآية فإنه ينافره، والهدي لا يكون إلا في
الحرم كما ذكرنا قبل.
واختلف الناس في الطعام فقال جماعة من العلماء: الإطعام والصيام حيث شاء المكفر من البلاد،

٢٤٠
تفسير سورة المائدة / الآية: ٩٥
وقال عطاء بن أبي رباح وغيره ((الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شئت)) وقوله تعالى: ﴿أو عدل ذلك
صياماً﴾ قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه: نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس
وطلحة بن مصرف والجحدري: ((أو عدل)) بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي
صلی الله عليه وسلم، وقال بعض الناس ((العدل) بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعدله بالكسر قدره من
جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي: أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة
عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن ((العدل)) بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله
قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين
فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله ﴿عدل ذلك﴾ يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من
قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته
في ذلك. ويحتم أن تكون الإشارة بـ ﴿بذلك) إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انينى قول من قال من العلماء:
الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبياً فعليه
شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلًا فعليه بقرة،
فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه
بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً.
قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم لابن عباس رضي الله عنه قول غير هذا آنفاً حكاهما عنه الطبري
مسندين، ولا ينكر أن يكون له في هيئة التكفير قولان، وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: ﴿أو عدل
ذلك صياماً﴾ قال يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة.
وقوله تعالى: ﴿ليذوق وبال أمره﴾ الذوق هنا مستعار كما قال تعالى: ﴿ذق إنك أنت العزيز
الكريم﴾ [الدخان: ٤٩] وكما قال ﴿فأذاقها الله لباس الجوع﴾ [النحل: ١١٢] وكما قال أبو سفيان: ذق
عقق وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة السان، وهي في هذا كله مستعارة فيما بوشر بالنفس، والوبال سوء
العاقبة، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله، وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم عليه
ومضي ماله أو تعبه بالصيام، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿عفا الله عما سلف﴾ فقال عطاء بن
أبي رباح وجماعة معه: معناه عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاف الآن
في الإسلام فإن كان مستحيلاً فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصياً فالنقمة
هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا وكلما عاد المحرم فهو مكفر.
قال القاضي أبو محمد: ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالك
ونظائره وأصحابه رحمهم الله، وقال ابن عباس رضي الله عنه: المحرم إذا قتل مراراً ناسياً لإحرامه فإنه يكفر
في كل مرة، فأما المتعمد العالم بإحرامه فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد ثانية فلا
يحكم عليه، ويقال له: ينتقم الله منك، كما قال الله، وقال بهذا القول شريح القاضي وإبراهيم النخعي
ومجاهد، وقال سعيد بن جبير: رخص في قتل الصيد مرة فمن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه.