النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٥١،٥٠
مسعود ((لآيات)) على الجمع، وقوله ﴿إن كنتم مؤمنين)، توقيف والمعنى، لآيات نافعة هادية إن آمنتم
وأبصرتم وإلا فليست بنافعة ولا هادية، فأما كونها آيات فعلى كل حال آمنوا أو كفروا، هذا كله على أن
المخاطبة لمن لم يؤمن - بعد - وهو ظاهر حاله مع بني إسرائيل، وإن كان خطابه لمؤمنين، أو كما كانوا
مؤمنين بموسى، فمعنى الآية التثبيت وهز النفس كما تقول لإنسان تقيم نفسه إلى شيء: ما أنت يا فلان
يلزمك أن تفعل كذا وكذا إن كنت من الرجال.
قوله تعالى :
وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التَّوْرَيَةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِثَايَةٍ
مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٢) إِنَّ اللَّهَ رَبِّ وَرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُوهٌ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
٥١
قوله: ﴿مصدقاً﴾ حال معطوفة على قوله: ﴿إني قد جئتكم بآية﴾ [آل عمران: ٤٩]، لأن قوله ﴿بآية﴾
في موضع الحال، وكان عيسى عليه السلام مصدقاً للتوراة متبعاً عاملاً بما فيها، قال وهب بن منبه: كان
يسبت ويستقبل بيت المقدس، وقال قتادة في تفسير قوله: ﴿ولأحل لكم بعض الذي حرم علیکم﴾، کان
الذي جاء به عيسى ألين من الذي جاء به موسى، وقال ابن جريج، أحل لكم لحوم الإبل والشحوم، قال
الربيع: وأشياء من السمك، وما لا صيصية له من الطير، وكان في التوراة محرمات تركها شرع عيسى على
حالها، فلفظة ((البعض)) على هذا متمكنة، وقال أبو عبيدة: ((البعض)) في هذه الآية بمعنى الكل، وخطأه
الناس في هذه المقالة وأنشد أبو عبيدة شاهداً على قوله بيت لبيد: [الكامل]
أو يخترمْ بعضَ النفوسِ حِمامُها
ترَّاكُ أَمْكِنَّةٍ إذا لمْ يَرْضَها
وليست في البيت له حجة لأن لبيداً أراد نفسه فهو تبعيض صحيح، وذهب بعض المفسرين إلى أن
قوله تعالى: ﴿حرم عليكم﴾ إشارة إلى ما حرمه الأحبار بعد موسى وشرعوه، فكأن عيسى رد أحكام التوراة
إلى حقائقها التي نزلت من عند الله تعالى، وقال عكرمة: ((حرم عليكم)) بفتح الحاء والراء المشددة، وإسناد
الفعل إلى الله تعالى أو إلى موسى عليه السلام، وقرأ الجمهور ﴿وجئتكم بآية﴾ وفي مصحف عبد الله بن
مسعود، ((وجئتكم بآيات)) من ربكم، وقوله تعالى: ﴿فاتقوا الله وأطيعون﴾ تحذير ودعاء إلى الله تعالى.
وقرأ جمهور الناس ﴿إن الله ربي وربكم) بكسر الألف على استئناف الخبر، وقرأه قوم ((أن الله ربي
وربكم)) بفتح الألف قال الطبري: ((إن)) بدل من ((آية))، في قوله ﴿جئتكم بآية﴾، وفي هذا ضعف وإنما
التقدير أطيعون، لأن الله ربي وربكم، أو يكون المعنى، لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، وقوله ﴿هذا صراط
مستقيم) إشارة إلى قوله: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾، وهو لأن ألفاظه جمعت الإيمان والطاعات،
والصراط، الطريق، والمستقيم، الذي لا اعوجاج فيه.
قوله تعالى :
قْلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ

٤٤٢
٠
تفسير سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٥٤
رَبَّنَآءَ امَنَا بِمَآ أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ
٥٢
ءَامَنَّابِاللَّهِ وَأَشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ(
٥٤
وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ
٥٣
الشَّهِدِينَ
قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات، تقديره، فجاء عيسى عليه السلام كما بشر الله به فقال
جميع ما ذكر لبني إسرائيل، ﴿فلما أحس﴾ ومعنى أحس، علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في
تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراض يقال أحسست بالشيء وحسيت به، أصله،
حسست فأبدلت إحدى السينين ياء، ﴿والكفر﴾ هو التكذيب به، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله، فحينئذ
طلب النصر، والضمير في ﴿منهم﴾ لبني إسرائيل، وقوله تعالى: ﴿قال من أنصاري إلى الله﴾ عبارة عن
حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه، كما كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على
القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم، وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها يقال ﴿من أنصاري
إلى الله﴾، ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله للناس، والأنصار جمع نصير، كشهيد وأشهاد
وغير ذلك، وقيل جمع ناصر، كصاحب وأصحاب وقوله: ﴿إلى الله﴾ يحتمل معنيين، أحدهما، من ينصرني
في السبيل إلى الله؟ فتكون ﴿إلى﴾ دالة على الغاية دلالة ظاهرة على بابها، والمعنى الثاني، أن يكون التقدير
من يضيف نصرته إلى نصرة الله لي؟ فيكون بمنزلة قوله ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ [النساء: ١] فإذا
تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء، وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها
بمعنى مع ونعم، إن - مع - تسد في هذه المعاني مسد ((إلى)) لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن ﴿إلى﴾
بمعنى مع حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: ٦]
فقال ﴿إلى﴾ بمعنى مع وهذه عجمة بل ﴿إلى﴾ في هذه الآية، غاية مجردة، وينظر هل يدخل ما بعد إلى فيما
قبلها من طريق آخر، و﴿الحواريون﴾، قوم مر بهم عيسى عليه السلام، فدعاهم إلى نصره، واتباع ملته،
فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام، وصبروا في ذات الله، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك، واختلف
الناس لم قيل لهم ﴿الحواريون﴾؟ فقال سعيد بن جبير، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها، وقال أبو أرطأة،
سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب، أي يبيضونها، وقال قتادة، الحواريون أصفياء الأنبياء،
الذين تصلح لهم الخلافة، وقال الضحاك نحوه.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا تقرير حال القوم، وليس بتفسير اللفظة، وعلى هذا الحد شبه
النبي عليه السلام، ابن عمته بهم في قوله: وحواريَّ الزبير، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ، إذ هي من
الحور، وهو البياض، حورت الثوب بيضته ومنه الحواري، وقد تسمي العرب النساء الساكنات في
الأمصار، الحواريات، لغلبة البياض عليهن، ومنه قول أبي جلدة اليشكري :
ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح
فقل للحواریسات يبكين غيرنسا
وحكى مكي : أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى، وكان آخر ما دفعته إلى
الحواربين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألواناً شتى من ماء واحد، وقرأ

:
٤٤٣
تفسير سورة آل عمران / الآيات : ٥٢ - ٥٤
جمهور الناس ((الحواريّون)) بتشديد الياء، واحدهم - حواري - وليست بياء نسب وإنما هي كياء كرسي،
وقرأ إبراهيم النخعي وأبو بكر الثقفي: ((الحواريون)) مخففة الياء في جميع القرآن، قال أبو الفتح: العرب
تعاف ضمة الياء الخفيفة المكسور ما قبلها وتمتنع منها، ومتى جاءت في نحو قولهم، العاديون والقاضيون
والساعيون أعلت بأن تستثقل الضمة فتسكن الياء وتنقل حركتها ثم تحذف لسكونها وسكون الواو بعدها
فيجيء العادون ونحوه، فكان يجب على هذا أن يقال، الحوارون، لكن وجه القراءة على ضعفها أن الياء
خففت استثقالاً لتضعيفها وحملت الضمة دلالة على أن التشديد مراد، إذ التشديد محتمل للضمة، وهذا
كما ذهب أبو الحسن في تخفيف يستهزئون إلى أن أخلص الهمزة ياء البتة وحملها الضمة تذكر الحال
المرادة فيها .
وقول الحواريين: ﴿واشهد﴾ يحتمل أن يكون خطاباً لعيسى عليه السلام، أي اشهد لنا عند الله،
ويحتمل أن يكون خطاباً لله تعالى كما تقول: أنا أشهد الله على كذا، إذا عزمت وبالغت في الالتزام، ومنه
قول النبي عليه السلام في حجة الوداع: اللهم اشهد، قال الطبري: وفي هذه الآية توبيخ لنصارى نجران،
أي هذه مقالة الأسلاف المؤمنين بعيسى، لا ما تقولونه أنتم، يا من يدعي له الألوهية .
وقولهم: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾ يريدون الإنجيل وآيات عيسى، و﴿الرسول﴾ عيسى عليه السلام،
وقولهم: ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾ عبارة عن الرغبة في أن يكونوا عنده في عداد من شهد بالحق من مؤمني
الأمم، ولما كان البشر يقيد ما يحتاج إلى علمه وتحقيقه في ثاني حال بالكتاب، عبروا عن فعل الله بهم
ذلك وقال ابن عباس: قولهم ﴿مع الشاهدين﴾ معناه اجعلنا من أمة محمد عليه السلام في أن نكون ممن
يشهد على الناس.
ثم أخبر تعالى عن بني إسرائيل الكافرين بعيسى فقال: ﴿ومكروا﴾ يريد تحيلهم في أخذ عيسى
للقتل بزعمهم، ويروى أنهم تحيلوا له، وأذكوا عليه العيون حتى دخل هو والحواريون بيتاً فأخذوهم فيه،
فهذا مكر بني إسرائيل، وجازاهم الله تعالى بأن طرح شبه عيسى على أحد الحواريين ورفع عيسى، وأعقب
بني إسرائيل مذلة وهواناً في الدنيا والآخرة، فهذه العقوبة هي التي سماها الله مكراً في قوله ﴿ومكر الله﴾
وهذا مهيع أن تسمى العقوبة باسم الذنب وإن لم تكن في معناه، وعلى هذا فسر جمهور المفسرين الآية،
وعلى أن عيسى قال للحواريين: من يصبر فيلقى عليه شبهي فيقتل وله الجنة؟ فقال أحدهم - أنا - فكان
ذلك، وروى قوم أن بني إسرائيل دست يهودياً جاسوساً على عيسى حتى صحبه ودلهم عليه ودخل معه
لبيت فلما أحيط بهم ألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل اليهودي فأخذ وصلب، فهذا معنى قوله:
﴿ومكروا ومكر الله﴾ وهذه أيضاً تسمية عقوبة باسم الذنب، والمكر في اللغة، السعي على الإنسان دون
ن يظهر له ذلك، بل أن يبطن الماكر ضد ما يبدي، وقوله ﴿والله خير الماكرين﴾ معناه في أنه فاعل في حق
ـي ذلك، والماكر من البشر فاعل باطل في الأغلب، لأنه في الأباطيل يحتاج إلى التحيل، والله سبحانه
شد بطشاً وأنفذ إرادة، فهو خير من جهات لا تحصى، لا إله إلا هو، وذكر حصر عيسى عليه السلام،
عدة أصحابه به وأمر الشبه وغير ذلك من أمره سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى .
i
٠

٤٤٤
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٥٥ - ٥٧
قوله تعالى :
إِذَقَالَ اللَّهُ يَعِيسَىّ إِنِّ مُتَوَفِيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ أَتَبَعُوكَ
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوْإِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِّ ثُمَّإِلَىَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْفِيهِ تَخْتَلِفُونَ
فَأَمَا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَاُلْآَخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّنْ نَصِرِينَ
٥٥
وَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ
قال الطبري: العامل في ﴿إِذ﴾ قوله تعالى ﴿ومكر الله﴾ [آل عمران: ٥٤] وقال غيره من النحاة:
العامل فعل مضمر تقديره اذكر.
قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الأصوب، وهذا القول هو بواسطة الملك لأن عيسى ليس بمكلم،
و﴿عيسى﴾ اسم أعجمي معرف، فلذلك لا ينصرف وهو بالسريانية - ايسوع - عدلته العرب إلى ﴿عيسى﴾،
واختلف المفسرون في هذا التوفي ، فقال الربيع : هي وفاة نوم، رفعه الله في منامه، وقال الحسن وابن جريج ومطر
الوراق ومحمد بن جعفر بن الزبير وجماعة من العلماء: المعنى أني قابضك من الأرض، ومحصئك أني
مميتك، هذا لفظ ابن عباس ولم يفسر، فقال وهب بن منبه: توفاه الله بالموت ثلاث ساعات ورفعه فيها ثم
أحياه الله بعد ذلك، عنده في السماء وفي بعض الكتب، سبع ساعات، وقال الفراء: هي وفاة موت ولكن
المعنى، ﴿إني متوفيك﴾ في آخر أمرك عند نزولك وقتلك الدجال، ففي الكلام تقديم وتأخير، وقال مالك في
جامع العتبية: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ووقع في كتاب مكي عن قوم: أن معنى ﴿متوفیك﴾
متقبل عملك، وهذا ضعيف من جهة اللفظ.
قال القاضي أبو محمد: وأجمعت الأمة على ما تضمنه الحديث المتواتر من أن عيسى عليه السلام
في السماء حي، وأنه ينزل في آخر الزمان فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويقتل الدجال ويفيض العدل
ويظهر هذه الملة ملة محمد ويحج البيت ويعتمر، ويبقى في الأرض أربعاً وعشرين سنة، وقيل أربعين
سنة، ثم یمیته الله تعالی .
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فقول ابن عباس رضي الله عنه: هي وفاة موت لا بد
أن يتمم، إما على قول وهب بن منبه، وإما على قول الفراء، وقوله تعالى: ﴿ورافعك إليّ﴾ عبارة عن نقله
إلى علو من سفل وقوله ﴿إلى﴾ إضافة تشريف لما كانت سماءه والجهة المكرمة المعظمة المرجوة، وإلا
فمعلوم أن الله تعالى غير متحيز في جهة، وقوله تعالى: ﴿ومطهرك﴾ حقيقة التطهير إنما هي من دنس
ونحوه، واستعمل ذلك في السب والدعاوى والآثام وخلطة الشرار ومعاشرتهم، تشبيهاً لذلك كله بالأدناس،
فطهر الله العظيم عيسى من دعاوى الكفرة ومعاشرتهم القبيحة له، وقوله تعالى: ﴿وجاعل﴾ اسم فاعل
للاستقبال، وحذف تنوينه تخفيفاً، وهو متعد إلى مفعولين، لأنه بمعنى مصيِّر فأحدهما ﴿الذين﴾ والآخر في
قوله: ﴿فوق الذين كفروا﴾ وقال ابن زيد: الذين اتبعوه هم النصارى والذين كفروا هم اليهود، والآية

٤٤٥
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٥٨ - ٦١
مخبرة عن إذلال اليهود وعقوبتهم بأن النصارى فوقهم في جميع أقطار الأرض إلى يوم القيامة .
قال القاضي أبو محمد: فخصص ابن زيد المتبعين والكافرين وجعله حكماً دنيوياً لا فضيلة فيه
للمتبعين الكفار منهم بل كونهم فوق اليهود عقوبة لليهود فقط، وقال جمهور المفسرين بعموم اللفظ في
المتبعين فيدخل في ذلك أمة محمد لأنها متبعة لعيسى، نص على ذلك قتادة وغيره، وكذلك قالوا بعموم
اللفظ في الكافرين، فمقتضى الآية إعلام عيسى عليه السلام أن أهل الإيمان به كما يجب هم فوق الذين
كفروا بالحجة والبرهان وبالعزة والغلبة، ويظهر من قول ابن جريج وغيره أن المراد المتبعون له في وقت
استنصاره وهم الحواريون جعلهم الله فوق الكافرين لأنه شرفهم وأبقى لهم في الصالحين ذكراً، فهم فوقهم
بالحجة والبرهان، وما ظهر عليهم من أمارات رضوان الله، وقوله تعالى ﴿ثم إليّ مرجعكم﴾ الخطاب
لعيسى، والمراد الإخبار بالقيامة والحشر فلذلك جاء اللفظ عاماً من حيث الأمر في نفسه لا يخص عيسى
وحده فكأنه قال له: ﴿ثم إلي﴾، أي إلى حكمي وعدلي، يرجع الناس، فخاطبه كما تخاطب الجماعة إذ هو
أحدها، وإذ هي مرادة في المعنى، وفي قوله تعالى: ﴿فاحكم﴾ إلى آخر الآية، وعد لعيسى والمؤمنين
ووعید للکافرین.
وقوله تعالى: ﴿فأما الذين كفروا﴾ الآية، إخبار بما يجعل عليه حالهم من أول أمرهم وليس بإخبار
عما يفعل بعد يوم القيامة، لأنه قد ذكر الدنيا وهي قبل، وإنما المعنى، فأما الكافرون فالصنع بهم أنهم
يعذبون ﴿عذاباً شديداً في الدنيا﴾ بالأسر والقتل والجزية والذل، ولم ينله منهم فهو تحت خوفه إذ يعلم أن
شرع الإسلام طالب له بذلك، وقد أبرز الوجود هذا، وفي ﴿الآخرة﴾ معناه، بعذاب النار، ثم ذكر قسم
الإيمان وقرن به الأعمال الصالحات تنبيهاً على درجة الكمال ودعاء إليها، وقرأ حفص عن عاصم
((فيوفيهم)) بالياء على الغيبة، والفعل مسند إلى الله تعالى، وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم ((فنوفيهم))
بالنون، وهي نون العظمة، وتوفية الأجور هي قسم المنازل في الجنة فذلك هو بحسب الأعمال، وأما نفس
دخول الجنة فبرحمة الله وبفضله، وتقدم نظير قوله ﴿والله لا يحب الظالمين) في قوله قبل ﴿فإن تولوا فإن
الله لا يحب الكافرين﴾ [آل عمران: ٣٢].
قوله تعالی :
ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَيَتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ﴿ إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَ ادَمَّ خَلَقَهُ
﴿ فَمَنْحَاجَّكَ فِيهِمِنْ
٦٠
اُلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُنُ مِّنَ اُلْمُمْتَرِينَ
مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَؤُ كُنْ فَيَكُونُ لُّ
بَعْدِ مَاجَآءَ كَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَذِسَاءَنَا وَنِسَاءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ
ثُمَّنَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اْللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ
﴿ذلك﴾ رفع بالابتداء والإشارة به إلى ما تقدم من الأنباء، و﴿نتلوه عليك﴾ خبر ابتداء وقوله ﴿من
الآيات﴾ لبيان الجنس، ويجوز أن تكون للتبعيض، ويصح أن يكون ﴿نتلوه عليك﴾ حالاً ويكون الخبر في
۔۔

٤٤٦
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٥٨ - ٦١
قوله ﴿من الآيات﴾ وعلى قول الكوفيين يكون قوله ﴿نتلوه﴾ صلة لذلك، على حد قولهم في بيت ابن
مفرغ الحميري :
وهذا تحملین طليق
ويكون الخبر في قوله: ﴿من الآيات﴾، وقول البصريين في البيت أن تحملين حال التقدير، وهذا
محمولاً، و﴿نتلوه﴾ معناه نسرده، و﴿من الآيات﴾ ظاهره آيات القرآن، ويحتمل أن یرید بقوله ﴿من الآيات﴾ من
المعجزات والمستغربات أن تأتيهم بهذه الغيوب من قبلنا، وبسبب تلاوتنا وأنت أمي لا تقرأ، ولست ممن
أصحب أهل الكتاب، فالمعنى أنها آيات لنبوتك، وهذا الاحتمال إنما يتمكن مع كون ﴿نتلوه﴾ حالاً،
و﴿الذكر﴾ ما ينزل من عند الله، و﴿الحكيم) يجوز أن يتأول بمعنى المحكم، فهو فعيل بمعنى مفعول،
ويصح أن يتأول بمعنى مصرح بالحكمة، فيكون بناء اسم الفاعل، قال ابن عباس، ﴿الذكر﴾ القرآن،
و ﴿الحكيم﴾ الذي قد کمل في حکمته.
وذكر ابن عباس وقتادة وعكرمة والسدي وغيرهم، قالوا سبب نزول قوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى﴾
الآية أن وفد نصارى نجران جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، وقالوا بلغنا أنك تشتم صاحبنا
وتقول هو عبد، فقال النبي عليه السلام، وما يضر ذلك عيسى، أجل هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم
وروح منه، فقالوا فهل رأيت بشراً قط جاء من غير فحل أو سمعت به؟ وخرجوا من عند النبي فأنزل الله عليه
هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿إن مثل﴾ عبر عنه بعض الناس، بأن صفة عيسى وقرنوا ذلك بقوله تعالى: ﴿مثل
الجنة﴾ [الرعد: ٣٥] قالوا: معناه صفة الجنة .
قال الإمام أبو محمد: وهذا عندي ضعف في فهم معنى الكلام وإنما المعنى: ((أن المثل)) الذي
تتصوره النفوس والعقول من عيسى هو كالمتصور من آدم إذ الناس كلهم مجمعون على أن الله تعالى خلقه
من تراب من غير فحل، وكذلك مثل الجنة عبارة عن المتصور منها، وفي هذه الآية صحة القياس، أي إذا
تصوروا أمر آدم قيس عليه جواز أمر عيسى عليه السلام والكاف في قوله: ﴿كمثل﴾ اسم على ما ذكرناه من
المعنى وقوله ﴿عند الله﴾ عبارة عن الحق في نفسه، أي هكذا هو الأمر فيما غاب عنكم، وقوله: ﴿خلقه
من تراب﴾ تفسير لمثل آدم، الذي ينبغي أن يتصور، والمثل والمثال بمعنى واحد، ولا يجوز أن يكون
﴿خلقه﴾ صلة لآدم ولا حالاً منه، قال الزجاج: إذ الماضي لا يكون حالاً أنت فيها بل هو كلام مقطوع منه،
مضمنه تفسير المثل، وقوله عز وجل: ﴿ثم قال﴾ ترتيب للأخبار لمحمد عليه السلام، المعنى خلقه من
تراب ثم كان من أمره في الأزل أن قاله له ﴿كن﴾ وقت كذا، وعلى مذهب أبي علي الفارسي، في أن القول
مجازي، مثل وقال قطني، وأن هذه الآية عبارة عن التكوين، فـ (ثم) على بابها في ترتيب الأمرين المذكورين،
وقراءة الجمهور ((فيكونُ))، بالرفع على معنى فهو يكون، وقرأ ابن عامر «فيكونَ)) بالنصب، وهي قراءة
ضعيفة الوجه، وقد تقدم توجيهها آنفاً في مخاطبة مريم.
وقوله تعالى: ﴿الحق من ربك﴾، رفع على الابتداء وخبره فيما يتعلق به، قوله ﴿من ربك﴾، أو الحق
ذلك، أو ما قلناه لك، ويجوز أن يكون خبر ابتداء، تقديره هذا الحق و ﴿الممترين﴾ هم الشاكون، والمرية

٤٤٧
تفسير سورة آل عمران / الآيات : ٥٨ - ٦١
الشك، ونهي النبي عليه السلام في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره،
ولو قيل: فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي عليه السلام عن
الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله.
وقوله تعالى: ﴿فمن حاجك فيه﴾ معناه جادلك ونازعك الحجة، والضمير في قوله: ﴿فيه﴾ يحتمل
أن يعود على ﴿عيسى﴾، ويحتمل أن يعود على ﴿الحق﴾، والعلم الذي أشير إليه بالمجيء هو ما تضمنته هذه
الآيات المتقدمة من أمر عيسى وقوله تعالى: ﴿فقل تعالوا﴾ الآية، استدعاء المباهلة و﴿تعالوا﴾ تفاعلوا من
العلو، وهي كلمة قصد بها أولاً تحسين الأدب مع المدعو ثم اطردت حتى يقولها الإنسان لعدوه وللبهيمة
ونحو ذلك و﴿نبتهل﴾ معناه نلتعن، ويقال عليهم بهلة الله بمعنى اللعنة، والابتهال: الجد في الدعاء
بالبهلة .
وروي في قصص هذه الآية: أنها نزلت بسبب محاجة نصارى نجران في عيسى عليه السلام وقولهم
هو الله، وكانوا يكثرون الجدال وقد روى عبد الله بن الحارث بن جزء السوائي عن النبي عليه السلام أنه
قال: ليت بيني وبين أهل نجران حجاباً فلا أراهم ولا يروني لشدة ما كانوا يمارون فلما قرأ النبي عليه
السلام الآية دعاهم إلى ذلك، فروى الشعبي وغيره: أنهم وعدوه بالغد أن يلاعنوه فانطلقوا إلى السيد
والعاقب فتابعاهم على أن يلاعنوا فانطلقوا إلى رجل آخر منهم عاقل فذكروا له ما صنعوا فذمهم وقال لهم:
إن كان نبياً ثم دعا عليكم هلكتم، وإن كان ملكاً فظهر لم يبق عليكم، قالوا فكيف نصنع وقد واعدناه؟
قال: إذا غدوتم فدعاكم إلى ذلك فاستعيذوا بالله من ذلك فعسى أن يعفيكم فلما كان الغد غدا رسول الله
صلى الله عليه وسلم محتضناً حسيناً آخذاً بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، فدعاهم إلى الميعاد،
فقالوا: نعوذ بالله فأعادوا التعوذ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن أبيتم فأسلموا فإن أبيتم فأعطوا الجزية
عن يد وأنتم صاغرون فإن أبيتم فإني أنبذ إليكم على سواء، قالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب ولكنا نؤدي
الجزية قال: فجعل عليهم كل سنة ألفي حلة ألفاً في رجب وألفاً في صفر وطلبوا منه رجلاً أميناً يحكم
بينهم فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح وقال عليه السلام: لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على
الملاعنة، وروى محمد بن جعفر بن الزبير وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم قالوا: دعنا
ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نفعل فذهبوا إلى العاقب وهو ذو رأيهم فقالوا: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: يا
معشر النصارى، والله لقد عرفتم أن محمداً لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم
ما لاعن قوم قط نبياً فبقي كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه الاستئصال إن فعلتم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم وما
أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم حتى يريكم زمن رأيه، فأتوا النبي
عليه السلام، فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا ألا نلاعنك وأن نبقى على ديننا وصالحوه على أموال وقالوا له :
ابعث معنا رجلاً من أصحابك ترضاه لنا يحكم في أشياء قد اختلفنا فيها من أموالنا فإنكم عندنا رضى ؟
وروى السدي وغيره أن النبي عليه السلام جاء هو وعلي وفاطمة والحسن والحسين ودعاهم فأبوا وجزعوا
وقال لهم أحبارهم: إن فعلتم اضطرم الوادي عليكم ناراً فصالحوا النبي عليه السلام على ثمانين ألف درهم
في العام فما عجزت عنه الدراهم ففي العروض، الحلة بأربعين وعلى أن عليهم ثلاثاً وثلاثين درعاً وثلاثة

٤٤٨
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٦٢ - ٦٤
وثلاثين بعيراً وأربعاً وثلاثين فرساً عارية كل سنة ورسول الله ضامن ذلك حتى يؤديها إليهم، وقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: لو لاعنوالاستؤصلوا من جديد الأرض، وقال أيضاً: لو فعلوا لاضطرم عليهم الوادي
ناراً، وروى علباء بن أحمر اليشكري قال: لما نزلت هذه الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى علي
وفاطمة وابنيهما الحسن والحسين ودعا اليهود ليلاعنهم، فقال شاب من اليهود: ويحكم، أليس عهدكم
بالأمس بإخوانكم الذين مسخوا قردة وخنازير؟ فلا تلاعنوا فانتهوا، وفي هذه القصة اختلافات للرواة
وعبارات تجري كلها في معنى ما ذكرناه لكنا قصدنا الإيجاز وفي ترك النصارى الملاعنة لعلمهم بنبوة محمد
شاهد عظيم على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم، وما روي من ذلك خير مما روى الشعبي من تقسيم
ذلك الرجل العاقل فيهم أمر محمد بأنه إما نبي وإما ملك لأن هذا نظر دنياوي وما روى الرواة من أنهم تركوا
الملاعنة لعلمهم بنبوته أحج لنا على سائر الكفرة وأليق بحال محمد صلى الله عليه وسلم، ودعاء النساء
والأنبياء للملاعنة أهز للنفوس وأدعى لرحمة الله أو لغضبه على المبطلين، وظاهر الأمر أن النبي عليه السلام
جاءهم بما يخصه، ولو عزموا استدعى المؤمنين بأبنائهم ونسائهم، ويحتمل أنه كان يكتفي بنفسه وخاصته
فقط .
قوله تعالى :
فَإِنِ تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ
٦٢
إِنَّ هَذَا لَهُوَ اُلْقَصَصُ الْحَقِّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهُ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٣) قُلْ يَأَهْلَ الْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلََّنَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ
وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْأَشْهَدُ واْ بِأَنَّا
٦٤
مُسْلِمُونَ
﴿هذا﴾ خبر من الله تعالى جزم مؤكد فصل به بين المختصمين، والإشارة بـ ﴿هذا﴾ هي إلى ما تقدم في
أمر عيسى عليه السلام، قاله ابن عباس وابن جريج وابن زيد وغيرهم: و﴿القصص﴾ معناه الأخبار،
تقول: قص يقص، قصاً وقصصاً، إذا تتبع الأمر يخبر به شيئاً بعد شيء، قال قوم: هو مأخوذ من قص
الأثر، وقوله ﴿لهو﴾ يحتمل أن يكون فصلاً ويحتمل أن يكون ابتداء، و﴿من﴾ قوله ﴿من إله﴾ مؤكدة بعد
النفي، وهي التي يتم الكلام دونها لكنها تعطي معنى التأكيد، وقوله تعالى: ﴿فإن الله عليم بالمفسدين)
وعید.
واختلف المفسرون من المراد بقوله: ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ فقال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله
عليه السلام دعا يهود المدينة إلى الكلمة السواء، وهم الذين حاجوا في إبراهيم، وقاله الربيع وابن جريج،
وقال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت الآية في وفد نجران، وقاله السدي، وقال ابن زيد: لما أبى أهل
نجران ما دعوا إليه من الملاعنة، دعوا إلى أيسر من ذلك وهي ((الكلمة السواء))، والذي يظهر لي أن الآية
نزلت في وفد نجران، لكن لفظ ﴿أهل الكتاب﴾ يعمهم وسواهم من النصارى واليهود، فدعا النبي عليه
السلام بعد ذلك يهود المدينة بالآية، وكذلك كتب بها إلى هرقل عظيم الروم، وكذلك ينبغي أن يدعى بها
أهل الكتاب إلى يوم القيامة، وقرأ جمهور الناس ((إلى كَلِمة)) بفتح الكاف وكسر اللام، وروى أبو

٤٤٩
تفسير سورة آل عمران / الآيات : ٦٢ - ٦٤
السمال: ((كلمة)) بفتح الكاف وسكون اللام، وروي عنه أنه قرأ («كلمة» بكسر الكاف وسكون اللام، وذلك
على إلقاء حركة اللام على الكاف كما قالوا في كبد، كبد بكسر الكاف وسكون الباء، و((الكلمة)) هنا عبارة
عن الألفاظ التي تتضمن المعاني المدعو إليها، وهي ما فسره بعد ذلك بقوله ﴿ألا نعبده الآية وهذا كما
تسمي العرب القصيدة كلمة، وجمهور المفسرين على أن الكلمة هي ما فسر بعد، وقال أبو العالية:
((الكلمة السواء»، لا إله إلا الله.
قال الفقيه الإمام: وقوله: ﴿سواء﴾ نعت للكلمة، قال قتادة والربيع وغيرهما: معناه إلى كلمة عدل،
فهذا معنى ((السواء)»، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: ((إلى كلمة عدل بيننا وبينكم))، كما فسر قتادة
والربيع، وقال بعض المفسرين: معناه إلى كلمة قصد.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهذا قريب في المعنى من الأول، والسواء والعدل والقصد مصادر
وصف بها في هذه التقديرات كلها، والذي أقوله في لفظة ﴿سواء﴾ انها ينبغي أن تفسر بتفسير خاص بها
في هذا الموضع وهو أنه دعاهم إلى معان جميع الناس فيها مستوون، صغيرهم وكبيرهم، وقد كانت سيرة
المدعوين أن يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً فلم يكونوا على استواء حال فدعاهم بهذه الآية إلى ما تألفه النفوس
من حق لا يتفاضل الناس فيه، فـ ﴿سواء﴾ على هذا التأويل بمنزلة قولك لآخر: هذا شريكي في مال سواء بيني
وبينه. والفرق بين هذا التفسير وبين تفسير اللفظة بعدل، أنك لو دعوت أسيراً عندك إلى أن يسلم أو تضرب
عنقه، لكنت قد دعوته إلى السواء الذي هو العدل، وعلى هذا الحد جاءت لفظة ﴿سواء﴾ في قوله تعالى:
﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ [الأنفال: ٥٨] على بعض التأويلات، ولو دعوت أسيرك إلى أن يؤمن فيكون حراً
مقاسماً لك في عيشك، لكنت قد دعوته إلى السواء، الذي هو استواء الحال على ما فسرته، واللفظة على
كل تأويل فيها معنى العدل، ولكني لم أر لمتقدم أن يكون في اللفظة معنى قصد استواء الحال، وهو عندي
حسن، لأن النفوس تألفه، والله الموفق للصواب برحمته .
وقوله ﴿ألا نعبد﴾ یحتمل أن یکون في موضع خفض بمعنی، إلى ﴿ألا نعبد﴾، فذلك على البدل من
﴿كلمة﴾ ويحتمل أن يكون في موضع رفع بمعنى، هي (ألا نعبد﴾ وما ذكره المهدوي وغيره من أن تكون
مفسرة إلى غير ذلك من الجائزات التي يلزم عنها رفع ﴿نعبد﴾ إكثار منهم فاختصرته، واتخاذ بعضهم بعضاً
أرباباً هو على مراتب، أعلاها اعتقادهم فيهم الألوهية، وعبادتهم لهم على ذلك، كعزير وعيسى ابن مريم،
وبهذا فسر عكرمة، وأدنى ذلك طاعتهم لأساقفتهم ورؤسائهم في كل ما أمروا به من الكفر والمعاصي
والتزامهم طاعتهم شرعاً، وبهذا فسر ابن جريج، فجاءت الآية بالدعاء إلى ترك ذلك كله وأن يكون الممتثل
ما قاله الله تعالى على لسان نبيه عليه السلام، وقوله تعالى: ﴿فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون﴾ أمر بتصريح
مخالفتهم بمخاطبتهم ومواجهتهم بذلك، وإشهادهم على معنى التوبيخ والتهديد، أي سترون أنتم أيها
المتولون عاقبة تولیکم کیف تكون.
قوله تعالى :
يَأَهْلَ الْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِىِّ إِبْرَهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ- أَفَلاَ

٤٥٠
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٦٥، ٦٦
٦٥
هَأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ فَلِمَ تُحَبُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْبِهِ،
تَعْقِلُونَ
عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (
اختلف المفسرون فیمن نزلت هذه الآية، فقال ابن عباس: اجتمعت نصاری نجران وأحبار يهود عند
النبي عليه السلام فتنازعوا عنده فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى، ما كان إبراهيم
إلا نصرانياً، فأنزل الله الآية، وقال السدي وقتادة: وحكى الطبري عن مجاهد وقتادة أيضاً: أنهما قالا نزلت
الآية بسبب دعوى اليهود أنه منهم وأنه مات يهودياً، وجعل هذا القول تحت ترجمة مفردة له، والصحيح أن
جميع المتأولين إنما نحوا منحى واحداً، وأن الآية في اليهود والنصارى، وألفاظ الآية تعطي ذلك فكيف
يدافع أحد الفريقين عن ذلك؟ وهذه الآية مبينة فساد هذه الدعاوى، التي لا تشبه لقيام الدليل القاطع على
فسادها، لأنهم ادعوا لإبراهيم الخليل نحلاً لم تحدث في الأرض، ولا وجدت إلا بعد موته بمدة طويلة،
ولما كان الدليل عقلياً قال الله تعالى لهم موبخاً ﴿أفلا تعقلون﴾؟
واختلف القراء في قوله ﴿ها أنتم﴾ في المدوالهمز وتركه، فقرأ ابن كثير، ((هأنتم))، في وزن هعنتم،
وقرأ نافع وأبو عمرو ((هانتم)) استفهاماً بلا همز، وقرأ الباقون، ((ها أنتم))، ممدوداً مهموزاً، ولم يختلفوا
في مد ﴿هؤلاء﴾ وأولاء، فوجه قراءة ابن كثير، أنه أبدل من همزة الاستفهام الهاء، أراد ((أأنتم))، ووجه قراءة
نافع وأبي عمرو أحد أمرين، يجوز أن تكون ((ها)) التي للتنبيه دخلت على ((أنتم))، ويكون التنبيه داخلاً على
الجملة، كما دخل على قولهم هلم وكما دخلت - يا - التي للتنبيه في قوله ألا يا اسجدوا، وفي قول الشاعر:
[البسيط]
يَا قَاتَلَ اللَّهُ صِبياناً تجيءُ بِهِمْ أُمُّ الهُنَيِّدِ مِنْ زَنْسَدٍ لها وَارِي
وقول الآخر: [البسيط]
يَا لَعْنَةَ اللَّهِ وَالأَقْوَامِ كُلُّهِم
والصَّالِحِينَ عَلَى سِمْعَانَ مِنْ جَارٍ
وخففت الهمزة من ((أنتم)) ولم تحقق بعد الألف، كما قالوا في هباءة هباة، ويجوز أن تكون الهاء في
﴿هأنتم﴾ بدلاً من همزة الاستفهام، كوجه قراءة ابن كثير، وتكون الألف هي التي تدخل بين الهمزتين،
لتفصل بينهما، ووجه قراءة الباقين ((ها أنتم)) مهموز ممدود يحتمل الوجهين اللذين في قراءة نافع وأبي
عمرو، وحققوا الهمزة التي بعد الألف، ولم يخففوها كما خففها أبو عمرو ونافع، ومن لم ير إلحاق الألف
للفصل بين الهمزتين كما يراه أبو عمرو، فينبغي أن تكون ((ها)) في قوله للتنبيه ولا تكون بدلاً من همزة
الاستفهام، وأما ﴿هؤلاء﴾ ففيه لغتان، المد والقصر، وقد جمعهما بيت الأعشى في بعض الروايات:
[الخفيف].
هؤلا ثُمَّ هؤلاءٍ قَدِ أعْطِيتَ نِعالاً مَحْذُوَّةً بِنِعَالٍ
وأما إعراب ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ فابتداء وخبر، و﴿حاججتم﴾ في موضع الحال لا يستغنى عنها، وهي

٤٥١
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٦٨،٦٧
بمنزلة قوله تعالى: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون﴾ [البقرة: ٨٥] ويحتمل أن يكون ﴿هؤلاء﴾ بدلاً أو صفة ويكون
الخبر ﴿حاججتم﴾ وعلى مذهب الكوفيين ﴿حاججتم﴾، صلة لأولاء والخبر في قوله: ﴿فلم تحاجون) ومعنى قوله
تعالى: ﴿فيما لكم به علم﴾ أي على زعمكم، وإنما المعنى فيما تشبه فيه دعواكم، ويكون الدليل العقلي
لا يرد عليكم وفسر الطبري هذا الموضع بأنه فيما لهم به علم من جهة كتبهم وأنبائهم مما أيقنوه وثبت
عندهم صحته .
قال الفقيه الإمام: وذهب عنه رحمه الله أن ما كان هكذا فلا يحتاج معهم فيه إلى محاجة، لأنهم
يجدونه عند محمد صلى الله عليه وسلم، كما كان هنالك على حقيقته، وباقي الآية بين.
قوله تعالى :
إِنَّ أَوْلَى
مَا كَانَ إِنَهِيمٌ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
النَّاسِ بِإِبْرَهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ
٦٨
أخبر الله تعالى في هذه الآية، عن حقيقة أمر إبراهيم، فنفى عنه اليهودية والنصرانية والإشراك الذي
هو عبادة الأوثان، ودخل في ذلك الإشراك الذي تتضمنه اليهودية والنصرانية، وجاء ترتيب النفي على غاية
الفصاحة، نفى نفس الملل وقرر الحالة الحسنة، ثم نفى نفياً بين به أن تلك الملل فيها هذا الفساد الذي
هو الشرك، وهذا كما تقول: ما أخذت لك مالاً بل حفظته، وما كنت سارقاً، فنفيت أقبح ما يكون في
الآخذ.
ثم أخبر تعالى إخباراً مؤكداً أن أولى الناس بإبراهيم الخليل عليه السلام هم القوم الذين اتبعوه على
ملته الحنيفية .
قال الفقيه الإمام أبو محمد: وهنا يدخل كل من اتبع الحنيفية في الفترات ﴿وهذا النبي﴾ محمد
صلى الله عليه وسلم لأنه بعث بالحنيفية السمحة، ﴿والنبي﴾ في الإعراب نعت أو عطف بيان، أو بدل،
وفي كونه بدلاً نظر، ﴿والذين آمنوا﴾ يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء على ما يجب دون
المحرفين المبدلين، ثم أخبر أن الله تعالى ﴿ولي المؤمنين﴾، وعداً منه لهم بالنصر في الدنيا والنعيم في
الآخرة، و((الحنيف)) مأخوذ من الحنف، وهو الاستقامة وقيل هو الميل، ومنه قيل للمائل الرجل أحنف،
فالحنيف من الاستقامة معناه المستقيم، ومن الميل معناه المائل عن معوج الأديان إلى طريق الحق،
واختلفت عبارة المفسرين عن لفظة الحنيف، حتى قال بعضهم: الحنيف الحاج، وكلها عبارة عن الحنف
بإجراء منه كالحج وغيره، وأسند الطبري عن عبد الله بن عمر عن أبيه، أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى
الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينه، وقال له: إني أريد أن أكون على
دينكم، فقال اليهودي: إنك لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله، قال زيد: ما أفر إلا من
غضب الله ولا أحمل من غضب الله شيئاً أبداً وأنا أستطيع، فهل تدلني على دين ليس فيه هذا؟ قال: ما
أعلمه إلا أن تكون حنيفاً، قال وما الحنيف؟ قال دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً وكان لا يعبد إلا

٤٥٢
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٦٩ - ٧١
الله، فخرج من عنده فلقي عالماً من النصارى، فقاوله بمثل مقاولة اليهودي، إلا أن النصراني قال:
بنصيبك من لعنة الله، فخرج من عنده وقد اتفقا له على دين إبراهيم فلم يزل رافعاً يديه إلى الله، وقال
اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم، وروى عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه
قال: لكل نبي ولاة من النبيين وإن وليي منهم أبي وخليل ربي إبراهيم، ثم قرأ ﴿إن أولى الناس
بإبراهيم﴾ الآية .
قوله تعالى :
وَدَّتَ طَّابِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْيُضِلُونَكُمْ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿ يَتَأَهْلَ
يَأَهْلَ اَلْكِتَبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ
٧٠
اَلْكِتَبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأَنْتُمُ تَشْهَدُونَ
بِالْبَطِلِ وَتَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
٧١
أخبر الله تعالى عن طائفة أنها تود وتشتهي أن تضل المسلمين، أي تتلفهم عن دينهم وتجعلهم في
ضلال ثم فسر الطائفة بقوله: ﴿من أهل الكتاب﴾ فتحتمل ﴿من﴾ أن تكون للتبعيض، وتكون الطائفة
الرؤساء والأحبار الذين يسكن الناس إلى قولهم، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس وتكون الطائفة جميع أهل
الكتاب، وقال الطبري: ﴿يضلونكم﴾ معناه يهلكونكم، واستشهد ببيت جرير.
كُنْتَ القَذّى في موج أَخْضَرَ مُزْبٍ قذف الأتيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
وقول النابغة : [الطويل]
فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ
وهذا تفسير غير خاص باللفظة وإنما اطرد له هذا الضلال في الآية وفي البيتين اقترن به هلاك، وأما
أن تفسر لفظة الضلال بالهلاك فغير قويم، قوله تعالى: ﴿وما يضلون إلا أنفسهم﴾ إعلام بأن سوء فعلهم
عائد عليهم، وأنهم ببعدهم عن الإسلام هم الضالون، ثم أعلم أنهم لا يشعرون أنهم لا يصلون إلى
إضلالکم .
ثم وقفهم تعالى موبخاً لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، والمعنى: قل لهم يا محمد، لأي
سبب تكفرون بآيات الله التي هي آية القرآن؟ وأنتم تشهدون أن أمره وصفة محمد الذي هو الآتي به في
كتابكم، قال هذا المعنى قتادة وابن جريج والسدي، وتحتمل الآية أن يريد ((بالآيات)) ما ظهر على يدي
محمد عليه السلام من تعجيز العرب والإعلام بالغيوب وتكلم الجماعات وغير ذلك و﴿تشهدون﴾ على
هذا يكون بمعنى تحضرون وتعاينون، والتأويل الأول أقوى لأنه روي أن أهل الكتاب كانوا قبل ظهور محمد
صلى الله عليه وسلم يخبرون بصفة النبي الخارج وحاله، فلما ظهر كفروا به حسداً، فإخبارهم المتقدم
لظهوره هو الشهادة التي وقفوا عليها، قال مكي: وقيل إن هذه الآيات عني بها قريظة والنضير وبنو قينقاع
ونصارى نجران.
:
:
:

٤٥٣
تفسير سورة آل عمران / الآية : ٧٢
وقوله تعالى: ﴿لم تلبسون الحق﴾ معناه تخلطون، تقول لبست الأمر بفتح الباء بمعنى خلطته، ومنه
قوله تعالى: ﴿وللبسنا عليهم ما يلبسون﴾ [الأنعام: ٩] وتقول: لبست الثوب بكسر الباء، قال ابن زيد:
﴿الحق) الذي لبسوه هو التوراة المنزلة، و((الباطل)) الذي لبسوه به هو ما كتبوه بأيديهم ونسبوه إلى التوراة،
وقال ابن عباس: ﴿الحق﴾ إسلامهم بكرة، و((الباطل)) كفرهم عشية، والآية نزلت في قول عبد الله بن
الصيف وعدي بن زيد والحارث بن عوف. تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار، ونكفر آخره،
عسى أن نلبس على المسلمين أمرهم، وقال قتادة وابن جريج: ﴿لم تلبسون الحق بالباطل﴾ معناه لم
تخلطون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره الإسلام.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: فكأن هذا المعنى لم تبقون على هذه الأديان وتوجدونها؟ فيكون في
ذلك لبس على الناس أجمعين، وقال بعض المفسرين: ﴿الحق﴾ الذي لبسوه قولهم: محمد نبي مرسل،
و((الباطل)) الذي لبسوه به قول أحبارهم: لكن ليس إلينا بل ملة موسى مؤبدة، وقوله تعالى: ﴿وتكتمون
الحق وأنتم تعلمون﴾ يريد شأن محمد صلى الله عليه وسلم، كذلك قال الربيع وابن جريج وقتادة
وغيرهم، وفي قوله: ﴿وأنتم تعلمون﴾ توقيف على العناد ظاهر، قال أبو إسحاق الزجّاج: ولو قيل وتكتموا
الحق لجاز على قولك، لم تجمعون ذا وذا، على أن تكتموا في موضع نصب على الصرف في قول
الكافرين، وبإضمار ((أن))، في قول أصحابنا، قال أبو علي: الصرف ها هنا يقبح، وكذلك إضمار ((أن))،
لأن ﴿تكتمون﴾، معطوف على موجب، فليست الآية بمنزلة قولهم: أتأكل السمك وتشرب اللبن، وبمنزلة
قولك أتقوم فأقوم والعطف على الموجب مقرر وليس بمستقيم عنه، وإنما استفهم عن السبب في اللبس،
واللبس موجب، والعطف على الموجب المقرر قبيح متى نصب إلا في ضرورة شعر كما روي: [الرجز]
وألحقُّ بالحِجَازِ فَاسْتَرِيحًا
وقد قال سيبوبه في قولك: أسرت حتى تدخل المدينة؟ لا يجوز إلا النصب في تدخل، لأن السير
مستفهم عنه غير موجب، وإذا قلت: أيهم سار حتى يدخلها؟ رفعت، لأن السير موجب والاستفهام إنما وقع
عن غيره.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ ءَامِنُواْ بِالَّذِىّ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَأَكْفُرُوَأْءَآخِرَهُ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٨َ وَلَا تُؤْمِنُواْإِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اَللَّهِ أَنْ يُؤْنَ أَحَدٌ مِّثْلَ
مَآ أُوتِيتُمْأَوَُْا تُوكُمْ عِندَ رَّكُمْ
أخبر تعالى في هذه الآية أن طائفة من اليهود من أحبارهم ذهبت إلى خديعة المسلمين بهذا المنزع،
قال الحسن: قالت ذلك يهود خيبر ليهود المدينة، قال قتادة وأبو مالك والسدي وغيرهم: قال بعض الأحبار:
لنظهر الإيمان لمحمد صدر النهار ثم لنكفر به آخر النهار، فسيقول المسلمون عند ذلك: ما بال هؤلاء كانوا
معنا ثم انصرفوا عنا؟ ما ذلك إلا لأنهم انكشفت لهم حقيقة في الأمر فيشكون، ولعلهم يرجعون عن الإيمان
بمحمد عليه السلام .

٤٥٤
تفسير سورة آل عمران / الآبة: ٧٣
قال الفقيه الإمام أبو محمد: ولما كانت الأحبار يظن بهم العلم وجودة النظر والاطلاع على الكتاب
القديم، طمعوا أن تنخدع العرب بهذه النزعة ففعلوا ذلك، جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بكرة،
فقالوا: يا محمد أنت هو الموصوف في كتابنا، ولكن أمهلنا إلى العشي حتى ننظر في أمرنا، ثم رجعوا
بالعشي، فقالوا: قد نظرنا ولست به ﴿وجه﴾ على هذا التأويل منصوب بقوله ﴿آمنوا﴾ والمعنى أظهروا الإيمان
في ﴿وجه النهار﴾، والضمير في قوله ﴿آخره﴾ عائد على ﴿النهار﴾، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهم: نزلت
الآية، لأن اليهود ذهبت إلى المكر بالمؤمنين، فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم
رجعوا آخر النهار، فصلوا صلاتهم ليرى الناس أنهم بدت لهم منه ضلالة، بعد أن كانوا اتبعوه.
قال الفقيه الإمام: وهذا القول قريب من القول الأول، وقال جماعة من المفسرين: نزلت هذه الآية
في أمر القبلة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح إلى الشام، كما كان يصلي،
ثم حولت القبلة، فصلى الظهر، وقيل العصر إلى مكة، فقالت الأحبار لتّاعهم وللعرب: آمنوا بالذي أنزل
في أول النهار واكفروا بهذه القبلة الأخيرة.
قال الفقيه الإمام: والعامل في قوله ﴿وجه النهار﴾ على هذا التأويل قوله: ﴿أنزل﴾ والضمير في
قوله: ﴿آخره﴾ يحتمل أن يعود على ﴿النهار﴾ أو يعود على ((الذي أنزل))، و﴿يرجعون) في هذا التأويل، معناه
عن مكة إلى قبلتنا التي هي الشام كذلك قال قائل هذا التأويل، و ﴿وجه النهار﴾ أوله الذي يواجه منه، تشبيهاً
بوجه الإنسان، وكذلك تقول: صدر النهار وغرة العام والشهر، ومنه قول النبي عليه السلام أقتلته في غرة
الإسلام؟ ومن هذا قول الربيع بن زياد العبسي: [الكامل]
:
فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا فِوَجْهِ نَّهَارِ
من كان مسروراً بِمَقْتَل مالِكٍ
قَدْ قُمْنَ قَبْلَ تَبلُّجِ الأَسْحَارِ
يَجِدِ النِّساءَ حَوَاسِراً يُنْدُبْنَهُ
يقول هذا في مالك بن زهير بن جذيمة العبسي وكانوا قد أخذوا بثأره، وكان القتيل عندهم لا يناح
عليه ولا يندب إلا بعد أخذ ثأره، فالمعنى من سره مصابنا فيه فلينظر إلى ما يدله على أنّا قد أدركنا ثاره،
فيكمد لذلك ويغتم، ومن استعارة الوجه قولهم: فعلت كذا على وجه الدهر، أي في القديم.
وذكر الله تعالی عن هذه الطائفة من أهل الكتاب، أنهم قالوا: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دینگم﴾ ولا
خلاف بين أهل التأويل أن هذا القول هو من كلام الطائفة، واختلف الناس في قوله تعالى: ﴿أن يؤتى أحد
مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم﴾، فقال مجاهد وغيره من أهل التأويل: الكلام كله من قول الطائفة لأتباعهم،
وقوله تعالى: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ اعتراض بين الكلامين.
قال القاضي: والكلام على هذا التأويل يحتمل معاني: أحدها: ولا تصدقوا تصديقاً صحيحاً وتؤمنوا
إلا لمن جاء بمثل دينكم كراهة أو مخافة أو حذاراً أن يؤتى أحد من النبوة والكرامة مثل ما أوتيتم، وحذراً أن
يحاجوكم بتصديقكم إياهم عند ربكم إذا لم تستمروا عليه، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة الحسد
والكفر، مع المعرفة بصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون التقدير، أن لا يؤتى
فحذفت - لا - لدلالة الكلام، ويحتمل الكلام أن یکون معناه: ولا تصدقوا وتؤمنوا بأن يؤتى أحد مثل ما
:

٤٥٥
تفسير سورة آل عمران / الآية : ٧٣
أوتيتم إلا لمن تبع دينكم وجاء بمثله وعاضداً له، فإن ذلك لا يؤتاه غيركم، ﴿أو يحاجوكم عند ربكم﴾ ،
بمعنى: إلا أن يحاجوكم، كما تقول: أنا لا أتركك أو تقتضيني حقي، وهذا القول على هذا المعنى ثمرة
التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم على اعتقاد منهم أن النبوة لا تكون إلا في بني إسرائيل، ويحتمل
الكلام أن يكون معناه: ولا تؤمنوا بمحمد وتقروا بنبوته، إذ قد علمتم صحتها، إلا لليهود الذين هم منكم،
و﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾، صفة لحال محمد فالمعنى، تستروا بإقراركم، ان قد أوتي أحد مثل ما
أوتيتم، أو فإنهم يعنون العرب يحاجوكم بالإقرار عند ربكم، قال أبو علي و﴿تؤمنوا﴾ تعدى بالباء المقدرة
في قوله ﴿أن يؤتى﴾ كما تعدى أول الآية في قوله، ﴿بالذي أنزل﴾، واللام في قوله، ﴿لمن اتبع﴾، لا
يسهل أن تعلق بـ ﴿تؤمنوا﴾، وأنت قد أوصلته بالباء فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين
إذا كان لا يتعدى إلا إلى واحد، وإنما يحمل أمر هذه اللام على المعنى، والمعنى: لا تقروا بأن الله يؤتي
أحداً مثل ما أوتيتم إلا لمن، فهذا كما تقول: أقررت لزيد بألف فتكون اللام متعلقة بالمعنى ولا تكون
زائدة على حد ﴿إن كنتم للرؤيا تعبرون﴾ [يوسف: ٤٣] ولا تتعلق على حد المفعول، قال أبو علي: وقد
تعدى ((آمن)) باللام في قوله ﴿فما آمن لموسى إلا ذرية﴾ [يونس: ٨٣] وقوله ﴿آمنتم له﴾ [طه: ٧١]
[الشعراء: ٤٩] وقوله ﴿يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ [التوبة: ٦١] واحد، إنما دخل في هذا الكلام بسبب
النفي الواقع في أوله، قوله: ﴿لا تؤمنوا﴾ كما دخلت - من - في قوله ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب
ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ [البقرة: ١٠٥] فكما دخلت - من - في صلة أن ينزل،
لأنه مفعول النفي اللاحق لأول الكلام، فكذلك دخل ﴿أحد﴾ في صلة - أن - في قوله ﴿أن يؤتى أحد﴾
لدخول النفي في أول الكلام.
قال القاضي: وهذا لأن أحداً الذي فيه الشياع، لا يجيء في واجب من الكلام، لأنه لا يفيد معنى،
وقرأ ابن كثير وحده بين السبعة ((آن يؤتى)) بالمد على جهة الاستفهام الذي هو تقرير، وفسر أبو علي قراءة
ابن كثير على أن الكلام كله من قول الطائفة، إلا الاعتراض الذي هو: ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ فإنه لا
يختلف أنه من قول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم قال: فلا يجوز مع الاستفهام أن يحمل ﴿أن
يؤتى﴾ على ما قبله من الفعل، لأن الاستفهام قاطع، فيجوز أن تكون - أن - في موضع رفع بالابتداء وخبره
محذوف تقديره تصدقون به أو تعترفون، أو تذكرونه لغيركم، ونحو هذا مما يدل عليه الكلام ويكون
﴿يحاجوكم﴾ على هذا معطوفاً على ﴿أن يؤتى﴾ قال أبو علي: ويجوز أن يكون موضع - أن - منصوباً،
فيكون المعنى: أتشيعون أو أتذكرون ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾؟ ويكون ذلك بمعنى قوله تعالى عنهم
﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ [البقرة: ٧٦] فعلى كلا الوجهين معنى الآية، توبيخ من الأحبار للأتباع
على تصديقهم بأن محمداً نبي مبعوث، ويكون قوله تعالى: ﴿أو يحاجوكم﴾ في تأويل نصب أن أي أو
تريدون أن يحاجوكم. قال أبو علي: و ﴿أحد﴾ على قراءة ابن كثير هو الذي يدل على الكثرة، وقد منع
الاستفهام القاطع من أن يشفع لدخوله النفي الذي في أول الكلام، فلم يبق إلا أن يقدر أن أحداً الذي في
قولك، أحد وعشرون وهو يقع في الإيجاب لأنه بمعنى واحد، وجمع ضميره في قوله ﴿أو يحاجوكم﴾
حملاً على المعنى، إذ لأحد المراد بمثل النبوة اتباع، فهو في معنى الكثرة، قال أبو علي: وهذا موضع
!

٤٥٦
تفسير سورة آل عمران / الآية: ٧٣
ينبغي أن ترجح فيه قراءة غير ابن كثير على قراءة ابن كثير، لأن الأسماء المفردة ليس بالمستمر أن تدل على
الكثرة .
قال القاضي: إلا أن أحداً في مثل النبوة يدل عليها من حيث يقتضي الاتباع، وقرأ الأعمش،
وشعيب بن أبي حمزة - ((إن يؤتى)) - بكسر الهمزة بمعنى، لم يعط أحد مثل ما أعطيتم من الكرامة وهذه
القراءة يحتمل بمعنى فليحاجوكم، وهذا على التصميم على أنه لا يؤتى أحد مثل ما أوتي، ويحتمل أن
تكون بمعنى، إلا أن يحاجوكم، وهذا على تجويز أن تؤتى أحد ذلك إذا قامت الحجة له، فهذا ترتيب
التفسير والقراءات على قول من قال: الكلام كله من قول الطائفة.
وقال السدي وغيره: الكلام كله من قوله ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾، إلى آخر الآية هو مما أمر به
محمد عليه السلام أن يقوله لأمته، وحكى الزجّاج وغيره أن المعنى: قل إن الهدى هو هذا الهدى، لا يؤتى
أحد مثل ما أوتيتم، وحكي عن بعض النحويين أن المعنى: أن لا يؤتي أحداً، وحذفت - لا - لأن في
الكلام دليلاً عليها، كما في قوله تعالى: ﴿يبين الله لكم أن تضلوا﴾ [النساء: ١٧٦] أي أن لا تضلوا،
وحكي عن أبي العباس المبرد: لا تحذف لا، وإنما المعنى كراهة أن تضلوا، وكذلك هنا كراهة ((أن يؤتى
أحد مثل ما أوتیتم))، أي ممن خالف دين الإسلام، لأن الله لا يهدي من هو كاذب کفار، فهدی الله بعید من
غير المؤمنين.
قال القاضي أبو محمد عبد الحق: وتبعد من هذا القول قراءة ابن كثير بالاستفهام والمد، وتحمل
عليه قراءة الأعمش وابن أبي حمزة - ((إن يؤتى)) - بكسر الألف، كأنه عليه السلام يخبر أمته أن الله لا يعطي
أحداً ولا أعطى فيما سلف مثل ما أعطى أمة محمد عليه السلام لكونها وسطاً ويكون قوله تعالى: ﴿أو
يحاجوكم﴾ على هذه المعاني التي ترتبت في قول السدي، تحتمل معنيين أحدهما ((أو فليحاجوكم عند
ربكم))، يعني اليهود، فالمعنى لم يعط أحد مثل حظكم وإلا فليحاجوكم من ادعى سوى ذلك، والمعنى
الثاني: أن يكون قوله، ﴿أو يحاجوكم﴾ بمعنى التقرير والإزراء باليهود، كأنه قال: أو هل لهم أن يحاجوكم
أو يخاصموكم فيما وهبكم الله وفضلكم به؟ وقوله: ﴿هدى الله﴾ على جميع ما تقدم خبران.
وقال قتادة والربيع: الكلام من قوله ﴿قل إن الهدى هدى الله﴾ إلى آخر الآية، هو مما أمر به محمد
عليه السلام أن يقوله للطائفة التي قالت ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) وتتفق مع هذا القول قراءة ابن
كثير بالاستفهام والمد، وتقدير الخبر المحذوف ﴿أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم﴾، حسدتم وكفرتم، ويكون
قوله ﴿أو يحاجوكم﴾ محمولاً على المعنى، كأنه قال: أتحسدون أو تكفرون لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؟
﴿أو يحاجوكم﴾ على ما أوتوه فإنه يغلبونكم بالحجة، وأما على قراءة غير ابن كثير بغير المد، فيحتمل أن
يكون بمعنى التقرير بغير حرف استفهام، وذلك هو الظاهر من لفظ قتادة فإنه قال: يقول لما أنزل الله كتاباً
مثل كتابکم وبعث نبياً مثل نبیکم حسدتموهم على ذلك، ويحتمل أن يكون قوله: ﴿أن يؤتى﴾ بدلاً من
قوله ﴿هدى الله﴾ ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله، وهو أن يؤتى أحد كالذي جاءنا نحن، ويكون
قوله ﴿أو يحاجوكم﴾ بمعنى، أو فليحاجوكم، فإنه يغلبونكم، ويحتمل قوله، ﴿أن يؤتى﴾ خبر - ((إن))

٤٥٧
تفسير سورة آل عمران / الآيتان : ٧٣، ٧٤
ويكون قوله ﴿هدى الله﴾. بدلاً من الهدى، وهذا في المعنى قريب من الذي قبله، وقال ابن جريج: قوله
تعالى: ﴿أن يؤتى﴾ هو من قول محمد صلى الله عليه وسلم لليهود، وتم الكلام في قوله ﴿أوتيتم) وقوله
تعالى: ﴿أو يحاجوكم﴾ متصل بقول الطائفة ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) ومنه، وهذا القول يفسر
معانيه ما تقدم في قول غيره من التقسيم والله المستعان.
وقرأ ابن مسعود: ((أن يحاجوكم)) بدل (أو)، وهذه القراءة تلتئم مع بعض المعاني التي تقدمت ولا تلتئم
مع بعضها، وقوله ﴿عند ربكم﴾ يجيء في بعض المعاني على معنى عند ربكم في الآخرة، ويجيء في
بعضها على معنى عند كتب ربكم، والعلم الذي جعل في العباد، فأضاف ذلك إلى الرب تشريفاً، وكأن
المعنى أو يحاجوكم عند الحق، وقرأ الحسن ((إن يؤتى)) أحد بكسر الهمزة والتاء، على إسناد الفعل إلى
﴿أحد﴾، والمعنى: أن إنعام الله لا يشبهه إنعام أحد من خلقه، وأظهر ما في القراءة أن يكون خطاباً من
محمد عليه السلام لأمته، والمفعول محذوف تقديره إن يؤتي أحد أحداً .
قوله تعالی :
يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو
قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُوَسِعُ عَلِيمٌلَّه
﴿ وَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ
اَلْفَضْلِ الْعَظِيمِ اللَّ
بِدِ ينَارٍ لَّا يُؤَدِّهٍِ إِلَيْكَ إِلَّ مَادُمْتَ عَلَيْهِ قَابِمَا
في قوله تعالى: ﴿قل إن الفضل بيد الله﴾ إلى قوله ﴿العظيم)، تكذيب لليهود في
قولهم: نبوءة موسى مؤبدة، ولن يؤتي الله أحداً مثل ما آتى بني إسرائيل من النبوة والشرف، وسائر ما في
الآية من لفظة ﴿واسع﴾ وغير ذلك قد تقدم نظيره.
ثم أخبر تعالى عن أهل الكتاب أنهم قسمان في الأمانة، ومقصد الآية ذم الخونة منهم، والتفنيد
لرأيهم وكذبهم على الله، في استحلالهم أموال العرب، وفي قراءة أبي بن كعب ((تيمنه)) بتاء وياء في
الحرفين وكذلك - تيمنا - في يوسف، قال أبو عمرو الداني: وهي لغة تميم.
قال القاضي: وما أراها إلا لغة قرشية، وهي كسر نون الجماعة كنستعين، وألف المتكلم كقول ابن
عمر، لا إخاله، وتاء المخاطب كهذه الآية ولا يكسرون الياء في الغائب وبها قرأ أبي بن كعب في ((تيمنا))
وابن مسعود والأشهب العقيلي وابن وثاب، وقد تقدم القول في ((القنطار)) في صدر السورة وقرأ جمهور
الناس، ((يؤده إليك)) بكسر الهاء التي هي ضمير القنطار، وكذلك في الأخرى التي هي ضمير ((الدينار))،
واتفق أبو عمرو وحمزة وعاصم والأعمش على إسكان الهاء، وكذلك كل ما أشبهه في القرآن، نحو ﴿نصله
جهنم﴾ [النساء: ١١٥] و﴿نؤته﴾ ﴿نوله﴾ إلا حرفاً حكي عن أبي عمرو أنه كسره، وهو قوله تعالى: ﴿فألقه
إليهم﴾ [النمل: ٢٨] قال أبو إسحاق: وهذا الإسكان الذي روي عن هؤلاء غلط بين لأن الهاء لا ينبغي أن
تجزم، وإذا لم تجزم فلا يجوز أن تسكن في الوصل، وأما أبو عمرو فأراه كان يختلس الكسرة فغلط

٤٥٨
تفسیر سورة آل عمران / الآيات: ٧٥ - ٧٧
عليه، كما غلط عليه في بارئكم، وقد حكى عنه سيبويه، وهو ضابط لمثل هذا: أنه يكسر كسراً خفيفاً،
و((القنطار)) في هذه الآية: مثال للمال الكثير يدخل فيه أكثر من القنطار وأقل، وأما ((الدينار)) فيحتمل أن
يكون كذلك، مثالاً لما قل، ويحتمل أن يريد طبقة لا تخون إلا في دينار فما زاد، ولم يعن لذكر الخائنين
في أقل إذ هم طغام حثالة، وقرأ جمهور الناس ((دُمت)) بضم الدال، وقرأ ابن وثاب والأعمش وأبو
عبد الرحمن السلمي وابن أبي ليلى والفياض بن غزوان وغيرهم: ((دمت ودمتم))، بكسر الدال في جميع
القرآن، قال أبو إسحاق: من قولهم: ((دمت))، تدام، نمت، تنام، وهي لغة، ودام معناه ثبت علی حال ما،
والتدويم على الشيء الاستدارة حول الشيء ومنه قول ذي الرمة: [البسيط]
والشمس حَيْرَى لهَا فِي الْجَوِّ تَدْوِیمُ
والدوام، الدوار يأخذ في رأس الإنسان، فيرى الأشياء تدور له، وتدويم الطائر في السماء، هو ثبوته
إذا صفّ واستدار والماء الدائم وغيره هو الذي كأنه يستدير حول مركزه، وقوله ﴿قائماً﴾ يحتمل معنيين قال
الزجّاج وقتادة ومجاهد: معناه قائماً على اقتضاء دينك.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: يريدون بأنواع الاقتضاء من الحفز والمرافعة إلى الحكام، فعلى هذا
التأويل، لا تراعى هيئة هذا الدائم بل اللفظة من قيام المرء على أشغاله، أي اجتهاده فيها، وقال السدي
وغيره: ﴿قائماً﴾ في هذه الآية معناه: قائماً على رأسه، على الهيئة المعروفة، وتلك نهاية الحفز، لأن معنى
ذلك أنه في صدر شغل آخر، يريد أن يستقبله، وذهب إلى هذا التأويل جماعة من الفقهاء وانتزعوا من
الآيات جواز السجن، لأن الذي يقوم عليه غريمه فهو يمنعه من تصرفاته في غير القضاء، ولا فرق بين المنع
من التصرفات وبين السجن، وهذه الآية وما بعدها نزلت فيما روي، بسبب أن جماعة من العرب كانت لهم
ديون في ذمم قوم من أهل الكتاب، فلما أسلم أولئك العرب قالت لهم اليهود: نحن لا نؤدي إليكم شيئاً
حين فارقتم دينكم الذي كنتم عليه، فنزلت الآية في ذلك وروي أن بني إسرائيل كانوا يعتقدون استحلال
أموال العرب لكونهم أهل أوثان، فلما جاء الإسلام وأسلم من أسلم من العرب بقي اليهود فيهم على ذلك
المعتقد، فنزلت الآية حامية من ذلك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا كل شيء من أمر الجاهلية
فهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر)).
قوله تعالى :
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيَسْ عَلَيْنَا فِىِ الْأُمِّنْتَنَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
٧٥
بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، وَأَتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنًا
قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِىِ الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيَمَهِ وَلَا
VV
يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
الإشارة بـ ﴿ذلك﴾ إلى كونهم لا يؤدون الأمانة في دينار فما فوقه، على أحد التأويلين، والضمير في،
:

٤٥٩
تفسير سورة آل عمران / الآيات: ٧٥ - ٧٧
﴿قالوا﴾، يعني به لفيف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يقولون: نحن أهل الكتاب، والعرب أميون أصحاب
أوثان، فأموالهم لناحلال متى قدرنا على شيء منها لا حجة علينا في ذلك ولا سبيل لمعترض وناقد إلينا في
ذلك، و(الأميون)) القوم الذين لا يكتبون لأنهم لا يحسنون الكتابة، وقد مر في سورة البقرة اشتقاق اللفظ
واستعارة السبيل، هنا في الحجة هو على نحو قول حمید بن ثور:
وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة من السرح موجود عليَّ طريق
وقوله تعالى: ﴿فأولئك ما عليهم من سبيل﴾ [الشورى: ٤١] هو من هذا المعنى، وهو كثير في
القرآن وكلام العرب، وروي أن رجلاً قال لابن عباس: إنا نمر في الغزو بأموال أهل الذمة فنأخذ منها الشاة
والدجاجة ونحوها قال: وتقولون ماذا؟ قال نقول: ليس علينا بأس، فقال ابن عباس: هذا كما قال أهل
الكتاب: ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾، إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم،
وقوله تعالى: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ ذم لبني إسرائيل بأنهم يكذبون على الله تعالى في
غير ما شيء، وهم علماء بمواضع الصدق لو قصدوها، ومن أخطر ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم،
هذا قول جماعة من المتأولين، وروي عن السدي وابن جريج وغيرهما: أن طائفة من أهل الكتاب ادعت
أن في التوراة إحلال الله لهم أموال الأميين كذباً منها وهي عالمة بكذبها في ذلك قالا: والإشارة بهذه الآية
إلى ذلك الكذب المخصوص في هذا الفصل.
ثم رد الله تعالى في صدر قولهم، ليس علينا بقوله ﴿بلى﴾ أي عليهم سبيل وحجة وتبعة، ثم أخبر
على جهة الشرط أن ﴿من أوفى﴾ بالعهد ﴿واتقى) عقوبة الله في نقضه، فإنه محبوب عند الله، وتقول العرب:
وفى بالعهد، وأوفى به بمعنى، وأوفى، هي لغة الحجاز وفسر الطبري وغيره، على أن الضمير في قوله،
﴿بعهده﴾ عائد على الله تعالى، وقال بعض المفسرين: هو عائد على ﴿من﴾.
قال الفقيه الإمام أبو محمد: والقولان يرجعان إلى معنى واحد، لأن أمر الله تعالى بالوفاء مقترن بعهد
كل إنسان، وقال ابن عباس: ﴿اتقى﴾ في هذه الآية، معناه: اتقى الشرك، ثم خرج جواب الشرط على
تعميم المتقين تشريفاً للتقوى وحضّاً عليها .
وقوله تعالى: ﴿الذين يشترون بعهد الله﴾ الآية آية وعيد لمن فعل هذه الأفاعيل إلى يوم القيامة وهي
آية يدخل فيها الكفر فما دونه من جحد الحقوق وختر المواثيق، وكل أحد يأخذ من وعيد الآية على قدر
جريمته، واختلف المفسرون في سبب نزولها، فقال عكرمة: نزلت في أحبار اليهود، أبي رافع وكنانة بن
أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وحيي بن أخطب، تركوا عهد الله في التوراة للمكاسب والرياسة التي كانوا
بسبيلها، وروي أنها نزلت بسبب خصومة الأشعث بن قيس مع رجل من اليهود في أرض فوجبت اليمين
على اليهودي فقال الأشعث: إذن يحلف يا رسول الله ويذهب بمالي، فنزلت الآية، وروي أن الأشعث بن
قيس اختصم في أرض مع رجل من قرابته فوجبت اليمين على الأشعث وكان في الحقيقة مبطلاً قد غصب
تلك الأرض في جاهليته فنزلت الآية، فنكل الأشعث عن اليمين، وتحرج وأعطى الأرض وزاد من عنده
أرضاً أخرى، وروي أن الآية نزلت بسبب خصومة لغير الأشعث بن قيس، وقال الشعبي: نزلت الآية في
أ

٤٦٠
تفسير سورة آل عمران / الآيتان: ٧٩،٧٨
رجل أقام سلعة في السوق من أول النهار، فلما كان في آخره جاءه رجل فساومه فحلف حانثاً لقد منعها في
أول النهار من كذا وكذا ولولا المساء ما باعها، فنزلت الآية بسببه، وقال سعيد بن المسيب، اليمين الفاجرة
من الكبائر، ثم تلا هذه الآية وقال ابن مسعود: كنا نرى ونحن مع نبينا أن من الذنب الذي لا يغفر يمين
الصبر، إذا فجر فيها صاحبها، وقد جعل الله ((الأيمان)) في هذه الألفاظ، مشتراة فهي مثمونة أيضاً،
والخلاق : الحظ والنصيب والقدر، وهو مستعمل في المستحبات، وقال الطبري: ﴿ولا يكلمهم الله﴾
معناه بما يسرهم وقال غيره: نفى تعالى أن يكلمهم جملة لأنه يكلم عباده المؤمنين المتقين، وقال قوم من
العلماء: وهي عبارة عن الغضب، المعنى لا يحفل بهم ولا يرضى عنهم ﴿ولا یزکیھم﴾ محتمل معنیین،
أحدهما يطهرهم من الذنوب وأدرانها، والآخر ينمي أعمالهم، فهي تنمية لهم، والوجهان منفيان عنهم في
الآخرة و ﴿أليم﴾ فعيل بمعنى، مفعل، فالمعنى، مؤلم.
قوله تعالى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِنَبِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَبِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَبِ
مَا
وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَاهُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَبَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُنُواْ عِبَادًا لِمِن
دُوُنِاُللَّهِ
الضمير في ﴿منهم﴾، عائد على أهل الكتاب، و((الفريق))، الجماعة من الناس هي مأخوذة من
فرق، إذا فصل وأبان شيئاً عن شيء، و﴿يلوون﴾ معناه: يحرفون ويتحيلون بتبديل المعاني من جهة اشتياه
الألفاظ واشتراكها وتشعب التأويلات فيها، ومثال ذلك قولهم: راعنا واسمع غير مسمع ونحو ذلك وليس
التبديل المحض بليٍّ، وحقيقة الليّ في الثياب والحبال ونحوها، فتلها وإراغتها، ومنه ليّ العنق ثم استعمل
ذلك في الحجج والخصومات والمجادلات تشبيهاً بتلك الإراغة التي في الأجرام فمنه قولهم، خصم ألوى
ومنه قول الشاعر: [الطويل]
فَلَوْ كَانَ فِي لَيْلَى شَذِّى مِنْ خُصُومَةٍ لَلَوَّيْتُ أَعْنَاقَ الْخُصُومِ الملاويا
٠٠٥
وقال الآخر: [الرجز]
الْفَيْتَني ألوي بعيداً مستمر
وقرأ جمهور الناس، ((يلوون))، مضارع لوى، على وزن فعل بتخفيف العين وقرأ أبو جعفر بن
القعقاع، وشيبة بن نصاح، ((يلوّون)) بتشديد الواو وفتح اللام، من لوّى، على وزن فعّل بتشديد العين، وهو
تضعيف مبالغة لا تضعيف تعدية، وقرأ حميد ((يلُوْن)) بضم اللام وسكون الواو، وهي في الأصل ((يلون)) مثل
قراءة الجماعة، فهمزت الواو المضمومة لأنها عرفها في بعض اللغات، فجاء ((يلوون)) فنقلت ضمة الهمزة
إلى اللام فجاء ((يلون)) و ﴿الكتاب﴾ في هذا الموضع التوراة، وضمير الفاعل في قوله ﴿التحسبوه﴾ هو