النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٢ - ١٧٤
الياء فسكنت، والتنوين ساكن فحذفت الياء والكسرة تدل عليها. ورفع الله تعالى الإثم لمّا أحل الميتة
للمضطر لأن التحريم في الحقيقة متعلقه التصرف بالأكل لا عين المحرم، ويطلق التحريم على العين
تجوزاً، ومنع قوم التزود من الميتة وقالوا لما استقلت قوة الآكل صار كمن لم تصبه ضرورة قبل.
ومن العلماء من يرى أن الميتة من ابن آدم والخنزير لا تكون فيها رخصة اضطرار، لأنهما لا تصح
فيهما ذكاة بوجه، وإنما الرخصة فيما تصح الذكاة في نوعه.
وقوله تعالى: ﴿إن الذين يكتمون﴾ الآية، قال ابن عباس وقتادة والربيع والسدي: المراد أحبار
اليهود الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، و﴿الكتاب﴾: التوراة والإنجيل، والضمير في ﴿به﴾ عائد
على ﴿الكتاب﴾، ويحتمل أن يعود على ﴿ما﴾ وهو جزء من الكتاب، فيه أمر محمد صلى الله عليه وسلم،
وفيه وقع الكتم لا في جميع الكتاب، ويحتمل أن يعود على الكتمان، والثمن القليل: الدنيا والمكاسب،
ووصف بالقلة لانقضائه ونفاده، وهذه الآية وإن كانت نزلت فى الأحبار فإنها تتناول من علماء المسلمين من
كتم الحق مختاراً لذلك لسبب دنيا يصيبها .
وذكرت البطون في أكلهم المؤدي إلى النار دلالة على حقيقة الأكل، إذ قد يستعمل مجازاً في مثل
أكل فلان أرضي ونحوه، وفي ذكر البطن أيضاً تنبيه على مذمتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم
الذي لا خطر له، وعلى هجنتهم بطاعة بطونهم، وقال الربيع وغيره: سمي مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إلى
النار، وقيل: معنى الآية: أن الله تعالى يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة، وقوله تعالى :
﴿ولا يكلمهم﴾ قيل: هي عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضى عنهم، إذ في غير موضع من القرآن ما
ظاهره أن الله تعالى يكلم الكافرين، كقوله ﴿اخسؤوا فيها﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، ونحوه، فتكون هذه الآية
بمنزلة قولك: ((فلان لا يكلمه السلطان ولا يلتفت إليه)) وأنت إنما تعبر عن انحطاط منزلته لديه، وقال
الطبري وغيره: المعنى ولا يكلمهم بما يحبون، وقيل: المعنى لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية، ﴿ولا
يزكيهم﴾ معناه: لا يطهرهم من موجبات العذاب، وقيل: المعنى لا يسميهم أزكياء، و﴿أليم﴾ اسم فاعل
بمعنى مؤلم.
قوله عز وجل :
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِنَبَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ أُخْتَلَفُواْ فِىِ الْكِتَبِ لَفِ شِقَاقِ بَعِيدٍ
٧٦
لَيْسَ الْبِرَّأَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبَّمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلَخِ
وَالْمَلَئِكَةِ وَالْكِتَبِ وَالنَِّنَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ
وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوَةَ وَءَاتَ الزَّكَوَةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا

٢٤٢
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٥ - ١٧٧
١٧٧
عَهَدُ وأَوَاُ لصَّبِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِنْ أُوْلَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُنَّقُونَ
لما تركوا الهدى وأعرضوا عنه ولازموا الضلالة وتكسبوها مع أن الهدى ممكن لهم ميسر كان ذلك
كبيع وشراء، وقد تقدم إيعاب هذا المعنى، ولما كان العذاب تابعاً للضلالة التي اشتروها وكانت المغفرة
تابعة للهدى الذي اطرحوه أدخلا في تجوز الشراء.
وقوله تعالى: ﴿فما أصبرهم على النار﴾، قال جمهور المفسرين: ﴿ما﴾ تعجب، وهو في حيز
المخاطبين، أي هم أهل أن تعجبوا منهم، ومما يطول مكثهم في النار، وفي التنزيل: ﴿قتل الإنسان ما
أكفره﴾ [عبس: ١٧]، و﴿أسمع بهم وأبصر﴾ [مريم: ٣٨]، وبهذا المعنى صدر أبو علي، وقال قتادة
والحسن وابن جبير والربيع: أظهر التعجب من صبرهم على النار لما عملوا عمل من وطن نفسه عليها،
وتقديره: ما أجرأهم على النار إذ يعملون عملاً يودي إليها، وقيل: ﴿ما﴾ استفهام معناه أي شيء أصبرهم
على النار، ذهب إلى ذلك معمر بن المثنى، والأول أظهر، ومعنى ﴿أصبرهم﴾ في اللغة أمرهم بالصبر،
ومعناه أيضاً جعلهم ذوي صبر، وكلا المعنيين متجه في الآية على القول بالاستفهام، وذهب المبرد في باب
التعجب من المقتضب إلى أن هذه الآية تقرير واستفهام لا تعجب، وأن لفظة ﴿أصبر﴾ بمعنى اضطر
وحبس، كما تقول أصبرت زيداً على القتل، ومنه نهي النبي عليه السلام أن يصبر الروح، قال: ومثله قول
الشاعر: [السريع]
قُلْتُ لَهَا أَصْبُرها دائباً أَمْثَالُ بِسْطَامٍ بِنِ قَيْسٍ قَليلْ
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: الضبط عند المبرد بضم الهمزة وكسر الباء، ورد عليه
في ذلك كله بأنه لا يعرف في اللغة أصبر بمعنى صبر وإنما البيت أصبُرها بفتح الهمزة وضم الباء ماضيه
صبر، ومنه المصبورة، وإنما يرد قول أبي العباس على معنى اجعلها ذات صبر.
وقوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق) الآية، المعنى ذلك الأمر أو الأمر ذلك بأن الله نزل
الكتاب بالحق فكفروا به، والإشارة على هذا إلى وجوب النار لهم، ويحتمل أن يقدر فعلنا ذلك، ويحتمل
أن يقدر وجب ذلك، ويكون ﴿الكتاب) جملة القرآن على هذه التقديرات: وقيل: إن الإشارة بـ ﴿الكتاب﴾ إلى
قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم﴾ [البقرة: ٦]، أي وجبت لهم النار بما قد نزله الله في
الكتاب من الخبر به، والإشارة بذلك على هذا إلى اشترائهم الضلالة بالهدى، أي ذلك بما سبق لهم في
علم الله وورود إخباره به، و﴿الحق﴾ معناه بالواجب، ويحتمل أن يراد بالأخبار الحق: أي الصادقة.
و﴿الذين اختلفوا في الكتاب﴾، قال السدي: ((هم اليهود والنصارى لأن هؤلاء في شق وهؤلاء في
شق)».
قال القاضي أبو محمد: ويظهر أن الشقاق سميت به المشارّة والمقاتلة ونحوه، لأن كل واحد يشق
الوصل الذي بينه وبين مشاقّه، وقيل: إن المراد بـ ﴿الذين اختلفوا﴾ كفار العرب لقول بعضهم هو سحر،
وبعضهم هو أساطير، وبعضهم هو مفترى، إلى غير ذلك، وشقاق هذه الطوائف إنما هو مع الإسلام
وأهله، و﴿بعيد﴾ هنا معناه من الحق والاستقامة.
:
:
:

٢٤٣
تفسير سورة البقرة / الآيات : ١٧٥ - ١٧٧
وقوله تعالى: ﴿ليس البرُّ﴾ الآية: قرأ أكثر السبعة برفع الراء، و((البُ)) اسم ليس، قال أبو علي:
((ليس بمنزلة الفعل فالوجه أن يليها الفاعل ثم المفعول)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: مذهب أبي علي أن ﴿ليس﴾ حرف، والصواب الذي
عليه الجمهور أنها فعل، وقرأ حمزة وعاصم في رواية حفص ((ليس البرَّ) بنصب الراء، جعل ﴿أن تولوا﴾
بمنزلة المضمر، إذ لا يوصف كما لا يوصف المضمر، والمضمر أولى أن يكون اسماً يخبر عنه، وفي
مصحف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود ﴿ليس البرّ بأن تولوا﴾، وقال الأعمش: إن في مصحف
عبد الله: لا تحسبن البر، وقال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: الخطاب بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى ليس
البر الصلاة وحدها، وقال قتادة والربيع: الخطاب اليهود والنصارى لأنهم اختلفوا في التوجه والتولي،
فاليهود إلى بيت المقدس والنصارى إلى مطلع الشمس، وتكلموا في تحويل القبلة وفضلت كل فرقة
توليها، فقيل لهم ليس البر ما أنتم فيه ولكن البر من آمن بالله. قرأ قوم ((ولكنّ البَّ) بشد النون ونصب
البر، وقرأ الجمهور ((ولكن البر)) والتقدير ولكن البر بر من، وقيل: التقدير ولكن ذو البر من، وقيل: ﴿البر﴾
بمنزلة اسم الفاعل تقديره ولكن البار من، والمصدر إذا أنزل منزلة اسم الفاعل فهو ولا بد محمول على
حذف مضاف، كقولك رجل عدل ورضی .
والإيمان التصديق، أي صدق بالله تعالى وبهذه الأمور كلها حسب مخبرات الشرائع.
وقوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾ الآية، هذه كلها حقوق في المال سوى الزكاة، وبها كمال
البر، وقيل هي الزكاة، و﴿آتى﴾ معناه أعطى، والضمير في ﴿حبه﴾ عائد على ﴿المال﴾ فالمصدر مضاف إلى
المفعول، ويجيء قوله ﴿على حبه﴾ اعتراضاً بليغاً أثناء القول، ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء أي
في وقت حاجة من الناس وفاقة، فإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى من قوله :
﴿من آمن بالله﴾ أي من تصدق محبة في الله تعالى وطاعاته، ويحتمل أن يعود على الضمير المستكن في
﴿آتى﴾ أي على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى المقصود: أن يتصدق المرء في هذه
الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، كما قال صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي أبو محمد: والشح في هذا الحديث هو الغريزي الذي في قوله تعالى: ﴿وأحضرت
الأنفس الشح﴾ [النساء: ١٢٨]، وليس المعنى أن يكون المتصدق متصفاً بالشح الذي هو البخل،
و﴿ذوي القربى﴾ يراد به قرابة النسب.
واليتم في الآدميين من قبل الأب قبل البلوغ، وقال مجاهد وغيره: ﴿ابن السبيل﴾ المسافر لملازمته
السبيل .
قال القاضي أبو محمد: وهذا كما يقال ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي صلى الله عليه
وسلم: ((لا يدخل الجنة ابن زنى)) أي الملازم له، وقيل: لما كانت السبيل تبرزه شبه ذلك بالولادة فنسب
إليها، وقال قتادة: ﴿ابن السبيل﴾ الضيف، والأول أعم، و﴿في الرقاب﴾: يراد به العتق وفك الأسرى
وإعطاء أواخر الكتابات، و﴿إقام الصلاة﴾ أتمها بشروطها، وذكر الزكاة هنا دليل على أن ما تقدم ليس

٢٤٤
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٨ - ١٨٠
بالزكاة المفروضة، و﴿الموفون﴾ عطف على ﴿من﴾ في قوله: ﴿من آمن﴾، ويحتمل أن يقدر وهم
الموفون، و﴿الصابرين﴾ نصب على المدح أو على إضمار فعل، وهذا مهيع في تكرار النعوت، وفي
مصحف عبد الله بن مسعود ((والموفين)) على المدح أو على قطع النعوت، وقرأ يعقوب والأعمش والحسن
﴿والموفون﴾ ((والصابرون))، وقرأ الجحدري ﴿بعهودهم﴾، و﴿البأساء﴾ الفقر والفاقة، و﴿الضراء﴾
المرض ومصائب البدن، وحين البأس﴾ وقت شدة القتال.
هذا قول المفسرين في الألفاظ الثلاثة، وتقول العرب: بئس الرجل إذا افتقر، وبؤس إذا شجع.
ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البرة بالصدق في أمورهم أي هم عند الظن بهم والرجاء فيهم كما
تقول: صدقني المال وصدقني الربح، ومنه عود صدق، وتحتمل اللفظة أيضاً صدق الإخبار، ووصفهم الله
تعالى بالتقى، والمعنى هم الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية من العمل الصالح .
قوله عز وجل:
وَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِ الْقَبْلِ الْحُّبَ لْحُرٍ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَى بِآلْأُنْفَ فَمَنْ تُفِىَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَانِبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءُ إِلَيْهِ بِإِحْسَنَّ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى
وَلَكُمْ فِى الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ يَأُوْلِ الْأَلْبَبِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
١٧٨
بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَ حَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًّا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
١٧٩)
١٨٠
بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
﴿كتب﴾ معناه فرض وأثبت، والكتب مستعمل في الأمور المخلدات الدائمة كثيراً، وقيل إن
﴿كتب﴾ في مثل هذا إخبار عما كتب في اللوح المحفوظ وسبق به القضاء، وصورة فرض القصاص هو أن
القاتل فرض عليه إذا أراد الولي القتل الاستسلام لأمر الله والانقياد لقصاصه المشروع، وأن الولي فرض
عليه الوقوف عند قتل قاتل وليه وترك التعدي على غيره كما كانت العرب تتعدى وتقتل بقتيلها الرجل من قوم
قاتله، وأن الحكام وأولى الأمر فرض عليهم النهوض بالقصاص وإقامة الحدود، وليس القصاص بلزام إنما
اللزام أن لا يتجاوز القصاص إلى اعتداء، فأما إذا وقع الرضى بدون القصاص من دية أو عفو فذاك مباح،
فالآية معلمة أن القصاص هو الغاية عند التشاح، و﴿القصاص﴾ مأخوذ من قص الأثر فكأن القاتل سلك
طريقاً من القتل فقص أثره فيها ومشى على سبيله في ذلك، و﴿القتلى﴾ جمع قتيل، لفظ مؤنث تأنيث
الجماعة وهو مما يدخل على الناس كرهاً فلذلك جاء على هذا البناء كجرحى وزمنى وحمقى وصرعى
وغرقی .
واختلف في سبب هذه الآية، فقال الشعبي: إن العرب كان أهل العزة منهم والمنعة إذا قتل منهم
عبد قتلوا به حراً، وإذا قتلت امرأة قتلوا بها ذكراً، فنزلت الآية في ذلك ليعلم الله تعالى بالسوية ويذهب أمر
الجاهلية، وحكي أن قوماً من العرب تقاتلوا قتال عمية ثم قال بعضهم: نقتل بعبيدنا أحراراً، فنزلت الآية،
١

٢٤٥
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٨ - ١٨٠
وقيل: نزلت بسبب قتال وقع بين قبيلتين من الأنصار، وقيل: من غيرهم فقتل هؤلاء من هؤلاء رجالاً وعبيداً
ونساء، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلح بينهم ويقاصهم بعضهم ببعض بالديات على استواء
الأحرار بالأحرار والنساء بالنساء والعبيد بالعبيد، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت مقتضية أن لا يقتل
الرجل بالمرأة ولا المرأة بالرجل ولا يدخل صنف على صنف ثم نسخت بآية المائدة أن النفس بالنفس.
قال القاضي أبو محمد: هكذا روي، وآية المائدة إنما هي إخبار عما كتب على بني إسرائيل، فلا
يترتب النسخ إلا بما تلقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن حكمنا في شرعنا مثل حكمهم،
وروي عن ابن عباس فيما ذكر أبو عبيد وعن غيره أن هذه الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة، وأن
قوله هنا ﴿الحر بالحر﴾ يعم الرجال والنساء، وقاله مجاهد.
وقال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد بها الجنس الذكر والأنثى فيه سواء،
وأعيد ذكر ﴿الأنثى) تأكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن
الحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر
عبداً أو عبد حراً أو ذكر أنثى أو أنثى ذكراً، وقالا: إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا صاحبهم
ووفوا أولياءه نصف الدية منه وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة، وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد
أولياؤه قتلوا وأخذوا نصف الدية وإلا أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد
العبد قتل وأعطى دية الحر إلا قيمة العبد وإن شاء استحيا وأخذ قيمة العبد، هذا مذكور عن علي رضي الله
عنه وعن الحسن، وقد أنكر ذلك عنهما أيضاً، وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل،
والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الاتباع بفضل الديات، قال مالك والشافعي: وكذلك
القصاص بينهما فيما دون النفس، وقال أبو حنيفة: لا قصاص بينهما فيما دون النفس وإنما هو في النفس
بالنفس، وقال النخعي وقتادة وسعيد بن المسيب والشعبي والثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو
يوسف: يقتل الحر بالعبد، وقال مالك رحمه الله وجمهور من العلماء: لا يقتل الحر بالعبد، ودليلهم إجماع
الأمة على أن العبد لا يقاوم الحر فيما دون النفس، فالنفس مقيسة على ذلك، وأيضاً فالإجماع فيمن قتل
عبداً خطأً أنه ليس عليه إلا القيمة، فكما لم يشبه الحر في الخطأ لم يشبهه في العمد، وأيضاً فإن
العبد سلعة من السلع يباع ويشترى، وإذا قتل الرجل ابنه فإن قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه أو
يصبره مما لا عذر له فيه ولا شبهة في ادعاء الخطأ فإنه يقتل به قولاً واحداً في مذهب مالك، وإن قتله على
حد ما يرمي أو يضرب فيقتله ففيه في المذهب قولان: يقتل به، ولا يقتل وتغلظ الدية.
وقوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فيه أربع تأويلات:
أحدها أن ﴿من﴾ يراد بها القاتل و﴿عفي﴾ يتضمن عافياً هو ولي الدم والأخ هو المقتول، ويصح أن
يكون هو الولي على هذا التأويل، وهي أخوة الإسلام، و﴿شيء﴾ هو الدم الذي يعفى عنه ويرجع إلى أخذ
الدية، هذا قول ابن عباس وجماعة من العلماء، والعفو في هذا القول، على بابه والضميران راجعان على
﴿من﴾ في كل تأويل.

٢٤٦
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٨ - ١٨٠
والتأويل الثاني وهو قول مالك: ان ﴿من﴾ يراد بها الولي، و﴿عفي﴾ بمعنى يسر لا على بابها في
العفو، والأخ يراد به القاتل، و﴿شيء﴾ هي الدية، والأخوة على هذا أخوة الإسلام، ويحتمل أن يراد بالأخ
على هذا التأويل المقتول أي يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام،
وعلى هذا التأويل قال مالك رحمه الله: إن الولي إذا جنح إلى العفو على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن
يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر، وغير مالك يقول: إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل
تلزمه، وقد روي أيضاً هذا القول عن مالك ورجحه كثير من أصحابه.
والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ فى المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم
مقاصة حسبما ذكرناه آنفاً، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الدیات،
ويكون ﴿عفي﴾ بمعنى فضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر أي أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر.
والتأويل الرابع هو على قول علي رضي الله عنه والحسن بن أبي الحسن في الفضل بين دية المرأة
والرجل والحر والعبد، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف، و﴿عفي﴾ في هذا الموضع أيضاً
بمعنى أفضل، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت، و﴿شيء﴾
في هذه الآية مفعول لم يسم فاعله، وجاز ذلك و﴿عفي﴾ لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر
﴿شيء﴾ تقدير المصدر، كأن الكلام: عفي له من أخيه عفو، و﴿شيء﴾ اسم عام لهذا وغيره، أو من
حيث تقدر ﴿عفي﴾ بمعنى ترك فتعمل عملها، والأول أجود، وله نظائر في كتاب الله، منها قوله تعالى:
﴿ولا تضرونه شيئاً﴾ [هود: ٥٧]، قال الأخفش: التقدير لا تضرونه ضراً، ومن ذلك قول أبي خراش:
[الطويل]
فَعَادَيْتُ شَيْئاً والدَّرِيس كأنَّمَا يُزَعْزِعُهُ وِرْدٌ مِنَ الْمومِ مردمُ
وقوله تعالى: ﴿فاتباع﴾ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فالواجب والحكم اتباع، وهذا سبيل
الواجبات كقوله تعالى ﴿فإمساك بمعروف﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وأما المندوب إليه فيأتي منصوباً كقوله تعالى
﴿فضرب الرقاب﴾ [محمد: ٤]، وهذه الآية حض من الله تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن
القضاء من المؤدي، وقرأ ابن أبي عبلة ((فاتباعاً)) بالنصب.
وقوله تعالى: ﴿ذاك تخفيف من ربكم﴾ إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية، وكانت بنو
إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط، والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية هو أن يأخذ الرجل دية
وليه ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه: فقال فريق من العلماء منهم
مالك: هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه، وعذابه في الآخرة، وقال قتادة وعكرمة
والسدي وغيرهم: عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو، وروي عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: نقسم أن لا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل، وقال الحسن: عذابه أن
يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة، وقال عمر بن عبد العزيز أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى.
وقوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾ نحوه قول العرب في مثل: القتل أوقى للقتل، ويروى:
:

٢٤٧
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٨ - ١٨٠
أبقى، بباء وقاف، ويروى أنفى بنون وفاء، والمعنى أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم به ازدجر من يريد
قتل أحد مخافة أن يقتص منه فحييا بذلك معاً، وهذا الترتيب مما سبق لهما في الأزل، وأيضاً فكانت
العرب إذا قتل الرجل الآخر حمي قبيلاهما وتقاتلوا وكان ذلك داعية إلى موت العدد
الكثير، فلما شرع الله القصاص قنع الكل به ووقف عنده وتركوا الاقتتال، فلهم في ذلك
حياة، وخص ﴿أولي الألباب﴾ بالذكر تنبيهاً عليهم، لأنهم العارفون القابلون للأوامر والنواهي، وغيرهم
تبع لهم، و﴿تتقون) معناه القتل فتسلمون من القصاص ثم يكون ذلك داعية لأنواع التقوى في غير ذلك
فإن الله تعالى يثيب على الطاعة بالطاعة، وقرأ أبو الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي ((ولكم في القصص)) أي
في كتاب الله الذي شرع فيه القصاص وحكمه، ويحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص، أي إنه قص أثر
القاتل قصصاً فقتل كما قتل.
وقوله تعالى: ﴿كتب عليكم﴾ الآية، كأن الآية متصلة بقوله ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فلذلك سقطت واو
العطف، و﴿كتب﴾ معناه فرض وأثبت، وقال بعض أهل العلم: الوصية فرض، وقال قوم: كانت فرضاً
ونسخت، وقال فريق: هي مندوب إليها، و﴿كتب﴾ عامل في رفع ﴿الوصية﴾ على المفعول الذي لم يسم
فاعله في بعض التقديرات، وسقطت علامة التأنيث من ﴿كتب﴾ لطول الكلام فحسن سقوطها، وقد حكى
سيبويه: قام امرأة، ولكن حسن ذلك إنما هو مع طول الحائل، ولا يصح عند جمهور النحاة أن تعمل
﴿الوصية﴾ في ﴿إذا﴾ لأنها في حكم الصلة للمصدر الذي هو ﴿الوصية﴾، وقد تقدمت فلا يجوز أن يعمل
فيها متقدمة، ويتجه في إعراب هذه الآية أن يكون ﴿كتب﴾ هو العامل في ﴿إذا﴾ والمعنى توجه إيجاب الله
عليكم ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبر عن توجه الإيجاب ب﴿كتب﴾ لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوب في
الأزل، و﴿الوصية﴾ مفعول لم يسم فاعله بـ ﴿كتب﴾ وجواب الشرطين ﴿إذا﴾ و﴿إن﴾ مقدّر، يدل عليه
ما تقدم من قوله ﴿كتب عليكم﴾، كما تقول شكرت فعلك إن جئتني إذا كان كذا، ويتجه في إعرابها أن
يكون التقدير: كتب عليكم الإيصاء، ويكون هذا الإيصاء المقدر الذي يدل عليه ذكر الوصية بعد هو
العامل في ﴿إذا﴾، وترتفع ﴿الوصية﴾ بالابتداء وفيه جواب الشرطين على نحو ما أنشد سيبويه: [البسيط]
مَنْ يَفْعَلِ الصَّالِحَاتِ اللَّهُ يَحْفِظُهَا
أو يكون رفعها بالابتداء بتقدير: فعليه الوصية، أو بتقدير الفاء فقط، كأنه قيل: فالوصية للوالدين،
ويتجه في إعرابها أن تكون ﴿الوصية﴾ مرتفعة بـ ﴿كتب﴾ على المفعول الذي لم يسم فاعله، وتكون ﴿الوصية﴾
هي العامل في ﴿إذا﴾، وهذا على مذهب أبي الحسن الأخفش فإنه يجيز أن يتقدم ما في الصلة الموصول
بشرطين هما في هذه الآية، أحدهما أن يكون الموصول ليس بموصول محض بل يشبه الموصول، وذلك
كالألف واللام حيث توصل، أو كالمصدر، وهذا في الآية مصدر وهو ﴿الوصية﴾، والشرط الثاني أن يكون
المتقدم ظرفً فإن في الظرف يسهل الاتساع، و ﴿إذا﴾ ظرف وهذا هو رأي أبي الحسن في قول الشاعر:
[الطويل]
أَبَعْلِيَ هذا بِالرَّحَا المُتَفَاعِس
تَقُولُ وَصَكَّتْ وَجْهَهَا بِيَمِينِهَا

٢٤٨
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٧٨ - ١٨٠
فإنه يرى أن ((بالرحا)) متعلق بقوله المتقاعس، كأنه قال: أبَعلي هذا المتقاعس بالرحا، وجواب
الشرطين في هذا القول كما ذكرناه في القول الأول، وفي قوله تعالى ﴿إذا حضر﴾ مجاز لأن المعنى إذا
تخوف وحضرت علاماته، والخير في هذه الآية المال.
واختلف موجبو الوصية في القدر الذي تجب منه، فقال الزهري وغيره: تجب فيما قل وفيما كثر،
وقال النخعي: تجب في خمسمائة درهم فصاعداً، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتادة: في ألف
فصاعداً.
واختلف العلماء في هذه الآية، فقال فريق: محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين
اللذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الوارثة، وقال ابن عباس والحسن وقتادة: الآية عامة
وتقرر الحكم بها برهة ونسخ منها كل من يرث بآية الفرائض، وفي هذه العبارة يدخل قول ابن عباس
والحسن وغيرهما إنه نسخ منها الوالدان وثبت الأقربون الذين لا يرثون، وبين أن آية الفرائض في سورة
النساء ناسخة، لهذا الحديث المتواتر: ((إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)).
وقال ابن عمر وابن عباس أيضاً وابن زيد: الآية كلها منسوخة وبقيت الوصية ندباً، ونحو هذا قول
مالك رحمه الله، وقال الربيع بن خثيم وغيره: لا وصية لوارث، وقال عروة بن ثابت للربيع بن خثيم:
أوصٍ لي بمصحفك، فنظر الربيع إلى ولده وقرأ: ﴿وأولو الأرحام بعضَهم أولى ببعض في كتاب الله﴾
[الأحزاب: ٦]، ونحو هذا صنع ابن عمر رضي الله عنه.
وقال بعض أهل العلم؛ إن الناسخ لهذه الآية هي السنة المتواترة في الحديث المذكور قبل، وقد
تقدم توجيه نسخ السنة للكتاب في تفسير قوله تعالى ﴿ما ننسخ من آية﴾ [البقرة: ١٠٦].
وقال قوم من العلماء: الوصية للقرابة أولى فإن كانت لأجنبي فمعهم ولا تجوز لغيرهم مع تركهم.
وقال الناس حين مات أبو العالية: عجباً له أعتقته امرأة من رياح وأوصى بماله لبني هاشم.
وقال الشعبي: ((لم يكن ذلك له ولا كرامة)).
وقال طاوس: ((إذا أوصى لغير قرابة ردت الوصية إلى قرابته ونقض فعله)) وقاله جابر بن زيد.
وقال الحسن وجابر بن زيد أيضاً وعبد الملك بن يعلى: يبقى ثلث الوصية حيث جعلها ويرد ثلثاها
إلى قرابته .
وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء: الوصية ماضية حيث جعلها الميت، والأقربون: جمع
أقرب، و﴿بالمعروف﴾ معناه بالقصد الذي تعرفه النفوس دون إضرار بالورثة ولا تبذير للوصية، و﴿حقاً﴾
مصدر مؤكد، وخص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبادر الناس إليها.
قوله عز وجل :
فَمَنْ بَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثّمُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ،إِنَّاللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴿فَمَنْ خَافَ مِن ◌ُّوصٍ جَنَفًا

٢٤٩
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨١ - ١٨٤ -
أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (َ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ
أَيَّامًا مَعْدُ ودَاتٍ فَمَنْ كَانَ
١٨٣
اُلْضِيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ
مِنْكُمْ مَيِ يضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّوَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ
فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌلَّكُمِّ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ
(١٨٤
الضمير في ﴿بدله﴾ عائد على الإيصاء وأمر الميت وكذلك في ﴿سمعه﴾، ويحتمل أن يعود الذي
في ﴿سمعه﴾ على أمر الله تعالى في هذه الآية، والقول الأول أسبق للناظر، لكن في ضمنه أن يكون
المبدل عالماً بالنهي عامداً لخلافه، والضمير في ﴿إثمه﴾ عائد على التبديل، و﴿سميع عليم) صفتان لا
يخفى معهما شيء من جنف الموصين وتبديل المتعدين، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم ((من
مَوَصّ)) بفتح الواو وتشديد الصاد، وقرأ الباقون بسكون الواو، والجنف الميل، وقال الأعشى: [الطويل]
تجانِفُ عَنْ حِجْرِ الْيَمَامَةِ نَاقَتِي وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسِوَائِكًا
وقال عامر الرامي الحضرمي المحاربي : [الوافر]
هُمُ الْمَوْلَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنَا وَإِنَّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ
ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصي ويقطع ميراث طائفة ويتعمد الإذاية أو
يأتيها دون تعمد وذلك هو الجنف دون إثم وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فالمعنى: من وعظه في ذلك
ورده عنه فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته وما بين الورثة في ذاتهم ﴿فلا إثم عليه، إن الله غفور﴾ عن
الموصي إذا عملت فيه الموعظة ورجع عما أراد من الإذاية ﴿رحيم﴾ به.
وقال ابن عباس رضي الله عنه وقتادة والربيع: معنى الآية: من خاف أي علم ورأى وأتى علمه عليه
بعد موت الموصي أن الموصي خلف وجنف وتعمد إذاية بعض ورثته فأصلح ما وقع بين الورثة من
الاضطراب والشقاق فلا إثم عليه، أي لا يلحقه إثم المبدل المذكور قبل وإن كان في فعله تبديل ما ولا بد،
لكنه تبديل لمصلحة، والتبديل الذي فيه الإثم إنما هو تبديل الهوى. وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله عنه:
((فلإثم عليه)) بحذف الألف، و ﴿كتب﴾: معناه فرض.
والصيام في اللغة الإمساك وترك التنقل من حالٍ إلى حال، ومنه قول النابغة : [البسيط]
خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وَخَيْلٌ تَعْلِكُ اللُّجُمَا
أي خيل ثابتة ممسكة، ومنه قول الله تعالى: ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ [مريم: ٢٦] أي إمساكاً
عن الكلام، ومنه قول امرىء القيس: [الطويل]
كأَنَّ الثُّرِيًّا عُلِّقَتْ فِي مَصَامها
أي في موضع ثبوتها وامتساكها، ومنه قوله: [الطويل]

٢٥٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨١ - ١٨٤
فَدَعْ ذَا وَسَلِّ الْهَمِّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذَمُولٍ إِذَا صَامَ النَّهَارُ وَهَجِّرًا
أي وقفت الشمس عن الانتقال وثبتت، والصيام في الشرع إمساك عن الطعام والشراب مقترنة به
قرائن من مراعاة أوقات وغير ذلك، فهو من مجمل القرآن في قول الحذاق، والكاف من قوله ﴿كما﴾ في
موضع نصب على النعت، تقديره كتباً كما، أو صوماً كما، أو على الحال كأن الكلام: كتب عليكم الصيام
مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم.
وقال بعض النحاة: الكاف في موضع رفع على النعت للصيام إذ ليس تعريفه بمحض لمكان
الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة فلذلك جاز نعته بـ ﴿كما﴾ إذ لا تنعت بها إلا النكرات فهو بمنزلة
كتب عليكم صيام، وقد ضعف هذا القول.
واختلف المتأولون في موضع التشبيه، فقال الشعبي وغيره: المعنى كتب عليكم رمضان كما كتب
على النصارى، قال: ((فإنه كتب عليهم رمضان فبدلوه لأنهم احتاطوا له بزيادة يوم في أوله ويوم في آخره
قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي)).
قال النقاش: ((وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي))، وقيل: بل مرض
ملك من ملوكهم فنذر إن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم آخر سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه
حسنة بإزاء الخطأ في نقله.
وقال السدي والربيع: التشبيه هو أن من الإفطار إلى مثله لا يأكل ولا يشرب ولا يطأ، فإذا حان
الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان في النصارى أولاً، وكان في أول الإسلام، ثم نسخه الله
بسبب عمر وقيس بن صرمة بما يأتي من الآيات في ذلك.
وقال عطاء: ((التشبيه كتب عليكم الصيام ثلاثة أيام من كل شهر - قال القاضي أبو محمد عبد الحق
رضي الله عنه: وفي بعض الطرق: ويوم عاشوراء - كما كتب على الذين من قبلكم ثلاثة أيام من كل شهر
ويوم عاشوراء، ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان)).
وقالت فرقة: التشبيه كتب عليكم كصيام بالإطلاق، أي قد تقدم في شرع غيركم، فـ ﴿الذين﴾ عام
في النصارى وغيرهم، و﴿لعلكم﴾ ترجّ في حقهم، و﴿تتقون﴾ قال السدي: معناه تتقون الأكل والشرب
والوطء بعد النوم على قول من تأول ذلك، وقيل: تتقون على العموم، لأن الصيام كما قال عليه السلام:
((جنة)) ووجاء وسبب تقوى، لأنه يميت الشهوات.
و﴿أياماً﴾ مفعول ثان بـ ﴿كتبَ﴾، قاله الفراء، وقيل: هي نصب على الظرف، وقيل: نصبها
بـ ﴿الصيام﴾، وهذا لا يحسن إلا على أن يعمل الصيام في الكاف من ﴿كما﴾ على قول من قدر: صوما كما،
وإذا لم يعمل في الكاف قبح الفصل بين المصدر وبين ما عمل فيه بما عمل فيه غيره، وذلك إذا كان العامل
في الكاف ﴿كتب﴾، وجوز بعضهم أن يكون ﴿أياماً﴾ ظرفً يعمل فيه ﴿الصيام﴾، و﴿معدودات﴾، قيل:
رمضان، وقيل: الثلاثة الأيام.
:

٢٥١
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨١ - ١٨٤
وقوله تعالى ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر﴾، التقدير: فأفطر ﴿فعدة من أيام أخر﴾، وهذا
يسمونه فحوى الخطاب.
واختلف العلماء في حد المرض الذي يقع به الفطر: فقال قوم: متى حصل الإنسان في حال
يستحق بها اسم المريض صح الفطر قياساً على المسافر أنه يفطر لعلة السفر وإن لم تدعه إلى الفطر
ضرورة، وقاله ابن سيرين.
وقال جمهور من العلماء: إذا كان به مرض يؤذيه ويؤلمه أو يخاف تماديه أو يخاف من الصوم تزيده
صح له الفطر، وهذا مذهب حذاق أصحاب مالك رحمه الله، وبه يناظرون، وأما لفظ مالك فهو: المرض
الذي يشق على المرء ويبلغ به .
وقال الحسن: ((إذا لم يقدر من المرض على الصلاة قائماً أفطر)).
وقالت فرقة: لا يفطر بالمرض إلا من دعته ضرورة المرض نفسه إلى الفطر، ومتى احتمل الضرورة
معه لم يفطر، وهذا قول الشافعي رحمه الله .
واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال قوم والشافعي ومالك في بعض ما
روي عنه: الصوم أفضل لمن قوي، وجل مذهب مالك التخيير.
وقال ابن عباس وابن عمر وغيرهما: الفطر أفضل.
وقال مجاهد وعمر بن عبد العزيز وغيرهما: أيسرهما أفضلهما، وكره ابن حنبل وغيره الصوم في
السفر.
وقال ابن عمر: من صام في السفر قضى في الحضر، وهو مذهب عمر رضي الله عنه، ومذهب مالك
في استحبابه الصوم لمن قدر عليه. وتقصير الصلاة حسن، لأن الذمة تبرأ في رخصة الصلاة وهي مشغولة
في أمر الصيام، والصواب المبادرة بالأعمال. وقال ابن عباس رضي الله عنه: ((الفطر في السفر عزمة))،
وذهب أنس بن مالك إلى الصوم، وقال: إنما نزلت الرخصة ونحن جياع نروح إلى جوع، ونغدو إلى
جوع، والسفر سفر الطاعة كالحج والجهاد بإجماع، ويتصل بهذين سفر صلة الرحم وطلب المعاش
الضروري. وأما سفر التجارة والمباحات فمختلف فيه بالمنع والجواز والقول بالجواز أرجح وأما سفر
المعاصي فمختلف فيه بالجواز والمنع والقول بالمنع أرجح، ومسافة سفر الفطر عند مالك حيث تقصر
الصلاة، واختلف في قدر ذلك، فقال مالك: يوم وليلة ثم رجع فقال: ثمانية وأربعون ميلاً، وروي عنه:
بومان، وروي عنه في العتبية: خمسة وأربعون ميلاً، وفي المبسوط: أربعون ميلاً، وفي المذهب: ستة
وثلاثون ميلاً، وفيه: ثلاثون.
وقال ابن عمر وابن عباس والثوري: الفطر في سفر ثلاثة أيام، وفي غير المذهب: يقصر في ثلاثة
میال فصاعداً .
وقوله تعالى: ﴿فعدة﴾ مرفوع على خبر الابتداء تقديره فالحكم أو فالواجب عدة، ويصح أن يرتفع
أ

٢٥٢
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨١ - ١٨٤
على ابتداء والخبر بعده والتقدير فعدة أمثل له، ويصح فعليه عدة، واختلف في وجوب تتابعها على قولين،
و﴿أخر﴾ لا ينصرف عند سيبويه لأنه معدول عن الألف واللام لأن هذا البناء إنما يأتي بالألف واللام كما
تقول الفضل والكبر فاجتمع فيه العدل والصفة، وجاء في الآية ﴿أخر﴾ ولم يجىء أخرى لئلا تشكل بأنها
صفة للعدة، والباب أن جمع ما لا يعقل يجري في مثل هذا مجرى الواحدة المؤنثة ومنه قوله تعالى ﴿یا
جبال أوبي معه﴾ [سبأ: ١٠]، إلى غير ذلك.
وقرأ جمهور الناس ((يطيقونه)) بكسر الطاء وسكون الياء والأصل (يطوقونه)) نقلت حركة الواو إلى
الطاء وقلبت ياء لانكسار ما قبلها، وقرأ حميد ((يطوقونه)) وذلك على الأصل، والقياس الإعلال.
وقرأ ابن عباس ((يطوقونه)) بمعنى يكلفونه.
وقرأت عائشة وطاوس وعمرو بن دينار ((يَطّوقونه)) بفتح الياء وشد الطاء مفتوحة.
وقرأت فرقة ((يُطَيَّقونه)) بضم الياء وفتح الطاء وشد الياء المفتوحة.
وقرأ ابن عباس ((يَطَيَّقونه)) بفتح الياء وشد الطاء وشد الياء المفتوحة بمعنى يتكلفونه، وحكاها
النقاش عن عكرمة، وتشديد الياء في هذه اللفظة ضعيف.
وقرأ نافع وابن عامر من طريق ابن ذكوان ((فديةُ طعام مساكين)) بإضافة الفدية.
وقرأ هاشم عن ابن عامر ((فدية طعام مساكين)) بتنوين الفدية .
وقرأ الباقون ((فديةٌ)) بالتنوين ((طعام مسكين)) بالإفراد، وهي قراءة حسنة لأنها بينت الحكم في
اليوم، وجمع المساكين لا يدرى كم منهم في اليوم إلا من غير الآية.
قال أبو علي: ((فإن قلت كيف أفردوا المساكين والمعنى على الكثرة لأن الذين يطيقونه جمع وكل
واحد منهم يلزمه مسكين فكان الوجه أن يجمعوا كما جمع المطيقون؟، فالجواب أن الإفراد حسن لأنه
يفهم بالمعنى أن لكل واحد مسكيناً، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة
شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤] فليست الثمانون متفرقة في جميعهم بل لكل واحد ثمانون.
واختلف المتأولون فى المراد بالآية فقال معاذ بن جبل وعلقمة والنخعي والحسن البصري وابن عمر
والشعبي وسلمة بن الأكوع وابن شهاب: كان فرض الصيام هكذا على الناس من أراد صام ومن أراد أطعم
مسكيناً وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقالت فرقة: و﴿على الذين يطيقونه﴾ أي على الشيوخ والعجّز، الذين يطيقون، لكن بتكلف شديد فأباح
الله لهم الفدية والفطر، وهي محكمة عند قائلي هذا القول. وعلى هذا التأويل تجيء قراءة ﴿يطوقونه﴾
و «یطوقونه)).
وقال ابن عباس: ((نزلت هذه الرخصة للشيوخ والعجز خاصة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم ثم
نسخت بقوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، فزالت الرخصة إلا لمن عجز
منهم)).

٢٥٣
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨١ - ١٨٤
وقال السدي: ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ أي على الذين كانوا يطيقونه وهم بحالة الشباب ثم استحالوا
بالشَّيخ فلا يستطيعون الصوم))، وهي عنده محكمة، ويلزم الشيوخ عنده الفدية إذا أفطروا، ونحوه عن ابن
عباس.
وقال مالك: ((لا أرى الفدية على الشيخ الضعيف واجبة، وتستحب لمن قدر عليها))، والآية عنده
إنما هي فيمن يدركه رمضان وعليه صوم من المتقدم فقد كان يطيق في تلك المدة الصوم فتركه فعليه
الفدية .
وقال الشافعي وأبو حنيفة: على الشيخ العاجز الإطعام.
وحكى الطبري عن عكرمة أنه كان يقرؤها ((وعلى الذين يَطَيَّقونه)) فأفطر، ومذهب مالك رحمه الله
وجماعة من العلماء أن قدر الدية مد لكل مسكين.
وقال قوم: قوت يوم، وقال قوم: عشاء وسحور.
وقال سفيان الثوري: نصف صاع من قمح أو صاع من تمر أو زبيب، والضمير في ﴿يطيقونه﴾ عائد
على ﴿الصيام﴾، وقيل على الطعام وهو قول ضعيف.
واختلف في الحامل فقال ابن عمر وابن عباس: تفدي وتفطر ولا قضاء عليها.
وقال الحسن وعطاء والضحاك والزهري وربيعة ومالك: تقضي الحامل إذا أفطرت ولا فدية عليها.
وقال الشافعي وأحمد بن حنبل ومجاهد: تقضي وتفدي إذا أفطرت، وكذلك قال مالك في المرضع
إنها إذا أفطرت تقضي وتفدي، هذا هو المشهور عنه، وقال في مختصر ابن عبد الحكم: لا إطعام على
المرضع.
وقوله تعالى: ﴿فمن تطوع خيراً فهو خير له﴾ الآية، قال ابن عباس وطاوس وعطاء والسدي: المراد
من أطعم مسكينين فصاعداً.
وقال ابن شهاب: ((من زاد الإطعام على الصوم)) وقال مجاهد: ((من زاد في الإطعام على المد))،
و﴿خير﴾ الثاني صفة تفضيل، وكذلك الثالث، و﴿خير﴾ الأول قد نزل منزلة مالاً أو نفعاً، وقرأ أبيّ بن
کعب ((والصوم خير لكم)) بدل ﴿وأن تصوموا﴾.
وقوله تعالى: ﴿إن كنتم تعلمون﴾ يقتضي الحض على الصوم أي فاعلموا ذلك وصوموا.
قوله عز وجل :
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدَّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ
فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّْةُ وَمَن كَانَ مَرِيضَّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَنَّامٍ أُخَرِّ
برِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِرُ واْاللَّهَ عَلَى

٢٥٤
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٨٥، ١٨٦
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ
مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
١٨٦
١٨٥)
دَعْوَةَ اُلَّاعِ إِذَا دَعَانٍ فَلْيَسْتَجِيبُواْلِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
الشهر مشتق من الاشتهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده، ورمضان علقه الاسم من مدة
كان فيها في الرمض وشدة الحر، وكان اسمه قبل ذلك ناثراً، كما سمي ربيع من مدة الربيع، وجمادى من
مدة الجمود، وكره مجاهد أن يقال رمضان دون أن يقال ﴿شهر رمضان﴾ كما قال الله تعالى، وقال: لعل
رمضان اسم من أسماء الله عز وجل.
وقرأ جمهور الناس ((شهرُ)) بالرفع، ووجهه خبر ابتداء أي ذلكم شهر، وقيل: بدل من الصيام،
[البقرة: ١٨٣] وقيل: على الابتداء وخبره ﴿الذي أنزل فيه القرآن﴾، وقيل: ابتداء وخبره ﴿فمن شهد﴾،
و﴿الذي أنزل﴾ نعت له، فمن قال إن ﴿الصيام) في قوله ﴿كتب عليكم الصيام﴾ [البقرة: ١٨٣] هي ثلاثة
أيام وعاشوراء قال هاهنا بالابتداء، ومن قال: إن ﴿الصيام﴾ هنالك هو رمضان وهو الأيام المعدودة قال هنا
بخبر الابتداء أو بالبدل من الصيام، وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب ((شهر)) بالنصب، ورواها أبو عمارة عن حفص عن
عاصم ورواها هارون عن أبي عمرو، وهي على الإغراء، وقيل: نصب بـ ﴿تصوموا﴾ [البقرة: ١٨٤] وقيل:
نصب على الظرف، وقرأت فرقة بإدغام الراء في الراء وذلك لا تقتضيه الأصول لاجتماع الساكنين فيه.
واختلف في إنزال القرآن فيه: فقال الضحاك: أنزل في فرضه وتعظيمه والحض عليه، وقيل: بدىء
بنزوله فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس فيما يؤثر: أنزل إلى السماء الدنيا جملة واحدة
ليلة أربع وعشرين من رمضان ثم كان جبريل ينزله رسلاً رسلاً في الأوامر والنواهي والأسباب، وروى
واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان
والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين)).
وترك ابن كثير همزة ﴿القرآن﴾ مع التعريف والتنكير حيث وقع، وقد قيل: إن اشتقاقه على هذه
القراءة من قرن، وذلك ضعيف، و﴿هدى﴾ في موضع نصب على الحال من ﴿القرآن﴾، فالمراد أن القرآن
بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ هدى، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه يعني الحلال
والحرام والمواعظ والمحكم كله، فالألف واللام في ﴿الهدى﴾ للعهد والمراد الأول، و ﴿الفرقان﴾ المفرق
بين الحق والباطل، و﴿شهد﴾ بمعنى حضر، و﴿الشهر﴾ نصب على الظرف، والتقدير: من حضر المصر
في الشهر، وقرأ الحسن وعيسى الثقفي والزهري وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو حيوة ((فَلِيَصُمْه)) بتحريك
اللام، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن على أصلها الذي هو الكسر، وقال علي بن أبي طالب وابن
عباس وعبيدة السلماني: من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيماً في أوله فليكمل صيامه سافر بعد
ذلك أو أقام وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر، وقال جمهور الأمة: من شهد أول
الشهر أو آخره فليصم ما دام مقيماً، وقال أبو حنيفة وأصحابه: من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون
ولا مغمى عليه فليصمه، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه لأنه لم
٠

٢٥٥
تفسير سورة البقرة / الآيتان: ١٨٦،١٨٥
يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جن أول الشهر أو آخره فإنه يقضي أيام جنونه، ونصب ﴿الشهر﴾
على هذا التأويل هو على المفعول الصريح بـ ﴿شهد﴾، وقوله تعالى: ﴿أو على سفر﴾ بمنزلة أو مسافراً
فلذلك عطف على اسم ، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع ويحيى بن وثاب وابن هرمز وعيسى بن عمر ((الْيُسُر))
و((العسُر)) بضم السين، والجمهور: بسكونه، وقال مجاهد والضحاك بن مزاحم : اليسر الفطر في السفر
و﴿العسر﴾ الصوم في السفر، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين، وقد فسر ذلك النبي صلى الله عليه
وسلم ((دين الله يسر)).
وقوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة﴾ معناه وليكمل من أفطر في سفره أو في مرضه عدة الأيام التي أفطر
فيها، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو في بعض ما روي عنه ((ولتكمّلوا)) بتشديد الميم، وقد روي عنهما
التخفيف كالجماعة، وهذه اللام متعلقة إما بـ ﴿يريد﴾ فهي اللام الداخلة على المفعول، كالذي في قولك
ضربت لزيد، المعنى ويريد إكمال العدة وهي مع الفعل مقدرة بأن، كأن الكلام: ويريد لأن تكملوا، هذا
قول البصريين، ونحوه قول قيس كثير بن صخر: [الطويل]
أُرِيدُ لُّنْسَى ذِكْرَهَا
وإما بفعل مضمر بعد، تقديره ولأن تكملوا العدة رخص لكم هذه الرخصة، وهذا قول بعض
الكوفيين، ويحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام.
وقوله: ﴿ولتكبروا الله﴾ حض على التكبير في آخر رمضان، واختلف الناس في حده، فقال ابن
عباس: ((يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره))، وقال
قوم: يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام إلى الصلاة، وقال سفيان: ((هو التكبير يوم الفطر))، وقال
مالك: ((هو من حين يخرج الرجل من منزله إلى أن يخرج الإمام))، ولفظه عند مالك وجماعة من العلماء:
(الله أكبر، الله كبر الله أكبر))، ثلاثاً، ومن العلماء من يكبر ثم يهلل ويسبح أثناء التكبير، ومنهم من يقول:
((الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً)). وقد قيل غير هذا، والجميع حسن واسع مع
البدأة بالتكبير.
و﴿هداكم﴾، قيل المراد لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم، وتعميم الهدى جيد، و﴿لعلكم
تشكرون﴾ ترجّ في حق البشر، أي على نعمة الله في الهدى.
وقوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ الآية، قال الحسن بن أبي الحسن: سببها أن قوماً قالوا
للنبي صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فنزلت، وقال عطاء: لما نزلت ﴿وقال
ربكم ادعوني أستجب لكم﴾ [غافر: ٦٠] قال قوم في أي ساعة ندعو؟ فنزلت ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾،
وقال مجاهد: بل قالوا إلى أين ندعو فنزلت هذه الآية، وقال قتادة بل قالوا: كيف ندعو؟ فنزلت ﴿وإذا
سألك عبادي﴾، روي أن المشركين قالوا لما نزل ﴿فإني قريب﴾: كيف يكون قريباً وبيننا وبينه على قولك
سبع سماوات في غلظ سمك كل واحدة خمسمائة عام وفيما بين كل سماء مثل ذلك؟ فنزلت: ﴿أجيب
دعوة الداعي إذا دعان﴾ أي فإني قريب بالإجابة والقدرة، وقال قوم: المعنى أجيب إن شئت، وقال قوم:
i

٢٥٦
تفسير سورة البقرة / الآية: ١٨٧
إن الله تعالى يجيب كل الدعاء: فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يكفر عنه، وإما أن يدخر له أجر
في الآخرة، وهذا بحسب حديث الموطأ: ((ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث))، الحديث، وهذا إذا
كان الدعاء على ما يجب دون اعتداء، فإن الاعتداء في الدعاء ممنوع، قال الله تعالى: ﴿ادعوا ربكم
تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾ [الأعراف: ٥٥] قال المفسرون: أي في الدعاء.
والوصف بمجاب الدعوة: وصف بحسن النظر والبعد عن الاعتداء، والتوفيق من الله تعالى إلى
الدعاء في مقدور. وانظر أن أفضل البشر المصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم قد دعا أن لا يجعل بأس
أمته بينهم، الحديث، فمنعها، إذ كان القدر قد سبق بغير ذلك.
وقوله تعالى: ﴿فليستجيبوا لي﴾ قال أبو رجاء الخراساني: ((معناه فليدعوا لي)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: المعنى فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو باب
استفعل، أي طلب الشيء، إلا ما شذ، مثل. استغنى الله، وقال مجاهد وغيره: المعنى فليجيبوا لي فيما
دعوتهم إليه من الإيمان، أي بالطاعة والعمل، ويقال: أجاب واستجاب بمعنى، ومنه قول الشاعر:
[الطويل]
وداع دعا يا من يجيب إلى النّدا فلم يستجبه عند ذاك مجيب
أي لم يجبه، وقوله تعالى: ﴿وليؤمنوا بي﴾، قال أبو رجاء: في أني أجيب دعاءهم، وقال غيره: بل
ذلك دعاء إلى الإيمان بجملته. وقرأ الجمهور ﴿يَرَشُدون﴾ بفتح الياء وضم الشين. وقرأ قوم بضم الياء
وفتح الشين . وروي عن ابن أبي عبلة وأبي حيوة فتح الياء وكسر الشين باختلاف عنهما قرأ هذه القراءة
والتي قبلها .
قوله عز وجل :
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ هُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ
كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْعَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ
اُللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْحَتَّى يَتَبَّنَ لَكُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ اَلْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِثُمَّ أَتِقُواْالْصِّيَامَ
إِلَى الَّيْلَّ وَلَا تُبَشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَلَكِفُونَ فِ الْمَسَجِدُّ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ
١٨٧
يُبَيِّنُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
لفظة ﴿أحل﴾ تقتضي أنه كان محرماً قبل ذلك، و﴿ليلة﴾ نصب على الظرف، وهي اسم جنس
فلذلك أفردت، ونحوه قول عامر الرامي الحضرمي المحاربي: [الوافر]
هِمُ المُولَى وَقَدْ جَنَفُوا عَلَيْنا وإنّا مِنْ عَدَواتِهِمْ لَزُورُ
و﴿الرفث﴾ كناية عن الجماع، لأن الله تعالى كريم يكني، قاله ابن عباس والسدي، وقرأ ابن

٢٥٧
تفسير سورة البقرة / الآية: ١٨٧
مسعود (الرفوث))، و﴿الرفث﴾ فى غير هذا ما فحش من القول، ومنه قول الشاعر: [الرجز]
عَنِ اللّغَا وَرَفَثِ النِّكَلُّمِ
وقال أبو إسحاق: ((الرفث كل ما يأتيه الرجل مع المرأة من قبل ولمس وجماع)).
قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: أو كلام في هذه المعاني، ومنه قول النبي صلى الله
عليه وسلم: ((من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه)).
وسبب هذه الآية فيما قال ابن عباس وغيره أن جماعة من المسلمين اختانوا أنفسهم وأصابوا النساء
بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء، على الخلاف، منهم عمر بن الخطاب، جاء إلى امرأته فأرادها، فقالت
له: قد نمت، فظن أنها تعتل، فوقع بها ثم تحقق أنها قد كانت نامت، وكان الوطء بعد نوم أحدهما
ممنوعاً، وقال السدي: جرى له هذا في جارية له، قالوا: فذهب عمر فاعتذر عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم، وجرى نحو هذا لكعب بن مالك الأنصاري، فنزل صدر الآية فيهم، فهي ناسخة للحكم المتقرر في
منع الوطء بعد النوم، وحكى النحاس ومكي أن عمر نام ثم وقع بامرأته، وهذا عندي بعيد على عمر رضي
الله عنه، وروي أن صرمة بن قيس، ويقال صرمة بن مالك، ويقال أبو أنس قيس بن صرمة، نام قبل الأكل
فبقي كذلك دون أكل حتى غشي عليه في نهاره المقبل، فنزل فيه من قوله تعالى: ﴿وكلوا واشربوا﴾،
واللباس أصله في الثياب ثم شبه التباس الرجل بالمرأة وامتزاجهما وتلازمهما بذلك، كما قال النابغة
الجعدي : [المتقارب]
إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَدَاعَتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِيَاسًا
وقال النابغة أيضاً: [المتقارب]
وَأَقْنَيْت بَعْدَ أُنَاسِ أُنّاسًا
لَبِسْتَ أُنّاساً فَأَقْنَيْتُهُمْ
فشبه خلطته لهم باللباس، نحا هذا المنحى في تفسير اللباس الربيع وغيره، وقال مجاهد والسدي :
﴿لباس﴾: سكن، أي يسكن بعضهم إلى بعض، وإنما سميت هذه الأفعال اختياناً لعاقبة المعصية وجزائها،
فراكبها يخون نفسه ويؤذيها، و﴿فتاب عليكم﴾ معناه من المعصية التي واقعتموها، و﴿عفا عنكم﴾ يحتمل
أن يريد عن المعصية بعينها فيكون ذلك تأكيداً، وتأنيساً بزيادة على التوبة، ويحتمل أن يريد عفا عما كان
ألزمكم من اجتناب النساء فيما يؤتنف، بمعنى تركه لكم، كما تقول شيء معفو عنه أي متروك.
قال ابن عباس وغيره: ﴿باشروهن﴾ كناية عن الجماع، مأخوذ من البشرة، وقد ذكرنا لفظة ﴿الآن﴾
في ماضي قصة البقرة. ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ .
قال ابن عباس ومجاهد والحكم بن عتيبة وعكرمة والحسن والسدي والربيع والضحاك: معناه ابتغوا
الولد.
وروي أيضاً عن ابن عباس وغيره أن المعنى وابتغوا ليلة القدر، وقيل: المعنى ابتغوا الرخصة

٢٥٨
تفسير سورة البقرة / الآية: ١٨٧
والتوسعة، قاله قتادة، وهو قول حسن، وقرأ الحسن فيما روي عنه ومعاوية بن قرة ((واتبعوا)) من الاتباع،
وجوزها ابن عباس، ورجح ﴿ابتغوا﴾ من الابتغاء.
﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين﴾ نزلت بسبب صرمة بن قيس، و﴿حتى﴾ غاية للتبين، ولا يصح أن يقع
التبين لأحد ويحرم عليه الأكل إلا وقد مضى لطلوع الفجر قدر، و﴿الخيط﴾ استعارة وتشبيه لرقة البياض
أولاً ورقة السواد الحاف به، ومن ذلك قول أبي داود:
٤٠
فَلَّمَّا بَصُرْنَ بِهِ غذْوَةً وَلَحَ مِنَ الْفَجْرِ خَيْطٌ أَنَارا
ويروى فنارا، وقال بعض المفسرين: ﴿الخيط﴾ اللون، وهذا لا يطرد لغة، والمراد فيما قال جميع
العلماء بياض النهار وسواد الليل، وهو نص قول النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم في حديثه
المشهور، و﴿من﴾ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، و﴿الفجر﴾ مأخوذ من تفجر الماء، لأنه
يتفجر شيئاً بعد شيء، وروي عن سهل بن سعد وغيره من الصحابة أن الآية نزلت إلا قوله ﴿من الفجر﴾
فصنع بعض الناس خيطين أبيض وأسود، فنزل قوله تعالى: ﴿من الفجر)، وروي أنه كان بين طرفيَّ المدة
عام.
قال القاضي أبو محمد: من رمضان إلى رمضان، تأخر البيان إلى وقت الحاجة، وعدي بن حاتم
جعل خيطين على وساده وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: ((إن وسادك لعريض)»، وروي أنه قال
له: ((إنك لعريض القفا))، ولهذه الألفاظ تأويلان، واختلف في الحد الذي بتبينه يجب الإمساك: فقال
الجمهور وبه أخذ الناس ومضت عليه الأمصار والأعصار ووردت به الأحاديث الصحاح: ذلك الفجر
المعترض الآخذ في الأفق يمنة ويسرة، فبطلوع أوله في الأفق يجب الإمساك، وهو مقتضى حديث ابن
مسعود وسمرة بن جندب، وروي عن عثمان بن عفان وحذيفة بن اليمان وابن عباس وطلق بن علي
وعطاء بن أبي رباح والأعمش وغيرهم أن الإمساك يجب بتبين الفجر في الطرق وعلى رؤوس الجبال، وذكر
عن حذيفة أنه قال: ((تسحرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النهار، إلا أنّ الشمس لم تطلع))،
وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه صلى الصبح بالناس ثم قال: ((الآن تبين الخيط الأبيض من
الخيط الأسود)».
قال الطبري: ((ومما قادهم إلى هذا القول أنهم يرون أن الصوم إنما هو في النهار، والنهار عندهم من
طلوع الشمس لأن آخره غروبها، فكذلك أوله طلوعها)).
وحكى النقاش عن الخليل بن أحمد أن النهار من طلوع الفجر، ويدل على ذلك قول الله تبارك
وتعالى: ﴿أقم الصلاة طرفي النهار﴾ [هود: ١١٤]،
قال القاضي أبو محمد: والقول في نفسه صحيح، وقد ذكرت حجته في تفسير قوله تعالى:
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ [البقرة: ١٦٤، آل عمران: ١٩٠، الجاثية: ٥]، وفي الاستدلال بهذه الآية
نظر، ومن أكل وهو يشك هل طلع الفجر أم لم يطلع فعليه عند مالك القضاء.

٢٥٩
تفسير سورة البقرة / الآية: ١٨٧
وقوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾ أمر يقتضي الوجوب، و﴿إلى﴾ غاية، إذا كان ما بعدها
من جنس ما قبلها فهو داخل في حكمه، كقولك اشتريت الفدان إلى حاشيته، وإذا كان من غير جنسه كما
تقول اشتريت الفدان إلى الدار لم يدخل في المحدود ما بعد ﴿إلى﴾، ورأت عائشة رضي الله عنها أن قوله
﴿إلى الليل) يقتضي النهي عن الوصال، وقد واصل النبي صلى الله عليه وسلم ونهى الناس عن الوصال،
وقد واصل جماعة من العلماء وقد تقدم أن هذه الآية نسخت الحكم الذي في قوله ﴿كما كتب على الذين
من قبلكم﴾ [البقرة: ١٨٣] على قول من رأى التشبيه في الامتناع من الوطء والأكل بعد النوم في قول
بعضهم، وبعد صلاة العشاء في قول بعضهم، والليل الذي يتم به الصيام مغيب قرص الشمس، فمن أفطر
وهو شاك هل غابت الشمس فالمشهور من المذهب أن عليه القضاء والكفارة.
وفي ثمانية أبي زيد: عليه القضاء فقط قياساً على الشك في الفجر، وهو قول جماعة من العلماء.
وقال إسحاق والحسن: لا قضاء عليه كالناسي.
وقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾، قالت فرقة: المعنى لا تجامعوهن.
وقال الجمهور: ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء، و ﴿عاكفون﴾ ملازمون،
يقال عكف على الشيء إذا لازمه مقبلاً عليه، قال الراجز: [الرجز]
عكف النبيط يلعبونَ الفُنْزَجا
وقال الشاعر: [الطويل]
وَظَلَّ بَنَاتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفاً عُكُوفَ الْبَوَاكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ
وقال أبو عمرو وأبو حاتم: قرأ قتادة ((عكفون)) بغير ألف، والاعتكاف سنة، وقرأ الأعمش ((في
المسجد)) بالإفراد، وقال: ((وهو المسجد الحرام)).
قال مالك رحمه الله وجماعة معه: لا اعتكاف إلا في مساجد الجمعات، وروي عن مالك أيضاً أن
ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله.
وقال قوم: لا اعتكاف إلا في أحد المساجد الثلاثة التي تشد المعطي إليها حسب الحديث في ذلك.
وقالت فرقة لا اعتكاف إلا في مسجد نبي .
وقال مالك: ((لا يعتكف أقل من يوم وليلة، ومن نذر أحدهما لزمه الآخر)).
وقال سحنون: ((من نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه شيء)).
وقالت طائفة: أيهما نذر اعتکفه ولم يلزمه أكثر.
وقال مالك: ((لا اعتكاف إلا بصوم)).
وقال غيره: يعتكف بغير صوم، وروي عن عائشة أنه يعتكف في غير مسجد.
و﴿تلك﴾ إشارة إلى هذه الأوامر والنواهي، والحدود: الحواجز بين الإباحة والحظر، ومنه قيل

٢٦٠
تفسير سورة البقرة / الآيات: ١٨٨ - ١٩٠
:
للبواب حداد لأنه يمنع، ومنه الجاد وهى المرأة الممتنعة من الزينة، والآيات: العلامات الهادية إلى الحق،
و﴿لعلهم﴾ ترّجٍ في حقهم، وظاهر ذلك عموم ومعناه خصوص فيمن يسره الله للهدى بدلالة الآيات التي
تتضمن أن الله يضل من يشاء.
قوله عز وجل :
وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَ لَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَقِيتُ لِلنَّاسِ وَاَلْحَجّ وَلَيْسَ
١٨٨
◌ِ لْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن ◌ُظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنِ اتَّقَىُ وَأَتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَبِهَا
! وَقَتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَ
(١٨٩)
وَأَتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
١٩٠
الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، فأضيفت الأموال
إلى ضمير المنهي لما كان كل واحد منهياً عنه، وكما قال ﴿تقتلون أنفسكم﴾ [البقرة: ٨٥]، ويدخل في
هذه الآية القمار والخداع والغصوب وجحد الحقائق وغير ذلك، ولا يدخل فيه الغبن في البيع مع معرفة
البائع بحقيقة ما يبيع لأن الغبن كأنه وهبه.
وقال قوم: المراد بالآية ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ أي في الملاهي والقيان والشراب
والبطالة، فتجيء على هذا إضافة المال إلى ضمير المالكين.
وقوله تعالى: ﴿وتدلوا بها﴾ الآية، يقال أدلى الرجل بالحجة أو بالأمر الذي يرجو النجاح به تشبيهاً
بالذي يرسل الدلو في البئر يرجو بها الماء.
قال قوم: معنى الآية تسارعون في الأموال إلى المخاصمة إذا علمتم أن الحجة تقوم لكم، إما بأن لا
تكون على الجاحد بينة، أو يكون مال أمانة كاليتيم ونحوه مما يكون القول فيه قوله، فالباء في ﴿بها﴾ باء
السبب، وقيل: معنى الآية ترشوا بها على أكل أكثر منها، فالباء إلزاق مجرد، وهذا القول يترجح لأن
الحكام مظنة الرشا إلا من عصم وهو الأقل، وأيضاً فإن اللفظتين متناسبتان، ﴿تدلوا﴾
من أرسل الدلو والرشوة من الرشا، كأنها يمد بها لتقضى الحاجة، و﴿تدلوا﴾
في موضع جزم عطفاً على ﴿تأكلوا﴾، وفي مصحف أبيّ ((ولا تدلوا)) بتكرار حرف النهي، وهذه القراءة تؤيد
جزم ﴿تدلوا﴾ في قراءة الجماعة، وقيل: ﴿تدلوا﴾ في موضع نصب على الظرف، وهذا مذهب كوفي أن
معنى الظرف هو الناصب، والذي ينصب في مثل هذا عند سيبويه ((أن)) مضمرة، والفريق: القطعة والجزء،
و﴿بالإثم﴾ معناه بالظلم والتعدي، وسمي ذلك إثماً لما كان الإثم معنى يتعلق بفاعله، و﴿أنتم تعلمون﴾
أي إنكم مبطلون آثمون، وهذه مبالغة في المعصية والجرأة.
: