النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٥٠ - ٥٣ ونفس الاستحياء ليس بعذاب، لكن العذاب بسببه وقع الاستحياء، و﴿يذبحون﴾ بدل من ((يسومون)). وقوله تعالى: ﴿وفي ذلكم﴾ إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، و﴿بلاء﴾ معناه امتحان واختبار، ويكون ﴿البلاء﴾ في الخير والشر. وقال قوم: الإشارة ﴿بذلكم﴾ إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون ﴿انبلاء﴾ على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، و﴿البلاء﴾ هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مکروه وامتحان . وحكى الطبري وغيره في كيفية نجاتهم: أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون فقال لا يتبعنهم أحد حتى تصبح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح، وأمات الله تلك الليلة كثيراً من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إسرائيل نيفاً على ستمائة ألف، وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته، فلما لحق فرعون موسى ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت؟ فقال هكذا وأشار إلى البحر فركض يوشع فرسه فيه حتى بلغ الغمر، ثم رجع فقال لموسى أين أمرت؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت، فأشار إلى البحر، وأوحى الله تعالى إليه: ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ [الشعراء: ٦٣]. وأوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر، وكناه أبا خالد فانفرق وكان ذلك في يوم عاشوراء. قوله عز وجل : وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى ٥٠ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيَّنَكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ أَّخَذْ تُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنْتُمْ ظَلِمُونَ [® لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَ إِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ٥٣ ﴿فرقنا﴾ معناه: جعلناه فرقاً، وقرأ الزهري ((فرَّقنا)) بتشديد الراء، ومعنى ﴿بكم﴾ بسببكم، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنه بهم فرق، وقيل معناه لكم، والباء عوض اللام وهذا ضعيف، و ﴿البحر﴾ هو بحر القلزم، ولم يفرق البحر عرضاً جزءاً من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة. وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين وهي كانت طريقهم. i i ١٤٢ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٥٠ - ٥٣ وقيل انفلق البحر عرضاً وانفرق البحر على اثني عشر طريقاً، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضاً، وجازوا، وجبريل صلى الله عليه وسلم في ساقتهم على ماذيانة يحت بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلاً حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا. و﴿تنظرون﴾ قيل معناه بأبصاركم، لقرب بعضهم من بعض. وقيل معناه ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار. وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم. وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر، كما تقول: هذا الأمر منك بمرأى ومسمع، أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. قال الطبري رحمه الله: وفي إخبار القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي علم بني إسرائيل، دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجمهور ((واعدنا)). وقرأ أبو عمرو. ((وعدنا))، ورجحه أبو عبيد، وقال: إن المواعدة لا تكون إلا من البشر. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة، و﴿موسى﴾ اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء (موا، وللشجر ((سا)»، فلما وُجِدَ موسى في التابوت عند ماء وشجر سُمِّي ((موسى)). قال ابن إسحاق: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ونصب أربعين على المفعول الثاني، ولا يجوز نصبها على الظرف في هذا الموضع، وهي فيما روي ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وخص الليالي دون الأيام بالذكر إذ الليلة أقدم من اليوم وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ . قال النقاش: ((وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلة بأيامها)). قال القاضي أبو محمد رحمه الله: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله يعظ الناس بهذا المعنى في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول: أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: ((آتنا غداءنا)»؟ وكل المفسرين على أن الأربعين کلها میعاد. ١٤٣ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٥٠ - ٥٣ وقال بعض البصريين: وَعَدَهُ رأس الأربعين ليلة . قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف: وقوله تعالى: ﴿ثم اتخذتم﴾. قرأ أكثر السبعة بالإدغام. وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه بإظهار الذال و﴿ثم﴾ للمهلة، ولتدل على أن الاتخاذ بعد المواعدة، واتخذ وزنه افتعل من الأخذ. قال أبو علي: ((هو من تخذ لا من أخذ)) وأنشد [ المخرق العبدي]: [الطويل] وقَدْ تَخِذَتْ رِجْلي إلى جَنْبٍ غَرْزِها نسيفاً كُفْحوصِ القَطَاةِ المطرق ونصب ﴿العجل﴾ بـ (اتخذتم﴾، والمفعول الثاني محذوف، تقديره اتخذتم العجل إلهاً، واتخذ قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: ﴿يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً﴾ [الفرقان: ٢٧] وقد. يتعدى إلى مفعولين أحدهما هو الآخر في المعنى كقوله تعالى: ﴿اتخذوا إيمانهم جنة﴾ [المجادلة: ١٦، المنافقون: ٢]، وكهذه الآية وغيرها. والضمير في ﴿بعده﴾ يعود على موسى. وقيل: على انطلاقه للتكليم، إذ المواعدة تقتضيه . وقيل: على الوعد، وقصص هذه الآية أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج ببني إسرائيل من مصر، قال لهم: إن الله تعالى سينجيكم من آل فرعون وينفلكم حليهم ومتاعهم الذي كان أمرهم باستعارته، وروي أنهم استعاروه برأيهم، فنفلهم الله ذلك بعد خروجهم، وقال لهم موسى عن الله تعالى: إنه ينزل عليّ كتاباً فيه التحليل والتحريم والهدى لكم، فلما جازوا البحر طالبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلة، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، ثم قالوا هذه أربعون من الدهر، وقد أخلفنا الموعد، وبدا تعنتهم وخلافهم. وكان السامري رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بن ظفر، وقيل لم يكن من بني إسرائيل بل كان غريباً فيهم، وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت عبرهم البحر، فقالت طائفة: أنكر هيئته فعرف أنه ملك. وقال طائفة: كانت أم السامري ولدته عام الذبح فجعلته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل صلى الله عليه وسلم يغذوه بأصابع نفسه فيجد في إصبع لبناً، وفي إصبع عسلاً، وفي إصبع سمناً، فلما رآه وقت جواز البحر عرفه، فأخذ من تحت حافر فرسه قبضة تراب، وألقي في روعه أنه لن يلقيها على شيء ويقول له كن كذا إلا كان، فلما خرج موسى لميعاده قال هارون لبني إسرائيل: إن ذلك الحلي والمتاع الذي استعرتم من القبط لا يحل لكم، فجيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادة أن تنزل على القرابين. وقيل: بل أوقد لهم ناراً وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى، وجاء السامري فطرح القبضة، وقال کن عجلاً. ١٤٤ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٥٠ - ٥٣ وقيل: إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر فـ ﴿قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فوعاها السامري وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلت منهم طائفة يعبدونه، فاعتزلهم هارون بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه من القرآن إن شاء الله. ثم أوحى الله إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلت بنو إسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح، من عبد منهم ومن لم يعبد وألقى الله عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً يقتل الأب ابنه والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفاً عفا الله عنهم وجعل من مات منهم شهيداً، وتاب على البقية، فذلك قوله: ﴿ثم عفونا عنكم﴾. وقال بعض المفسرين: وقف الذين عبدوا العجل صفاً ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفنية، وخرج یوشع بن نون ينادي: ملعون من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوا يقتلونهم، وموسى في خلال ذلك يدعو لقومه ويرغب في العفو عنهم، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال أو بقتلهم قراباتهم على الأقوال الأخر لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوا العجل، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، و﴿أنتم ظالمون) مبتدأ وخبر في موضع الحال، وقد تقدم تفسير الظلم، والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب وعفا عنهم عز وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل، و ﴿لعلكم﴾ ترج لهم في حقهم وتوقع منهم لا في حق الله عز وجل، لأنه كان يعلم ما يكون منهم. وقوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب﴾، ﴿إِذ﴾ عطف على ما ذكر من النعم، و﴿الكتاب﴾ هو التوراة بإجماع من المتأولين. واختلف في ﴿الفرقان﴾ هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا تعطي ذلك. وقال آخرون: ﴿الكتاب﴾ التوراة، و﴿الفرقان﴾ سائر الآيات التي أوتي موسى صلى الله عليه وسلم، لأنها فرقت بين الحق والباطل. وقال آخرون: ﴿الفرقان﴾: النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة والغرق. وقال ابن زيد: ((الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقاً)). وقال الفراء وقطرب: معنى هذه الآية: آتينا موسى الكتاب ومحمداً الفرقان. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف. و﴿لعلكم تهتدون﴾ ترج وتوقع مثل الأول. ١٤٥ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٥٤، ٥٥ قوله عز وجل : وَ إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بَاتِخَذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ ج وَإِذْ قُلْتُمْ فَاقْتُلُوْاْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ يَمُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ نَنْظُرُونَ i هذا القول من موسى صلى الله عليه وسلم كان بأمر من الله تعالى، وحذفت الياء في ((يا قومي)) لأن النداء موضع حذف وتخفيف، والضمير في ((اتخاذكم)) في موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع بالمعنى، و((العجل)) لفظة عربية، اسم لولد البقرة. وقال قوم: سمي عجلاً لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا القول بشيء. واختلف هل بقي العجل من ذهب؟ قال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصح . و «توبوا)): معناه ارجعوا عن المعصية إلى الطاعة . وقرأ الجمهور: ((بارئكم» بإظهار الهمزة وكسرها . وقرأ أبو عمرو: ((بارثْكم)) بإسكان الهمزة. وروي عن سيبويه اختلاس الحركة وهو أحسن، وهذا التسكين يحسن في توالي الحركات. وقال المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب، وقراءة أبي عمرو ((بارئكم)) لحن. قال القاضى أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد روي عن العرب التسكين في حرف الأعراب، قال الشاعر: [الرجز] إذا اعوججن قلت صاحب قوم وقال امرؤ القيس: [السريع] إثماً من الله ولا واغل فاليوم أشرب غير مستحقب وقال آخر: [الرجز] قالت سلیمی اشتر لنا سويقا وقال الآخر: [السريع] وقد بدا هَنْكِ مِن المِثْزَرِ ١٤٦ تفسير سورة البقرة / الآيتان : ٥٥،٥٤ وقال جرير: ونهر تيري فما تعرفگُمُ العربُ وقال وضاح اليمن: [الرجز] إنما شعري شهد قد خلط بجلجلان ومن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علماً للإعراب. قال أبو علي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات. وقرأ الزهري ((باریکم) بكسر الياء من غير همز، ورويت عن نافع. وقرأ قتادة: ((فاقتالوا أنفسكم)): وقال: ((هي من الاستقالة)). قال أبو الفتح: ((اقتال)) هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واواً كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء ((كاقتاس)) والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده. وقوله تعالى: ﴿فتاب علیکم﴾ قبله محذوف تقديره ففعلتم. وقوله ﴿عليكم﴾ معناه: على الباقين، وجعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب على الباقين وعفا عنهم. قال بعض الناس: ﴿فاقتلوا﴾ في هذه الآية معناه بالتوبة وإماتة عوارض النفوس من شهوة وتعنت وغضب، واحتج بقوله عليه السلام في الثوم والبصل فلتمتهما طبخاً، وبقول حسان: قتلت قتلت فهاتها لم تقتل وقوله تعالى: ﴿وإذ قلتم يا موسى﴾ يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختیارهم . فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل. وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح، وقصة السبعين أن موسى صلى الله عليه وسلم لما رجع من تكليم الله ووجد العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل: نحن لم نكفر ونحن أصحابك، ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين شيخاً، فلم يجد إلّ ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن يتأخر، فأوحى الله إليه أن من تأخر له مثل أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون وطالوت بن يوقنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثاً ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام. ١٤٧ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٥٥،٥٤ قال النقاش وغيره: غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا سجوداً. قال السدي وغيره: وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم، ففعل، فلما فرغ وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى: ﴿وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه﴾ [البقرة: ٧٥]، واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله بذلك فقالوا: ﴿لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ ولم يطلبوا من الرؤية محالاً، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير. ! وقال قتادة: ((ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول: أي رب، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا معي وهم الأخيار)). قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يعني وهم بحال الخير وقت الخروج. وقال قوم: بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل، فذلك قوله ﴿أتهلكنا﴾ يعني السبعين ﴿بما فعل السفهاء منا﴾ [الأعراف: ١٥٥] يعني عبدة العجل. وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه، بقولهم لموسى ((أرنا)) وليس ذلك من مقدور موسى صلى الله عليه وسلم، و﴿جهرة﴾ مصدر في موضع الحال، والأظهر أنها من الضمير في ﴿نرى﴾، وقيل من الضمير في ﴿نؤمن﴾، وقيل من الضمير في ﴿قلتم﴾، والجهرة العلانية، ومنه الجهر ضد السر، وجهر الرجل الأمر كشفه. وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس: ((جهَرة)) بفتح الهاء، وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكناً قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون﴿جهرة﴾ جمع جاهر،أي حتى نرى الله كاشفين هذا الأمر. وقرأ عمر وعلي رضي الله عنهما: ((فأخذتكم الصعقة))، ومضى في صدر السورة معنى ﴿الصاعقة﴾، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة. وتنظرون معناه إلى حالكم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم. وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَ لْنَا عَلَيْكُمُ ثُمَّ بَعَثْنَكُمْ مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ اَلْمَنَّ وَالسَّلْوَىُّ كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قوله عز وجل : i ١٤٨ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٥٦ - ٥٨ قُلْنَا أَدْ خُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْ خُلُواْ الْبَابَ سُجَدًا وَقُولُواْ حِظَّةٌ نَّغْفِر ٥٨ لَكُرْ خَطَيَكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ أجاب الله تعالى فيهم رغبة موسى عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمود أو الموت، ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإثارة كما قال الله تعالى: ﴿من بعثنا من مرقدنا﴾ [يس: ٥٢]. وقال قوم: إنهم لما أحيوا وأنعم عليهم بالتوبة سألوا موسى عليه السلام أن يجعلهم الله أنبياء، فذلك قوله تعالى: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم﴾ أي أنبياء (لعلكم تشكرون﴾ أي على هذه النعمة، والترجي إنما هو في حق البشر، ونزلت الألواح بالتوراة على موسى في تلك المدة، وهذا قول جماعة، وقال آخرون: إن الألواح نزلت في ذهابه الأول وحده. وذكر المفسرون في تظليل الغمام: أن بني إسرائيل لما كان من أمرهم ما كان من القتل وبقي منهم من بقي حصلوا في فحص التيه بين مصر والشام، فأمروا بقتال الجبارين فعصوا وقالوا: ﴿فاذهب أنت وربك فقاتلا﴾ [المائدة: ٢٤] فدعا موسى عليهم فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحص أربعين سنة يتيهون في مقدار خمسة فراسخ أو ستة، روي أنهم كانوا يمشون النهار كله وينزلون للمبيت فيصبحون حيث كانوا بكرة أمس، فندم موسى عليه السلام على دعائه عليهم، فقيل له: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾ [المائدة: ٢٦ ]. وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التيه، ونشأ بنوهم على خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحص التيه وقاتلوا الجبارين، وإذ كان جميعهم في التيه قالوا لموسى: من لنا بالطعام؟ قال: الله، فأنزل الله عليهم المن والسلوى، قالوا: من لنا من حر الشمس؟ فظلل عليهم الغمام، قالوا: بم نستصبح بالليل؟ فضرب لهم عمود نور في وسط محلتهم، وذكر مكي: عمود نار. فقالوا: من لنا بالماء؟ فأمر موسى بضرب الحجر، قالوا: من لنا باللباس؟ فأعطوا أن لا يبلى لهم ثوب ولا يخلق ولا يدرن، وأن تنمو صغارها حسب نمو الصبيان . ومعنى ﴿ظللنا﴾ جعلناه ظللاً، و﴿الغمام﴾ السحاب لأنه يغم وجه السماء أي يستره. وقال مجاهد: ((هو أبرد من السحاب وأرق وأصفى، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة)). قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: يأتي أمره وسلطانه وقضاؤه. وقيل ﴿الغمام﴾ ما ابيض من السحاب. و﴿المن﴾ صمغة حلوة، هذا قول فرقة، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حلو، وقيل: الذي ينزل اليوم على الشجر، وقيل: ﴿المن﴾ خبز الرقاق مثل النقي. وقيل: هو الترنجبين وقيل الزنجبيل، وفي بعض هذه الأقوال بعد. وقيل: ﴿المن﴾ مصدر يعني به جميع ما من الله به مجملاً. وقال النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب مسلم: الكمأة مما من الله به على بني إسرائيل وماؤها شفاء للعين. ١٤٩ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٥٦ - ٥٨ فقيل: أراد عليه السلام أن الكمأة نفسها مما أنزل نوعها على بني إسرائيل. وقيل: أراد أنه لا تعب في الكمأة ولا جذاذ ولاحصاد، فهي منة دون تكلف من جنس من بني إسرائيل في أنه كان دون تكلف. وروي أن ﴿المن﴾ كان ينزل عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس كالثلج فيأخذ منه الرجل ما يكفيه ليومه، فإن ادخر فسد عليه إلا في يوم الجمعة فإنهم كانوا يدخرون ليوم السبت فلا يفسد عليهم، لأن يوم السبت يوم عبادة، و﴿المن﴾ هنا اسم جمع لا واحد له من لفظه، ﴿والسلوى) طير بإجماع من المفسرين، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع بن أنس وغيرهم. قيل: هو السمانى بعينه. وقيل: طائر يميل إلى الحمرة مثل السمانى، وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجنوب . قال الأخفش: ((السلوى جمعه وواحده بلفظ واحد)). قال الخليل: ﴿السلوى) جمع واحدته سلواة. قال الكسائي: ﴿السلوى﴾ واحدة جمعها سلاوى، ﴿والسلوى﴾ اسم مقصور لا يظهر فيه الإعراب، لأن آخره ألف، والألف حرف هوائي أشبه الحركة فاستحالت حركته ولو حرك لرجع حرفاً آخر، وقد غلط الهذلي فقال: [الطويل] وقاسمها بالله عهداً لأنتمُ ألذُّ من السلوى إذا ما نشورُها ظن السلوى العسل. وقوله تعالى: ﴿كلوا﴾ الآية، معناه وقلنا كلوا، فحذف اختصاراً لدلالة الظاهر عليه، والطيبات هنا قد جمعت الحلال واللذيذ. وقوله تعالى: ﴿وما ظلمونا﴾ يقدر قبله: فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، والمعنى وما وضعوا فعلهم في موضع مضرة لنا ولكن وضعوه في موضع مضرة لهم حيث لا يجب. وقال بعض المفسرين: ﴿ما ظلمونا﴾ ما نقصونا، والمعنى يرجع إلى ما لخصناه، و﴿القرية﴾ المدينة تسمى بذلك لأنها تقرت أي اجتمعت، ومنه قريت الماء في الحوض أي جمعته، والإشارة بهذه إلى بيت المقدس في قول الجمهور. وقيل إلى أريحا، وهي قريب من بيت المقدس. قال عمر بن شبة: كانت قاعدة ومسكن ملوك، ولما خرج ذرية بني إسرائيل من التيه أمروا بدخول القرية المشار إليها، وأما الشيوخ فماتوا فيه، وروي أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في التيه، وكذلك هارون عليه السلام . وحكى الزجاج عن بعضهم أن موسى وهارون لم يكونا في التيه لأنه عذاب، والأول أكثر، و﴿كلوا﴾ إباحة، وقد تقدم معنى الرغد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلة، فلذلك قال ﴿رغداً﴾. و ﴿الباب﴾ قال مجاهد: هو باب في مدينة بيت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطة، وقيل هو باب ١٥٠ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٥٦ - ٥٨ القبة التي كان يصلي إليها موسى صلى الله عليه وسلم. وروي عن مجاهد أيضاً: أنه باب في الجبل الذي كلم عليه موسى كالفرضة. و﴿سجداً﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه: معناه ركوعاً، وقيل متواضعين خضوعاً لا على هيئة معينة، والسجود يعم هذا كله لأنه التواضع، ومنه قول الشاعر: [الطويل] ترى الأكم فيه سُجّداً للحوافر وروي أن الباب خفض لهم ليقصر ويدخلوا عليه متواضعين، و﴿حطة﴾ فعلة من حط يحط، ورفعه على خبر ابتداء، كأنهم قالوا سؤالنا حطة لذنوبنا، هذا تقدير الحسن بن أبي الحسن. وقال الطبري: التقدير دخولنا الباب كما أمرنا حطة، وقيل أمروا أن يقولوا مرفوعة على هذا اللفظ. وقال عكرمة وغيره: أمروا أن يقولوا لا إله إلا الله لتحط بها ذنوبهم. وقال ابن عباس: قيل لهم استغفروا وقولوا ما يحط ذنوبكم. وقال آخرون: قيل لهم أن يقولوا هذا الأمر حق كما أعلمنا. وهذه الأقوال الثلاثة تقتضي النصب. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: ((حطة)) بالنصب. وحكي عن ابن مسعود وغيره: أنهم أمروا بالسجود وأن يقولوا ﴿حطة﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم ويقولون حنطة حبة حمراء في شعرة، ويروى غير هذا من الألفاظ. وقرأ نافع: ((يُغفر)) بالياء من تحت مضمومة. وقرأ ابن عامر: ((تُغفر)) بالتاء من فوق مضمومة. وقرأ أبو بكر عن عاصم: ((يَغفر)) بفتح الياء على معنى يغفر الله. وقرأ الباقون: ((نغفر)» بالنون. وقرأت طائفة ((تغفر)) كأن الحطة تكون سبب الغفران، والقراء السبعة على ﴿خطاياكم﴾، غير أن الکسائي کان یمیلها . وقرأ الجحدري: ((تُغفر لكم خطيئُكُمْ)) بضم التاء من فوق ويرفع الخطيئة. وقرأ الأعمش: ((يغفر)) بالياء من أسفل مفتوحة ((خطيئتكُم)) نصباً. وقرأ قتادة مثل الجحدري، وروي عنه أنه قرأ بالياء من أسفل مضمومة خطيئتكم رفعاً . وقرأ الحسن البصري: ((یغفر لكم خطيئاتکم» أي يغفر الله. وقرأ أبو حيوة: ((تغفر)) بالتاء من فوق مرفوعة ((خطيئاتُكم)) بالجمع ورفع التاء. وحكى الأهوازي: أنه قرىء ((خطأياكم)» بهمز الألف الأولى وسكون الآخرة. وحكي أيضاً أنه قرىء بسكون الأولى وهمز الآخرة. ١٥١ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٦٠،٥٩ قال الفراء: خطايا جمع خطية بلا همز كهدية وهدايا، وركية ورکایا . وقال الخليل: هو جمع خطيئة بالهمز، وأصله خطابىء قدمت الهمزة على الياء فجاء خطائي أبدلت الياء ألفاً بدلاً لازماً فانفتحت الهمزة التي قبلها فجاء خطاءا، همزة بين ألفين، وهي من قبيلهما فكأنها ثلاث ألفات، فقلبت الهمزة ياء فجاء خطايا. قال سيبويه: ((أصله خطايىء همزت الياء كما فعل في مدائن وكتائب فاجتمعت همزتان فقلبت الثانية ياء، ثم أعلت على ما تقدم)). وقوله تعالى: ﴿وسنزيد المحسنين﴾ عدة، المعنى إذا غفرت الخطايا بدخولكم وقولكم زيد بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أمر وقال لا إله إلا الله فقيل هم المراد بـ ﴿المحسنين) هنا. قوله عز وجل : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ وَإِذِاسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ، فَقُلْنَا أَضْرِبِ بِعَصَاكَ الْحَجَرِّ فَأَنْفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَتَاعَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسِ مَشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ روي أنهم لما جاؤوا الباب دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم، وبدلوا فقالوا حبة في شعرة، وقيل قالوا حنطة حبة حمراء فيها شعرة وقيل شعيرة. وحكى الطبري أنهم قالوا حطي شمقائا أزبة، وتفسيره ما تقدم. والرجز العذاب، وقال ابن زيد ومقاتل وغيرهما: ((إن الله تعالى بعث على الذين بدلوا ودخلوا على غير ما أمروا الطاعون فأذهب منهم سبعين ألفاً)، وقال ابن عباس: ((أمات الله منهم في ساعة واحدة نيفاً على عشرين ألفاً)). وقرأ ابن محيصن ((رُجزاً) بضم الراء، وهي لغة في العذاب، والرجز أيضاً اسم صنم مشهور. والباء في قوله ﴿بما﴾ متعلقة بـ ﴿أنزلنا﴾، وهي باء السبب. و﴿يفسقون﴾ معناه يخرجون عن طاعة الله، وقرأ النخعي وابن وثاب ((يفسقون)) بكسر السين، يقال فسق یفسُق ويفسِق بضم السين وكسرها . ﴿وإذ﴾ متعلقة بفعل مضمر تقديره اذكر، و﴿استسقى﴾ معناه طلب السقيا، وعرف استفعل طلب الشيء، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: ﴿واستغنى الله﴾ [التغابن: ٦] بمعنى غني، وقولهم: استعجب بمعنى عجب، ومثل بعض الناس في هذا بقولهم استنسر البغاث، واستنوق الجمل، إذ هي بمعنى انتقل من حال إلى حال، وكان هذا الاستسقاء في فحص التيه، فأمره الله تعالى بضرب الحجر آية ١٥٢ تفسير سورة البقرة / الآيتان: ٦٠،٥٩ منه، وكان الحجر من جبل الطور، على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم وضربه موسى عليه السلام، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً منفصلاً مربعاً تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى صلى الله عليه وسلم، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون، وفي الكلام حذف تقديره فضربه ﴿فانفجرت﴾، والانفجار انصداع شيء عن شيء، ومنه الفجر، والانبجاس في الماء أقل من الانفجار. و﴿اثنتا﴾ معربة دون أخواتها لصحة معنى التثنية، وإنما يبنى واحد مع واحد، وهذه إنما هي اثنان مع واحد، فلو بنيت لرد ثلاثة واحداً، وجاز اجتماع علامتي التأنيث في قوله ﴿اثنتا عشرة﴾ لبعد العلامة من العلامة، ولأنهما في شيئين، وإنما منع ذلك في شيء واحد، نحو مسلمات وغيره. وقرأ ابن وثاب وابن أبي ليلى وغيرهما: ((عَشِرة)) بكسر الشين، وروي ذلك عن أبي عمرو، والأشهر عنه الإسكان، وهي لغة تميم، وهو نادر، لأنهم يخففون كثيراً، وثقلوا في هذه، وقرأ الأعمش ((عشرة)) بفتح الشين وهي لغة ضعيفة، وروي عنه كسرها وتسكينها، والإسكان لغة الحجاز. و﴿عيناً﴾ نصب على التمييز، والعين اسم مشترك، وهي هنا منبع الماء. و﴿أناس﴾ اسم جمع لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا كل سبط، لأن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام. والمشرب المفعل موضع الشرب، كالمشرع موضع الشروع في الماء، وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها، وفي الكلام محذوف تقديره وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المنفجر من الحجر المنفصل، وبهذه الأحوال حسنت إضافة الرزق إلى الله تعالى، وإلا فالجميع رزقه وإن كان فيه تكسب للعبد . ﴿ولا تعثوا﴾ معناه ولا تفرطوا في الفساد، يقال عثى الرجل يعثي وعثي يعثى عثياً إذا أفسد أشد فساد، والأولى هي لغة القرآن والثانية شاذة وتقول العرب عثا يعثو عثواً ولم يقرأ بهذه اللغة لأنها توجب ضم الثاء من ﴿تعثوا﴾، وتقول العرب عاث يعيث إذا أفسد، وعث يعث كذلك، ومنه عثة الصوف، وهي السوسة التي تلحسه . و﴿مفسدين﴾ حال، وتكرر المعنى لاختلاف اللفظ، وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها، والتقدم في المعاصي والنهي عنها. قوله عز وجل: وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّاتُنْبِتُّ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّآْبِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسَّتَبْدِلُونَ الَّذِى هُوَ أَدْنَى بِلَّذِى هُوَ خَيٌ ١٥٣ تفسير سورة البقرة / الآية : ٦١ آهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَاسَأَ لْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كان هذا القول منهم في التيه حين ملوا المن والسلوى، وتذكروا عيشهم الأول بمصر، وكنى عن المن والسلوى ﴿بطعام واحد﴾، وهما طعامان، لأنهما كانا يؤكلان في وقت واحد، ولتكرارهما سواء أبداً قيل لهما ﴿طعام واحد﴾، ولغة بني عامر ((فادع)) بكسر العين. و﴿يخرج﴾: جزم بما تضمنه الأمر من معنى الجزاء، وبنفس الأمر على مذهب أبي عمر الجرمي والمفعول على مذهب سيبويه مضمر تقديره مأكولاً مما تنبت الأرض، وقال الأخفش: ((من)) في قوله: ﴿مما﴾ زائدة ((وما)) مفعولة، وأبى سيبويه أن تكون ((من)) ملغاة في غير النفي، كقولهم: ما رأيت من أحد، و﴿من﴾ في قوله: ﴿من بقلها﴾ لبيان الجنس، و﴿بقلها﴾ بدل بإعادة الحرف، والبقل كل ما تنبته الأرض من النجم، والقثاء جمع قئأة. وقرأ طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب: ((قُثائها))، بضم القاف. وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: ((الفوم الحنطة)). وقال مجاهد: ((الفوم الخبز)). وقال عطاء وقتادة: ((الفوم جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز كالحنطة والفول والعدس ونحوه)). وقال الضحاك: ((الفوم الثوم))، وهي قراءة عبد الله بن مسعود بالثاء، وروي ذلك عن ابن عباس، والثاء تبدل من الفاء، كما قالوا، مغاثير ومغافير، وجدث وجدف، ووقعوا في عاثور شر، وعافور شر، على أن البدل لا يقاس عليه، والأول أصح: أنها الحنطة، وأنشد ابن عباس قول أحيحة بن الجلاح: [الطويل] ورد المدينة عن زراعة فوم قد كنت أغنى الناس شخصاً واحداً يعني حنطة . قال ابن دريد: ((الفوم الزرع أو الحنطة))، وأزد السراة يسمون السنبل فوماً))، والاستبدال طلب وضع الشيء موضع الآخر، و﴿أدنى﴾ مأخوذ عند أبي إسحاق الزجاج من الدنو أي القرب في القيمة. وقال علي بن سليمان: ((هو مهموز من الدنيء البين الدناءة، بمعنى الأخس، إلا أنه خففت همزته)). وقال غيره: ((هو مأخوذ من الدون أي الأحط، فأصله أدون أفعل، قلب فجاء أفلع، وقلبت الواو ألفاً لتطرفها)» . وقرأ زهير للكسائي: ((أدنا))، ومعنى الآية: أتستبدلون البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل التي هي أدنى بالمن والسلوى الذي هو خير؟ والوجه الذي يوجب فضل المن والسلوى على الشيء الذي طلبوه، ١٥٤ تفسير سورة البقرة / الآية: ٦١ يحتمل أن يكون تفاضلها في القيمة، لأن هذه البقول لا خطر لها، وهذا قول الزجاج، ويحتمل أن يفضل المن والسلوى لأنه الطعام الذي من الله به وأمرهم بأكله، وفي استدامة أمر الله تعالی وشکر نعمته أجر وذخر في الآخرة، والذي طلبوا عارٍ من هذه الخصال، فكأن أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في الطيب واللذة به، فالبقول لا محالة أدنى من هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في حسن الغذاء ونفعه، فالمن والسلوى خير لا محالة في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل من جهة أنه لا كلفة فيه ولا تعب، والذي طلبوا لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، فهو ﴿أدنى﴾ في هذا الوجه، ويحتمل أن يفضل في أنه لا مرية في حله وخلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخللها البيوع والغصوب وتدخلها الشبه، فهي ﴿أدن﴾ في هذا الوجه . قال القاضي أبو محمد رحمه الله: ويترتب الفضل للمن والسلوى بهذه الوجوه كلها، وفي الكلام حذف، تقديره: فدعا موسى ربه فأجابه، فقال لهم: ﴿اهبطوا﴾، وتقدم ذكر معنى الهبوط، وكأن القادم على قطر منصب عليه، فهو من نحو الهبوط، وجمهور الناس يقرؤون (مصراً) بالتنوين وهو خط المصحف، إلا ما حكي عن بعض مصاحف عثمان رضي الله عنه. وقال مجاهد وغيره ممن صرفها: ((أراد مصراً من الأمصار غير معين))، واستدلوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهرت به الرواية أنهم سكنوا الشام بعد التيه. وقالت طائفة ممن صرفها: أراد مصر فرعون بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، وأجازوا صرفها. قال الأخفش: ((لخفتها وشبهها بهند ودعد)). وسيبويه لا يجيز هذا. وقال غير الأخفش: ((أراد المكان فصرف)). وقرأ الحسن وأبان بن تغلب وغيرهما: ((اهبطوا مصر)) بترك الصرف، وكذلك هي في مصحف أبيّ بن کعب وقالوا: ((هي مصر فرعون)). قال الأعمش: ((هي مصر التي عليها صالح بن علي)). وقال أشهب: ((قال لي مالك: هي عندي مصر قريتك مسكن فرعون)). وقوله تعالى: ﴿فإن لكم ما سألتم﴾ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم. وقرأ النخعي وابن وثاب ((سألتم)) بكسر السين وهي لغة، ﴿وضربت عليهم الذلة والمسكنة﴾ معناه ألزموها وقضي عليهم بها، كما يقال ضرب الأمير البعث، وكما قالت العرب ضربة لازب، أي إلزام ملزوم أو لازم، فينضاف المصدر إلى المفعول بالمعنى، وكما يقال ضرب الحاكم على اليد، أي حجر وألزم؛ ومنه ضرب الدهر ضرباته، أي ألزم إلزاماته، و﴿الذلة﴾ فعلة من الذل كأنها الهيئة والحال، ﴿والمسكنة﴾ من المسكين، قال الزجاج: «هي مأخوذة من السکون وهي هنا: زي الفقر وخضوعه، وإن وجد يهودي غني فلا يخلو من زي الفقر ومهانته)). ١٥٥ تفسير سورة البقرة / الآية : ٦١ قال الحسن وقتادة: ((المسكنة الخراج أي الجزية)). وقال أبو العالية: ((المسكنة الفاقة والحاجة)). ﴿وباؤوا بغضب من الله﴾ معناه: مروا متحملين له، تقول: بؤت بكذا إذا تحملته، ومنه قول مهلهل ليحيى بن الحارث بن عباد: ((بؤ بشسع نعل كليب)). والغضب بمعنى الإرادة صفة ذات، وبمعنى إظهاره على العبد بالمعاقبة صفة فعل، والإشارة بذلك إلى ضرب الذلة وما بعده، والباء في ﴿بأنهم﴾ باء السبب. وقال المهدوي: ((إن الباء بمعنى اللام)) والمعنى: لأنهم، والآيات هنا تحتمل أن يراد بها التسع وغيرها مما يخرق العادة، وهو علامة لصدق الآية به، ويحتمل أن يراد آيات التوراة التي هي كآيات القرآن . وقرأ الحسن بن أبي الحسن: ((وتقتلون)) بالتاء على الرجوع إلى خطابهم، وروي عنه أيضاً بالياء. وقرأ نافع: بهمز ((النبيئين))، وكذلك حيث وقع في القرآن، إلا في موضعين: في سورة الأحزاب: ﴿أن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي﴾ [الأحزاب: ٥٠] بلا مد ولا همز، ﴿ولا تدخلوا بيوت النبي إلا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وإنما ترك همز هذين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد، وترك الهمز في جميع ذلك الباقون، فأما من همز فهو عنده من ((أنبأ)) إذا أخبر، واسم فاعله منبىء فقيل نبيء، بمعنى منبىء، كما قيل: سميع بمعنى مسمع، واستدلوا بما جاء من جمعه على نباء. قال الشاعر: [الطويل] بالحقّ کل ھدی الإله ھداکا يا خاتم النبآء إنك مرسل فهذا كما يجمع فعيل في الصحيح ((كظريف)) وظرفاء وشبهه . قال أبو علي: ((زعم سيبويه أنهم يقولون في تحقير النبوة: كان مسيلمة نبوته نبيئة سوء، وكلهم قولون تنبأ مسيلمة، فاتفاقهم على ذلك دليل على أن اللام همزة))، واختلف القائلون بترك الهمز في نبيء، منهم من اشتق النبي من همز ثم سهل الهمز، ومنهم من قال: هو مشتق من نبا ينبو إذا ظهر، فالنبي لطريق الظاهر، وكان النبي من عند الله طريق الهدى والنجاة، وقال الشاعر: [البسيط]. لما وردنا نبياً واستتبّ بنا مسحنفر كخطوط السيح منسحل واستدلوا بأن الأغلب في جمع أنبياء كفعيل في المعتل، نحو ولي وأولياء وصفي وأصفياء، وحكى لزهراوي أنه يقال نبوء إذا ظهر فهو نبيء، والطريق الظاهر نبي بالهمز، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى له عليه وسلم: السلام عليك يا نبيء الله، وهمز، فقال له النبي عليه السلام: لست بنبيء الله، وهمز، لكني نبيّ الله، ولم يهمز. قال أبو علي: ((ضعف سند هذا الحديث، ومما يقوي ضعفه أنه صلى الله عليه وسلم، قد أنشده مادح يا خاتم النبآء ولم يؤثر في ذلك إنكار، والجمع كالواحد)». ١٥٦ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٦٢ - ٦٤ وقوله تعالى: ﴿بغير الحق﴾ تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن من حيث قد يتخيل متخيل لذلك وجهاً، فصرح قوله: ﴿بغير الحق﴾ عن شنعة الذنب ووضوحه، ولم يحترم قط نبي ما يوجب قتله، وإنما أتاح الله تعالى من أتاح منهم. وسلط عليه، كرامة لهم، وزيادة في منازلهم، كمثل من يقتل في سبيل الله من المؤمنين، قال ابن عباس وغيره: ((لم يقتل قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وکل من أمر بقتال نصر)». وقوله تعالى: ﴿ذلك﴾ رد على الأول وتأكيد للإشارة إليه، والباء في ﴿بما﴾ باء السبب، و﴿يعتقدون﴾ معناه: يتجاوزون الحدود، والاعتداء تجاوز الحد في كل شيء، وعرفه في الظلم والمعاصي. قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَِّينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَخْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ (®] وَإِذْاَ خَذْنَا مِثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ اُلُّوَرَ خُذُ وَأْمَآءَ اتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَذْكُرُواْمَافِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٣) ثُمَّ تَوَلَيْتُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِّنَ الْخَسِرِينَ ٦٤ اختلف المتأولون في المراد بـ ﴿الذين آمنوا﴾ في هذه الآية، فقال سفيان الثوري: هم المنافقون في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: ﴿إن الذين آمنوا) في ظاهر أمرهم، وقرنهم باليهود ﴿والنصارى والصابئين﴾، ثم بين حكم من آمن بالله واليوم الآخر من جميعهم، فمعنى قوله ﴿من آمن﴾ في المؤمنين المذكورين: من حقق وأخلص، وفي سائر الفرق المذكورة: من دخل في الإيمان. وقالت فرقة: ﴿الذين آمنوا﴾ هم المؤمنون حقاً بمحمد صلى الله عليه وقوله ﴿من آمن بالله﴾ يكون فيهم بمعنى من ثبت ودام، وفي سائر الفرق بمعنى من دخل فيه. وقال السدي: هم أهل الحنيفية ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، ﴿والذين هادوا﴾ كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، إلا من كفر بعيسى عليه السلام، ﴿والنصارى﴾ كذلك ممن لم يلحق محمداً صلى الله عليه وسلم، ﴿والصابئين﴾ كذلك، قال: إنها نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، وذكر له الطبري قصة طويلة، وحكاها أيضاً ابن إسحاق، مقتضاها أنه صحب عباداً من النصارى فقال له آخرهم: إن زمان نبي قد أظل، فإن لحقته فآمن به، ورأى منهم عبادة عظيمة، فلما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ذكر له خبرهم، وسأله عنهم، فنزلت هذه الآية. وروي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في أول الإسلام، وقرر الله بها أن من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن بقي على يهوديته ونصرانيته وصابئيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر فله أجره، ثم نسخ ما قرر من ذلك بقوله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه﴾ [آل عمران: ٨٥] وردت الشرائع كلها إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ١٥٧ تفسير سورة البقرة / الآيات : ٦٢ - ٦٤ ﴿والذين هادوا﴾ هم اليهود، وسموا بذلك لقولهم ﴿إنا هدنا إليك﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي تبنا، فاسمهم على هذا من هاد يهود، وقال الشاعر: [السريع] إني امرؤ من مدحتي هائد أي تائب، وقيل: نسبوا إلى يهوذا بن يعقوب، فلما عرب الاسم لحقه التغيير، كما تغير العرب في بعض ما عربت من لغة غيرها، وحكى الزهراوي أن التهويد النطق في سكون ووقار ولين، وأنشد: وخود من اللائي تسمعن بالضحی قريض الردافى بالغناء المهود قال: ومن هذا سميت اليهود، وقرأ أبو السمال ((هادَوا)) بفتح الدال. ﴿والنصارى﴾ لفظة مشتقة من النصر، إما لأن قريتهم تسمى ناصرة، ويقال نصريا ويقال نصرتا، وإما لأنهم تناصروا، وإما لقول عيسى عليه السلام ﴿من أنصاري إلى الله﴾ [آل عمران: ١٥٢، الصف: ٤] قال سيبويه: واحدهم نصران ونصرانة كندمان وندمانة وندامى، وأنشد: [أبو الأخرز الحماني]: [الطويل] فكلتاهما خرت وأسجدَ رأسُها كما سَجَدتْ نصْرانة لم تحَنفٍ وأنشد الطبري : [الطويل] يظل إذا دار العشيُّ محنّفاً ويضحي لديها وهو نَصْرانُ شامسُ قال سيبويه: إلا أنه لا يستعمل في الكلام إلّ بياء نسب، قال الخليل: واحد ﴿النصارى﴾ نصريّ کمهريّ ومهاری . والصابىء في اللغة من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبا، وقيل إنها سمتهم بذاك لما أنكروا الآلهة تشبيهاً بالصابئين في الموصل الذين لم يكن لهم بر إلا قولهم لا إله إلا الله، وطائفة همزته وجعلته من صبأت النجوم إذا طلعت، وصبأت ثنية الغلام إذا خرجت، قال أبو علي : يقال صبأت على القوم بمعنى طرأت، فالصابىء التارك لدينه الذي شرع له إلى دين غيره، كما أن الصابىء على القوم تارك لأرضه ومنتقل إلى سواها، وبالهمز قرأ القراء غير نافع فإنه لم يهمزه، ومن لم يهمز جعله من صبا يصبو إذا مال، أو يجعله على قلب الهمزة ياء، وسيبويه لا يجيزه إلا في الشعر. وأما المشار إليهم في قوله تعالى: ﴿والصابئين﴾ فقال السدي: هم فرقة من أهل الكتاب، وقال مجاهد: هم قوم لا دين لهم، ليسوا بيهود ولا نصارى، وقال ابن أبي نجيح: هم قوم تركب دينهم بين اليهودية والمجوسية، لا تؤكل ذبائحهم، وقال ابن زيد: هم قوم يقولون لا إله إلا الله وليس لهم عمل ولا كتاب، كانوا بجزيرة الموصل، وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويصلون الخمس ويقرؤون الزبور، رآهم زياد بن أبي سفيان فأراد وضع الجزية عنهم حتى عرف أنهم يعبدون الملائكة. ١٥٨ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٢ - ٦٤ و﴿من﴾ في قوله ﴿من آمن بالله﴾ في موضع نصب بدل من ﴿الذين﴾، والفاء في قولهم ﴿فلهم) داخلة بسبب الإبهام الذي في ﴿من﴾ و﴿لهم أجرهم﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر ﴿إن﴾، ويحتمل ويحسن أن تكون ﴿من﴾ في موضع رفع بالابتداء، ومعناها الشرط، والفاء في قوله ﴿فلهم﴾ موطئة أن تكون الجملة جوابها، و﴿لهم أجرهم﴾ خبر ﴿من﴾، والجملة كلها خبر ﴿إن﴾، والعائد على ﴿الذين﴾ محذوف لا بد من تقديره، وتقديره ((من آمن منهم بالله)). وفي الإيمان باليوم الآخر اندرج الإيمان بالرسل والكتب، ومنه يتفهم، لأن البعث لم يعلم إلا بإخبار رسل الله عنه تبارك وتعالى، وجمع الضمير في قوله تعالى ﴿لهم أجرهم﴾ بعد أن وحد في ﴿آمن﴾ لأن ﴿من﴾ تقع على الواحد والتثنية والجمع، فجائز أن يخرج ما بعدها مفرداً على لفظها، أو مثنى أو مجموعاً على معناها، كما قال عز وجل ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ [يونس: ٤٢] فجمع على المعنى، وكقوله ﴿ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات﴾ [النساء: ١٣] ثم قال ﴿خالدين فيها﴾ [النساء: ١٣] فجمع على المعنى، وقال الفرزدق: [الطويل] نكنْ مثلَ مَنْ یا ذئبُ يَصْطحبانِ تعشَّ فإن عاهدتني لا تخونني فثنى على المعنى، وإذا جرى ما بعد ﴿من﴾ على اللفظ فجائز أن يخالف به بعد على المعنى، وإذا جرى ما بعدها على المعنى فلم يستعمل أن يخالف به بعد على اللفظ، لأن الإلباس يدخل في الكلام. وقرأ الحسن ((ولا خوف))، نصب على التبرية، وأما الرفع فعلى الابتداء، وقد تقدم القول في مثل هذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾، ﴿إِذ﴾ معطوفة على التي قبلها، والميثاق مفعال من وثق يثق، مثل ميزان من وزن يزن، و﴿الطور﴾ اسم الجبل الذي نوجي موسى عليه، قاله ابن عباس، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم: ﴿الطور﴾ اسم لكل جبل، ويستدل على ذلك بقول العجاج: [الرجز] تقضي البازي إذا البازي كسر دانی جناحيه من الطور فمرّ وقال ابن عباس أيضاً: ﴿الطور﴾ كل جبل ينبت، وكل جبل لا ينبت فليس بطور، قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله على أن اللفظة عربية، وقال أبو العالية ومجاهد: هي سريانية اسم لكل جبل. وقصص هذه الآية أن موسى عليه السلام لما جاء إلى بني إسرائيل من عند الله تعالى بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا إلا أن يكلّمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا، ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا، فأمر الله تعالى الملائكة فاقتلعت جبلاً من جبال فلسطين، طوله فرسخ في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظلة، وأخرج الله تعالى البحر من ورائهم، وأضرم ناراً بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل، وغرقكم البحر وأحرقتكم النار، فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق، وقال الطبري رحمه الله عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق، وكانت سجدتهم على شق، لأنهم كانوا يرقبون ١٥٩ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٥ - ٦٧ الجبل خوفاً، فلما رحمهم الله قالوا لا سجدة أفضل من سجدة تقبلها الله ورحم بها، فأمروا سجودهم على شق واحد. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لأنهم آمنوا كرهاً وقلوبهم غير مطمئنة، وقد اختصرت ما سرد في قصص هذه الآية، وقصدت أصحه الذي تقتضيه ألفاظ الآية، وخلط بعض الناس صعقة هذه القصة بصعقة السبعين. وقوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾ في الكلام حذف تقديره: وقلنا خذوا، و﴿آتيناكم﴾ معناه أعطيناكم، و﴿بقوة﴾: قال ابن عباس: معناه بجد واجتهاد، وقيل: بكثرة درس، وقال ابن زيد: معناه بتصديق وتحقيق، وقال الربيع. معناه بطاعة الله . ﴿واذكروا ما فيه﴾ أي تدبروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه وتضيعوه، والضمير عائد على ﴿ما آتيناكم) ويعني التوراة، وتقدير صلة ﴿ما): واذكروا ما استقر فيه، و﴿لعلكم تتقون﴾ ترج في حق البشر. وقوله تعالى: ﴿ثم توليتم من بعد ذلك﴾ الآية. تولّى تفعّل، وأصله الإعراض والإدبار عن الشيء بالجسم، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعاً ومجازاً، و﴿فضل الله﴾ رفع بالابتداء، والخبر مضمر عند سيبويه لا يجوز إظهاره للاستغناء عنه، تقديره فلولا فضل الله عليكم تدارككم، ﴿ورحمته﴾ عطف على فضل، قال قتادة: فضل الله الإسلام، ورحمته القرآن. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا على أن المخاطب بقوله: ﴿عليكم) لفظاً ومعنى من كان في مدة محمد صلى الله عليه وسلم، والجمهور على أن المراد بالمعنى من سلف، و﴿لكنتم﴾ جواب ﴿لولا﴾، ﴿ومن الخاسرين﴾ خبر (كان)). والخسران النقصان، وتوليهم من بعد ذلك: إما بالمعاصي، فكان فضل الله بالتوبة والإمهال إليها، وإما أن يكون توليهم بالكفر فكان فضل الله بأن لم يعاجلهم بالإهلاك ليكون من ذريتهم من يؤمن، أو يكون المراد من لحق محمداً صلى الله عليه وسلم، وقد قال ذلك قوم، وعليه يتجه قول قتادة: إن الفضل الإسلام، والرحمة القرآن، ويتجه أيضاً أن يراد بالفضل والرحمة إدراكهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم. قوله عز وجل : ◌َجَعَلْنَهَا نَكَلًا ٠٠٠٠ ٦٥ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ آَعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِىِ السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةًّ خَسِئِينَ ٦٦ مَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَاخَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن ـذْ بَحُواْ بَقَرَةٌ قَالُواْ أَنَّخِذُنَا هُزُ وَأْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ ٦٧ ﴿علمتم﴾ معناه: عرفتم، كما تقول: علمت زيداً بمعنى عرفته، فلا يتعدى العلم إلا إلى مفعول احد، و﴿اعتدوا﴾ معناه تجاوزوا الحد، مصرف من الاعتداء، و﴿في السبت﴾ معناه في يوم السبت، يحتمل أن يريد في حكم السبت، و﴿السبت﴾ مأخوذ إما: من السبوت الذي هو الراحة والدعة، وإما من ١٦٠ تفسير سورة البقرة / الآيات: ٦٥ - ٦٧ السبت وهو: القطع، لأن الأشياء فيه سبتت وتمت خلقتها. وقصة اعتدائهم فيه، أن الله عز وجل أمر موسى عليه السلام بيوم الجمعة، وعرفه فضله، كما أمر به سائر الأنبياء، فذكر موسى عليه السلام ذلك لبني إسرائيل عن الله تعالى وأمرهم بالتشرع فيه، فأبوا وتعدوه إلى يوم السبت، فأوحى الله إلى موسى أن دعهم وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم فيه بأن أمرهم بترك العمل وحرم عليهم صيد الحيتان، وشدد عليهم المحنة بأن كانت الحيتان تأتي يوم السبت حتى تخرج إلى الأفنية. قاله الحسن بن أبي الحسن. وقيل حتى تخرج خراطيمها من الماء، وذلك إما بالإلهام من الله تعالى، أو بأمر لا يعلل، وإما بأن فهمها معنى الأمنة التي في اليوم مع تكراره حتى فهمت ذلك، ألا ترى أن الله تعالى قد ألهم الدواب معنى الخوف الذي في يوم الجمعة من أمر القيامة، يقضي بذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة فرقاً من الساعة))، وحمام مكة قد فهم الأمنة، إما أنها متصلة بقرب فهمها. وكان أمر بني إسرائيل بأيلة على البحر، فإذا ذهب السبت ذهبت الحيتان فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقوا على ذلك زماناً حتى اشتهوا الحوت، فعمد رجل يوم السبت فربط حوتاً بخزمة، وضرب له وتداً بالساحل، فلما ذهب السبت جاءَ وأخذه، فسمع قوم بفعله فصنعوا مثل ما صنع، وقيل بل حفر رجل في غير السبت حفيراً يخرج إليه البحر، فإذا كان يوم السبت خرج الحوت وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر ذهب الماء من طريق الحفير وبقي الحوت، فجاء بعد السبت فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادوه يوم السبت علانية، وباعوه في الأسواق، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إسرائيل فرقة نهت عن ذلك فنجت من العقوبة، وكانت منهم فرقة لم تعص ولم تنه، فقيل نجت مع الناهين، وقيل هلكت مع العاصين. و﴿كونوا﴾ لفظة أمر، وهو أمر التكوين، كقوله تعالى لكل شيء: ﴿كن فيكون﴾ [النحل: ٤٠، مريم: ٣٥، يَس: ٨٢، غافر: ٦٨]، ولم يؤمروا في المصير إلى حال المسخ بشيء يفعلونه ولا لهم فيه تکسب. و﴿خاسئين﴾ معناه مبعدين أذلاء صاغرين، كما يقال للكلب وللمطرود اخسأ. تقول خسأته فخساً، وموضعه من الإعراب النصب على الحال أو على خبر بعد خبر. وروي في قصصهم أن الله تعالى مسخ العاصين ﴿قردة﴾ بالليل فأصبح الناجون إلى مساجدهم ومجتمعاتهم، فلم يروا أحداً من الهالكين، فقالوا إن للناس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبواب كما كانت مغلقة بالليل، فوجدوهم ﴿قردة﴾ يعرفون الرجل والمرأة، وقيل: إن الناجين كانوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القرية بجدار، تبرياً منهم، فأصبحوا ولم تفتح مدينة الهالكين، فتسوروا عليهم الجدار فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه أن الممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام؛ ووقع في كتاب مسلم عنه عليه السلام أن أمة من الأمم فقدت، وأراها الفأر، وظاهر