النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٥، ١٦
على التقدير، أي مقدرين ﴿خالدين فيها﴾، وجمع ﴿خالدين) على معنى ﴿من﴾ بعد أن تقدم الإفراد
مراعاة للفظ ﴿من﴾، وعكس هذا لا يجوز.
وقوله: ﴿ومن يعص الله ورسوله) الآية، قرأ نافع وابن عامر ((ندخله)) بنون العظمة، وقرأ الباقون،
يدخله بالياء فيهما جميعاً، وهذه آيتا وعد ووعيد، وتقدم الإيجاز في ذلك، ورجَّى الله تعالى على التزام
هذه الحدود في قسمة الميراث، وتوعد على العصيان فيها بحسب إنكار العرب لهذه القسمة، وقد كلم فيها
النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن وغيره.
قوله تعالی :
وَالَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأَمْسِكُوُهُنَّ فِى الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اُللَّهُ لَهُنَّ سِبِيلًا (﴾ وَالَّذَانِ
يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَاذُوهُمَّا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا
١٦
رَّحِيمًا
قوله ﴿واللاتي﴾: اسم جمع التي، وتجمع أيضاً على ((اللواتي))، ويقال: اللائي بالياء، و﴿الفاحشة) في
هذا الموضع: الزنا، وكل معصية فاحشة، لكن الألف واللام هنا للعهد، وقرأ ابن مسعود. ((بالفاحشة)) ببناء
الجر وقوله: ﴿من نسائكم﴾ إضافة في معنى الإسلام، لأن الكافرة قد تكون من نساء المسلمين بنسب، ولا
يلحقها هذا الحكم، وجعل الله الشهادة على الزنا خاصة لا تتم إلا بأربعة شهداء، تغليظاً على المدعي
وستراً على العباد، وقال قوم: ذلك ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين.
قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، وكانت هذه أول عقوبات الزناة - الإمساك في البيوت، قال
عبادة بن الصامت والحسن ومجاهد: حتى نسخ بالأذى الذي بعده، ثم نسخ ذلك بآية النور وبالرجم في
الثيب، وقالت فرقة: بل كان الأذى هو الأول، ثم نسخ بالإمساك ولكن التلاوة أخرت وقدمت، ذكره ابن
فورك، و﴿سبيلاً﴾ معناه مخرجاً بأمر من أوامر الشرع، وروى حطان بن عبد الله الرقاشي عن عمران بن
حصين، أنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل عليه الوحي، ثم أقلع عنه ووجهه محمر،
فقال: قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم.
﴿واللذان) - تثنية الذي، وكان القياس أن يقال: اللذيان كرحيان المتمكنة وبين الأسماء المبهمات. قال
أبو علي: حذفت الياء تخفيفاً إذ قد أمن من اللبس في اللذان، لأن النون لا تنحذف ونون التثنية في
الأسماء المتمكنة قد تنحذف مع الإضافة في رحياك ومصطفيا القوم، فلو حذفت الياء لاشتبه المفرد
بالاثنين، وقرأ ابن كثير ((اللذانٌ)) بشد النون، وتلك عوض من الياء المحذوفة، وكذلك قرأ هذان، وفذانك،
وهاتين، بالتشديد في جميعها، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي بتخفيف جميع ذلك،
وشدد أبو عمرو، ((فذانك)) وحدها ولم يشدد غيرها، ﴿واللذان﴾ رفع بالابتداء، وقيل على معنى: فيما يتلى

٢٢
تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٦،١٥
عليكم ((اللذان))، واختلف في الأذى، فقال عبادة والسدي: هو التعبير والتوبيخ وقالت فرقة: هو السبّ
والجفاء دون تعيير، وقال ابن عباس: هو النيل باللسان واليد وضرب النعال وما أشبهه، قال مجاهد وغيره:
الآية الأولى في النساء عامة لهن، محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الرجال، وبين بلفظ التثنية
صنفي الرجال ممن أحصن وممن لم يحصن، فعقوبة النساء الحبس، وعقوبة الرجال الأذى، وهذا قول
يقتضيه اللفظ، ويستوفي نص الكلام أصناف الزناة عليه، ويؤيده من جهة اللفظ قوله في الأولى ﴿من
نسائكم﴾ وقوله في الثانية ﴿منكم)، وقال السدي وقتادة وغيرهما: الآية الأولى في النساء المحصنات، يريد
ويدخل معهن من أحصن من الرجال بالمعنى، والآية الثانية هي في الرجل والمرأة البكرين.
قال القاضي أبو محمد: ومعنى هذا القول تام، إلا أن لفظ الآية يقلق عنه، وقد رجحه الطبري، وقرأ
ابن مسعود ((والذين يفعلونه منكم)). وأجمع العلماء على أن هاتين الآيتين منسوختان بآية الجلد في سورة
النور، قاله الحسن ومجاهد وغيرهما، إلا من قال: إن الأذى والتعبير باق مع الجلد لأنهما لا يتعارضان بل
يتحملان على شخص واحد، وأما الحبس فمنسوخ بإجماع، وآية الجلد عامة في الزناة محصنهم وغير
محصنهم، وكذلك عممه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث حطانُ بن عبد الله الرقاشي الذي
ذكرته آنفاً، وإن كان في صحيح مسلم فهو خبر آحاد، ثم ورد بالخبر المتواتر، أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم رجم ولم يجلد، فمن قال: إن السنة المتواترة تنسخ القرآن، جعل رجم الرسول دون جلد ناسخاً
لجلد الثيب، وهذا الذي عليه الأئمة: أن السنة المتواترة تنسخ القرآن، إذ هما جميعاً وحي من الله،
ويوجبان جميعاً العلم والعمل، وإنما اختلفا في أن السنة نقص منها الإعجاز، وصح ذلك عن النبي صلى
الله عليه وسلم في خبر ماعز، وفي حديث الغامدية، وفي حديث المرأة التي بعث إليها أنيس، ومن قال إن
السنة المتواترة لا تنسخ القرآن، قال: إنما يكون حكم القرآن موقفاً، ثم تأتي السنة مستأنفة من غير أن
تتناول نسخاً .
قال القاضي أبو محمد: وهذا تخيل لا يستقيم، لأنا نجد السنة ترفع بحكمها ما استقر من حكم
القرآن على حد النسخ، ولا يرد ذلك نظر، ولا ينخرم منه أصل، أما أن هذه النازلة بعينها يتوجه عندي أن
يقال فيها: إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه وبقاء حكمه، في قوله تعالى: الشيخ
والشيخة - إذا زنيا - فارجموهما البتة، وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر بمحضر الصحابة،
وذكر أنهم قرأوه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بكماله في مسلم وأيضاً فيعضد أن ذلك
من القرآن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال له: فاقض بيننا يا رسول الله بكتاب الله، فقال له
النبي صلى الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بكتاب الله، ثم أمر أنيساً برجم المرأة إن هي اعترفت، فدل
هذا الظاهر على أن الرجم كان في القرآن، وأجمعت الأمة على رفع لفظة، وهاتان الآيتان أعني الجلد
والرجم لو لم يقع بيان من الرسول لم يجب أن تنسخ إحداهما الأخرى، إذ يسوغ اجتماعهما على شخص
واحد، وحديث عبادة المتقدم يقوي جميعهما، وقد أخذ به علي رضي الله عنه في شراحة جلدها ثم
رجمها، وقال: أجلدها بكتاب الله وأرجمها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال الحسن
وإسحاق بن راهويه، ولكن لما بين الرسول برجمه دون جلد كان فعله بمثابة قوله مع هذه الآية: فقوا ولا

٢٣
تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٨،١٧
تجلدوا فيكون القرآن هو الناسخ والسنة هي المبينة ويصح أن نعترض من ينسخ بالسنة في هذه النازلة
فنقول: الناسخ من شروطه أن يستقل في البيان بنفسه، وإذا لم يستقل فليس بناسخ، وآية الرجم بعد أن
يسلم ثبوتها لا تستقل في النسخ بنفسها، بل تنبني مع الجلد وتجتمع، كما تضمن حديث عبادة بن
الصامت، لكن إسقاط الرسول الجلد هو الناسخ، لأن فعله في ذلك هو بمنزلة قوله: لا تجلدوا الثيب، وأما
البكر فلا خلاف أنه يجلد، واختلف في نفيه، فقال الخلفاء الأربعة وابن عمر ومالك والشافعي وجماعة: لا
نفي اليوم، وقالت جماعة: ينفى وقيل: نفيه سجنه، ولا تنفى المرأة ولا العبد، هذا مذهب مالك وجماعة
من العلماء، وقوله: ﴿فأعرضوا عنهما﴾ كانت هذه العقوبة من الإمساك والأذى إرادة أن يتوب الزناة، وهو
الرجوع عن الزنا والإصرار عليه، فأمر الله تعالى المؤمنين، إذا تاب الزانيان وأصلحا في سائر أعمالهما أن
يكف عنهما الأذى، وجاء الأمر بهذا الكف الذي هو ((أعرضوا)) وفي قوة اللفظ غض من الزناة وإن تابوا،
لأن تركهم إنما هو إعراض، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] وليس
الإعراض في الآيتين أمراً بهجرة، ولكنها متاركة معرض، وفي ذلك احتقار لهم بحسب المعصية المتقدمة،
وبحسب الجهالة في الآية الأخرى، والله تعالى تواب، أي راجع بعباده عن المعاصي إلى تركها ولزوم
الطاعة .
قوله تعالی :
إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأَوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ
عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ
حَّ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ الْكَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُونُونَ وَهُمْ كُفَّارُ
أُوْلَئِكَ أَعْتَدْ نَالَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
﴿إنما﴾ حاصرة، وهو مقصد المتكلم بها أبداً، فقد تصادف من المعنى ما يقتضي العقل فيه الحصر،
كقوله تعالى: ﴿إنما الله إله واحد﴾ [النساء: ١٧١] وقد تصادف من المعنى ما لا يقتضي العقل فيه
الحصر، كقوله: إنما الشجاع عنترة فيبقى الحصر في مقصد المادح، ويتحصل من ذلك لكل سامع تحقيق
هذه الصفة للموصوف بمبالغة، وهذه الآية مما يوجب النظر فيها أنها حاصرة، وهي في عرف الشرع:
الرجوع من شر إلى خير، وحد التوبة: الندم على فارط فعل، من حيث هو معصية الله عز وجل، وإن كان
الندم من حيث أضر ذلك الفعل في بدن أو ملك فليس بتوبة، فإن كان ذلك الفعل مما يمكن هذا النادم
فعله في المستأنف فمن شروط التوبة العزم على ترك ذلك الفعل في المستأنف، وإلا فثم إصرار لا توبة
معه، وإن كان ذلك الفعل لا يمكنه، مثل أن يتوب من الزنا فيجب بأثر ذلك ونحو ذلك، فهذا لا يحتاج إلى
شرط العزم على الترك، والتوبة فرض على المؤمنين بإجماع الأمة، والإجماع هي القرينة التي حمل بها
قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً﴾ [النور: ٣١] على الوجوب، وتصح التوبة من ذنب من الإقامة على
غيره من غير نوعه، خلافاً للمعتزلة في قولهم: لا يكون تائباً من أقام على ذنب،

٢٤
تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٧، ١٨
وتصح التوبة وإن نقضها التائب في ثاني حال بمعاودة الذنب، فإن التوبة الأولى
طاعة قد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد موافقة الذنب إلى توبة أخرى مستأنفة، والإيمان
للکافر لیس نفس توبته، وإنما توبته ندمه على سالف كفره، وقوله تعالى: ﴿علی الله﴾ فیه حذف مضاف
تقديره: على فضل الله ورحمته لعباده، وهذا نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: يا معاذ
أتدري ما حق الله على العباد؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ثم سكت قليلاً،
ثم قال: يا معاذ أتدري ما حق العباد على الله؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: أن يدخلهم الجنة، فهذا كله
إنما معناه: ما حقهم على فضل الله ورحمته، والعقيدة: أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلاً، لكن
إخباره تعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء سمعاً، فمن ذلك تخليد الكفار في
النار، ومن ذلك قبول إيمان الكافر، والتوبة لا يجب قبولها على الله تعالى عقلاً، فأما السمع فظاهره قبول
توبة التائب، قال أبو المعالي وغيره: فهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن لا قطعاً على الله بقبول التوبة.
قال القاضي أبو محمد: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى، فإذا فرضنا رجلاً قد تاب توبة
نصوحاً تامة الشروط، فقول أبي المعالي يغلب على الظن قبول توبته، وقال غيره: يقطع على الله تعالى
بقبول توبته، كما أخبر عن نفسه عز وجل.
قال القاضي أبو محمد: وكان أبي رحمة الله عليه يميل إلى هذا القول ويرجحه، وبه أقول، والله
تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن
عباده﴾ [الشورى: ٢٥] وقوله: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن﴾ [طه: ٨٢] و﴿السوء) في هذه الآية يعم الكفر
والمعاصي، وقوله تعالى: ﴿بجهالة﴾ معناه: بسفاهة وقلة تحصيل أدى إلى المعصية، وليس المعنى أن
تكون ((الجهالة)) أن ذلك الفعل معصية، لأن المتعمد للذنوب كان يخرج من التوبة، وهذا فاسد إجماعاً،
وبما ذكرته في ((الجهالة) قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذكر ذلك عنهم أبو العالية، وقال
قتادة: اجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على أن كل معصية فهي بجهالة، عمداً كانت أو جهلاً،
وقال به ابن عباس ومجاهد والسدي، وروي عن مجاهد والضحاك أنهما قالا: ((الجهالة)) هنا العمد، وقال
عكرمة: أمور الدنيا كلها ((جهالة)).
قال القاضي أبو محمد: يريد الخاصة بها الخارجة عن طاعة الله، وهذا المعنى عندي جار مع قوله
تعالى: ﴿إنما الحياة الدنيا لعب ولهو﴾ [محمد: ٣٦، الحديد: ٢٠] وقد تأول قوم قول عكرمة بأنه للذين
يعملون السوء في الدنيا.
قال القاضى أبو محمد: فكأن ((الجهالة)) اسم للحياة الدنيا، وهذا عندي ضعيف، وقيل ﴿بجهالة﴾،
أي لا يعلم كنه العقوبة، وهذا أيضاً ضعيف، ذكره ابن فورك ورد عليه، واختلف المتأولون في قوله تعالى:
﴿من قريب﴾ فقال ابن عباس والسدي: معنى ذلك قبل المرض والموت، وقال أبو مجلز ومحمد بن قيس
والضحاك وعكرمة وابن زيد وغيرهم: معنى ذلك قبل المعاينة للملائكة والسوق، وأن يغلب المرء على
نفسه، وروى أبو قلابة، أن الله تعالى لما خلق آدم فرآه إبليس أجوف، ثم جرى له ما جرى ولعن وأنظر،

٢٥
تفسير سورة النساء / الآيتان: ١٨،١٧
قال: وعزتك لا برحت من قلبه ما دام فيه الروح، فقال الله تعالى: وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما دام فيه
الروح.
قال القاضي أبو محمد: فابن عباس رضي الله عنه ذكر أحسن أوقات التوبة، والجمهور حددوا آخر
وقتها، وقال إبراهيم النخعي : كان يقال: التوبة مبسوطة لأحدكم ما لم يؤخذ بکظمه، وروی بشير بن کعب
والحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ويغلب على عقله.
قال القاضي أبو محمد: لأن الرجاء فيه باق ويصح منه الندم والعزم على ترك الفعل في المستأنف،
فإذا غلب تعذرت التوبة لعدم الندم والعزم على الترك، وقوله تعالى: ﴿من قريب﴾ إنما معناه: ((من قريب))
إلى وقت الذنب، ومدة الحياة كلها قريب، والمبادر في الصحة أفضل، والحق لأمله من العمل الصالح،
والبعد كل البعد الموت، ومنه قول مالك بن الريب: [الطويل]
وأيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلّ مَكَانِيَا
وقوله تعالى: ﴿وكان الله عليماً حكيماً﴾ أي بمن يتوب وييسره هو للتوبة حكيماً فيما ينفذه من ذلك،
وفي تأخير من يؤخر حتى يهلك.
ثم نفى بقوله تعالى: ﴿وليست التوبة﴾ الآية أن يدخل في حكم التائبين من حضره موته وصار في
حيز اليأس، وحضور الموت هو غاية قربه، كما كان فرعون حين صار في غمرة الماء والغرق، فلم ينفعه ما
أظهر من الإيمان، وبهذا قال ابن عباس وابن زيد وجماعة المفسرين، وقال الربيع: الآية الأولى قوله:
﴿إنما التوبة على الله﴾ هي في المؤمنين، والآية الثانية قوله: ﴿وليست التوبة﴾ الآية نزلت في المسلمين
ثم نسخت بقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦]
فحتم أن لا يغفر للكافر وأرجأ المؤمنين إلى مشيئته لم بيئسهم من المغفرة.
قال القاضي أبو محمد: وطعن بعض الناس في هذا القول بأن الآية خبر، والأخبار لا تنسخ. وهذا
غير لازم، لأن الآية لفظها الخبر، ومعناه تقرير حكم شرعي، فهي نحو قوله تعالى: ﴿وإن تبدوا ما في
أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ [البقرة: ٢٨٤] ونحو قوله تعالى: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون
يغلبوا مائتين﴾ [سورة الأنفال: ٦٥] وإنما يضعف القول بالنسخ من حيث تنبني الآيتان ولا يحتاج إلى تقرير
نسخ، لأن هذه الآية لم تنف أن يغفر للعاصي الذي لم يتب من قريب، فنحتاج أن نقول، إن قوله: ﴿ويغفر
ما دون ذلك﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] نسخها وإنما نفت هذه الآية أن يكون تائباً من لم يتب إلا مع حضور
الموت، فالعقيدة عندي في هذه الآيات: أن من تاب من قريب فله حكم التائب فيغلب الظن عليه أنه ينعم
ولا يعذب، هذا مذهب أبي المعالي وغيره، وقال غيرهم: بل هو مغفور له قطعاً، لإخبار الله تعالى بذلك،
وأبو المعالي يجعل تلك الأخبار ظواهر مشروطة بالمشيئة، ومن لم يتب حتى حضره الموت فليس في حكم
التائبين، فإن كان كافراً فهو يخلد، وإن كان مؤمناً فهو عاص في المشيئة، لكن يغلب الخوف عليه، ويقوي
الظن في تعذيبه، ويقطع من جهة السمع أن من هذه الصنيفة من يغفر الله له تعالى تفضلاً منه ولا يعذبه.
وأعلم الله تعالى أيضاً أن ﴿الذين يموتون وهم كفار﴾ فلا مستعتب لهم ولا توبة في الآخرة، وقوله تعالى:

٢٦
- تفسير سورة النساء / الآية: ١٩.
﴿أولئك أعتدنا لهم عذاباً أليماً﴾ إن كانت الإشارة إلى الذين يموتون وهم كفار فقط، فالعذاب عذاب
خلود، وإن كانت الإشارة إليهم وإلى من ينفذ عليه الوعيد، ممن لا يتوب إلا مع حضور الموت من العصاة
فهو في جهة هؤلاء، عذاب ولا خلود معه، و﴿أعتدنا﴾ معناه: يسرناه وأحضرناه، وظاهر هذه الآية أن النار
مخلوقة بعد.
قوله تعالى :
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْالنِسَآءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلََّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، فَإِن كِرِهْتُمُوهُنَّ فَسَى
١٩
أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا
اختلف المتأولون في معنى قوله تعالى: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً﴾ فقال ابن عباس: كانوا
في الجاهلية إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته من أهلها، إن شاؤوا تزوجها أُحدّهم، وإن شاؤوا
زوجوها من غيرهم، وإن شاؤوا منعوها الزواج، فنزلت الآية في ذلك، قال أبو إمامة بن سهل بن حنيف:
لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فنزلت الآية في
ذلك، ذكر النقاش: أن اسم ولد أبي قيس محصن.
قال القاضي أبو محمد: كانت هذه السيرة في الأنصار لازمة، وكانت في قريش مباحة مع التراضي،
ألا ترى أن أبا عمرو بن أمية، خلف على امرأة أبيه بعد موته، فولدت من أبي عمرو مسافراً وأبا معيط وكان
لها من أمية أبو العيص وغيره، فكان بنو أمية إخوة مسافر وأبي معيط وأعمامهما، وقال بمثل هذا القول الذي
حكيت عن ابن عباس عكرمة والحسن البصري وأبو مجلز، قال عكرمة: نزلت في كبيشة بنت معن
الأنصارية، توفي عنها أبو قيس بن الأسلت، وقال مجاهد: كان الابن الأكبر أحق بامرأة أبيه إذا لم يكن
ولدها، وقال السدي: كان ولي الميت إذا سبق فألقى على امرأة الميت ثوبه، فهو أحق بها، وإن سبقته
فذهبت إلى أهلها كانت أحق بنفسها.
قال القاضي أبو محمد: والروايات في هذا كثيرة بحسب السير الجاهلية، ولا منفعة في ذكر جميع
ذلك، إذ قد أذهبه الله بقوله: ﴿لا يحل لكم) ومعنى الآية على هذا القول: ﴿لا يحل لكم﴾ أن تجعلوا
النساء كالمال، يورَثن عن الرجال الموتى، كما يورث المال، والمتلبس بالخطاب أولياء الموتى، وقال
بعض المتأولين: معنى الآية: ﴿لا يحل لكم﴾ عضل النساء اللواتي أنتم أولياء لهن وإمساكهن دون تزويج
حتى يمتن فتورث أموالهن.
قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا القول فالموروث مالها لا هي، وروي نحو هذا عن ابن عباس
وغيره، والمتلبس بالخطاب أولياء النساء وأزواجهن، إذا حبسوهن مع سوء العشرة طماعية أن يرثها، وقرأ
نافع وأبو عمرو وابن كثير: ((كَرھا)) بفتح الكاف حيث وقع في النساء وسورة التوبة وفي الأحقاف، وقرأ

٢٧
تفسير سورة النساء / الآية: ١٩
حمزة والكسائي جميع ذلك بضم الكاف، وقرأ عاصم وابن عامر في النساء والتوبة بفتح الكاف، وفي
الأحقاف في الموضعين بضمها، والكره والكُره لغتان كالضعف والضعف، والفقر والفقر، قاله أبو علي،
وقال الفراء: هو بضم الكاف المشقة وبفتحها إكراه غير، وقاله ابن قتيبة، واختلف المفسرون في معنى قوله
تعالى: ﴿ولا تعضلوهن) الآية، فقال ابن عباس وغيره: هي أيضاً في أولئك الأولياء الذين كانوا يرثون
المرأة لأنهم كانوا يتزوجونها إذا كانت جميلة، ويمسكونها حتى تموت إذا كانت دميمة، وقال نحوه الحسن
وعكرمة .
قال القاضي أبو محمد: ويجيء في قوله: ﴿آتيتموهن﴾ خلط أي ما آتاها الرجال قبل، فهي كقوله:
﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ [البقرة: ٥٤] وغير ذلك وقال ابن عباس أيضاً: هي في الأزواج، في الرجل يمسك
المرأة ويسيء عشرتها حتى تفتدي منه، فذلك لا يحل له، وقال مثله قتادة، وقال ابن البيلماني: الفصل
الأول من الآية هو في أمر الجاهلية، والثاني في العضل، هو في أهل الإسلام في حبس الزوجة ضراراً
للفدية، وقال ابن مسعود: معنى الآية: لا ترثوا النساء كفعل الجاهلية، ﴿ولا تعضلوهن﴾ في الإسلام، وقال
نحو هذا القول السدي والضحاك، وقال السدي: هذه الآية خطاب للأولياء، كالعضل المنهي عنه في سورة
البقرة .
قال القاضي أبو محمد: وهذا يقلق، إلا أن يكون العضل من ولي وارث، فهو يؤمل موتها، وإن كان
غير وارث فبأي شيء يذهب؟، وقال ابن زيد: هذا العضل المنهي عنه في هذه الآية هو من سير الجاهلية
في قريش بمكة، إذا لم يتوافق الزوجان طلقها على ألا تتزوج إلا بإذنه، ويشهد عليها بذلك، فإذا خطبت
فإن أعطته ورشته وإلا عضل، ففي هذا نزلت الآية.
قال القاضي أبو محمد: والذي أقول: إن العضل في اللغة الحبس في شدة ومضرة، والمنع من
الفرج في ذلك فمن ذلك قولهم: أعضلت الدجاجة وعضلت إذا صعب عليها وضع البيضة، ومنه أعضل
الداء إذا لحج ولم يبرأ، ومنه داء عضال. ومشى عرف الفقهاء على أن العضل من الأولياء في حبس النساء
عن التزويج، وهو في اللغة أعم من هذا حسبما ذكرت، يقع من ولي ومن زوج، وأقوى ما في هذه الأقوال
المتقدمة، أن المراد الأزواج، ودليل ذلك قوله: ﴿إلا أن يأتين بفاحشة﴾ وإذا أتت بفاحشة فليس للولي
حبسها حتى يذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج على ما سنبين بعد إن شاء الله، وكذلك
قوله: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾ إلى آخر الآية يظهر منه تقوية ما ذكرته، وإن حان ذلك يحتمل أن يكون
أمراً منقطعاً من الأول يخص به الأزواج. وأما العضل فمنهي عنه كل من يتصور في نازلة عاضلاً، ومتى
صح في ولي أنه عاضل نظر القاضي في أمر المرأة وزوجها ولم يلتفت، إلا الأب في بناته، فإنه إن كان في
أمره إشكال فلا يعترض قولاً واحداً، وإن صح عضله ففيه قولان في مذهب مالك: أحدهما أنه كسائر
الأولياء: يزوج القاضي من شاء التزويج من بناته وطلبه، والقول الآخر إنه لا يعرض له، ويحتمل قوله:
﴿ولا تعضلوهن﴾ أن يكون جزماً، فتكون الواو عاطفة جملة كلام مقطوعة من الأولى، ويحتمل أن يكون
﴿تعضلوهن﴾ نصباً عطفاً على ﴿ترثوا) فتكون الواو مشركة عاطفة فعل على فعل، وقرأ ابن مسعود: ((ولا
أن تعضلوهن)). فهذه القراءة تقوي احتمال النصب، وأن العضل مما لا يحل بالنص، وعلى تأويل الجزم

٢٨
تفسير سورة النساء / الآية : ١٩
هو نهي معرض لطلب القرائن في التحريم أو الكراهية، واحتمال النسب أقوى، واختلف الناس في معنى
الفاحشة هنا، فقال الحسن بن أبي الحسن: هو الزنا، وإذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفی سنة، وترد إلى
زوجها ما أخذت منه، وقال أبو قلابة: إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي
منه، وقال السدي: إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن، وقال عطاء الخراساني؛ كان هذا الحكم ثم نسخ
بالحدود، وهذا قول ضعيف، وقال ابن عباس رحمه الله: ((الفاحشة)) في هذه الآية البغض والنشوز، وقاله
الضحاك وغيره، قالوا: فإذا نشزت حل له أن يأخذ مالها.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو مذهب مالك، إلا أني لا أحفظ له نصاً في معنى ((الفاحشة)) في
هذه الآية، وقال قوم: ((الفاحشة)) البذاء باللسان وسوء العشرة قولاً وفعلاً، وهذا في معنى النشوة، ومن أأهل
العلم من يجيز أخذ المال من الناشز على جهة الخلع، إلا أنه يرى ألا يتجاوز ما أعطاها ركوناً إلى قوله
تعالى: ﴿لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ وقال مالك وأصحابه وجماعة من أهل العلم: للزوج أن يأخذ من
الناشز جميع ما تملك.
قال القاضي أبو محمد: والزنا أصعب على الزوج من النشوز والأذى، وكل ذلك فاحشة تحل أخذ
المال، وقرأ ابن مسعود: ((إلا أن يفحشن وعاشروهن».
قال القاضي أبو محمد: وهذا خلاف مفرط لمصحف الإمام، وكذلك ذكر أبو عمرو عن ابن عباس
وعكرمة وأبيّ بن كعب، وفي هذا نظر، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية أبي بكر ((مبنيّة)) و((آيات مبيَّنَات))
بفتح الياء فيهما، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وحفص والمفضل عن عاصم: ((مبينة))، و((مبِّنات)) - بكسر
الياء فيهما، وقرأ نافع وأبو عمرو: ((مبيّنة)) بالكسر، و ((مبيَّنات)) بالفتح - وقرأ ابن عباس: ((بفاحشة مبينة)) بكسر
الباء وسكون الياء، من أبان الشيء، وهذه القراءات كلها لغات فصيحة، يقال: بين الشيء وأبان: إذا
ظهر، وبان الشيء وبينته، وقوله تعالى: ﴿وعاشر وهن بالمعروف﴾ أمر للجميع، إذ لكل أحد عشرة، زوجاً
كان أو ولياً، ولكن المتلبس في الأغلب بهذا الأمر الأزواج، والعشرة المخالطة والممازجة، ومنه قول
طرفة: [الرمل]
فَلَيْنْ شَطَّتْ نَوَاهَا مَرَّةً لَعَلَى عَهْدٍ حَبِيبٍ مُعْتَشِرْ
جعل - الحبيب - جمعاً كالخليط والفريق، يقال: عاشره معاشرة، وتعاشر القوم واعتشروا، وأرى
اللفظة من أعشار الجزور، لأنها مقاسمة ومخالطة ومخالفة جميلة، فأمر الله تعالى الرجال بحسن صحبة
النساء، وإلى هذا ينظر قول النبي صلى الله عليه وسلم: فاستمتع بها وفيها عوج، ثم أدب تعالى عباده
بقوله: ﴿فإن كرهتموهن﴾ إلى آخر الآية، قال السدي: الخير الكثير في المرأة الولد، وقال نحوه ابن
عباس.
قال القاضي أبو محمد: ومن فصاحة القرآن العموم الذي في لفظة شيء لأنه يطرد هذا النظر في كل
ما يكرهه المرء مما يجمل الصبر عليه، فيحسن الصبر، إذ عاقبته إلى خير، إذا أريد به وجه الله.

٢٩
تفسير سورة النساء / الآيتان: ٢٠، ٢١
قوله تعالى :
وَإِنْ أَرَدَثُمُ أَسْتِبْدَالَ زَوْجِ مَّكَانَ زَّوْجِ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَ دُهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُ واْمِنْهُ
شَيْئًا أَتَأْخُذُ ونَهُ بُهْتَنَّا وَإِثْمًا مُّبِينًا (٥) وَكَيْفَ تَأْخُذُ ونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى
بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَقًّا غَلِيظًا
٢١
لما مضى في الآية المتقدمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذ المال منها، عقب ذلك
ذكر الفراق الذي سببه الزوج، والمنع من أخذ مالها مع ذلك، فهذا الذي في هذه الآية هو الذي يختص
الزوج بإرادته، واختلف العلماء، إذا كان الزوجان يريدان الفراق، وكان منهما نشوز وسوء عشرة، فقال
مالك رحمه الله: للزوج أن يأخذ منها إذا سببت الفراق، ولا يراعى تسبيبه هو، وقالت جماعة من العلماء:
لا يجوز له أخذ المال إلا أن تنفرد هي بالنشوز وبظلمه في ذلك، وقال بعض الناس: يخرج في هذه الآية
جواز المغالاة بالمهور، لأن الله تعالى قد مثل بقنطار، ولا يمثل تعالى إلا بمباح، وخطب عمر بن الخطاب
فقال: ألا لا تغالوا بمهور نسائكم، فإن الرجل يغالي حتى يكون ذلك في قلبه عداوة للمرأة، يقول:
تجشمت إليك علق القربة أو عرق القربة، فيروى أن امرأة كلمته من وراء الناس فقالت، كيف هذا؟ والله
تعالى يقول: ﴿وآتيتم إحداهن قنطاراً﴾ قال: فأطرق عمر ثم قال: كل الناس أفقه منك يا عمر، ويروى أنه
قال: امرأة أصابت ورجل أخطأ، والله المستعان، وترك الإنكار، وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة
بالمهور لأن التمثيل جاء على جهة المبالغة، كأنه قال: وآتيتم هذا القدر العظيم الذي
لا يؤتيه أحد، وهذا كقوله عليه السلام، من بنى لله مسجداً ولو كمفحص قطاة بنى
الله له بيتاً في الجنة، فمعلوم أنه لا يكون مسجد كمفحص، وقد قال النبي عليه السلام لابن أبي حدرد -
وقد جاء يستعينه في مهره - فسأله عن المهر، فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل، الحديث - فاستقرأ بعض الناس من هذا منع
المغالاة بالمهور.
قال القاضي أبو محمد: وهذا لا يلزم، لأن هذا أحوج نفسه إلى الاستعانة والؤال، وذلك مكروه
باتفاق، وإنما المغالاة المختلف فيها مع الغنى وسعة المال، وقرأ ابن محيصن بوصل ألف ((إحداهن))،
وهي لغة تحذف على جهة التخفيف. ومنه قول الشاعر: [الطويل]
ونَسْمَعُ مِنْ تَحْتِ العَجَاجِ لَهَا زَمْلا
وقول الآخر: [الكامل]
إِنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالِسونِي بُرْقُعا
وقد تقدم القول في قدر القنطار في سورة آل عمران، وقرأ أبو السمال ((منه شيئاً) بفتح الياء
والتنوين، وهي قراءة أبي جعفر، والبهتان: مصدر في موضع الحال، ومعناه: محيراً لشنعته وقبح الأحدوثة
والفعلة فیه.

٣٠
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٢
١٠
ثم وعظ تعالى عباده مذكراً لهم بالمودة التي بين الزوجين الموجبة لحياطة مال المرأة، إذ قد أخذ
منها العوض عما أعطيته، ﴿وكيف﴾ في موضع نصب على الحال و﴿أفضى﴾ معناه: باشر وجاوز أقصى
المجاوزة ومنه قول الشاعر: [الطويل]
٢٠٠
بِلَىَّ وَثَأَىَّ أَفْضَى إلى كُلّ كُثْبَةٍ بَدَا سَيْرُهَا مِنْ ظَاهِرٍ بَعْدَ بَاطِنِ
وفي مثل الناس، فوضى فضاً، أي مختلطون يباشر أمر بعضهم بعضاً وتقول أفضَتْ الحال إلى كذاً
أي صارت إليه، وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم: الإفضاء في هذه الآية الجماع، قال ابن
عباس: ولكن الله كريم يكني، واختلف الناس في المراد بالميثاق الغليظ، فقال الحسن وابن سيرين وقتادة
والضحاك والسدي وغيرهم: هو قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾ [البقرة: ٢٢٩} وقال
مجاهد وابن زيد: الميثاق الغليظ عقدة النكاح، وقول الرجل: نكحت وملكت النكاح ونحوه، فهذه التي بها
تستحل الفروج، وقال عكرمة والربيع: الميثاق الغليظ يفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم: استوصوا
بالنساء خيراً، فإنهن عوان عندكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بنكلام الله، وقال قوم:
الميثاق الغليظ الولد، ومن شاذ الأقوال في هذه الآية، أن بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ
من المختلعة قليل ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق، ومنها أن ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة
بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾.
[البقرة: ٢٢٩].
قال القاضي أبو محمد: وليس في شيء من هذه الآيات ناسخ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضها مع
بعض.
قوله تعالى :
وَلَا تَنكِحُواْ مَانَكَحَ ءَابَآؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةٌ
وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا (٨) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ
وَخَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم
مِّنَ الرَّضَعَةِ وَأُمَّهَتُ نِسَآبِكُمْ
هذه الآية مخاطبة للمؤمنين من العرب في مدة نزول الآية ومعنى الآية: والتحريم الذي بعدها مستقر
على المؤمنين أجمع، وسبب الآية: أن العرب كان منهم قبائل قد اعتادت أن يخلف الرجل على امرأة أبيه،
على ما ذكرناه من أمر أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس، ومن ذلك خبر أبي قيس بن الأسلت، ومن ذلك
صفوان بن أمية بن خلف، تزوج بعد أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب بن أسد، وكانت امرأة أبيه قتل
عنها، ومن ذلك منظور بن زيان، خلف على مليكة بنت خارجة، وكانت عند أبيه زيان بن سيار، إلى كثير
من هذا، وقد كان في العرب من تزوج ابنته، وهو حاجب بن زرارة، تمجس وفعل هذه الفعلة، ذكر ذلك

٣١
تفسير سورة النساء / الآية : ٢٣
النضر بن شميل في كتاب المثالب، فنهى الله المؤمنين عما كان عليه آباؤهم من هذه السير، وقال ابن
عباس: كان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرم، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فنزلت هذه الآية في
ذلك، واختلف المتأولون في مقتضى ألفاظ الآية، فقالت فرقة: قوله: ﴿ما نكح﴾ يراد به النساء. أي لا
تنكحوا النساء اللواتي نكح آباؤكم، وقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ معناه: لكن ما قد سلف فدعوه، وقال
بعضهم المعنى لكن ما قد سلف فهو معفو عنكم لمن كان واقعه، فكأنه قال تعالى ولا تفعلوا حاشا ما قد
سلف، فـ ﴿ما﴾ على هذا القول واقعة على من يعقل من حيث هؤلاء النساء صنف من أصناف من يعقل، وما
تقع للأصناف والأوصاف ممن يعقل، وقالت فرقة: قوله: ﴿ما نكح﴾ يراد به فعل الآباء، أي لا تنكحوا كما
نكح آباؤكم من عقودهم الفاسدة، وقوله: ﴿إلا ما قد سلف﴾ معناه إلا ما تقدم منكم ووقع من تلك العقود
الفاسدة فمباحة لكم الإقامة عليه في الإسلام، إذا كان مما يقرر الإسلام عليه من جهة القرابة، ويجوزه
الشرع أن لو ابتدىء نكاحه في الإسلام على سنته، وقيل: معنى ﴿إلا ما قد سلف﴾ أي فهو معفو عنكم.
قال القاضي أبو محمد: و﴿ما﴾ على هذا مصدرية، وفي قراءة أبيّ بن كعب ((إلا ما قد سلف إلا من
تاب)).
قال القاضي أبو محمد: وكذلك حكاه أبو عمرو الداني، وقال ابن زيد: معنى الآية: النهي عن أن
يطأ الرجل امرأة وطئها الآباء، ((إلا ما قد سلف)) من الآباء في الجاهلية من الزنا، لا على وجه المناكجة،
فذلك جائز لكم زواجهم في الإسلام، لأن ذلك الزنا كان فاحشة ومقتاً، قال ابن زيد: فزاد في هذه الآية
المقت، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل هذه الآية: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل أو لم
يدخل، فهي عليك حرام و﴿كان﴾ في هذه الآية تقتضي الماضي والمستقبل، وقال المبرد: هي زائدة،
وذلك خطأ يرد عليه وجود الخبر منصوباً، والمقت: البغض والاحتقار بسبب رذيلة يفعلها الممقوت، فسمى
تعالى هذا النكاح ﴿مقتاً﴾ إذ هو ذا مقت يلحق فاعله، وقال أبو عبيدة وغيره: كانت العرب تسمي الولد الذي
يجيء من زوج الوالد المقتي، وقوله: ﴿وساء سبيلاً﴾ أي بئس الطريق والمنهج لمن يسلكه، إذ عاقبته إلى
عذاب الله .
وقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم) الآية، حكم حرم الله به سبعاً من النسب، وستاً من بين رضاع
وصهر، وألحقت السنة المأثورة سابعة، وذلك الجمع بين المرأة وعمتها، ومضى عليه الإجماع، وروي عن
ابن عباس أنه قال: حرم من النسب سبع، ومن الصهر سبع، وتلا هذه الآية، وقال عمرو بن سالم مولى
الأنصار: مثل ذلك، وجعل السابعة قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ [النساء: ٢٤]، وتحريم الأمهات عام
في كل حال لا يتخصص بوجه من الوجوه، ويسميه أهل العلم - المبهم - أي لا باب فيه، ولا طريق إليه لانسداد
التحريم وقوته، وكذلك تحريم البنات والأخوات، فالأم كل من ولدت المرء وإن علت والبنت كل من ولدها
وإن سفلت، والأخت كل من جمعه وإياها صلب أو بطن، والعمة أخت الأب، والخالة أخت الأم، كذلك
فيهما العموم والإبهام، وكذلك عمة الأب وخالته، وعمة الأم وخالتها، وكذلك عمة العمة، وأما خالة العمة
فينظر، فإن كانت العمة أخت أب لأم، أو لأب وأم فلا تحل خالة العمة، لأنها أخت الجدة، وإن كانت
العمة إنما هي أخت أب لأب فقط فخالتها أجنبية من بني أخيها، تحل للرجال، ويجمع بينها وبين النساء،

٣٢
تفسير سورة النساء / الآية : ٢٣
وكذلك عمة الخالة ينظر، فإن كانت الخالة أخت أم لأب، فعمتها حرام، لأنها أخت جد، وإن كانت الخالة
أخت أم لأم فقط فعمتها أجنبية من بني أختها، وكذلك في بنات الأخ وبنات الأخت العموم والإبهام، سواء
كانت الأخوة شقيقة. أو لأب أو لأم، وقرأ أبو حيوة ((من الرِّضاعة)) بكسر الراء، والرضاع يحرم ما يحرم
النسب، والمرضعة أم، وما تقدم من أولادها وتأخر إخوة، وفحل اللبن أب، وما تقدم من أولاده وتأخر
إخوة، وقرأ ابن مسعود ((اللاي)) بكسر الياء، وقرأ ابن هرمز ((وأمهاتكم التي)) بالإفراد، كأنه من جهة الإبهام
يقع مع الواحد والجماعة، واختلف الناس في تأويل قوله تعالى: ﴿وأمهات نسائكم) فقال جمهور أهل
العلم: هي تامة العموم فيمن دخل بها أو لم يدخل، فبالعقد على الابنة حرمت الأم، وهذا مذهب جملة
الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قيل له في رجل تزوج امرأة فطلقها
قبل أن يدخل بها أيتزوج أمها؟ قال: نعم، هي بمنزلة الربيبة .
قال القاضي أبو محمد: يريد أن قوله تعالى: ﴿من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾ شرط في
هذه، وفي الربيبة، وروي نحوه عن ابن عباس، وروي عنه کقول الجمهور، وروي عن زيد بن ثابت،
أنه كان يقول: إذا ماتت عنده فأخذ ميراثها كره أن يخلف على أمها، وإن طلقها قبل أن يدخل بها، فإن شاء
فعل، وقال مجاهد: الدخول مراد في النازلتين، وقول جمهور الناس مخالف لهذا القول، وروي في ذلك
عن زيد بن ثابت أنه قال: ﴿أمهات نسائكم﴾ مبهمة، وإنما الشرط في الربائب، وقال ابن جريج: قلت
العطاء: أكان ابن عباس يقرأ ((وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن))؟ فقال لا تترأ، قال حجاج: قلت لابن
جريج: ما تترأ؟ قال كأنه قال، لا لا، ويرد هذا القول من جهة الإعراب أن المجرورين إذا اختلفا لم يكن
نعتهما واحداً، ومعناه: إذا اختلفا في العامل، وهذه الآية قد اختلف فيها جنس العامل.
قوله تعالى :
وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِسَابِكُمُ الَّتِ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِنْ لَّمْ تَكُونُواْ
دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَبِلُ أَبْنَابِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَبِكُمْ
وَأَنْ تَجْمَعُواْ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا: (
(٢٣
الربيبة: بنت امرأة الرجل من غيره، سميت بذلك لأنه يربيها في حجره فهي مربوبته. وربيبة: فعيلة
بمعنى مفعولة، وقوله تعالى: ﴿اللاتي في حجوركم﴾ ذكر الأغلب في هذه الأمور، إذ هي حالة الربيبة في
الأكثر، وهي محرمة وإن كانت في غير الحجر، لأنها في حكم أنها في الحجر، إلا ما روي عن علي أنه
قال: تحل إذا لم تكن في الحجر وإن دخل بالأم، إذا كانت بعيدة عنه، ويقال: حِجَرْ بكسر الحاء وفتحها،
وهو مقدم ثوب الإنسان وما بين يديه منه في حالة اللبس، ثم استعملت اللفظة في الحفظ والستر، لأن
اللابس إنما تحفظ طفلاً وما أشبهه بذلك الموضع من الثوب، واختلف العلماء في معنى قوله: ﴿دخلتم
بهن﴾ فقال ابن عباس وطاوس وابن دينار: الدخول في هذا الموضع الجماع، فإن طلق الرجل بعد البناء
وقبل الوطء، فإن ابنتها له حلال، وقال جمهور من العلماء منهم مالك بن أنس وعطاء بن أبي رباح

٣٣
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٣
وغيرهم: إن التجريد والتقبيل والمضاجعة وجميع أنواع التلذذ يحرم الابنة كما يحرمها الوطء، والحلائل:
جمع حليلة، وهي الزوجة، لأنها تحل مع الرجل حيث حل، فهي فعلية بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج
وقوم: إلى أنها من لفظة الحلال، فهي حليلة بمعنى محللة، وقوله: ﴿الذين من أصلابكم﴾ تخصيص
ليخرج عنه كل من كانت العرب تتبناه ممن ليس للصلب، وكان عندهم أمراً كثيراً قوي الحكم، قال عطاء
ابن أبي رباح: يتحدث - والله أعلم - أنها نزلت في محمد عليه السلام حين تزوج امرأة زيد بن حارثة، فقال
المشركون: قد تزوج امرأة ابنه، فنزلت الآية، وحرمت حليلة الابن من الرضاع وإن لم يكن للصلب
بالإجماع المستند إلى قوله صلى الله عليه وسلم، يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وقوله تعالى:
﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ لفظ يعم الجمع بنكاح وبملك يمين، وأجمعت الأمة على منع
جمعهما بنكاح، وأما بملك يمين، فقال عثمان بن عفان رضى الله عنه: أحلتهما آية، وحرمتهما آية، فأما
أنا في خاصة نفسي فلا أرى الجمع بينهما حسناً، وروي نحو هذا عن ابن عباس، ذكره ابن المنذر، وذكر
أن إسحاق بن راهويه حرم الجمع بينهما بالوطء، وأن جمهور أهل العلم كرهوا ذلك، وجعل مالكاً فيمن
کرهه.
قال القاضي أبو محمد: ولا خلاف في جواز جمعهما في الملك، وكذلك الأم وبنتها، ويجيء من
قول إسحاق أن يرجم الجامع بينهما بالوطء، وتستقرأ الكراهية من قول مالك: إنه إذا وطىء واحدة ثم
وطىء أخرى وقف عنهما حتى يحرم إحداهما فلم يلزمه حداً، واختلف العلماء بعد القول بالمنع من
الجمع بينهما بالوطء، إذا كان يطأ واحدة ثم أراد أن يطأ الأخرى، فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وابن عمر والحسن البصري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يجوز له وطء الثانية حتى يحرم فرج
الأخرى بإخراجها من ملكه، ببيع أو عتق أو بأن يزوجها، قال ابن المنذر: وفيها قول ثان لقتادة، وهو أنه إن
كان يطأ واحدة وأراد وطء الأخرى فإنه ينوي تحريم الأولى على نفسه وأن لا يقربها، ثم يمسك عنها حتى
يستبرىء الأولى المحرمة، ثم يغشى الثانية .
قال القاضي أبو محمد: ومذهب مالك رحمه الله، إذا كان أختان عند رجل يملك، فله أن يطأ أيتهما
شاء، والكف عن الأخرى موكول إلى أمانته، فإن أراد وطء الأخرى فيلزمه أن يحرم على نفسه فرج الأولى
بفعل يفعله، من إخراج عن الملك، أو تزويج، أو عتق إلى أجل، أو إخدام طويل، فإن كان يطأ إحداهما
ثم وثب على الأخرى دون أن يحرم الأولى وقف عنهما ولم يجز له قرب إحداهما حتى يحرم الأخرى، ولم
يبق ذلك إلى أمانته، لأنه متهم فيمن قد وطىء، ولم يكن قبل متهماً إذا كان لم يطأ إلا الواحدة، وإن كانت
عند رجل أمة يطؤها ثم تزوج أختها، ففيها في المذهب ثلاثة أقوال، في النكاح الثالث من المدونة أنه
يوقف عنهما إذا وقع عقد النكاح حتى يحرم إحداهما مع كراهيته لهذا النكاح، إذ هو عقد في موضع لا
يجوز فيه الوطء، وذلك مكروه إلا في الحيض، لأنه أمر غالب كثير، وفي الباب بعينه قول آخر: إن النكاح
لا ينعقد، وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح في الواحدة تحريم لفرج المملوكة، وثبت عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها، وأجمعت الأمة على
ذلك وقد رأى بعض العلماء أن هذا الحديث ناسخ لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾

٣٤
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٤
[النساء: ٢٤] وذلك لأن الحديث من المتواتر، وكذلك قوله عليه السلام، يحرم من الرضاعة ما يحرم من.
النسب، قيل أيضاً إنه ناسخ، وقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ استثناء منقطع، معناه لكن ما قد سلف من
ذلك ووقع وأزاله الإسلام فإن الله يغفره، والإسلام يجبّه.
قوله تعالى :
وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَ لَكُمْ مَّا وَرَآءُ
ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُمْ تُخْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينٌ، فَمَا أُسْتَمْتَعْثُمْ بِهِ، مِنْهُنَّ فَقَاتُوُهُنَّ
ج
أُجُورَهُنَ فَرِيضَةٌ وَلَاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلِيمًا حَكِيمًا لـ
٢٤
قوله عز وجل: ﴿والمحصنات﴾ عطف على المحرمات قبل، والتحصن: التمنع، يقال حصن
المكان: إذا امتنع، ومنه الحصن، وحصنت المرأة: امتنعت بوجه من وجوه الامتناع، وأحصنت نفسها،
وأحصنها غيرها، والإحصان تستعمله العرب في أربعة أشياء، وعلى ذلك تصرفت اللفظة في كتاب الله عز
وجل، فتستعمله في الزواج، لأن ملك الزوجة منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الحرية لأن الإماء كان
عرفهن في الجاهلية الزنا، والحرة بخلاف ذلك، ألا ترى إلى قول هند بنت عتبة للنبي عليه السلام، حين
بايعته، وهل تزني الحرة؟ فالحرية منعة وحفظ، ويستعملون الإحصان في الإسلام لأنه حافظ، ومنه قول
النبي عليه السلام ((الإيمان قيد الفتك)) ومنه قول الهذلي:
ولكنْ أَحَاطَتْ بِالرِّقَابِ السَّلامِلُ
فَلَيْسَ كَعَهْدِ الدَّارِ یَا أمِّ مَالِكٍ
ومنه قول الشاعر:
قالَتْ هَلُمَّ إلى الحَديثِ فَقُلْتُ لا يَأْبِى عَلَيْكِ اللَّهُ والإِسْلامُ
ومنه قول سحيم:
كَفى الشَّيْبُ والإِسْلامُ لِلْمَرْءِ نَاهِیا
ومنه قول أبي حية :
رَمَتْنِي وَسِتْرُ اللّهِ بيني وبينَها
فإن أحد الأقوال في الستر أنه أراد به الإسلام، ويستعملون الإحصان في العفة، لأنه إذا ارتبط بها
إنسان وظهرت على شخص ما وتخلق بها، فهي منعة وحفظ، وحيثما وقعت اللفظة في القرآن فلا تجدها
تخرج عن هذه المعاني، لكنها قد تقوى فيها بعض هذه المعاني دون بعض، بحسب موضع وموضع،
وسيأتي بيان ذلك في أماكنه إن شاء الله .
فقوله في هذه الآية ﴿والمحصنات﴾، قال ابن عباس وأبو قلابة وابن زيد ومكحول والزهري وأبو

٣٥
تفسير سورة النساء / الآية : ٢٤
سعيد الخدري: هن ذوات الأزواج، أي هن محرمات، إلا ما ملكت اليمين بالسبي، من أرض الحرب، فإن
تلك حلال الذي تقع في سهمه، وإن كان لها زوج، وروى أبو سعيد الخدري: أن الآية نزلت بسبب أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى أوطاس فلقوا عدواً وأصابوا سبياً لهن أزواج من المشركين،
فتأثم المسلمون من غشيانهن، فنزلت الآية مرخصة، وقال عبد الله بن مسعود وسعيد بن المسيب والحسن
ابن أبي الحسن وأبيّ بن كعب وجابر بن عبد الله وابن عباس أيضاً: معنى ﴿المحصنات﴾ ذوات الأزواج،
فهن حرام إلا أن يشتري الرجل الأمة ذات الزوج، فإن بيعها طلاقها، وهبتها طلاقها والصدقة بها طلاقها،
وأن تعتق طلاقها، وأن تورث طلاقها، وتطليق الزوج طلاقها، وقال ابن مسعود: إذا بيعت الأمة ولها زوج
فالمشتري أحقّ ببضعها، ومذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء أن انتقال الملك في الأمة لا يكون طلاقاً، ولا
طلاق لها إلا الطلاق، وقال قوم: ﴿المحصنات) في هذه الآية العفائف، أي كل النساء حرام، وألبسهن اسم
الإحصان، إذ الشرائع في أنفسها تقتضي ذلك، ﴿إلا ما ملكت أيمانكم) قالوا: معناه بنكاح أو شراء، كل
ذلك تحت ملك اليمين، قال بهذا القول أبو العالية وعبيدة السلماني وطاوس وسعيد بن جبير وعطاء، ورواه
عبيدة عن عمر رضي الله عنه، وقال ابن عباس: ﴿المحصنات﴾ العفائف من المسلمين ومن أهل الكتاب.
قال القاضي أبو محمد: وبهذا التأويل يرجع معنى الآية إلى تحريم الزنا، وأسند الطبري عن عروة أنه
قال في تأويل قوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾: هن الحرائر، ويكون ﴿إلا ما ملكت أيمانكم) معناه بنكاح،
هذا على اتصال الاستثناء، وإن أريد الإماء فيكون الاستثناء منقطعً، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه
قال: كان نساء يأتيننا مهاجرات، ثم يهاجر أزواجهن فمنعناهن بقوله تعالى: ﴿والمحصنات﴾ الآية.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول يرجع إلى ما قد ذكر من الأقوال، وأسند الطبري أن رجلاً قال
لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين سئل عن هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء﴾ فلم يقل فيها
شيئاً؟ فقال سعيد: كان ابن عباس لا يعلمها، وأسند أيضاً عن مجاهد أنه قال: لو أعلم من يفسر لي هذه
الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله: ﴿والمحصنات) إلى قوله: ﴿حكيماً﴾.
قال القاضي أبو محمد: ولا أدري كيف نسب هذا القول إلى ابن عباس ولا كيف انتهى مجاهد إلى
هذا القول؟ وروي عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية ﴿والمحصنات من النساء﴾ فقال: يروى أنه حرم
في هذه الآية ذوات الأزواج والعفائف من حرائر ومملوكات، ولم يحل شيئاً من ذلك إلا بالنكاح أو الشراء
والتملك، وهذا قول حسن عمم لفظ الإحسان ولفظ ملك اليمين، وعلى هذا التأويل يتخرج عندي قول
مالك في الموطأ، فإنه قال: هن ذوات الأزواج، وذلك راجع إلى أن الله حرم الزنا، ففسر الإحصان
بالزواج، ثم عاد عليه بالعفة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر وحمزة، ((والمحصنات))
بفتح الصاد في كل القرآن، وقرأ الكسائي كذلك في هذا الموضع وحده، وقرأ سائر ما في القرآن
المحصنات بكسر الصاد ((ومحصِنات)) كذلك، وروي عن علقمة أنه قرأ جميع ما في القرآن بكسر الصاد،
ففتح الصاد هو على معنى أحصنهن غيرهن من زوج أو إسلام أو عفة أو حرية وكسر الصاد هو على معنى
أنهن أحصنَّ أنفسهن بهذه الوجوه أو ببعضها، وقرأ يزيد بن قطيب ((والمحصُنات)) بضم الصاد، وهذا على
إتباع الضمة الضمة، وقرأ جمهور الناس ((كتاب الله)) وذلك نصب على المصدر المؤكد، وقرأ أبو حيوة

٣٦
تفسير سورة النساء / الآية : ٢٤
ومحمد بن السميفع اليماني («كَتَّبَ اللهُ عليكم)» على الفعل الماضي المسند إلى اسم الله تعالى، وقال
عبيدة السلماني وغيره: قوله: ﴿كتاب الله عليكم) إشارة إلى ما ثبت في القرآن من قوله: ﴿مثنى وثلاث
ورباع﴾ [النساء: ٤] وفي هذا بعد، والأظهر أن قوله ﴿كتاب الله عليكم﴾ إنما هو إشارة إلى التحريم الحاجز
بين الناس وبين ما كانت العرب تفعله، واختلفت عبارة المفسرين في قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء
ذلكم) فقال السدي: المعنى وأحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا بأموالكم، على وجه النكاح، وقال
نحوه عبيدة السلماني، وقال عطاء وغيره: المعنى ((وأحل لكم ما وراء)) من حرم من سائر القرابة، فهن
حلال لكم تزويجهن، وقال قتادة: المعنى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ من الإماء.
قال القاضي أبو محمد: ولفظ الآية یعم جمیع هذه الأقوال، وقرأ ابن کثیر ونافع وأبو عمرو وابن عامر
(وأُحَل لكم)) بفتح الألف والحاء، وهذه مناسبة لقوله ﴿كتاب الله﴾ إذ المعنى كتب الله ذلك كتاباً، وقرأ حمزة
والكسائي ((وأحل)) بضم الهمزة وكسر الحاء وهذه مناسبة لقوله: ﴿حرمت عليكم﴾ والوراء في هذه الآية ما
يعتبر أمره بعد اعتبار المحرمات، فهن وراء أولئك بهذا الوجه، و﴿ أن تبتغوا بأموالكم﴾، لفظ يجمع التزوج
والشراء و﴿أن﴾ في موضع نصب، وعلى قراءة حمزة في موضع رفع، ويحتمل النصب بإسقاط الباء،
و﴿محصنين﴾، معناه متعففين أي تحصنون أنفسكم بذلك ﴿غير مسافحين﴾، أي غير زناة، والسفاح: الزنا، وهو.
مأخوذ من سفح الماء أي صبه وسيلانه، ولزم هذا الاسم الزنا ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم حين
سمع الدفاف في عرس: هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر، واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿فما
استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة﴾ فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم: المعنى
فإذا استمتعتم بالزوجة ووقع الوطء ولو مرة فقد وجب إعطاء الأجر، وهو المهر كله، ولفظة (فما﴾ تعطي أن
بيسير الوطء يجب إيتاء الأجر، وروي عن ابن عباس أيضاً ومجاهد والسدي وغيرهم: أن الآية في نكاح
المتعة، وقرأ ابن عباس وأبيّ بن كعب وسعيد بن جبير، ((فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهنَّ
أجورهن)) وقال ابن عباس لأبي نضرة: هكذا أنزلها الله عز وجل، وروى الحكم بن عتيبة، أن علياً رضي
الله عنه قال: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقيّ، وقد كانت المتعة في صدر الإسلام، ثم نهى
عنها النبي عليه السلام، وقال ابن المسيب: نسختها آية الميراث، إذ كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل
قول الله تعالى: ﴿يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق: ١] وقالت عائشة: نسخها
قوله: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم﴾ ولا زوجية مع الأجل ورفع الطلاق، والعدة،
والميراث، وكانت: أن يتزوج الرجل المرأة بشاهدين وإذن الولي إلى أجل مسمى، وعلى أن لا ميراث
بينهما، ويعطيها ما اتفقا عليه، فإذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وتستبرىء رحمها لأن الولد لاحق
فيه بلا شك، فإن لم تحمل حلت لغيره.
قال القاضي أبو محمد: وفي كتاب النحاس: في هذا خطأ فاحش في اللفظ، يوهم أن الولد لا
يلحق في نكاح المتعة، وحكى المهدوي عن ابن المسيب: أن نكاح المتعة كان بلا ولي ولا شهود، وفيما
حكاه ضعف، و﴿فريضة﴾ نصب على المصدر في موضع الحال، واختلف المفسرون في معنى قوله: ﴿ولا
جناح عليكم﴾ الآية، فقال القائلون بأن الآية المتقدمة أمر بإيتاء مهور النساء إذا دخل بهن: إن هذه إشارة

٣٧
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٥
إلى ما يتراضى به من حط أو تأخير بعد استقرار الفريضة، فإن ذلك الذي يكون على وجه الرضا جائز
ماض، وقال القائلون بأن الآية المتقدمة هي أمر المتعة: إن الإشارة بهذه إلى أن ما تراضيا عليه من زيادة
في مدة المتعة وزيادة في الأجر جائز سائغ، وباقي الآية بين
قوله تعالى :
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَتِ الْمُؤْمِنَتِ فَمِن ◌َا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
مِّن فَنَيَتِّكُمُ الْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَنِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضِ
قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وابن زيد ومالك بن أنس في المدونة، الطول هنا
السعة في المال، وقال ربيعة وإبراهيم النخعي: الطول هنا الجلد والصبر لمن أحب أمة وهويها حتى صار
لذلك لا يستطيع أن يتزوج غيرها، فإن له أن يتزوج الأمة إذا لم يملك هواها، وإن كان يجد سعة في
المال لنكاح حرة، ثم يكون قوله تعالى: ﴿لمن خشي العنت﴾ على هذا التأويل بياناً في صفة عدم الجلد،
وعلى التأويل الآخر يكون تزوج الأمة معلقاً بشرطين: عدم السعة في المال وخوف العنت، فلا يصح إلا
باجتماعهما، وهذا هو نص مذهب مالك في المدونة من رواية ابن نافع وابن القاسم وابن وهب وابن زياد.
ان الحر لا يتزوج الأمة على حال إلا ألا يجد سعة في المال لمهر حرة، وأن يخشى العنت مع ذلك، وقال
مالك في كتاب محمد: إذا وجد المهر ولكنه لا يقدر على النفقة فإنه لا يجوز له أن يتزوج أمة، وقال
أصبغ: ذلك جائز، إذ نفقة الأمة على أهلها إذا لم يضمها إليه، وقال مطرف وابن الماجشون: لا يحل للحر
أن ينكح أمة، ولا يقر إن وقع، إلا أن يجتمع الشرطان كما قال الله تعالى، وقاله أصبغ، قال: وقد كان ابن
القاسم يذكر أنه سمع مالكاً يقول: نكاح الأمة حلال في كتاب الله عز وجل.
قال القاضي أبو محمد: وهو في المدونة، وقال سحنون في غيرها: ذلك في قوله تعالى: ﴿وانكحوا
الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النور: ٣٢]. وقاله ابن مزين.
قال القاضي أبو محمد: وليس في الآية ما يلزم منه تحليل الأمة لحر دون الشرطين، وقال مالك في
المدونة: ليست الحرة بطول تمنع من نكاح الأمة إذا لم يجد سعة لأخرى وخاف العنت، وقال في كتاب
محمد: ما يقتضي أن الحرة بمثابة الطول، قال الشيخ أبو الحسن اللخمي: وهو ظاهر القرآن، وروي نحو
هذا عن ابن حبيب، وقاله أبو حنيفة: فمقتضى هذا أن من عنده حرة فلا يجوز له نكاح أمة، وإن عدم السعة
وخاف العنت، لأنه طالب شهوة وعنده امرأة، وقال به الطبري واحتج له، و ﴿طولاً ﴾ - يصح في إعرابه أن يكون
مفعولاً بالاستطاعة، و﴿أن ينكح﴾ في موضع نصب بدل من قوله ﴿طولاً﴾ أو في موضع نصب بتقدير لأن
ينكح، وفي هذا نظر، ويصح أن يكون ﴿طولاً﴾ نصباً على المصدر، والعامل فيه الاستطاعة لأنها بمعنى
يتقارب، و﴿أن ينكح﴾ على هذا مفعول بالاستطاعة أو بالمصدر، تقول: طال الرجل طولاً بفتح الطاء إذا
تفضل ووجد واتسع عرفه، و﴿طولاً﴾ بضم الطاء في ضد القصر ﴿والمحصنات﴾ في هذا الموضع الحرائر،
يدل على ذلك التقسيم بينهن وبين الإماء، وقالت فرقة: معناه العفائف وهو ضعيف لأن الإماء يقعن تحته،

٣٨
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٥
وقد تقدم الذكر للقراءة في ﴿المحصنات﴾، و﴿المؤمنات﴾ صفة، فأما من يقول في الرجل يجد طولاً لحرة
كتابية لا لمؤمنة: إنه يمتنع عن نكاح الإماء، فهي صفة غير مشترطة، وإنما جاءت لأنها مقصد النكاح، إذ
الأمة مؤمنة، وهذا هو المذهب المالكي، نص عليه ابن الماجشون في الواضحة ومن قال في الرجل لا يجد
طولاً إلا الكتابية: إنه يتزوج الأمة إن شاء، فصفة ﴿المؤمنات﴾ عنده في الآية مشترطة في إباحة نكاح الإماء،
والمسألة مختلف فيها حسبما ذكرناه، و﴿ما﴾ في قوله: ﴿فمن ما ملكت أيمانكم) يصح أن تكون مصدرية،
تقديره: فمن ملك أيمانكم ويصح أن يراد بها النوع المملوك، فهي واقعة عليه، والفتاة - وإن كانت واقعة
في اللغة على الشابة أية كانت، فعرفها في الإماء، وفتى - كذلك، وهذه المخاطبات بالكاف والميم عامة،
أي: منكم الناكحون ومنكم المالكون، لأن الرجل ينكح فتاة نفسه، وهذا التوسع في اللغة كثير،
و﴿المؤمنات﴾ في هذا الموضع صفة مشترطة عند مالك وجمهور أصحابه، لأنهم يقولون: لا يجوز زواج أمة
غير مسلمة بوجه، وقالت طائفة من أهل العلم منهم أصحاب الرأي: نكاح الأمة الكتابية جائز، وقوله
﴿المؤمنات﴾ على جهة الوجه الفاضل، واحتجوا بالقياس على الحرائر، وذلك أنه لما لم يمنع قوله
﴿المؤمنات﴾ في الحرائر من نكاح الكتابيات الحرائر، فكذلك لا يمنع قوله ﴿المؤمنات﴾ في الإماء من نكاح
الكتابيات الإماء، وقال أشهب في المدونة: جائز للعبد المسلم أن يتزوج أمة كتابية.
قال القاضي أبو محمد: فالمنع عنده أن يفضل الزوج في الحرية والدين معاً، وقوله تعالى: ﴿والله
أعلم بإيمانكم﴾ معناه: أن الله عليم ببواطن الأمور ولكم ظواهرها، فإذا كانت الفتاة ظاهرها الإيمان
فنكاحها صحيح، وعلم باطنها إلى الله، وإنما هذا لئلا يستريب متحير بإيمان بعض الإماء، كالقريبة عهد
بالسباء، أو كالخرساء وما أشبهه. وفي اللفظ أيضاً تنبيه على أنه ربما كان إيمان أمة أفضل من إيمان بعض
من الحرائر، أي: فلا تعجبوا بمعنى الحرية، وقوله: ﴿بعضكم من بعض﴾ قالت طائفة: هو رفع على
الابتداء والخبر، والمقصد بهذا الكلام، أي إنكم أيها الناس سواء بنو الحرائر وبنو الإماء، أكرمكم عند الله
أتقاكم، فهذه توطئة لنفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأمة، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها، أعلموا
مع ذلك أن ذلك التهجين لا معنى له، وقال الطبري: هو رفع بفعل تقديره: فلينكح مما ملكت ((أيمانكم
بعضكم من بعض)) فعلى هذا في الكلام تقديم وتأخير. وهذا قول ضعيف.
قوله تعالى :
1 ..
فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَتٍ غَيْرَ مُسَفِحَتٍ وَلَا
مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَتِ
مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُواْ خَيْرٌلَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (هـ
قوله: ﴿بإذن أهلهن﴾ معناه: بولاية أربابهن المالكين، وقوله: ﴿وآتوهن أجورهن﴾ يعني مهورهن،
قاله ابن زيد وغيره، و﴿بالمعروف﴾ معناه: بالشرع والسنة، وهذا يقتضي أنهن أحق بمهورهن من السادة،
وهو مذهب مالك قال في كتاب الرهون: ليس للسيد أن يأخذ مهر أمته ويدعها بلا جهاز. قال سحنون في

٣٩
تفسير سورة النساء / الآية: ٢٥
غير المدونة: كيف هذا؟ وهو لا يبوئه معها بيتاً. وقال بعض الفقهاء: معنى ما في المدونة: أنه بشرط
التبوئة، فعلى هذا لا يكون قول سحنون خلافاً و﴿محصنات﴾ وما بعده حال، فالظاهر أنه بمعنى عفيفات
إذ غير ذلك من وجوه الإحصان بعيد إلا مسلمات فإنه يقرب، والعامل في الحال ﴿فانكحوهن﴾ ويحتمل أن
يكون ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾ كلاماً تاماً، ثم استأنف ((وآتوهن أجورهن مزوجات غير مسافحات))،
فيكون العامل ﴿وآتوهن﴾، ويكون معنى الإحصان: التزويج، و((المسافحات)) من الزواني: المبتذلات
اللواتي هن سوق للزنا، ((ومتخذات الأخدان)): هن المتسترات اللواتي يصحبن واحداً واحداً ويزنين
خفية، وهذان كانا نوعين في زنا الجاهلية، قاله ابن عباس وعامر الشعبي والضحاك وغيرهم، وأيضاً فهو
تقسيم عقلي لا يعطي الوجود إلا أن تكون الزانية إما لا ترد يد لامس وإما أن تختص من تقتصر عليه، وقوله
تعالى: ﴿فإذا أحصنَّ﴾ الآية قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ((أحصن)) على بناء الفعل للمفعول،
وقرأ حمزة والكسائي على بناء الفعل للفاعل، واختلف عن عاصم، فوجه الكلام أن تكون القراءة الأولى
بالتزوج، والثانية بالإسلام أو غيره مما هو من فعلهن، ولكن يدخل كل معنى منهما على الآخر، واختلف
المتأولون فيما هو الإحصان هنا، فقال الجمهور: هو الإسلام، فإذا زنت الأمة المسلمة حدت نصف حد
الحرة - وإسلامها هو إحصانها الذي في الآية، وقالت فرقة: إحصانها الذي في الآية هو التزويج لحر، فإذا
زنت الأمة المسلمة التي لم تتزوج فلا حد عليها، قاله سعيد بن جبير والحسن وقتادة، وقالت فرقة:
الإحصان - في الآية التزوج، إلا أن الحد واجب على الأمة المسلمة بالسنة، وهي الحديث الصحيح في
مسلم والبخاري، أنه قيل: يا رسول الله، الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فأوجب عليها الحد. قال الزهري:
فالمتزوجة محدودة بالقرآن والمسلمة غير المتزوجة محدودة بالحديث.
قال القاضي أبو محمد: وهذا الحديث والسؤال من الصحابة يقتضي أنهم فهموا من القرآن أن معنى
﴿أحصنَّ﴾ تزوجن، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك يقتضي تقرير المعنى ومن أراد أن يضعف
قول من قال: إنه الإسلام بأن الصفة لهن بالإيمان قد تقدمت وتقررت فذلك غير لازم، لأنه جائز أن يقطع
في الكلام ويزيد، فإذا كن على هذه الحالة المتقدمة من الإيمان ﴿فإن أتين بفاحشة فعليهن﴾، وذلك سائغ
صحيح، والفاحشة هنا: الزنى بقرينة إلزام الحد، و﴿المحصنات﴾ في هذه الآية الحرائر، إذ هي الصفة
المشروطة في الحد الكامل، والرجم لا يتنصف، فلم يرد في الآية بإجماع، ثم اختلف، فقال ابن عباس
والجمهور: على الأمة نصف المائة لا غير ذلك، وقال الطبري وجماعة من التابعين: على الأمة نصف
المائة ونصف المدة، وهي نفي ستة أشهر، والإشارة بذلك إلى نكاح الأمة، و﴿العنت﴾ في اللغة: المشقة،
وقالت طائفة: المقصد به هاهنا الزنا، قاله مجاهد: وقال ابن عباس: ما ازلحف ناكح الأمة عن الزنا إلا
قريباً، قال: و﴿العنت﴾ الزنا، وقاله عطية العوفي والضحاك، وقالت طائفة: الإثم، وقالت طائفة: الحد.
قال القاضي أبو محمد: والآية تحتمل ذلك كله، وكل ما يعنت عاجلًا وآجلاً. وقوله تعالى: ﴿وأن
تصبروا خير لكم﴾ يعني عن نكاح - الإماء - قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي وابن عباس رضي الله
عنهما، وهذا ندب إلى الترك، وعلته ما يؤدي إليه نكاح الإماء من استرقاق الولد ومهنتهن، وهذه الجملة
ابتداء وخبر تقديره: وصبركم خير لكم ﴿والله غفور﴾، أي لمن فعل وتزوج.

٤٠
تفسير سورة النساء / الآيات: ٢٦ - ٢٨
قوله تعالى :
يُرِدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اُلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيهُ
حَكِيمُ هَا وَاَللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا
٢٨
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ اُلْإِنِسَنُ ضَعِيفًا
عَظِيمًا ®ـ
اختلف النحاة في اللام من قوله: ﴿ليبين﴾ فمذهب سيبويه رحمه الله: أن التقدير ((لأن يبين)»
والمفعول مضمر، تقديره: يريد الله هذا، فإن كانت لام الجر أولام كي فلا بد فيهما من تقدير ((أن)) لأنهما
لا يدخلان إلا على الأسماء وقال الفراء والكوفيون: اللام نفسها بمنزلة ((أن)) وهو ضعيف، ونظير هذه اللام
قول الشاعر: [الطويل]
أريدُ لأنسی ذكرها
وقال بعض النحاة: التقدير إرادتي لأنسى. ﴿ویهدیکم﴾ بمعنی: یرشدكم، لا یتوجه غير ذلك،
بقرينة السنن، والـ ﴿سنن﴾: الطرق ووجوه الأمور وأنحاؤها.
قال القاضي أبو محمد: ويظهر من قوة هذا الكلام أن شرعتنا في المشروعات كشرعة من قبلنا،
وليس ذلك كذلك، وإنما هذه الهداية في أحد أمرين، إما في أنّا خوطبنا في كل قصة نهياً وأمراً، كما
خوطبوا هم أيضاً في قصصهم، وشرع لنا كما شرع لهم، فهدينا سننهم في ذلك، وإن اختلفت أحكامنا
وأحكامهم، والأمر الثاني أن هدينا سنتهم في أن أطعنا وسمعنا كما سمعوا وأطاعوا، فوقع التماثل من هذه
الجهة، والذين من قبلنا: هم المؤمنون في كل شريعة، وتوبة الله على عبده هي رجوعه به عن المعاصي
إلى الطاعات وتوفيقه له، وحسن ﴿عليم﴾ هنا بحسب ما تقدم من سنن الشرائع وموضع المصالح
و﴿حكيم﴾ أي مصيب بالأشياء مواضعها بحسب الحكمة والإتقان.
وتكرار إرادة الله تعالى التوبة على عباده تقوية للإخبار الأول، وليس المقصد في هذه الآية إلا الإخبار
عن إرادة الذين يتبعون الشهوات، فقدمت إرادة الله توطئة، مظهرة لفساد إرادة متبعي الشهوات، واختلف
المتأولون في متبعي الشهوات، فقال مجاهد: هم الزناة، وقال السدي: هم اليهود والنصارى، وقالت
فرقة: هم اليهود خاصة، لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب، وقال ابن زيد:
.-
ذلك على العموم في هؤلاء، وفي كل متبع شهوة، ورجحه الطبري، وقرأ الجمهور ((ميْلاً)) بسكون الياء،
وقرأ الحسن بن أبي الحسن ((مَيلًا)) بفتح الياء.
وقوله تعالى: ﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك
نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي لما علمنا ضعفكم عن
الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد وطاوس، وقال طاوس: ليس
يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.