النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ تفسير سورة المائدة / الآية : ٦ قال القاضي أبو محمد: والقصد بهذا التأويل أن تعم الأحداث بالذكر ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو في نفسه حدث، وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير تقديره ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة﴾ من النوم ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط أو لا مستم النساء﴾ يعني الملامسة الصغرى ﴿فاغسلوا﴾ فتمت أحكام المحدث حدثاً أصغر ثم قال: ﴿وإن كنتم جنباً فاطهروا﴾ فهذا حكم نوع آخر، ثم قال للنوعين جميعاً ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً﴾ وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك رحمه الله وغيره، وقال جمهور أهل العلم معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وليس في الآية على هذا تقديم ولا تأخير بل يترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله: ﴿فاطهروا﴾ ودخلت الملامسة الصغرى في قوله محدثين، ثم ذكر بعد ذلك بقوله: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى آخر الآية حكم عادم الماء من النوعين جميعاً وكانت الملامسة هي الجماع ولا بد ليذكر الجنب العادم للماء كما ذكر الواجد، وهذا هو تأويل الشافعي وغيره وعليه تجيء أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى وغيرهم. وقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ الغسل في اللغة إيجاد الماء في المغسول مع إمرار شيء عليه كاليد أو ما قام مقامها، وهو يتفاضل بحسب الانغمار في الماء أو التقليل منه، وغسل الوجه في الوضوء هو بنقل الماء إليه وإمرار اليد عليه، والوجه ما زاجه الناظر وقابله، وحدّه في الطول منابت الشعر فوق الجبهة إلى آخر الذقن، وعبر بعض الناس إلى تحت الذقن، واختلف في ذي اللحية فقيل: حده من اللحية إلى ما قابل آخر الذقن، وقيل بل حده فيها آخر الشعر، واختلف العلماء في تخليل اللحية على قولين روي تخليلها عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس ذكره الطبري، واختلف في حده عرضاً فهو في المرأة والأمرد من الأذن إلى الأذن وفي ذي اللحية ثلاثة أقوال فقيل: من الشعر إلى الشعر يعني شعر العارضين وقيل: من الأذن إلى الأذن ويدخل البياض الذي بين العارض والأذن في الوجه وقيل: يغسل ذلك البياض استحباباً، واختلف في الأذنين فقيل هما من الرأس، وقال الزهري من الوجه، وقيل هما عضو قائم بنفسه ليسا من الوجه ولا من الرأس، وقيل: ما أقبل منهما من الوجه وما أدبر فهو من الرأس، واختلف في المضمضة والاستنشاق فجمهور الأمة يرونها سنة ولا يدخل هذان الباطنان عندهم في الوجه وقال مجاهد: الاستنشاق شطر الوضوء، وقال حماد بن أبي سليمان وقتادة وعطاء والزهري وابن أبي ليلى وابن راهويه: من ترك المضمضة والاستنشاق في الوضوء أعاد الصلاة، وقال أحمد: يعيد من ترك الاستنشاق ولا يعيد من ترك المضمضة والناس كلهم على أن داخل العينين لا يلزم غسله إلا ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان ينضح الماء في عينيه. وقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ اليد في اللغة تقع على العضو الذي هو من المنكب إلى أطراف الأصابع ولذلك كان أبو هريرة يغسل جميعه في الوضوء أحياناً ليطيل الغرة، وحد الله تعالى موضع الغسل منه بقوله: ﴿إلى المرافق﴾ يقال في واحدها مرفق ومرفق، وكسر الميم وفتح الفاء أشهر، واختلف العلماء هل تدخل المرافق في الغسل أم لا فقالت طائفة لا تدخل لأن إلى غاية تحول بين ما قبلها وما بعدها، وقالت طائفة تدخل المرافق في الغسل لأن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها فهو داخل، ومثل أبو .- . ١٦٢ تفسير سورة المائدة / الآية : ٦ العباس المبرد في ذلك بأن تقول: اشتريت الفدان إلى حاشيته أو بأن تقول اشتريت الفدان إلى الدار وبقوله: ﴿أتموا الصيام إلى الليل﴾ [البقرة: ١٨٧]. قال القاضي أبو محمد: وتحرير العبارة في هذا المعنى أن يقال: إذا كان ما بعد ﴿إلى﴾ ليس مما قبلها فالحد أول المذكور بعدها وإذا كان ما بعدها من جملة ما قبلها فالاحتياط يعطي أن الحد المذكور بعدها ولذلك يترجح دخول المرفقين في الغسل. والروايتان محفوظتان عن مالك بن أنس رضي الله عنه، روى عنه أشهب أن المرفقين غير داخلين في الحد، وروي عنه أنهما داخلان. وقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ المسح أن يمر على الشيء بشيء مبلول بالماء وسنة مسح الرأس أن يؤخذ ماء باليدين ثم يرسل ثم يمسح الرأس بما تعلق باليدين، واختلف في مسح الرأس في مواضع منها هيئة المسح فقالت طائفة منها مالك والشافعي وجماعة من الصحابة والتابعين يبدأ بمقدم رأسه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى مقدمه، وقالت فرقة يبدأ من مؤخر الرأس حتى يجيء إلى المقدم ثم يرد إلى المؤخر، وقالت فرقة: يبدأ من وسط الرأس فيجيء بيديه نحو الوجه ثم يرد فيصيب باطن الشعر فإذا انتهى إلى وسط الرأس أمرّ يديه كذلك على ظاهر شعر مؤخر الرأس ثم يرد فيصيب بناطنه ويقف عند وسط الرأس، وقالت فرقة يمسح رأسه من هنا وهنا على غير نظام ولا مبدأ محدود حتى يعمه . .ذ. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله قول بالعموم، واختلف في رد اليدين على شعر الرأس هل هو فرض أم سنة بعد الإجماع على أن المسحة الأولى فرض بالقرآن فالجمهور على أنه سنة وقيل: هو فرض، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس قدر ما يمسح فقالت جماعة: الواجب من مسح الرأس عمومه، ثم اختلفوا في الهيئات على ما ذكرناه، وقال محمد بن مسلمة أن مسح ثلثي الرأس وترك الثلث أجزا وقال أبو الفرج المالكي: وروي عن مالك أنه أن مسح الثلث أجزأ لأنه كثير في أمور من الشرع، وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأ. قال القاضي أبو محمد: وكل من أحفظ عنه إجزاء بعض الرأس فإنه يرى ذلك البعض من مقدم الرأس، وذلك أنه قد روي في ذلك أحاديث في بعضها ذكر الناصية وفي بعضها ذكر مقدم الرأس، إلا ما روي عن إبراهيم والشعبي قالا: أي نواحي رأسك مسحت أجزأك، وكان سلمة بن الأكوع يمسح مقدم رأسه. وروي عن ابن عمر أنه مسح اليافوخ فقط، وقال أصحاب الرأي: إن مسح بثلاث أصابع أجزأه وإن كان الممسوح أقل مما يمر عليه ثلاث أصابع لم يجزىء وقال قوم: يجزىء من مسح الرأس أن يمسح مسحة بأصبع واحدة، وقال الحسن بن أبي الحسن: إن لم تصب المرأة إلا شعرة واحدة أجزأها، وحكى الطبري وغيره عن سفيان الثوري أن الرجل إذا مسح شعرة واحدة أجزأه، ومن مواضع الخلاف في مسح الرأس ما العضو الذي يمسح به؟ فالإجماع على استحسان المسح باليدين جميعاً وعلى الإجزاء إن مسح بواحدة، واختلف فيمن مسح بأصبع واحدة حتى عم ما يرى أنه يجزئه من الرأس فالمشهور أن ذلك يجزىء وقيل لا یجزىء. قال القاضي أبو محمد: ويترجح أنه لا يجزىء لأنه خروج عن سنة المسح وكأنه لعب إلا أن يكون - ١٦٣ تفسير سورة المائدة / الآية : ٦ 1 ذلك عن ضرورة مرض فينبغي أن لا يختلف في الاجزاء، ومن مواضع الخلاف عدد المسحات، فالجمهور على مرة واحدة ويجزىء ذلك عند الشافعي وثلاثاً أحب إليه وروي عن ابن سيرين أنه مسح رأسه مرتين، وروي عن أنس أنه قال يمسح الرأس ثلاثاً، وقاله سعيد بن جبير وعطاء وميسرة، والباء في قوله ﴿برؤوسكم﴾ مؤكدة زائدة عند من يرى عموم الرأس، والمعنى عنده وامسحوا رؤوسكم، وهي للإلزاق المحض عند من يرى إجزاء بعض الرأس كأن المعنى أوجدوا مسحاً برؤوسكم فمن مسح شعرة فقد فعل ذلك، ثم اتبعوا في المقادير التي حدوها آثاراً وأقيسة بحسب اجتهاد العلماء رحمهم الله . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة ((وأرجلكم)) خفضاً وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وأرجلكم نصباً، وروى أبو بكر عن عاصم الخفض، وروى عنه حفص النصب، وقرأ الحسن والأعمش ((وأرجلكم)) بالرفع المعنى فاغسلوها، ورويت عن نافع، وبحسب هذا اختلاف الصحابة والتابعين، فكل من قرأ بالنصب جعل العامل اغسلوا وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل بالماء دون المسح، وهنا هو الجمهور وعليه علم فعل النبي صلى الله عليه وسلم وهو اللازم من قوله صلى الله عليه وسلم وقد رأى قوماً يتوضؤون وأعقابهم تلوح فنادى بأعلى صوته، ((ويل للأعقاب من النار)) ومن قرأ بالخفض جعل العامل أقرب العاملين، واختلفوا، فقالت فرقة منهم، الفرض في الرجلين المسح لا الغسل وروي عن ابن عباس أنه قال: الوضوء غسلتان ومسحتان، وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم وأنه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه ((فاغسلوا)) بطونهما وظهورهما وعراقيبهما فسمع ذلك أنس بن مالك فقال صدق الله وكذب الحجاج قال الله تعالى: ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ قال وكان أنس إذا مسح رجليه بلهما، وروي أيضاً عن أنس أنه قال: نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل وكان عكرمة يمسح على رجليه وليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح . وقال الشعبي: نزل جبريل بالمسح ثم قال: ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلًا ويلغى ما كان مسحاً وروي عن أبي جعفر أنه قال: امسح على رأسك وقدميك، وقال قتادة: افترض الله غسلتين ومسحتين، وكل من ذكرنا فقراءته ((وأرجلكم)) بكسر اللام، وبذلك قرأ علقمة والأعمش والضحاك وغيرهم، وذكرهم الطبري تحت ترجمة القول بالمسح، وذهب قوم ممن يقر بكسر اللام إلى أن المسح في ((الرجلين)) هو الغسل، وروي عن أبي زيد أن العرب تسمي الغسل الخفيف مسحاً ويقولون تمسحت للصلاة بمعنى غسلت أعضائي، وقال أبو عبيدة وغيره في تفسير قوله تعالى: ﴿فطفق مسحاً﴾ [ص: ٣٣] أنه الضرب، ويقال: مسح علاوته إذا ضربه، قال أبو علي: فهذا يقوي أن المراد بمسح الرجلين الغسل، ومن الدليل على أن مسح الرجلين يراد به الغسل أن الحد قد وقع فيهما بـ ﴿إلى﴾ كما وقع في الأيدي وهي مغسولة ولم يقع في الممسوح حد. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا التأويل بترك الحد في الوجه فكان الوضوء مغسولين حد أحدهما وممسوحين حد أحدهما، وقال الطبري رحمه الله إن مسح الرجلين هو بإيصال الماء إليهما ثم ١٦٤ تفسير سورة المائدة / الآية : ٦ يمسح بيديه بعد ذلك فيكون المرء غاسلاً ماسحاً، قال: ولذلك كره أكثر العلماء للمتوضىء أن يدخل رجليه في الماء دون أن يمر یدیه. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقد جوز ذلك قوم منهم الحسن البصري وبعض فقهاء الأمصار. وجمهور الأمة من الصحابة والتابعين على أن الفرض في الرجلين الغسل وأن المسح لا يجزىء. وروي ذلك عن الضحاك وهو يقرأ بضم اللام، والكلام في قوله ﴿إلى الكعبين﴾ كما تقدم في قوله ﴿إلى المرافق﴾. واختلف اللغويون في ﴿الكعبين﴾ فالجمهور على أنهما العظمان الناتئان في جنبي الرجل. وهذان هما حد الوضوء بإجماع فيما علمت، واختلف هل يدخلان في الغسل أم لا كما تقدم في المرفق. وقال قوم الكعب هو العظم الناتىء في وجه القدم حيث يجتمع شراك النعل. قال القاضي أبو محمد: ولا أعلم أحداً جعل حد الوضوء إلى هذا ولكن عبد الوهاب في التلقين جاء في ذلك بلفظ فيه تخليط وإبهام. قال الشافعي رحمه الله لم أعلم مخالفاً في أن ﴿الكعبين﴾ هما العظمان في مجمع مفصل الساق، وروى الطبري عن يونس عن أشهب عن مالك قال: الكعبان اللذان يجب الوضوء إليهما هما العظمان الملتصقان بالساق المحاذيان للعقب وليس الكعب بالظاهر في وجه القدم. قال القاضي أبو محمد: ويظهر ذلك من الآية من قوله في الأيدي ﴿إلى المرافق﴾ أي في کل ید مرفق ولو كان كذلك في الأرجل لقيل إلى الكعوب فلما كان في كل رجل كعبان خصا بالذكر، وألفاظ الآية تقتضي الموالاة بين الأعضاء واختلف العلماء في ذلك فقال ابن أبي سلمة وابن وهب ذلك من فروض الوضوء في الذكر والنسيان، وقال ابن عبد الحكم ليس بفرض مع الذكر، وقال مالك هو فرض مع الذكر ساقط مع النسيان، وكذلك تتضمن ألفاظ الآية الترتيب واختلف فيه فقال الأبهري الترتيب سنة، وظاهر المذهب أن التنكيس للناسي مجزىء، واختلف في العامد فقيل: يجزىء ويرتب في المستقبل، وقال أبو بكر القاضي وغيره: لا یجزىء لأنه عابث. وقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنباً﴾ الجنب مأخوذ من الجنب لأنه يمس جنبه جنب امرأة في الأغلب، ومن المجاورة والقرب قيل ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦]، ويحتمل الجنب أن يكون من البعد إذ البعد جنابة ومنه تجنبت الشيء إذا بعدت عنه، فكأنه جانب الطهارة وعلى هذا يحتمل أن يكون ﴿الجار الجنب﴾ [النساء: ٣٦] هو. البعيد الجوار ويكون مقابلاً للصاحب بالجنب و((اطهروا)) أمر بالاغتسال بالماء، ولذلك رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن مسعود وغيرهما أن الجنب لا یتیمم البتة بل يدع الصلاة حتى يجد الماء، وقال جمهور الناس: بل هذه العبارة هي لواجد الماء، وقد ذكر الجنب أيضاً بعد في أحكام عادم الماء بقوله تعالى: ﴿أو لا مستم النساء﴾ إذ الملامسة هنا الجماع، والطهور بالماء صفته أن يعم الجسد بالماء وتمر اليد مع ذلك عليه، هذا هو مشهور المذهب، وروى محمد بن مروان الظاهري وغيره عن مالك أنه يجزىء في غسل الجنابة أن ينغمس الرجل في الماء دون تدلك، وقد تقدم في سورة النساء تفسير قوله عز وجل: ﴿وإن كنتم مرضى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ وقراءة من قرأ ((من الغيط)). وقوله تعالى: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) الإرادة صفة ذات وجاء الفعل مستقبلاً مراعاة ١٦٥ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٧، ٨ للحوادث التي تظهر عن الإرادة فإنها تجيء مؤتنفة من تطهير المؤمنين وإتمام النعم عليهم، وتعدية أراد وما تصرف منه بهذه اللام عرف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنما تمثل لي ليلى بكل سبيل قال سيبويه وسألته رحمه الله عن هذا فقال، المعنى إرادتي لأنسى، ومن ذلك قول قيس بن سعد: أردت لكيما يعلم الناس أنها سراويل قيس والوفود شهود ويحتمل أن يكون في الكلام مفعول محذوف تتعلق به اللام وما قال الخليل لسيبويه أخصر وأحسن، ويعترض هذا الاحتمال في المفعول المحذوف بأن من تصير زائدة في الواجب وينفصل بأن قوة النفي الذي في صدر الكلام يشفع لزيادة من وإن لم يكن النفي واقعاً على الفعل الواقع على الحرج، ولهذا نظائر، والحرج الضيق، والحرجة الشجر الملتف المتضايق، ومنه قيل يوم بدر في أبي جهل إنه كان في مثل الحرج من الرماح ويجري مع معنى هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم ((دين الله يسر)) وقوله ((بعثت بالحنيفية السمحة)). وجاء لفظ الآية على العموم والشيء المذكور بقرب هو أمر التيمم والرخصة فيه وزوال الحرج في تحمل الماء أبداً ولذلك قال أسيد: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بکر. وقوله تعالى: ﴿ولكن يريد ليطهركم) الآية، إعلام بما لا يوازى بشكر من عظيم تفضله تبارك وتعالى، و﴿لعلكم﴾: ترجّ في حق البشر، وقرأ سعيد بن المسيب ((يظهركم)) بسكون الطاء وتخفيف الهاء. قوله عز وجل: وَأَذْكُرُ واْنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِى وَاتَّقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَّكَانُ قَوْمٍ عَلَىّ أَلََّ تَعْدِلُواْ أَعْدِ لُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَأَتَّقُواْاللَّهَ إِنَّ ٨ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ الخطاب بقوله: ﴿واذكروا﴾ إلى آخر الآية هو للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم و﴿نعمة الله﴾ اسم جنس يجمع الإسلام وجمع الكلمة وعزة الحياة وغنى المال وحسن المآل، هذه كلها نعم هذه الملة، والميثاق المذكور هو ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم في بيعات العقبة وبيعة الرضوان وكل موطن قال الناس فيه سمعنا وأطعنا هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة من المفسرين. وقال مجاهد: الميثاق المذكور هو المأخوذ على النسم حين استخرجوا من ظهر آدم، والقول الأول أرجح وأليق بنمط الكلام. ثم أمر تعالى المؤمنين بالقيام دأباً متكرراً بالقسط وهو العدل، وقد تقدم نظير هذا في سورة النساء وتقدم في صدر هذه السورة نظير قوله: ﴿ولا يجر منكم شنآن قوم﴾ [المائدة: ٢] وباقي الآية بيِّن متكرر والله المعين. ١٦٦ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٩ - ١١ قوله عز وجل : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِّ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ () وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِنَايَتِنَّآ أُوْ لَكَبِكَ أَصْحَبُ الْحَحِيمِ (١) يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ أَذْكُرُ واْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِ يَهُمْ عَنكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب عليهم وبالجنة فهي الأجر العظيم، و﴿وعد﴾ يتعدى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما، وكذلك هو في هذه الآية، فالمفعول الثاني مقدر يفسره ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لهم مغفرة﴾ ثم عقب تعالى بذكر حال الكفار ليبين الفرق. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته، والنعمة هي العاملة في إذ وهي نعمة مخصوصة، وهم الرجل بالشيء إذا أراد فعله، ومنه قول الشاعر: هل ينفعنك اليوم أن همت بهم كثرة ما توصي وتعقاد الرتم ومنه قول الآخر: تركت على عثمان تبكي حلائله هممت ولم أفعل وكدت وليتني واختلف الناس في سبب هذه الآية وما النازلة التي وقع فيها الهم ببسط اليد والكف من الله تعالى؟ فقال الجمهور: إن سبب هذه الآية أنه لما قتل أهل بئر معونة نجا من القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل آخر معه، فلقيا بقرب المدينة رجلين من سليم قد كانا أخذا عهداً من النبي صلى الله عليه وسلم وانصرفا، فسألهما عمرو ممن أنتما؟ فانتسبا إلى بني عامر بن الطفيل وهو كان الجاني على المسلمين في بئر معونة، فقتلهما عمرو وصاحبه وأتيا بسلبهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لقد قتلتما قتيلين لأدينهما ثم شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع الدية فذهب يوماً إلى بني النضير يستعينهم في الدية ومعه أبو بكر وعمر وعلي. فكلمهم فقالوا: نعم يا أبا القاسم انزل حتى نصنع لك طعاماً وننظر في معونتك، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل جدار فتآمروا بينهم في قتله، وقالوا ما ظفرتم بمحمد قط أقرب مراماً منه اليوم، فقال بعضهم لبعض من رجل يظهر على الحائط فيصب عليه حجراً يشدخه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش فيما روي، وجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقام رسول الله من المكان وتوجه إلى المدينة ونزلت الآية في ذلك، وفي الخبر زوائد لا تخص الآية وقد ذكره ابن إسحاق وغيره، وهذا القول يترجح بما يأتي بعد من الآيات في وصف غدر بني إسرائيل ونقضهم المواثيق، وقالت جماعة من العلماء: سبب الآية فعل الأعرابي في غزوة ذات الرقاع، وهي غزوة النبي صلى الله عليه وسلم بني محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان، وذلك أنه نزل بوادٍ كثير العضاه، فتفرق الناس في الظلال وتركت للنبي صلى الله عليه وسلم شجرة ظليلة، فعلق سيفه بها ونام فجاء رجل ١٦٧ تفسير سورة المائدة / الآية: ١٢ من محارب فاخترط السيف فانتبه النبي صلى الله عليه وسلم والسيف صلت في يده، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتخافني؟ فقال لا، فقال له ومن يمنعك مني، فقال: اللّه، فشام السيف في غمده وجلس، وفي البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الناس فاجتمعوا وهو جالس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعاقبه، وذكر الواقدي وابن أبي حاتم عن أبيه أنه أسلم، وذكر قوم أنه ضرب برأسه في ساق الشجرة حتى مات، فنزلت الآية بسبب ذلك، وفي البخاري في غزوة ذات الرقاع أن اسم الرجل غورث بن الحارث بالغين منقوطة، وحكى بعض الناس أن اسمه دعثور بن الحارث وحكى الطبري أن الآية نزلت بسبب قوم من اليهود أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم في طعام، فأشعره الله بذلك، ثم أدخل الطبري تحت هذه الترجمة عن ابن عباس خلاف ما ترجم به من أن قوماً من اليهود صنعوا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه طعاماً ليقتلوه إذا أتى الطعام. قال القاضي أبو محمد: فيشبه أن ابن عباس إنما وصف قصة بني النضير المتقدمة، وقال قتادة: سبب الآية ما همت به محارب وبنو ثعلبة يوم ذات الرقاع من الحمل على المسلمين في صلاة العصر، فأشعره الله تعالى بذلك ونزلت صلاة الخوف، فذلك كف أيديهم عن المسلمين، وحكى ابن فورك عن الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت بسبب أن قريشاً بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً ليغتاله ويقتله. فأطلعه الله تعالى على ذلك وكفاه شره. قال القاضي أبو محمد: والمحفوظ في هذا هو نهوض عمير بن وهب لهذا المعنى بعد اتفاقه على ذلك مع صفوان بن أمية والحديث بكماله في سيرة ابن هشام، وذكر قوم من المفسرين وأشار إليه الزجاج أن الآية نزلت في قوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ [المائدة: ٣] فكأنه تعالى عدد على المؤمنين نعمه في أن أظهرهم وكف بذلك أيدي الكفار عنهم التي كانوا هموا ببسطها إلى المؤمنين. قال القاضي أبو محمد: ويحسن على هذا القول أن تكون الآية نزلت عقب غزوة الخندق وحين هزم الله الأحزاب وكفى الله المؤمنين القتال، وباقي الآية أمر بالتقوى والتوكل. قوله عز وجل : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ أَثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنّ مَعَكُمْ لَبِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَوَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَوَةَ وَءَامَنْتُمْ بِرُسُلٍ وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اُللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَبِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا اُلْأَنْهَرُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّبِيلِ ١٢ هذه الآيات المتضمنة الخبر عن نقضهم مواثيق الله تعالى تقوي أن الآية المتقدمة في كف الأيدي إنما كانت في أمر بني النضير، واختلف المفسرون في كيفية بعثة هؤلاء النقباء بعد الإجماع على أن النقيب كبير القوم القائم بأمورهم الذي ينقب عنها وعن مصالحهم فيها، والنقاب الرجل العظيم الذي هو في الناس ! ١٦٨ تفسير سورة المائدة / الآية: ١٢ كلهم على هذه الطريقة ومنه قيل في عمر: إنه كان لنقاباً، فالنقباء قوم كبار من كل سبط تكفل كل واحد بسبطه بأن يؤمنوا ويتقوا الله تعالى. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ونحو هذا كان النقباء ليلة بيعة العقبة مع محمد صلى الله عليه وسلم، وهي العقبة الثالثة بايع فيها سبعون رجلًا وامرأتان فاختار رسول الله صلى الله عليه وسلم من السبعين اثني عشر رجلاً وسماهم النقباء، وقال الربيع والسدي وغيرهما إنما بعث النقباء من بني إسرائيل أمناء على الاطلاع على الجبارين والسبر لقوتهم ومنعتهم فساروا حتى لقيهم رجل من الجبارين فأخذهم جمیعاً فجعلهم في حجزته . قال القاضي أبو محمد: في قصص طويل ضعيف مقتضاه أنهم اطلعوا من الجبارين على قوة عظيمة وظنوا أنهم لا قبل لهم بهم فتعاقدوا بينهم على أن يخفوا ذلك عن بني إسرائيل وأن يعلموا به موسى عليه السلام ليرى فيه أمر ربه فلما انصرفوا إلى بني إسرائيل خان منهم عشرة فعرفوا قراباتهم ومن وثقوه على سرهم ففشا الخبر حتى اعوج أمر بني إسرائيل وقالوا اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، وأسند الطبري عن ابن عباس قال: النقباء من بني إسرائيل بعثهم موسى لينظروا إلى مدينة الجبارين فذهبوا ونظروا فجاءوا بحبة من فاكهتهم وقر رجل فقالوا: اقدروا قدر قوة قوم هذه فاكهتهم فكان ذلك سبب فتنة بني إسرائيل ونكولهم، وذكر النقاش أن معنى قوله تعالى: ﴿وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً﴾ أي ملكاً وأن الآية تعديد نعمة الله عليهم في أن بعث لإصلاحهم هذا العدد من الملوك قال فما وفى منهم إلا خمسة داود عليه السلام وابنه سليمان وطالوت وحزقيا وابنه وكفر السبعة وبدلوا وقتلوا الأنبياء وخرج خلال الاثني عشر اثنان وثلاثون جباراً كلهم يأخذ الملك بالسيف ويعيث فيهم والضمير في ﴿معكم﴾ لبني إسرائيل جميعاً ولهم كانت هذه المقالة وقال الربيع: بل الضمير للاثني عشر ولهم كانت هذه المقالة. قال القاضي أبو محمد: والقول الأول أرجح و﴿معكم﴾ معناه بنصري وحياطتي وتأييدي واللام في قوله ﴿لئن﴾ هي المؤذنة بمجيء لام القسم ولام القسم هي قوله ﴿لأكفرن﴾ والدليل على أن هذه اللام إنما هي مؤذنة. أنها قد يستغنى عنها أحياناً ويتم الكلام دونها ولو كانت لام القسم لن يترتب ذلك، وإقامة الصلاة توفية شروطها و﴿الزكاة﴾ هنا شيء من المال كان مفروضاً فيما قال بعض المفسرين ويحتمل أن يكون المعنى وأعطيتم من أنفسكم كل ما فيه زكاة لكم حسبما ندبتم إليه وقدم هذه على الإيمان تشريفاً للصلاة والزكاة وإذ قد علم وتقرر أنه لا ينفع عمل إلا بإيمان، وقرأ الحسن بن أبي الحسن((برسْلي) ساكنة السين في كل القرآن. ﴿وعزرتموهم﴾ معناه وقرتموهم وعظمتموهم ونصرتموهم ومنه قول الشاعر: وكم من ماجد لهم كريم ومن ليث يعزر في الندى وقرأ عاصم الجحدري ((وعزّرتموهم)) خفيفة الزاي حيث وقع وقرأ في سورة الفتح ((وتعزوه)) بفتح التاء وسكون العين وضم الزاي، وقد تقدم في سورة البقرة تفسير الإقراض، وتكفير السيئات تغطيتها بالمحو والإذهاب فهي استعارة و﴿سواء السبيل﴾ وسطه ومنه ﴿سواء الجحيم﴾ [الصافات: ٥٥] ومنه قول الأعرابي قد انقطع سوائي، وأوساط الطرق هي المعظم اللاحب منها، وسائر ما في الآية بيّن والله المستعان. ١٦٩ تفسير سورة المائدة / الآية : ١٣ قوله تعالى : فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ فَسِيَةً يُحرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَنَسُواْحَظّا ◌ِّمَّاذُ كِرُواْبِهٍ، وَلَاَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَاِنَةٍ مِنْهُمْ إِلََّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ ١٣ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يحتمل أن تكون ((ما)) زائدة والتقدير ((فبنقضهم)) ويحتمل أن تكون اسماً نكرة أبدل منه النقض على بدل المعرفة من النكرة التقدير فبفعل هو نقضهم للميثاق وهذا هو المعنى في هذا التأويل، وقد تقدم في النساء نظير هذا و﴿لعناهم﴾ معناه بعدناهم من الخير أجمعه وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وأبو عمرو وابن عامر ((قاسية)) بالألف وقرأ حمزة والكسائي ((قسية)) دون ألف وزنها فعيلة فحجة الأولى قوله تعالى: ﴿فويل للقاسية قلوبهم) وقوله: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك﴾ [البقرة: ٧٤] والقسوة غلظ القلب ونبوه عن الرقة والموعظة وصلابته حتى لا ينفعل لخير ومن قرأ قسية فهو من هذا المعنى فعيلة بمعنى فاعلة كشاهد وشهيد وغير ذلك من الأمثلة، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا ((قسية)) ليست من معنى القسوة وإنما هي كالقسي من الدراهم وهي التي خالطها غش وتدليس فكذا القلوب لم تصف للإيمان بل خالطها الكفر والفساد ومن ذلك قول أبي زبید : لها صواهل في صم السلام كما صاح القسيات في أيدي الصياريف ومنه قول الآخر: فما زوداني غير سحق عمامة وخمس مئي منها قسي وزائف قال أبو علي: هذه اللفظة معربة وليست بأصل في كلام العرب، واختلف العلماء في معنى قوله: ﴿يحرفون الكلم﴾ فقال قوم منهم ابن عباس، تحريفهم هو بالتأويل ولا قدرة لهم على تبديل الألفاظ في التوراة ولا يتمكن لهم ذلك ويدل على ذلك بقاء آية الرجم واحتياجهم إلى أن يضع القارىء يده عليها، وقالت فرقة: بل حرفوا الكلام وبدلوه أيضاً وفعلوا الأمرين جميعاً بحسب ما أمكنهم. قال القاضي أبو محمد: وألفاظ القرآن تحتمل المعنيين فقوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم﴾ [البقرة: ٧٩] يقتضي التبديل. ولا شك أنهم فعلوا الأمرين. وقرأ جمهور الناس ((الكَلِم)) بفتح الكاف وكسر اللام وقرأ أبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي ((الكلام)) بالألف، وقرأ أبو رجاء. ((الكِلْم)) بكسر الكاف وسكون اللام، وقوله تعالى: ﴿ونسوا حظاً مما ذكروا به﴾ نص على سوء فعلهم بأنفسهم أي قد كان لهم حظ عظيم فيما ذكروا به فنسوه وتركوه، ثم أخبر تعالى نبيه عليه السلام أنه لا يزال في مؤتنف الزمان يطلع ﴿على خائنة منهم﴾ وغائلة وأمور فاسدة، واختلف الناس في معنى ﴿خائنة﴾ في هذا الموضع فقالت فرقة ﴿خائنة﴾ مصدر كالعاقبة وكقوله تعالى: ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ [الحاقة: ٥] فالمعنى على خيانة، وقال آخرون معناه على فرقة خائنة فهي اسم فاعل صفة المؤنث، وقال آخرون المعنى على خائن فزيدت الهاء للمبالغة كعلامة ونسابة ومنه قول الشاعر: ! i ١٧٠ تفسير سورة المائدة / الآية: ١٤ حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغل الاصبع وقرأ الأعمش: ((على خيانة منهم))، ثم استثنى تبارك وتعالى منهم القليل فيحتمل أن يكون الاستثناء في الأشخاص، ويحتمل أن يكون في الأفعال، وقوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾ منسوخ بما في براءة من الأمر بقتالهم حتى يؤدوا الجزية وباقي الآية وعد على الإحسان . قوله عز وجل : وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًا مِّمَاذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَّنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَاَلْبَغْضَآءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْيَصْنَعُونَ يَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَا كُنتُمْ ١٤ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ﴿من﴾ متعلقة ﴿بأخذنا﴾ التقدير: وأخذنا من الذين قالوا إنّا نصارى ميثاقهم، ويحتمل أن يكون قوله ﴿ومن﴾ معطوفاً على قوله ﴿خائنة منهم﴾ [المائدة: ١٣]، ويكون قوله ﴿أخذنا ميثاقهم﴾ ابتداء خبر عنهم. والأول أرجح . وعلق كونهم نصارى بقولهم ودعواهم، من حيث هو اسم شرعي يقتضى نصر دين الله، وسموا به أنفسهم دون استحقاق ولا مشابهة بين فعلهم وقولهم، فجاءت هذه العبارة موبخة لهم مزحزحة عن طريق نصُر دين الله وأنبيائه، وقوله تعالى: ﴿فأغرينا بينهم﴾ معناه أثبتناها بينهم وألصقناها، والإغراء مأخوذ من الغراء الذي يلصق به، (والضمير في ﴿بينهم) يحتمل أن يعود على اليهود والنصارى لأن العداوة بينهم، موجودة مستمرة، ويحتمل أن يعود على النصارى فقط لأنها أمة متقاتلة بينها الفتن إلى يوم القيامة، ثم توعدهم الله تعالى بعقاب الآخرة إذ أنباؤهم بصنعهم إنما هو تقرير وتوبيخ للعذاب، إذ صنعهم كفر يوجب الخلود في النار. وقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب﴾ لفظ يعم اليهود والنصارى ولكن نوازل الإخفاء كالرحم وغيره إنما حفظت لليهود، لأنهم كانوا مجاوري رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهاجره، وقال محمد بن كعب القرظي : أول ما نزل من هذه السورة هاتان الآيتان في شأن اليهود والنصارى، ثم نزل سائر السورة بعرفة في حجة الوداع وقوله: ﴿رسولنا﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، وفي الآية الدلالة على صحة نبوته. لأن إعلامه بخفيّ ما في كتبهم وهو أمي لا يقرأ ولا يصحب القرأة دليل على أن ذلك إنما يأتيه من عند الله تبارك وتعالى، وأشهر النوازل التي أخفوها فأظهرها الله على لسان نبيه أمر الرجم، وحديثه مشهور. ومن ذلك صفات محمد صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. و﴿من الكتاب﴾ يعني من التوراة وقوله: ﴿ويعفو عن كثير) معناه ويترك كثيراً لا يفضحكم فيه إبقاء عليكم. وهذا المتروك هو في معنى افتخارهم ووصفهم أيام الله قبلهم ونحو ذلك مما لا يتعين في ملة الإسلام فضحهم فيه وتكذيبهم، والفاعل في ﴿يعفو﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يستند الفعل إلى الله تعالى وإذا كان العفو من النبي عليه السلام فبأمر ربه، وإن كان من الله تعالى فعلى لسان نبيه عليه السلام، والاحتمالان قريب بعضهما من بعض. ١٧١ تفسير سورة المائدة / الآيات: ١٥ - ١٧ قوله عز وجل : يَهْدِى بِهِ اُللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ ١٥ قَدْ جَآءَ كُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَبٌ مُبِيرٌ رِضْوَنَهُ سُبُلَ السَّلَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِ يِهِمْ ج إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴿﴿ لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَهُم وَمَنْ فِى الْأَرْضِ جَمِيعًاً وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَايَشَآءُ ١٧ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىٍْ قَدِيْرٌ قوله عز وجل: ﴿نور وكتاب مبين﴾ يحتمل أن يريد محمداً صلى الله عليه وسلم والقرآن، وهذا هو ظاهر الألفاظ، ويحتمل أن يريد موسى عليه السلام والتوراة، أي ولو اتبعتموها حق الاتباع لآمنتم بمحمد، .إذ هي آمرة بذلك مبشرة به، وقرأ عبيد بن عمير والزهري وسلام وحميد ومسلم بن جندب ((بهُ اللهُ)) بضم الهاء حيث وقع مثله، و﴿اتبع رضوانه﴾ معناه بالتكسب والنية والإقبال عليه، والسبل الطرق، والقراءة في (رُضوان)) بضم الراء وبكسرها وهما لغتان، وقد تقدم ذكر ذلك وقرأ ابن شهاب والحسن بن أبي الحسن ((سبْل)) ساكنة الباء. و﴿السلام﴾ في هذه الآية يحتمل أن يكون اسماً من أسماء الله تعالى، فالمعنى طرق الله تعالى التي أمر بها عباده وشرعها لهم، ويحتمل أن يكون مصدراً كالسلامة فالمعنى طرق النجاة والسلامة من النار. وقوله تعالى: ﴿ويخرجهم﴾ يعني المتبعين الرضوان، فالضمير على معنى من لا على لفظها، و﴿الظلمات﴾ الكفر، و﴿النور﴾ الإيمان، وقوله تعالى: ﴿بإذنه﴾ أي يمكنهم من أقوال الإيمان وأفعاله، ويعلم فعلهم لذلك والتزامهم إياه، فهذا هو حد الإذن، العلم بالشيء والتمكين منه، وقد تقدم شرحه في سورة البقرة والصراط المستقيم هو دين الله وتوحيده وما تركب عليه من شرعه . ثم أخبر تعالى بكفر النصارى القائلين بأن الله هو المسيح، وهذه فرقة من النصارى وكل فرقهم على اختلاف أقوالهم يجعل للمسيح عليه السلام حظاً من الألوهية، وقد تقدم القول في لفظ ﴿المسيح﴾ في سورة آل عمران، ثم رد عليهم تعالى قوله لنبيه: ﴿قل فمن يملك من الله شيئاً﴾ أي لا مالك ولا رادَّ لإرادة الله تعالى في المسيح ولا في غيره فهذا مما تقضي العقول معه أن من تنفذ الإرادة فيه ليس بإله، ثم قرر تعالى ملكه في السموات والأرض وما بينهما فحصل المسيح عليه السلام أقل أجزاء ملك الله تعالى، وقوله تعالى: ﴿يخلق ما يشاء﴾ إشارة إلى خلقه المسيح في رحم مريم من غير والد. بل اختراعاً كآدم عليه السلام، وقد تقدم في آل عمران الفرق بين قوله تعالى في قصة زكرياء ﴿يفعل ما يشاء﴾ [آل عمران: ٤٠] وفي قصة مريم ﴿يخلق ما يشاء) وقوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ عموم معناه الخصوص في ما عدا الذات والصفات والمحالات، والشيء في اللغة هو الموجود. ١٧٢ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ١٩،١٨ قوله عز وجل : وَقَالَتِ اُلْيَهُودُ وَالنَّصَرَىِّ نَحْنُ أَبْنَوْاْللَّهِ وَأَحِبُّهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَّ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَّ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَِّمُلْكُ السَّمَوَاتِ وَاْلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّا وَإِلَيْهِ اُلْمَصِيرُ ﴿ يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ جَاءَ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَاجَآءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَآءَ كُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ ١٩ في الكلام لف وإيجاز يحال المستمع على تفريقه بذهنه وذلك أن ظاهر اللفظ يقتضي أن جميع ﴿اليهود والنصارى﴾ يقولون عن جميعهم: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ وليس الأمر كذلك بل كل فرقة تقول خاصة ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾. والبنوة في قولهم هذا بنوة الحنان والرأفة. وذكروا أن الله تعالى أوحى إلى إسرائيل أن أول أولادك بكري فضلوا بذلك. وقالوا ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ ولو صح ما رووا لكان معناه بكراً في التشريف أو النبوة ونحوه، وأحباء جمع حبيب، وكانت هذه المقالة منهم عندما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به وخوفهم العذاب، فقالوا نحن لا نخاف ما تقول لأننا ﴿أبناء الله وأحباؤه﴾ وذکر ذلك ابن عباس، وقد كانوا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم في غير ما موطن نحن ندخل النار فنقيم بها أربعين يوماً ثم تخلفوننا فيها، فرد الله عليهم بقولهم فقال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ أي لو كانت منزلتكم فوق منازل البشر لما عذبكم وأنتم قد أقررتم أنه يعذبكم. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا على أن التعذيب هو بنار الآخرة، وقد تحتمل الآية أن يكون المراد ما كان الله تعالى ((يعذبهم)) به في الدنيا. وذلك أن بني إسرائيل كانوا إذا أصاب الرجل منهم خطيئة أصبح مكتوباً على بابه ذكر ذنبه وذكر عقوبته فينفذ ذلك عليه فهذا تعذيب في الدنيا على الذنوب ينافي أنهم أبناء وأحباء. ثم ترك الكلام الأول وأضرب عنه غيره مفسد له ودخل في غيره من تقرير كونهم بشراً كسائر الناس، والخلق أكرمهم أتقاهم ، يهدي من يشاء للإيمان فيغفر له ويورط من يشاء في الكفر فيعذبه، وله ملك السماوات والأرض وما بينهما، فله بحق الملك أن يفعل ما شاء لا معقب لحكمه وإليه مصير العالم بالحشر والمعاد. وقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب﴾ خطاب اليهود والنصارى، والرسول في قوله: ﴿رسولنا﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله: ﴿على فترة من الرسل﴾، أي على انقطاع من مجيئهم مدة ما، والفترة سكون بعد حركة في جرم، ويستعار ذلك في المعاني، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ((لكل عمل شدة، ولكل شدة فترة))، وقال الشاعر: وإني لتعروني لذكراك فترة معناه سكون بعد اضطراب، واختلف الناس في قدر الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما فقال قتادة خمسمائة عام وستون عاماً. وقال الضحاك أربعمائة سنة وبضع وثلاثون سنة وفي ١٧٣ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٠ - ٢٢ الصحيح أن الفترة بينهما ستمائة سنة. وهذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: ما أنزل الله على بشر بعد موسى من شيء، قاله ابن عباس، وقوله تعالى: ﴿أن تقولوا﴾ مفعول من أجله، المعنى حذار أن تقولوا محتجين يوم القيامة: ﴿ما جاءنا من بشير ولا نذير﴾ فقد جاءكم وقامت الحجة عليكم، ﴿والله على كل شيء قدير﴾ فهو الهادي والمضل والمنعم والمعذب لا رب غيره. قوله عز وجل : وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ أَذْكُرُ واْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْجَعَلَ فِيَكُمْ أَنِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَءَاتَنْكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًّا مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴿ يَقَوْمِ ادْ خُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَتِى كَنَبَ اللَّهُ لَكُمْ قَالُواْيَمُوسَىّ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا وَلَفْئَدُواْعَلَ أَذْبَرِّكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ شَّ حَتَّى يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِنِ يَخْرُ جُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ٢٢ المعنى واذكر لهم يا محمد على جهة إعلامهم بغير كتبهم ليتحققوا نبوتك وينتظم في ذلك نعم الله عليهم وتلقيهم تلك النعم بالكفر وقلة الطاعة والإنابة. وقرأ ابن محيصن ((يا قومُ)) بالرفع وكذلك حيث وقع من القرآن. وروي ذلك عن ابن كثير، و﴿نعمة الله﴾ هنا اسم الجنس، ثم عدد عيون تلك النعم، والأنبياء الذين جعل فيهم أمرهم مشهور من لدن إسرائيل إلى زمان عيسى عليه السلام والأنبياء حاطة ومنقذون من النار وشرف في الدنيا والآخرة. وقوله: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾ يحتمل معاني أحدها أن يعدد عليهم ملك من ملك من بني إسرائيل لأن الملوك شرف في الدنيا وحاطة من نوائبها، والمعنى الآخر: أن يريد استنقذكم من القبط الذين كانوا يستخدمونكم فصرتم أحراراً تملكون ولا تملكون، فهم ملوك بهذا الوجه وبنحو هذا فسر السدي وغيره. وقال قتادة إنما قال: ﴿وجعلكم ملوكاً﴾ لأنا كنا نتحدث أنهم أول من خدمه أحد من بني آدم. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لأن القبط كانوا يستخدمون بني إسرائيل. وظاهر أمر بني آدم أن بعضهم كان يسخر بعضاً مذ تناسلوا وكثروا، وإنما اختلفت الأمم في معنى التملك فقط. وقال عبد الله ابن عمرو بن العاصي والحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم من كان له مسكن وامرأة وخادم فهو ملك، وقيل من له مسكن لا يدخل عليه فيه إلا بإذن فهو ملك، وقوله تعالى: ﴿وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين﴾ قال فيه أبو مالك وسعيد بن جبير: الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيف، وقال جمهور المفسرين الخطاب هو من موسى عليه السلام لقومه، ثم اختلف المفسرون ماذا الذي أوتوا ولم يؤت أحد مثله؟ فقال مجاهد، المن والسلوى والحجر والغمام، وقال غيره: كثرة الأنبياء. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا في كثرة الأنبياء فالعالمون على العموم والإطلاق، وعلى القول بأن المؤتی هو آیات موسی فالعالمون مقیدون بالزمان الذي کانوا فیه، لأن أمة محمد قد أوتيت من آیات محمد عليه السلام أكثر من ذلك، قد ظلل رسول الله صلى الله عليه وسلم بغمامة قبل مبعثه، وكلمته الحجارة والبهائم، وأقبلت إليه الشجرة وحن الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه وشبع كثير من الناس من ٠ ١٧٤ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٣ - ٢٦ قليل الطعام ببركته، وانشق له القمر، وعاد العود سيفاً، ورجع الحجر المعترض في الخندق رملاً مهيلاً. قال القاضى أبو محمد: وهذه المقالة من موسى توطئة لنفوسهم حتى يتعزز ويأخذ الأمر بدخول أرض الجبارين بقوة، وتنفذ في ذلك نفوذ من أعزه الله ورفع شأنه، و ﴿المقدسة﴾ معناه المطهرة، وقال مجاهد: المباركة. قال القاضي أبو محمد: والبركة تطهير من القحوط والجوع ونحوه. واختلف الناس في تعيينها، فقال ابن عباس ومجاهد هي الطور وما حوله، وقال قتادة: هي الشام، وقال ابن زيد: هي أريحاء وقاله السدي وابن عباس أيضاً، وقال قوم: هي الغوطة وفلسطين وبعض الأردن، قال الطبري: ولا يختلف أنها بين الفرات وعريش مصر. قال القاضي أبو محمد: وتظاهرت الروايات أن دمشق هي قاعدة الجبارين، وقوله: ﴿التي كتب الله لكم﴾ معناه التي (كتب الله)) في قضائه وقدره أنها لكم ترثونها وتسكنونها مالكين لها، ولكن فتنتكم في دخولها بفرض قتال من فيها عليكم تمحيصاً وتجربة، ثم حذرهم موسى عليه السلام الارتداد على الأدبار، وذلك الرجوع القهقهرى، ويحتمل أن يكون تولية الدبر والرجوع في الطريق الذي جيء منه، والخاسر: الذي قد نقص حظه . ثم ذكر عز وجل عن بني إسرائيل أنهم تعنتوا ونكصوا فقالوا ﴿إن فيها قوماً جبارين﴾. والجبار فعال من الجبر كأنه لقوته وغشمه وبطشه يجبر الناس على إرادته، والنخلة الجبارة العالمية التي لا تنال بيد، وكان من خبر الجبارين أنهم كانوا أهل قوة فلما بعث ((موسى)) الاثني عشر نقيباً مطلعين على أمر الجبارين وأحوالهم رأوا لهم قوة وبطشاً وتخيلوا أن لا طاقة لهم بهم فجاؤوا بني إسرائيل ونقضوا العهد في أن أخبروهم بحال ﴿الجبارين﴾ حسبما قدمناه في ذكر بعث النقباء، ولم يف منهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يوفنا، ثم إن بني إسرائيل كعوا وجبنوا وقالوا: كوننا عبيداً للقبط أسهل من قتال هؤلاء، وهم كثير منهم أن يقدموا رجلاً على أنفسهم ويصير بهم إلى أرض مصر مرتدين على الأعقاب، ونسوا أن الله تعالى إذا أيد الضعيف غلب القوي وأخبروا ((موسى)) أنهم لن يدخلوا الأرض ما دام الجبارون فيها، وطلبوا منه أن يخرج الله الجبارين بجند من عنده وحينئذ يدخل بنو إسرائيل. قوله عز وجل : قَالَ رُجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا أَدْ خُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ قَالُواْ يَمُوسَىَّ إِنَّا لَن تَّدْ خُلَهَا أَبَدَأُمَّا فَإِنَّكُمْ غَالِيُونْ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُواْإِن كُنتُمْ مُؤْ مِنِينَ ﴾ دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاَ إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ ﴿﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ ﴾قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةُ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَّةً ٢٦ يَتِيهُونَ فِى الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَسِقِينَ قرأ ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد «يخافون)) بضم الياء. وقرأ الجمهور ((يخافون» بفتح الياء، ١٧٥ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٣ - ٢٦ وقال أكثر المفسرين: الرجلان يوشع بن نون وهو ابن أخت موسى وكالب بن يوفنا، ويقال فيه كلاب، ويقال كالوث بثاء مثلثة ويقال في اسم أبيه يوفيا، وهو صهر ((موسى)) على أخته، قال الطبري: اسم زوجته مريم بنت عمران، ومعنى ﴿يخافون﴾ أي الله، وأنعم عليهما بالإيمان الصحيح وربط الجأش والثبوت في الحق، وقال قوم المعنى يخافون العدو لكن ﴿أنعم الله عليهما﴾ بالإيمان والثبوت مع خوفهما، ويقوي التأويل الأول أن في قراءة ابن مسعود: ((قال رجلان من الذين يخافون الله أنعم عليهما)). وأما من قرأ بضم الياء فلقراءته ثلاثة معان، أحدها ما روي من أن الرجلين كانا من الجبارين آمنا بموسى واتبعاه، فكانا من القوم الذين يخافون لكن ﴿أنعم الله عليهما﴾ بالإيمان بموسى فقالا نحن أعلم بقومنا، والمعنى الثاني أنهما يوشع وكالوث لكنهما من الذين يوقرون ويسمع كلامهم ويهابون لتقواهم وفضلهم. فهم ((يخافون)) بهذا الوجه. والمعنى الثالث أن يكون الفعل من أخاف والمعنى من الذين يخافون بأوامر الله ونواهيه ووعيده وزجره، فيكون ذلك مدحاً لهم على نحو المدح في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى) [الحجرات: ٣] وقوله تعالى: ﴿أنعم الله عليهما﴾ صفة للرجلين، والباب هو باب مدينة الجبارين فيما ذكر المفسرون والمعنى اجتهدوا وكافجوا حتى تدخلوا الباب، وقوله: ﴿فإنكم غالبون﴾ ظن منهما ورجاء وقياس أي إنكم بذلك تفتون في أعضادهم ويقع الرعب في قلوبهم فتغلبونهم، وفي قراءة ابن مسعود ((عليهما ويلكم ادخلوا)). وقولهما: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) يقتضي أنهما استرابا بإيمانهم حين رأياهم يعصون الرسول ويجبنون مع وعد الله تعالى لهم بالنصر. ثم إن بني إسرائيل لجوا في عصيانهم وسمعوا من العشرة النقباء الجواسيس الذين خوفوهم أمر الجبارين ووصفوا لهم قوة الجبارين وعظم خلقهم فصمموا على خلاف أمر الله تعالى: و﴿قالوا يا موسى إنّا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون﴾ وهذه عبارة تقتضي كفراً، وذهب بعض الناس إلى أن المعنى اذهب أنت وربك يعينك وأن الكلام معصية لا كفر. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وقولهم ﴿فقاتلا﴾ يقطع بهذا التأويل، وذكر النقاش عن بعض المفسرين أن المراد بالرب هنا هارون لأنه كان اسنّ من ((موسى)) وكان معظماً في بني إسرائيل محبباً لسعة خلقه ورحب صدره، فكأنهم قالوا اذهب أنت وكبيرك. قال القاضي أبو محمد: وهذا تأويل بعيد، وهارون إنما كان وزيراً لموسى وتابعاً له في معنى الرسالة، ولكنه تأويل يخلص بني إسرائيل من الكفر، وذكر الطبري عن قتادة أنه قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عزم على قتال قريش في عام الحديبية، جمع العسكر وكلم الناس في ذلك فقال له المقداد بن الأسود: لسنا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل ((اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون)). لكنا نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنّا معكما مقاتلون. وذكر النقاش أن الأنصار قالت هذه المقالة للنبي صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد: وجميع هذا وهم، غلط قتادة رحمه الله في وقت النازلة، وغلط النقاش في قائل المقالة، والكلام إنما وقع في غزوة بدر حين نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذفران فكلم الناس ١٧٦ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٣ - ٢٦ وقال لهم: أشيروا عليَّ أيها الناس، فقال له المقداد هذه المقالة في كلام طويل، ذكر ذلك ابن إسحاق وغيره، ثم تكلم من الأنصار سعد بن معاذ بنحو هذا المعنى ولكن سبقه المقداد إلى التمثيل بالآية. قال القاضي أبو محمد: وتمثل المقداد بها وتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لذلك يقتضي أن الرب إنما أريد به الله تعالى، ويونس أيضاً في إيمان بني إسرائيل، لأن المقداد قد قال: اذهب أنت وربك فقاتلا ، ولیس لكلامه معنی إلا أن الله تعالی یعینك ویقاتل معك ملائكته ونصره فعسى أن بني إسرائيل أرادت ذلك، أي اذهب أنت ويخرجهم الله بنصره وقدرته من المدينة وحينئد ندخلها، لكن قبحت عبارتهم لاقتران النكول بها، وحسنت عبارة المقداد لاقتران الطاعة والإقدام بها . ولما سمع موسى عليه السلام قولهم ورأى عصيانهم تبرأ إلى الله تعالى منهم، وقال داعياً عليهم: ﴿رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي﴾ يعني هارون، وقوله: ﴿وأخي﴾ يحتمل أن يكون إعرابه رفعاً إما على الابتداء والتقدير وأخي لا يملك إلا نفسه، وإما على العطف على الضمير الذي في ﴿أملك﴾ تقديره لا أملك أنا، ويحتمل أن يكون إعرابه نصباً على العطف على ﴿نفسي﴾، وذلك لأن هارون كان يطيع ((موسى)) فلذلك أخبر أنه يملكه، وقرأ الحسن ((إلا نفسي وأخي)) بفتح الياء فيهما، وقوله: ﴿فافرق بيننا﴾ دعاء حرج، قال السدي، هي عجلة عجلها موسى عليه السلام، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما: المعنى أفصل بيننا وبینھم بحكم وافتح، فالمعنى احكم بحكم يفرق هذا الاختلاف ويلم الشعث. قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا التأويل فليس في الدعاء عجلة، وقال قوم: المعنى ((فافرق بيننا وبينهم)) في الآخرة حتى تكون منزلة المطيع مفارقة لمنزلة العاصي الفاسق، ويحتمل الدعاء أن يكون معناه: ((فرق بيننا وبينهم)) بمعنى أن يقول فقدنا وجوههم ((وفرق بيننا وبينهم)) حتى لا نشقى بفسقهم، وبهذا الوجه تجيء العجلة في الدعاء، وقرأ عبيد بن عمير ((فافرِق)) بكسر الراء. ﴿قال فإنها محرمة﴾ المعنى قال الله، وأضمر الفاعل في هذه الأفعال كلها إيجازاً لدلالة معنى الكلام على المراد، وحرم الله تعالى على جميع بني إسرائيل دخول تلك المدينة ﴿أربعين سنة﴾ وتركهم خلالها ﴿يتيهون في الأرض﴾ أي في أرض تلك النازلة، وهو فحص التيه وهو على ما يحكى طول ثمانين ميلاً في عرض ستة فراسخ، وهو ما بين مصر والشام، ويروى أنه اتفق أنه مات كل من كان قال إنّا لن ندخلها أبداً، ولم يدخل المدينة أحد من ذلك الجيل إلا يوشع وكالوث، ويروى أن هارون عليه السلام مات في فحص التيه في خلال هذه المدة ولم يختلف فيها، وروي أن ((موسى)) عليه السلام مات فيه بعد هارون بثمانية أعوام، وقيل بستة أشهر ونصف، وأن يوشع نبىء بعد كمال ((الأربعين سنة)). وخرج ببني إسرائيل وقاتل الجبارين وفتح المدينة، وفي تلك الحرب وقفت له الشمس ساعة حتى استمر هزم الجبارين، وروي أن (موسى)) عليه السلام عاش حتى كملت الأربعون وخرج بالناس وحارب الجبارين ويوشع وكالب على مقدمته، وأنه فتح المدينة وقتل بيده عوج بن عناق، يقال كان في طول ((موسى)) عشرة أذرع وفي طول عصاه عشرة أذرع، ونزل من الأرض في السماء عشرة أذرع. وحينئذ لحق كعب عوج فضربه بعصاه في كعبه فخر صريعاً، ويروى أن عوجاً اقتلع صخرة ليطرحها على عسكر بني إسرائيل فبعث الله هدهداً بحجر الماس ١٧٧ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٣ - ٢٦ فأداره على الصخرة فتقورت ودخلت في عنق عوج، وضربه ((موسى)) فمات، وحكى الطبري أن طول عوج ثمانمائة ذراع، وحكي عن ابن عباس أنه قال لما خر كان جسراً على النيل سنة . قال القاضي أبو محمد: والنيل ليس في تلك الأقطار وهذا كله ضعيف والله أعلم، وحكى الزجاج عن قوم أن ((موسى)) وهارون لم يكونا في التيه، والعامل في ﴿أربعين﴾ يحتمل أن يكون ﴿محرمة﴾، أي حرمت عليهم ﴿أربعين سنة ويتيهون في الأرض﴾ هذه المدة ثم تفتح عليهم، أدرك ذلك من أدركه ومات قبله من مات. وخطأ أبو إسحاق أن يكون العامل ﴿محرمة﴾، وذلك منه تحامل، ويحتمل أن يكون العامل ﴿يتيهون﴾ مضمراً يدل عليه ﴿يتيهون﴾ المتأخر، ويكون قوله إنها محرمة إخبار مستمر تلقوا منه أن المخاطبين لا يدخلونها أبداً، وأنهم مع ذلك ((يتيهون في الأرض أربعين سنة)) يموت فيها من مات. قال القاضي أبو محمد: والخطاب على هذا التأويل أصعب موقفاً وأحضر يأساً. وروي أن من كان قد جاوز عشرين سنة لم يعش إلى الخروج من التيه، وأن من كان دون العشرين عاشوا. قال القاضي أبو محمد: كأنه لم يعش المكلفون أشار إلى ذلك الزجاج، والتيه الذهاب في الأرض إلى غير مقصد معلوم، ويروى أن بني إسرائيل كانوا يرحلون بالليل ويسيرون ليلهم أجمع في تحليق ونحوه من التردد وقلة استقامة السير، حتى إذا أصبحوا وجدوا جملتهم في الموضع الذي كانوا فيه أول الليل، قال مجاهد وغيره كانوا يسيرون النهار أحياناً والليل أحياناً فيمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا، وذلك في مقدار ستة فراسخ . قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون تيههم بافتراق الكلمة وقلة اجتماع الرأي، وإن الله تعالى رماهم بالاختلاف وعلموا أنها قد حرمت عليهم ((أربعين سنة)). فتفرقت منازلهم في ذلك الفحص وأقاموا ينتقلون من موضع إلى موضع على غير نظام واجتماع، حتى كملت هذه المدة وأذن الله بخروجهم وهذا تيه ممكن محتمل على عرف البشر. والآخر الذي ذكر مجاهد إنما هو خرق عادة وعجب من قدرة الله تعالى، وفي ذلك التيه ظلل عليهم الغمام ورزقوا المن والسلوى إلى غير ذلك مما روي من ملابسهم، وقد مضى ذلك في سورة البقرة، وقوله تعالى: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ معناه فلا تحزن يقال أسي: الرجل يأسى أسى إذا حزن ومنه قول امرىء القيس: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل ومنه قول متمم بن نويرة: دعوني فهذا كله قبر مالك فقلت لهم إن الأسى يبعث الأسى والخطاب بهذه الآية لموسى عليه السلام، قال ابن عباس ندم ((موسى)) على دعائه على قومه وحزن عليهم، فقال له الله: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين). وقال قوم من المفسرين الخطاب بهذه الألفاظ لمحمد صلی الله عليه وسلم ويراد بـ ﴿الفاسقين﴾ معاصر وه، أي هذه أفعال أسلافهم فلا تحزن أنت بسبب أفعالهم الخبيثة معك وردهم عليك، فإنها سجية خبيثة موروثة عندهم. ١٧٨ تفسير سورة المائدة / الآيات: ٢٧ - ٢٩ قوله عز وجل: وَأَتّلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقٍ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَيِنْ بَسَطَتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِ مَآ أَنْبِبَاسِطٍ يَدِىّ ٢٧ لَأَّ قْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ إِنَّ أُرِيدُ أَن تَبُوَأَ بِإِثْمِى وَإِنَّكَ فَتَكُونَ مِنْ ٢٨ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكٌ إِنِّى أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ أَصْحَبِ النَّارِ وَ ذَلِكَ جَزَّوُا الَّالِمِينَ ٢٩ ﴿اتل﴾ معناه اسرد وأسمعهم إياه، وهذه من علوم الكتب الأول التي لا تعلق لمحمد صلى الله عليه وسلم بها إلا من طريق الوحي، فهو من دلائل نبوته، والضمير في ﴿عليهم﴾ ظاهر أمره أنه يراد به بنو إسرائيل الوجهين: أحدهما أن المحاورة فيما تقدم إنما هي في شأنهم وإقامة الحجج عليهم بسبب همهم ببسط اليد إلى محمد صلى الله عليه وسلم، والثاني أن علم ﴿نبأ ابني آدم﴾ إنما هو عندهم وفي غامض کتبهم، وعليهم تقوم الحجة في إيراده والنبأ الخبر. و((ابنا آدم)) هما في قول جمهور المفسرين لصلبه. وهما قابيل وهابيل، وقال الحسن بن أبي الحسن البصري ((ابنا آدم)) ليسا لصلبه ولم تكن القرابين إلا في بني إسرائيل. قال القاضي أبو محمد: وهذا وهم، وکیف یجهل صورة الدفن أحد من بني إسرائيل حتى يقتدي بالغراب، والصحيح قول الجمهور وروي أن تقريبهما للقربان إنما كان تحنثاً وتطوعاً. وكان قابيل صاحب زرع فعمد إلى أرذل ما عنده وأدناه فقربه، وكان هابيل صاحب غنم، فعمد إلى أفضل كباشه فقربه، وكانت العادة حينئذ أن يقرب المقرب قربانه ويقوم يصلي ويسجد، فإن نزلت نار وأكلت القربان فذلك دليل للقبول وإلا كان تركه دليل عدم القبول، فلما قرب هذان كما ذكرت فنزلت النار وأخذت كبش هابيل فرفعته وسترته عن العيون وتركت زرع قابيل، قال سعيد بن جبير وغيره: فكان ذلك الكبش يرتع في الجنة حتى أهبط إلى إبراهيم في فداء ابنه، قال سائقو هذا القصص، فحسد قابيل هابيل وقال له: أتمشي على الأرض يراك الناس أفضل مني؟ وكان قابيل أسن ولد ((آدم)). وروي أن ((آدم)) سافر إلى مكة ليرى الكعبة وترك قابيل وصياً على بنيه فجرت هذه القصة في غيابه، وروت جماعة من المفسرين منهم ابن مسعود: أن سبب هذا التقريب أن حواء كانت تلد في كل بطن ذكراً وأنثى فكان الذكر يزوج أنثى البطن الآخر، ولا تحل له أخته توأمته، فولدت مع قابيل أخت جميلة، ومع هابيل أخت ليست كذلك فلما أراد آدم تزويجهما قال قابيل: أنا أحق بأختي، فأمره ((آدم)) فلم يأتمر، فاتفقوا على التقريب، وروي أن آدم حضر ذلك فتقبل قربان هابيل ووجب أن يأخذ أخت قابيل، فحينئذ قال له ﴿لأقتلنك﴾ وقول هابيل: ﴿إنما يتقبل الله من المتقين) كلام قبله محذوف تقديره ولم تقتلني وأنا لم أجنٍ شيئاً ولا ذنب لي في قبول الله قرباني؟ أما إني اتقيته وكنت على لاحب الحق. و﴿إنما يتقبل الله من المتقين). قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وإجماع أهل السنة في معنى هذه الألفاظ أنها اتقاء الشرك، فمن اتقاه وهو موحد فأعماله التي تصدق فيها نيته مقبولة، وأما المتقي للشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من ١٧٩ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٣٠، ٣١ القبول والحتم بالرحمة، علم ذلك بأخبار الله تعالى، لا أن ذلك يجب على الله تعالى عقلًا، وقال عدي بن ثابت وغيره: قربان متقي هذه الأمة الصلاة. واختلف الناس لم قال هابيل: ﴿ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك﴾؟ فقال مجاهد: كان الفرض عليهم حينئذ أن لا يسل أحد سيفاً وأن لا يمتنع من أريد قتله .. وقال عبد الله بن عمرو وجمهور الناس: كان هابیل أشد قوة من قابيل، ولكنه تحرج. قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا هو الأظهر. ومن هنا يقوى أن قابيل إنما هو عاص لا كافر، لأنه لو كان كافراً لم يكن للتحرج وجه، وإنما وجه التحرج في هذا أن المتحرج يأبى أن يقاتل موحداً ويرضى بأن يظلم ليجازى في الآخرة، ونحو هذا فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وقوله: ﴿إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك) الآية، ليست هذه بإرادة محبة وشهوة، وإنما هو تخير في شرين، كما تقول العرب في الشر خيار، فالمعنى إن قتلتني وسبق بذلك قدر فاختياري أن أكون مظلوماً سيستنصر الله لي في الآخرة، وتبوء معناه تمضي متحملاً. وقوله: ﴿بإثمي وإثمك﴾ قيل معناه: بإثم قتلي وسائر آثامك التي أوجبت أن لا يتقبل منك، وقيل المعنى: بإثم قتلي وإثمك في العداء علي إذ هو في العداء وإرادة القتل آثم ولو لم ينفذ القتل، وقيل المعنى: بإثمي إن لو قاتلتك وقتلتك وإثم نفسك في قتالي وقتلي . قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الإثم الذي يقتضيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ((إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه، فكأن هابيل أراد: أني لست بحريص على قتلك، فالإثم الذي كان يلحقني لو كنت حريصاً على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك في قتلي، وقيل المعنى: بإثمي الذي يختص لي فيما فرط لي أي يؤخذ من سيئاتي فيطرح عليك بسبب ظلمك لي ((تبوء بإثمك)) في قتلي وهذا تأويل يعضده قول النبي صلى الله عليه وسلم يؤتى بالظالم والمظلوم يوم القيامة فيؤخذ من حسنات الظالم فيزاد في حسنات المظلوم حتى ينتصف، فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات المظلوم فتطرح عليه، وقوله تعالى: ﴿وذلك جزاء الظالمين) يحتمل أن يكون من قول هابيل لأخيه، ويحتمل أن يكون إخباراً من الله تعالی لمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل : فَبَعَثَ اُللَّهُ غُرَابًايَبْحَثُ فِى ٣٠ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُلُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ اْخَسِرِينَ الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيهٍ قَالَ يَوَيْلَتِىَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىْ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّدِمِينَ ٣١ قراءة الجمهور ﴿فطوعت﴾ والمعنى أن القتل في ذاته مستصعب عظيم على النفوس، فردنه هذه --- ١٨٠ تفسير سورة المائدة / الآيتان: ٣١،٣٠ النفس اللجوجة الأمارة بالسوء طائعاً منقاداً حتى واقعه صاحب هذه النفس، وقرأ الحسن بن أبي الحسن والجراح والحسن بن عمران وأبو واقد ((فطاوعت)) والمعنى كأن القتل يدعو إلى نفسه بسبب الحقد والحسد الذي أصاب قابيل، وكأن النفس تأبى لذلك ويصعب عليها، وكل جهة تريد أن تطيعها الأخرى، إلى أن تفاقم الأمر وطاوعت النفس القتل فواقعته، وروي أنه التمس الغرة في قتله حتى وجده نائماً في غنمه فشدخ رأسه بحجر، وروي أنه جهل كيف يقتله فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره فجعل يشدخ رأسه بين حجرين لیقتدي به قابيل ففعل وروي أنه لما انصرف قابیل إلی آدم قال له أین هابیل قال لا أدري كأنك وكلتني بحفظه فقال له آدم أفعلتها والله إن دمه ليناديني من الأرض، اللهم العن أرضاً شربت دم هابيل، فروي أنه من حينئذ ما شربت أرض دماً، ثم ان آدم صلى الله عليه وسلم بقي مائة عام لم يتبسم حتى جاء ملك فقال له حياك الله يا آدم وبياك فقال آدم: ما بياك؟ قال أضحكك. ويروى أن آدم عليه السلام قال حينئذ: فوجه الأرض مغبرٌّ قبيح تغيرت البلادُ ومن عليها وقل بشاشة الوجه المليح تغير كل ذي طعم ولون وكذا هو الشعر بنصب بشاشة وكف التنوين، وروي عن مجاهد أنه قال علقت إحدى رجلي القاتل بساقها إلى فخذها من يومئذ إلى يوم القيامة ووجهه إلى الشمس حيث ما دارت عليه حظيرة من نار وعليه في الشتاء حظيرة من ثلج . قال القاضي أبو محمد: فإن صح هذا فهو من خسرانه الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿فأصبح من الخاسرين﴾: ومن خسرانه ما روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال إنّا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم، ومن خسرانه ما ثبت وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما قتلت نفس ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، وذلك أنه أول من سن القتل» وقوله: ﴿فأصبح﴾ عبارة عن جميع أوقاته أقيم بعض الزمن مقام كله، وخصّ الصباح بذلك لأنه بدء النهار والانبعاث إلى الأمور ومطية النشاط، ومنه قول الربيع بن ضبع: البیت، أصبحت لا أحمل السلاح ومنه قول سعد بن أبي وقاص، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، إلى غير ذلك من استعمال العرب لما ذكرناه. وقوله تعالى : ﴿فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه﴾ روي في معناه أن قابيل جعل أخاه في جراب ومشى به يحمله في عنقه مائة عام. وقيل سنة واحدة، وقيل بل أصبح في ثاني يوم قتله يطلب إخفاء أمر أخيه فلم يدر ما يصنع به، فبعث الله غراباً حياً إلى غراب ميت فجعل يبحث في الأرض ويلقي التراب على الغراب الميت. وروي أن الله تعالى بعث غرابين فاقتتلا حتى قتل أحدهما الآخر، ثم جعل القاتل يبحث ويواري الميت، وروي أن الله تعالى ((إنما بعث غراباً) واحداً فجعل يبحث ويلقي التراب على هابيل، وظاهر هذه الآية أن هابيل هو أول ميت من بني آدم، ولذلك جهلت سنة المواراة، وكذلك حكى الطبري عن ابن إسحاق عن بعض أهل العلم بما في الكتب الأول، و﴿يبحث﴾