النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
تفسير سورة النساء / الآية : ١٧٦
جهل وغيره، وإلا فإذا فرضت أحداً من البشر عرف الله تعالى، فمحال أن تجده يكفر به تكبراً عليه،
والعناد المجوز إنما يسوق إليه الاستكبار عن البشر، ومع تقارب المنازل في ظن المتكبر.
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم) الآية إشارة إلى محمد رسول الله،
و ((البرهان)»: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، والمعنى: قد جاءكم مقترناً بمحمد برهان من
الله تعالى على صحة ما يدعوكم إليه وفساد ما أنتم عليه من النحل، وقوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليكم نوراً
مبيناً﴾ يعني القرآن فيه بيان لكل شيء، وهو الواعظ الزاجر، الناهي الآمر.
ثم وعد تبارك وتعالى المؤمنين بالله، المعتصمين به، والضمير في ﴿به﴾ يحتمل أن يعود على الله
تعالى، ويحتمل أن يعود على القرآن الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿نوراً مبيناً﴾ و((الاعتصام)) به التمسك
بسببه وطلب النجاة والمنعة به، فهو يعصم كما تعصم المعاقل، وهذا قد فسره قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((القرآن حبل الله المتين من تمسك به عصم))، و((الرحمة)) و((الفضل)): الجنة وتنعيمها،
﴿ويهديهم﴾، معناه: إلى الفضل، وهذه هداية طريق الجنان، كما قال تعالى: ﴿سيهديهم ويصلح
بالهم﴾ [محمد: ٥] لأن هداية الإرشاد قد تقدمت وتحصلت حين آمنوا بالله واعتصموا بكتابه،
و﴿صراطاً﴾ نصب بإضمار فعل يدل عليه ﴿يهديهم﴾، تقديره فيعرفهم، ويحتمل أن ينتصب كالمفعول
الثاني، إذ ﴿يهديهم﴾ في معنى يعرفهم، ويحتمل أن ينتصب على ظرفية ((ما)) ويحتمل أن يكون حالاً من
الضمير في ﴿إليه﴾ وقيل: من فضل، والصراط: الطريق وقد تقدم تفسيره.
قوله تعالى :
يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِى الْكَلَةِ إِنِ أَمْرُّ هَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَّدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ
مَا تَرَكْ وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا اُلتُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً
رِّجَالًا وَنِسَآءُ فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأَنََّيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّواْ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌالشام
تقدم القول في تفسير ﴿الكلالة﴾ في صدر السورة، وان المترجح أنها الوراثة التي خلت من أب
وابن وابنة ولم يكن فيها عمود نسب لا عال ولا سافل، وبقي فيها من يتكلل، أي: يحيط من الجوانب كما
يحيط الإكليل، وكان أمر الكلالة عند عمر بن الخطاب مشكلاً فقال: ما راجعت رسول الله في شيء
مراجعتي إياه في الكلالة، ولوددت أن رسول الله لم يمت حتى يبينها وقال على المنبر: ثلاث لو بينها رسول
الله كان أحب إليَّ من الدنيا: الجد والكلالة، والخلافة، وأبواب من الربا، وروي عنه رضي الله عنه أنه
كتب فيها كتاباً فمكث يستخير الله فيه ويقول. اللهم إن علمت فيه خيراً فأمضه، فلما طعن دعا بالكتاب
فمحي، فلم يدر أحد ما كان فيه، وروى الأعمش عن إبراهيم وسائر شيوخه قال: ذكروا أن عمر رضي الله
عنه قال: لأن أكون أعلم الكلالة أحب إليَّ من جزية قصور الشام. وقال طارق بن شهاب: أخذ عمر بن
الخطاب كتفاً وجمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: الأقضين في الكلالة قضاء تحدث به
النساء في خدورها فخرجت عليهم حية من البيت فتفرقوا، فقال عمر: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمه،
:
أ
:

١٤٢
تفسير سورة النساء / الآية: ١٧٦٨
وقال معدان بن أبي طلحة: خطب عمر بالناس يوم الجمعة فقال: إني والله ما أدع بعدي شيئاً هو أهم إليّ
من أمر الكلالة، وقد سألت عنها رسول الله، فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها، حتى طعن في نحري
وقال: تكفيك آية الصيف التي أنزلت في آخر سورة النساء، فإن أعش فسأقضي فيها بقضية لا يختلف معها
اثنان ممن يقرأ القرآن، وسئل عقبة بن عامر عن الكلالة فقال: ألا تعجبون لهذا يسألني عن الكلالة؟ وما
أعضل بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء ما أعضلت بهم الكلالة.
!
قال القاضي أبو محمد: فظاهر كلام عمر رضي الله عنه أن آية الصيف هي هذه، وروى أبو سلمة عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الكلالة فقال: ألم تسمع الآية التي أنزلت في الصيف ﴿وإن كان
رجل يورث كلالة﴾ [النساء: ١٢] إلى آخر الآية.
٣
قال القاضي رحمه الله: هذا هو الظاهر، لأن البراء بن عازب قال: آخر آية أنزلت على النبي صلى
الله عليه وسلم ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ وقال كثير من الصحابة: هي من آخر ما نزل، وقال
جابر بن عبد الله: نزلت بسببي، عادني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مريض فقلت يا رسول الله:
كيف أقضي في مالي وكان لي تسع أخوات، ولم يكن لي والد ولا ولد؟ فنزلقت الآية.
قال القاضي أبو محمد: وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكفيك منها آية الصيف، بيأن فيه
كفاية وجلاء، ولا أدري ما الذي أشكل منها على الفاروق رضوان الله عليه؟ إلا أن تكون دلالة اللفظ
ولذلك قال بعضهم: ﴿الكلالة﴾ الميت نفسه، وقال آخرون ﴿الكلالة﴾ المال، إلى غير ذلك من
الخلاف، وإذا لم يكن في الفريضة والد ولا ولد وترك الميت أختاً، فلها النصف فرضاً مسمى بهذه الآية،
فإن ترك الميت بنتاً وأختاً، فللبنت النصف، وللأخت النصف بالتعصيب لا بالفرض المسمى،
ولعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عباس في هذه المسألة خلاف للناس وذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله
عنه أنه قال في خطبته: ألا إن آية أول سورة النساء أنزلها الله في الولد والوالد، والآية الثانية أنزلها الله في
الزوج والزوجة والإخوة من الأم والآية التي ختم بها سورة النساء أنزلها في الإخوة والأخوات من الأب
والأم، والآية التي ختم بها سورة الأنفال، أنزلها الله في أولي الأرحام، وقرأ ابن أبي عبلة ((فإن للذكر
مثل حظ)). وقوله تعالى ﴿أن تضلوا﴾ معناه: كراهية أن تضلوا، وحذر أن تضلوا فالتقدير. لئلا تضلوا،
ومنه قول القطامي في صفة ناقة : [الوافرُ].
رَأَيْنا مَا يَرَى الْبُصَرَاءُ مِنْهَا فآلينا عَلَيْهَا أَنْ تُبّاعًا.
وكان عمر رضي الله عنه إذا قرأ ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ قال: اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين

١٤٣
تفسير سورة المائدة / الآية: ١
بِسْمِ اللهِ الرَّحْضَنِ الرَّحِيةِ
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم
سُورَةُ المَائِدَة
هذه السورة مدنية بإجماع. وروي أنها نزلت عند منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من
الحديبية. وذكر النقاش عن أبي سلمة أنه قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية قال: يا
عليّ أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة ونعمت الفائدة.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: وهذا عندي لا يشبه كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومن هذه
السورة ما نزل في حجة الوداع. ومنها ما نزل عام الفتح وهو قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾
[المائدة: ٢] الآية. وكل ما نزل من القرآن بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم فهو مدني سواء ما نزل
بالمدينة أو في سفر من الأسفار أو بمكة. وإنما يرسم بالمكي ما نزل قبل الهجرة. وروي أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال: سورة المائدة تدعى في ملكوت الله المنقذة تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب.
قوله تعالی :
يَّأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوَ أْأَوْفُواْبِالْعُقُودٍ أُحِلَّتْ لَكُمْ يَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ إِلَّمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِ الصَّيْدِ
وَأَنْتُمْ حُمُ إِنَّاللَّهَ يَحْكُمُ مَايُرِيدُ ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تُحِلُّوْ شَعَّبِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا
اُلْهَدْىَ وَلَا الْقَلَِدَ وَلَاءَآمِينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْثَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّتِهِمْ وَرِضْوَانًا
قال علقمة: كل ما في القرآن ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو مدني. وقد تقدم القول في مثل هذا. ويقال:
وفى وأوفى بمعنى واحد، وأمر الله تعالى المؤمنين عامة بالوفاء بالعقود. وهي الربوط في القول كان ذلك في
تعاهد على بر أو في عقدة نكاح أو بيع أو غيره. ولفظ المؤمنين يعم مؤمني أهل الكتاب. إذ بينهم وبين الله
عقد في أداء الأمانة فيما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولفظ ((العقود)) يعم عقود الجاهلية
المبنية على بر مثل دفع الظلم ونحوه، وأما في سائر تعاقدهم على الظلم والغارات فقد هدمه الإسلام فإنما
معنى الآية أمر جميع المؤمنين بالوفاء على عقد جار على رسم الشريعة وفسر الناس لفظ ((العقود)) بالعهود.
وذكر بعضهم من العقود أشياء على جهة المثال فمن ذلك قول قتادة (أوفوا بالعقود) معناه بعهد الجاهلية. روي
لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: أوفوا بعقد الجاهلية ولا تحدثوا عقداً في الإسلام.
قال القاضي أبو محمد: وفقه هذا الحديث أن عقد الجاهلية كان يخص المتعاقدين، إذ كان
الجمهور على ظلم وضلال، والإسلام قد ربط الجميع وجعل المؤمنين إخوة فالذي يريد أن يختص به
i

١٤٤
تفسير سورة المائدة / الآية: ١
المتعاقدان قد ربطهما إليه الشرع مع غيرهم من المسلمين اللهم إلا أن يكون التعاهد على دفع نازلة من
نوازل الظلامات فيلزم في الإسلام التعاهد على دفع ذلك والوفاء بذلك العهد، وأما عهد خاص لما عسى
أن يقع يختص المتعاهدون بالنظر فيه والمنفعة كما كان في الجاهلية فلا يكون ذلك في الإسلام. قال
الطبري: وذكر أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حلف الجاهلية، فقال
لعلك تسأل عن حلف لجيم وتيم الله، قال نعم يا نبي الله، قال لا يزيده الإسلام إلا شدة. وقال ابن عباس
رضي الله عنه ﴿أوفوا بالعقود﴾ معناه بما أحل الله وبما حرم وبما فرض وبما حد في جميع الأشياء، قاله
مجاهد وغيره ..
وقال محمد بن كعب القرظي وابن زيد وغيرهما ((العقود)) في الآية هي كل ما ربطه المرء على نفسه
من بيع أو نكاح أو غيره.
وقال ابن زيد وعبد الله بن عبيدة: العقود خمس: عقدة الإيمان وعقدة النكاح وعقدة العهد وعقدة البيع
وعقدة الحلف.
قال القاضي أبو محمد: وقد تنحصر إلى أقل من خمس، وقال ابن جريج قوله تعالى: ﴿أوفوا
بالعقود﴾ قال: هي العقود التي أخذها الله على أهل الكتاب أن يعملوا بما جاءهم، وقال ابن شهاب قرأت
کتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كتب لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وفي صدره: هذا بيان
من الله ورسوله ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ فكتب الآيات منها إلى قوله: ﴿إن الله سريع الحساب﴾
[المائدة: ٤ ].
قال القاضي أبو محمد: وأصوب ما يقال في تفسير هذه الآية أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول فيعمم
لفظ المؤمنين جملة من مظهر الإيمان إن لم يبطنه وفي المؤمنين حقيقة ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول
موافق للحق والشرع. ومن لفظ العقد قول الحطيئة:
قومٌ إذا عقدوا عقداً لجارهم
شدوا العناجَ وشدوا فوقَهُ الكربا
وقوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ خطاب لكل من التزم الإيمان على وجهه وكماله وكانت
للعرب سنن في ((الأنعام)) من السائبة والبحيرة والحام وغير ذلك فنزلت هذه الآية رافعة لجميع ذلك،
واختلف في معنى ﴿بهيمة الأنعام) فقال السدي والربيع وقتادة والضحاك: هي ((الأنعام)) كلها.
قال القاضي أبو محمد: كأنه قال أحلت لكم ((الأنعام)) فأضاف الجنس إلى أخص منه. وقال
الحسن : ﴿بهيمة الأنعام﴾ الإبل والبقر والغنم. وروي عن عبد الله بن عمر أنه قال ﴿بهيمة الأنعام) الأجنة
التي تخرج عند الذبح للأمهات فهي تؤكل دون ذكاة، وقال ابن عباس: هذه الأجنة من ﴿بهيمة الأنعام﴾،
قال الطبري: وقال قوم ﴿بهيمة الأنعام) وحشها كالظباء وبقر الوحش والحمر وغير ذلك. وذكره غير الطبري
عن الضحاك.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول حسن، وذلك أن ((الأنعام)) هي الثمانية الأزواج وما انضاف إليها
من سائر الحيوان يقال له أنعام بمجموعه معها وكان المفترس من الحيوان كالأسد وكل ذي نائب قد خرج عن

١٤٥
تفسير سورة المائدة / الآية : ٢
حد ((الأنعام)) فصار له نظر ما، فـ ﴿بهيمة الأنعام) هي الراعي من ذوات الأربع وهذه على ما قيل إضافة الشيء
إلى نفسه كدار الآخرة ومسجد الجامع، وما هي عندي إلا إضافة الشيء إلى جنسه وصرح القرآن بتحليلها .
واتفقت الآية وقول النبي عليه السلام ((كل ذي ناب من السباع حرام))، ويؤيد هذا المنزع الاستثناءان بعد إذ
أحدهما استثني فيه أشخاص نالتها صفات ما وتلك الصفات واقعات كثيراً في الراعي من الحيوان. والثاني
استثني فيه حال للمخاطبين وهي الإحرام والحرم، والصيد لا يكون إلا من غير الثمانية الأزواج، فترتب
الاستثناءان في الراعي من ذوات الأربع. والبهيمة في كلام العرب ما أبهم من جهة نقص النطق والفهم
ومنه باب مبهم وحائط مبهم، ولیل بھیم، وبهمة، للشجاع الذي لا یدری من أین یؤتی له.
وقوله تعالى: ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾ استثناء ما تلي في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم
ولحم الخنزير﴾ [المائدة: ٣]. و﴿ما﴾ في موضع نصب على أصل الاستثناء وأجاز بعض الكوفيين أن تكون
في موضع رفع على البدل وعلى أن تكون ﴿إلا﴾ عاطفة وذلك لا يجوز عند البصريين إلا من نكرة أو ما قاربها.
من أسماء الأجناس نحو قولك جاء الرجال إلا زيد كأنك قلت غير زيد بالرفع وقوله: ﴿غير محلي الصيد﴾
نصب ﴿غير﴾ على الحال من الكاف والميم في قوله ﴿أحلت لكم﴾، وقرأ ابن أبي عبلة ((غيرُ)) بالرفع
ووجهها الصفة للضمير في ﴿يتلى﴾ لأن ((غيرُ محلي الصيد)» هو في المعنى بمنزلة غير مستحل إذا كان
صيداً أو يتخرج على الصفة لـ ﴿بهيمة) على مراعاة معنى الكلام كما ذكرت.
قال القاضي أبو محمد: وقد خلط الناس في هذا الموضع في نصب ((غيرَ)) وقدروا فيها تقديمات
وتأخيرات وذلك كله غير مرضيّ لأن الكلام على اطراده متمكن استثناء بعد استثناء وحرم جميع حرام وهو
المحرم ومنه قول الشاعر:
حرام وإني بعد ذاك لبيب
فقلت لها فيئي إليك فإنني
أي ملبٌ وقرأ الحسن وإبراهيم ويحيى بن وثاب ((حرْم)) بسكون الراء. قال أبو الحسن هذه لغة تميمية
يقولون في رُسُل رُسْل وفي كُتُب كُتْب ونحوه، وقوله: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ تقوية لهذه الأحكام الشرعية
المخالفة لمعهود أحكام العرب أي فأنت أيها السامع لنسخ تلك العهود التي عهدت تنبه فإن الله الذي هو
مالك الكل يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. وهذه الآية مما تلوح فصاحتها وكثرة معانيها على قلة ألفاظها
لكل ذي بصر بالكلام ولمن عنده أدنى إبصار فإنها تضمنت خمسة أحكام: الأمر بالوفاء بالعقود وتحليل
بهيمة الأنعام واستثناء ما تلي بعد واستثناء حال الإحرام فيما يصاد وما يقتضيه معنى الآية من إباحة الصيد
لمن ليس بمحرم، وحكى النقاش أن أصحاب الكندي قالوا للكندي: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن
فقال نعم أعمل مثل بعضه فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر عليه ولا يطيق هذا أحد إني
فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أمر بالوفاء ونهى عن النكث وحلل تحليلاً عاماً
ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يستطيع أن يأتي أحد بهذا إلا في
أجلاد ..
وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ خطاب للمؤمنين حقاً أن لا يتعدوا حدود الله

١٤٦
تفسير سورة المائدة / الآية: ٢
في أمر من الأمور. والشعائر جمع شعيرة أي قد أشعر الله أنها حده وطاعته فهي بمعنى معالم الله، واختلفت
عبارة المفسرين في المقصود من الشعائر الذي بسببه نزل هذا العموم في الشعائر فقال السدي ﴿شعائر الله﴾
حرم الله، وقال ابن عباس ﴿شعائر الله﴾ مناسك الحج. وكان المشركون يحجون ويعتمرون ويهدون وينحرون
ويعظمون مشاعر الحج فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فقال الله تعالى: ﴿لا تحلوا شعائر الله﴾. وقال ابن
عباس أيضاً ﴿شعائر الله﴾ ما حد تحريمه في الإحرام. وقال عطاء بن أبي رباح، ﴿شعائر الله﴾ جميع ما أمر به
أو نهى عنه، وهذا هو القول الراجح الذي تقدم، وقال ابن الكلبي كان عامة العرب لا يعدون الصفا والمروة
من الشعائر وكانت قريش لا تقف بعرفات فنهوا بهذه الآية، وقوله تعالى: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ اسم مفرد
يدل على الجنس في جميع الأشهر الحرم وهي كما قال النبي عليه السلام ذو القعدة وذو الحجة والمحرم
ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان وإنما أضيف إلى مضر لأنها كانت تختص بتحريمه. وتزيل فيه
السلاح، وتنزع الأسنة من الرماح، وتسميه منصل الأسنة وتسميه الأصم من حيث كان لا يسمع فيه صوت
سلاح، وكانت العرب مجمعة على ذي القعدة وذي الحجة والمحرم وكانت تطول عليها الحرمة وتمتنع من
الغارات ثلاثة أشهر فلذلك اتخذت النسيء وهو أن يحل لها ذلك المتكلم نعيم بن ثعلبة وغيره المحرم
يحرم بدله صفراً فنهى الله عن ذلك بهذه الآية وبقوله: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفرِ﴾ [التوبة: ٣٧]
وجعل المحرم أول شهور السنة من حيث كان الحج والموسم غاية العام وثمرته فبذلك يكمل ثم يستأنف
عام آخر ولذلك والله علم دوّن به عمر بن الخطاب الدواوين فمعنى قوله تعالى: ﴿ولا الشهر الحرام﴾ أي
لا تحلوه بقتال ولا غارة ولا تبديل فإن تبديله استحلال لحرمته ..
قال القاضي أبو محمد: والأظهر عندي أن الشهر الحرام أريد به رجب ليشتد أمره لأنه إنما كان
مختصاً بقريش ثم فشا في مضر، ومما يدل على هذا قول عوف بن الأحوص:
:٠
إذا حبست مضرجها الدماء
وشهر بني أمية والهدايا
قال أبو عبيدة أراد رجباً لأنه شهر كانت مشايخ قريش تعظمه فنسبه إلى بني أمية ذكر هذا الأخفش في
المفضليات وقد قال الطبري المراد في هذه الآية رجب مضر ..
قال القاضي أبو محمد: فوجه هذا التخصيص هو كما قد ذكرت أن الله تعالى شدد أمر هذا الشهر إذ
كانت العرب غير مجمعة عليه، وقال عكرمة: المراد في هذه الآية ذو القعدة من حيث كان أولها، وقولنا فيها
((أول)) تقريب وتجوز أن الشهور دائرة فالأول إنما يترتب بحسب نازلة أو قرينة ما مختصة بقوم ..
٠:٠٠
وقوله تعالى: ﴿ولا الهدي ولا القلائد﴾ أما الهدي فلا خلاف أنه ما أهدي من النعم إلى بيت الله
وقصدت به القربة فأمر الله أن لا يستحل ويغار عليه، واختلف الناس في ﴿القلائد﴾ فحكى الطبري عن ابن
عباس أن ﴿القلائد﴾ هي ﴿الهدي﴾ المقلد وأن ﴿الهدي) إنما يسمى هدياً ما ثم يقلد فكأنه قال ولا
((الهدي)) الذي يقلد والمقلد منه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الذي قال الطبري تحامل على ألفاظ ابن عباس وليس يلزم من كلام
ابن عباس أن ﴿الهدي﴾ إنما يقال لما لم يقلد وإنما يقتضي أن الله نهى عن استحلال ب﴿الهدي﴾ جملة ثم ذكر

١٤٧
تفسير سورة المائدة / الآية : ٢
المقلد منه تأكيداً ومبالغة في التنبيه على الحرمة في التقليد، وقال جمهور الناس: ﴿الهدي﴾ عام في أنواع ما
أهدي قربة و﴿القلائد﴾ ما كان الناس يتقلدونه أمنة لهم، قال قتادة: كان الرجل في الجاهلية إذا خرج يريد
الحج تقلد من السمر قلادة فلم يعرض له أحد بسوء إذ كانت تلك علامة إحرامه وحجه وقال عطاء وغيره: بل
كان الناس إذا خرجوا من الحرم في حوائج لهم تقلدوا من شجر الحرم ومن لحائه فيدل ذلك على أنهم من
أهل الحرم أو من حجاجه فيأمنون بذلك فنهى الله تعالى عن استحلال من تحرم بشيء من هذه المعاني.
وقال مجاهد وعطاء: بل الآية نهي للمؤمنين عن أن يستحلوا أخذ القلائد من شجر الحرم كما كان أهل
الجاهلية يفعلون، وقاله الربيع بن أنس عن مطرف بن الشخير وغيره، وقوله تعالى: ﴿ولا آمين البيت
الحرام﴾ معناه ولا تحلوهم فتغيروا عليهم ونهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يعمدوا للكفار
القاصدين ﴿البيت الحرام﴾ على جهة التعبد والقربة وكل ما في هذه الآية من نهي عن مشرك أو مراعاة حرمة
له بقلادة أو أم البيت ونحوه فهو كله منسوخ بآية السيف في قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث
وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥] وروي أن هذه الآية نزلت بسبب الحطم بن هند البكري أخي بني ضبيعة بن
ثعلبة وذلك أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً لأصحابه: ((يدخل اليوم عليكم رجل من ربيعة يتكلم
بلسان شيطان)) فجاء الحطم فخلف خيله خارجة من المدينة ودخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما
عرض رسول الله عليه السلام ودعاه إلى الله قال: أنظر ولعلي أسلم وأرى في أمرك غلظة ولي من أشاوره.
فخرج فقال النبي عليه السلام ((لقد دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر))، فمر بسرح من سرح المدينة فساقه
وانطلق به وهو يقول:
ليس براعي إبل ولا غنم
قد لفها الليل بسواق حطم
باتوا نياماً وابن هند لم ينم
ولا بجزار على ظهر وضم
خدلج الساقين خفاق القدم
بات يقاسيها غلام كالزلم
ثم أقبل الحطم من عام قابل حاجاً وساق هدياً فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه.
وخف إليه ناس من أصحاب النبي عليه السلام، فنزلت هذه الآية، قال ابن جريج: هذه الآية نهي عن
الحجاج أن تقطع سبلهم، ونزلت الآية بسبب الحطم فذكر نحوه، وقال ابن زيد: نزلت الآية عام الفتح
ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، جاء أناس من المشركين يحجون ويعتمرون، فقال المسلمون يا
رسول الله، إنما هؤلاء مشركون فلن ندعهم إلا أن نغير عليهم، فنزل القرآن ﴿ولا آمّين البيت الحرام﴾ .
قال القاضي أبو محمد: فكل ما في هذه الآية مما يتصور في مسلم حاج فهو معكم، وكل ما كان منها
في الكفار فهو منسوخ، وقرأ ابن مسعود وأصحابه ((ولا آمي البيت)) بالإضافة إلى البيت وقوله تعالى: ﴿يبتغون
فضلاً من ربهم ورضواناً﴾ قال فيه جمهور المفسرين معناه يبتغون الفضل في الأرباح في التجارة ويبتغون
مع ذلك رضوانه في ظنهم وطمعهم، وقال قوم إنما الفضل والرضوان في الآية في معنى واحد وهو رضا
الله وفضله بالرحمة والجزاء، فمن العرب من كان يعتقد جزاء بعد الموت، وأكثرهم إنما كانوا يرجون
الجزاء والرضوان في الدنيا والكسب وكثرة الأولاد ويتقربون رجاء الزيادة في هذه المعاني وقرأ الأعمش
((ورُضواناً)) بضم الراء.
-

١٤٨
تفسير سورة المائدة / الآية : ٢
قال القاضي أبو محمد: وهذه الآية استئلاف من الله تعالى للعرب ولطف بهم لتنبسط النفسوس
ويتداخل الناس ويردون الموسم فيسمعون القرآن ويدخل الإيمان في قلوبهم وتقوم عندهم الحجة كالذي
كان وهذه الآية نزلت عام الفتح ونسخ الله تعالى ذلك كله بعد عام سنة تسع. إذ حج أبو بكر ونودي الناس
بسورة براءة.
قوله تعالی :
ج
وَإِذَا حَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شََكَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُواْ
وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىِّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَتَّقُواْ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ اُلْعِقَابِ
٢
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْنَةُ وَاَلَدَّمُ وَحْمُ اِخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الَّهِ بِهِ، وَالْمُنْخَيِقَةُ وَاُلْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ
وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلََّ مَا ذَكَيْئُمُ
جاءت إباحة الصيد عقب التشدد في حرم البشر حسنة في فصاحة القول، وقوله تعالى: ﴿فاصطادوا﴾
صيغة أمر ومعناه الإباحة بإجماع من الناس، واختلف العلماء في صيغة أفعل إذا وردت ولم يقترن بها بيان
واضح في أحد المحتملات، فقال الفقهاء: هي على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، وقال
المتكلمون هي على الوقف حتى تطلق القرينة ولن يعرى أمر من قرينة، وقال قوم هي على الإباحة حتى
يدل الدليل، وقال قوم: هي على الندب حتى يدل الدليل وقول الفقهاء أحوطها وقول المتكلمين أقيسها
وغير ذلك ضعيف. ولفظة أفعل قد تجيء للوجوب كقوله ﴿أقيموا الصلاة﴾، وقد تجيء للندب كقوله:
﴿وافعلوا الخير﴾ [الحج: ٧٧] وقد تجيء للإباحة كقوله ﴿فاصطادوا﴾ ﴿فابتغوا من فضل الله﴾ ﴿فانتشروا في
الأرض﴾ [العنكبوت: ١٧]، ويحتمل الابتغاء من فضل الله أن يكون ندباً، وقد تجيء للوعيد كقوله
﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: ٤٠] وقد تجيء للتعجيز كقوله ﴿كونوا حجارة﴾ [الإسراء: ٥٠] وقرأ أبو واقد
والجراح ونبيح والحسن بن عمران ((فاصطادوا)) بكسر الفاء وهي قراءة مشكلة ومن توجيهها أن يكون راعى
كسر ألف الوصل إذا بدأت فقلت: اصطادوا فكسر الفاء مراعاةً وتذكراً لكسرة ألف الوصل، وقوله تعالى:
﴿ولا يجرمنكم﴾ معناه ولا یکسینکم وجرم الرجل معناه کسب ویتعدی إلی مفعولین کما یتعدی کسب،
وفي الحديث: وتكسب المعدوم، قال أبو علي: وأجرم بالألف عرفه الكسب في الخطايا والذنوب، وقال
الکسائي جرم وأجرم لغتان بمعنى واحد أي کسب وقال قوم ﴿یجرمنکم﴾ معناه یحق لكم كما أن ﴿لا جرم
أن لهم النار﴾ [النحل: ٦٢] معناه حق لهم أن لهم النار وقال ابن عباس ﴿يجرمنكم﴾ معناه يحملنكم.
قال القاضي أبو محمد: وهذه كلها أقوال تتقارب بالمعنى فالتفسير الذي يخص اللفظة هو معنى
الكسب ومنه قول الشاعر: [أبو خراش الهذلي]:
ترى لعظام ما جمعت صليبا
جريمةُ ناهض في رأس نيق
معناه كاسب قوت ناهض، ويقال فلان جريمة قومه إذا كان الكاسب لهم، وقرأ ابن مسعود وغيره

١٤٩
تفسير سورة المائدة / الآية : ٢
(يُجرمنكم)) بضم الياء والمعنى أيضاً لا يكسبنكم وأما قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة
جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
فمعناه كسبت فزارة بعدها الغضب وقد فسر بغير هذا مما هو قريب منه وقوله تعالى: ﴿شنآن قوم
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي (شَنْآن)) متحركة النون، وقرأ ابن عامر ((شنآن)» ساكنة النون،
واختلف عن عاصم ونافع، يقال شنئت الرجل شَنْأ بفتح الشين وشنآناً بفتح النون وشنآناً بسكون النون
والفتح أكثر كل ذلك إذا أبغضته، قال سيبويه: كل ما كان من المصادر على فعلان بفتح العين لم يتعد فعله
إلا أن يشذ شيء كالشنآن وإنما عدي شنئت من حيث كان أبغضت كما عدي الرفث بـ «إلی )) من حيث
كان بمعنى الإفضاء.
قال القاضي أبو محمد: فأما من قرأ ((شنّآن)) بفتح النون فالأظهر فيه أنه مصدر كأنه قال لا يكسبنكم
بغض قوم من أجل أن صدوكم عدواناً عليهم وظلماً لهم والمصادر على هذا الوزن كثيرة كالنزوان والغليان
والطوفان والجريان وغيره، ويحتمل ((الشنآن)) بفتح النون أن يكون وصفاً فيجيء المعنى ولا يكسبنكم
بغض قوم أو بغضاء قوم عدواناً ومما جاء على هذا الوزن صفة قولهم: حمار قطوان إذا لم يكن سهل السير
وقولهم عدو وصمان أي ثقيل كعدو الشيخ ونحوه إلى غير هذا مما ليس في الكثرة كالمصادر ومنه ما أنشده
أبو زيد:
وفقأت عين الأشوس الأبيان
وقبلك ما هاب الرجال ظلامتي
بفتح الباء وأما من قرأ (شنآن)» بسكون النون فيحتمل أن يكون مصدراً وقد جاء المصدر على هذا
الوزن في قولهم لويته دينه لياناً، وقول الأحوص:
وإن لام فيه ذو الشنان وفندا
إنما هو تخفيف من ((شنآن)) الذي هو مصدر بسكون النون لأنه حذف الهمزة وألقى حركتها على
الساكن هذا هو التخفيف القياسي، قال أبو علي: من زعم أن فعلان إذا أسكنت عينه لم يك مصدراً فقد
أخطأ، وتحتمل القراءة بسكون النون أن يكون وصفاً فقد حكي: رجل شنآن وامرأة شنآنة وقياس هذا أنه
من فعل غير متعد وقد يشتق من لفظ واحد فعل متعد وفعل واقف فيكون المعنى ولا يكسبنكم بغض قوم أو
بغضاء قوم عدواناً وإذا قدرت اللفظة مصدراً فهو مصدر مضاف إلى المفعول، ومما جاء وصفاً على فعلان
ما حكاه سيبويه من قولهم خمصان ومن ذلك قولهم ندمان.
قال القاضي أبو محمد: ومنه رحمان وهذه الآية نزلت عام الفتح حين أراد المؤمنون أن يستطيلوا على
قريش وألفافها من القبائل المتظاهرين على صد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عام الحديبية
وذلك سنة ست من الهجرة فحصلت بذلك بغضة في قلوب المؤمنين وحسيكة للكفار فقيل للمؤمنين عام
الفتح وهو سنة ثمان لا يحملنكم ذلك البغض أو أولئك البغضاء من أجل أن صدوكم على أن تعتدوا عليهم
إذ الله فيهم إرادة خير وفي علمه أن منهم من يؤمن كالذي كان، وحكى المهدوي عن قوم أنها نزلت عام
الحديبية لأنه لما صد المسلمون عن البيت مر بهم قوم من أهل نجد يريدون البيت فقالوا نصد هؤلاء كما

١٥٠
تفسير سورة المائدة / الآية: ٣
صددنا فنزلت الآية، وقرأ أبو عمرو وابن كثير ((إن صدوكم)) بكسر الهمزة وقرأ الباقون ((أن صدوكم)) بفتح الهمزة
إشارة إلى الصد الذي وقع وهذه قراءة الجمهور وهي أمکن في المعنی وکسر الهمزة معناه إن وقع مثل ذلك
في المستقبل. وقرأ ابن مسعود ((أن يصدوكم)) وهذه تؤيد قراءة أبي عمرو وابن كثير.
ثم أمر الله تعالى الجميع بالتعاون ﴿على البر والتقوى﴾ قال قوم: هما لفظان بمعنى وكرر باختلاف
اللفظ تأکیداً ومبالغة إذ کل بر تقوی وکل تقوی بر.
قال القاضي أبو محمد: وفي هذا تسامح ما والعرف في دلالة هذين اللفظين أن البر يتناول الواجب
والمندوب إليه والتقوى رعاية الواجب فإن جعل أحدهما بدل الآخر فبتجوز ثم نهى تعالى عن التعاون على
الإثم وهو الحكم اللاحق عن الجرائم وعن العدوان وهو ظلم الناس، ثم أمر بالتقوى وتوعد توعداً مجملاً
بشدة العقاب وروي أن هذه الآية نزلت نهياً عن الطلب بذحول الجاهلية إذ أراد قوم من المؤمنين ذلك، قاله
مجاهد. وقد قتل بذلك حليف لأبي سفيان من هذيل ..
وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ الآية تعديد لما يتلى على الأمة مما استثني من ﴿بهيمة الأنعام)
[المائدة: ١] و﴿الميتة﴾ كل حيوان له نفس سائلة خرجت نفسه من جسده على غير طريق الذكاة المشروع
سوى الحوت والجراد على أن الجراد قد رأى كثير من العلماء أنه لا بد من فعل فيها يجري مجرى الذكاة،
وقرأ جمهور الناس ((الميتة)) بسكون الياء، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ((الميّتة)) بالتشديد في الياء قال الزجاج:
هما بمعنى واحد، وقال قوم من أهل اللسان: الميْت بسكون الياء ما قد مات بعد والميّت يقال لما قد مات
ولما لم يمت وهو حي بعد ولا يقال له ميت بالتخفيف ورد الزجاج هذا القول واستشهد على رده بقول
الشاعر:
إنما الميت ميت الأحياء
ليس من مات فاستراح بميت
قال القاضي أبو محمد: والبيت يحتمل أن يتأول شاهداً عليه لا له وقد تأول قوم استراح في هذا
البيت بمعنى اكتسب رائحة إذ قائله جاهلي لا يرى في الموت راحة وقوله تعالى: ﴿والدم﴾ معناه المسفوح لأنه
بهذا تريد الدم في غير هذه الآية فيرد المطلق إلى المقيد وأجمعت الأمة على تحليل الدم المخالط للحم
وعلى تحليل الطحال ونحوه وكانت الجاهلية تستبيح الدم ومنه قولهم لم يحرم من فصد له والعلهز دم ووبر
يأكلونه في الأزمات ﴿ولحم الخنزير﴾ مقتض لشحمه بإجماع، واختلف في استعمال شعره وجلده بعد الدباغ
فأجيز ومنع وكل شيء من الخنزير حرام بإجماع جلداً كان أو عظماً، وقوله تعالى: ﴿وما أهل لغير الله به﴾
يعني ما ذبح لغير الله تعالى وقصد به صنم أو بشر من الناس كما كانت العرب تفعل وكذلك النصارى وعادة
الذابح أن يسمي مقصوده ويصيح به فذلك إهلاله ومنه استهلال المولود إذا صاح عند الولادة، ومنه إهلال
الهلال أي الصياح بأمره عند رؤيته ومن الإهلال قول ابن أحمر:
كما يهل الراكب المعتمر
يهل بالفرقد ركبانها
وقوله تعالى: ﴿والمنخنقة﴾ معناه التي تموت خنقاً وهو حبس النفس سواء فعل بها ذلك آدمي أو اتفق لها
ذلك في حجر أو شجرة أو بحبل أو نحوه وهذا إجماع، وقد ذكر قتادة أن أهل الجاهلية كانوا يختقون الشاة

١٥١
تفسير سورة المائدة / الآية : ٣ -
وغيرها فإذا ماتت أكلوها وذكر نحوه ابن عباس ﴿والموقوذة﴾ التي ترمى أو تضرب بعصا أو بحجر أو نحوه
وكأنها التي تحذف به وقال الفرزدق:
شغارة تغذ الفصيل برجلها
فطارة لقوادم الأبكار
وقال ابن عباس ﴿الموقوذة﴾ التي تضرب بالخشب حتى يوقذها فتموت وقال قتادة: كان أهل
الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونها .
قال القاضي أبو محمد: ومن اللفظة قول معاوية، وأما ابن عمر فرجل قد وقذه الورع وكفى أمره
ونزوته، وقال الضحاك: كانوا يضربون ((الأنعام)) بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلونها وقال أبو عبد الله
الصنابحي ليس ﴿الموقوذة﴾ إلا في مالك وليس في الصيد وقيذ.
قال القاضي أبو محمد: وعند مالك وغيره من الفقهاء في الصيد ما حكمه حكم الوقيذ وهو نص في
قول النبي صلى الله عليه وسلم، في المعراض ((وإذا أصاب بعرضه فلا تأكل فإنه وقيذ))، ﴿والمتردية) هي التي
تتردى من العلو إلى السفل فتموت كان ذلك من جبل أو في بئر ونحوه، هي متفعلة من الردى وهو الهلاك
وكانت الجاهلية تأكل المتردي ولم تكن العرب تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحو ذلك دون سبب يعرف
فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة، فحصر الشرع الذكاة في صفة مخصوصة وبقيت هذه كلها ميتة،
﴿والنطيحة﴾ فعيلة بمعنى مفعولة وهي الشاة تنطحها أخرى أو غير ذلك فتموت وتأول قوم ﴿النطيحة﴾ بمعنى
الناطحة لأن الشاتين قد تتناطحان فتموتان، وقال قوم: لو ذكر الشاة لقيل: والشاة النطيح كما يقال كف
خضيب ولحية دهين، فلما لم تذكر ألحقت الهاء لئلا يشكل الأمر أمذكراً يريد أم مؤنثاً، قال ابن عباس
والسدي وقتادة والضحاك: النطيحة الشاة تناطح الشاة فتموتان أو الشاة تنطحها البقر والغنم ..
قال القاضي أبو محمد: وكل ما مات ضغطاً فهو نطيح، وقرأ أبو ميسرة ((والمنطوحة))، وقوله: ﴿وما
أكل السبع﴾ يريد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوه
هذه كلها سباع. ومن العرب من يوقف اسم السبع على الأسد. وكان العرب إذا أخذ السبع شاة فقتلها ثم
خلصت منه أكلوها وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره.
وقرأ الحسن والفياض وطلحة بن سليطان وأبو حيوة وما ((أكل السبع)) بسكون الباء وهي لغة أهل نجد
وقرأ بذلك عاصم في رواية أبي بكر عنه. وقرأ عبد الله بن مسعود ((وأكيلة السبع)) وقرأ عبد الله بن عباس ((وأكيل
السبع))، واختلف العلماء في قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ فقال ابن عباس والحسن بن أبي الحسن وعلي بن
أبي طالب وقتادة وإبراهيم النخعي وطاوس وعبيد بن عمير والضحاك وابن زيد وجمهور العلماء الاستثناء هو
من هذه المذكورات فما أدرك منها يطرق بعين أو يمصع برجل أو يحرك ذنباً وبالجملة ما يتحقق أنه لم
تفض نفسه بل له حياة فإنه يذكى على سنة الذكاة ويؤكل، وما فاضت نفسه فهو في حكم الميتة بالوجع
ونحوه على ما كانت الجاهلية تعتقده، وقال مالك رحمه الله مرة بهذا القول، وقال أيضاً وهو المشهور عنه ؟
وعن أصحابه من أهل المدينة ان قوله تعالى: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ معناه من هذه المذكورات في وقت تصح فيه
ذكاتها وهو ما لم تنفذ مقاتلها ويتحقق أنها لا تعيش ومتى صارت في هذا الحد فهي في حكم الميتة.

١٥٢
تفسير سورة المائدة / الآية :٠ ٣
قال القاضي أبو محمد: فقال بعض المفسرين إن الاستثناء في قول الجمهور متصل وفي قول مالك
منقطع لأن المعنى عنده ((لكن ما ذكيتم)) مما تجوز تذكيته فكلوه حتى قال بعضهم إن المعنى ﴿إلا ما ذكيتم﴾
من غير هذه فكلوه، وفي هذا عندي نظر، بل الاستثناء على قول مالك متصل لكنه يخالف في الحال التي
تصح ذكاة هذه المذكورات، وقال الطبري: إن الاستثناء عند مالك من التحريم لا من المحرمات.
١٠٠٠
قال القاضي أبو محمد: وفي هذه العبارة تجوز كثير وحينئذ يلتئم المعنى، والذكاة في كلام العرب
الذبح، قاله ثعلب، قال ابن سيده: والعرب تقول ذكاة الجنين ذكاة أمه.
قال القاضي أبو محمد: وهذا إنما هو حديث، وذكى الحيوان ذبحه، ومنه قول الشاعر:
يذكيها الأسل
ومما احتج به المالكيون لقول مالك، إن ما تيقن أنه يموت من هذه الحوادث فهو في حكم الميتة أنه
لو لم تحرم هذه التي قد تيقن موتها إلا بأن تموت لكان ذكر الميتة أولاً يغني عنها فمن حجة المخالف ان
قال إنما ذكرت بسبب أن العرب كانت تعتقد أن هذه الحوادث كالذكاة فلو لم يذكر لها غير الميتة لظنت أنها
ميتة الوجع حسب ما كانت هي عليه .
قوله تعالى:
وَمَاذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالْأَزْلَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ أَلْيَوْمَ يَبِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن ◌ِدِينِكُمْ
فَلَ تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنٍ اَلْيَوْمَ أَ كْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ اُلْإِسْلَمَ
دِيَنَّا فَمَنِ اضْطُرَ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِِّثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ
لَّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِِّينَ تُعَلُِّونَهُنَّ بِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ
قوله: ﴿وما ذبح﴾ عطف على المحرمات المذكورات، و﴿النصب﴾ جمع واحده نصاب، وقيل هو اسم
مفرد وجمعه أنصاب وهي حجارة تنصب كل منها حول الكعبة ثلاثمائة وستون، وكان أهل الجاهلية
يعظمونها ويذبحون عليها لآلهتهم ولها أيضاً وتلطخ بالدماء وتوضع عليه اللحوم قطعاً قطعاً ليأكل الناس،
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: ﴿النصب﴾ حجارة كان أهل الجاهلية يذبحون عليها. وقال ابن عباس:
ويهلون عليها، قال ابن جريج: ﴿النصب﴾ ليس بأصنام الصنم يصور وينقش، وهذه حجارة تنصب.
قال القاضي أبو محمد: وقد كانت للعرب في بلادها أنصاب حجارة يعبدونها ویحکون فيها أنصاب
مكة، ومنها الحجر المسمى بسعد وغيره، قال ابن جريج: كانت العرب تذبح بمكة وينضحون بالدم ما
أقبل من البيت ويشرحون اللحم ويضعونه على الحجارة .. فلما جاء الإسلام قال المسلمون لرسول الله
صلى الله عليه وسلم نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
يكره ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها﴾ [الحج: ٣٧] ونزلت ﴿وما ذبح علمى
النصب﴾.

:
١٥٣
تفسير سورة المائدة / الآية : ٣
قال القاضي أبو محمد: المعنى والنية فيها تعظيم النصب، قال مجاهد: وكان أهل مكة يبدلون ما
شاؤوا من تلك الحجارة إذا وجدوا أعجب إليهم منها، قال ابن زيد: ﴿ما ذبح على النصب﴾ وما أهل به لغير
الله شيء واحد.
قال رضي الله عنه: ﴿ما ذبح على النصب﴾ جزء مما أهل به لغير الله لكن خص بالذكر بعد جنسه
لشهرة الأمر وشرف الموضع وتعظيم النفوس له. وقد يقال للصنم أيضاً نصب ونصب لأنه ينصب وروي أن
الحسن بن أبي الحسن قرأ ((وما ذبح على النَّصْب)) بفتح النون وسكون الصاد، وقال على الصنم، وقرأ طلحة
ابن مصرف ((على النّصْب)) بضم النون وسكون الصاد، وقرأ عيسى بن عمر ((على النَّصَب)) بفتح النون والصاد
وروي عنه أنه قرأ بضم النون والصاد كقراءة الجمهور، وقوله تعالى: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾ حرم به
تعالى طلب القسم وهو النصيب أو القسم بفتح القاف وهو المصدر ﴿بالأزلام﴾ وهي سهام واحدها زلم بضم
الزاي وبفتحها وأزلام العرب ثلاثة أنواع، منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه على أحدها افعل
والآخر لا تفعل والثالث مهمل لا شيء عليه فيجعلها في خريطة معه، فإذا أراد فعل شيء أدخل يده وهي
متشابهة فأخرج أحدها وائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له، وإن خرج القدح الذي لا شيء فيه أعاد
الضرب، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر
وقت الهجرة، والنوع الثاني سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة فيها أحكام العرب وما يدور بين
الناس من النوازل، في أحدها العقل في أمور الديات، وفي آخر منكم وفي آخر من غيركم وفي آخر ملصق
وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك وهي التي ضرب بها على بني عبد المطلب إذ كان نذر هو نحر أحدهم
إذا أكملوا عشرة وهو الحديث الطويل الذي في سيرة ابن إسحاق، وهذه السبعة أيضاً متخذة عند كل كاهن
من كهان العرب وحكامهم على نحو ما كانت في الكعبة عند هبل. والنوع الثالث هو قداح الميسر وهي
عشرة سبعة منها فيها خطوط لها بعددها حظوظ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة ففيها لهو للبطالين
ولعب، وكان عقلاؤهم يقصدون بها إطعام المساكين والمعدم في زمن الشتاء وكلب البرد وتعذر التحرف،
وكان من العرب من يستقسم بها لنفسه طلب الكسب والمغامرة وقد شرحت أمرها بأوعب من هذا في سورة
البقرة في تفسير الميسر، فالاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب وهو من أكل المال بالباطل وهو
حرام، وكل مقامرة بحمام أو برد أو بشطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما هو في معنى
((الأزلام)) حرام كله وقوله تعالى: ﴿ذلكم فسق﴾ إشارة إلى الاستقسام ﴿بالأزلام﴾، والفسق الخروج من
مكان محتوٍ جامع يقال فسقت الرطبة خرجت من قشرها والفأرة من جحرها واستعملت اللفظة في الشرع
فيمن يخرج من احتواء الأمر الشرعي وجمعه وإحاطته .
وقوله تعالى: ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم﴾ معناه عند ابن عباس من أن ترجعوا إلى دينهم
وقاله السدي وعطاء، وظاهر أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وظهور دينه يقتضي أن يأس الكفار عن
الرجوع إلى دينهم قد كان وقع منذ زمان، وإنما هذا اليأس عندي من اضمحلال أمر الإسلام وفساد جمعه
لأن هذا أمر كان يترجاه من بقي من الكفار ألا ترى إلى قول أخي صفوان بن أمية في يوم هوازن حين
انكشف المسلمون وظنها هزيمة ألا بطل السحر اليوم، إلى غير هذا من الأمثلة، وهذه الآية نزلت في إثر

١٥٤
- تفسير سورة المائدة / الآية: ٣
حجة الوداع وقيل في يوم عرفة يوم الجمعة، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يكن المشركون
حينئذ إلا في حيز القلة ولم يحضر منهم الموسم بشر، وفي ذلك اليوم أمحى أمر الشرك من مشاعر الحج،
.ويحتمل قوله تعالى: ﴿اليوم) أن يكون إشارة إلى اليوم بعينه لا سيما في قول الجمهور عمر بن الخطاب،
وغيره، إنها نزلت في عشية عرفة يوم الجمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الموقف على ناقته وليس
في الموسم مشرك. ويحتمل أن يكون إشارة إلى الزمن والوقت أي في هذا الأوان مؤيئس﴾ الكفار من دينكم
وقوله تعالى: ﴿الذين كفروا﴾ يعم مشركي العرب وغيرهم من الروم والفرس وغير ذلك وهذا يقوي أن
اليأس من انحلال أمر الإسلام وذهاب شوكته ويقوي أن الإشارة باليوم إنما هي إلى الأوان الذي فاتحته يوم
عرفة ولا مشرك بالموسم ويعضد هذا قوله تعالى: ﴿فلا تخشوهم واخشون﴾ فإنما نهي المؤمنين عن خشية
جميع أنواع الكفار وأمر بخشيته تعالى التي هي رأس كل عبادة كما قال صلى الله عليه وسلم ومفتاح كل
خیر، وروي عن أبي عمرو أنه قرأ ((بيس)) بغير همزة وهي قراءة أبي جعفر.
وقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم) تحتمل الإشارة بـ ﴿الیوم) ما قد ذكرناه، وهذا الإكمال عند
الجمهور هو الإظهار واستيعاب عظم الفرائض والتحليل والتحريم. قالوا، وقد نزل، بعد ذلك قرآن كثير
ونزلت آية الربا ونزلت آية الكلالة إلى غير ذلك، وإنما كمل عظم الدين وأمر الحج أن حجوا وليس معهم
مشرك. وقال ابن عباس والسدي هو إكمال تام ولم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك اليوم
تحليل ولا تحريم ولا فرض، وحكى الطبري عن بعض من قال هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم لم يعش بعد نزول هذه الآية إلا إحدى وثمانين ليلة.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: والظاهر أنه عاش عليه السلام أكثر بأيام يسيرة. وروي أن هذه
الآية لما نزلت في يوم الحج الأكبر وقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى عمر بن الخطاب رضي الله
عنه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبكيك؟ فقال أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأما إذ كمل
فإنه لم يكمل شيء إلا نقص فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صدقت، وروي أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قال له يهودي: آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، فقال له
عمر أية آية هي فقال له: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم) فقال له عمر قد علمنا ذلك اليوم نزلت على رسول
الله وهو واقف بعرفة يوم الجمعة.
قال القاضي أبو محمد: ففي ذلك اليوم عيدان لأهل الإسلام إلى يوم القيامة، وقال داود بن أبي هند
للشعبي إن اليهود تقول كيف لم تحفظ العرب هذا اليوم الذي كمل اللّه لها دينها فيه فقال الشعبي أو ما
حفظته قال داود: فقلت أي يوم هو قال يوم عرفة، وقال عيسى بن جارية الأنصاري كنا جلوساً في الديوان
فقال لنا نصراني مثل ما قال اليهودي لعمر بن الخطاب فما أجابه منا أحد فلقيت محمد بن كعب القرظي
فأخبرته فقال هلا أجبتموه، قال عمر بن الخطاب أنزلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف على
الجبل يوم عرفة .
قال القاضي أبو محمد: وذكر عكرمة عن عمر بن الخطاب أنه قال: نزلت سورة المائدة بالمدينة يوم

١٥٥
تفسير سورة المائدة / الآية : ٤
الاثنين، وقال الربيع بن أنس نزلت سورة المائدة في مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة
الوداع، وهذا كله يقتضي أن السورة مدنية بعد الهجرة وإتمام النعمة هو في ظهور الإسلام ونور العقائد
وإكمال الدين وسعة الأحوال وغير ذلك مما انتظمته هذه الملة الحنيفية إلى دخول الجنة والخلود في رحمة
الله هذه كلها نعم الله المتممة قبلنا، وقوله تعالى: ﴿ورضيت لكم الإسلام ديناً﴾ يحتمل الرضا في هذا
الموضع أن يكون بمعنى الإرادة ويحتمل أن يكون صفة فعل عبارة عن إظهار الله إياه لأن الرضى من
الصفات المترددة بين صفات الذات وصفات الأفعال والله تعالى قد أراد لنا الإسلام ورضيه لنا وثم أشياء
يريد الله تعالى وقوعها ولا يرضاها، والإسلام في هذه الآية هو الذي في قوله تعالى: ﴿إن الدين عند الله
الإسلام﴾ [آل عمران: ١٩] وهو الذي تفسر في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم وهو الإيمان
والأعمال والشعب.
وقوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾ يعني من دعته ضرورة إلى أكل الميتة وسائر تلك
المحرمات، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تحل الميتة؟ فقال إذا لم يصطبحوا ولم يغتبقوا ولم
تحتفئوا بها بقلاً.
قال القاضي أبو محمد: فهذا مثال في حال عدم المأكول حتى يؤدي ذلك إلى ذهاب القوى والحياة
وقرأ ابن محيصن ((فمن اطر» بإدغام الضاد في الطاء وليس بالقياس ولكن العرب استعملته في ألفاظ قليلة
استعمالاً كثيراً وقد تقدم القول في أحكام الاضطرار في نظير هذه الآية في سورة البقرة، و((المخمصة))
المجاعة التي تخمص فيها البطون أي تضمر والخمص ضمور البطن فالخلقة منه حسنة فى النساء ومنه يقال
خمصانة وبطن خميص ومنه أخمص القدم، ويستعمل ذلك كثيراً في الجوع والغرث، ومنه قول الأعشى :
وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم
أي منطويات على الجوع قد أضمر بطونهن، وقوله تعالى: ﴿غير متجانف لإثم﴾ هو بمعنى ﴿غير باغ ولاعاد﴾
[البقرة: ١٧٣] وقد تقدم تفسيره وفقهه في سورة البقرة والجنف الميل ، وقرأ أبو عبد الرحمن ويحيى بن وثاب
وإبراهيم النخعي ((غير متجنف))، دون ألف وهي أبلغ في المعنى من ﴿متجانف﴾، لأن شد العين يقتضي مبالغة
وتوغلًا في المعنى وثبوتاً لحكمه، وتفاعل إنما هي محاكاة الشيء والتقرب منه. ألا ترى إذا قلت تمايل
الغصن فإن ذلك يقتضي تأوداً، ومقاربة ميل، وإذا قلت تميل فقد ثبت حكم الميل، وكذلك تصاون
وتصون وتغافل وتغفل وقوله تعالى: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾ نائب مناب فلا حرج عليه إلى ما يتضمن من
زيادة الوعد وترجية النفوس وفي الكلام محذوف يدل عليه المذكور تقديره فأكل من هذه المحرمات
المذكورات.
وسبب نزول قوله تعالى: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم فوجد في البيت كلباً فلم يدخل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادخل فقال أنا لا أدخل بيتاً فيه
كلب فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب فقتلت حتى بلغت العوالي فجاء عاصم بن عدي
وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة فقالوا يا رسول الله، ماذا يحل لنا من هذه الكلاب؟

١٥٦
تفسير سورة المائدة / الآية : ٤
قال القاضي أبو محمد: وروى هذا السبب أبو رافع مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كان
المتولي لقتل الكلاب، وحكاه أيضاً عكرمة ومحمد بن كعب القرظي موقوفاً عليهما وظاهر الآية أن سائلاً
سأل عما أحل للناس من المطاعم لأن قوله تعالى: ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾ ليس الجواب على ما يخل لنا
من اتخاذ الكلاب اللهم إلا أن يكون هذا من إجابة السائل بأكثر مما سأل عنه وهذا موجود كثيراً من النبي
صلى الله عليه وسلم كجوابه في لباس المحرم وغير ذلك وهو صلى الله عليه وسلم مبين الشرع فإنما
يجاوب مادّاً أطناب التعليم لأمته، و﴿الطيبات﴾ الحلال هذا هو المعنى عند مالك وغيره ولا يراغى مستلذاً كان
أم لا، وقال الشافعي: ﴿الطيبات﴾ الحلال المستلذ وكل مستقذر كالوزغ والخنافس وغيرها فهي من الخبائث حرام.
وقوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾ تقديره وصيد ما علمتم أو فاتخاذ ما علمتم وأعلى مراتب
التعليم أن يشلى الحيوان فينشلي ويدعى فيجيب ويزجر بعد ظفره بالصيد فينزجر وأن يكون لا يأكل من
صيده فإذا كان كلب بهذه الصفات ولم يكن أسود بهيماً فأجمعت الأمة على صحة الصيد به بشرط أن يكون
تعليم مسلم ويصيد به مسلم، هنا انعقد الإجماع فإذا انخرم شيء مما ذكرنا دخل الخلاف، فإن كان الذي
يصاد به غير كلب كالفهد وما أشبهه وكالبازي والصقر ونحوهما من الطير فجمهور الأمة على أن كل ما صاد
بعد تعليم فهو جارح أي كاسب يقال: جرح فلان واجترح إذا كسب ومنه قوله تعالى: ﴿ويعلم ما جرحتم
بالنهار﴾ [الأنعام: ٦٠] أي كسبتم من حسنة وسيئة وكان ابن عمر يقول إنما يصاد بالكلاب فأما ما صيد به
من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو حلال لك وإلا فلا تطعمه هكذا حكى ابن المنذر
قال: وسئل أبو جعفر عن البازي والصقر أيحل صيده قال: لا إلا أن تدرك ذكاته قال واستثنى قوم البزاة
فجوزوا صيدها لحديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال
إذا أمسك عليك فكل، وقال الضحاك والسدي: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾ هي الكلاب خاصة
فإن كان الكلب أسود بهيماً فكره صيده الحسن بن أبي الحسن وقتادة وإبراهيم النخعي. وقال أحمد بن
حنبل ما أعرف أحداً يرخص فيه إذا كان بهيماً وبه قال ابن راهويه، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة
فیرون جواز صيد كل كلب معلم.
وأما أكل الكلب من الصيد فقال ابن عباس وأبو هريرة والشعبي وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير
وعطاء بن أبي رباح وقتادة وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور والنعمان وأصحابه، لا يؤكل ما بقي
لأنه إنما أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه ويعضد هذا القول قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن
حاتم في الكلب المعلم وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه، وتأول هؤلاء قوله تعالى: ﴿فكلوا مما
أمسكن عليكم﴾ أي الإمساك التام ومتى أكل فلم يمسك على الصائد، وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله
ابن عمر وأبو هريرة أيضاً وسلمان الفارسي رضي الله عنهم: إذا أكل الجارح أكل ما بقي وإن لم تبق إلا
بضعة . وهذا قول مالك وجميع أصحابه فيما علمت وتأولوا قوله تعالى: ﴿مما أمسكن عليكم)
[المائدة: ٤] على عموم الإمساك فمتى حصل إمساك ولو في بضعة حل أكلها وروي عن النخعي وأصحاب
الرأي والثوري وحماد بن أبي سليمان أنهم رخصوا فيما أكل البازي منه خاصة في البازي. ،
قال القاضي أبو محمد: کأنه لا یمکن فیه أكثر من ذلك لأن حد تعلیمه أن يدعى فيجيب، وأن يشلى
:
:

١٥٧
تفسير سورة المائدة / الآية: ٤
فينشلي، وإذا كان الجارح يشرب من دم الصيد فجمهور الناس على أن ذلك الصيد يؤكل، وقال عطاء:
ليس شرب الدم بأكل. وكره أكل ذلك الصيد الشعبي وسفيان الثوري .
قال القاضي أبو محمد: وليس في الحيوان شيء يقبل التعليم التام إلا الكلب شاذاً وأكثرها یأکل من
الصيد ولذلك لم ير مالك ذلك من شروط التعليم. وأما الطير فقال ربيعة: ما أجاب منها إذا دعي فهو
المعلم الضاري .
قال القاضي أبو محمد: لأن أكثر الحيوان بطبعه ينشلي، وقال أصحاب أبي حنيفة: إذا صاد الكلب
وأمسك ثلاث مرات ولاء فقد حصل منه التعليم، قال ابن المنذر: وكان النعمان لا يحد في ذلك عدداً،
وقال غيرهم: إذا فعل ذلك مرة واحدة فقد حصل معلماً وإذا كان الكلب تعليم يهودي أو نصراني فكره
الصيد به الحسن البصري، فأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر بن عبد الله والحسن
وعطاء ومجاهد وإبراهيم النخعي والثوري وإسحاق بن راهويه، ومالك رحمه الله والشافعي وأبو حنيفة
وأصحابهم على إباحة الصيد بكلابهم إذا كان الصائد مسلماً قالوا: وذلك مثل شفرته، وأما إن كان الصائد
من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك رحمه الله فإنه لم يجوز صيد اليهودي والنصراني
وفرق بين ذلك وبين ذبيحته وتلا قول الله تعالى: ﴿تناله أيديكم ورماحكم﴾ قال فلم يذكر الله بهذا اليهود
ولا النصارى، وقال ابن وهب وأشهب: صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته، وفي كتاب محمد لا يجوز
صيد الصابىء ولا ذبيحته وهم قوم بين اليهود والنصارى لا دين لهم وأما إن كان الصائد مجوسياً فمنع من
أكل صيده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم وعطاء وابن جبير والنخعي والليث بن سعد وجمهور
الناس، وقال أبو ثور فيها قولين: أحدهما كقول هؤلاء، والآخر أن المجوس أهل كتاب وأن صيدهم جائز،
وقرأ جمهور الناس ((وما علمتم)) بفتح العين واللام وقرأ ابن عباس ومحمد بن الحنفية ((عُلُّمتم)) بضم العين وكسر
اللام أي أمر الجوارح والصيد بها، و﴿الجوارح﴾ الكواسر على ما تقدم، وحكى ابن المنذر عن قوم أنهم قالوا
﴿الجوارح﴾ مأخوذ من الجارح أي الحيوان الذي له ناب وظفر أو مخلب يجرح به صيده.
!
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول ضعيف أهل اللغة على خلافه وقرأ جمهور الناس ((مكلّبين)) بفتح
الكاف وشد اللام والمكلب معلم الكلاب ومضريها ويقال لمن يعلم غير كلب مكلب لأنه يرد ذلك الحيوان
كالكلب، وقرأ الحسن وأبو زيد (مكْلبين)) بسكون الكاف وتخفيف اللام ومعناه أصحاب كلاب يقال: أمشى
الرجل كثرت ماشيته وأكلب كثرت كلابه، وقال بعض المفسرين : المكلب بفتح الكاف وشد اللام
صاحب الكلاب.
قال القاضي أبو محمد: وليس هذا بمحرر.
قوله عز وجل :
الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ
٤
فَكُلُوْمَِّّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذَّكُرُوا اسْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
الطَّيِّبَتِّ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ حِلٌ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَتِ وَالْخُصَنَتُ
أ

١٥٨
تفسير سورة المائدة / الآية: ٥
مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىّ
١
٥
أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِآلْإِيَمَنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِنَ
أي يعلمونهن من الحيلة في الاصطياد والتأتي لتحصيل الحيوان وهذا جزء مما علمه الله الإنسان ( من)).
للتبعيض، ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية وأنث الضمير في ﴿تعلمونهن﴾ مراعاة للفظ ﴿الجوارح﴾ إذ هو جمع
جارحة، وقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ يحتمل أن يريد مما أمسكن فلم يأكلن منه شيئاً.
ويحتمل أن يريد مما ((أمسكن)) وإن أكلن بعض الصيد وبحسب هذا الاحتمال اختلف العلماء في جواز أكل
الصيد إذا أكل منه الجارح وقد تقدم ذلك، وقوله تعالى: ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ أمر بالتسمية عند
الإرسال على الصيد وفقه الصيد والذبح في معنى التسمية واحد فقال بعض العلماء هذا الأمر على الوجوب
ومتى ترك المرسل أو الذابح التسمية عمداً أو نسياناً لم تؤكل وممن رويت عنه كراهية ما لم يسم عليه الله
نسياناً الشعبي وابن سيرين ونافع وأبو ثور، ورأى بعض العلماء هذا الأمر بالتسمية على الندب وإلى ذلك
ینحو أشهب في قوله إن ترك التسمية مستخفاً لم تؤکل وإن ترکها عامداً لا يدري قدر ذلك لكنه غير متهاون
بأمر الشريعة فإنها تؤكل ومذهب مالك وجمهور أهل العلم: أن التسمية واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان
فمن تركها عامداً فقد أفسد الذبيحة والصيد ومن تركها ناسياً سمى عند الأكل وكانت الذبيحة جائزة،
واستحب أكثر أهل العلم أن لا يذكر في التسمية غير الله تعالى وأن لفظها بسم الله والله كبر، وقال قوم: إن
صلى مع ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، ثم أمر تعالى بالتقوى على الجملة والإشارة الغريبة
هي إلى ما تضمنته هذه الآيات من الأوامر وسرعة الحساب هي من أنه تبارك وتعالى قد أحاط بكل شيء
علماً فلا يحتاج إلى محاولة عد ويحاسب جميع الخلائق دفعة واحدة، وتحتمل الآية أن تكون وعيداً بيوم
القيامة كأنه قال إن حساب الله لكم سريع إتيانه إذ يوم القيامة قريب، ويحتمل أن يريد بـ ﴿الحساب﴾ المجازاة
فكأنه توعد في الدنيا بمجازاة سريعة قريبة إن لم يتق الله .
وقوله تعالى: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾ إشارة إلى الزمن والأوان، والخطاب للمؤمنين، وتقدم
القول في ﴿الطبيبات) وقوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ ابتداء وخبر، و﴿حل) معناه حلال،
والطعام في هذه الآية الذبائح كذا قال أهل التفسير، وذلك أن الطعام الذي لا محاولة فيه كالبر والفاكهة
ونحوه لا يضر فيه ويحرم عينه تملك أحد، والطعام الذي تقع فيه محاولة على ضربين فمنه ما محاولته
صنعة لا تعلق للدين بها كخبز الدقيق وتعصير الزيت ونحوه فهذا إن جنب من الذمي فعلى جهة التقزز،
والضرب الثاني هي التزكية التي هي محتاجة إلى الدين والنية فلما كان القياس ألا تجوز ذبائحهم كما
تقول: إنهم لا صلاة لهم ولا صوم ولا عبادة مقبولة رخص الله تعالى في ذبائحهم على هذه الأمة وأخرجها
بالنص عن القياس، ثم إن العلماء اختلفوا في لفظ طعام فقال الجمهور: وهي الذبيحة كلها وتذكية الذمي
عاملة لنا في كل الذبيحة ما حل له منها وما حرم عليه لأنه مذك. وقالت جماعة من أهل العلم إنما أجل لنا
طعامهم من الذبيحة أي الحلال لهم لأن ما لا يحل لهم لا تعمل فيه تذكيتهم فمنعت هذه الطائفة الطريف
والشحوم المحضة من ذبائح أهل الكتاب، وهذا الخلاف موجود في مذهب مالك رحمه الله، واختلف
:

١٥٩
تفسير سورة المائدة / الآية : ٥
العلماء في لفظة ﴿أوتوا﴾ فقالت فرقة إنما أحلت لنا ذبائح بني إسرائيل والنصارى الصرحاء الذين نزل عليهم
التوراة والإنجيل، فمنعت هذه الفرقة ذبائح نصارى بني تغلب من العرب وذبائح كل دخيل في هذين
الدينين وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ينهى عن ذبائح نصارى بني تغلب ويقول لأنهم لم يتمسكوا
بشيء من النصرانية إلا بشرب الخمر.
قال القاضي أبو محمد: فهذا ليس بنهي عن ذبائح النصارى المحققين منهم، وقال جمهور الأمة ابن
عباس والحسن وعكرمة وابن المسيب والشعبي وعطاء وابن شهاب والحكم وحماد وقتادة ومالك رحمه الله
وغيرهم: إن ذبيحة كل نصراني حلال سواء كان من بني تغلب أو غيرهم، وكذلك اليهود وتأولوا قول الله
تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١] وقوله تعالى: ﴿وطعامكم حل لهم﴾ أي ذبائحكم، فهذه
رخصة للمسلمين لا لأهل الكتاب لما كان الأمر يقتضي أن شيئاً قد تشرعنا فيه بالتذكية ينبغي لنا أن نحميه منهم
ورخص الله تعالى في ذلك رفعاً للمشقة بحسب التجاوز، وقوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ عطف على الطعام
المحلل، والإحصان في كلام العرب وفي تصريف الشرع مأخوذ من المنعة ومنه الحصن، وهو مترتب
بأربعة أشياء: الإسلام والعفة والنكاح والحرية، فيمتنع في هذا الموضع أن يكون الإسلام لأنه قد نص أنهن
من أهل الكتاب ويمتنع أن يكون النكاح لأن ذات الزوج لا تحل، ولم يبق إلا الحرية والعفة فاللفظة
تحتملهما، واختلف أهل العلم بحسب هذا الاحتمال فقال مالك رحمه الله ومجاهد وعمر بن الخطاب
وجماعة من أهل العلم ((المحصنات)) في هذه الآية الحرائر فمنعوا نكاح الأمة الكتابية، وقالت جماعة من
أهل العلم: ((المحصنات)) في هذه الآية العفائف، منهم مجاهد أيضاً والشعبي وغيرهم فجوزوا نكاح الأمة
الكتابية وبه قال سفيان والسدي، وقال الشعبي: إحصان الذمية ألا تزني وأن تغتسل من الجنابة، وقال أبو
ميسرة: مملوكات أهل الكتاب بمنزلة حرائرهن العفائف منهن حلال نكاحهن.
قال القاضي أبو محمد: ومنع بعض العلماء زواج غير العفيفة بهذه الآية، وقال الحسن بن أبي
الحسن: إذا اطلع الرجل من امرأته على فاحشة فليفارقها. وفرق ابن عباس بين نساء أهل الحرب ونساء
أهل الذمة فقال: من أهل الكتاب من يحل لنا وهم كل من أعطى الجزية، ومنهم من لا يحل لنا وهم أهل
الحرب، وكره مالك رحمه الله نكاح نساء أهل الحرب مخافة ضياع الولد أو تغير دينه، والأجور في هذه
الآية المهور، وانتزع أهل العلم لفظة ﴿آتيتموهن﴾ أنه لا ينبغي أن يدخل زوج بزوجته إلا بعد أن يبذل من
المهر ما يستحلها به، ومن جوز أن يدخل دون أن يبذل ذلك فرأى أنه بحكم الارتباط والالتزام في حكم
الموتى، و﴿محصنين﴾ معناه متزوجين على السنة، والإحصان في هذا الموضع هو بالنكاح، والمسافح
المزاني، والسفاح الزنى، والمسافحة هي المرأة التي لا ترد يد لامس وتزني مع كل أحد وهن أصحاب
الرايات في الجاهلية، والمخادنة أن يكون الزانيان قد وقف كل واحد نفسه على صاحبه، وقد تقدم نظير
هذه الآية وفسر بأوعب من هذا، وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾ يحتمل أن يكون المعنى على أن
الكفر هو بنفس الإيمان، وفي هذا مجاز واستعارة لأن الإيمان لا يتصور كفر به إنما الكفر بالأمور التي حقها
أن يقع الإيمان بها، وباقي الآية بين.

١٦٠
تفسير سورة المائدة / الآية : ٦
قوله عز وجل :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَأَمْسَحُواْبِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُ واْ وَ إِن كُنتُم مَّرْضَى
أَوْعَلَ سَفَرٍ أَوْجَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءَ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا
طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْبِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ
وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
لا يختلف أن هذه الآية هي التي قالت عائشة رضي الله عنها فيها نزلت آية التيمم وهي آية الوضوء،
لكن من حيث كان الوضوء متقرراً عندهم مستعملاً فكأن الآية لم تزدهم فيه إلا تلاوته، وإنما أعطتهم
الفائدة والرخصة في التيمم واستدل على حصول الوضوء بقول عائشة فأقام رسول الله بالناس وليسوا على
ماء وليس معهم ماء، وآية النساء إما نزلت معها أو بعدها بيسير، وكانت قصة التيمم في سفر رسول الله
صلى الله عليه وسلم في غزوة المريسيع وهي غزوة بني المصطلق. وفيها كان هبوب الريح فيما روي،
وفيها كان قول عبد الله بن أبي ابن سلول ﴿لئن رجعنا إلى المدينة﴾ [المنافقون: ٨] القصة بطولها، وفيها
وقع حديث الإفك. ولما كانت محاولة الصلاة في الأغلب إنما هي بقيام جاءت العبارة ﴿إذا قمتم﴾، واختلف
الناس في القرينة التي أريدت مع قوله ﴿إذا قمتم﴾ فقالت طائفة: هذا لفظ عام في كل قيام سواء كان المرء
على طهور أو محدثاً فإنه ينبغي له إذا قام إلى الصلاة أن يتوضأ وروي أن علي بن أبي طالب كان يفعل
ذلك ويقرأ الآية، وروي نحوه عن عكرمة، وقال ابن سیرین: کان الخلفاء يتوضؤون لكل صلاة، وروي أن
عمر بن الخطاب توضأ وضوءاً فيه تجوز ثم قال هذا وضوء من لم يحدث وقال عبد الله بن حنظلة بن أبي
عامر الغسيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع
عنه الوضوء إلا من حدث.
قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه: فكان كثير من الصحابة منهم ابن عمر وغيره يتوضؤون لكل
صلاة انتداباً إلى فضيلة وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ثم جمع بين صلاتين بوضوء
واحد في حديث سويد بن النعمان وفي غير موطن إلى أن جمع يوم الفتح بين الصلوات الخمس بوضوء
واحد إرادة البيان لأمته وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من توضأ على طهّر كتب له عشر
حسنات، وقال: إنما رغبت في هذا، وقالت فرقة: نزلت هذه الآية رخصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
لأنه كان لا يعمل عملاً إلا وهو على وضوء ولا يكلم أحداً ولا يرد سلاماً إلى غير ذلك فأعلمه الله بهذه
الآية أن الوضوء إنما هو عند القيام إلى الصلاة فقط دون سائر الأعمال، قال ذلك علقمة بن الفغواء وهو من
الصحابة، وكان دليل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، وقال زيد بن أسلم والسدي: معنى الآية
إذا قمتم إلى الصلاة من المضاجع يعني النوم.