النص المفهرس
صفحات 481-500
٤٨١ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٩٨، ٩٩ لهم، على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأوس والخزرج، وهم في مجلس يتحدثون، فغاظه ما رأى من جماعتهم، وصلاح ذات بينهم، بعد ما كان بينهم من العداوة فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد، والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من يهود، فقال أمد إليهم، واجلس معهم، وذكرهم يوم بعاث، وما كان قبله من أيام حربهم، وأنشدهم ما قالوه من الشعر في ذلك، ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك فتفاخروا وتنازعوا، حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قيظي، أحد بني حارثة بن الحارث من الأوس، وجبار بن صخر من الخزرج، فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها الآن جذعة، فغضب الفريقان: وقالوا: قد فعلنا السلاح السلاح، موعدكم الظاهرة، يريدون الحرة، فخرجوا إليها، وتحاوز الناس على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين، فقال: يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، ووعظهم فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان، فألقوا السلاح وبكوا وعانق الناس بعضهم بعضاً من الأوس والخزرج، وانصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، سامعين مطيعين فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع هذه الآيات، وقال الحسن وقتادة والسدي: إن هذه الآيات نزلت في أحبار اليهود الذين كانوا يصدون المسلمين عن الإسلام، بأن يقولوا لهم، إن محمداً ليس بالموصوف في كتابنا . قال الفقيه الإمام: ولا شك في وقوع هذين السببين وما شاكلهما من أفعال اليهود وأقوالهم، فنزلت الآيات في جميع ذلك و((صد)) معناه: أعرض عن الشيء وانصرف عنه، وهو فعل يقف ويتعدى بلفظ واحد، تقول: صددت عن كذا، وصددت غيري عنه، فالذي في هذه الآية هو الفعل المتعدي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((تُصِدون)) بضم التاء وكسر الصاد، وهذا هو الفعل الواقف، نقل بالهمزة فعدي، و﴿سبيل الله﴾ في هذه الآية، هو الإسلام الذي هو طريق إلى رضى الله وجنته، و﴿من﴾ مفعولة بـ ﴿تصدون﴾ والضمير في ﴿تبغونها﴾ عائد على السبيل، ومعنى («تبغون)) على ما فسر الزجّاج والطبري وغيرهما: تطلبون فالمعنى تطلبون لها العوج، أي الاعوجاج والانفساد، تقول العرب: أبغني كذا بألف موصولة، بمعنى اطلبه لي، فإذا أرادوا أعني على طلبه واطلبه معي، قطعوا الألف مفتوحة وقيل: إن تبغون هنا، من البغي الذي هو التعدي، أي تبغون عليها، ويكون، ﴿عوجاً﴾ على هذا التأويل نصبه على الحال من الضمير في ((تبغون)) أي ((عوجاً)) منكم وعدم استقامة، والعوج بكسر العين: ما كان في الأمور والحجج غير الأجرام، والعَوج بفتح العين، ما كان في الأجرام، كالجدار والعصا ونحو ذلك، قال ابن قتيبة: والأرض خاصة من الأجرام يقال فيها: عِوج بكسر العين، ومنه قول الله تعالى: ﴿لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً﴾ [طه: ١٠٧] قال بعض اللغويين هما لغتان بمعنى واحد، وقوله تعالى: ﴿وأنتم شهداء﴾، يريد جمع شاهد، على ما في التوراة من صفة محمد وصدقه، وباقي الآية وعید. قوله تعالى : يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُوْ أَفَرِبِقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ يَرُدُوكُمْ بَعْدَ إِمَنَّكُمْ كَفِرِينَ ﴿ وَكَيْفَ ٤٨٢ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٠٠ - ١٠٣ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ ءَايَتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْنَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُذِىَ إِلَى صِرَاطٍ ١٠١ مُسْنَقِيم الخطاب بقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ عام في المؤمنين، والإشارة بذلك - وقت نزوله - إلى الأوس والخزرج بسبب نائرة شاس بن قيس، و((الفريق)) - الجماعة من الناس والمراد بها هنا الأحبار والرؤوس، و﴿يردوكم﴾ معناه: بالإضلال والتشكيك والمخادعة وإظهار الغش في معرض النصح، ثم وقف تعالى المؤمنين على هذا الأمر المستبعد المستشنع الذي يريده بهم اليهود، فقال ﴿وكيف تكفرون وأنتم﴾ بهذه الأحوال الموصوفة؟ و﴿كيف﴾ في موضع نصب على الحال، كما هي في قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم﴾ [البقرة: ٢٨] والمعنى أجاحدين تكفرون؟ أجاهلين أمستخفين أمرتدين؟ ونحو هذا من التقدير والواو في قوله: ﴿وكيف تكفرون﴾ عاطفة جملة كلام على جملة كلام، ولا يجوز أن تكون ﴿كيف﴾ في هذه الآية كما هي في قولك، كيف تفعل كذا، وأنت تسأل عن شيء ثابت الوقوع متحصلة، لأنه كان يلزم أن يكون كفر المؤمنين مقرراً مثبت الوقوع، وتأمل معنى ﴿كيف﴾ إذا وليها فعل، ومعناها إذا وليها اسم، وقرأ جمهور الناس ((تتلى)) بالتاء من فوق، وقرأ الحسن: (يتلى)) بالياء إذ الآيات هي القرآن، وقوله تعالى: ﴿وفيكم﴾ هي ظرفية الحضور والمشاهدة لشخصه عليه السلام، وهو في أمته إلى يوم القيامة، بأقواله وآثاره، و﴿يعتصم﴾ معناه: يتمسك ويستذري، وعصم الشيء إذا منع وحمي، ومنه قوله ﴿يعصمني من الماء﴾ [هود: ٤٣] والعصم الأسباب التي يمتّ بها، ويعتصم من الخيبة في الغرض المطلوب، وقال الأعشى: [المتقارب] إلى الْمَرْءِ قَيْسَ أُطِيلُ السُّرى وآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عِصَمْ وتصرف اللفظة كثير جداً، وباقي الآية بيّن، والله المستعان . قوله تعالى : وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ ١٠٢ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ الخطاب بهذه الآية يعم جميع المؤمنين، والمقصود به وقت نزولها الأوس والخزرج الذين شجر بينهم بسعاية شاس بن قيس ما شجر، و((تقاة) مصدر وزنه فعلة، أصله تقية، وقد تقدم قوله: إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويصح أن تكون التقاة في هذه الآية جمع فاعل وإن كان لم يتصرف منه فيكون كرماة ورام، أو يكون جمع تقي إذ فعيل وفاعل بمنزلة، والمعنى على هذا: اتقوا الله كما يحق أن يكون متقوه المختصون به، ولذلك أضيفوا إلى ضمير الله تعالى، واختلف العلماء في قوله: ﴿حق تقاته﴾ فقالت فرقة: نزلت الآية على عموم لفظها، وألزمت الأمة أن تتقي الله غاية التقوى حتى لا يقع إخلال في شيء من الأشياء، ثم إن الله نسخ ذلك عن الأمة بقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ [التغابن: ١٦] وبقوله: ﴿لا يكلف الله ٤٨٣ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٠٢، ١٠٣ نفساً إلا وسعها﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال ذلك قتادة والسدي والربيع بن أنس وابن زيد وغيرهم، وقالت جماعة من أهل العلم: لا نسخ في شيء من هذا، وهذه الآيات متفقات، فمعنى هذه: اتقوا الله حقَّ تقاته فيما استطعتم، وذلك أن ﴿حق تقاته﴾ هو بحسب أوامره ونواهيه، وقد جعل تعالى الدين يسراً، وهذا هو القول الصحيح، وألا يعصي ابن آدم جملة لا في صغيرة ولا في كبيرة، وألا يفتر في العبادة أمر متعذر في جبلة البشر، ولو كلف الله هذا لكان تكليف ما لا يطاق، ولم يلتزم ذلك أحد في تأويل هذه الآية، وإنما عبروا في تفسير هذه الآية بأن قال ابن مسعود رضي الله عنه: ﴿حق تقاته): هو أن يطاع فلا يعصى، ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، وكذلك عبر الربيع بن خيثم وقتادة والحسن، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: معنى قوله، ﴿واتقوا الله حق تقاته﴾: جاهدوا في الله حق جهاده ولا نسخ في الآية، وقال طاوس في معنى قوله تعالى: ﴿اتقوا الله حق تقاته): يقول تعالى، إن لم تتقوه ولم تستطيعوا ذلك فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، وقوله تعالى: ﴿ولا ثموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ معناه: دوموا على الإسلام حتى يوافيكم الموت وأنتم عليه. هكذا هو وجه الأمر في المعنى، وجاءت العبارة على هذا النظم الرائق الوجيز، ونظيره ما حكى سيبويه من قولهم: لا أرينك هاهنا، وإنما المراد: لا تكن هاهنا فتكون رؤيتي لك، و﴿مسلمون﴾ في هذه الآية، هو المعنى الجامع التصديق والأعمال، وهو الدين عند الله وهو الذي بني على خمس. وقوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ معناه تمنعوا وتحصنوا به، فقد يكون الاعتصام بالتمسك باليد، وبارتقاء القنن، وبغير ذلك مما هو منعة، ومنه الأعصم في الجبل، ومنه عصمة النكاح، و((الحبل)) في هذه الآية مستعار لما كان السبب الذي يعتصم به، وصلة ممتدة بين العاصم والمعصوم، ونسبة بينهما، شبه ذلك بالحبل الذي شأنه أن يصل شيئاً بشيء، وتسمى العهود والمواثيق حبالاً، ومنه قول الأعشى : وإِذَا تَجَوَّزَها حِبَالُ قَبِيلَةٍ أَخَذَتْ مِنَ الْأَدْنَى إِلَيْكَ حِبَالَها ومنه قول الآخر : [الكامل] (إني بحبلِكِ واصلٌ حبلي) ومنه قول الله تعالى: ﴿الا بحبل من الله وحبل من الناس﴾ [آل عمران: ١١٢] واختلفت عبارة المفسرين في المراد في هذه الآية ﴿بحبل الله﴾، فقال ابن مسعود: ((حبل الله)) الجماعة، وروى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن بني إسرائيل افترقوا على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة قال فقيل يا رسول الله: وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده وقال: الجماعة وقرأ، ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾، وقال ابن مسعود في خطبة: عليكم جميعاً بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به، وقال قتادة رحمه الله: ((حبل الله)) الذي أمر بالاعتصام به هو القرآن، وقال السدي: ((حبل الله)) كتاب الله، وقاله أيضاً ابن مسعود والضحاك، وروى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كتاب الله هو حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، وقال أبو العالية: ((حبل الله)) في هذه الآية هو الإخلاص في التوحيد وقال ابن زيد: ((حبل الله)) هو الإسلام. ٤٨٤ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٠٣ قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا مما هو كله قريب بعضه من بعض، وقوله تعالى: ﴿جميعاً﴾ حال من الضمير في قوله، ﴿اعتصموا﴾، فالمعنى: كونوا في اعتصامكم مجتمعين. ﴿ولا تفرقوا﴾ يريد التفرق الذي لا يتأتى معه الائتلاف على الجهاد وحماية الدين وكلمة الله تعالى، وهذا هو الافتراق بالفتن والافتراق في العقائد، وأما الافتراق في مسائل الفروع والفقه فليس يدخل في هذه الآية، بل ذلك، هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: خلاف أمتي رحمة، وقد اختلف الصحابة في الفروع أشد اختلاف، وهم يد واحدة على كل كافر، وأما الفتنة على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فمن التفرق المنهي عنه، أما أن التأويل هو الذي أدخل في ذلك أكثر من دخله من الصحابة رضي الله عن جميعهم. قوله تعالى : وَأَذْكُرُ واْنِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنتُمْ عَ شَفَاحُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ لَعَلَّكُمْنَهْتَدُونَ ١٠٣ هذه الآية تدل على أن الخطاب بهذه الآية إنما هو للأوس والخزرج، وذلك أن العرب وإن كان هذا اللفظ يصلح في جميعها فإنها لم تكن في وقت نزول هذه الآية اجتمعت على الإسلام ولا تألفت قلوبها، وإنما كانت في قصة شاس بن قيس في صدر الهجرة، وحينئذ نزلت هذه الآية، فهي في الأوس والخزرج، كانت بينهم عداوة وحروب، منها يوم بعاث وغيره، وكانت تلك الحروب والعداوة قد دامت بين الحيين مائة وعشرين سنة، حتى رفعها الله بالإسلام، فجاء النفر الستة من الأنصار إلى مكة حجاجاً، فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه عليهم، وتلا عليهم القرآن، كما كان يصنع مع قبائل العرب، فآمنوا به وأراد الخروج معهم، فقالوا يا رسول الله: إن قدمت بلادنا على ما بيننا من العداوة والحرب، خفنا أن لا يتم ما نريده منك، ولكن نمضي نحن ونشيع أمرك، ونداخل الناس، وموعدنا وإياك العام القابل، فمضوا وفعلوا، وجاءت الأنصار في العام القابل، فكانت العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلًا، فيهم خمسة من السنة الأولين، ثم جاؤوا من العام الثالث، فكانت بيعة العقبة الكبرى، حضرها سبعون وفيهم اثنا عشر نقيباً، ووصف هذه القصة مستوعب في سيرة ابن هشام، ويسر الله تعالى الأنصار للإسلام بوجهين، أحدهما أن بني إسرائيل كانوا مجاورين لهم وكانوا يقولون لمن يتوعدونه من العرب، يبعث لنا نبي الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما رأى النفر من الأنصار محمداً صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي تذكره بنو إسرائيل فلا تسبقن إليه، والوجه الآخر، الحرب التي كانت ضربتهم وأفنت سراتهم، فرجوا أن يجمع الله به كلمتهم كالذي كان، فعدد الله تعالى عليهم نعمته في تأليفهم بعد العداوة، وذكرهم بها، وقوله تعالى: ﴿فأصبحتم﴾ عبارة عن الاستمرار وإن كانت اللفظة مخصوصة بوقت ما، وإنما خصت هذه اللفظة بهذا المعنى من حيث هي مبدأ النهار، وفيها مبدأ الأعمال، فالحال التي يحسها المرء من نفسه فيها هي حاله التي يستمر عليها يومه في الأغلب، ومنه قول الربيع بن ضبع: [المنسرح] أصبحت لا أحمل السلاح ولا أَمْلِكُ رَأْسَ البعيرِ إنْ نَفَرا ٤٨٥ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٠٤، ١٠٥ و ((الإخوان)) جمع أخ، ويجمع إخوة، وهذان أشهر الجمع فيه، على أن سيبويه رحمه الله يرى أن إخوة اسم جمع، وليس ببناء جمع لأن فعلًا لا يجمع على فعلة، قال بعض الناس: الأخ في الدين يجمع إخواناً، والأخ في النسب يجمع إخوة: هكذا كثر استعمالهم. قال القاضي أبو محمد. وفي كتاب الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾ الحجرات: ١٠] وفيه، ﴿أو بني إخوانهن﴾ [النور: ٣١]، فالصحيح أنهما يقالان في النسب، ويقالان في الدين، و ((الشفا)) حرف كل جرم له مهوى، كالحفرة والبئر والجرف والسقف والجدار ونحوه، ويضاف في الاستعمال إلى الأعلى، كقوله ﴿شفا جرف﴾ [التوبة: ١٠٩] وإلى الأسفل كقوله ﴿شفا حفرة﴾، ويثنى شفوان، فشبه تعالى كفرهم الذي كانوا عليه وحربهم المدنية من الموت بالشفا، لأنهم كانوا يسقطون في جهنم دأباً، فأنقذهم الله بالإسلام، والضمير في ﴿منها﴾ عائد على النار، أو على ((الحفرة))، والعود على الأقرب أحسن، وقال بعض الناس حكاه الطبري: إن الضمير عائد على ((الشفا))، وأنث الضمير من حيث كان الشفا مضافاً إلى مؤنث، فالآية کقول جرير: رَأَتْ مَرَّ السنينِ أَخَذْنَ مِنّ كَمَا أَخذَ السّرَارُ مِنَ الِهِلَالِ إلى غير ذلك من الأمثلة . قال القاضي: وليس الأمر كما ذكر، والآية لا يحتاج فيها إلى هذه الصناعة، إلا لو لم تجد معاداً للضمير إلا ((الشفا))، وأما ومعنا لفظ مؤنث يعود الضمير عليه، ويعضده المعنى المتكلم فيه، فلا يحتاج إلى تلك الصناعة وقوله تعالى: ﴿كذلك يبين لكم آياته﴾ إشارة إلى ما بين في هذه الآيات، أي فكذلك يبين لكم غيرها، وقوله، ﴿لعلكم﴾ ترجَّ في حق البشر، أي من تأمل منكم الحال رجا الاهتداء. قوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَتِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ ﴿ وَلَا تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ هُمُ الْبِيِنَتُ وَأَوْلَئِكَ لَهُمْ ج ١٠٥ عَذَابٌ عَظِيمُ قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: ((ولتكن)) بكسر اللام على الأصل، إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن، قال الضحاك والطبري وغيرهما: أمر المؤمنون أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول، وهم خاصة الرواة . قال القاضي: فعلى هذا القول ((من)) للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك، إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالماً، وذهب الزجّاج وغير واحد من المفسرين، إلى أن المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون، ((ومن)) لبيان الجنس قال: ومثله من كتاب الله، ﴿فاجتنبوا الرجس من i ٤٨٦ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٠٤، ١٠٥ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] ومثله من الشعر قول القائل: [البسيط] أُخُو رَغَائِبَ يُعْطِيها وَيَسْأَلُها: يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوْفَلِ الزّفُرُ قال القاضي: وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون، التجريد، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: ﴿من الأوثان﴾ ذاتها ولا تجده يدخل قول الشاعر: منه النوفل الزفر، ولا تجده يدخل في ((من)) التي هي صريح بيان الجنس، كقولك ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة، قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير، وللزوم الأمر بالمعروف شروط، منها أن يكون بمعروف لا بتخرق، فقد قال صلى الله عليه وسلم: من كان آمراً بمعروف، فليكن أمره ذلك بمعروف، ومنها أن لا يخاف الآمر أذى يصيبه، فإن فعل مع ذلك فهو أعظم لأجره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)). قال القاضي: والناس في تغيير المنكر والأمر بالمعروف على مراتب، ففرض العلماء فيه تنبيه الحكام والولاة، وحملهم على جادة العلم، وفرض الولاة تغييره بقوتهم وسلطانهم، ولهم هي اليد، وفرض سائر الناس رفعه إلى الحكام والولاة بعد النهي عنه قولاً، وهذا في المنكر الذي له دوام، وأما إن رأى أحد نازلة بديهة من المنكر، كالسلب والزنى ونحوه، فيغيرها بنفسه بحسب الحال والقدرة، ويحسن لكل مؤمن أن يحتمل في تغيير المنكر، وإن ناله بعض الأذى، ويؤيد هذا المنزع أن في قراءة عثمان بن عفان وابن مسعود وابن الزبير ((يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويستعينون بالله على ما أصابهم))، فهذا وإن كان لم يثبت في المصحف، ففيه إشارة إلى التعرض لما يصيب عقب الأمر والنهي، كما هي في قوله تعالى: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، واصبر على ما أصابك﴾ [لقمان: ١٧] وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم، لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ [المائدة: ١٠٥] معناه إذا لم يقبل منكم ولم تقدروا على تغيير منكره، وقال بعض العلماء: ((المعروف)) التوحيد، و ﴿المنكر﴾ الكفر، والآية نزلت فى الجهاد. قال الفقيه القاضي: ولا محالة أن التوحيد والكفر هما رأس الأمرين، ولكن ما نزل عن قدر التوحيد والكفر، يدخل في الآية ولا بد، ﴿المفلحون﴾ الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد کریم. ثم نهى الله تعالى هذه الأمة عن أن يكونوا كالمتفرقين من الأمم، واختلفت عبارة المفسرين في المشار إليهم، فقال ابن عباس: هي إشارة إلى كل من افترق في الأمم في الدين فأهلكهم الافتراق، وقال الحسن: هي إشارة إلى اليهود والنصارى، وقال الزجاج: يحتمل أن تكون الإشارة أيضاً إلى فرق اليهود وفرق النصارى، ومجيء ﴿البينات﴾ هو ببعث الرسل، وإنزال الكتب، وأسند الفعل دون علامة إلى ﴿البينات﴾، من حيث نزلت منزلة البيان، ومن حيث لا حقيقة لتأنيثها، وباقي الآية وعيد، وقوله: ﴿عذاب عظيم﴾ يعني أنه أعظم من سواه، ويتفاضل هذان العرضان بأن أحدهما يتخلله فتور، وأما الجزء الفرد من : ٤٨٧ تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ١٠٦، ١٠٧ هذا وذلك فسواء، هذا تحرير مذهب أصحابنا الأصوليين رحمهم الله . قوله تعالى : يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَذُ وُجُوَّةً فَأَمَّا الَّذِينَ آَسْوَدَتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيَمَنِكُمْ فَذُوقُواْ اٌلْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ﴿ وَأَمَّالَّذِينَ أَنْيَضَتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ١٠٧ والعامل في قوله ﴿يوم﴾ الفعل الذي تتعلق به اللام ، في قوله ﴿ولهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٥] قال الزجاج: تقديره ويثبت لهم عذاب عظيم. قال القاضي: وذلك ضعيف من جهة المعنى، لأنه يقتضي أن عظم العذاب في ذلك اليوم، ولا يجوز أن يكون العامل قوله عذاب، لأنه مصدر قد وصف، ((وبياض الوجوه)»: عبارة عن إشراقها واستنارتها وبشرها برحمة الله، قال الزجّاج - وغيره -: ويحتمل عندي أن يكون ذلك من آثار الوضوء كما قال النبي عليه السلام، أنتم الغر المحجلون من آثار الوضوء، وأما «سواد الوجوه))، فقال المفسرون هي عبارة عن اربدادها وإظلامها بغمم العذاب، ويحتمل أن يكون ذلك تسويداً ينزله الله بهم على جهة التشويه والتمثيل بهم، على نحو حشرهم زرقاً وهذه أقبح طلعة، ومن ذلك قول بشار: [البسيط] وَلِلْبَخِيلِ عَلى أَمْوالِهِ عِلَلُ زُرْقُ العُيونِ عَلَيْهَا أَوْجُهُ سُودُ وقرأ يحيى بن وثاب، ((تبيض وتسود)) بكسر التاء، وقرأ الزهري، ((تبياض)» وجوه، و ((تسواد)) وجوه بألف، وهي لغة، ولما كان صدر هذه الآية، إخباراً عن حال لا تخص أحداً معيناً، بدىء بذكر البياض لشرفه، وأنه الحالة المثلى، فلما فهم المعنى، وتعين له ((الكفار والمؤمنون))، بدىء بذكر الذين اسودت وجوههم للاهتمام بالتحذير من حالهم، وقوله تعالى: ﴿أكفرتم﴾ تقرير وتوبيخ، متعلق بمحذوف، تقديره، فيقال لهم: أكفرتم؟ وفي هذا المحذوف هو جواب ((أما))، وهذا هو فحوى الخطاب، وهو أن يكون في الكلام شيء مقدر لا يستغني المعنى عنه، كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة﴾ [البقرة: ١٨٤] المعنى فأفطر فعدة وقوله تعالى: ﴿بعد إيمانكم﴾ يقتضي أن لهؤلاء الموقنين إيماناً متقدماً، فاختلف أهل التأويل في تعيينهم، فقال أبي بن كعب: الموقفون جميع الكفار، والإيمان الذي قيل لهم بسببه ﴿بعد إيمانكم﴾ هو الإيمان الذي أقروا به يوم قيل لهم - ألست بربكم؟ قالوا بلى - وقال أكثر المتأولين: إنما عني بالتوقيف في هذه الآية أهل القبلة من هذه الأمة، ثم اختلفوا، فقال الحسن: الآية في المنافقين، يؤمنون بألسنتهم ويكفرون بقلوبهم، فيقال لهم: ﴿أكفرتم بعد إيمانكم﴾؟ أي ذلك الإيمان بألسنتهم، وقال السدي: هي فيمن كفر من أهل القبلة حين اقتتلوا، وقال أبو أمامة: الآية في الخوارج وقال قتادة: الآية في أهل الردة، ومنه الحديث: ليردن عليَّ الحوض رجال من أصحابي حتى إذا رفعوا إليّ اختلجوا فأقول: أصحابي أصحابي، فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: فسحقاً فسحقاً، وفي بعض طرقه: فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، وذكر النحاس قولاً: إن الآية في اليهود، وذلك أنهم آمنوا بصفة محمد واستفتحوا به، فلما جاءهم من غيرهم كفروا، فهذا كفر بعد إيمان، وروي عن مالك أنه قال: الآية في أهل الأهواء. ٤٨٨ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٠٨ - ١١٠ قال القاضي: إن كان هذا ففي المجلحين منهم القائلين ما هو كفر، وروي حديث: أن الآية في القدرية وقال أبو أمامة: سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها في الحرورية، وقد تقدم عنه أنها في الخوارج وهو قول واحد، وما في قوله ﴿بما كنتم﴾ مصدرية وقوله تعالى: ﴿ففي رحمة الله﴾ أي في النعيم الذي هو موجب رحمة الله وقوله بعد ذلك ﴿هم فيها﴾ تأكيد بجملتين، إذ كان الكلام يقوم دونها. قوله تعالی : وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَاتِ وَمَافِى ١٠٨ تِلْكَ ءَايَتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَلَمِينَ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ اُلْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِتُرْجَعُ الْأُمُورُ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَسِقُونَ الإشارة بتلك إلى هذه الآيات المتقدمة المتضمنة تعذيب الكفار وتنعيم المؤمنين، ولما كان فيها ذكر التعذيب، أخبر تعالى: أنه لا يريد أن يقع منه ظلم لأحد من العباد، وإذا لم يرد ذلك فلا يوجد البتة، لأنه لا يقع من شيء إلا ما يريد تعالى، وقوله تعالى: ﴿بالحق﴾ معناه: بالإخبار الحق، ويحتمل أن يكون المعنى: ﴿نتلوها عليك﴾ مضمنة الأفاعيل التي هي ((حق)) في أنفسها، من كرامة قوم، وتعذيب آخرين، وقرأ أبو نهيك: ((يتلوها)) بالياء، وجاء الإعلام بأنه تعالى لا يريد ظلماً في حكمه، فإذا لا يوجد. ولما كان للذهن أن يقف هنا في الوجه الذي به خص الله قوماً بعمل يرحمهم من أجله، وآخرين بعمل يعذبهم عليه، ذكر تعالى الحجة القاطعة في ملكه جميع المخلوقات، وأن ((الحق)) لا يعترض عليه، وذلك في قوله، ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض) الآية، وقال: ﴿ما﴾ ولم يقل ((من) من حيث هي جمل وأجناس، وذكر الطبري: أن بعض البصريين نظر قوله تعالى: ﴿وإلى الله﴾ فأظهر الاسم، ولم يقل إليه بقول الشاعر : لا أرى الموتَ يسبقُ الموتَ شيءٌ نَغَّصَ الموتُ ذا الغنى والْفَقيرا وما جرى مجراه، وقاله الزجّاج، وحكي أن العرب تفعل ذلك إرادة تفخيم الكلام والتنبيه على عظم المعنى . قال القاضي أبو محمد: والآية تشبه البيت في قصد فخامة النظم، وتفارقه من حيث الآية جملتان مفترقتان في المعنى، فلو تكررت جمل كثيرة على هذا الحد لحسن فيها كلها إظهار الاسم، وليس التعرض بالضمير في ذلك بعرف، وأما البيت وما أشبهه فالضمير فيه هو العرف، إذ الكلام في معنى واحد، ولا يجوز إظهار الاسم إلا في المعاني الفخمة في النفوس من التي يؤمن فيها اللبس على السامع، وقرأ بعض السبعة، ((ترجع الأمور)) بفتح التاء على بناء الفعل للفاعل، وقد تقدم ذكر ذلك. واختلف المتأولون في معنى قوله: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ فقال عمر بن الخطاب: هذه : : ٤٨٩ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١٠٨ - ١١٠ لأولنا، ولا تكون لآخرنا وقال عكرمة: نزلت في ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. قال القاضي أبو محمد: يريد ومن شاكلهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في الذين هاجروا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة . قال القاضي: فهذا كله قول واحد، مقتضاه أن الآية نزلت في الصحابة، قيل لهم ﴿كنتم خير أمة﴾، فالإشارة بقوله ﴿أمة﴾ إلى أمة محمد معينة، فإن هؤلاء هم خيرها، وقال الحسن بن أبي الحسن وجماعة من أهل العلم: معنى الآية، خطاب الأمة بأنهم ﴿خير أمة أخرجت للناس﴾، فلفظ ﴿أمة﴾، على هذا التأويل اسم جنس كأنه قيل لهم كنتم خير الأمم، ويؤيد هذا التأويل كونهم شهداء على الناس، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن الآخرون السابقون الحديث. وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وهو مسند ظهره إلى الكعبة، نحن نكمل يوم القيامة سبعين أمة نحن آخرها وخيرها قال مجاهد: معنى الآية ((كنتم خير الناس)) - وقال الحسن: نحن آخرها وأكرمها على الله تعالى، وقال أبو هريرة رضي الله عنه: معنى الآية كنتم للناس خير الناس. قال القاضي أبو محمد: ﴿فأمة﴾ على هذا التأويل، اسم جنس، قال أبو هريرة: يجيئون بالكفار في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. قال القاضي: ولم يبعث نبي إلى الأمم كافة إلا محمد صلى الله عليه وسلم، فهو وأمته يدعون إلى الإيمان ويقاتلون العالم عليه، فهم خير الناس للناس، وليس يلزم على هذا التأويل أنها أفضل الأمم من نفس لفظ الآية، لكن يعلم هذا من لفظ آخر، وهي كقوله صلى الله عليه وسلم: أرأف أمتي بأمتي أبو بكر، فليس يقتضي هذا اللفظ أن أبا بكر أرأف الناس على الإطلاق، في مؤمن وكافر. قال القاضي: والرأفة على الإطلاق ليست بجارية مع الشرع كما يجب، وأما قوله، ﴿كنتم﴾ على صيغة المضي، فإنها التي بمعنى الدوام، كما قال: ﴿وكان الله غفوراً رحيماً﴾ [النساء: ٩٦ - ٩٩ - ١٠٠ - ١٥٢، الفرقان: ٧٠، الأحزاب: ٥ - ٥٠ - ٥٩ - ٧٣، الفتح: ١٤]، إلى غير هذا من الأمثلة، وقال قوم: المعنى كنتم في علم الله، وقيل: في اللوح المحفوظ، وقيل فيما أخبر به الأمم قديماً عنكم و ﴿خير﴾ على هذه الأقوال كلها خبر كان، ويحتمل أن تكون كان التامة، ويكون ﴿خير أمة﴾ نصباً على الحال، وهذا يتجه على بعض التأويلات التي ذكرناها دون بعض. قال القاضي: وهذه الخيرية التي فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وقوله: ﴿تأمرون بالمعروف﴾ وما بعده، أحوال في موضع نصب، ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب على جهة التوبيخ المقرون بالنصح، أنهم لو آمنوا لنچوا أنفسهم من عذاب الله، وجاءت لفظة (خير﴾ في هذه الآية وهي صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كفرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة (خير﴾ من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة أفضل وأحب وما جرى مجراها، وقد بيّن هذا المعنى في غير هذا الموضع بأوعب من هذا، وقوله تعالى: ٤٩٠ تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ١١٢،١١١ ﴿منهم المؤمنون) تنبيه على حال عبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن سعية وغيرهم ممن آمن، ثم حكم الله على أكثرهم بالفسق في كفره لأنهم حرفوا وبدلوا وعاندوا بعد معرفتهم بحقيقة أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فهم كفار فسقة في الكفر قد جمعوا المذمتين. قوله تعالى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلََّ أَذَى وَ إِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّلَا يُصَرُونَ (١) ضُرِيَتْ عَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُ وبِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوْيَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ ن. ١١٢ يَعْتَدُونَ قوله تعالى: ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ معناه: لن يصيبكم منهم ضرر في الأبدان ولا في الأموال، وإنما هو أذى بالألسنة، فالاستثناء متصل، وقال الحسن، وقتادة وغيرهما: ((الأذى)) هو تحريفهم أمر محمد صلی الله علیه وسلم وتكذيبهم إياه. ٠٠٠ قال القاضي أبو محمد: وتنقصهم المؤمنين وطعنهم عليهم جملة وأفراداً، وهذا كله عظيم مقلق وبسببه استحقوا القتل والإجلاء، وضرب الجزية، لكن أراد الله تعالى بهذه الآية أن يلحظهم المؤمنون بعين الاحتقار حتى لا يصدوا أحداً عن دينه ولا يشغلوه عن عبادة ربه، وهكذا هي فصاحة العرب، ومن هذا المعنى في التحقير قول ثمامة بن أثال: يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن شئت المال فاسأل منه ما شئت، فقوله: ذا دم، روي بالذال منقوطة، وبالدال غير منقوطة، فذم بفتح الذال وبكسرها أراد بها الذمام، وأما الدال غير منقوطة، فيحتمل أنه أراد التعظيم الأمر نفسه، وذلك بأحد وجهين: إما أن يريد الوعيد، أي تقتل ذا دم مطلوب بثأره له حماة فاحذر عاقبة ذلك، وإما أن يريد تقتل ملكاً يستشفى بدمه، كما كانت العرب تعتقد في دماء الملوك، فهذا استعطاف لا وعيد، أي لا ينبغي ذلك أن تفسد مثلي، وهذا كما استعطف الأشعث بن قيس أبا بكر رضي الله عنه بهذا المعنى، ويحتمل كلام ثمامة، أنه أراد تحقير أمر نفسه وليذهب عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم المسرة بنيل مثل هذا الأمر العظيم، ويجري ذلك مجرى قول أبي جهل لعبد الله بن مسعود: وهل أعمد من رجل قتلتموه؟ ومثله قول الأسير لعمر بن عبد العزيز، حين قال له: لأقتلنك، قال: إن ذلك لا ينقص من عدد الخزر شيئاً فكأن ثمامة أراد: إن تقتلني تقتل حيواناً حقيراً شأنه، كما يقتل كل ذي دم فما بالك تفعل ذلك وتدع الإنعام عليّ؟ فالآية تنظر إلى هذا المعنى من جهة أنه حقر عند المؤمنين ما هو عظيم في نفسه تنبيهاً لهم، وأخبر الله تعالى في قوله: ﴿وإن يقاتلوكم) الآية، بخبر غيب صححه الوجود، فهي من آيات محمد على الله عليه وسلم، وفائدة الخبر هي في قوله: ﴿ثم لا ينصرون﴾ أي لا تكون حربهم معكم سجالاً وخص ﴿الأدبار﴾ بالذكر دون الظهر تخسيساً للفارّ، وهكذا هو حيث تصرف. وقوله: ﴿ضربت﴾ معناه: أثبتت بشدة والتزام مؤكد، وهذا وصف حال تقررت على اليهود في أقطار : ٤٩١ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١١٢،١١١ الأرض قبل مجيء الإسلام، قال الحسن: جاء الإسلام وإن المجوس لتجبيهم الجزية، وما كانت لهم عزة ومنعة إلا بيثرب وخيبر وتلك الأرض فأزالها الله بالإسلام، ولم تبق لهم راية أصلاً في الأرض، و﴿الذلة﴾ فعلة من الذل ﴿ثقفوا﴾ معناه أخذوا وهم بحال المذنب المستحق الإهلاك، ومنه قوله تعالى: ﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ [الأنفال: ٥٧] ﴿فاقتلوا المشركين حيث ثقفتموهم﴾ [التوبة: ٥] واللفظة مأخوذة من الثقاف، ومنه قول الشاعر: تدعو ثقيفاً وَقَدْ عَضَّى الحديدُ بها عضَّ الثّقافِ على صُمّ الأنابيبِ وقوله تعالى: ﴿إلا بحبل﴾ استثناء منقطع، وهو نظير قوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ﴾ [النساء: ٩٢] لأن بادي الرأي يعطي أن له أن يقتل خطئاً، وأن الحبل من الله ومن الناس يزيل ضرب الذلة، وليس الأمر كذلك، وإنما الكلام محذوف، يدركه فهم السامع الناظر في الأمر، وتقديره في آياتنا فلا نجاة من الموت ﴿إلا بحبل﴾، وقوله تعالى: ﴿ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا﴾ كأنه بالمعنى هلكوا واستؤصلوا، فلذلك حسن أن يجيء بعده ﴿إلا بحبل﴾، وقرب فهم ذلك للسامع، قال الزجاج: المعنى ضربت عليهم الذلة إلا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أعطوه، و((الحبل)) العهد، شبه به لأنه يصل قوماً بقوم كما يفعل الحبل في الأجرام، و﴿باؤوا﴾ معناه مضوا متحملين لهذا الحكم، و((غضب الله عليهم))، بما دلت عليه هذه الأمور التي أوقع بهم، وأفعال بني إسرائيل على وجه الدهر من التعنت والعصيان توجب الغضب، فلذلك خصوا به، والنصارى إنما ضلوا فقط، و﴿المسكنة﴾ التذلل والضعة، وهي حالة الطواف الملتمس للقمة واللقمتين المضارع المفارق لحالة التعفف والتعزز به، فليس أحد من اليهود وإن كان غنياً إلا وهو بهذه الحال، وقوله تعالى: ﴿ذلك) إشارة إلى الغضب وضرب الذلة والمسكنة، فعاقبهم الله على كفرهم وقتلهم الأنبياء بذلك، و﴿آيات الله﴾: يحتمل أن يراد بها المتلوة، ويحتمل أن يريد العبر التي عرضت عليهم، وقوله: ﴿بغير حق﴾ تأكيد ومبالغة وقطع لما عسى أن يكون في وهم إنسان ممكناً بوجه ما، وقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾ حمله المفسرون على أن الإشارة بذلك إلى الشيء الذي أشير إليه بذلك الأول، قاله الطبري والزجّاج وغيرهما. والذي أقول: إن الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ الأخير إنما هي إلى كفرهم وقتلهم، وذلك أن الله تعالى، استدرجهم فعاقبهم على العصيان والاعتداء بالمصير إلى الكفر وقتل الأنبياء، وهو الذي يقول أهل العلم: إن الله تعالى يعاقب على المعصية بالإيقاع في معصية، ويجازي على الطاعة بالتوفيق إلى طاعة، وذلك موجود في الناس إذا تؤمل، وعصيان بني إسرائيل واعتداؤهم في السبت وغيره متقرر في غير ما موضع من كتاب الله، وقال قتادة رحمه الله عندما فسر هذه الآية: اجتنبوا المعصية والعدوان فإن بها أهلك من كان قبلكم من الناس. قوله تعالی : لَيْسُواْ سَوَاءٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اُللَّهِ ءَانَآءَ الَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ١١٣ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ اُلْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَرِعُونَ أ ٤٩٢ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١١٤،١١٣ ١١٤ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَِّحِينَ لما مضت الضمائر في الكفر والقتل والعصيان والاعتداء عامة في جميع أهل الكتاب، عقب ذلك بتخصيص الذين هم على خير وإيمان، وذلك أن أهل الكتاب لم يزل فيهم من هو على استقامة، فمنهم من مات قبل أن يدرك الشرائع فذلك من الصالحين، ومنهم من أدرك الإسلام فدخل فيه. قال القاضي أبو محمد: ويعترض هذا النظر أن جميع اليهود على عوج من وقت عيسى، وتجيء الآية إشارة إلى من أسلم فقط، أو يكون اليهود في معنى الأمة القائمة إلى وقت عيسى، ثم ينتقل الحكم في النصارى، ولفظ ﴿أهل الكتاب﴾ يعم الجميع، والضمير في ﴿ليسوا﴾ لمن تقدم ذكره في قوله ﴿منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون﴾ [آل عمران: ١١٠] وما قال أبو عبيدة من أن الآية نظيرة قول العرب أكلوني البراغيث خطأ مردود، وكذلك أيضاً ما حكي عن الفراء أن ﴿أمة﴾ مرتفعة بـ ﴿سواء﴾ على أنها فاعلة كأنه قال: لا تستوي أمة كذا وإن في آخر الكلام محذوفاً معادلاً تقديره وأمة كافرة، فأغنى القسم الأول عن ذكرها ودل عليه كما قال أبو ذؤيب: عَصَيْتُ إليها الْقَلْبَ إِنّي لَأَمْرِها سَمِيعٌ فما أدري أُرُشْدُ طِلابُها؟ المعنى أم غيّ، فاقتصر لدلالة ما ذكر عليه. قال القاضي أبو محمد: وإنما الوجه أن الضمير في ﴿ليسوا﴾ يراد به من تقدم ذكره، و﴿سواء﴾ خبر ليس، و﴿من أهل الكتاب﴾ مجرور فيه خبر مقدم، و﴿أمة﴾ رفع بالابتداء قال ابن عباس رضي الله عنهما: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود، معهم، قال الكفار من أحبار اليهود ما آمن بمحمد إلا شرارنا ولو كانوا خياراً ما تركوا دين آبائهم، فأنزل الله تعالى في ذلك ﴿ليسوا سواء﴾ الآية، وقال مثله قتادة وابن جريج. قال القاضي أبو محمد: وهو أصح التأويلات، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: معنى الآية: ليس اليهود وأمة محمد سواء، وقاله السدي. قال القاضي أبو محمد: فمن حيث تقدم ذكر هذه الأمة في قوله ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: ١١٠] وذكر أيضاً اليهود قال الله لنبيه ﴿ليسوا سواء﴾ و﴿الكتاب﴾ على هذا جنس كتب الله وليس بالمعهود من التوراة والإنجيل فقط، والمعنى: ﴿من أهل الكتاب﴾ وهم أهل القرآن أمة قائمة، واختلف عبارة المفسرين في قوله ﴿قائمة﴾ فقال مجاهد: معناه عادلة، وقال قتادة والربيع وابن عباس: معناه قائمة على كتاب الله وحدوده مهتدية، وقال السدي: القائمة القانتة المطيعة . قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يرجع إلى معنى واحد من الاعتدال على أمر الله، ومنه قيل للدنانير أو الدراهم الوازنة قائمة وهذه الآية تحتمل هذا المعنى وأن لا تنظر اللفظة إلى هيئة الأشخاص وقت تلاوة آيات الله، ويحتمل أن يراد بـ ﴿قائمة﴾ وصف حال التالين في ﴿آناء الليل﴾، ومن كانت هذه حاله فلا محالة أنه معتدل على أمر الله، وهذه الآية في هذين الاحتمالين مثل ما تقدم في قوله ﴿إلا ما دمت عليه قائماً﴾ ١ ٤٩٣ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١١٣، ١١٤ [آل عمران: ٧٥] و﴿يتلون﴾ معناه: يسردون، و﴿آيات الله﴾ في هذه الآية هي كتبه، و«الآناء)): الساعات واحدها ((إني)) بكسر الهمزة وسكون النون، ويقال فيه ((أني)) بفتح الهمزة، ويقال ((إنَى)) بكسر الهمزة وفتح النون والقصر، ويقال فيه ((أنى)) بفتح الهمزة ويقال ((إِنْو)) بكسر الهمزة وسكون النون وبواو مضمومة ومنه قول الهذيلي : [البسيط] حُلْوٌ وَمُرِّ كَعَظْفِ الْقِدْحِ مِرَّتَهُ في كلُّ إنيٍ قضاه الليل ينتعل وحكم هذه الآية لا يتفق في شخص بأن يكون كل واحد يصلي جميع ساعات الليل وإنما يقوم هذا الحكم من جماعة الأمة، إذ بعض الناس يقوم أول الليل، وبعضهم آخره، وبعضهم بعد هجعة ثم يعود إلى نومه، فيأتي من مجموع ذلك في المدن والجماعات عبارة ﴿آناء الليل﴾ بالقيام، وهكذا كان صدر هذه الأمة، وعرف الناس القيام في أول الثلث الآخر من الليل أو قبله بشيء، وحينئذ كان يقوم الأكثر، والقيام طول الليل قليل وقد كان في الصالحين من يلتزمه، وقد ذكر الله تعالى القصد من ذلك في سورة المزمل، وقيام الليل لقراءة العلم المبتغى به وجه الله داخل في هذه الآية، وهو أفضل من التنفل لمن يرجى انتفاع المسلمين بعلمه، وأما عبارة المفسرين في ﴿آناء الليل﴾، فقال الربيع وقتادة وغيرهما: ﴿آناء الليل﴾ ساعات الليل، وقال عبد الله بن كثير: سمعنا العرب تقول ﴿آناء الليل) ساعات الليل، وقال السدي: ﴿آناء الليل) جوف الليل. قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق، أما ان جوف الليل جزء من الآناء، وقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية بسبب أن النبي صلى الله عليه وسلم احتبس عنا ليلة عن صلاة العشاء وكان عند بعض نسائه فلم يأت حتى مضى ليل، فجاء ومنا المصلي ومنا المضطجع، فقال: أبشروا فإنه ليس أحد من أهل الكتاب يصلي هذه الصلاة، فأنزل الله تعالى: ﴿ليسوا سواء﴾ الآية، فالمراد بقوله: ﴿يتلون آيات الله آناء الليل﴾ صلاة العشاء، وروى سفيان الثوري عن منصور أنه قال: بلغني أن هذه الآية نزلت في المصلين بين العشاءين وقوله تعالى: ﴿وهم يسجدون﴾ ذهب بعض الناس إلى أن السجود هنا عبارة عن الصلاة، سماها بجزء شريف منها كما تسمى في كثير من المواضع ركوعاً، فهي على هذا جملة في موضع الحال، كأنه قال: يتلون آيات الله آناء الليل مصلين، وذهب الطبري وغيره إلى أنها جملة مقطوعة من الكلام الأول، أخبر عنهم أنهم أيضاً أهل سجود. قال القاضي أبو محمد: ويحسن هذا من جهة أن التلاوة آناء الليل قد يعتقد السامع أن ذلك في غير الصلاة، وأيضاً فالقيام في قراءة العلم يخرج من الآية على التأويل الأول، ويثبت فيها على هذا الثاني فـ ﴿هم يسجدون﴾ على هذا نعت عدد بواو العطف، كما تقول: جاءني زيد الكريم والعاقل. و﴿يؤمنون﴾ معناه: يصدقون، وفى الإيمان باليوم الآخر إيمان بالأنبياء، لأنه من جائزات العقل التي أثبتها السمع من الأنبياء، وقوله تعالى: ﴿ويسارعون في الخيرات﴾ وصف بأنهم متى دعوا إلى خير من نصر مظلوم وإغاثة مكروب وجبر مهيض وعبادة لله أجابوا، ومنه فعل مالك رضي الله عنه في ركعتي المسجد، وقال: دعوتني إلى خير فأجبت إليه، ومما يدخل في ضمن قوله تعالى: ﴿ويسارعون في i ٤٩٤ تفسير سورة آل عمران / الآيات : ١١٥ - ١١٧ الخيرات﴾ أن يكون المرء مغتنماً للخمس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل مماتك، وغناك قبل فقرك، فيكون متى أراد أن يصنع خيراً بادر إليه ولم يسوف نفسه بالأمل، فهذه أيضاً مسارعة في الخيرات، وذكر بعض الناس قال: دخلت مع بعض الصالحين في مركب فقلت له: ما تقول أصلحك الله في الصوم في السفر؟ فقال لي: إنها المبادرة يا ابن أخي، قال المحدث: فجاءني والله بجواب ليس من أجوبة الفقهاء، ثم وصف الله تعالى من تحصلت له هذه الصفات، بأنه من جملة الصالحين، و﴿من﴾ يحسن أن تكون للتبعيض، ویحسن أن تكون لبيان الجنس . قوله تعالى : وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْلَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَآَ أَوْلَدُهُم ◌ِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ (٦) مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِى هَذِهِ اُلْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوْاْ أَنفُسَهُمْ ١١٧ فَأَهْلَكَنْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قرأ ابن كثير ونافع وعاصم في رواية أبي بكر وابن عامر ((تفعلوا وتكفروه)) بالتاء على مخاطبة هذه الأمة، وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم بالياء فيهما، على مشابهة ما تقدم من ((يتلون ويؤمنون)) وما بعدهما، وكان أبو عمرو يقرأ بالوجهين، و﴿تكفروه﴾ معناه: يعطى دونكم فلا تثابون عليه، ومن هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أزلت إليه نعمة فليذكرها فإن ذكرها فقد شكرها، فإن لم يفعل فقد كفرها، ومنه قول الشاعر: [عنترة]: [الكامل]: (والْكُفْرُ مَخَثَةٌ لِنَفْسِ الْمُنْعِمِ) وفي قوله تعالى: ﴿والله عليم بالمتقين) وعد ووعيد. ثم عقب تعالى ذكر هذا الصنف الصالح بذكر حال الكفار، ليبين الفرق، وخص الله تعالى ((الأموال والأولاد)) بالذكر لوجوه. منها أنها زينة الحياة الدنيا، وعظم ما تجري إليه الآمال، ومنها أنها ألصق النصرة بالإنسان وأيسرها، ومنها أن الكفار يفخرون بالآخرة لا همة لهم إلا فيها هي عندهم غاية المرء وبها كانوا يفخرون على المؤمنين، فذكر الله أن هذين اللذين هما بهذه الأوصاف لا غناء فيهما من عقاب الله في الآخرة، فإذا لم تغن هذه فغيرها من الأمور البعيدة أحرى أن لا يغني وقوله تعالى: ﴿أصحابه﴾ إضافة تخصیص ما، تقتضي ثبوت ذلك لهم ودوامه . وقوله تعالى: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا) الآية، معناه: المثال القائم في النفوس من إنفاقهم الذي يعدونه قربة وحسبة وتحنثاً ومن حبطه يوم القيامة وكونه هباء منثوراً، وذهابه كالمثال القائم في النفوس من زرع قوم نبت واخضرّ وقوي الأمل فيه فهبت عليه ﴿ريح فيها صر﴾ محرق فأهلكته، فوقع ٤٩٥ تفسير سورة آل عمران / الآيات: ١١٥ - ١١٧ التشبيه بين شيئين وشيئين، ذكر الله عز وجل أحد الشيئين المشبهين وترك ذكر الآخر ثم ذكر أحد الشيئين المشبه بهما وليس الذي يوازي المذكور الأول، وترك ذكر الآخر، ودل المذكور أن على المتروكين، وهذه غاية البلاغة والإيجاز، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع﴾ [البقرة: ١٧١]، وقرأ عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، ((تنفقون)) بالتاء على معنى قل لهم يا محمد، و﴿مثل﴾ رفع بالابتداء وخبره في محذوف به تتعلق الكاف من قوله ﴿كمثل﴾، و﴿ما﴾ بمعنى الذي وجمهور المفسرين على أن ﴿ينفقون﴾ يراد به الأموال التي كانوا ينفقونها في التحنث وفي عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك عندهم قربة، وقال السدي : ﴿ينفقون﴾ معناه من أقوالهم التي يبطنون ضدها. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الآية في منافقين والآية إنما هي في كفار يعلنون مثل ما يبطنون، وذهب بعض المفسرين إلى أن ﴿ينفقون﴾ يراد به أعمالهم من الكفر ونحوه، أي هي ((كالريح التي فيها صر)»، فتبطل كل ما لهم من صلة رحم وتحنث بعتق ونحوه، كما تبطل الريح الزرع، وهذا قول حسن لولا بعد الاستعارة في الإنفاق، و((الصر)» البرد الشديد، المحرق لكل ما يهب عليه وهو معروف قال ابن عباس وجمهور المفسرين: (الصر)) البرد، وتسميه العرب الضريب، وذهب الزجّاج وغيره: إلى أن اللفظة من التصويت، من قولهم صر الشيء، ومنه الريح الصرصر، قال الزجاج: فالصر صوت النار التي في الريح . قال القاضي: ((الصر)) هو نفس جهنم الذي في الزمهرير يحرق نحواً مما تحرق النار، و((الحرث)) شامل للزرع والثمار، لأن الجميع مما يصدر عن إثارة الأرض، وهي حقيقة الحرث، ومنه الحديث لا زكاة إلا في عين أو حرث أو ماشية، وقال عز وجل: ﴿ظلموا أنفسهم) فما بال هذا التخصيص والمثل صحيح، وإن كان الحرث لمن لم يظلم نفسه؟ فالجواب أن ظلم النفس في هذه الآية تأوله جمهور المفسرين بأنه ظلم بمعاصي الله، فعلى هذا وقع التشبيه بحرث من هذه صفته، إذ عقوبته أوخى وأخذ الله له أشد والنقمة إليه أسرع وفيه أقوى، كما روي في جوف العير وغيره، وأيضاً فمن أهل العلم من يرى أن كل مصائب الدنيا فإنما هي بمعاصي العبيد، وينتزع ذلك من غير ما آية في القرآن، فيستقيم على قوله: إن كل حرث تحرقه ريح فإنما هو لمن قد ظلم نفسه، وذهب بعض الناس ونحا إليه المهدوي: إلى أن قوله تعالى : ﴿حرث قوم ظلموا أنفسهم﴾ معناه زرعوا في غير أوان الزراعة. قال أبو محمد: وينبغي أن يقال في هذا: ﴿ظلموا أنفسهم﴾ بأن وضعوا أفعال الفلاحة غير موضعها من وقت أو هيئة عمل، ويخص هؤلاء بالذكر لأن الحرق فيما جرى هذا المجرى أو عب وأشد تمكناً، وهذا المنزع يشبهه من جهة ما قول امرىء القيس: [المتقارب] وسالفة كَسحوقِ اللَّيا نِ أَضرِمَ فيها الغويُّ السعرُ فخصص الغويّ لأنه يلقي النار في النخلة الخضراء الحسنة التي لا ينبغي أن تحرق، فتطفىء النار عن نفسها رطوبتها بعد أن تتشذب وتسود، فيجيء الشبه حسناً، والرشيد لا يضرم النار إلا فيما يبس واستحق فهو يذهب ولا يبقى منه ما يشبه به، والضمير في ﴿ظلمهم﴾ للكفار الذين تقدم ضميرهم في ﴿ينفقون﴾ ٤٩٦ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١١٨ وليس هو للقوم ذوي الحرث لأنهم لم يذكروا ليرد عليهم، ولا ليبين ظلمهم وأيضاً فقوله: ﴿ولكن أنفسهم يظلمون﴾، يدل على فعل الحال في حاضرين. قوله تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَذَخِذُ واْبِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَذُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيِّنَّا لَكُمُ الَْيَتِّ إِنْ كُمْتَعْقِلُونَ ١١٨ نهى الله تعالى المؤمنين بهذه الآية عن أن يتخذوا من الكفار واليهود أخلاء يأنسون بهم في الباطن من أمورهم ويفاوضونهم في الآراء ويستنيمون إليهم، وقوله: ﴿من دونكم﴾ يعني من دون المؤمنين، ولفظة ((دون)) تقتضي فيما أضيف إليه أنه معدوم من القصة التي فيها الكلام، فشبه الأخلاء بما يلي بطن الإنسان من ثوبه، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ما من خليفة ولا ذي إمرة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه والمعصوم من عصم الله، وقوله: ﴿لا يألونكم خبالاً﴾ معناه لا يقصرون لكم فيما فيه الفساد عليكم، تقول: ما ألوت في كذا أي ما قصرت بل اجتهدت ومنه قول زهير: فلم يلحقوا ولم يليموا ولم يألوا جرى بعدهم قوم لكي يلحقوهم أي لم يقصروا، والخبل والخبال: الفساد، وقال ابن عباس: كان رجال من المؤمنين يواصلون رجالاً من اليهود للجوار والحلف الذي كان بينهم في الجاهلية، فنزلت الآية في ذلك، وقال أيضاً ابن عباس وقتادة والربيع والسدي: نزلت في المنافقين: نهى الله المؤمنين عنهم، وروى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربياً فسره الحسن بن أبي الحسن، فقال أراد عليه السلام، لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم ولا تنقشوا في خواتيمكم (محمداً). قال القاضي: ويدخل في هذه الآية استكتاب أهل الذمة وتصريفهم في البيع والشراء والاستنامة إليهم، وروي أن أبا موسى الأشعري استكتب ذمياً فكتب إليه عمر يعنفه، وتلا عليه هذه الآية، وقيل لعمر: إن هاهنا رجلاً من نصارى الحيرة لا أحد أكتب منه ولا أخط بقلم، أفلا يكتب عنك؟ فقال: إذاً أتخذ بطانة من دون المؤمنين، و﴿ما﴾ في قوله، ﴿ما عنتم﴾ مصدرية، فالمعنى: ﴿ودوا﴾ عنتكم، و((العنت)): المشقة والمكروه يلقاه المرء وعقبة عنوت: أي شاقة، وقوله تعالى: ﴿ذلك لمن خشى العنت﴾ [النساء: ٣٥] معناه المشقة إما في الزنا وإما في ملك الإرب قال السدي: معناه ((ودوا)) ما ضللتم، وقال ابن جريج: المعنى ((ودوا)) أن تعنتوا في دينكم ويقال عنت الرجل يعنت بكسر النون في الماضي، وقوله تعالى: ﴿قد بدت البغضاء من أفواههم﴾ يعني بالأقوال، فهم فوق المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه وخص تعالى الأفواه بالذكر دون الألسنة إشارة إلى شدقهم وثرثرتهم في أقوالهم هذه، ويشبه هذا الذي قلناه ما في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يتشحى الرجل في عرض أخيه، معناه: أن يفتح فاه به يقال شحّى الحمار فاه ٤٩٧ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١١٩ بالنهيق وشحّى اللجام في الفرس، والنهي في أن يأخذ أحد عرض أخيه همساً راتب، فذكر التشحي إنما هو إشارة إلى التشدق والانبساط، وقوله: ﴿وما تخفي صدورهم أكبر﴾ إعلام بأنهم يبطنون من البغضاء أكثر مما يظهرون بأفواههم، وفي قراءة عبد الله بن مسعود: ((قد بدا البغضاء)) بتذكير الفعل، لما كانت ﴿البغضاء﴾ بمعنى البغض، ثم قال تعالى للمؤمنين، ﴿قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون﴾ تحذيراً وتنبيهاً، وقد علم تعالى أنهم عقلاء ولكن هذا هز للنفوس كما تقول: إن كنت رجلاً فافعل كذا وكذا. قوله تعالی : هَأَنتُمْ أُوْلَاءٍ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِّهِ، وَإِذَا لَقُوَكُمْ قَالُوَاْ ءَامَنَا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيَطِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ تقدم إعراب نظير هذه الآية وقراءتها في قوله تعالى آنفاً: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم﴾ [آل عمران: ٦٦] والضمير في ﴿تحبونهم﴾ لمنافقي اليهود الذين تقدم ذكرهم في قوله: ﴿بطانة من دونكم﴾ [آل عمران: ١١٨] والضمير في هذه الآية اسم للجنس، أي تؤمنون بجميع الكتب وهم لا يؤمنون بقرآنكم، وإنما وقف الله تعالى المؤمنين بهذه الآية على هذه الأحوال الموجبة لبغض المؤمنين لمنافقي اليهود واطراحهم إياهم، فمن تلك الأحوال أنهم لا يحبون المؤمنين وأنهم يكفرون بكتابهم وأنهم ينافقون عليهم ويستخفون بهم ويغتاظون ويتربصون الدوائر عليهم، وقوله تعالى: ﴿عضوا عليكم الأنامل﴾ عبارة عن شدة الغيظ مع عدم القدرة على إنفاذه ومنه قول أبي طالب: [الطويل] (يعضُّون غَيْظاً خَلْفَنَا بِالْأَنَامِلِ) ومنه قول الآخر [الفرزدق]: وَقَدْ شَهِدَتْ قَيْسٌ فَمَا كَانَ نَصْرُهَا قُتَيْبَةَ إِلّ عَضَّهَا بِالأَباهِمِ وهذا العض هو بالأسنان، وهي هيئة في بدن الإنسان تتبع هيئة النفس الغائظة، كما أن عض اليد على اليد يتبع هيئة النفس النادمة فقط، إلى غير ذلك من عد الحصى والخط في الأرض للمهموم ونحوه، ويكتب هذا العض بالضاد، ويكتب عظ الزمان بالظاء المشالة وواحد ((الأنامل)) أنملة بضم الميم، ويقال بفتحها والضم أشهر، ولا نظير لهذا الاسم في بنائه إلا أشد، له نظائر في الجموع، وقوله ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾ يقتضي أن الآية في منافقي اليهود لا في منافقي العرب، ويعترضها أن منافقي اليهود لم يحفظ عنهم أنهم كانوا يؤمنون في الظاهر إيماناً مطلقاً ويكفرون في الباطن، كما كان المنافقون من العرب يفعلون، إلا ما روي من أمر زيد بن الصيت القينقاعي فلم يبق إلا أن قولهم: ﴿آمنا﴾ معناه: صدقنا أنه نبي مبعوث إليكم، أي فكونوا على دينكم ونحن أولياؤكم وإخوانكم ولا نضمر لكم إلا المودة، ولهذا كان بعض المؤمنين يتخذهم بطانة، وهذا منزع قد حفظ أن كثيراً من اليهود كان يذهب إليه، ويدل على هذا التأويل أن المعادل لقولهم ﴿آمنا﴾، ((عض الأنامل من الغيظ»، وليس هو ما يقتضي الارتداد كما هو في قوله ٤٩٨ تفسير سورة آل عمران / الآية: ١٢٠ تعالى: ﴿وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنّا معكم﴾ [البقرة: ١٤] بل هو ما يقتضي البغض وعدم المودة، وكان أبو الجوزاء إذا تلا هذه الآية قال: هم الإباضية. قال القاضي أبو محمد: وهذه الصفة قد تترتب في أهل بدع من الناس إلى يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿قل موتوا بغيظكم﴾، قال فيه الطبري وكثير من المفسرين: هو دعاء عليهم .. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا يتجه أن يدعى عليهم بهذا مواجهة وغير مواجهة، قال قوم: بل أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن يواجهوهم بهذا. قال القاضي أبو محمد: فعلى هذا زال معنى الدعاء وبقي معنى التقريع والإغاظة، ويجري المعنى مع قول مسافر بن أبي عمرو: وننمي في ارومتنا ونفقأ عين من حسدا وينظر إلى هذا المعنى في قوله، ﴿موتوا بغيظكم﴾ قوله تعالى: ﴿فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع﴾ [الحج: ١٥]، وقوله: ﴿إن الله عليم بذات الصدور) وعيد يواجهون به على هذا التأويل الأخير في ﴿موتوا بغيظكم﴾ و((ذات الصدور)): ما تنطوي عليه، والإشارة هنا إلى المعتقدات ومن هذا قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: إنما هو ذو بطن بنت خارجة، ومنه قولهم: الذيب مغبوط بذي بطنه، والـ ((ذات)): لفظ مشترك في معان لا يدخل منها في هذه الآية إلا ما ذكرناه. قوله تعالى : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّ كُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ١٢٠ ((الحسنة والسيئة)) في هذه الآية لفظ عام في كل ما يحسن ويسوء، وما ذكر المفسرون من الخصب والجدب واجتماع المؤمنين ودخول الفرقة بينهم وغير ذلك من الأقوال، فإنما هي أمثلة وليس ذلك باختلاف وذكر تعالى ((المس في الحسنة)) ليبين أن بأدنى طروء الحسنة تقع المساءة بنفوس هؤلاء المبغضين، ثم عادل ذلك بالسيئة بلفظ الإصابة وهي عبارة عن التمكن، لأن الشيء المصيب لشيء فهو متمكن منه أو فيه، فدل هذا المنزع البليغ على شدة العداوة، إذ هو حقد لا يذهب عند الشدائد، بل يفرحون بنزول الشدائد بالمؤمنين، وهكذا هي عداوة الحسد في الأغلب، ولا سيما في مثل هذا الأمر الجسيم الذي هو ملاك الدنيا والآخرة وقد قال الشاعر: [البسيط] كلُّ العداوةِ قَدْ تُرجى إزالْتُها إلّ عداوةٌ مَنْ عَادَاكَ مِنْ حَسَدٍ ولما قرر تعالى هذا الحال لهؤلاء المذكورين، وأوجبت الآية أن يعتقدهم المؤمنون بهذه الصفة، جاء قوله تعالى: ﴿وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً﴾ تسلية للمؤمنين وتقوية لنفوسهم، وشرط ذلك بالصبر والتقوى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع: ((لا يضِرْكم)) بكسر الضاد وجزم الراء وهو من ضار يضير ٤٩٩ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٢٢،١٢١ بمعنى ضر يضر وهي لغة فصيحة، وحكى الكسائي: ضار يضور، ولم يقرأ على هذه اللغة، ومن ضار يضير في كتاب الله ﴿لا ضير﴾ [الشعراء: ٥٠] ومنه قول أبي ذؤيب الهذلى: فَقِيلَ تَحْمَّلْ فَوْقَ طَوْفِكَ إنّها مُطَبِّعَةٌ مَنْ يأْتِها لا يَضِيرُها يصف مدينة، والمعنى فليس يضيرها، وفي هذا النفي المقدر بالفاء هو جواب الشرط، ومن اللفظ قول توبة بن الحمير: وَقَالَ أُناسٌ لا يُضِيرُكَ نَأْيُها بَلَى كلُّ ما شقَّ النُّفُوسَ يَضِيرُها وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي: ((لا يضُرُّكم)) بضم الضاد والراء والتشديد في الراء، وهذا من ضر يضر، وروي عن حمزة مثل قراءة أبي عمرو، وأما إعراب هذه القراءة فجزم، وضمت الراء للالتقاء، وهو اختيار سيبويه في مثل هذا إتباعاً لضمة الضاد، ويجوز فتح الراء وكسرها مع إرادة الجزم، فأما الكسر فلا أعرفها قراءة، وعبارة الزجّاج في هذا متجوز فيها، إذ يظهر من درج كلامه أنها قراءة، وأما فتح الراء من قوله ((لا يضرَّكم)) فقرأ به عاصم فيما رواه أبو زيد عن المفضل عنه، ويجوز أيضاً أن يكون إعراب قوله، ((لا يضركم))، رفعاً إما على تقدير، فليس يضركم، على نحو تقدم في بيت أبي ذؤيب، وإما على نية التقدم على ((وإن تصبروا)) كما قال [جرير بن عبد الله]: [الرجز] يَا أَقْرَعُ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ إِنَّكَ إِنْ يُصْرَغْ أَخُوكَ تُصْرَعُ المراد أنك تصرع، وقرأ أبي بن كعب: ((لا يضرركم)) براءين وذلك على فك الإدغام وهي لغة أهل الحجاز وعليها قوله تعالى في الآية ﴿إن تمسسكم﴾ ولغة سائر العرب الإدغام في مثل هذا كله، و ((الکید)) الاحتيال بالأباطيل وقوله تعالى: ﴿وأكيد كيداً﴾ [الطارق: ١٦] إنما هي تسمية العقوبة باسم الذنب، وقوله تعالى: ﴿إن الله بما يعملون محيط﴾ وعيد، والمعنى محيط جزاؤه وعقابه وبالقدرة والسلطان، وقرأ الحسن: ((بما تعملون)) بالتاء، وهذا إما على توعد المؤمنين في اتخاذ هؤلاء بطانة، وإما على توعد هؤلاء المنافقین بتقدیر: قل لهم یا محمد. قوله تعالى : إِذْهَمَّت (١٢١ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمُ طَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَّا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ١٢٢ ذهب الطبري رحمه الله إلى أن هذه الآية متصلة بمعنى ما تقدمها من الآيات والظاهر أنها استقبال أمر آخر، لأن تلك مقاولة في شأن منافقي اليهود، وهذا ابتداء عتب المؤمنين في أمر أحد، فالعامل في ﴿إذ﴾ فعل مضمر تقديره واذكر، وقال الحسن: هذا الغدو المذكور في هذه الآية ((لتبويء المؤمنين)) الذي كان في غزوة الأحزاب. قال القاضي أبو محمد: وخالفه الناس، والجمهور على أن ذلك كان في غزوة أحد، وفيها نزلت هذه أ ١ أ İ ٥٠٠ تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ١٢٢،١٢١ الآيات كلها، وكان من أمر غزوة أحد أن المشركين اجتمعوا في ثلاثة آلاف رجل، وقصدوا المدينة ليأخذوا بثأرهم في يوم بدر، فنزلوا عند أحد يوم الأربعاء الثاني عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، على رأس أحد وثلاثين شهراً من الهجرة، وأقاموا هنالك يوم الخميس، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة يدبر وينتظر أمر الله تعالى، فلما كان في صبيحة يوم الجمعة جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستشارهم وأخبرهم أنه كان يرى بقرة تذبح وثلماً في ذباب سيفه، وأنه يدخل يده في درع حصينة، وأنه تأولها المدينة، وقال لهم، أرى أن لا نخرج إلى هؤلاء الكفار، فقال له عبد الله بن أبي ابن سلول: أقم یا رسول الله ولا تخرج إليهم بالناس، فإن هم أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن انصرفوا مضوا خائبين، وإن جاؤونا إلى المدينة قاتلناهم في الأفنية ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من الآطام، فوالله ما حاربنا قط عدواً في هذه المدينة إلا غلبناه، ولا خرجنا منها إلى عدو إلا غلبنا، فوافق هذا الرأي رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأي جماعة عظيمة من المهاجرين والأنصار، وقال قوم من صلحاء المؤمنين ممن كان فاتته بدر: يا رسول الله اخرج بنا إلى عدونا، وشجعوا الناس ودعوا إلى الحرب، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس صلاة الجمعة وقد جشمه هؤلاء الداعون إلى الحرب، فدخل إثر صلاته بيته ولبس سلاحه، فندم أولئك القوم وقالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما خرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في سلاحه، قالوا: يا رسول الله أقم إن شئت، فإنّا لا نريد أن نكرهك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس سلاحه أن يضعها حتى يقاتل ثم خرج بالناس، وسار حتى قرب من عسكر المشركين هناك وبات تلك الليلة، وقد غضب عبد الله بن أبي ابن سلول وقال: أطاعهم وعصاني، فلما كان في صبيحة يوم السبت، اعتزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السير إلى مناجزة المشركين، فنهض وهو في ألف رجل، فانعزل عنه عند ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول بثلاثمائة رجل من الناس، من منافق ومتبع، وقالوا: نظن أنكم لا تلقون قتالاً، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سبعمائة، فهمت عند ذلك بنو حارثة من الأوس وبنو سلمة من الخزرج بالانصراف، ورأوا كثافة المشركين وقلة المسلمين، وكادوا أن يجبنوا ويفشلوا فعصمهم الله تعالى، وذم بعضهم بعضاً، ونهضوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أطل على المشركين، فتصافَّ الناس، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر على الرماة عبد الله بن جبير، وكانوا خمسين رجلاً، وجعلهم يحمون الجبل وراء المسلمين، وأسند هو إلى الجبل، فلما أضرمت الحرب انكشف المشركون وانهزموا، وجعل نساء المشركين تبدو خلاخلهن وهن يسندن في صفح جبل، فلما رأى الرماة ذلك قالوا: الغنيمة الغنيمة أيها المسلمون، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال لهم: لا تبرحوا من هنا ولو رأيتمونا تتخطفنا الطير، فقال لهم عبد الله بن جبير وقوم منهم: اتقوا الله واثبتوا كما أمركم نبيكم، فعصوا وخالفوا وزالوا متبعين، وكان خالد بن الوليد قد تجرد في جريدة خيل وجاء من خلف المسلمين حيث كان الرماة، فحمل على الناس ووقع التخاذل وصيح في المسلمين من مقدمتهم ومن ساقتهم، وصرخ صارخ: قتل محمد، فتخاذل الناس واستشهد من المسلمين نيف على سبعين، قال مكي: قال مالك رحمه الله: قتل من المهاجرين يوم أحد أربعة، ومن الأنصار سبعون وتحيز رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعلى الجبل