النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٣٠ - ١٣٣ وقوله تعالى ﴿فتذروها كالمعلقة﴾ أي لا هي أيم ولا ذات زوج، وهذا تشبيه بالشيء المعلق من شيء لأنه لا على الأرض استقر، ولا على ما علق منه انحمل، وهذا مطرد في قولهم في المثل: أرض من المركب بالتعليق، وفي عرف النحويين في تعليق الفعل، ومنه في حديث أم زرع قول المرأة: زوجي العشنق، إن انطلق أطلق، وإن أسكت أعلق، وقرأ أبيّ بن كعب ((فتذروها كالمسجونة)) وقرأ عبد الله بن مسعود ((فتذروها كأنها معلقة)) ثم قال تعالى ﴿وإن تصلحوا وتتقوا﴾ أي وإن تلتزموا ما يلزمكم من العدل فيما تملكون ﴿فإن الله كان غفوراً رحيماً﴾ لما لا تملكونه متجاوزاً عنه، وقال الطبري: معنى الآية، غفوراً لما سلف منكم من الميل كل الميل قبل نزول الآية. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: فعلى هذا فهي مغفرة مخصصة لقوم بأعيانهم، واقعوا المحظور في مدة النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في التي قبل ﴿وإن تحسنوا﴾ وفي هذه ﴿وإن تصلحوا﴾ لأن الأول في مندوب إليه، وهذه في لازم، لأن الرجل له هنالك أن لا يحسن وأن يشح ويصالح بما يرضيه، وفي هذه ليس له أن يصلح، بل يلزمه العدل فيما يملك. قوله تعالی : وَإِن يَنَفَرَّ قَايُغْنِ اَللَّهُ كُلَّ مِّنِ سَعَتِهِ، وَكَانَ اللَّهُ وَسِعًا حَكِيمًا (﴿ وَلِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَلَقَدْ وَصَّيْنَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (٣٦) وَلِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) إِن يَشَأْيُذْ هِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِشَاخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا ١٣٣ الضمير في قوله ﴿يتفرقا﴾ للزوجين اللذين تقدم ذكرهما، أي إن شح كل واحد منهما فلم يتصالحا لكنهما تفرقا بطلاق فإن الله تعالى يغني كل واحد منهما عن صاحبه بفضله ولطائف صنعه، في المال والعشرة، والسعة وجود المرادات والتمكن منها، وذهب بعض الفقهاء المالكيين إلى أن التفرق في هذه الآية هو بالقول، إذ الطلاق قول، واحتج بهذه على قول النبي صلى الله عليه وسلم ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا)) إذ مذهب مالك في الحديث أنه التفرق بالقول لا بالبدن . قال القاضي أبو محمد: ولا حجة في هذه الآية، لأن إخبارها إنما هو من افتراقهما بالأبدان، وتراخي المدة بزوال العصمة، و((الإغناء)) إنما يقع في ثاني حال، ولو كانت الفرقة في الآية الطلاق لما كان للمرأة فيها نصيب يوجب ظهور ضميرها في الفعل، وهذه نبذة من المعارضة في المسألة، و ((الواسع)) معناه: الذي عنده خزائن كل شيء. وقوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ تنبيه على موضع الرجاء لهذين المفترقين، ثم جاء بعد ذلك قوله ﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ تنبيهاً على استغنائه عن ١٢٢ تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٣٤، ١٣٥ العباد، ومقدمة للخبر بكونه غنياً حميداً، ثم جاء بعد ذلك قوله ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض، وكفى بالله وكيلاً﴾ مقدمة للوعيد، فهذه وجوه تكرار هذا الخبر الواحد ثلاث مرات متقاربة. وقوله تعالى ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ لفظ عام لكل من أوتي كتاباً، فإن وصية الله تعالى عباده بالتقوى لم تزل منذ أوجدهم، و((الوكيل)): القائم بالأمور المنفذ فيها ما رآه .. وقوله تعالى: ﴿أيها الناس﴾ مخاطبة للحاضرين من العرب، وتوقيف للسامعين لتحضر أذهانهم. وقوله ﴿بآخرين﴾ يريد من نوعكم، وروي عن أبي هريرة أنه لما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على كتف سلمان الفارسي وقال: هم قوم هذا، وتحتمل ألفاظ الآية أن تكون وعيداً لجميع بني آدم، ويكون الآخرون من غير نوعهم، كما قد روي: أنه كان في الأرض ملائكة يعبدون الله قبل بني آدم، وقدرة الله تعالى على ما ذكر تقضي بها العقول ببدائها، وقال الطبري هذا الوعيد والتوبيخ هو للقوم الذين شفعوا في طعمة بن أبيرق وخاصموا عنه في أمر خيانته في الدرع والدقيق. قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: وهذا تأويل بعيد واللفظ إنما يظهر حسن رصفه بعمومه وإنسحابه على العالم جملة أو العالم الحاضر. قوله تعالى : مَّنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَّوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (أَ يَّأَيُهَا اُلَّذِينَ ءَامَنُواْكُونُواْ قَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىَّ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنُّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَىَ أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُ أَأَوْتُعْرِ ضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ (١٣٥) كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا! أي: من كان لا مراد له إلا في ثواب الدنيا ولا يعتقد أن ثم سواه، فليس هو كما ظن، بل عند الله تعالى ثواب الدارين، فمن قصد الآخرة أعطاه الله من ثواب الدنيا وأعطاه قصده، ومن قصد الدنيا فقط. أعطاه من الدنيا ما قدر له وكان له في الآخرة العذاب، والله تعالى ((سميع)) للأقوال، ((بصير)) بالأعمال والنیات. ثم خاطب تعالى المؤمنين بقوله ﴿كونوا قوامين﴾ الآية، وهذا بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام. ﴿بالقسط﴾ وهو العدل، وقوله ﴿شهداء﴾ نصب على خبر بعد خبر، والحال فيه ضعيفة في المعنى، لأنها تخصيص القيام بالقسط إلى معنى الشهادة فقط، قوله ﴿لله﴾ المعنى لذات الله ولوجهه ولمرضاته، وقوله ﴿ولو على أنفسكم﴾ متعلق بـ ﴿شهداء﴾، هذا هو الظاهر الذي فسر عليه الناس، وأن هذه الشهادة المذكورة هي في الحقوق، ويحتمل أن يكون قوله ﴿شهداء لله﴾ معناه بالوحدانية، ويتعلق قوله ﴿ولو على أنفسكم﴾ بـ ﴿قوامين بالقسط﴾، والتأويل الأول أبين، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقائق وقوله الحق في كل أمر، وقيامه بالقسط عليها كذلك، ثم ذكر ﴿الوالدين﴾ لوجوب برهما وعظم قدرهما، ثم ثنى - ١٢٣ تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٣٤، ١٣٥ بـ ﴿الأقربين) إذا هم مظنة المودة والتعصب، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة، فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما﴾ معناه: إن يكن المشهود عليه غنياً فلا يراعى لغناه، ولا يخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يراعى إشفاقاً عليه فإن الله تعالى أولى بالنوعين وأهل الحالين، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك، فلذلك ثنى الضمير في قوله ﴿بها﴾، وفي قراءة أبيّ بن كعب ((فالله أولى بهم)» على الجمع، وقال الطبري: ثنى الضمير لأن المعنى فالله أولى بهذين المعنيين، غنى الغني وفقر الفقير، أي: وهو أنظر فيهما، وقد حد حدوداً وجعل لكل ذي حق حقه، وقال قوم ﴿أو﴾ بمعنى الواو، وفي هذا ضعف. وذكر السدي: أن هذه الآية نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، اختصم إليه غني وفقير، فكان في ضلع الفقير علماً منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير. قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأقضي له على نحو ما أسمع))، أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع الضعيف، بأن يقيد له المقالات ويشد على عضده، ويقول له: قل حجتك مدلاً، وينبهه تنبيهاً لا يفت في عضد الآخر، ولا يكون تعليم خصام، هكذا هي الرواية عن أشهب وغيره. وذكر الطبري: أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق، وقيام من قام في أمره بغير القسط، وقوله تعالى: ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ نهي بيِّن، واتباع الهوى مردٍ مهلك، وقوله تعالى: ﴿أن تعدلوا﴾ يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا، ويكون العدل بمعنى القسط، كأنه قال: انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن تقسطوا، فإن جعلت العامل ﴿تتبعوا﴾ فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا، وقوله تعالى: ﴿وأن تلووا أو تعرضوا﴾ قال ابن عباس: هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر، فالليّ على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي عليه، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك، والله حسيب الكل، وقال ابن عباس أيضاً، ومجاهد، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم: هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها، فلا يقول الحق فيها، أو يعرض عن أداء الحق فيها . قال القاضي أبو محمد - رحمه الله: ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله، وقرأ جمهور الناس ((تلووا)) بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ ((وأن تُلُو)) بضم اللام وواو واحدة، وذلك يحتمل أن يكون أصله ((تلئوا)) على القراءة الأولى، همزت الواو المضمومة كما همزت؟ في أدور، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء ((لوى)) ثم حذفت لاجتماع ساكنين، ويحتمل أن تكون ((تلوا)) من قولك ولي الرجل الأمر، فيكون في الطرف الآخر من ﴿تعرضوا﴾ كأنه قال تعالى للشهود -- 1 ! ١٢٤ تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٣٦، ١٣٧ وغيرهم: وإن وليتم الأمر وأعرضتم عنه فالله تعالى خبير بفعلكم ومقصدكم فيه، فالولاية والإعراض طرفان، واللّيّ والإعراض في طريق واحد، وباقي الآية وعيد. قوله تعالی : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْءَاِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِنَبِ اُلَّذِى نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَبِ الَّذِىّ أَنزَلَ مِن قَبْلٌ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَّوْمِ الْآَخِ فَقَدْضَلَ ضَلَالأَ بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُ واْثُمَّ ءَامَنُواْ تُمَّكَفَرُواْ ثُمَّ أَزْدَادُ واْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَلَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً اختلف الناس فيمن خوطب بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله﴾ فقالت فرقة: الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى من أهل الكتابين، أي: يا من قد آمن بنبي من الأنبياء، آمن بمحمد عليه السلام، ورجح الطبري هذا القول، وقيل: الخطاب للمؤمنين على معنى: ليكن إيمانكم هكذا على الكمال والتوفية بالله تعالى وبمحمد عليه السلام وبالقرآن وسائر الكتب المنزلة، ومضمن هذا الأمر الثبوت والدوام، وقيل: الخطاب للمنافقين، أي: يا أيها الذين أظهروا الإيمان بألسنتهم، ليكن إيمانكم حقيقة على هذه الصورة، وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر، ((نُزِّل)) بضم النون وكسر الزاي المشددة على ما لم يسم فاعله، وكذلك قرؤوا ((والكتاب الذي أنزل من قبل)) بضم الهمزة وكسر الزاي على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون ((نَزل وأنزل)) بفتح النون والزاي وبفتح الهمزة في ((أنزل)) على إسناد الفعلين إلى الله تعالى، وروي عن عاصم مثل قراءة أبي عمرو، ﴿والكتاب﴾ المذكور أولاً هو القرآن، والمذكور ثانياً هو اسم جنس لكل ما نزل من الكتاب، وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله﴾ إلى آخر الآية وعيد وخبر، مضمنة تحذير المؤمنين من حالة الكفر. واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا﴾ فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، ورجح الطبري هذا القول، وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره﴾ [آل عمران: ٧٢] وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم یکفر، ثم يؤمن ثم یکفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فیمن ازداد كفراً بأن تم علی نفاقه حتى مات. قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف ١٢٥ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٣٨ - ١٤٠ التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية، وإنما توجد هذه الصفة في شخص من المنافقين، لأن الرجل الواحد منهم يؤمن ثم يكفر، ثم يوافي على الكفر وتأمل قوله تعالى: ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ فإنها عبارة تقتضي أن هؤلاء محتوم عليهم من أول أمرهم، ولذلك ترددوا وليست هذه العبارة مثل أن يقول: لا يغفر الله لهم، بل هي أشد، وهي مشيرة إلى استدراج من هذه حاله وإهلاكه، وهي عبارة تقتضي لسامعها أن ينتبه ويراجع قبل نفوذ الحتم عليه، وأن يكون من هؤلاء، وكل من كفر كفراً واحداً ووافى عليه فقد قال الله تعالى: إنه لا يغفر له، ولم يقل ﴿لم يكن الله ليغفر له﴾ فتأمل الفرق بين العبارتين فإنه من دقيق غرائب الفصاحة التي في كتاب الله تعالى، كأن قوله ﴿لم يكن الله﴾ حكم قد تقرر عليهم في الدنيا وهم أحياء . قوله تعالى : بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ◌َ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ اُلْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (٢٦) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأْ بِهَافَلَ نَقْعُدُ واْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ ١٤٠٠ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ اٌلْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا في هذه الآية دليل ما على أن التي قبلها إنما هي في المنافقين، كما ترجح آنفاً، وجاءت البشارة هنا مصرحاً بقيدها، فلذلك حسن استعمالها في المكروه، ومتى جاءت مطلقة فإنما عرفها في المحبوب. ثم نص تعالى في صفة المنافقين على أشدها ضرراً على المؤمنين، وهي موالاتهم الكفار واطراحهم المؤمنين، ونبه على فساد ذلك ليدعه من عسى أن يقع في نوع منه من المؤمنين غفلة أو جهالة أو مسامحة، ثم وقف تعالى على جهة التوبيخ على مقصدهم في ذلك، أهو طلب العزة والاستكثار بهم أي ليس الأمر كذلك بل العزة كلها لله يؤتيها من يشاء، وقد وعد بها المؤمنين، وجعل العاقبة للمتقين، و ﴿العزة﴾ أصلها: الشدة والقوة، ومنه الأرض العزاز أي: الصلبة، ومنه ﴿عزني﴾ [ص: ٢٣] أي: غلبني بشدته، واستعز المرض إذا قوي، إلى غير هذا من تصاريف اللفظة . وقوله تعالى ﴿وقد نزل عليكم﴾ مخاطبة لجميع من أظهر الإيمان من محقق ومنافق، لأنه إذا أظهر الإيمان فقد لزمه أن يمتثل أوامر كتاب الله تعالى، والإشارة بهذه الآية إلى قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾ [الإنعام: ٦٨]، إلى نحو هذا من الآيات، وقرأ جمهور الناس ((نُزِّل عليكم)) بضم النون وكسر الزاي المشددة قال الطبري: وقرأ بعض الكوفيين ((نَزّل)) بفتح النون والزاي المشددة على معنى نزل الله، وقرأ أبو حيوة وحميد ((نَزل)) بفتح النون والزاي خفيفة، وقرأ إبراهيم النخعي ((أنزل)) بألف على بناء الفعل للمفعول، و﴿الكتاب﴾ في هذا الموضع القرآن، وفي هذه الآية دليل قوي على وجوب تجنب أهل البدع وأهل المعاصي، وأن لا يجالسوا، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ قوماً يشربون الخمر فقيل له عن أحد الحاضرين: إنه صائم فحمل ١٢٦ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٤١ - ١٤٣ عليه الأدب، وقرأ هذه الآية (إنكم إذاً مثلهم﴾ وهذه المماثلة ليست في جميع الصفات، ولكنه إلزام شبه بحكم الظاهر من المقارنة، وهذا المعنى كقول الشاعر: [الطويل] عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي ثم توعد تعالى المنافقين والكافرين بجمعهم في جهنم، فتأكد بذلك النهي والحذر من مجالسهم وخلطتهم . قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُنْ مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعَّكُمْ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اُللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١) إِنَّالْمُنَفِقِينَ يُخَدِّعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوَأْ إِلَى مُذَبْذَ بِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَآ إِلَى الصَّلَوْةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَإِلَّا قَلِيلًا هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَّهُ سَبِيلًا ١٤٣ ﴿الذين﴾ صفة للمنافقين، و﴿يتربصون﴾ معناه: ينتظرون دور الدوائر عليكم، فإن كان فتح للمؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يظهرونه من الإيمان، وإن كان للكافرين نيل من المؤمنين ادعوا فيه النصيب بحكم ما يبطنونه من موالاة الكفار، وهذا حال المنافقين، و﴿نستحوذ﴾ معناه: نغلب على أمركم، ونحطكم ونحسم أمركم، ومنه قول العجاج في صفة ثور وبقر: [الرجز] یحوذهن وله حوذي أي يغلبهن على أمرهن، ويغلب الثيران عليهن، ويروى يحوزهن بالزاي، ومن اللفظة قول لبيد في صفة عير وأتن : وأوردها على عوج طوال إذا اجتمعت وأحوذ جانبيها أحوذ جانبيها قهرها وغلب عليها. وقوله تعالى: ﴿استحوذ عليهم الشيطان﴾ [المجادلة: ١٩] معناه: غلب عليهم، وشذ هذا الفعل في أن لم تعل واوه، بل استعملت على الأصل، وقرأ أبيّ بن كعب ((ومنعناكم من المؤمنين)) وقرأ ابن أبي عبلة ((ونمنَعكم)) بفتح العين على الصرف، ثم سلى وأنس المؤمنين بما وعدهم به في قوله ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة﴾ أي وبينهم وينصفكم من جميعهم، وبقوله ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ وقال يسيع الحضرمي: كنت عند علي بن أبي طالب فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أرأيت قول الله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ كيف ذلك وهم يقاتلوننا ويظهرون علينا أحياناً؟ فقال علي رضي الله عنه: معنى ذلك: يوم القيامة يكون الحكم، وبهذا قال جميع أهل التأويل. ١٢٧ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٤١ - ١٤٣ و((السبيل»: الحجة والغلبة، ومخادعة المنافقين هي لأولياء الله تعالى، إذ يظنونهم غير أولياء، ففي الكلام حذف مضاف، وإلزام ذنب اقتضته أفعالهم، وإن كانت نياتهم لم تقتضه، لأنه لا يقصد أحد من البشر مخادعة الله تعالى وقوله ﴿وهو خادعهم﴾ أي منزل الخداع بهم، وهذه عبارة عن عقوبة سماها باسم الذنب، فعقوبتهم في الدنيا ذلهم وخوفهم وغم قلوبهم، وفي الآخرة عذاب جهنم، وقال السدي وابن جريج والحسن وغيرهم من المفسرين: إن هذا الخدع هو أن الله تعالى يعطي لهذه الأمة يوم القيامة نوراً لكل إنسان مؤمن أو منافق، فيفرح المنافقون ويظنون أنهم قد نجوا، فإذا جاؤوا إلى الصراط طفىء نور كل منافق، ونهض المؤمنون بذاك، فذلك قول المنافقين ((انظرونا نقتبس من نوركم)) وذلك هو الخدع الذي يجري على المنافقين، وقرأ مسلمة بن عبد الله النحوي ((وهو خادعْهم)) بإسكان العين وذلك على التخفيف ثم ذكر تعالى كسلهم في القيام إلى الصلاة، وتلك حال كل من يعمل العمل كارهاً غير معتقد فيه الصواب تقية أو مصانعة، وقرأ ابن هرمز الأعرج ((كَسالى)) بفتح الكاف، وقرأ جمهور الناس ((يرءّون)) بهمزة مضمومة مشددة بين الراء والواو دون ألف، وهي تعدية رأى بالتضعيف وهي أقوى في المعنى من ﴿يراءون﴾ لأن معناها يحملون الناس على أن يروهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة وهم يبطنون النفاق، وتقليله ذكرهم يحتمل وجهين، قال الحسن: قل لأنه كان لغير الله، فهذا وجه، والآخر أنه قليل بالنسبة إلى خوضهم في الباطل وقولهم الزور والكفر، و﴿مذبذبين﴾ معناه: مضطربين لا يثبتون على حال، والتذبذب: الاضطراب بخجل أو خوف أو إسراع في مشي ونحوه، ومنه قول النابغة: تری کل ملك دونها یتذبذب ومنه قول الآخر: [البعيث بن حريث]: خَيَالٌ لُأَمِّ السَّلْسَبِيلِ وَدُونَها مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلْبَرِيدِ المُذَبْذَبِ بكسر الذال الثانية، قال أبو الفتح: أي المهتز القلق الذي لا يثبت، ولا يتمهل فهؤلاء المنافقون مترددون بين الكفار والمؤمنين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المنافق مثل الشاة العائرة بين الغنمين))، فالإشارة بذلك إلى حالي الكفر والإيمان، وأشار إليه وإن لم يتقدم ذكره، لظهور تضمن الكلام له، كما جاء ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ [ص: ٣٢] ﴿وكل من عليها فان﴾ [الرحمن: ٢٦] وقرأ جمهور الناس ((مذبذبين)) بفتح الذال الأولى والثانية، وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد، ((مذَبذِبين)) بكسر الذال الثانية، وقرأ أبي بن كعب ((متذبذبين)) بالتاء وكسر الذال الثانية، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((مَذَبذَبين)) بفتح الميم والذالين وهي قراءة مردودة. وقوله تعالى: ﴿فلن تجد له سبيلاً)) معناه سبيل هدی وإرشاد. قوله: تعالی : يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتْرِدُونَ أَنْ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٤٦) إِنَّ الْنَفِقِينَ فِى الدَّرْكِ اُلْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجَدَ لَهُمْ نَصِيرًا ١٢٨ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٤٤ - ١٤٧ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَأَعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًّاً عَظِيمًا (﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَا بِكُمْ إِن ج ٤٧ شَكَرْتُمْ وَءَا مَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا خطابه تعالى للمؤمنين، يدخل فيه بحكم الظاهر المنافقون المظهرون للإيمان، ففي اللفظ رفق بهم، وهم المراد بقوله تعالى: ﴿أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً﴾ لأن التوقيف إنما هو لمن ألم بشيء من الفعل المؤدي إلى هذه الحال، والمؤمنون المخلصون ما ألموا قط بشيء من ذلك، ويقوي هذا المنزع قوله تعالى: ﴿من دون المؤمنين﴾ أي والمؤمنون العارفون المخلصون غيب عن هذه الموالاة، وهذا لا يقال للمؤمنين المخلصين، بل المعنى: يا أيها الذين أظهروا الإيمان والتزموا لوازمه، و((السلطان)): الحجة، وهي لفظة تؤنث وتذكر، والتذكير أشهر، وهي لغة القرآن حيث وقع، والسلطان إذا سمي به صاحب الأمر فهو على حذف مضاف، والتقدير: ذو السلطان أي ذو الحجة على الناس، إذ هو مدبرهم، والناظر في منافعهم، ثم أخبر تعالى عن المنافقين أنهم ﴿في الدرك الأسفل﴾ من نار جهنم، وهي ادراك بعضها فوق بعض سبعة طبقة على طبقة، أعلاها هي جهنم وقد يسمى جميعها باسم الطبقة العليا، فالمنافقون الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفرهم في أسفل طبقة من النار، لأنهم أسوأ غوائل من الكفار وأشد تمكناً من أذى المسلمين، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ((في الدرّك)) مفتوحة الراء، وقرأ حمزة والكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب ((في الدرْك)) بسكون الراء، واختلف عن عاصم فروي عنه الفتح والسكون، وهما لغتان، قال أبو علي: كالشمع والشمع ونحوه، وروي عن أبي هريرة وعبد الله بن مسعود وغيرهما أنهم قالوا: المنافقون في الدرك الأسفل من النار في توابيت من النار تقفل عليهم، و((النصير)): بناء مبالغة من النصر، ثم استثنى عز وجل التائبين من المنافقين، ومن شروط التائب أن يصلح في قوله وفعله، ويعتصم بالله، أي يجعله منعته وملجأه، ويخلص دينه لله تعالى، وإلا فليس بتائب، وقال حذيفة بن اليمان بحضرة عبد الله بن مسعود: والله ليدخلن الجنة قوم كانوا منافقين، فقال له عبد الله بن مسعود: وما علمك بذلك؟ فغضب حذيفة وتنحى، فلما تفرقوا مر به علقمة فدعاه وقال: أما إن صاحبكم يعلم الذي قلت، ثم تلا ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا﴾ الآية، وأخبر تعالى أنهم مع المؤمنين في رحمة الله وفي منازل الجنة، ثم وعد المؤمنين ((الأجر العظيم))، وحذفت الياء من ﴿يؤت﴾ في المصحف تخفيفاً قال الزجّاج: لسكونها وسكون اللام في ﴿الله﴾ كما حذفت من قوله ﴿يوم يناد المناد﴾ [ق: ٤١] وكذلك ﴿سندع الزبانية﴾ [العلق: ١٨] وأمثال هذا كثير، و((الأجر العظيم)): التخليد في الجنة، ثم قال تعالى للمنافقين، ﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم﴾ الآية، أي: أي منفعة له في ذلك أو حاجة؟ والشكر على الحقيقة لا يكون إلا مقترناً بالإيمان، لكنه ذكر الإيمان تأكيداً وتنبيهاً على جلالة موقعه، ثم وعد الله تعالى بقوله: ﴿وكان الله شاكراً عليماً﴾، أي يتقبل أقل شيء من العمل وينميه، فذلك شكر منه لعباده، والشكور من البهائم الذي يأكل قليلاً ويظهر به بدنه، والعرب ١٢٩ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٤٨ - ١٥١ تقول في مثل أشكر من بروقة، لأنها يقال: تخضر وتنضر بظل السحاب دون مطر، وفي قوله ﴿عليماً﴾ تحذير وندب إلى الإخلاص. قوله تعالى : إِن نُبِّدُ واخَيْرًا أَوْ ےہُ ١٤٨ لَا يُحِبُّ اَللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، ◌ُخْفُوهُ أَوْتَعْفُواْ عَن سُوْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (٦) وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اْللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا ١٥٠ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ١٥١ مُهِينًا المحبة في الشاهد إرادة يقترن بها استحسان وميل اعتقاد، فتكون الأفعال الظاهرة من المحب بحسب ذلك، و﴿الجهر بالسوء من القول﴾ لا يكون من الله تعالى فيه شىء من ذلك، أما أنه يريد وقوع الواقع منه ولا يحبه هو في نفسه. و﴿الجهر﴾ : كشف الشيء، ومنه الجهرة في قول الله تعالى ﴿أرنا الله جهرة﴾ [النساء: ٥٣] ومنه قولهم: جهرت البير، إذا حفرت حتى أخرجت ماءها، واختلف القراء في قوله تعالى ﴿إلا من ظلم﴾ وقراءة جمهور الناس بضم الظاء وكسر اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق وزيد بن أسلم والضحاك بن مزاحم وابن عباس وابن جبير وعطاء بن السائب وعبد الأعلى بن عبد الله بن مسلم بن يسار ومسلم بن يسار وغيرهم ((إلا من ظَلَم)) بفتح الظاء واللام، واختلف المتأولون على القراءة بضم الظاء، فقالت فرقة: المعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول ((إلا من ظُلم)) فلا يكره له الجهر به، ثم اختلفت هذه الفرقة في كيفية الجهر بالسوء وما هو المباح من ذلك، فقال الحسن: هو الرجل يظلم الرجل فلا يدع عليه، ولكن ليقل: اللهم أعنّي عليه، اللهم استخرج لي حقي، اللهم حلْ بيني وبين ما يريد من ظلمي، وقال ابن عباس وغيره: المباح لمن ظُلم أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر فهو أحسن له، وقال مجاهد وغيره: هو في الضيف المحول رحله، فإنه يجهر الذي لم يكرمه بالسوء من القول، فقد رخص له أن يقول فيه: وفي هذا نزلت الآية، ومقتضاها ذكر الظلم وتبيين الظلامة في ضيافة وغيرها، وقال ابن عباس والسدي: لا بأس لمن ظَلم أن ينتصر ممن ظلمه بمثل ظلمه، ويجهر له بالسوء من القول. قال القاضي رحمه الله: فهذه الأقوال على أربع مراتب: قول الحسن دعاء في المدافعة، وتلك أقل منازل السوء من القول. وقول ابن عباس الدعاء على الظالم بإطلاق في نوع الدعاء. وقول مجاهد، ذكر الظلامة والظلم. وقول السدي الانتصار بما يوازي الظلامة . وقال ابن المستنير: ﴿إلا من ظلم﴾ معناه إلا من أكره على أن يجهر بسوء من القول كفراً أو نحوه، ١٣٠ تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٥٢، ١٥٣ فذلك ، مباح، والآية في الإكراه، واختلف المتأولون على القراءة بفتح الضاد واللام، فقال ابن زيد: المعنى (إلا من ظلم)) في قول أو في فعل، فاجهروا له بالسوء من القول في معنى النهي عن فعله والتوبيخ والرد عليه، قال: وذلك أنه لما أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم في الدرك الأسفل من النار، كان ذلك جهراً بالسوء من القول. ثم قال لهم بعد ذلك ﴿ما يفعل الله بعذابكم﴾ [النساء: ١٤٧] الآية، على معنى التأنيس والاستدعاء إلى الشكر والإيمان، ثم قال للمؤمنين: ((ولا يحب الله أن يجهز" بالسوء من القول إلا لمن ظلم)) في إقامته على النفاق، فإنه يقال له: أليست المنافق الكافر الذي لك في الآخرة الدرك الأسفل؟ ونحو هذا من الأقوال، وقال قوم معنى الكلام: ((ولا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول))، ثم استثنى استثناء منقطعاً، تقديره: لكن من ظلم فهُو يجهز بالسوء وهو ظالم في ذلك وإعراب ﴿من﴾ يحتمل في بعض هذه التأويلات النصب، ويحتمل الرفع على البلال هن أحد المقدر، و((سميع عليم)): صفتان لائقتان بالجهر بالسوء وبالظلم أيضاً، فإنه يعلمه ويجازي عليه، ولما ذكر تعالى عذر المظلوم في أن يجهر بالسوء لظالمه، أتبع ذلك عرض إبداء الخير وإخفائه، والعفو عن السوء، ثم وعد عليه بقوله ﴿فإن الله كان عفواً قديراً﴾ وعداً خفياً تقتضيه البلاغة ورغب في العفو إذ ذكر أنها صفته مع القدرة على الانتقام، ففي هذه الألفاظ اليسيرة معان كثيرة لمن تأملها، وقوله تعالى: ﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله﴾ إلى آخر الآية. نزل في اليهود والنصارى، لأنهم في كفرهم بمحمد عليه السّلام كأنهم قد كفروا بجميع الرسل. وكفرهم بالرسل كفر بالله، وفرقوا بينَ الله وَرُسُلُه في أنهم قالوا: نحن نؤمن بالله ولا نؤمن بفلان وفلان من الأنبياء، وقولهم ﴿نؤمن ببعض ونكفر ببعض﴾ قيل معناه من الأنبياء، وقيل: هو تصديق بعضهم لمحمد في أنه نبي، لكن ليس إلى بني إسرائيل، ونحو هذا من تُفريقاتهم التي كانت تعنتاً وروغاناً. وقوله ﴿بين ذلك﴾ أي بين الإيمان والإسلام والكفر الصريح المجلح، ثم أخبر تعالى عنهم أنهم الكافرون حقاً، لئلا يظن أحد أن ذلك القدر الذي عندهم من الإيمان ينفعهم، وباقي الآية وعید . وَالَّذِينَءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اُللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [٣ّ يَسْتَلُكَ أَهْلُ الْكِتَبِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَبًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَ لُواْمُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوَ أْأَرِنَاللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّاتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ١٥٣) مَا جَآءَ تُهُمُ الْبَّنَتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًّا مُبِينًا لما ذكر الله تعالى أن المفرقين بين الرسل هم الكافرون حقاً، عقب ذلك بذكر المؤمنين بالله ورسله جميعاً. وهم المؤمنون بمحمد عليه السلام ليصرح بوعد هؤلاء كما صرح بوعيد أولئك، فبين الفرق بين المنزلتين، وقرأ بعض السبعة ((سوف يؤتيهم)) بالياء أي يؤتيهم الله، وقرأ الأكثر ((سوف نُؤْتيهم)) بالنون، منهم ابن كثير ونافع وأبو عمرو، واختلف المتأولون في كيفية سؤال أهل الكتاب لمحمد عليه السلام أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، فقال السدي: قالت اليهود: يا محمد إن كنت صادقاً فجىء بكتاب من ١٣١ تفسير سورة النساء / الآيات : ١٥٤ - ١٥٦ السماء كما جاء موسى بكتاب، وقال محمد بن كعب القرظي : قد جاء موسى بألواح فيها التوراة فجيء أنت بألواح فيها كتابك، وقال قتادة: بل سألوه أن يأتي بكتاب خاص لليهود، يأمرهم فيه بالإيمان بمحمد، وقال ابن جريج: قالت اليهود: يا محمد لن نتابعك على ما تدعونا إليه حتى تأتينا بكتاب من عند الله إلى فلان وإلى فلان أنك رسول الله . قال القاضي أبو محمد - رحمه الله -: فقول ابن جريج يقتضي أن سؤالهم كان على نحو سؤال عبد الله بن أبي أمية المخزومي القرشي، ثم قال تعالى ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾ على جهة التسلية لمحمد عليه السلام، وعرض الأسوة، وفي الكلام متروك يدل عليه المذكور، تقديره: فلا تبال يا محمد عن سؤالهم وتشططهم فإنها عادتهم، ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك﴾، وقرأ جمهور الناس (أكبر)) بالباء المنقوطة بواحدة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((أكثر)) بالثاء المثلثة، وجمهور المتأولين على أن ﴿جهرة﴾ معمول لـ ﴿أرنا﴾، أي: حتى نراه جهاراً أي عياناً رؤية منكشفة بينة، وروي عن ابن عباس أنه كان يرى أن ﴿جهرة﴾ معمول لـ ﴿قالوا﴾، أي قالوا جهرة منهم وتصريحاً ﴿أرنا الله﴾. قال القاضي أبو محمد: وأهل السنة معتقدون أن هؤلاء لم يسألوا محالاً عقلًا، لكنه محال من جهة الشرع، إذ قد أخبر تعالى على ألسنة أنبيائه أنه لا يرى في هذه الحياة الدنيا، والرؤية في الآخرة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالخبر المتواتر، وهي جائزة عقلًا دون تحديد ولا تكييف ولا تحيز، كما هو تعالى معلوم لا كالمعلومات كذاك هو مرئي لا كالمرئيات، هذه حجة أهل السنة وقولهم، ولقد حدثني أبي رضي الله عنه عن أبي عبد الله النحوي أنه كان يقول عند تدريس هذه المسألة: مثال العلم بالله حلق لحا المعتزلة في إنكارهم الرؤية، والجملة التي قالت ﴿أرنا الله جهرة﴾ هي التي مضت مع موسى لحضور المناجاة، وقد تقدم قصصها في سورة البقرة، وقرأ جمهور الناس ((فأخذتهم الصاعقة)) وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وإبراهيم النخعي ((الصعقة)) والمعنى يتقارب، إذ ذلك كله عبارة عن الوقع الشديد من الصوت يصيب الإنسان بشدته وهو له خمود وركود حواس، و﴿ظلمهم﴾ هو تعنتهم وسؤالهم ما ليس لهم أن يسألوه. وقوله تعالى: قد كان من أمرهم أن اتخذوا العجل، وذلك أن اتخاذ العجل كان عند أمر المضي للمناجاة، فلم يكن الذين صعقوا ممن اتخذوا العجل، لكن الذين اتخذوه كانوا قد جاءتهم البينات في أمر إجازة البحر وأمر العصا وغرق فرعون وغير ذلك، وقوله تعالى: ﴿فعفونا عن ذلك﴾ يعني بما امتحنهم به من القتل لأنفسهم، ثم وقع العفو عن الباقين منهم، و((السلطان)) الحجة. أ قوله تعالى : وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ اُلْطُّوَرَ بِمِيثَقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْأَلْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِىِ السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِتَقًّا غَلِظَالَّْ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّينَقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بتَايَتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلِّفُ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ ١٥٠ بُهْتَنَا عَظِيمًا ﴿الطور﴾ الجبل اسم جنس، هذا قول، وقيل ﴿الطور﴾: كل جبل غير منبت، وبالشام جبل قد 1 ١٣٢ تفسير سورة النساء / الآيات : ١٥٤ - ١٥٦ عوف بالطور ولزمه الاسم وهو طور سيناء، وليس بالمرفوع على بني إسرائيل، لأن رفع الجبل كان فيمايلي فحص التيه من جهة ديار مصر، وهم ناهضون مع موسى عليه السلام، وقد تقدم في سورة البقرة قصص رفع الطور، وقوله ﴿بميثاقهم﴾ أي بسبب ميثاقهم أن يعطوه في أخذ الكتاب بقوة والعمل بما فيه، وقوله تعالى: ﴿وقلنا لهم ادخلوا الباب سجَّداً﴾ هوباب بيت المقدس المعروف بباب حطة، أمروا أن يتواضعوا شكراً لله تعالى على الفتح الذي منحهم في تلك البلاد، وأن يدخلوا باب المدينة سجَّداً. وهذا نوع من سجدة الشكر التي قد فعلها كثير من العلماء، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان مالك بن أنس رحمه الله لا يراها. وقوله تعالى ﴿وقلنا لهم لا تعدوا في السبت﴾ أي على الحيتان وفي سائر الأعمال، وهؤلاء كانوا بأيلة من ساحل البحر فأمروا بالسكون عن كل شغل في يوم السبت فلم يفعلوا، بل اصطادوا وتصرفوا، وقد تقدم قصص ذلك، وأخذ الله تعالى منهم ((الميثاق الغليظ)) هو على لسان موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء، أي بأنهم يأخذون التوراة بقوة، ويعملون بجميع ما فيها، ويوصلونه إلى أبنائهم ويؤدون الأمانة فيه. وقوله تعالى ﴿فبما نقضهم﴾ الآية، إخبار عن أشياء واقعوها هي في الضد مما أمروا به وذلك أن الميثاق الذي رفع الطور من أجله نقضوه، والإيمان الذي تضمنه (ادخلوا الباب سجداً﴾ إذ ذلك التواضع إنما هو ثمرة الإيمان والإخبات جعلوا بدله كفرهم بآيات الله، وقولهم: حبة في شعرة وحنطة في شعيرة، ونحو ذلك مما هو استخفاف بأمر الله وكفر به، وكذلك أمروا أن لا يعتدوا في السبت، وفي ضمن ذلك الطاعة وسماع الأمر، فجعلوا بدل ذلك الانتهاء إلى انتهاك أعظم حرمة، وهي قتل الأنبياء، وكذلك أخذ ((الميثاق الغليظ)) منهم تضمن فهمهم بقدر ما التزموه، فجعلوا بدل ذلك تجاهلهم. وقولهم ﴿قلوبنا غلف﴾ أي هي في حجب وغلف، فهي لا تفهم، وأخبر الله تعالى أن ذلك كله عن طبع منه على قلوبهم، وأنهم كذبة فيما يدعونه من قلة الفهم، وقرأ نافع ((تعْدّوا)) بسكون العين وشد الدال المضمومة، وروى عنه ورش ((تعَدّوا)) بفتح العين وشد الدال المضمومة، وقرأ الباقون ((لا تعْدوا)) ساكنة العين خفيفة الدال مضمومة، وقرأ الأعمش والحسن ((لا تعتدوا)) وقوله تعالى: ﴿فبما﴾ ما زائدة مؤكدة، التقدير فبنقضهم، وحذف جواب هذا الكلام بليغ منهم، متروك مع ذهن السامع، تقديره لعناهم وأذللناهم، وحتمنا على الموافين منهم الخلود في جهنم. ثم قال تعالى: ﴿وبكفرهم﴾ أي في أمر عيسى عليه السلام، وقولهم على مريم بهتاناً، يعني زُميهم إياها بالزنا مع رؤيتهم الآية في كلام عيسى في المهد، وإلا فلولا الآية لكانوا في قولهم جارين على حكم البشر في إنكار حمل من غير ذكر و «البهتان)»: مصدر من قولك بهته إذا قابله بأمر مبهت يحار معه الذهن وهو رمي بباطل . قوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَثَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُوَلَكِن شُّبِّهَلَهُمْ وَ إِنَّالَّذِينَ ج أُخْتَلَفُوْ فِيهِ لَفِى شَكٍ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ، مِنْ عِلْمٍ إِلَّا إِنْبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَثَلُوهُ يَقِينًا ﴿ بَلِ رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ١٣٣ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٥٧ - ١٥٩ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [َّ وَ إِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ، وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ١٥٩ هذه الآية والتي قبلها عدد الله تعالى فيها أقوال بني إسرائيل وأفعالهم على اختلاف الأزمان وتعاقب الترون، فاجتمع من ذلك توبيخ خلفهم المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، وبيان الحجة في أن وجبت لهم اللعنة وضربت عليهم الذلة والمسكنة، فهذه الطائفة التي قالت ﴿إنا قتلنا المسيح﴾ غير الذين نقضوا الميثاق في الطور، وغير الذين اتخذوا العجل، وقول بني إسرائيل إنما هو إلى قوله: ﴿عيسى ابن مريم﴾ وقوله عز وجل: ﴿رسول الله﴾ إنما هو إخبار من الله تعالى بصفة لعيسى وهي الرسالة، على جهة إظهار ذنب هؤلاء المقرين بالقتل، ولزمهم الذنب وهم لم يقتلوا عيسى لأنهم صلبوا ذلك الشخص على أنه عيسى، وعلى أن عيسى كذاب ليس برسول، ولكن لزمهم الذنب من حيث اعتقدوا أن قتلهم وقع في عيسى فكأنهم قتلوه، وإذا كانوا قتلوه فليس يرفع الذنب عنهم اعتقادهم أنه غير رسول، كما أن قريشاً في تكذيبها رسول الله لا ينفعهم فيه إعتقادهم أنه كذاب، بل جازاهم الله على حقيقة الأمر في نفسه، ثم أخبر تعالى أن بني إسرائيل ما قتلوا عيسى ولا صلبوه ولكن شبه لهم، واختلفت الرواة في هذه القصة وكيفيتها اختلافاً شديداً أنا أختصر عيونه، إذ ليس في جميعه شيء يقطع بصحته، لأنه لم يثبت عن النبي عليه السلام فيه شيء، وليس لنا متعلق في ترجيح شيء منه إلا ألفاظ كتاب الله، فالذي لا نشك فيه أن عيسى عليه السلام كان يسيح في الأرض ويدعو إلى الله، وكانت بنو إسرائيل تطلبه، وملكهم في ذلك الزمان يجعل عليه الجعائل، وكان عيسى قد انضوى إليه الحواريون يسيرون معه حيث سار، فلما كان في بعض الأوقات شعر بأمر عيسى، فروي أن أحد الحواريين رشي عليه فقبل الرشوة ودل على مكانه فأحيط به، ثم ندم ذلك الحواري وخنق نفسه، وروي أن رجلاً من اليهود جعل له جعل فما زال ينقر عليه حتى دل على مكانه، فلما أحس عيسى وأصحابه بتلاحق الطالبين بهم دخلوا بيتاً بمرأى من بني إسرائيل فروي: أنهم عدوهم ثلاثة عشر، وروي ثمانية عشر وحصروا ليلاً فروي أن عيسى فرق الحواريين عن نفسه تلك الليلة، ووجههم إلى الآفاق، وبقي هو ورجل معه فرفع عيسى وألقي شبهه على الرجل فصلب ذلك الرجل، وروي أن الشبه ألقي على اليهودي الذي دل عليه فصلب، وروي أن عيسى عليه السلام لما أحيط بهم قال لأصحابه: أيكم يلقى شبهي عليه فيقتل ويخلص هؤلاء وهو رفيقي في الجنة؟ فقال سرجس: أنا، وألقي عليه شبه عيسى، ويروى أن شبه عيسى عليه السلام ألقي على الجماعة كلها، فلما أخرجهم بنو إسرائيل نقص واحد من العدة، فأخذوا واحداً ممن ألقي عليه الشبه حسب هذه الروايات التي ذكرتها، فصلب ذلك الشخص، وروي: أن الملك والمتناولين لم يخف عليهم أمر رفع عيسى لما رأوه من نقصان العدة واختلاط الأمر، فصلب ذلك الشخص وأبعد الناس عن خشبته أياماً حتى تغير ولم تثبت له صفة، وحينئذ دنا الناس منه ومضى الحواريون يحدثون بالآفاق أن عيسى صلب، فهذا أيضاً يدل على أنه فرقهم وهو في البيت، أو على أن الشبه ألقي على الكل، وروي أن هذه القصة كلها لم يكن فيها إلقاء شبه شخص عيسى على أحد وإنما المعنی ﴿ولكن شبه لهم﴾ أي شبه علیهم الملك الممخرق، لیستدیم ملكه، وذلك أنه لما نقص واحد من ١٣٤ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٥٧ - ١٥٩ الجماعة وفقد عيسى عمد إلى أحدهم وبطش بصلبه وفرق الناس عنه. وقال: هذا عيسى قد صلب وانحل أمره، وقوله تعالى ﴿وإن الذين اختلفوا فيه﴾ يعني اختلاف المحلولين لأخذه، لأنهم حين فقدوا واحداً من العدد وتحدث برفع عيسى اضطربوا واختلفوا، وعلى رواية من روى أنه ألقي شبه يوشك أنه بقي في ذلك الشبه مواضع للاختلاف، لكن أجمعوا على صلب واحد على غير ثقة ولا يقين أيهم هو. قال القاضي - رحمه الله: الذي صح فيه نقل الكافة عن حواسها هو أن شخصاً صلب، وأما هل هو عيسى أم لا؟ فليس من علم الحواس، فلذلك لم ينفع في ذلك نقل كافة اليهود والنصارى، ونفى الله عنهم أن يكون لهم في أمره علم على ما هو به، ثم استثنى اتباع الظن وهو استثناء متصل، إذا الظن والعلم يضمهما جنس واحد أنهما من معتقدات النفس، وقد يقول الظان على طريق التجوز؛ علمي في هذا الأمر أنه كذا، وهو يعني ظنه. وقوله تعالى: ﴿وما قتلوه يقيناً﴾ اختلف المتأولون في عود الضمير من ﴿قتلوه﴾ فقالت فرقة: هو عائد على الظن كما تقول: قتلت هذا الأمر علماً، فالمعنى وما ضح ظنهم عندهم ولا تحققوه يقيناً، هذا قول ابن عباس والسدي وجماعة، وقال قوم: الضمير عائد على عيسى، أخبر أنهم لم يقتلوه يقيناً، فيصح لهم الإصفاق ويثبت نقل كافتهم، ومضمن الكلام أنهم ما قتلوه في الحقيقة جملة واحدة لا يقيناً ولا شكاً، لكن لما حصلت في ذلك الدعوى صار قتله عندهم مشكوكاً فيه، وقال قوم من أهل اللسان: الكلام تام في قوله ﴿وما قتلوه﴾ و﴿يقيناً﴾ مصدر مؤكد للنفي في قوله ﴿وما قتلوه﴾ المعنى يخبركم يقيناً، أو يقص عليكم يقيناً، أو أيقنوا بذلك يقيناً، وقوله تعالى ﴿بل رفعه الله إليه﴾ يعني إلى سمائه وكرامته، وعيسى عليه السلام حي في السماء الثانية على ما تضمن حديث الإسراء في ذكر ابني الخالة عيسى ويحيى ذكره البخاري في حديث المعراج، وذكره غيره، وهو هناك مقيم حتى ينزله الله لقتل الدجال، وليملأ الأرض عدلاً، ويحيا فيها أربعين سنة ثم يموت كما يموت البشر. وقوله تعالى: ﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته﴾ اختلف المتأولون في معنى الآية فقال ابن عباس وأبو مالك والحسن بن أبي الحسن وغيرهم: الضمير في ﴿موته﴾ راجع إلى عيسى، والمعنى أنه لا يبقى من أهل الكتاب أحد إذا نزل عيسى إلى الأرض إلا يؤمن بعيسى كما يؤمن سائر البشر، وترجع الأديان كلها واحداً، وقال مجاهد وابن عباس أيضاً وغيرهما: الضمير في ﴿به﴾ لعيسى وفي ﴿موته﴾ للكتابي الذي تضمنه قوله ﴿وإن من أهل الكتاب﴾ التقدير: وإن من أهل الكتاب أحدٍ، قالوا: وليس يموت يهودي حتى يؤمن بعيسى روح الله، ويعلم أنه نبي ولكن عند المعاينة للموت، فهو إيمان لا ينفعه، كما لم ينفع فرعون إيمانه عند المعاينة، وقال هذا القول عكرمة والضحاك والحسن بن أبي الحسن أيضاً، وقال عكرمة أيضاً: الضمير في ﴿به﴾ لمحمد عليه السلام، و﴿قبل موته﴾ للكتابي، قال: وليس يخرج يهودي ولا نصراني من الدنيا حتى يؤمن بمحمد، ولو غرق أو سقط عليه جدار فإنه يؤمن في ذلك الوقت، وفي مصحف أبي بن كعب ((قبل موتهم)) ففي هذه القراءة تقوية لعود الضمير على الكتابي، وقرأ الفياض بن غزوان ((وإنّ من أهل الكتاب)) بتشديد ((إن)). والضمير المستتر في يكون هو لعيسى عليه السلام في جل الأقوال، ولمحمد عليه السلام في قول عكرمة. : ١٣٥ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٦٠ - ١٦٢ قوله تعالی : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِ هِمُ الْرّبَواْ وَقَدْ نُهُواْعَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَالنَّاسِ بِالْبَطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ـا لَكِنِ الزَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِّ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكٌ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِهِمْ أَجْرَا عَظِيماً قوله تعالى: ﴿فبظلم﴾ عطف على قوله ﴿فيما نقضهم﴾ [النساء: ١٥٥] كأنه قال فينقضهم لعناهم وأوجبنا عذابهم، فبظلم منهم حرمنا عليهم المطاعم، وجعل الله تعالى هذه العقوبة الدنيوية إزاء ظلم بني إسرائيل في تعنتهم وسائر أخلاقهم الدميمة، و((الطيبات)) هنا: هي الشحوم وبعض الذبائح والطير والحوت وغير ذلك، وقرأ ابن عباس ((طيبات كانت أحلت لهم)) وقوله تعالى ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيراً﴾ يحتمل أن يريد صدهم في ذاتهم، ويحتمل أن يريد صدهم غيرهم، وإلى هذا ذهب الطبري، وقال: هو جحدهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم صدوا بذلك جمعاً عظيماً من الناس عن سبيل الله ﴿وأخذهم الربا): هو الدرهم بالدرهمين إلى أجل ونحو ذلك مما هو مفسدة، وقد نهوا عنه فشرعوه لأنفسهم واستمروا عليه من ذلك، ومن كراء العين ونحوه، وأكل أموال الناس بالباطل: هو الرشى، ثم استثنى الله تعالى من بني إسرائيل ((الراسخين)) في علم التوراة الذين قد تحققوا أمر محمد عليه السلام وعلاماته، وهم: عبد الله بن سلام، ومخيريق، ومن جرى مجراهما، ﴿والمؤمنون): عطف على الراسخين، و ((ما أنزل)) إلى محمد هو القرآن، والذي أنزل من قبله: هو التوراة والإنجيل، واختلف الناس في معنى قوله ﴿والمقيمين﴾ وكيف خالف إعرابها إعراب ما تقدم وتأخر، فقال أبان بن عثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنها: ذلك من خطأ كاتب المصحف، وروي أنها في مصحف أبيّ بن كعب ((والمقيمون)) وقد روي أنها فيه ﴿والمقيمين﴾ كما هي في مصحف عثمان. قال الفراء: وفي مصحف ابن مسعود ((والمقيمون)) وكذلك روى عصمة عن الأعمش، وكذلك قرأ سعيد بن جبير، وكذا قرأ عمرو بن عبيد والجحدري وعيسى بن عمر ومالك بن دينار، وكذلك روى يونس وهارون عن أبي عمرو، وقال آخرون: ليس ذلك من خطأ الكاتب ولا خطأ في المصحف، وإنما هذا من قطع النعوت إذا كثرت على النصب بأعني، والرفع بعد ذلك بهم، وذهب إلى هذا المعنى بعض نحوبي الكوفة والبصرة، وحكي عن سيبويه: أنه قطع على المدح، وخبر ﴿لكن﴾ ﴿يؤمنون) لأن المدح لا يكون إلا بعد تمام الجملة الأولى، وهذا كقول خرنق بنت هفان: [الكامل] 1 سُمُّ العُداةِ وَآفَةُ الجَزْرِ لَا يَبْعَدَنْ قَومِي الّذِينَ هُمُ والطَّيْبُونَ مَعَاقِدَ الأزرِ النَّازلينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكِ قال القاضي أبو محمد: وقد فرق بين الآية والبيت بحرف العطف الذي في الآية، فإنه يمنع عند ٠ بعضهم تقدير الفعل، وفي هذا نظر، وقال قوم: قوله تعالى ﴿والمقيمين﴾ ليس بعطف على قوله ١٣٦ تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٦٣، ١٦٤ ﴿والمؤمنون) ولكن على ﴿ما﴾ في قوله ﴿وما أنزل من قبلك﴾ والمعنى ويؤمنون بالمقيمين الصلاة وهم الملائكة، وقال بعضهم: بل من تقدم من الأنبياء، قالوا: ثم رجع بقوله ﴿والمؤتون﴾ فعطف على قوله ﴿والمؤمنون﴾ وقال قوم ﴿والمقيمين﴾ عطف على ﴿ما أنزل﴾، والمراد بهم المؤمنون بمحمد، أي يؤمن الراسخون بهم وبما هم عليه، ویکون قوله ﴿المؤتون﴾ أي وهم المؤتون، وقال قوم ﴿والمقيمين﴾ عطف على الضمير في منهم، وقال آخرون: بل على الكاف في قوله ﴿من قبلك﴾ ويعني الأنبياء، وقرأت فرقة (سنؤتيهم)» بالنون، وقرأت فرقة ((سيؤتيهم)) بالياء. قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيْنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِزْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَنَّ وَءَاتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصُهُمْ عَلَيْكَْ وَكَلَّمَ اللَّهُ (١٦٤) مُوسَى تَكْلِيمًا روي عن عبد الله بن عباس: أن سبب هذه الآية أن سكيناً الحبر وعدي بن زيد قالا: يا محمد ما نعلم أن الله أنزل على بشر شيئاً بعد موسى، ولا أوحى إليه، فنزلت هذه الآية تكذيباً لقولهما. وقال محمد بن كعب القرظي: لما أنزل الله ﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء﴾ [النساء: ١٥٣] إلى آخر الآيات، فتليت عليهم وسمعوا الخبر بأعمالهم الخبيثة قالوا: ما أنزل الله على بشر من شيء ولا على موسى ولا على عيسى وجحدوا جميع ذلك فأنزل الله ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] والوحي: إلقاء المعنى في خفاء، وعرفه في الأنبياء بواسطة جبريل عليه السلام، وذلك هو المراد بقوله ﴿كما أوحينا﴾ أي بملك ينزل من عند الله، و(نوح) أول الرسل في الأرض إلى أمة كافرة، وصرف نوح مع العجمة والتعريف لخفته، و﴿إبراهيم﴾ عليه السلام هو الخليل، ﴿وإسماعيل) ابنه الأكبر وهو الذبيح في قول المحققين، وهو أبو العرب، ﴿وإسحاق﴾ ابنه الأصغر ﴿ويعقوب) هو ولد إسحاق وهو إسرائيل، ﴿والأسباط﴾:" بنو يعقوب، يوسف وإخوته، ﴿وعيسى﴾ هو المسيح، ﴿وأيوب) هو المبتلى الصابر، ﴿ويوتس﴾ هو ابن متى، وروى ابن جماز عن نافع: يونس بكسر النون، وقرأ ابن وثاب والنخعي - بفتحها، وهي كلها لغات، ﴿وهارون﴾ هو ابن عمران، ﴿وسليمان) هو النبي الملك، و﴿داود﴾: أبوه، وقرأ جمهور الناس (زَبوراً)) بفتح الزاي، وهو اسم كتاب داود تخصيصاً، وكل كتاب في اللغة فهو زبور من حيث تقول زبرت الكتاب إذا كتبته، وقرأ حمزة وحده ((زُبوراً)) بضم الزاي، قال أبو علي: يحتمل أن يكون جمع زبر، أوقع على المزبور اسم الزبر، كما قالوا ضرب الأمير. ونسج اليمن. وكأن سمي المكتوب كتاباً، ويحتمل أن یکون جمع زبور على حذف الزيادة، كما قالوا: ظريف وظروف وكروان وكروان وورشان وورشان، ونحو ذلك مما جمع بحذف الزيادة، ويقوي هذا الوجه أن التكسير مثل التصغير. وقد اطرد هذا المعنى في ١٣٧ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٦٥ - ١٦٩ تصغير الترخيم نحو أزهر وزهير، وحارث وحريث، وثابت وثبيت، فالجمع مثله في القياس إن كان أقل منه في الاستعمال. وقوله تعالى: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك﴾ الآية، نصب ﴿رسلاً﴾ على المعنى، لأن المعنى إنا أرسلناك كما أرسلنا نوحاً، ويحتمل أن ينصب ﴿رسلاً﴾ بفعل مضمر تقديره أرسلنا رسلاً، لأن الرد على اليهود إنما هو في إنكارهم إرسال الرسل واطراد الوحي، وفي حرف أبي بن كعب ((ورسل)) في الموضعين بالرفع على تقديرهم رسل، و﴿قصصناهم﴾ معناه ذكرنا أسماءهم وأخبارهم، وقوله تعالى: ﴿ورسلاً لم نقصصهم عليك﴾ يقتضي كثرة الأنبياء دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ [فاطر: ٢٤] وقال تعالى: ﴿وقروناً بين ذلك كثيراً﴾ [الفرقان: ٣٨] وما يذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح، الله أعلم بعدتهم، صلى الله عليهم، وقوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليماً﴾ إخبار بخاصة موسى، وأن الله تعالى شرفه بكلامه ثم أكد تعالى الفعل بالمصدر، وذلك منبىء في الأغلب عن تحقيق الفعل ووقوعه، وأنه خارج عن وجوه المجاز والاستعارة، لا يجوز أن تقول العرب: امتلأ الحوض وقال: قطني قولاً، فإنما تؤكد بالمصادر الحقائق. ومما شذ قول هند بنت النعمان بن بشير: وعجت عجيجاً من جذام المطارف. وكلام الله للنبي موسى عليه السلام دون تكييف ولا تحديد ولا تجويز حدوث ولا حروف ولا أصوات، والذي عليه الراسخون في العلم: أن الكلام هو المعنى القائم في النفس، ويخلق الله لموسى أو جبريل إدراكاً من جهة السمع يتحصل به الكلام، وكما أن الله تعالى موجود لا كالموجودات، معلوم لا كالمعلومات فكذلك كلامه لا كالكلام، وما روي عن كعب الأحبار وعن محمد بن كعب القرظي ونحوهما: من أن الذي سمع موسی کان کأشد ما يسمع من الصواعق، وفي رواية أخرى كالرعد الساكن فذلك كله غير مرضي عند الأصوليين، وقرأ جمهور الأمة ((وكلم اللهُ موسى)) بالرفع في اسم الله، وقرأ يحيى بن وثاب وإبراهيم النخعي ((وكلم الله)) بالنصب على أن موسى هو المكلم، وهي قراءة ضعيفة من جهة الاشتهار، لكنها مخرجة من عدة تأويلات. قوله تعالى : رُسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتَبِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاَللَّهِ ١٦٥ شَهِيدًا ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواعَن سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَلاَ بَعِيدًا (﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اُللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِ يَهُمْ طَرِيقًا ج إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ (١٦٩ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ﴿رسلاً﴾ بدل من الأول قبل. و﴿مبشرين ومنذرين﴾ حالان أي يبشرون بالجنة من آمن وأطاع، أ ١٣٨ تفسير سورة النساء / الآية: ١٧٠ وينذرون بالنار من كفر وعصى، وأراد الله تعالى أن يقطع بالرسل احتجاج من يقول: لو بعث إليَّ الرسول لآمنت، والله تعالى عزيز لا يغالبه شيء ولا حجة لأحد عليه، وهو مع ذلك حكيم تصدر أفعاله عن حكمة، فكذلك قطع الحجة بالرسل حكمة منه تعالى . وقوله تعالى: ﴿لكن الله يشهد﴾ الآية، سببها قول اليهود(ما ينزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: ٩١] وقال بعضهم لمحمد عليه السلام: ما نعلم يا محمد أن الله أرسل إليك ولا أنزل عليك شيئاً، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والجراح الحكمي ((لكنّ الله يشهد)) بشد النون ونصب المكتوبة على اسم ((لكن)). وقوله تعالى: ﴿أنزله بعلمه﴾ هذه الآية من أقوى متعلقات أهل السنة في إثبات علم الله تعالى خلافاً للمعتزلة في أنهم يقولون: عالم بلا علم، والمعنى عند أهل السنة: أنزله وهو يعلم إنزاله ونزوله، ومذهب المعتزلة في هذه الآية أنه أنزله مقترناً بعلمه، أي فيه علمه من غيوب وأوامر ونحو ذلك، فالعلم عبارة عن المعلومات التي في القرآن، كما هو في قول الخضر: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، معناه: من علم الله الذي بث في عباده، وقرأ الجمهور ((أنزل)) على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الحسن ((أنزل)) بضم الهمزة على بنائه للمفعول، وقوله تعالى: ﴿والملائكة يشهدون﴾ تقوية لأمر محمد عليه السلام ورد على اليهود، قال قتادة: شهود والله غير متهمة، وقوله تعالى: ﴿وكفى بالله شهيداً﴾ تقديره: وكفى الله شهيداً، لكن دخلت الباء لتدل على أن المراد بالله . ثم أخبر تعالى عن الكافرين الذين يصدون الناس عن سبيل الله أنهم قد بعدوا عن الحق و﴿ضلوا ضلالا بعيداً﴾ لا یقرب رجوعهم عنه ولا تخلصهم معه، وقرأ عكرمة وابن هرمز ((وصُدوا» بضم الصاد. ثم أخبر تعالى عن الكافرين الظالمين في أن وضعوا الشيء في غير موضعه، وهو الكفر بالله، والله تعالى يستوجب منهم غير ذلك لنعمه الظاهرة والباطنة أنهم بحيث لم يكن ليغفر لهم، وهذه العبارة أقوى من الإخبار المجرد أنه لا يغفر، ومثال ذلك أنك إذا قلت: أنا لا أبيع هذا الشيء فهم منك الاغتباط به، فإذا قلت: أنا ما كنت لأبيع هذا الشيء، فالاغتباط منك أكثر، هذا هو المفهوم من هذه العبارة، وقوله تعالى: ﴿ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم) هذه هداية الطرق وليست بالإرشاد على الإطلاق. وباقي الآية بيّن يتضمن تحقير أمر الكفار، وأنهم لا يباليهم الله بالة كما ورد في الحديث، يذهب الصالحون الأول فالأول، حتى تبقى حثالة كحثالة التمر لا يباليهم الله بالة، المعنى: إذ هم كفار في آخر الزمان وعليهم تقوم الساعة . قوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرً لَّكُمْ وَ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّلِلَّهِ مَا يَأَهْلَ الْكِتَبِ لَا تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيًا حَكِيمًا (هـ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ إِلَّ الْحَقّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتْهُ القَنْهَا سے إِلَى مَرْيَمَ وَرُوٌ مِنْهُ فَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِّهِ، وَلَا تَقُولُواْ ثَلَاثَةُ أَنْتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ المخاطبة بقوله ﴿يا أيها الناس﴾ مخاطبة لجميع الناس، والسورة مدنية، فهذا مما خُوطُّب به جميع ١٣٩ تفسير سورة النساء / الآية : ١٧٠ الناس بعد الهجرة، لأن الآية دعاء إلى الشرع، ولو كانت في أمر من أوامر الأحكام ونحوها لكانت ((يا أيها الذين آمنوا)) و﴿الرسول) في هذه الآية محمد صلى الله عليه وسلم، و ﴿الحق) في شرعه، وقوله تعالى: ﴿خيراً لكم﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره، إيتوا خيراً لكم، أو حوزوا خيراً لكم، وقوله ﴿آمنوا﴾ وقوله ﴿انتهوا﴾ بعد ذلك، أمر بترك الشيء والدخول في غيره، فلذلك حسنت صفة التفضيل التي هي خير، هذا مذهب سيبويه في نصب خير، ونظيره من الشعر قول عمر بن أبي ربيعة: فواعديه سَرْحَتَيْ مالك أو الربى بينهما أسهلا أي يأت أسهل، وقال أبو عبيدة التقدير يكن الإيمان خيراً والانتهاء خيراً، فنصبه على خبر كان، وقال الفراء: التقدير فآمنوا إيماناً خيراً لكم، فنصبه على النعت لمصدر محذوف ثم قال تعالى ﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ وهذا خبر بالاستغناء، وأن ضرر الكفر إنما هو نازل بهم، ولله تعالى العلم والحكمة . ثم خاطب تعالى أهل الكتاب من النصارى بأن يدعوا ((الغلو))، وهو تجاوز الحد، ومنه غلاء السعر، ومنه غلوة السهم، وقوله تعالى: ﴿في دينكم) إنما معناه، في الدين الذي أنتم مطلوبون به، فكأنه اسم جنس، وأضافه إليهم بياناً أنهم مأخوذون به، وليست الإشارة إلى دينهم المضلل، ولا أمروا بالثبوت عليه دون غلو، وإنما أمروا بترك الغلو في دين الله على الإطلاق، وأن يوحدوا ولا ((يقولوا على الله إلا الحق))، وإذا سلكوا ما أمروا به، فذلك سائقهم إلى الإسلام، ثم بين تعالى أمر المسيح وأنه ﴿رسول الله وكلمته﴾، أي مكون عن كلمته التي هي ((كن)) وقوله ﴿ألقاها﴾ عبارة عن إيجاد هذا الحادث في مريم، وقال الطبري ﴿وكلمته ألقاها﴾ يريد جملة مخلوقاته، فـ ((من)) لابتداء الغاية إذا حقق النظر فيها، وقال البشارة التي بعث الملك بها إليها، وقوله تعالى: ﴿وروح منه﴾ أي من الله وقال الطبري ﴿وروح منه﴾ أي نفخة منه، إذ هي من جبريل بأمره، وأنشد قول ذي الرمة : بروحك واقتته لها قيتة قدرا فقلت له اضممها إليك وأحيها يصف سقط النار، وقال أبيّ بن كعب: روح عيسى من أرواح الله التي خلقها واستنطقها بقوله ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] فبعثه الله إلى مريم فدخل فيها، ثم أمرهم بالإيمان بالله ورسله، أي الذين من جملتهم عيسى ومحمد عليهما السلام، وقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾ المعنى: الله ثالث ثلاثة، فحذف الابتداء والمضاف، كذا قدر أبو علي، ويحتمل أن يكون المقدر: المعبود ثلاثة، أو الإله ثلاثة، أو الآلهة ثلاثة، أو الأقانيم ثلاثة، وكيف ما تشعب اختلاف عبارات النصارى فإنه يختلف بحسب ذلك التقدير، وقد تقدم القول في معنى ﴿انتهوا خيراً لكم﴾ . قوله تعالى : إِنَّمَ اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَهُ لَّهُ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضُِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴿الَّنْ يَسْتَنَكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًالِلّهِ وَلَا الْمَلَئِكَةُ الْمُقْرَّبُونَّ وَمَن ١٤٠ تفسير سورة النساء / الآيات: ١٧١ - ١٧٥ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِّهِ، وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُ هُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [٨]َ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِن فَضْلِّهِ، ﴿إنما﴾ في هذه الآية حاصرة، اقتضى ذلك العقل في المعنى المتكلم فيه، وليست صيغة ﴿إنما﴾ تقتضي الحصر، ولكنها تصلح للحصر وللمبالغة في الصفة وإن لم يكن حصر، نحو: إنما الشجاع عنترة وغير ذلك. و﴿سبحانه﴾: معناه تنزيهاً له وتعظيماً عن أن يكون له ولد كما تزعمون أنتم أيها النصارى في أمر عيسى، إذ نقلتم أبوة الحنان والرأفة إلى أبوة النسل، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((إن يكون له ولد)) بكسر الألف من ((أن)) وهي نافية بمعنى ما يكون له ولد، وقوله تعالى: ﴿له ما في السماوات وما في الأرض) الآية: إخبار يستغرق عبودية عيسى وغير ذلك من الأمور. : ثم برأ تعالى جهة المسيح عليه السلام من أقوالهم، وخلصه للذي يليق به فقال ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون﴾ الآية، والاستنكاف: إباية بأنفة، وقوله تعالى: ﴿ولا الملائكة المقربون﴾ زيادة في الحجة وتقريب من الأذهان، أي ولا هؤلاء الذين هم في أعلى درجات المخلوقين، لا يستنكفون عن ذلك فكيف سواهم، وفي هذه الآية الدليل الواضح على تفضيل الملائكة على الأنبياء، ثم أخبر تعالى عمن يستنكف أي يأنف عن عبادة الله ويستكبر، بأنه سيناله الحشر يوم القيامة والرد إلى الله، وقوله ﴿فسيحشرهم﴾ عبارة وعيد، وقرأ جمهور الناس ((فسيحشرهم)) بالياء، وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((فسنحشرهم)) بنون الجماعة، ((فنوفيهم))، ((ونزيدهم))، ((فنعذبهم))، كلها بالنون، قال أبو الفتح: وقرأ مسلمة ((فسيحشرْهم)) ((فيعذبهم)) بسكون الراء والباء على التخفيف. وبين الله تعالى أمر المحشورين، فأخبر عن المؤمنين العاملين بالصالحات، أنه ((يوفيهم أجورهم)) حتى لا يبخس أحد قليلاً ولا كثيراً، وأنه يزيدهم من فضله، وتحتمل هذه الزيادة أن تكون المخبر عنها في أن الحسنة بعشر إلى سبعمائة ضعف، ويحتمل أن يكون التضعيف الذي هو غير مصرد محسوب، وهو المشار إليه في قوله تعالى: ﴿والله يضاعف لمن يشاء﴾ [البقرة: ٢٦١]. قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُواْ وَاُسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّ بُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّنِدُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٣) يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمْ بُرْهَنٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ نُورًّا مُبِينًا (٧٦) فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللَّهِ وَأَعْتَصَمُواْبِهِ، فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِ هِمْ إِلَيْهِ صِرَطًا ١٧٥) مُسْتَقِيمًا ! هذا وعيد للمستنكفين الذين يدعون عبادة الله أنفة وتكبراً، وهذا الإستنكاف إنما يكون من الكفار عن اتباع الأنبياء وما جرى مجراه، كفعل حيي بن أخطب وأخيه أبي ياسر بمحمد عليه السلام، وكفعل أبي