النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٨١
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
به الأقلام، ولكن كلٌّ مُيَسَّر لما خُلق له = اللفظ لحديث ابن معمر. (١)
...
وقوله: (( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربك إن ربك
فعال لما يريد))، يعنى تعالى ذكره بقوله: ((خالدين فيها))، لابثين فيها(٢) =
ويعنى بقوله: ((ما دامت السموات والأرض))، أبداً. (٣)
٠ ٠
#
وذلك أن العرب إذا أرادت أن تصف الشىء بالدوام أبداً قالت: (( هذا
دائم دوامَ السموات والأرض))، بمعنى: أنه دائم أبداً. وكذلك يقولون: ((هو باق
ما اختلف الليلُ والنهار))، و(( ما سمر ابنَا سَمِير))، و((ما لألأت العُفْرُ
بأذنابها))، يعنون بذلك كله: ((أبداً)). فخاطبهم جل ثناؤه بما يتعارفون به
بينهم ، فقال: ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض))، والمعنى فى ذلك :
خالدين فيها أبداً .
وكان ابن زيد يقول فى ذلك بنحو ما قلنا فيه .
١٨٥٧٢ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض))، قال: ما دامت الأرض
أرضًاً والسماءُ سماءً.
ثم قال: ((إلا ما شاء ربك))، واختلف أهل العلم والتأويل فى معنى ذلك.
فقال بعضهم : هذا استثناء استثناه اللّه فى أهل التوحيد ، أنه يخرجهم
من النار إذا شاء ، بعد أن أدخلهم النار .
(١) الأثر: ١٨٥٧١ ((سليمان بن سفيان التميمى))، ضعيف، منكر الحديث، يروى عن
الثقات أحاديث مناكير. مترجم فى التهذيب، والكبير ٢ / ٢ / ١٨، وابن أبى حاتم ٢ / ١ / ١١٩،
وميزان الاعتدال ١ : ٤١٥ .
وهذا خبر ضعيف الإسناد ، ذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ ٣٩٥، عن مسند أبى يعلى ، وذكره
الحافظ الذهبى فى الميزان ، بإسناده ، عن أبى عامر العقدى. لكن معنى الخبر له شواهد فى الصحيح .
(٢) انظر تفسير ((الخلود)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد).
(٣) انظر تفسير ((ما دام)) ١٠: ١٨٥ / ١١: ٧٤، ٢٣٨.
ج ١٥ (٣١)

٤٨٢
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
ذكر من قال ذلك :
*
١٨٥٧٣ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق ، عن معمر ،
عن قتادة فى قوله: (( فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها
ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربك))، قال: الله أعلم بشُنيَاه. (١)
وذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابوها، (٢) ثم يدخلهم الجنة.
١٨٥٧٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، والله أعلم بشَنيَّتّه. (٣)
ذكر لنا أن ناسًا يصيبهم سَفْعٌ من النار بذنوب أصابتهم ، ثم يدخلهم الله
الجنة بفضل رحمته ، يقال لهم: ((الجهنَّمِيُّون)).
١٨٥٧٥ - حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا شيبان بن فروخ قال ،
حدثنا أبو هلال قال، حدثنا قتادة، وتلا هذه الآية: ((فأما الذين شقوا ففى
النار لهم فيها زفير وشهيق))، إلى قوله: (( لما يريد))، فقال عند ذلك : حدثنا
أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يَخْرج قومٌ من النار
= قال قتادة : ولا نقول مثل ما يقول أهل حَرُّوراء . (٤)
١٨٥٧٦ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن أبى مالك = يعنى
ثعلبة = عن أبى سنان فى قوله: ((فأما الذين شقوا ففى النار لهم فيها زفير وشهيق
خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلاّ ما شاء ربك))، قال : استثناء فى
أهل التوحيد .
١٨٥٧٧ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
(١) ((الثنيا)) (بضم فسكون) و((الثنية))، على وزن (فعيلة)، و((المثنوية))، كله
الاستثناء .
(٢) ((سفعته النار والشمس سفعاً))، لفحته لفحاً يسيراً، فغيرت لون بشرته وسودته.
(٣) انظر التعليق رقم : ١.
(٤) ((أهل حروراء))، هم الخوارج، يقولون إن صاحب الكبيرة مخلد فى النار، لأنهم يكفرون
أهل الكبائر .

٤٨٣
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
معمر، عن الضحاك بن مزاحم: ((فأما الذين شقوا ففى النار))، إلى قوله :
((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، قال: يخرج قوم"
من النار فيدخلون الجنة ، فهم الذين استثنى لهم .
١٨٥٧٨ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثى
معاوية ، عن عامر بن جَشيب، عن خالد بن معدان فى قوله: ﴿لاَبِثِينَ فِيهاَ
أَحْتَاباً﴾، [سورة النبأ: ٢٣]، وقوله: ((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلاّ
ما شاء ربك ))، أنهما فی أهل التوحید .(١)
٠
وقال آخرون : الاستثناء فى هذه الآية فى أهل التوحيد = إلا أنهم قالوا:
معنى قوله : ((إلا ما شاء ربك)) ، إلا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم
النار = ووجَّهوا الاستثناء إلى أنه من قوله: ((فأما الذين شقوا فى النار)) = (( إلا
ما شاء ربك))، لا من ((الخلود)).
١٧/١٢
• ذكر من قال ذلك
١٨٥٧٩ - حدثنا الحسن بن یحی قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، حدثنا
ابن التيمى ، عن أبيه ، عن أبى نضرة ، عن جابر = أو : أبى سعيد ، يعنى
الخدرى = أو: عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم = فى قوله:
((إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد))، قال: هذه الآية تأتى على القرآن
كلَّه. يقول: حيث كان فى القرآن (خالدين فيها))، تأتى عليه = قال: وسمعت
أبا مجلز يقول : هو جزاؤه ، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه .
٠
وقال آخرون : عنى بذلك أهل النار وكلَّ من دخلها .
(١) الأثر: ١٨٥٧٨ - ((عامر بن جثيب الحمصى))، روى عن أبى أمامة، وخالد بن
معدان، وغيرهما . ثقة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى سراتم ٣ / ١ / ٣١٩. وكان فى المطبوعة :.
((جثب))، وهو خطأً، والمخطوطة كما أثبت إلا أنها غير منقوطة.
وهذا الخبر يأتى فى التغير ٣٠: ٨، ٩، (بولاق) فى تفسير سورة ((النبأ).

٤٨٤
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٨٠٦ - حدثت عن المسيب، عمن ذكره، عن ابن عباس: (( خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض))، لا يموتون ولا هم منها يخرجون = ((ما دامت
السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، قال: استثناءُ اللّه . قال: يأمر النار أن
تأكلهم. قال: وقال ابن مسعود : ليأتين على جهضَّم زمان تخفِقُ أبوابها، ليس
فيها أحد ، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً .
١٨٥٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن بيان ، عن الشعبى
قال : جهنم أسرع الدارين عمرانًا ، وأسرعهما خرابًا .
وقال آخرون : أخبرنا اللّه بمشيئته لأهل الجنة، فعرَّفنا معنى تُنْياه بقوله:
((عطاء غير مجذوذ))، أنها فى الزيادة على مقدار مدَّة السموات والأرض. قال:
ولم يخبرنا بمشيئته فى أهل النار . وجائز أن تكون مشيئته فى الزيادة ، وجائز أن
تكون فى النقصان .
• ذكر من قال ذلك :
١٨٥٨٢ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلاَّ ما شاء ربك)). فقرأ حتى
بلغ: ((عطاء غير مجذوذ))، قال : وأخبرنا بالذى يشاء لأهل الجنة ، فقال :
((عطاء غير مجذوذ))، ولم يخبرنا بالذى يشاء لأهل النار.
...
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال فى تأويل هذه الآية بالصواب، القولُ
الذى ذكرنا عن قتادة والضحاك : من أن ذلك استثناء فى أهل التوحيد من أهل
الكبائر ، أنه يدخلهم النار خالدين فيها أبدًا، إلا ما شاءَ من تركهم فيها أقلّ
من ذلك ، ثم يخرجهم فيدخلهم الجنة ، كما قد بينا فى غير هذا الموضع ، (١)
(١) فى المطبوعة: ((كذا قد بينا))، وهو كلام غث، ورطه فيه سوء كتابة الناسخ.

٤٨٥
تفسير سورة هود : ١٠٥ - ١٠٧
بما أغنى عن إعادته فى هذا الموضع .(١)
وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصحة فى ذلك ، لأن الله جل ثناؤه أوعد أهل
الشرك به الخلود فى النار ، وتظاهرت بذلك الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، فغير جائز أن يكون استثناءً فى أهل الشرك = وأن الأخبار قد تواترت عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يدخل قومًا من أهل الإيمان به بذنوبٍ أصابوها
النارَ ، ثم يخرجهم منها فيدخلهم الجنة ، فغير جائز أن يكون ذلك استثناء فى
أهل التوحيد قبل دُخُولها ، مع صحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بما ذكرنا = وأنّا إن جعلناه استثناءً فى ذلك ، كنا قد دخلنا فى قول من يقول :
(( لا يدخل الجنَّة فاسق ، ولا النار مؤمن)) ، وذلك خلاف مذاهب أهل العلم ،
وما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . فإذا فسدهذان الوجهان،
فلا قول قال به القُدْوة من أهل العلم إلاَّ الثالث .
ولأهل العربية فى ذلك مذهبٌ غير ذلك، سنذكره بعدُ ونبينه إن شاء الله.(٢)
٠
وقوله: ((إن ربك فعال لما يريد))، يقول تعالى ذكره : إن ربك ، يا محمد ،
لا يمنعه مانع من فعل ما أراد فعله بمن عصاه وخالف أمره ، من الانتقام منه ،
ولكنه يفعل ما يشاء فعله، فيمضى فيهم وفيمن شاء من خلقه فعلُه وقضاؤهُ.(٣)
#
(١) غاب عنى مكانه، فمن وجده فلميثبته .
(٢) انظر ما سيأتى ص : ٤٨٧ - ٤٨٩
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ولكنه يفعل ما يشاء، فيمضى فعله فيهم وفيمن شاء من خلقه فعله
وقضاؤه))، وهو غير مستقيم، والآفة من الناسخ، والصواب ما أثبت، بتقديم ((فعله)) الأولى.

٤٨٦
تفسير سورة هود : ١٠٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ
◌َخُلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ
عَطَاءُ غَيْرَ مَجْدُودِ﴾ (١)
قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة المدينة والحجاز والبصرة وبعض الكوفيين: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا﴾،
بفتح السين .
وقرأ ذلك جماعة من قرأة الكوفة: ﴿وَأُمَّ الَّذِينَ سُعِدُوا﴾، بضم السين ،
بمعنى: رُزِقوا السعادة.
*
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك ، أنهما قراءتان معروفتان ،
فبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ .
فإن قال قائل: وكيف قيل ((سُعِدُوا))، فيما لم يسمَّ فاعله ، ولم يقل :
((أسعدوا))، وأنت لا تقول فى الخبر فيما سُمَّى فاعله: ((سعده اللّه))، بل
إنما تقول: ((أسعده اللّه)) ؟
قيل ذلك نظير قولهم: ((هو مجنون))، و((محبوب))، (١) فيما لم يسمَّ فاعله ،
فإذا سموا فاعله قيل: ((أجنه اللّه))، و((أحبه))، والعرب تفعل ذلك كثيرًا.
٧٢/١٢ وقد بينا بعض ذلك فيما مضى من كتابنا هذا. (٢)
وتأويل ذلك : وأما الذين سُعدوا برحمة الله فهم فى الجنة خالدين فيها ما دامت
#
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((هو مجنون، محبوب))، والأجود الفصل بالواو .
(٢) غاب أيضاً عنى مكانه ، فمن وجده فليقيده .

٤٨٧
تفسير سورة هود : ١٠٨
السموات والأرض، يقول: أبداً = ((إلاَّ ما شاء ربك)).
فاختلف أهل التأويل فى معنى ذلك .
فقال بعضهم: ((إلا ما شاء ربك))، من قدر ما مكثوا فى النار قبل دخولهم
الجنة . قالوا : وذلك فيمن أخرج من النار من المؤمنين فأدخل الجنة .
ذكر من قال ذلك :
١٨٥٨٣ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن الضحاك فى قوله: ((وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، قال : هو أيضًا فى الذين يخرجون من
النار فيدخلون الجنة . يقول : خالدين فى الجنة ما دامت السموات والأرض إلا
ما شاء ربك . يقول : إلاَّ ما مكثوا فى النار حتى أدخلوا الجنة .
#
وقال آخرون: معنى ذلك: ((إلا ما شاء ربك))، من الزيادة على قدر
مُدّة دوام السموات والأرض . قالوا : وذلك هو الخلود فيها أبدًا .
ذكر من قال ذلك :
١٨٥٨٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب ، عن أبى مالك = يعنى
ثعلبة = عن أبى سنان: (( وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، قال: ومشيئته خلودهم فيها ، ثم أتبعها
فقال: ((عطاء غير مجذوذ)).
واختلف أهل العربية فى وجه الاستثناء فى هذا الموضع .
فقال بعضهم: فى ذلك معنيان :
أحدهما : أن يجعله استثناءً يستثنيه ولا يفعله، كقولك: (( والله لأضربنَّك

٤٨٨
تفسير سورة هود : ١٠٨
إلاّ أن أرى غير ذلك))، وعزمُك على ضربه. (١) قال: فكذلك قال: ((خالدين
فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك))، ولا يشاؤه، [وهو أعلم ]. (٢)
قال: والقول الآخر أنّ العرب إذا استثنت شيئًا كثيرًا مع مثله ، أو مع
ما هو أكثر منه، (٣) كان معنى ((إلا)) ومعنى (( الواو)) سواء . فمن كان قوله :
((خالدين فيها ما دامت السموات والأرض)) = سوى ما شاء الله من زيادة الخلود ،
فيجعل ((إلا)) مكان ((سوى))، فيصلح، وكأنه قال: (( خالدين فيها ما دامت
السموات والأرض سوى ما زادهم من الخلود والأبد))، ومثله فى الكلام أن تقول :
لى عليك ألف إلاّ ألفين اللذين [مِنْ قِبَل فلان))، أفلا ترى أنه فى المعنى:
لى عليك ألفٌ سِوَى الألفين]؟(٤) قال: وهذا أحبُّ الوجهين إلىّ، لأنّ اللّه
لا خُلْفَ لوعده. (٥) وقد وصل الاستثناء بقوله: ((عطاء غير مجذود ))، فدلَّ
على أن الاستثناء لهم فى الخلود غير منقطع عنهم .
وقال آخر منهم بنحو هذا القول . وقالوا : جائزٌ فيه وجه ثالثٌ : وهو
أن يكون استثنى من خلودهم فى الجنة ، احتباسهم عنها ما بين الموت والبعث، وهو
البرزخ ، إلى أن يصيرُوا إلى الجنة ، ثم هو خلود الأبد . يقول : فلم يغيبوا عن
الجنة إلاّ بقدر إقامتهم فى البرْزَخ.
*
وقال آخر منهم : جائزٌ أن يكون دوام السموات والأرض ، بمعنى :
الأبد ، على ما تعرف العرب وتستعمل ، وتستثنى المشيئة من دوامها ، لأنَّ أهل
(١) فى معانى القرآن الفراء: ((وعزيمتك على ضربه))، وهذا نص كلام الفراء.
(٢) الزيادة بين القوسين من معانى القرآن الفراء.
(٣) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ومع ما هو أكثر منه))، والصواب من معانى القرآن: ((أومع .. )).
(٤) كان فى المطبوعة والمخطوطة: ((إلا الألفين اللذين قبله))، وليس فيهما بقية ما أثبت،
وهو كلام مبهم ، نقلت سائره ، وزدته بين القوسين من معانى القرآن للفراء ، فهذا نص كلامه .
(٥) فى المطبوعة: ((لا خلف لوعده))، وفى المخطوطة؛ ((لا مخلف لوعده))، والصواب من معانى
القرآن .

٤٨٩
تفسير سورة هود : ١٠٨.
الجنة وأهل النار قد كانوا فى وقتٍ من أوقاتٍ دوام السموات والأرض فى الدنيا ،
لا فى الجنة ، فكأنه قال : خالدين فى الجنة ، وخالدين فى النار ، دوامَ السماء
والأرض، إلاّ ما شاء ربُّك من تعميرهم فى الدنيا قبلَ ذلك .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك عندى بالصواب ، القولُ الذى ذكرته
عن الضحاك وهو: (( وأما الذين سعدوا ففى الجنة خالدين ما دامت السموات
والأرض إلا ما شاء ربك))، من قدر مُكْثِهم فى النار ، من لدن دَخَلوها، إلى
أن أدخلوا الجنة = وتكون الآية معناها الخصوص ، لأن الأشهر من كلام العرب
فى ((إلا)) توجيهها إلى معنى الاستثناء، وإخراج معنى ما بعدها مما قبلها، إلا أن
يكون معها دلالةٌ تدلُّ على خلاف ذلك. ولا دلالة فى الكلام = أعنى فى قوله :
((إلا ما شاء ربك)) = تدلُّ على أن معناها غير معنى الاستثناء المفهوم فى الكلام،
فيُوَجَّه إليه .
*
وأما قوله: ((عطاء غير مجذوذ))، فإنه يعنى: عطاءً من اللّه غيرَ مقطوع
عنهم .
من قولهم: ((جذذت الشىء أجذّه جذًّا))، إذا قطعته، كما قال النابغة: (١).
تَمُذَ السَّلُوفِىَّ المُضَاعَفَ نَسْجُهُ وَ يُوقِدْنَ بِالصَُّّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ (٢)
(١) فى المخطوطة: ((كما قال الشاعر النابغة))، وهى زيادة لا تجدى.
(٢) ديوانه: ٤٤، واللسان (حبحب)، (سلق)، (صفح )، من قصيدته المشهورة ،
يقول فيه قبله ، فى صفة سيوف الغسانيين ، وذلك فى مدحه عمرو بن الحارث الأعرج :
◌ِنّ فُكُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
ولاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ
إلى اليَوْمِ، قَدْجُرِّبنَ كُلّ النَّجَارِبِ
تُؤُرِّثْنَ مِنْ أَزْمَانِ يَوْمٍ حَلِيمةٍ
نَقُّذُّ السُّلُوْقِىّ .

٤٩٠
تفسير سورة هود : ١٠٨
يعنى بقوله: (( تجذ )» ، تقطع
#
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
. ذكر من قال ذلك :
١٨٥٨٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن
الضحاك: ((عطاء غير مجذوذ))، قال : غير مقطوع .
١٨٥٨٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((عطاء غير مجذوذ))، يقول : غير منقطع.
١٨٥٨٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
٧٣/١٢
معاوية، عن على، عن ابن عباس: ((عطاء غير مجذوذ))، يقول : عطاء غير
مقطوع .
١٨٥٨٨ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((مجذوذ))، قال: مقطوع .
١٨٥٨٩ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه ، عن
ورقاء، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: ((عطاء غير مجذوذ))، قال:
غير مقطوع .
... قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن
١٨٥٩٠ -
أبی نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن أبيه،
١٨٥٩١ -
عن الربيع ، عن أبى العالية ، مثله .
١٨٥٩٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
وهذه رواية الديوان. و((اللوق))، الدروع، منسوبة إلى ((سلوق))، وهى مدينة. و((الصفاح))
حجارة عراض. و((نار الحباخب))، الشرر الذى يسقط من الزناد. ورواية الديوان: ((وتوقد
بالصفاح))، وهما سواء.

٤٩١
تفسير سورة هود ١٠٨، ١٠٩
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
١٨٥٩٣ -.... قال، حدثنى حجاج ، عن أبى جعفر، عن الربيع
ابن أنس، عن أبى العالية، قوله: ((عطاء غير مجذوذ))، قال : أما هذه فقد
أمضاها . يقول : عطاء غير منقطع .
١٨٥٩٤ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى
قوله: ((عطاء غير مجذوذ))، غير منزُوعٍ منهم .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَا تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ
هُوَّلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَقُّوهُمْ
نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصِ﴾ (3)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم : فلا تَك
فى شك ، يا محمد، مما يعبد هؤلاء المشركون من قومك من الآلهة والأصنام، (١)
أنه ضلالٌ وباطلٌ، وأنه بالله شرك - ((ما يعبد هؤلاء إلا كما يعبد آباؤهم من قبل))،
يقول : إلا كعبادة آبائهم، من قبل عبادتهم لها . يُخبر تعالى ذكره أنهم لم
يعبدُوا ما عبدوا من الأوثان، إلا اتباعًا منهم منهاجَ آبائهم، واقتفاءً منهم
آثارهم فى عبادتهموها ، لا عن أمر الله إياهم بذلك، ولا بحجة تبيَّنوها توجب
عليهم عبادتها .
ثم أخبر جل ثناؤه نبيّه ما هو فاعل بهم لعبادتهم ذلك ، فقال جل ثناؤه :
((وإذا لموفوهم نصيبهم غير منقوص))، يعنى: حظهم مما وعدتهم أن أوفّيهموه من
(١) انظر تفسير ((المرية)) فيما سلف من فهارس اللغة (مرى).

٤٩٢
تفسير سور هود : ١٠٩
خير أو شر (١) = ((غير منقوص))، يقول: لا أنقصهم مما وعدتهم، بل أتمّ
ذلك لهم على التمام والكمال، (٢) كما: ــ
١٨٥٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان، عن جابر ،
عن مجاهد ، عن ابن عباس: ((وإنا لموفُّوهم نصيبهم غير منقوص))، قال :
ما وُعِدوا فيه من خير أو شر .
١٨٥٩٦ - حدثنا أبو كريب ، ومحمد بن بشار قالا، حدثنا وكيع، عن
سفيان، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مثله = إلاّ أن أبا كريب
قال فى حديثه : من خیرٍ وشرّ .
١٨٥٩٧ - حدثنى المثنى قال ، أخبرنا سويد قال، أخبرنا ابن المبارك ،
عن شريك ، عن جابر ، عن مجاهد ، عن ابن عباس: (( وإنا لموفوهم نصيبهم
غير منقوص ))، قال : ما قُدُّر لهم من الخير والشر.
١٨٥٩٨ - حدثنا الحسن بن يحيى قال ، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
الثورى، عن جابر، عن مجاهد ، عن ابن عباس فى قوله: ((وإنا لموفّوهم
نصيبهم غير منقوص)) ، قال : ما يصيبهم من خيرٍ أو شر .
١٨٥٩٩ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
(( وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص))، قال : نصيبهم من العذاب.
٠
(١٠) انظر تفسير ((وفى)) فيما سلف ١٤: ٣٩، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
= وتفسير ((النصيب)) فيما سلف ١٢: ٤٠٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((النقص)) فيما سلف ١٤ : ١٣٢.

١٤٩٣
تفسير سورة هود: ١٠٪
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ
فَأَخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ
وَإِنَّهُمْ لَفِى شَكٌ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١)
انانا: هلبابة
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، مسلِّبًا نبيَّه فى تكذيب مشركى قومه
إياه فيما أتاهم به من عند الله ، بفعل بنى إسرائيل بموسى فيما أتاهم به من عند الله .
يقول له تعالى ذكره : ولا يحزنك، يا محمد، تكذيب هؤلاء المشركين لك، وامض لما
أمرك به ربُّك من تبليغ رسالته، فإن الذى يفعل بك هؤلاء، من ردًّ ما جئتهم به
عليك من النَّصيحة، من فعل ضُرَبائهم من الأمم قبلهم، وسنَّةٌ من مسُنبِهم.
ثم أخبره جل ثناؤه بما فعل قوم موسى به فقال: ((ولقد آ تینا موسی الکتاب))،
يعنى التوراة، كما آتيناك الفرقان، فاختلف فى ذلك الكتاب قوم موسى،
فكذّب به بعضُهم وصدّق به بعضهم ، كما قد فعل قومك بّالفرقان ، من تصديق
بعض به، وتكذيب بعض = (( ولولا كلمة سبقت من ربك ))، يقول تعالى
ذكره : ولولا كلمة سبقت، يا محمد ، من ربك بأنه لا يعجعل على خلقه بالعذاب، ..
ولكن يتأنَّى حتى يبلغ الكتاب أجله = ((نقضى بينهم )) ، يقول : لَقضى بين
المكذب منهم به والمصدِّق ، بإهلاك الله المكذب به منهم، وإنجائه المصدق ٧٤/١٢
به = (( وإنهم لفی شك منه مریب ))، يقول : وإن المكذبين به منهم ، لنی شك
، فلا يدرون آحق
من حقيقته أنه من عند الله = ((مريب))، يقول:
:٤٢
هو أم باطلٌ ؟ ولكنهم فيه ممترون . (١)
(١) انظر تفسير ((مريب)) فيما سلف ص: ٣٧٠، تعليق: ١.
جة ريحا المخ

٤٩٤
تفسير سورة هود : ١١١
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِنَّ كُلّا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ
أَعْمَلَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر : اختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته جماعة من قرأة أهل المدينة والكوفة: ﴿وَإِنَّ) مشددة (كَلاَّ لَمَّا)
مشددة .
٠
واختلف أهل العربية فى معنى ذلك .
فقال بعض نحوبى الكوفيين: معناه إذا قرئ كذلك: وإنّ كلا لممَّا ليوفينهم
ربك أعمالهم = ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة ، فبقيت ثنتان، فأدغمت
واحدة فى الأخرى ، كما قال الشاعر : (١)
وَإِنِّي لَمِمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ إِذَا هُوَ أَعْبِ بِالسَّبِيلِ مَصَادِرُ.(٢)
ثم تخفف، كما قرأ بعض القرأة: ﴿وَالْبَغْىْ يَعِظَكُمْ﴾، [سورة النحل: ٩٠]،
تخفُّ الياء مع الياء. (٣) وذكر أن الكسائى أنشده : (٤)
(١) لم أعرف قائله .
(٢) معانى القرآن للفراء فى تفسير الآية. فى المطبوعة: ((لما)) و((أعيى بالنبيل))، وكلاهما خطأ،
صوابه من المخطوطة ومعانى القرآن. وقوله ((م))) هنا، ليست من باب ((لما)) التى يذكرها، إلا فى اجتماع
الميمات. وذلك أن قوله: ((وإن كلا لما ليوفينهم))، أصلها: ((لمن ما))، ((من)) بفتح فكون،
اسم. وأما التى فى البيت فهى (( لمن ما))، ((من)) حرف جر، ومعناها معنى ((ربما)) التكثير، وشاهدهم
عليه قول أبى حية النميرى ( سيبويه ١ : ٤٧٧) :
وَإِنَّا لَمَّا نَضْرِبُ الكَبْقَ ضَرْبَةً عَى رَأْسِهِ تُلْقِ الََّانَ مِنَ الَم
(٣) هكذا فى المخطوطة: ((تخف))، وفى المطبوعة: ((يخفف))، وأما الذى فى معانى القرآن الفراء،
وهذا نص كلامه: ((بحذف الياء))، وهو الصواب الجيد .
(٤) لم أعرف قائله.

٤٩٥
تفسير سورة هود : ١١١
وأَشْمَتَّ الْعُدَاةَ بِنَا فَأَضْحَوْا لَدَىْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقَيْنَا (١)
وقال: يريد ((لدىَّ يتباشرون بما لقينا))، فحذف ياء، لحركتهن واجتماعهن .
قال : ومثله (٢) .
مَخْرِمُ نَجْدٍ فارعِ الْمَخَارِمِ(٣
كأَنَّ مِنْ آخِرِها الْقادِمِ
وقال : أراد : إلى القادم ، فحذف اللام عند اللام .
٠ ٠
وقال آخرون : معنى ذلك إذا قرئُ كذلك : وإن كلاً شديداً وحقًّا ،
ليوفينهم ربك أعمالهم. قال: وإنما يراد إذا قرى ذلك كذلك: ((وإنّ كُلاَّ لَمَّا))،
بالتشديد والتنوين ، (٤) ولكن قارئ ذلك كذلك حذف منه التنوين ، فأخرجه
على لفظ فعل ((لمَّا))، كما فعل ذلك فى قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلُنَا تَتْرَى﴾،
[سورة المؤمنون: ٤٤]، فقرأ ((تترى)) بعضهم بالتنوين، كما قرأ من قرأ ((لمَّا))،
بالتنوين، وقرأها آخرون بغير تنوين، كما قرأ ((لمَّا)) بغير تنوين من قرأه . وقالوا :
أصله من ((اللَّمِّ)) من قول الله تعالى: ﴿وَتَأْ كُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلاً لَمَّا)،
[ سورة الفجر: ١٩]، يعنى : أكلاً شديدًا .
وقال آخرون : معنى ذلك إذا قرئ كذلك : وإنّ كلاًّ إلاّ ليوفينهم ،
كما يقول القائل: ((باللّه لَمَّا قمتَ عنا، وبالله إلاّ قمت عنا)). (٥)
#
#
(١) معانى القرآن للفراء فى تفسير الآية، وفى المطبوعة والمخطوطة: ((وأشمت الأعداء))، وهو
خطأ ، صوابه من معانى القرآن .
(٢) لم أعرف قائله .
(٣) معانى القرآن للفراء، فى تفسير الآية. وكان فى المطبوعة: ((من أحرها))، و((محرم))
و ((المحارم))، وهو خطأ. و ((المخرم))، (بفتح فسكون فكسر)، الطريق فى الجبل، وجمعه
((محارم".
(٤) هذه قراءة الزهرى، كما سيأتى ص : ٤٩٨
(٥) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لقد قمت عنا، وبالله إلا قمت عنا))، وذلك خطأ، ولا شاهد
فيه ، وصوابه من معانى القرآن الفراء ، فى تفسير الآية .

٤٩٦
تفسير سورة هود : ١١١
قال أبو جعفر : ووجدت عامة أهل العلم بالعربية ينكرون هذا القول ،
ويأبون أن يكون جائزاً توجيه ((لمّا)) إلى معنى ((إلا))، إلاّ فى اليمين خاصة.(١)
وقالوا: لو جاز أن يكون ذلك بمعنى ((إلا))، جاز أن يقال: ((قام القوم لمّا أخاك))،
بمعنى: إلا أخاك، ودخولها فى كل موضع صلح دخول ((إلا)) فيه .
قال أبو جعفر : وأنا أرى أنّ ذلك فاسد من وجه هو أبين مما قاله الذين
حكينا قولهم من أهل العربية فى فساده، وهو أنّ ((إنّ)) إثبات للشىء وتحقيق
له، و((إلا)) تحقيق أيضًا، (٢) وإنما تدخل نقضًا لححد قد تقدّمها. فإذا
كان ذلك معناها ، فواجب أن تكون عندَ متأولها التأويل الذى ذكرنا عنه ، أن
تكون ((إنّ)) بمعنى الجحد عنده، حتى تكون ((إلا))، نقضًا لها. وذلك إن
قاله قائل، قول" لا يخفى جهلُ قائله، اللهم إلا أن يخفف قارئ ((إن)) فيجعلها
بمعنى ((إن)) التى تكون بمعنى الجحد . وإن فعل ذلك ، فسدت قراءته ذلك كذلك
أيضًا من وجه آخر، وهو أنه يصير حينئذ ناصبًا ((لكل)) بقوله: ((ليوفينهم))،
وليس فى العربية أن ينصب ما بعد ((إلا)) من الفعل، الاسمَ الذى قبلها . لا تقول
· العرب: ((ما زيدًا إلا ضربت))، فيفسد ذلك إذا قرئ كذلك من هذا الوجه ،
إلا أن يرفع رافع ((الكل)) ، فيخالف بقراءته ذلك كذلك قراءة القرأة وخط مصاحف
المسلمين ، ولا يخرج بذلك من العيب ، لخروجه من معروف كلام العرب . (٣)
#
وقد قرأ ذلك بعض قرأة الكوفيين: ( وإنْ كُلاًّ)، بتخفيف (( إن )) ونصب
(كلاَّ لَمَّا) ، مشدّدة.
#
(١) فى المطبوعة، أسقط ((إلا)) الثانية، فأفسد الكلام ..
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وإلا أيضاً تحقيق أيضاً))، حذفت أولاهما، لأنه تكرار
ولا ريب .
(٣) فى المطبوعة: ((بخروجه))، والصواب من المخطوطة.

٤٩٧
تفسير سورة هود : ١١١
وزعم بعض أهل العربية أن قارئ ذلك كذلك، أراد ((إنّ )) الثقيلة فخففها ،
وذكر عن أبى زيد البصرى، أنه سمع: ((كأنْ ثَديَيْه حُقَّان))، فنصب
بـ((كأن))، والنون مخففة من ((كأنّ))، ومنه قول الشاعر: (١)
وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ كَأنْ تَدْيَيْهِ حُقَّانِ (٣)
وقرأ ذلك بعض المدنيين بتخفيف: ﴿ إِنْ﴾ ونصب (كُلَّّ﴾ وتخفيف (لَمَا﴾.
وقد يحتمل أن يكون قارئ ذلك كذلك ، قصدَ المعنى الذى حكيناه عن ٧٥/١٢
قارئ الكوفة من تخفيفه نون ((إن)) وهو يريد تشديدها، ويريد بـ (( ما )» التى فى
(( لما)»، التى تدخل فى الكلام صلة، (٣) وأن يكون قَصَد إلى تحميل الكلام معنى:
وإنّ كلاًّ ليوفينهم .
ويجوز أن يكون معناه كان فى قراءته ذلك كذلك : وإنّ كُلاًّ ليوفينهم ،
أى: ليوفين كُلاًّ = فيكون نيته فى نصب ((كل)) كانت بقوله: ((ليوفينهم)).
فإن كان ذلك أراد ، ففيه من القبح ما ذكرت ، من خلافه كلام العرب . وذلك
أنها لا تنصب بفعل بعد لام اليمين ، اسمًا قبلها .
#
وقرأ ذلك بعض أهل الحجاز والبصرة: ﴿ وَ إِنّ) مشددة ﴿ كَلاَّلَمَا)،
مخففة = ﴿ لَيُوَفِّيَنْهُمْ﴾. وهذه القراءة وجهان من المعنى :
أحدهما : أن يكون قارئها أراد: وإن كلاًّ لمَنْ ليوفينهم ربك أعمالهم،
فيوجه ((ما)) التى فى ((لما)) إلى معنى ((من)) كما قال جل ثناؤه: ﴿فَانْكِحُوا
مَا طَبَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، [سورة النساء: ٣]، وإن كان أكثر استعمال العرب
(١) من أبيات سيبويه الخمسين التى لا يعرف قائلها .
(٢) سيبويه ١: ٢٨١، رفعاً (كأن ثدياه))، وابن الشجرى فى أماليه ١: ٢٣٧ رفعاً ٢: ٣،
نصباً، والخزانة ٤: ٣٥٨، والعينى ( هامش الخزانة) ٢: ٣٠٥.
(٢) ((صلة))، أى: زيادة، انظر فهارس المصطلحات فيما سلف.
ج ١٥ (٣٢)

٤٩٨
تفسير سورة هود : ١١١
لها فى غير بنى آدم = وينوى باللام التى فى ((لما))، اللام التى تُتْلَىَّ بها
((إنْ)) جوابًا لها، وباللام التى فى قوله: ((ليوفينهم))، لام اليمين، دخلت
فيما بين ((ما )) وصلتها، كما قال جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطُّيْنَّ﴾،
[سورة النساء: ٧٢]، وكما يقال: ((هذا ما لَغَيرُه أفضلُ منه)).
والوجه الآخر: أن يجعل ((ما)) التى فى ((لما)) بمعنى (( ما)) التى تدخل صلة
فى الكلام ، واللام التى فيها هى اللام التى يجاب بها، واللام التى فى ((ليوفينهم))
هى أيضًا اللام التى يجاب بها ((إنّ))، كررت وأعيدت، إذ كان ذلك موضعها،
وكانت الأولى مما تدخلها العرب فى غير موضعها ، ثم تعيدها بعدُ فى موضعها ،
كما قال الشاعر : (١).
فَلَوْ أَنَّ قَوْمِى لَمَّ ◌َكُونُوا أَعِزَّةً لَبَعْدُ لَقَدْ لَفَيْتُ لاَ بَدَّ مَصْرَعَا(٣)
وقرأ ذلك الزهرى فيما ذكر عنه: ﴿ وَإِنَّ كَلَّ﴾ بتشديد ((إنّ))، و(لَمَّا )
بتنوينها ، بمعنى: شديداً وحَقًّا وجميعاً .
قال أبو جعفر : وأصحُّ هذه القراءات مخرجًا على كلام العرب المستفيض
فيهم، قراءة من قرأ: ﴿وَإِنَّ﴾ بتشديد نونها (كُلاَّ لَمَا﴾ بتخفيف ((ما)) ﴿لِيُوَفِيْنَهُمْ
رَبُّكَ ﴾ بمعنى : وإن كل هؤلاء الذين قَصَصنا عليك ، يا محمد ، قصصهم فى
هذه السورة ، لمن ليوفينهم ربك أعمالهم ، بالصالح منها بالجزيل من الثواب ،
وبالطالح منها بالشديد من العقاب = فتكون ((ما )) بمعنى ((مَن))، واللام التى
فيها جوابًا ل ((إنّ))، واللام فى قوله: ((ليوفينهم))، لام قسم.
(١) لم أعرف قائله.
(٢) معانى القرآن للفراء، فى تفسير الآية. وكان فى المخطوطة والمطبوعة: ((مصرعى))، وأثبت ما فى
معانى القرآن .

٤٩٩٪
تفير سورة هود : ١١٢،١١١
وقوله: ((إنه بما يعملون خبير))، يقول: تعالى ذكره: إن ربك بما يعمل
هؤلاء المشركون بالله من قومك، یا محمد ، (( خبير ))، لا يخفى عليه شيء من
عملهم ، بل يخبرُ ذلك كله ويعلمه ويحيط به ، حتى يجازيهم على جميع ذلك
جزاءهم. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ
مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: فاستقم
أنت ، يا محمد ، على أمر ربك ، والدين الذى ابتعثك به ، والدعاء إليه كما
أمرك ربك(٢) = ((ومن تاب معك))، يقول: ومن رجع معك إلى طاعة الله،
والعمل بما أمره به ربه من بعد كفره = ((ولا تطغوا))، يقول : ولا تعدُوا أمره
إلى ما نها كم عنه(٣) = ((إنه بما تعملون بصير))، يقول: إن ربكم ، أيها الناس ،
بما تعملون من الأعمال كلِّها، طاعتها ومعصيتها = (( بصير)) ، ذو علم بها ،
لا يخفى عليه منها شىء، وهو لجميعها مبصرٌ" (٤) يقول تعالى ذكره: فاتقوا اللّه ،
أيها الناس ، أن يطَّلع عليكم ربكم وأنتم عاملون بخلاف أمره ، فإنه ذو علم بما
تعملون ، وهو لكم بالمرصاد .
.وكان ابن عيينة يقول فى معنى قوله: ((فاستقم كما أمرت))، ما : -
*
١٨٦٠٠ - حدثى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
(١) انظر تفسير ((خبير)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خبر).
(٢) انظر تفسير ((الاستقامة)) فيما سلف ص : ١٨٧ .
(٣) انظر تفسير ((طغى)) فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((بصير)) فيما سلف من فهارس اللغة (بصر).

٥٠٠
تفسير سورة هود : ١١٣،١١٢
الزبير ، عن سفيان فى قوله: ((فاستقم كما أمرت))، قال: استقم على القرآن.
١٨٦٠١ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((ولا تطغوا))، قال: ((الطغيان))، خلاف اللّه، وركوب معصيته . ذلك
(( الطغيان)).
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا تميلوا ، أيها الناس ، إلى قول هؤلاء
الذين كفروا بالله ، فتقبلوا منهم وترضوا أعمالهم = ((فتمسكهم النار ))، بفعلكم
ذلك(١) = وما لكم من دون الله من ناصر ينصركم وولى" يليكم (٢) = (( ثم لا
تنصرون))، يقول: فإنكم إن فعلتم ذلك ، لم ينصركم الله ، بل يخليكم من نصرته ،
٧٦/١٢ ويسلّط عليكم عدوّ كم.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
#
١٨٦٠٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد اللّه قال، حدثنا معاوية، عن
على ، عن ابن عباس قوله: ((ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار)) ، يعنى :
الركون إلى الشرك .
١٨٦٠٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن يمان، عن أبى جعفر ، عن
الربيع، عن أبى العالية: (( ولا تركنوا إلى الذين ظلموا))، يقول: لا ترضوا أعمالهم .
(١) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٣٥٣، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الأولياء)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى).