النص المفهرس
صفحات 421-440
٤١٣ تفسير سورة الرعد : ١٧ لأهله = قوله: ((أو متاع زبد مثله))، يقول: هذا الحديد والصُّفْر الذى ينتفع به فيه منافع . يقول : كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصُّفر حين أدخل النار وذهب خَبثه ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقى خالصهما . ٢٠٣٢٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن قتادة: ((فسالت أودية بقدرها))، الكبير بقدره ، والصغير بقدره = ((زبداً رابياً))، قال: ربا فوق الماء الزبد = ((ومما توقدون عليه فى النار))، قال: هو الذهب إذا أدخل النار بقى صَفْوه ونُفِىَّ ما كان من كُدَرَه. وهذا مثل ضربه اللّه للحق والباطل = ((فأما الزبد فيذهب جفاء))، يتعلق بالشجر فلا يكون شيئاً . هذا مثل الباطل = (( وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض )) ، وهذا يخرج النبات. وهو مثل الحق = ((أو متاع زبد مثله))، قال: ((المتاع))، الصُّفْر والحديد. ٢٠٣٢١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا هوذة بن خليفة قال ، حدثنا عوف قال: بلغنى فى قوله: ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها))، قال : إنما هو مثل ضربه اللّه للحق والباطل = ((فسالت أودية بقدرها))، الصغير على قدره ، والكبير على قدره ، وما بينهما على قدره = ((فاحتمل السيل زيداً رابياً ))، يقول: عظيماً، وحيث استقرَّ الماءُ يذهب الزبد جفاءً فتطير به الريح فلا يكون شيئاً ، ويبقى صريح الماء الذى ينفع الناس، منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم = (( أو متاع زبد مثله))، ومثل الزبد كلّ شيء يوقد عليه فى النار، الذهب والفضة والنحاس والحديد ، فيذهب خَبَثُه ويبقى ما ينفع فى أيديهم . والحبث والزَّبد مثل الباطل ، والذى ينفع الناس مما تحصَّل فى أيديهم مما ينفعهم ، المال ، الذى فى أيديهم . ٢٠٣٢٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: ((وما توقدون عليه فى النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله))، قال : هذا مثل ضربه اللّه للحق والباطل. فقرأ: ((أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً))، هذا الزبد لا ينفع = ((أو متاع زبد مثله))، هذا لا ينفع ٤١٤ تفسير سورة الرعد : ١٧ أيضاً . قال: وبقى الماءُ فى الأرض فنفع الناس، وبقى الحَلْىُ الذى صلح من هذا فانتفع الناس به = ((فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض كذلك يضرب اللّه الأمثال))، وقال : هذا مثل ضربه اللّه للحق والباطل . ٢٠٣٢٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس: ((أودية بقدرها))، قال: الصغير بصغره ، والكبير بكبره . ٢٠٣٢٤ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء : ضرب الله مثلاً للحق والباطل ، فضرب مثل الحق كمثل السيل الذى يمكث فى الأرض ، وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذى لا ينفع الناس . ٠ ٠ وعنى بقوله: ((رابياً))، عالياً منتفخاً، من قولهم: ((رَبَا الشىء يَرْبُو رُبُوًّا فهو رابٍ ))، ومنه قيل للنَّشْز من الأرض كهيئة الأكمة: ((رابية))، ومنه قول اللّه تعالى: ﴿ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾، [سورة الحج٥ / سورة فصلت ٣٩]. (١) وقيل للنحاس والرصاص والحديد فى هذا الموضع ((المتاع))، لأنه يستمتع به ، وكل ما يتمتع به الناس فهو ((متاع))، (٢) كما قال الشاعر: (٣) تَمَتَّعْ يا مُتَعَّثُ إِنَّ شَيْئاً سَبَقْتَ بِهِ المَمَاتَ هُوَ الْمَتَاعُ (٤) (١) انظر تفسير ((ربا)) فيما سلف ٦ : ٧ (٢) انظر تفسير ((المتاع)) فيمًا سلف ١٥: ١٤٦، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٣) هو المشعث العامرى، وبهذا البيت سمى ((مشعثاً)). (٤) الأصمعيات رقم: ٤٨، ومعجم الشعراء: ٤٧٥، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٣٢٨، واللسان (متع) ، وهى أبيات جياد ، يقول بعد البيت : ياسر يَتَّرِّكْفِى الحىُّ يوماً رَهينةَ دَارِهِمْ، وهُمُ سِرَاعُ ٤١٥ تفسير سورة الرعد : ١٧ وأما ((الجفاء))، فإنى : - ٢٠٢٢٥ - حدثت عن أبى عبيدة معمر بن المثنى ، قال أبو عمرو بن العلاء: يقال: ((قد أجفأت القدْرُ))، وذلك إذا غلت فانصبَّ زَبدها ، أو سَكنّت فلا يبقى منه شيءٌ(١). وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة ، أن معنى قوله: (( فيذهب جفاء ))، تنشِفُهُ الأرض. وقال: يقال: ((جفا الوادى، وأجفى))، فى معنى نشف، و((انجفى الوادى))(٢)، إذا جاء بذلك الغناء و((غَشَى الوادى فهو يَغْشَى غَشًْا وغَشَنًا)) (٣) وذكر عن العرب أنها تقول: ((جفأتُ القدر أجفؤها))، إذا أخرجتَ جُفَاءها، وهو الزبد الذى يعلوها = و((أجفأتها إجفاء))، لغة. قال: وقالوا: ((جفأت الرجل جَفْأً)، صرعته . وقيل: ((فيذهب جفاء))، بمعنى: ((جفأٌ))، لأنه مصدر من قول القائل: ((جفأ الوادى غناءه))، فخرج مخرج الاسم ، وهو مصدر ، كذلك تفعل العرب فى مصدر كلّ ما كان من فعل شىء اجتمع بعضُه إلى بعض كـ ((القُمَاش، والدُّقَاق، والحطام، والغُشَاء))، تخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك فى وجاءَتْ جَيْأَلُ وَأَبُو بَنِهَا أَحَمُّ المَأْقِيَيْنِ بِهِ خُمَاعُ وما أَنْ وَيْبَ غيْرِكِ والسِّبائعُ فظَلاَ يَنْبِشاذِ النُّرْبَ عِنِّى يقول: ليأتينى الأجل، فيتركنى أهلى دفيناً فى ديارهم، ثم يسرعون الرحيل. ثم تأتى ((جيال))، وهى أنثى الضباع ، ويأتى ذكرها ، أسود مأق العين ، يجمع ويعرج ، فينبشان الترب عنى ، ولا دفع عندى لما يفعلان . (١) هذا نص كلام أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٣٢٩. (٢) هذا نص لا شبيه له فى كتب اللغة فى مادة (جفا)، ولا فى مادة (جفأ)، وبين أنه أراد ((جفا وأجفى)) المعتل الآخر، لا المهموز، ولا أدرى من قاله. (٣) هذا أيضاً لا أدرى من قاله قبل زمان أبى جعفر، إلا أن صاحب اللسان ذكر مثله عن ابن جنى، والمعروف عند أهل اللغة: ((غثا الوادى يغثو)). ٤١٦ تفسير سورة الرعد : ١٧ ، ١٨ قولهم: ((أعطيتُه عَطاء))، بمعنى الإعطاء. ولو أريد من ((القماش))، المصدر على الصحة لقيل: ((قد قمشه قَمْشاً )). ... القول فى تأويل قوله تعالى ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ ، لَوْ أَنَّ لَهُم مَّ فِى الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ , لَآَفْتَدَوْاْ بِهِ ﴿ أُوْلَنْكَ لَهُمْ سُوَّةُ الْحِسَابِ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ اَلْمِهَادُ﴾ (٨) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أما الذين استجابوا للّه فآمنوا به حين دعاهم إلى الإيمان به، وأطاعوه فاتبعوا رسوله وصدقوه فيما جاءهم به من عند الله(١) = ((فإن لهم الحسنى))، وهى الجنة، (٢) كذلك : - ٢٠٣٢٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((للذين استجابوا لربهم الحسنى))، وهى الجنة . ٠ وقوله: (( والذين لم يستجيبوا له لو أنّ لهم ما فى الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به))، يقول تعالى ذكره: وأما الذين لم يستجيبوا لله حين دعاهم إلى توحيده والإقرار بربوبيته، (٣) ولم يطيعوه فيما أمرهم به، ولم يتبعوا رسوله فيصدقوه فيما جاءهم به من عند ربهم ، فلو أن لهم ما فى الأرض جميعاً من شىءٍ ومثله معه ملكاً لهم، ثم بقُبِيل مثل ذلك منهم ، وقبل منهم بدلاً من العذاب الذى أعدّه اللّه لهم فى نار جهنم وعوضاً، (٤) لافتدوا به أنفسهم منه. يقول الله: ((أولئك لهم سوء الحساب))، (١) انظر تفسير ((الاستجابة)) فيما سلف ١٣ : ٤٦٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الحسنى)) فيما سلف ٩: ١٤/٩٦: ٢٩١. (٣) فى المطبوعة: ((لم يستجيبوا له))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٤) كانت هذه العبارة فى المطبوعة هكذا: ((ثم مثل ذلك، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب))، ٤١٧ تفسير سورة الرعد : ١٨ يقول: هؤلاء الذين لم يستجيبوا لله = ((لهم سوء الحساب))، يقول: لهم عند الله أن يأخذهم بذنوبهم كلها ، فلا يغفر لهم منها شيئاً، ولكن يعذبهم على جميعها ، كما :- ٢٠٣٢٧ - حدثنا الحسن بن عرفة قال، حدثنا يونس بن محمد قال ، حدثنا عون، عن فرقد السبخى قال، قال لنا شهر بن حوشب: ((سوء الحساب))، أن لا يتجاوز لهم عن شىء . (١) ٢٠٣٢٨ - حدثنى يعقوب قال، حدثنا ابن علية قال، حدثنى الحجاج بن أبى عثمان قال ، حدثنى فرقد السبخى قال ، قال إبراهيم النخعى : يا فرقد ، أتدرى ما ((سوء الحساب))؟ قلت : لا ! قال : هو أن يحاسب الرّجل بذنبه كله لا يغفر له منه شيء . (٢) # وقوله: ((ومأواهم جهنم)) ، يقول: ومسكنهم الذى يسكنونه يوم القيامة، جهنم (٣) = ((وبئس المهاد))، يقول: وبئس الفراش الوظاء جهنمُ التى هى مأواهم يوم القيامة . (٤) ٥ وكان فى المخطوطة هكذا: (( ثم قبل مثل ذلك، وقبل ذلك منهم بدلا من العذاب)). وهما عبارتان مختلفتان هالكتان ، والصواب الذى رجحته هو ما أثبت . (١) الأثر: ٢٠٣٢٧ - ((الحسن بن عرفة العبدى البغدادى))، شيخ الطبرى، ثقةم، فى برقم : ٩٣٧٣ ، ١٢٨٥١، ١٥٧٦٦ ٠ و ((يونس بن محمد بن مسلم البغدادى)»، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم : ٥٠٩٠، ١٢٥٤٩ و((عون))، كأنه يعنى: ((عون بن سلام القرشى الكوفى))، ثقة مترجم فى التهذيب. وأما (فرقد السبخى))، فهو ((فرقد بن يعقوب السبخى))، ((أبو يعقوب.))، كان ضعيفاً منكر الحديث ، لأنه لم يكن صاحب حديث، وليس بثقة مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /١٣١/١، وابن أبى حاتم ٣/ ٨١/٢، وميزان الاعتدال ٢: ٣٢٧. (٢) الأثر: ٢٠٣٢٨ - ((فرقد السبخى))، ليس بثقة، مضى برقم: ٢٠٣٢٧، وسيأتى هذا الخبر بإسناد آخر رقم : ٢٠٣٣٤. (٣) انظر تفسير ((المأوى)) فيما سلف ٢٥. ٢٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ( الهاد) فيإسلف ١٢ : ٤٣٥)، تعليق: ١، والمراجع هناك. (*)68 ٤١٨ تفسير سورة الرعد : ١٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىَّ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أهذا الذى يعلم أنّ الذى أنزله الله عليك، يا محمد ، حق فيؤمن به ويصدق ويعمل بما فيه ، كالذى هو أعمى ، فلا يعرف موقع حُجّة اللّه عليه به ، ولا يعلم ما ألزمه اللّه من فَرَائضه؟ # وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : * ٢٠٣٢٩ - حدثنا إسحق قال ، حدثنا هشام، عن عمرو ، عن سعيد ، عن قتادة فى قوله: ((أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق))، قال: هؤلاء قوم انتفعُوا بما سمعوا من كتاب اللّه وعقلوه ووَعَوْه، قال الله: ((كمن هو أعمى))، قال: عن الخير فلا يبصره . وقوله: ((إنما يتذكر أولو الألباب))، يقول: إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول، (١) وهى ((الألباب)) واحدها ((لُبّ)).(٢) (١) انظر تفسير ((التذكر)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ذكر). .(٢) انظر تفسير ((الألباب)) فيما سلف ٣: ٤/٣٨٣: ٥/١٦٢: ٦/٥٨٠: ٢١١ / ١١ : ٩٧ ٠ ٤١٩ تفسير سورة الرعد : ٢١،٢٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ الهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَقَ ﴾ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ دّ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَءَ الْحِسَابٍ﴾ (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: إنما يتعظ ويعتبر بآيات الله أولو الألباب، الذين يوفون بوصية اللّه التى أوصاهم بها(١) = ((ولا ينقضون الميثاق))، ولا يخالفون العهد الذى عاهدوا الله عليه إلى خلافه، فيعملوا بغير ما أمرهم به، ويخالفوا إلى ١٤/١٣ ما نهى عنه . ٥٠ ٫ وقد بينا معنى ((العهد)) و((الميثاق))، فما معنى بشواهده، فأغنى عن إعادته فى هذا الموضع . (٢) وبنحو الذى قلنا ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ٢٠٣٣٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا هشام ، عن عمرو، عن سعيد، عن قتادة قال: ((إنما يتذكر أولو الألباب)»، فبين من هم ، فقال: ((الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق)»، فعليكم بوفاء العهد ، ولا تنقضوا هذا الميثاق، فإن الله تعالى قد نهى وقدَّم فيه أشد التَّقْدمة، (٣) فذكره فى بضع وعشرين سنة موضعاً نصيحةً لكم، وتقدِ مَةً إليكم، وحجة عليكم. وإنما يعظُمُ الأمر بما عظَّمه الله به عند أهل الفهم والعقل، فعظُّموا ما عظم الله . قال قتادة: (١) انظر تفسير ((الإيفاء)) فيما سلف من فها رس اللغة (رقى). (٢) انظر تفسير ((العهد)) فيما ملف ١٤: ١٤١، تعليق: ١، والمراجع هنالك وتفسير ((الميثاق)) فيما سلف ص: ٢٠٨، تحقيق: ١، والمراجع هناك. (٣) ((قدم فيه أشد التقدمة)): أنى: أمرهم ، أمراً شديداً، وتهاهم عن مخالفته، وقد سلف شرحها فى الخبر رقم : ٤١١٤ / ج ٥ : ٩، تعليق : ٢. ٤٢٠ تفسير سورة الرعد : ٢١،٢٠ وذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى خطبته: «لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له)). وقوله: (( والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل))، يقول تعالى ذكره: والذين يصلون الرَّحم التى أمرهم الله بوصلها فلا يقطعونها(١) = ((ويخشون ربهم))، يقول: ويخافون الله فى قطْعها، أن يقطعوها فيعاقبهم على قطعها وعلى خلافهم أمرَه فيها . وقوله: ((ويخافون سوء الحساب))، يقول: ويحذرون مناقشة اللّه إياهم فى الحساب ، ثم لا يصفح لهم عن ذنب ، فهم لرهبتهم ذلك جادًّون فى طاعته ، محافظون على حدوده ، كما : - ٢٠٣٣١ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عفان قال ، حدثنا جعفر ابن سليمان، عن عمرو بن مالك، عن أبى الجوزاء فى قوله: ((الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب))، قال: المقايسةُ بالأعمال.(٢) ٢٠٣٣٢ -... قال، حدثنا عفان قال ، حدثنا حماد ، عن فرقد ، عن إبراهيم قال: ((سوء الحساب)) ، أن يحاسب من لا يغفر له . ٢٠٣٣٣ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى (١) انظر تفسير ((الوصل)) فيما سلف ١ : ٤١٥. (٢) الأثر: ١٠٣٣١ -((عفان))، هو ((عفان بن مسلم الصفار))، مضى مراراً، آخرها رقم : ٢٠٢٢٦ . و((جعفر بن سليمان الضبعى))، ثقة، كان يتشيع، مضى مراراً، آخرها رقم: ١٠٤٥٣. و «عمرو بن مالك الفكرى))، روى عن أبي الجوزاء، ثقة، وضعفه البخارى، مضى برقم: ٠٧٧٠١ و((أبو الجوزاء))، وهو ((أوس بن عبد اللّه الربعى))، تابعى ثقة، مضى برقم: ٢٩٧٧، ٧٧٠١،٢٩٧٨. وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((عن أبى الحفنا))، وإنما وصل الناسخ الأول ((الواو)) بالزاى . فصارت عند ناسخ المخطوطة إلى ما صارت إليه ! ! وفى المطبوعة أيضاً: ((المناقشة بالأعمال))، غير ما فى المخطوطة. و((المقايسة)) من ((القياس))؛ ((قاس الشىء))، إذا قدره على مثاله. و((المقايسة بالأعمال))، كأنه أراد تقديرها. والذى فى المطبوعة أجود عندى: ((المناقشة)). ٤٢١ تفسير سورة الرعد : ٢٢،٢١ قوله: ((ويخافون سوء الحساب))، قال، فقال: وما ((سوء الحساب))؟ قال : الذى لا جَوَاز فيه . (١) ٢٠٣٣٤ - حدثنى ابن سنان القزاز قال، حدثنا أبو عاصم، عن الحجاج ، عن فرقد قال: قال لى إبراهيم: تدرى ما ((سوء الحساب))؟ قلت : لا أدرى. قال : يحاسب العبد بذنبه كله لا يغفرُ له منه شيء . (٢) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ أَبْتِغَاءَ وَجْهِ رَبَّهِمُ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْفَقُواْ مِمَّارَزَقْنَدْهُمْ سِرَّا وَعَلَنِيَةٌ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَسَبِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ ؟ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : والذين صبروا على الوفاء بعهد الله، وترك نقض الميثاق، وصلة الرحم = ((ابتغاء وجه ربهم))، ويعنى بقوله: ((ابتغاء وجه ربهم))، طلب تعظيم اللّه، وتنزيهاً له أن يخالَفَ فى أمره. أو يأتى أمرًا كره إتيانه فيعصيه به = ((وأقاموا الصلاة))، يقول: وأدّوا الصلاة المفروضة بحدودها فى أوقاتها = ((وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية،، يقول: وأدَّوا من أموالهم زكاتها المفروضة وأنفقوا منها فى السبل التى أمرهم الله بالنفقة فيها = ((سرًّا))، فى خفاء ((وعلانية)). فى الظاهر، كما : - ٢٠٣٣٥ -- حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثنى معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((وأقاموا الصلاة))، يعنى الصلوات الخمس = (( وأنفقوا مما رزقناهم سرًّا وعلانية))، يقول: الزكاة. (١) ((الجواز)»، التساهل والتسامح. (٢) الأثر: ٢٠٣٣٤ - مضى بإستاد آخر رقم : ٢٠١٢٨. ٤٢٢ تفسير سورة الرعد : ٢٢ ٢٠٣٣٦ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ((الصبر))، الإقامة. قال، وقال: ((الصبر))، فى هاتين، فصبرٌ لله على ما أحبَّ وإن ثقل على الأنفس والأبدان، وصبرٌ عمّا يكره وإن نازعت إليه الأهواء . فمن كان هكذا فهو من الصابرين. وقرأ: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْثُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾، [سورة الرعد : ٢٤ ]. # وقوله: ((ويدرأون بالحسنة السيئة))، يقول: ويدفعون إساءة من أساء إليهم من الناس بالإحسان إليهم ،(١) کما :- . ٢٠٣٣٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى ٩٥/١٣ قوله: ((ويدرأون بالحسنة السيئة))، قال: يدفعون الشر بالخير، لا يكافئون الشرّ بالشر ، ولكن يدفعونه بالخير . وقوله: ((أولئك لهم عقبى الدار)) . يقول تعالى ذكره : هؤلاء الذين وصفنا صفّهم، هم الذين ((لهم عقبى الدار))، يقول: هم الذين أعقبهم اللّه دارَ الجنان ، من دارهم التى لو لم يكونوا مؤمنين كانت لهم فى النار، فأعقبهم الله من تلك هذه.(٢) ٠٠٠ وقد قيل : معنى ذلك: أولئك الذين لهم عَقِيبَ طاعتهم ربَّهم فى الدنيا ، دارُ الجنان . (٢) انظر تفسير ((الدر.)) فيما سلف ٢: ٢٢ - ٧/٢٢٥: ٣٨٢. (٢) انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف ١٥: ٣٥٦، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٤٢٣ تفسير سورة الرعد : ٢٤،٢٣ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿جَنَّتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنْ ◌َابَآئِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَلَمَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ ﴾ سَلَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ قال أبو جعفر: يقول: ((جنات عدن))، ترجمة عن ((عقبى الدار))، (١) كما يقال: ((نعم الرجل عبد اللّه))، فعبد الله هو الرجل المقول له: ((نعم الرجل)). وتأويل الكلام: أولئك لهم عَقِيبَ طاعتهم ربِّهم، الدارُ التى هى جَنَّت عدْنِ. ٠٠ وقد بينا معنى قوله: ((عدن))، وأنه بمعنى الإقامة التى لا ظْعْنَ معها.(٢) ٠ ٥ وقوله: ((ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم))، يقول تعالى ذكره : جنات عدن يدخلها هؤلاء الذين وصف صفتهم = وهم الذين يوفون بعهد الله، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ، ويخشون ربهم ، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم ، وأقاموا الصلاة ، وفعلوا الأفعال التى ذكرها جل ثناؤه فى هذه الآيات الثلاث = (( ومن صلح من آبائهم وأزواجهم))، وهى نساؤهم وأهلوهم = ((وذريّاتهم)). (٣) و((صلاحهم))، إيمانهم بالله، واتباعهم أمره وأمر رسوله عليه السلام، كما :- ٢٠٣٣٨ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ، (١) ((الترجمة))، هى عند الكوفيين، ((عطف البيان)) و((البدل)) عند البصريين، أنظر ما سلف ٢ : ٣٤٠، ٣٧٤، ٤٢٠، ٤٢٥، ٤٢٦، ثم سائر الأجزاء فى فهرس المصطلحات. (٢) انظر تفسير ((جنات عدن)) فيما سلف ١٤ : ٣٥٠ - ٣٥٥. (٣) انظر تفسير ((الأزواج)) فيما سلف ١٢: ١٥٠، تعليق: ١، والمراجع هناك وتفسير ((الذرية)) فيما سلف ١٥: ١٦٣، تحقيق: ١، والمراجع هناك. ٤٢٤ تفسير سورة الرعد : ٢٤،٢٣ عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قوله: ((ومن صلح من آبائهم))، قال : من آمن فى الدنيا . ٢٠٣٣٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد = ٢٠٣٤٠ - وحدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله . ٢٠٣٤١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ومن صلح آبائهم))، قال : من آمن من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم . # # # وقوله: ((والملائكة يدخلون عليهم من كل باب« سلام عليكم بما صبرتم))، يقول تعالى ذكره : وتدخل الملائكة على هؤلاء الذين وصف جل ثناؤه صفتهم فى هذه الآيات الثلاث ، فى جنات عدن ، من كل باب منها ، يقولون لهم : ((سلام عليكم بما صبرتم))، على طاعة ربكم فى الدنيا = ((فنعم عقبى الدار)). وذكر أن لجنات عدن خمسة آلاف باب . ٢٠٣٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا على بن جرير قال ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن نافع بن عاصم ، عن عبد الله بن عمرو قال: إن فى الجنة قصراً يقال له: ((عدن))، حوله البروج والمروج، فيه خمسة آلاف باب، على كل باب خمسة آلاف حبرة، (١) لا يدخله إلا نبيّ أو صديق أو شهيدٌ .(٢) ٢٠٣٤٣ -... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء ، (١) ((الحبرة)) بكسر الحاء وفتح الباء، ضرب من برود اليمن منمر. (٢) الأثر: ٢٠٣٤٢ - ((على بن جرير))، مضى آنفاً برقم: ٢٠٢١٢، ولم أجد له ٤٢٥ تفسير سورة الرعد : ٢٤،٢٣ عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((جنات عدن))، قال : مدينة الجنة ، فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى ، والناسُ حولهم ، بعدد الجنات حولها . وحذف من قوله: (( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب « سلام عليكم))، = ((يقولون))، (١) اكتفاءً بدلالة الكلام عليه، كما حذف ذلك من قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكُورُؤُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا﴾، [ سورة السجدة: ١٢ ] ٢٠٣٤٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن بقية بن الوليد قال ، حدثنى أرطاة بن المنذر قال : سمعت رجلاً من مشيخة الجند يقال له ((أبو الحجاج))، يقول: جلست إلى أبى أمامة فقال: إن المؤمن ليكون متكئاً على أريكته إذا دخل الجنة، وعنده سِمَاطان من خَدَم ، وعند طرف السُّاطين ٩٦/١٣ بابٌ مُبوَّبٌ، (٢) فيقبل المَلَك يستأذن؛ فيقول أقصى الخدم للذى يليه: (٣) ملك يستأذن! ويقول الذى يليه للذى يليه: ((ملك يستأذن ))، حتى يبلغ المؤمن فيقول : ائذنوا . فيقول أقربهم إلى المؤمن : ائذنوا . ويقول الذى يليه للذى يليه : ائذنوا. فكذلك حتى ترجمة إلا فى ابن أبى حاتم ، وهى مختلة . و ((حماد بن سلمة))، ثقة مشهور، مضى مراراً . و((يعلى بن عطاء العامرى))، ثقة مضى مراراً، آخرها : ١٧٩٨١. و ((نافع بن عاصم الثقفى))، تابعى ثقة، مضى برقم : ١٥٤٠٢. وهذا إسناد صحيح إلى عبد الله بن عمرو، لولا ما فيه من جهالة ((على بن جرير)) هذا . وهو موقوف على عبد الله بن عمرو ، لم أجد من رفعه . (١) أى ((وحذف ... يقولون)). (٢) فى المطبوعة: ((وعند طرف السماطين سور))، مكان ((باب مبوب))،، لأنه لم يحسن قراءة المخطوطة. وقوله: ((باب مبوب))، يعنى مصنوع معقود. وإن شئت قلت : قد اتخذ له بواباً يحرسه . (٣) كانت العبارة فى المطبوعة فاسدة مع زيادة جملة كاملة، وهى ((فيقول الذى يليه ملك يستأذن)) مكررة، وفى المخطوطة كالذى أثبت، إلا أنه أسقط من الكلام ((أقصى الخدم))، فأثبتها من الدر المنثور. ٤٢٦ تفسير سورة الرعد : ٢٤،٢٣ يبلغ أقصاهم الذى عند الباب ، فيفتح له، فيدخل فيسلّمّ ثم ينصرف.(١) ٢٠٣٤٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن إبراهيم بن محمد، عن سُهَيْل بن أبى صالح ، عن محمد بن إبراهيم قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتى قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: ((السلام عليكم (١) الأثر: ٢٠٣٤٤ - ((بقية بن الوليد))، ثقة، مضى مراراً، ولكن فى حديثه مناكير، أكثرها عن المجاهيل، وهو كما قال الجوزجاني: ((إذا تفرد بالرواية فغير محتج به، لكثرة وهمه. ومع أن مسلماً وجماعة من الأئمة قد أخرجوا عنه اعتباراً واستشهاداً، لا أنهم جعلوا تفرده أصلا)). و ((أرطاة بن المنذر الألهانى))، ثقة، كان عابداً، مضى رقم : ١٧٩٨٧. وأما (( أبو الحجاج، رجل من مشيخة الجند))، فأمره مشكل . وذلك أن ابن قيم الجوزية، رواه من طريق بقية بن الوليد عن أرطاة بن المنذر وفيه ((أبو الحجاج))، وكذلك رواه من هذه الطريق نفسها، ابن كثير فى التفسير، ثم قال: ((رواه ابن جرير، ورواه ابن أبى حاتم من حديث إسماعيل بن عياش ، عن أرطاة بن المنذر، عن أبى الحجاج يوسف الألهانى قال سمعت أبا أمامة))، فصرح باسم ((أبى الحجاج)) وأنه ((يوسف الألهانى)) (حادى الأرواح ٢: ٣٨/ تفسير ابن كثير ٤ : ٥٢ ) فلما طلبت ((يوسف الألهانى))، وجدته فى التاريخ الكبير للبخاري ٣٧٦/٢/٤، ٣٧٧ قال: (( يوسف الألهائى أبو الضحاك الحمصى، سمع أبا أمامة الباهلى وابن عمر، وروى عنه أرطاة . حدثنا إسحق بن يزيد ، قال حدثنا أبو مطيع معاوية، سمع أرطاة، سمع أبا الضحاك)). ووجدته فى الجرح والتعديل لابن أبى حاتم ٤ /٣٥/٢: ((يوسف الألهافى، أبو الضحاك الحمصى، روى ابن عمر وأبى أمامة ، عنه أرطاة بن المنذر)). والذى نقله ابن كثير عن تفسير ابن أبى حاتم نفسه فيه: ((أبو الحجاج يوسف الألهانى))، والذى فى الجرح والتعديل: ((أبو الضحاك))، يؤيده ما جاء فى التاريخ الكبير. والمشكل أن يتفق نص ابن أبى حاتم فى الجرح والتعديل . ونص البخارى ، ثم يختلف نقل ابن كثير عن تفسير ابن أبى حاتم ، متفقاً مع ما جاء فى نسخ الطبرى ومن نقل عنه، وكنيته فيها ((أبو الحجاج)). والذى أرجحه أن الصواب هو ما فى التاريخ الكبير وابن أبى حاتم: ((أبو الضحاك)). ومع كل ذلك لم أجد ما يهدينى إلى الصواب المحقق، و((يوسف الألمانى)) ((أبو الضحاك))، أو ((أبو الحجاج))، تابعى كما ترى، ولكن لم أجد له ذكراً فى غير ما ذكرت من كتب ، ولم يبين حاله . فهذا إسناد فيه نظر ، لما وجدت فى التابعى من الاختلاف ، وقد رأيت أيضاً أنه لم يتفرد بروايته بقية بن الوليد ، عن أرطاة بن المنذر فيكون تفرد فيه بقية قادحاً فى إسناده . فقد رواه عن أرطاة أيضاً ((إسماعيل بن عياش)). ومع ذلك يظل فى الإستاد شىء، وفى النفس منه شىء . و ((إسماعيل بن عياش الحمصى))، مضى مراراً، آخرها رقم: ١٤٢١٢، وهو ثقة ، ولكنهم تكلموا فيه ، وضعفوه فى بعض حديثه . ٤٢٧ تفسير سورة الرعد : ٢٤،٢٣ بما صبرتم فنعم عقبى الدار))، وأبو بكر وعمر وعثمان.(١) وأما قوله: ((سلام عليكم بما صبرتم)»، فإن أهل التأويل قالوا فى ذلك نحو قولنا فيه . ذكر من قال ذلك : ٢٠٣٤٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرزاق ، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجونى: أنه تلا هذه الآية: (( سلام عليكم بما صبرتم )) ، قال : على دينكم . ٢٠٣٤٧ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: ((سلام عليكم بما صبرتم))، قال: حين صبروا بما يحبه الله فقد موه. وقرأ: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾، حتى بلغ: ﴿وَكَانَ سَمْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، [ سورة الإنسان: ٢ - ٢٢]، وصبروا عما كره اللّه وحرم عليهم، وصبروا على ما ثقل عليهم وأحبه الله، فسلم عليهم بذلك. وقرأ: ((والملائكة يدخلون عليهم من كل باب» سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار )) . # وأما قوله: ((فنعم عقبى الدار))، فإن معناه، إن شاء الله، كما : -- ٢٠٣٤٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن جعفر، عن أبي عمران الجونى فى قوله: ((فنعم عقبى الدار))، قال: الجنة من النار. (٢) (١) الأثر: ٢٠٣٤٥ - ((إبراهيم بن محمد))، هو ((إبراهيم بن محمد بن الحارث بن أسماء ابن خارجة الفزارى))، ثقة مأمون، مضى مراراً، آخرها رقم: ١١٣٥٨. و ((سهيل بن أبى صالح، ذكوان السمان))، ثقة، روى له الجماعة، متكلم فى بعض روايته . مضى أخيراً برقم: ١١٥٠٣،. وكان فى المطبوعة: ((سهل)) غير مصغر، وهو خطأ. لم يحسن الناشر قراءة المخطوطة لأنها غير منقوطة . و ((محمد بن إبراهيم))، لعله: ((محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمى))، تابعى ثقة، روى له الجماعة، مترجم فى التهذيب، والكبير ٢٢/١/١، وابن أبى حاتم ١٨٤/٢/٣. (٢) أى الجنة بدلا من النار، كما سلف فى ص : ٤٢٢ ٤٢٨ تفسير سورة الرعد : ٢٥ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِشَقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ، أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ أُوْلََكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوَّةَ الدَّارِ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : وأما الذين ينقضون عهد الله، و((نقضهم ذلك))، خلافهم أمر الله، وعملهم بمعصيته(١) = ((من بعد ميثاقه))، يقول: من بعد ما وثّقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم (٢)= (ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل))، (٣) يقول: ويقطعون الرحم التى أمرهم الله بوصلها = ((ويفسدون فى الأرض))، فسادهم فيها، عملهم فيها بمعاصى الله (٤) = (أولئك لهم اللعنة))، يقول: فهؤلاء لهم اللعنة ، وهى البعد من رحمته، والإقصاء من جينانه(٥) = ((ولهم سوء الدار))، يقول: ولهم ما يسوءهم فى الدار الآخرة . * ٢٠٣٤٩ -حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثى معاوية، عن على، عن ابن عباس قال: أكبر الكبائر الإشراك بالله، لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّمِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الْطَيْرُ﴾، [ سورة الحج: ٣١]، ونقض العهد، وقطيعة الرحم، لأن الله تعالى يقول: «أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار ))، يعنى : سوء العاقبة . ٢٠٣٥٠ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج قال ، (١) انظر تفسير («النقض)) فيما سلف ٩: ١٠/٣٦٣: ١٤/١٢٥: ٢٢. (٢) انظر تفسير ((الميثاق)) فيما سلف ص: ٤١٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((الوصل)) فيما سلف ١: ٤١٥/ وهذا ص: ٤٢٠، تعليق: ١. (٤) انظر تفسير ((الفساد فى الأرض)) فيما سلف من فهارس اللغة (فه). (٥) انظر تفسير ((اللعنة)) فيما سلف ١٥: ٤٦٧، تعليق: ١، والمراجع هناك. ٤٢٩ تفسير سورة الرعد : ٢٥ قال ابن جريج فى قوله: ((ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل))، قال : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا لم تمش إلى ذى رحمك برجلك، ولم تعطه من مالك ، فقد قطعته . ٢٠٣٥١ - حدثنى محمد بن المثنی قال، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن مصعب بن سعد قال : سألت أبى عن هذه الآية : ﴿قُلْ هَلْ تُنَُّكُمْ بِالأَخْسَرِ ينَ أَعْمَلّاه الَّذِينَ ضَلَّ سَمْيُهُمْ فِىِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [ سورة الكهف: ١٠٤،١٠٣٠]، أهم الحرورية؟ قال: لا، ولكن الحرورية: ((الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون فى الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار))، فكان سعدٌ يسميهم الفاسقين. (١) ٢٠٣٥٢ - حدثنا ابن المثنى قال، حدثنا أبو داود قال ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال ، سمعت مصعب بن سعد قال : كنت أمسك على سعد المصحف فأتى على هذه الآية ، ثم ذكر نحو حديث محمد بن جعفر : (٢) (١) الأثر: ٢٠٣٥١ - ((مصعب بن سعد بن أبى وقاص))، تابعى ثقة، روى له الجماعة، مضى مراراً ، آخرها رقم : ١٨٧٧٦. رواه البخارى فى صحيحه من طريق محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر، مطولا (الفتح ٨ : ٣٢٣) وسيأتى مطولا فى التفسير ١٧: ٢٧ (بولاق) فى تفسير آية سورة الكهف. رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٧٠، من طريق («إسحاق، عن جرير، عن منصور، عن مصعب بن سعد))، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. ثم انظر تخريجه فى غير المطبوع من الكتب ، فى الدر المنثور٤ : ٢٥٣. وسيأتى بإسناد آخر فى الذى يليه. (٢) الأثر: ٢٠٣٥٢ - هو مكرر الذى قبله من رواية أبى داود الطيالسى، عن شعبة. ٤٣٠ يفسير سورة الرعد : ٢٦ القول فى تَأْويل قوله تعالى ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ وَفَرِ حُواْبِالحَيَوَةِ الدُّنْيَاوَمَا الحَيَّةُ الدُّنْيَا فِ الأَخِرَةَِّمَتَعُ﴾ (٥) ١٣/ ٩٧ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : اللّه يوسّع على من يشاء من خلقه فى رزقه فيبسط له منه (١): لأن منهم من لا يُصْلحه إلا ذلك = ((ويقدر))، يقول : ويقتِّر على من يشاء منهم فى رزقه وعيشه فيضيّقه عليه ، لأنه لا يصلحه إلاّ الإقتار = ((وفرحوا بالحياة الدنيا))، يقول تعالى ذكره: وفرح هؤلاء الذين بُسِط لهم فى الدنيا من الرزق على كفرهم باللّه ومعصيتهم إياه بما بسط لهم فيها ، وجهلوا ما عند الله لأهل طاعته والإيمان به فى الآخرة من الكرامة والنعيم . ثم أخبر جلّ ثناؤه عن قدر ذلك فى الدنيا فيما لأهل الإيمان به عنده فى الآخرة، وأعلم عباده قِلّته فقال: ((وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع))، يقول: وما جميعُ ما أُعطى هؤلاء فى الدنيا من السَّعة، وبُسِط لهم فيها من الرزق ورغد العيش، فيما عند الله لأهل طاعته فى الآخرة = ((إلا متاع))، قليل ، وشىء حقير ذاهب ، (٢) كما :- ٢٠٣٥٣ -حدثنا الحسن بن محمد ، قال ، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: ((إلا متاع))، قال : قليلٌ ذاهب. ٢٠٣٥٤ - حدثى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد = ٢٠٣٥٥ -... قال ، وحدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاع))، قال : قليلٌ ذاهب . (١) انظر تفسير ((البسط)) فيما سلفه: ٢٨٨ - ١٠/٢٩٠: ٤٥٢. (٢) انظر تفسير ((المتاع)) فيما سلف: ٤١٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ٤٣١ تفسير سورة الرعد : ٢٧،٢٦ ٢٠٣٥٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن عبد الرحمن بن سابط فى قوله: (( وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا فى الآخرة إلا متاعٌ))، قال: كزاد الرّاعى يُزوِّده أهله: الكفَّ من التمر ، أو الشىء من الدقيق ، أو الشىء يشرَبُ عليه اللبن . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ ٢٧ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويقول لك، يا محمد ، مشركو قومك : هلاًّ أُنزل عليك آية من ربك، إمّاملك يكون معك نذيراً، أو يُلْقَى إليك كنز؟ فقل: إن اللّه يضل منكم من يشاء، أيها القوم ، فيخذله عن تصديقى والإيمان بما جئته به من عندربى = ((ويتهدى إليه من أناب))، فرجع إلى النوبة من كفره والإيمان به، فيوفقه لاتباعى وتصديقى على ما جئته به من عند ربه، وليس ضلالُ من يغلّ منكم بأن لم ينزل على آية من ربّى ، ولا هداية من يهتدى منكم بأنَّها أنزلت علىّ، وإنما ذلك بيد الله يوفّق من يشاء منكم للإيمان ، ويخذل من يشاء منكم فلا يؤمن. # وقد بينت معنى ((الإنابة)) ، فى غير موضع من كتابنا هذا بشواهده ، بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (١) (١) انظر تفسير ((الإنابة)» فيما سلف ١٥ : ٤٠٦، ٤٥٤. ولقد نسى أبو جعفر رحمه الله، فإنه لم يذكر ((الإنابة)) فى غير هذين الموضعين القريبين، ولم يذكر فى تفسيرهما شيئاً من الشواهد، * ٤٣٢ تفسير سورة الرعد : ٢٧-٢٩ ٢٠٣٥٧ - حدثنا بشر ، قال،حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: ((ويهدى إليه من أناب))، أى : من تاب وأقبَل . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ الهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ الَّذِينَ ◌َامَنُواْ وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَثَّابٍ)(٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويهدى إليه من أناب بالتوبة الذين آمنوا . ٠٠٠ و((الذين آمنوا))، فى موضع نصب، ردّ على ((مَنْ))، لأن ((الذين آمنوا))، هم ((من أناب))، ترجم بها عنها.(١) وقوله: ((وتطمئن قلوبهم بذكر اللّه))، يقول : وتسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله، (٢) كما :- ٢٠٣٥٨ -حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: ((وتطمئن قلوبهم بذكر الله))، يقول: سكنت إلى ذكر الله واستأنست به. وقوله: ((ألا بذكر الله تطمئن القلوب))، يقول: ألا بذكر الله تسكن وتستأنس قلوبُ المؤمنين . (٢) وكأنه لما أوغل فى التفسير: وكان قد أعد له العدة، شبه عليه الأمر، وظن أن الذى سيأتى مراراً، مضى قبل ذلك مراراً ، فقال من ذلك ما قال هنا ، وقد مر مثله وأشرت إليه . (١) ((الترجمة))، البدل أو عطف البيان، وانظر ما سلف قريباً ص ٤٢٣، تعليق: ١، والمراجع هناك . (٣،٢) انظر تفسير ((الاطمئنان، فيما سلف ١٥ ٢٥، تعليق ١، والمراجع هناك.