النص المفهرس

صفحات 201-220

١٩٣
تفسير سورة يوسف : ٧٦
١٩٥٩١ - حدثنا ابن وكيع، حدثنا يعلى بن عبيد ، عن سفيان ، عن
عبد الأعلى، عن سعيد بن جبير: ((وفوق كل ذي علم عليم ))، قال: الله أعلم
من كل أحد .
١٩٥٩٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن ابن شبرمة ، عن
الحسن فى قوله: ((وفوق كل ذو علم عليم))، قال: ليس عالمٌ إلا فوقه عالم ،
حتى ينتهى العلم إلى الله .
١٩٥٩٣ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا عاصم قال، حدثنا جويرية،
عن بشير الهجيمى قال: سمعت الحسن قرأ هذه الآية يوماً: (( وفوق كل ذى
علم عليم)) ، ثم وقف فقال: إنه والله ما أمسى على ظهر الأرض عالم إلا فوقه
من هو أعلم منه، حتى يعود العلم إلى الذى عَّمه .
١٩٥٩٤ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا على، عن جرير ، عن ابن
شبرمة، عن الحسن: ((وفوق كل ذي علم عليم))، قال : فوق كل عالم عالم ،
حتى ينتهى العلم إلى اللّه.
١٩٥٩٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وفوق كل ذي علم عليم ))، حتى ينتهى العلم إلى الله، منه بدئ، وتعلَّمت
العلماء، وإليه يعود. وفى قراءة عبد اللّه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ عَالِمٍ عَلِيمُ﴾.
قال أبو جعفر : إن قال لنا قائل : وكيف جاز ليوسف أن يجعل السقاية
فى رحل أخيه، ثم يُسَرِّق قوماً أبرياء من السَّرَق،(١) ويقول: (( أيتها العير إنكم
لسارقون)» ؟
قيل: إن قوله: ((أيتها العبر إنكم لسارقون))، إنما هو خبرٌ من الله عن
مؤذّن أذَّن به ، لا خبر عن يوسف وجائز أن يكون المؤذِّن أُذَّن بذلك إذْ فَقَد
(١) (( يسرق))، أى ينسيهم إلى السرقة، وسرقه يسرقه، (بتشديد الثراء) ، نسبه إلى ذلك.
ج١(١٣)

١٩٤
تفسير سورة يوسف : ٧٧،٧٦
الصُّواع (١)، ولا يعلم بصنیع یوسف . وجائز أن یکون کان أذن المؤذن بذلك عن
أمر يوسف ، واستجاز الأمر بالنداء بذلك، لعلمه بهم أنهم قد كانوا سرقوا سَرِقةً
فى بعض الأحوال ، فأمر المؤذن أن يناديهم بوصفهم بالسّرق، ويوسف يعنى ذلك
السَّرق لا سَرَقَهم الصُّواع . وقد قال بعض أهل التأويل: إن ذلك كان خطأ من
فعل يوسف ، فعاقبه الله بإجابة القوم إيّاه: (( إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل))،
وقد ذكرنا الرواية فيما مضى بذلك (٢).
٠
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقةً
أَخٌ لَّهُ ((مِن قَبْلُ فَأْسَرَّهَا يُوسُفُ فِى نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا
لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرِّ مَّكَاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: (( قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل))،
يعنون أخاه لأبيه وأمه ، وهو يوسف ، كما : -
١٩٥٩٦ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قوله: ((إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل))، ليوسف.
١٩٥٩٧ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٥٩٨ - حدثى المثى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله ، عن
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أن فقد الصواع))، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف رقم : ١٩٥٥٩ - ١٩٥٦٣، وذلك أنه كان يستغفر كلما فتش وعاء من
أوعيتهم، تأثماً ما فعل وهى أبو جعفر أن يوسف كان يعلم أنه مخطئ فى فعله أما جواب إخوته له ،
فلم يمض له ذکر فیما سلف

١٩٥
تفسير سورة يوسف : ٧٧
ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((إن يسرق فقد سرق أخ له
من قبل )) ، قال : يعنى يوسف .
١٩٥٩٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج، عن مجاهد: ((فقد سرق أخ له من قبل))، قال : يوسف.
٠
وقد اختلف أهل التأويل فى (( السَّرَق)) الذى وصفُوا به يوسف.
فقال بعضهم: كان صنمًا لحده أبى أمه ، كسره وألقاه على الطريق .
. ذكر من قال ذلك :
١٩٦٠٠ - حدثنا أحمد بن عمرو البصرى قال، حدثنا الفيض بن الفضل
قال ، حدثنا مسعر، عن أبى حصين، عن سعيد بن جبير: ((إن يسرق فقد
سرق أخ له من قبل))، قال : سرق يوسف صَنّحًا لحده أبى أمه ، كسره وألقاه
فى الطريق ، فكان إخوته يعيبونه بذلك (١) .
١٩٦٠١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( فقد سرق أخ له من قبل))، ذكر أنه سرق صنمًا لجده أبى
أمه ، فعيَّروه بذلك .
١٩٦٠٢ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل))، أرادوا بذلك عيبَ فىّ اللّه يوسف.
وسرقته التى عابوه بها ، صنم كان لجده أبى أمه، فأخذه . إنما أراد نىُّ اللّه بذلك
الخير ، فعابوه .
١٩٦٠٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
(١) الأثر: ١٩٦٠٠ - ((أحمد بن عمرو البصرى))، شيخ الطبرى، مغسى برقم: ٩٨٧٥،
١٣٩٢٨، والكلام عنه فى الرقم الأول .
و ((الفيض بن الفضل البجلى الكوفى))، مترجم فى الكبير ١٤٠/١/٤، وابن أبي حاتم
٨٨/٢/٣، ولم يذكر فيه جرحاً. وكان فى المطبوعة: «العيص» وأخطأ، لأن المخطوطة واضحة هناك كما أثبتها.
وهذا الخبر، رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ١٨٢.

١٩٦
تفسير سورة يوسف : ٧٧
ابن جريج فى قوله: ((إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل))، قال : كانت أمّ
يوسف أمرت يوسف يسرق صنماً لحاله يعبده ، وكانت مسلمة" .
٠ ٠
وقال آخرون فى ذلك ما : -
١٩٦٠٤ - حدثنا به أبو كريب قال ، حدثنا ابن إدريس قال، سمعت أبى
قال: كان بنو يعقوب على طعام، إذْ نظرَ يوسف إلى عَرْق فخبأه، (١) فعيّروه بذلك:
((إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)). (٢)
وقال آخرون فى ذلك بما : -
١٩٦٠٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن
عبد الله بن أبى نجيح، عن مجاهد أبى الحجاج قال : كان أوّل ما دخل على
يوسف من البلاء ، فيما بلغنى، أن تَمَّتَه ابنة إسحق، وكانت أكبر ولد إسحق،
وكانت إليها [صارت] منطقة إسحق، (٣) وكانوا يتوارثونها بالكبر، فكان من
اختانها ممن وليها (٤) كان له سكماً لا ينازع فيه ، (٥) يصنع فيه ما يشاء . وكان
يعقوب حين وُلِد له يوسف، كان قد حضَنه ◌َمَّتَهُ، (٦) فكان معها وإليها، فلم يحبّ
أحدٌ شيئاً من الأشياء حُبَّهَا إياه . حتى إذا ترعرع وبلغ سنواتٍ ، ووقعت نفس
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((اضطر يوسف إلى عرق))، وهو خطأ محض، وإنما وصل الكاتب
((إذ)) بقوله بعده ((نظر)). و ((العرق)) ( بفتح فسكون): العظم عليه اللحم. فإن لم يكن عليه لحم ، فهو
((عراق)) ( بضم العين).
(٢) الأثر: ١٩٦٠٤ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ١٨٢، مطولا.
(٣) الزيادة بين القوسين من تاريخ الطبرى .
(٤) فى المطبوعة: ((فكان من اختص بها))، غير ما فى المخطوطة، فأفسد الكلام وأسقطه.
والصواب منها ومن التاريخ. ((اختانها))، سرقها .
(٥) ((السلم)) (بفتحتين) انقياد المذعن المستخذى، كالأسير الذى لا يمتنع من أسره، يقال:
((أخذه سلماً))، إذا أسره من غير حرب، فجاء به منقاداً لا يمتنع .
(٦) فى المطبوعة: ((قد كان حضنته عمته))، وأثبت ما فى التاريخ. وأما المخطوطة، فهى غير
منقوطة .
وقوله: ((حضنه عمته)) فهو هنا فعل متعد إلى مفعولين، وليس هذا المتعدى مما ذكرته كتب اللغة
وإنما ذكر ((حضنت المرأة الصبى))، إذا وكلت به تحفظه وتربيه، وهى ((الحاضنة))، تضم إليها الطفل
فتكفله . وهذا المتعدى إلى مفعولين ، صحيح عريق فى قياس العربية، بمعنى: أعطاها إياه لتحضنه . وهذا
ما يزاد عليها إن شاء الله.

١٩٧
تفسير سورة يوسف : ٧٧
يعقوب عليه، (١) أتاها فقال: يا أخيَّة، سلمى إلىّ يوسف، فوالله ما أقدر على أن
يغيب عنى ساعة! قالت: فوالله ما أنا بتاركته، (٢) والله ما أقدر أن يغيب عنى
ساعة!(٣) قال: فوالله ما أنا بتاركه! قالت: فدعه عندى أياماً أنظر إليه، وأسكن
عنه ، لعل ذلك يسلّنى عنه = أو كما قالت . فلما خرج من عندها يعقوب ،
عمدت إلى منطقة إسحق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت : لقد
فقدت مِنْطقة إسحق، فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتُمِسَتْ . ثم قالت:
كشفوا أهل البيت! (٤) فكشفوهم، فوجدوها مع يوسف. فقالت: والله إنه لى
لسَلَمٌ، أصنع فيه ما شئت. قال: وأتاها يعقوب فأخبرته الخبر . فقال لها :
أنت وذاك ، إن كان فعل ذلك ، فهو سَلَمٌ لك، ما أستطيع غير ذلك. فأمسكته
فما قدر عليه حتى ماتت . قال : فهو الذى يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه
ما صنع حين أخذه: ((إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)). (٥)
= قال ابن حميد . قال ابن إسحق: لما رأى بنو يعقوب ما صنع إخوة يوسف
ولم يشكُّوا أنه سرق، قالوا=أسفاً عليه، لما دخل عليهم فى أنفسهم، (٦) تأنيباله =: ((إن
يسرق فقد سرق أخ له من قبل)). فلما سمعها يوسف قال: ((أنتم شرّ مكاناً))،
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وقعت)) بغير واو، والصواب إثباتها، كما فى تاريخ الطبرى
وقوله: ((وقعت نفسه عليه))، أى اشتاق إليه اشتياقاً شديداً. وهذا مجاز لم تذكره معاجم اللغة، وهو فى
غاية الحسن والدقة وبلاغة الأداء عن النفس. وانظر بعد قوله: (( ما أقدر على أن يغيب عنى ساعة))، فهو
دليل على المعنى الذى استظهرته .
(٢) فى المطبوعة: ((فقالت: والله ... ))، غير ما فى المخطوطة، وهو الموافق لما فى تاريخ
الطبرى أيضاً .
(٣) قولها: ((والله ما أقدر ... ))، ليست فى تاريخ الطبرى، فهى زيادة فى المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((اكشفوا))، وأثبت ما فى المخطوطة والتاريخ
(٥) الأثر: ١٩٦٠٥ - إلى هذا الموضع؛ رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ١٧٠.
(٦) فى المطبوعة والمخطوطة: ((أسفاً عليهم))، وهو لا يكاد يستقيم، وكمان فى المخطوطة أيضاً:
((فى أنغناء، فصححها فى المطبوعة، وأصاب.

١٩٨
تفسير سورة يوسف : ٧٧
سيرًّا فى نفسه، ولم يبدها لهم = ((والله أعلم بما تصفون)).
وقوله: (( فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً والله أعلم
بما تصفون))، يعنى بقوله: ((فأسرها))، فأضمرها.(١)
وقال: ((فأسرها))، فأنث، لأنه عنى بها ((الكلمة))، وهى: ((أنتم شر
مكاناً والله أعلم بما تصفون)). ولو كانت جاءت بالتذكير، كان جائزاً، كما
قيل: ﴿تِلْكَ مِنْ أُنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾، [سورةهود: ٤٩]، و: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى﴾،
[ سورة هود: ١٠٠ ]
وكنى عن ((الكلمة)). ولم يجر لها ذكر متقدّم. والعرب تفعل ذلك كثيراً إذا
كان مفهوماً المعنى المرادُ عند سامعى الكلام ، وذلك نظير قول حاتم الطائى :
أَمَاوِيَّ مَا يُغْنِىِ الَّرَاءِ عَنِ الْفَتَّى إِذَا حَشْرَ جَتْ يَوْمَاًوَضَاقَ بَهَ الصَّدْرُ(٢)
ج:٢١/٩
(١) انظر تفسير ((الإسرار)) فيما سلف ص: ٧، تعليق: ١، والمراجع هناك
(٢) ديوانه: ٣٩، وغيره، من قصيدته المشهورة، يقول بعده، وهو من رائع الشعر:
بِمَلْحُودةٍ زَلْخٍ، جَوَانِبُهَا غُبْرُ.
إِذَا أَنَا دَلَّافِىِ الَّذِينَ أُحِبُّهُمْ
يَقُولُونَ: قَدْ دَمَّى أَنَامِلَنَا اَلَفْرُ!
وَرَاحُوا عِجَالاً ينفُضُونَ أَكُفَّهُمْ
((ملحودة))، يعنى قبراً قد لحد له. و ((زلخ))، ملساء، يزل ذازلها فيتردى فيها.

١٩٩
تفسير سورة يوسف : ٧٧
يريد: وضاق بالنفس الصدر = فكنى عنها ولم يجر لها ذكر ، إذ كان فى قوله :
((إذا حشرَجَت يوماً))، دلالة لسامع كلامه على مراده بقوله: ((وضاق بها)).
ومنه قول الله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا
إِنَّ رَبّكَ مِن يَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [ سورة النحل: ١١٠]، فقال: ((من بعدها))،
ولم يجر قبل ذلك ذكر لاسم مؤنث .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٩٦٠٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم))، أما الذى أسرَّ فى نفسه فقوله: ((أنتم
شر مكاناً والله أعلم بما تصفون)).
١٩٦٠٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر ، عن قتادة: ((فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكاناً واللّه
أعلم بما تصفون))، قال : هذا القول .
١٩٦٠٨ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ،
حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((فأسرها يوسف فى نفسه ولميبدها
لهم ))، يقول: أسرَّ فى نفسه قوله: ((أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون)).
٠ ٠
وقوله: ((والله أعلم بما تصفون))، يقول: والله أعلم بما تكذبون فيما تصفون به
أخاه بنيامين.(١)
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
(١) انظر تفسير ((الوصف)) فياسلف: ٥٨٦:١٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٢٠٠
تفسير سورة يوسف : ٧٧
١٩٦٠٩ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قوله: ((أنتم شر مكاناً والله أعلم بما تصفون))،
يقولون : يوسف يقوله .
١٩٦١٠ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عیسی ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٦١١ - حدثنى المثنى قال، أخبرنا إسحق قال، حدثنا عبد الله ، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٦١٢ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((والله أعلم بما تصفون))، أى: بما تكذبون.
#
٠٠
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: فأسرها يوسف فى نفسه ولم يبدها لهم، قال :
أنتم شرّ عند اللّه منزلاً ممن وصفتموه بأنه سرق وأخبث مكاناً ، بما سلف من
أفعالكم، واللّه عالم بكذبكم ، وإن جهله كثيرٌ ممن حضرَ من الناس.
#
وذكر أن الصّواع لما وُجد فى رحل أخى يوسف تلاوَمَ القوم بينهم ، كما :-
١٩٦١٣ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط، عن السدى
قال : لما استخرجت السرقة من رحل الغلام ، انقطعت ظهورهم وقالوا : يا بنى
راحيل ، ما يزال لنا منكم بلاء! متى أخذت هذا الصواع؟(١) فقال بنيامين: بل
بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء ، ذهبتم بأخى فأهلكتموه فى البرية ! وضع
هذا الصواع فى رحلى ، الذى وضع الدراهم فى رحالكم! فقالوا: لا تذكر الدراهم
فتؤخذ بها! فلما دخلوا على يوسف ، دعا بالصواع فنقرَ فيه ، ثم أدناه من أذنه ،
ثم قال : إن صواعى هذا ليخبرنى أنكم كنتم اثنى عشر رجلاً ، وأنكم انطلقتم
(١) فى المطبوعة: ((حتى أخذت))، والصواب من المخطوطة والتاريخ:

٢٠١٠
تفسير سورة يوسف : ٧٧
بأْخِ لكم فيعتموه. فلما سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ، ثم قال: أيها الملك ،
سل صواعك هذا عن أخى، أحىٌّ هو ؟ (١) فنقره، ثم قال : هو حىٌّ،
وسوف تراه . قال : فاصنع بى ما شئت ، فإنه إن علم بى فسوف يستنقذنى . قال :
فدخل يوسف فبكى ، ثم توضَّأ ، ثم خرج. فقال بنيامين : أيها الملك ، إنى أريد
أن تضرب صُواعك هذا فيخبرك بالحقّ، فسله : من سرقه فجعله فى رحلى ؟
فنقره فقال: إن صواعى هذا غضبان، وهو يقول: كيف تسألنى مَنْ صاحبى، (٢).
وقد رأيتَ مع من كنت؟(٣) قال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقُوا،
فغضب روبيل وقال: أيها الملك ، والله لتتركنا أولأصيحنَّ صيحة لا يبقى بمصر
امرأةٌ حامل إلا ألقت ما فى بطنها! وقامت كل شعرة فى جسد رُوبيل، فخرجت ٢٢/١٣
من ثيابه ، فقال يوسف لابنه : قم إلى جنب روبيل فمسَّه . وكان بنو يعقوب
إذا غضب أحدهم فمسَّه الآخر ذهب غضبه . فمر الغلام إلى جنبه فمسَّه، فذهب
غضبه، فقال روبيل: مَنْ هذا؟ إن فى هذا البلد لبَزْراً من بَزْر يعقوب!(٤)
فقال يوسف : من يعقوب؟ فغضب روبيل فقال : يا أيها الملك، لا تذكر
يعقوب فإنه سَرِىُّ اللّه، (٥) ابن ذبيح الله، ابن خليل الله! قال يوسف (٦) : أنت
إذاً إن كنت صادقاً . (٧)
٠ ٠
٠
(١) فى التاريخ: ((أين هو))، ولكنه فى المخطوطة: ((أحى هو)).
(٢) فى المطبوعة: ((عن صاحبى))، والصواب من المخطوطة والتاريخ.
(٣) فى المطبوعة وحدها: ((وقد رؤيت)).
(٤) ((البزر)) (بفتح فسكون)، الولد. يقال: ((ما أكثر بزره))، أى: ولده.
(٥) فى التاريخ: ((إسرائيل الله))، وكأن الذى فى التفسير هو الصواب، لأن ((إيل))
بمعنى (الله))، و((إسرا))، يضاف إليه، وكأن ((إسرا))، بمعنى ((سرى))، وهو بمعنى المختار،
كأنه: ((صفى اللّه)) الذى اصطفاء . وفى تفسير ذلك اختلاف كثير.
(٦) فى المطبوعة، حذف ((إن)) من قوله: ((إن كنت صادقاً)).
(٧) الأثر : ١٩٦١٣ - رواه أبو جعفر فى تاريخه مطولا ١: ١٨٢، ١٨٣.

٢٠٢
، تفسير سورة يوسف: ٧٨ ، ٧٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالُواْ يَأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ,
أَبِأَشَيْخاً كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ: إِنَّاذَرَنْكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره. قالت إخوة يوسف ليوسف: (( يا أيها
العزيز))، يا أيها الملك (١) = ((إن له أباً شيخاً كبيراً))، كلفاً بحبه ، يعنون
يعقوب = ((فخذ أحدنا مكانه))، يعنون: فخذ أحداً منّا بدلاً من بنيامين، وخلّ
عنه = (( إنا نراك من المحسنين))، يقول : إنا نراك من المحسنين فى أفعالك.
#
وقال محمد بن إسحق فى ذلك ما : -
١٩٦١٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((إنا
نراك من المحسنين)»، إنا نرى ذلك منك إحساناً إن فعلتَ .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إلَّا
مَنْ وَجَدْنَا مَثُعَنَا عِندَهُ" إِنَّآَ إِذَا لَّظْلِمُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: قال يوسف لإخوته: ((معاذ الله))، أعوذ
بالله .
٠ ٠
وكذلك تفعل العرب فى كل مصدر وضعته موضع ((يفعل)) و((تفعل))، فإنها
تنصب، كقولهم: ((حمداً لله، وشكراً له))، بمعنى: أحمد اللّه وأشكره.
...
والعرب تقول فى ذلك: ((معاذَّ اللّه))، و((معاذةَ اللّه))، فتدخل فيه هاء
(١) انظر تفسير ((العزيز)) فيما سلف من: ، ٦٢، تعليق: ٥، والمراجع هناك

٢٠٣
تفسير سورة يوسف: ٧٩ ، ٨٠
التأنيث، كما يقولون: ((ما أحسن معناة هذا الكلام)) = و((عوذ اللّه)) و(( عوذة
الله)) و((عياذ اللّه)). ويقولون: ((اللهم عائذاً بك، كأنه قيل: ((أعوذ بك
عائذاً))، أو أدعوك عائداً.
٠ ٠
= (( أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده))، يقول : أستجير بالله من أن
نأخذ بريئاً بسقيم، (١) كما : -
١٩٦١٥ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((قال
معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إذّا إذاً لظالمون))، يقول: إن أخذنا
غير الذى وجدنا متاعنا عنده ، إنّا إذاً نفعل ما ليس لنا فعله ونجور على الناس .
١٩٦١٦ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدى :
((قالوا يا أيها العزيز إنّ له أباً شيخاً كبيراً فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين .
قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذاً لظالمون))، قال يوسف:
إذا أتيتم أباكم فاقرأوه السلام وقولوا له : إن ملك مصر يدعُو لك أن لا تموت حتى
ترى ابنك يوسف ، حتى يعلَم أنّ فى أرض مصر صدِّيقين مثله .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا أَسْتَيْثَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ
نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ: أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذُ عَلَيْكُم
مَّوْثِقاً مِّنَ اللهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّكُمْ فِى يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ
حَتَّى يَأْذَنُ لِ أَبِىَ أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِ وَهُوَ خَيْرُ الْحُكِمِينَ) )
قال أبو جعفر يعنى تعالى ذكره: ((فلما استيأسوا منه))، فلما يئسوا منه من أن
يخلّى يوسف عن بنيامين، ويأخذ منهم واحداً مكانه، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك .
٠
(١)انظر تفسير ((عاذ)) فيما سلف ص: ٣٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٢٠٤
تفسير سورة يوسف : ٨٠
وقوله: ((استيأسوا))، ((استفعلوا))، من: ((يئس الرجل من كذا ييأس))،
كما :-
١٩٦١٧ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فلما
استيأسرا منه))، يئسوا منه ، ورأوا شدّته فى أمره
وقوله: ((خلصوا نجيًّا))، يقول: بعضهم لبعض يتناجون، لا يختلط بهم غيرهم.
٠
و ((النجى))، جماعة القوم المنتجين، يسمى به الواحد والجماعة، كما يقال :
((رجل عدل، ورجال عدل))، و((قوم زَوْر، وفِطْر)). وهو مصدر من قول
القائل: ((نجوت فلانا أنجوه نجيًّا))، جعل صفة ونعتاً. ومن الدليل على أن ذلك
كما ذكرنا ، قول اللّه ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) [سورة مريم: ٥٢]، فوصف به الواحد.
وقال فى هذا الموضع: ((خلصوا نجياً))، فوصف به الجماعة، ويجمع ((النجىّ))
((أنجية))، كما قال لبيد :
وَشَهِدْتُ أَنْجِيَّةَ الأُفَاقَةِ عَالياً كَمْبِى وَأَرْدَافُ الْمُوكِ شُهُ(١)
وقديقال للجماعة من الرجال: ((نَجْوى)) كما قال جل ثناؤه: ﴿ وَإِذْهُمْ نَجْوَى﴾
[ سورة الإسراء: ٤٧]، وقال: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ} [ سورة المجادلة: ٧]،
وهم القوم الذين يتناجون. وتكون ((النجوى)) أيضاً مصدراً، كما قال اللّه :
(١) ديوانه، قصيدة: ٧، بيت: ٧، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٣١٥ من أبيات يقولها
لابنته بسرة ، يذكر طول عمره ، فيقول لها :
٢٣/١٣
وسُؤَالِ هذَا النَّاسِ: كَيْفَ لَبِيدُ؟
وَلَقَدْ سَئِمْتُ من الحيَاةِ وطُولِهَا
لَوْ كَانَ النّفْسِ اللَّجُوجِ خُلُوهُ
وَغَنِيْتُ سَبْتَ قْلَ مَجْرَى دَاحِسٍ
وَشَهِدْتُ .
((مجرى داحس))، هو الخبر المشهور عن داحس والغبراء وإجرائهما، وكانت بسببه الحرب بين
عبس وذبيان أربعين سنة، وقوله: ((سبتاً))، أى: دهراً .
و ((الأفاقة)) اسم موضع ، حيث كان اليوم المشهور بين لبيد، والربيع بن زياد العبسى.
و ((أرداف الملوك))، من ((الردف))، وهو الذى يكون مع الملك، وينوب عنه إذا قام من مجلسه .

٢٠٥
تفسير سورة يوسف : ٨٠
﴿إِنَّمَا النَّجْوَىِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [سورة المجادلة: ١٠]، تقول منه: ((نجوت أنجو
نجوى)) فهى ، فى هذا الموضع، المناجاة نفسها ، ومنه قول الشاعر (١):
◌ُبََّّ بَدَاخِبُّ نَجْوَى الرِّجَالِ فَكُنْ عِنْدَ سَرّكَ خَبَّ النَّحِىَّ(٢)
فـ ((النجوى)) و((النجى))، فى هذا البيت بمعنى واحد، وهو المناجاة، وقد
جمع بين اللغتين .
وبنحو الذى قلنا فى تأويل قوله: ((خلصوا نجيًّا))، قال أهل التأويل.
#
* ذكر من قال ذلك :
١٩٦١٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو، عن أسباط ، عن السدى :
((فلما استيأسوا منه خلصوا نجياً))، وأخلص لهم شمعون، وقد كان ارتهنه ، خَلَوْا
بينهم. نجيًّا، يتناجون بينهم.
١٩٦١٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((خلصوا نجيًّا))، خلصوا وحدهم نجيًا.
١٩٦٢٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: «خلصوا
نجياً)) أى: خلا بعضهم ببعض ، ثم قالوا : ماذا ترون ؟
له: ((قال كبيرهم))، اختلف أهل العلم فى المعنىِّ بذلك .
(١) هو الصلتان العبدى
(٢) شرح الحماسة ٣: ١١٢، والشعر والشعراء: ٤٧٩، والخزانة ١: ٣٠٨، وغيرها،
وهو من وصيته المشهورة التى أوصى بها ولده التى يقول فيها :
أَشَابَ الصّغيرَ وَأَفْنَ الكَبِيرَ كَرُّ الغَدَاةِ وَمَرُّ المَشِى
ثم يقول له بعد البيت الشاهد :
وَسِرُّكَ مَا كَانَ عِنْدَ أُمْرِئٍ وَسِرُّ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ اَلَفِى
و ((الخب)) (بكسر الخاء)، المكر، و((الحب)) (بفتحها) ، المكار .

٢٠٦
تفسير سورة يوسف : ٨٠
فقال بعضهم : عنى به كبيرهم فى العقل والعلم ، لا فى السن ، وهو شمعون .
قالوا : وکان روبيل أکېر منه فى الميلاد .
، ذكر من قال ذلك :
١٩٦٢١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((قال كبيرهم))، قال: هو
شمعون الذى تخلّف ، وأ کبر منه= أو : أکبر منهم = فى الميلاد ، روبيل .
١٩٦٢٢ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((قال كبيرهم))، شمعون الذى تخلّف، وأكبر
منه فى الميلاد روبيل .
١٩٦٢٣ - حدثى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٩٦٢٤ - حدثنى المثنى قال ، أخبرنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
الزبير ، عن سفيان، عن ابن جريج ، عن مجاهد: ((قال كبيرهم))، قال :
شمعون الذى تخلف ، وأكبرهم فى الميلاد روبيل .
#
وقال آخرون : بل عنى به كبيرهم فى السن ، وهو روبيل .
ذكر من قال ذلك :
*
١٩٦٢٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((قال كبيرهم )»، وهو روبيل، أخو يوسف ، وهو ابن خالته ، وهو الذى نهاهم
عن قتله .
١٩٦٢٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: ((قال كبيرهم))، قال : روبيل ، وهو الذى أشار عليهم
أن لا يقتلوه .

٢٠٧
تفسير سورة يوسف: ٨٠
١٩٦٢٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عمرو، عن أسباط، عن السدى :
((قال كبيرهم))، فى العلم (١) = ((إن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من الله ومن قبل
ما فرطتم فى يوسف فلن أبرح الأرض))، الآية ، فأقام روبيل بمصر، وأقبل
التسعة إلى يعقوب، فأخبروه الخبرَ فبكى وقال: يا بنىّ، ما تذهبون مرَّة إلا نقصتم
واحداً ! ذهبتم مرة فنقصتم يوسف، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون، وذهبتم الآن
فنقصتُم روبيل !
١٩٦٢٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فلما
استيأسوا منه خلصوا نجيًّا))، قال: ماذا ترون ؟ فقال روبيل ، كما ذكر لى،
وكان كبير القوم: ((ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من اللّه لتأتنى به إلا
أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم فى يوسف)) ، الآية .
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة ، قولُ من قال : عنى بقوله :
(قال كبيرهم))، روبيل ، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنًّا. ولا تفهم
العرب فى المخاطبة إذا قيل لهم: ((فلان كبير القوم))، مطلقاً بغير وصل ، إلا أحد
معنيين : إما فى الرياسة عليهم والسؤدد ، وإما فى السن . فأما فى العقل ، فإنهم
إذا أرادوا ذلك وصَلوه فقالوا: ((هو كبيرهم فى العقل)). فأما إذا أطلق بغير صلته
بذلك ، فلا يفهم إلا ما ذكرت .
وقد قال أهل التأويل : لم يكن لشمعون = وإن كان قد كان من العلم والعقل
بالمكان الذی جعله الله به = على إخوته رياسةٌ وسؤدد ، فيعلم بذلك أنه على بقوله:
((قال كبيرهم)). فإذا كان ذلك كذلك، فلم يبق إلا الوجه الآخر ، وهو الكبر
٢٤/١٣
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فى العلم))، ولم أجد ما أستوثق به من أن يكون الخبر فى معنى
الترجمة، أعنى مكان ((فى العلم))، ((فى السن)).

٢٠٨
تفسير سورة يوسف : ٨٠
فى السن. وقد قال الذين ذكرنا جميعاً: ((روبيل كان أكبر القوم سنًّا))، فصح
بذلك القول الذى اخترناه .
٠
وقوله: ((ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من اللّه))، يقول: ألم تعلموا،
أيها القوم؛ أنَّ أبا كم يعقوب قد أخذ عليكم عهودَ اللّه ومواثيقه: (١) لنأتينه به جميعاً إلا
أن يحاط بكم = ((ومن قبل ما فرطتم فى يوسف))، (٢) ومن قبل فعلتكم هذه،
تفريطكم فى يوسف . يقول: أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم فى يوسف؟ = وإذا
صرف تأويل الكلام إلى هذا الذى قلناه ، كانت (( ما )) حينئذ فى موضع نصب .
وقد يجوز أن يكون قوله: ((ومن قبل ما فرطتم فى يوسف ))، خبراً مبتدأ ،
ويكون قوله: ((ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقاً من اللّه )) خبراً متناهياً،
فتكون ((ما)) حينئذ فى موضع رفع ، كأنه قيل: (( ومن قبل هذا تفريطُكم فى
يوسف = فتكون، ((ما)) مرفوعة ((بمن)) قبلُ .
هذا ويجوز أن تكون ((ما)) التى هى صلة فى الكلام، (٣) فيكون تأويل
الكلام : ومن قبل هذا فرطتم فى يوسف .(٤)
...
وقوله: ((فلن أبرح الأرض))، التى أنا بها، وهى مصر، فأفارقها = ((حتى
يأذن لى أبى)) ، بالخروج منها ، كما : -
١٩٦٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق: ((فلن
أبرح الأرض))، التى أنا بها اليوم = ((حتى يأذن لى أبى))، بالخروج منها .
١٩٦٣٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
(١) انظر تفسير (الموثق)) فيما سلف ص: ١٦٣، تعليق: ١، والمراجع هناك
(٢) زدت نص الآية، وإن لم يكن ثابتاً فى المخطوطة أو المطبوعة.
(٣) فى المطبوعة: ((التى تكون صلة))، وفى المخطوطة: ((التى صلة))، ورجحت ما أثبتت
= و ((الصلة))، الزيادة، انظر ما سلف من فهارس المصطلحات.
(٤) فى المطبوعة ((تفريطكم فى يوسف))، والصواب ما أثبت، لأن ((ما) زائدة هنا

٠٠٩
تفسير سورة يوسف : ٨١٤٨٠
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: قال شمعون: ((لن أبرح الأرض حتى يأذن لى أبى
أو يحكم الله لى وهو خير الحاكمين)).
وقوله: ((أو يحكم الله)، أو يقضى لى ربى بالخروج منها، وترك أخى بنيامين،
وإلا فإنى غير خارج = ((وهو خير الحاكمين))، يقول: والله خير من حكم ،
وأعدل من فصل بين الناس. (١)
#
وكان أبو صالح يقول فى ذلك بما : -
١٩٦٣١ - حدثنى الحسين بن يزيد السبيعى قال، حدثنا عبد السلام بن
حرب، عن إسمعيل بن أبى خالد، عن أبى صالح فى قوله: ((حتى يأذن لى أبى
أو يحكم الله لى))، قال : بالسيف .
= وكأنَّ أبا صالح وجّه تأويل قوله: ((أو يحكم الله لى))، إلى: أو يقضى الله لى
بحرب من مَنَعنى من الانصراف بأخى بنيامين إلى أبيه يعقوب فأحاربه .
#
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَرْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ
يَأَبَانَآ إِنَّ أَبْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمْنَاوَمَا كُنَّا لِلْغَيْب
حفِظِينَ ﴾
٨١
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مخبراً عن قيل روبيل لإخوته ، حين
أخذ يوسف أخاه بالصواع الذى استخرج من وعائه : ارجعوا ، إخوتى ، إلى
أبيكم يعقوب فقولوا له: يا أبانا ، إن ابنك بنيامين سرق .
٠
(١) انظر تفسير ((الحكم)» فيما سلف من فيارس المنة (منكم)

٢١٠
تفسير سورة يوسف : ٨١
والقرأة على قراءة هذا الحرف بفتح السين والراء والتخفيف: ﴿إنّ ابْنَكَ سَرَّقَ﴾.
ورُوِى عن ابن عباس: ﴿إِنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ): بضم السين وتشديد الراء، على وجه
ما لم يسمَّ فاعله ، بمعنى: أنه سَرَق = ((وما شهدنا إلا بما علمنا)).
واختلف أهل التأويل فى تأويل ذلك .
فقال بعضهم : معناه : وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا بأن ذلك كذلك ،
لأن صواع الملك أصيب فى وعائه دون أوعية غيره .
ذكر من قال ذلك :
١٩٦٣٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق، (( ارجعوا
إلى أبيكم))، فإنى ما كنت راجعاً حتى يأتينى أمرُه = ((فقولوا يا أبانا إن ابنك
سرق وما شهدنا إلا بما علمنا))، أى: قد وجدت السرقة فى رحله ، ونحن ننظر ،
لا علم لنا بالغيب = (( وما كنا للغيب حافظين)).
٠ ٠
وقال آخرون : بل معنى ذلك : وما شهدنا عند يوسف ، بأن السارق يؤخذ
بسرقته ، إلا بما علمنا .
• ذكر من قال ذلك :
١٩٦٣٣ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
قال لهم يعقوب عليه السلام : ما يدرى هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته
إلا بقولكم! فقالوا: ((ما شهدنا إلا بما علمنا))، لم نشهد أن السارق يؤخذ
بسرقته إلا وذلك الذى علمنا . قال : وكان الحكم عند الأنبياء ، يعقوب وبنيه ،
أن يؤخذ السارق بسرقته عبداً فيسترق" .
٠ ٠
وقوله: ((وما كنا للغيب حافظين)) ، يقول: وما كنا نرى أن ابنك يسرق
٢٥/١٣

٢١١
تفسير سورة يوسف : ٨١
ويصير أمرنا إلى هذا، وإنما قلنا: ((ونحفظ أخانا))، مما لنا إلى حفظه منه
السبيل .
. . .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٩٦٣٤ - حدثنا الحسين بن الحريث أبو عمار المروزى . قال ، حدثنا
الفضل بن موسى ، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة: (( وما كنا
للغيب حافظين))، قال: ما كنا نعلم أن ابنك يسرق . (١)
١٩٦٣٥ - حدثنا الحسن بن محمد قال، حدثنا شبابة قال ، حدثنا ورقاء ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قوله: (( وما كنا للغيب حافظين))، لم نشعر أنه
سيسرق .
١٩٦٣٦ - حدثنا محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وما كنا للغيب حافظين ))، قال : لم نشعر
أنه سیسرق .
١٩٦٣٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وما كنا للغيب حافظين))، قال : لم نشعر أنه
سيسرق .
١٩٦٣٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد = وأبو سفيان، عن معمر، عن قتادة: (( وما كنا للغيب
(١) الأثر ١٩٦٣٤ - ((الحسين بن الحريث))، ((أبو عمار المروزى))، شيخ الطبرى، مضى
برقم ١١٧٧١ .
(( الفضل بن موسى السيتانى))، مضى أيضاً برقم : ١١٧٧١.
((الحسين بن واقد المروزى))، مضى أيضاً برقم: ٤٨١٠، ٦٣١١، ١١٧٧١، وكان فى
المخطوطة والمطبوعة هنا أيضاً ((الحسن بن واقد))، وهو خطأ بين، كما أشرت إليه قبل.

٢١٢
تفسير سورة يوسف : ٨١، ٨٢ ٠
حافظين))، قال : ما كنا نظن ولا نشعر أنه سيسرق .
١٩٦٣٩ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
(( وما كنا للغيب حافظين))، قال : ما كنا نرى أنه سيسرق .
١٩٦٤٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى . قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( وما كنا للغيب حافظين))، قال : ما كنا نظن أن ابنك
يسرق .
قال أبو جعفر : وأولى التأويلين بالصواب عندنا فى قوله: ((وما شهدنا إلا
بما علمنا))، قولُ من قال : وما شهدنا بأن ابنك سرق إلا بما علمنا من رؤيتنا
للصواع فى وعائه = لأنه عقيب قوله: ((إن ابنك سرق))؛ فهو بأن يكون خبراً عن
شهادتهم بذلك ، أولى من أن يكون خبراً عما هو منفصل .
وذكر أن: ((الغيب))، فى لغة حمير، هو الليل بعينه.(١)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا
وَالْغِيرَ الَّتِىّ أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾
٨٢.
قال أبو جعفر: يقول : وإن كنتَ مُتَّهماً لنا ، لا تصدقنا على ما نقول من
أن ابنك سرق: ((فاسأل القرية التى كنا فيها))، وهى مصر ، يقول : سل من فيها
من أهلها = ((والعير التى أقبلنا فيها))، وهى القافلة التى كنا فيها، (٢) التى أقبلنا
منها معها، عن خبر ابنك وحقيقة ما أخبرناك عنه من سَرَقِه، (٣) فإنك تَخْبُر
(١) هذا معنى عزيز فى تفسير ((الغيب))، لم أجده فى شىء من كتب اللغة التى بين أيدينا.
(٢) انظر تفسير: ((العير)) فيما سلف ص : ١٧٤،١٧٣
(٣) سرق الشىء يسرقه سرقاً (بفتحتين)، وسرقاً (بفتح السين وكسر الراء) ، وسرقة .