النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ تفسير سورة هود : ٦٧ ، ٦٨، ٦٩ ((فأصبحوا فى ديارهم جائمين )) ، يقول : أصبحوا قد هلكوا . ... = ((كأن لم يغنوا فيها))، يقول: كأن لم يعيشوا فيها، ولم يعمروا بها، كما : - ١٨٢٩٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثی معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((كأن لم يغنوا فيها))، كأن لم يعيشوا فيها . ١٨٢٩٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، مثله . وقد بينا ذلك فيما مضى بشواهده ، فأغنى ذلك عن إعادته .(١) وقوله: ((ألا إن ثمود كفروا ربهم))، يقول: ألا إن ثمود كفروا بآيات ربهم فجحدوها (٢) = ((ألا بعداً لثمود))، يقول: ألا أبعد اللّه ثمود! لنزول العذاب بهم . (٣) القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمَا قَالَ سَلَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِیذ﴾﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ولقد جاءت رسلنا))، من الملائكة ، وهم فيما ذكر، كانوا جبريل وملكين آخرين ، وقيل : إن الملكين الآخرين كانا (١) انظر تفسير ((غنى)) فيما سلف ١٢ : ٥٦٩، ١٥/٥٧٠ : ٥٦. (٢) انظر ما سلف ص : ٣٦٧ . (٣) انظر تفسير ((البعد)) فيما سلف ص: ٣٣٥، ٣٦٧. ٣٨٢ تفسير سورة هود : ٦٩ ميكائيل وإسرافيل معه =(إبراهيم))، يعنى: إبراهيم خليل الله = ((بالبشرى))، معنى : بالبشارة . (١) واختلفوا فى تلك البشارة التى أتوه بها . فقال بعضهم : هى البشارة بإسحق . وقال بعضهم : هى البشارة بهلاك قوم لوط . * * * = ((قالوا سلاماً))، يقول: فسلموا عليه سلامًاً. ونصب ((سلامًا)) بإعمال ((قالوا)): فيه، كأنه قيل: قالوا قولاً وسلَّموا تسليمًاً . = ((قال سلامٌ))، يقول: قال إبراهيم لهم: سلام = فرفع ((سلامٌ))، بمعنى: عليكم السلام = أو بمعنى : سلام منكم . وقد ذكر عن العرب أنها تقول: ((سِلْمٌ)) بمعنى السلام، كما قالوا: ((حِلّ، وحلالٌ))، ((وحيرْم وحرام)). وذكر الفرَّاء أن بعض العرب أنشده : (٢) مَرَرْنَ فَقُلْنَا: إِبِهِ سِلْمٌ! فَسَلََّتْ كَمَا اكْتَلَّ بِالْبَرْقِ الفََّامُ الََّوَائِحُ(٣) (١) انظر تفسير ((البشرى)) فيما سلف من فهارس اللغة (بشر). (٢) لم أعرف قائله. والذى أنشده الفراء فى تفسير هذه الآية بيت آخر غير هذا البيت، شاهداً على حذف ((عليكم )) ، وهو قوله : فَقُلْنَا: السَّلاَمُ، فَاتَقَتْ مِنْ أَمِيرَها وَمَا كَانَ إلاَّ وَمْؤُها بالحواجِبِ وأما هذا البيت الذى هنا ، فقد ذكره صاحب اللسان فى مادة (كلل)، عن ابن الأعرابى، فلعل الفراء أنشده فى مكان آخر . (٣) اللسان (كلل)، يقال: ((انكل السحاب عن البرق، واكتل))، أى: لمع به، و ((اللوائح)) التى لاح برقها ، أى لمع وظهر. ٣٨٣٠ تفسير سورة هود : ٦٩ بمعنى: سلام. وقد روى: (( كما انكلَّ)). # وقد زعم بعضهم أن معناه إذا قرئ كذلك: نحن سِلْمٌ لكم = من ((المسالمة))، التى هى خلاف المحاربة . وهذه قراءة عامَّة قرأة الكوفيين . # وقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والبصرة: ﴿قَالُوا سَلَامَا قَالَ سَلَامٌ﴾، على أن الجواب من إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم لهم بنحو تسليمهم : عليكم السلام. ٠ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، لأن ((السلم)) قد يكون بمعنى ((السلام)) على ما وصفت، و((السلام)) بمعنى ((السلم))، لأن التسليم لا يكاد يكون إلا بين أهل السّلم دون الأعداء، فإذا ذكر تسليم من قوم على قوم ، ورَدُّ الآخرين عليهم ، دلّ ذلك على مسالمة بعضهم بعضًا . وهما مع ذلك قراءتان قد قرأ بكل واحدة منهما أهل قدوة فى القراءة، فبأيَّتهما قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ . وقوله: (( فما لبث أن جاء بعجل حنيذ)). = وأصله ((محنوذ))، صرف من ((مفعول)) إلى ((فعيل)). * # * # * وقد اختلف أهل العربية فى معناه . فقال بعض أهل البصرة منهم(١): معنى ((المحنوذ))، المشوىّ. قال: ويقال منه: ((حَنَذْتُ فرسى))، بمعنى: سخَّنَته وعرَّقته ، واستشهد لقوله ذلك ببيت الراجز : (٢) (١) هو أبو عبيدة فى مجاز القرآن . (٢) هو العجاج . ٣٨٤ تفسير سورة هود : ٦٩ ورَهِبَا مِنْ حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجًا .(١) وقال آخر منهم: ((حنذ فرسه))، أى أضمره. وقال قالوا: ((حَنّذه يحنِذُه حَنْذًا))، أى: عرَّقه . # # # وقال بعض أهل الكوفة : كل ما انشوَى فى الأرض ، إذا خَدَدَت له فيه ، فدفنته وغممته، فهو ((الحنيذ)) و((المحنوذ)). قال: والخيل تُحْنَذ، إذا ألقيت عليها الجيلال بعضُها على بعض لتعرق. قال: ويقال: ((إذا سَقَيْتَ فَأَحْنِذْ))، يعنى : أخْفِسْ، يريد : أقلّ الماء ، وأكثر النبيذ . وأما [ أهل] التأويل، فإنهم قالوا فى معناه ما أنا ذا كره، وذلك ما :- ١٨٢٩٧ - حدثنى به المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: (( بعجل حنيذ))، يقول : نضج . ١٨٢٩٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ((بعجل حنيذ))، قال: (( بعجل))، (٢) حَسِيل (١) ديوانه ٩، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٩٢، واللسان (حنذ)، (هرج)، من رجزه المشهور ، وهذا البيت من أبيات يصف حمار الوحش وأتنه ، لما جاء الصيف، وخرج بهن يطلب الماء البعيد فقال : حَتَّى إِذَا ما الصَّيْفُ كَانَ أَمَجَا وَفَرَغَا مِنْ رَغْىِ ما تَلَزَّجَا تَذَ كَّرَاعَيْنَاَ رِوَى وَفَلَجَا وَرَهِبًا مِن حَنْذِهِ أَنْ يَهْرَجَا و ((الأمج)) شدة الحر والعطش، يأخذ بالنفس. و((تلزج الكلأ)) تتبعه، و((الحنذ))، شدة الحر وإحراقه. و ((هرج البعير)) تحير وسدر من شدة الحر. (٢) ((الحسيل)) (بفتح الحاء وكسر السين): ولد البقرة. ٣٨٥ تفسير سورة هود : ٦٩ البقر = و((الحنيذ))، المشوى النضيج. ١٨٢٩٩ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى)» إلى ((بعجل حنيذ))، (١) قال: نضيج، سُخُّن، أنضج بالحجارة . ١٨٣٠٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((فما لبث أن جاء بعجل حنيذ))، و((الحنيذ))، النضيج . ١٨٣٠١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: (( بعجل حنيذ))، قال: نضيج. قال [ وقال الكلبى ] : و((الحنيذ))، الذى يُحْنذَ فى الأرض.(٢) ١٨٣٠٢ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب القمى، عن حفص بن ٤٣/١٢ حميد، عن شمر فى قوله: ((فجاء بعجل حنيذ))، قال: ((الحنيذ))، الذى يقطر ماء، وقد شوى = وقال حفص: ((الحنيذ))، مثل حينَاذ الخيل . ١٨٣٠٣ - حدثنى موسى بن هرون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط، عن السدى، قال: ذبحه ثم شواه فى الرَّضْف، (٣) فهو ((الحنيذ)) حين شواه . ١٨٣٠٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو يزيد، عن يعقوب ، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية: ((فجاء بعجل حنيذ))، قال: المشوىّ الذى يقطر . (١) كان فى المطبوعة والمخطوطة هنا ((ولما جاءت رسلنا))، وهو سهو من الناسخ، وحق التلاوة ما أثبت. وكذلك جاء سهواً منه فى نص الآية التى يفسرها أبو جعفر، وصصحتها، ولم أشر إليه هناك. (٢) الذى بين القوسين ليس فى المخطوطة، وقد تركته على حاله، وإن كنت أشك فيه ، وأرجح أنه زيادة من ناسخ آخر ، بعد ناسخ مخطوطتنا . (٣) ((الرضف)) (بفتح فسكون) الحجارة المحماة على النار. و((شواء مرضوف))، مشوى على الرضفة . ج ١٥ (٢٥) ٣٨٦ تفسير سورة هود : ٦٩. ١٨٣٠٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا هشام قال ، حدثنا يعقوب، عن حفص بن حميد، عن شمر بن عطية قال: ((الحنيذ))، الذى يقطر ماؤه ، وقد شُوِى . ١٨٣٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن الضحاك: ((بعجل حنيذ))، قال : نضيج . ١٨٣٠٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((بعجل حنيذ))، الذى أنضج بالحجارة . ١٨٣٠٨ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان : ((فما لبث أن جاء بعجل حنيذ))، قال : مشوىّ . ١٨٣٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم قال، حدثنى عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: ((حنيذ))، یعنی : شُوِى . ١٨٣١٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : ((الحناذ))، الإنضاج. (١) # قال أبو جعفر : وهذه الأقوال التى ذكرناها عن أهل العربية وأهل التفسير ، متقارباتُ المعانى بعضها من بعض . وموضع ((أن)) فى قوله: ((أن جاء بعجل حنيذ))، نصبٌ بقوله: (( فما لبث أن جاء)). (١٠) الأثر: ١٨٣١٠ - من خبر طويل، رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٦٢٧. وفيه ((التحناذ))، وكلاهما مما يزاد على معاجم اللغة. ٣٨٧ تفسير سورة هود : ٧٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَءَا أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِفَةٌ قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ لُوطٍ ﴾ (٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فلما رأى إبراهيم أيديهم لا تصل إلى العجل الذى أتاهم به ، والطعام الذى قدَّم إليهم ، نَكرهم . وذلك أنه لما قدم طعامه صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فيما ذكر ، كفّوا عن أكله ، لأنهم لم يكونوا ممن يأكله . وكان إمساكهم عن أكله ، عند إبراهيم ، وهم ضيفانه ، مستنكراً. ولم تكن بينهم معرفةٌ، وراعه أمرهم ، وأوجس فى نفسه منهم خيفة . # و کان قتادة يقول : کان إنكاره ذلك من أمرهم ، کما :- ١٨٣١١ - حدثنا بشر قال: حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة : ((فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة ))، وكانت العرب إذا نزل بهم ضيفٌ ، فلم يطعم من طعامهم ، ظنوا أنه لم يجى بخير ، وأنه يحدّث نفسه بشرّ . ١٨٣١٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر، عن قتادة فى قوله: ((فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم))، قال: كانوا إذا نزل بهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ، ظنوا أنه لم يأت بخير ، وأنه يحدّث نفسه بشرّ . ثم حدَّثوه عند ذلك بما جاءوا. ٠٠٠ وقال غيره فى ذلك ما :- ١٨٣١٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا إسرائيل ، عن الأسود بن قيس ، عن جندب بن سفيان قال : لما دخل ضيف إبراهيم عليه ٣٨٨ تفسير سورة هود : ٧٠ السلام ، قَرَّبَ إليهم العجل ، فجعلوا ينكتُون بقِداح فى أيديهم من نَبْل ، ولا تصل أيديهم إليه . نكرّهم عند ذلك.(١) يقال منه: ((نكرت الشىء أنكره)) و ((أنكرته أنكره))، بمعنى واحد، ومن ((نكرت)) و((أنكرت))، قول الأعشى: وَأَنَكَرَنْنِ، وَمَا كَانَ الَّذِى نَِكِرَتْ مِنَ الحَوَادِثِ، إِلَّ الشَّيْبَ وَالصَّلَمَا(٢) فجمع اللغتين جميعًا فى البيت ، وقال أبو ذؤيب : م .. م (٣) هَوْجَاءِ هَادِيَةٌ وَهَادٍ جُرْشُعُ فَفَكِرْنَهُ ، فَنَفَوْنَ، وَأُمْتَرَسَتْ بِهِ (١) الأثر: ١٨٣١٣ - ((الأسود بن قيس العبدى، البجلى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم : ٧٤٤٠ . و ((جندب بن سفيان))، منسوب إلى جده، وهو: ((جندب بن عبد الله بن سفيان البجلى))، كان على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم غلاماً حزوراً، كما قال هو، وهو الذى راهق، ولم يدرك بعد . مترجم فى الإصابة، وغيره، وفى التهذيب، والكبير ٢٢٠/٢/١، وابن أبى حاتم ٥١٠/١/١. (٢) ديوانه: ٧٢، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٩٣، واللسان (نكر) وغيرهما، وسيأتى فى التفسير ٢٩: ١٤٥ (بولاق)، وما يرويه أبو عبيدة، أن أبا عمرو بن العلاء قال: ((أنا قلت هذا البيت وأستغفر الله))، فلم يروه، وأنه أنشد بشاراً هذا البيت وهو يسمعه، وقيل له: إنه للأعشى ، فقال : ليس هذا من كلامه . فقلت له : يا سيدى ، ولا عرف القصيدة . ثم قال : أعمى شيطان . وهذه قصة تروى أذا فى شك منها . (٣) ديوانه، ( ديوان الهذليين) ١: ٨، وشرح المفضليات : ٨٦٧، وغيرهما، يذكر حمر الوحش ، لما شرعت فى الماء ، وسمعت حسن الصائد ، فقال : فَشَرِبْنَ ثم سَمِعْنَ حِسًّا دُونَ شَرَفُ الحِجَابُ، وَرَيْبَ قَرْعِ بَقْرَعُ وَمْيَةً مِنْ قَانِصِ مِتلِّبٍ فِى كَفِِّ جَثْنٌ أَجَتْرُّ وَأَقْطُعُ يقول: سمعن حس الصائد، يحجبه ما ارتفع من الحرة وهو ((شرف الحجاب))، ثم يقول: سمعن ما رابهن من قرع القوس وصوت الوتر، وسمعن نميمة الصائد، وهو ما ينم عليه من حركته، و((المتلبب)) المحتزم بثوبه. و((الجشء)) القضيب الذى تعمل منه القوس. و((أجش)) غليظ الصوت. و((الأقطع)) جمع (قطع)) ( بكسر فِكون)، وهو نصل بين النصلين ، صغير . يقول: فلما سمعت ذلك أنكرته فنفرت، فامترست الأتان بالحمار، أى دنت منه دنواً شديداً، من شدة ملازمتها له. و((سطعاء)) طويلة العنق، و((هادية)) متقدمة، وهو ((هاد)) متقدم، ((جرشع))، منتفخ الجئبين. ٣٨٩ تفسير سورة هود : ٧١ وقوله: ((وأوجس منهم خيفة))، يقول: أحسَّ فى نفسه منهم خيفة وأضمرها.(١) = ((قالوا لا تخف))، يقول: قالت الملائكة، لما رأت ما بإبراهيم من الخوف منهم : لا تخف منا وكن آمناً، فإنا ملائكة ربّك = ((أرسلنا إلى قوم لوط)). القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَامْرَأَتُهُ، قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وامرأته))، سارة بنت هاران بن ناحور بن ساروج بن راعو بن فالغ، (٢) وهى ابنة عم إبراهيم = ((قائمة))، قيل : كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلام الرسل وكلام إبراهيم عليه السلام . وقيل: ٤٤/١٢ كانت قائمة تخدم الرسل ، وإبراهيم جالسٌ مع الرسل . # وقوله: ((فضحكت))، اختلف أهل التأويل فى معنى قوله: ((فضحكت))، وفى السبب الذى من أجله ضحكت . فقال بعضهم : ضحكت الضحك المعروف ، تعجبًا من أنَّها وزوجها إبراهيم يخدمان ضيفانهم بأنفسهما ، تكرمةً لهم ، وهم عن طعامهم ممسكون لا يأكلون . ذكر من قال ذلك : # ١٨٣١٤ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدى قال : بعث اللّه الملائكة لتهلك قوم لوط ، أقبلت تمشى فى صورة رجال شباب ، حتى نزلوا على إبراهيم فتضيَّفوه . فلما رآهم إبراهيم أجلّهم، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين، فذبحه ثم شواه فى الرَّضْف، فهو ((الحنيذ)) وأما رواية ((هوجاءهادية))، فإنه يعنى : جريئة متقدمة. (١) انظر تفسير ((خيفة)) فيما سلف ١٣ : ٣٥٣. (٢) هكذا هنا: ((ساروج))، وفى غيره: ((ساروغ))، وهو الأكثر . ٣٩٠ تفسير سورة هود : ٧١ حين شواه . وأتاهم فقعد معهم ، وقامت سارة تخدمُهم . فذلك حين يقول : ﴿وَأَمْرَ أَتُهُ قَائِمَةٌ وَهُوَ جَالِسٌ﴾ - فى قراءة ابن مسعود. فلما قرّبه إليهم قال: ألا تأكلون؟ قالوا: يا إبراهيم، إنا لا نأكل طعامًا إلاّ بثمن. قال: فإن لهذا ثمنًا! قالوا : وما ثمنه ؟ قال : تذكرون اسم اللّه على أوّله ، وتحمدونه على آخره . فنظر جبريل إلى ميكائيل فقال : حُقَّ لهذا أن يتخذه ربه خليلاً ! فلما رأى أيديهم لا تصل إليه = يقول : لا يأكلون = فزع منهم وأوجس منهم خيفة ، فلما نظرت إليه سارة أنه قد أكرمهم وقامت هى تخدمهم ، ضحكت وقالت : عجباً لأضيافنا هؤلاء ، إنَّا نخدمهم بأنفسنا تكرمةً لهم، وهم لا يأكلون طعامنا! (١) ٠ ٠ وقال آخرون : بل ضحكت من أن قوم لوط فى غَفْلة ، وقد جاءت رُسُل الله لهلاكهم . * ذكر من قال ذلك : ١٨٣١٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قال : لما أوجس إبراهيم خيفةً فى نفسه، حدَّثوه عند ذلك بما جاءوا فيه ، فضحكت امرأته، وعجبت من أن قومًا أتاهم العذاب ، وهم فى غفلة . فضحكت من ذلك وعجبت = (( فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب)). ١٨٣١٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر ، عن قتادة أنه قال : ضحكت تعجبًا مما فيه قوم لوط من الغفلة ، ومما أتاهم من العذاب . # وقال آخرون : بل ضحكت ظنًّا منها بهم أنهم يريدون عمل قوم لوط . « ذكر من قال ذلك : ١٨٣١٧ - حدثنا الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو معشر، (١) الأثر: ١٨٣١٤ - رواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ١٢٨. ٣٩١ تفسير سورة هود : ٧١ عن محمد بن قيس فى قوله: ((وامرأته قائمة فضحكت))، قال: لما جاءت الملائكة ظنَّت أنهم يريدون أن يعملوا كما يعمل قوم لوط . # وقال آخرون : بل ضحكت لما رأت بزوجها إبراهيم من الرَّوع . * ذكر من قال ذلك : ١٨٣١٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الكلبى: ((فضحكت))، قال: ضحكت حين راعُوا إبراهيم، مما رأت من الروع بإبراهيم. وقال آخرون : بل ضحكت حين بُشرّت بإسحق، تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسنّ زوجها . « ذكر من قال ذلك : ١٨٣١٩ - حدثنى المثنى قال ، إسحق قال ، حدثنا إسمعيل بن عبد الكريم قال، حدثنى عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول: لما أتى الملائكة إبراهيم عليه السلام ، فرآهم ، راعه هيئتهم وجمالهم، فسلموا عليه وجلسوا إليه ، فقام فأمر بعجل سمين ، فحُنِذَ له ، فقرّب إليهم الطعام = ((فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة))، وسارة وراء البيت تسمع ، قالوا : لا تَخَفْ إنَّا نبشرك بغلام حليم مبارك! وبشّر به امرأته سارة ، فضحكت وعجبت : كيف يكون لى ولد وأنا عجوز ، وهو شيخ كبير ؟ فقالوا : أتعجبين من أمر الله ، فإنه قادر على ما يشاء ! فقد وهبه الله لكم ، فأبشروا به . ... وقد قال بعض من كان يتأول هذا التأويل : إن هذا من المقدّم الذى معناه التأخير ، كأنّ معنى الكلام عنده : وامرأته قائمة فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب ، فضحكت وقالت : يا ويلتا أألد وأنا عجوز ؟ ٣٩٢ تفسير سورة هود : ٧١ وقال آخرون: بل معنى قوله: (( فضحكت )) فى هذا الموضع ، فحاضت . • ذكر من قال ذلك : ١٨٣٢٠ - حدثنى سعيد بن عمرو السكونى قال، حدثنا بقية بن الوليد ، عن على بن هرون ، عن عمرو بن الأزهر ، عن ليث ، عن مجاهد فى قوله : ((فضحكت))، قال: حاضت، وكانت ابنة بضع وتسعين سنة. قال: وكان إبراهيم ابن مئة سنة .(١) وقال آخرون : بل ضحكت سرورًا بالأمن منهم ، لما قالوا لإبراهيم : # ٤٥/١٢ ((لاتخف))، وذلك أنه قد كان خافهم، وخافتهم أيضًا كما خافهم إبراهيم . فلما أُمِنَت ضحكت ، فأتبعوها البشارة بإسحق . # ٠ ٠ وقد كان بعض أهل العربية من الكوفيين يزعم أنه لم يسمع ((ضحكت ))، بمعنى : حاضت، من ثقة .(٢) وذكر بعض أهل العربية من البصريين : أن بعض أهل الحجاز أخبره عن بعضهم: أن العرب تقول: ((ضحكت المرأة))، حاضت . قال: وقد قال : (١) الأثر: ١٨٣٢٠ - ((على بن هرون))، مضى برقم: ٦٥٢١، وكتبت هناك أنى أظنه (((يزيد بن هرون))، وهذا ظن خطأ، دل عليه هذا الإسناد، فهو هناك أيضاً: ((سعيد بن عمرو السكونى ، عن بقية بن الوليد، عن على بن هرون))، ومثل هذا الخطأ لا يكاد يتفق على بعد ما بين الكلامين. والصواب أن ((على بن هرون)) مجهول، فإن ((بقية بن الوليد)) مشهور بالرواية عن هؤلاء المجهولين، وكان يحدث بالمناكير عن هؤلاء المجاهيل، وكان يأخذ عن كل من أدبر وأقبل. فهذا ((على ابن هرون)» من أدبر أو أقبل ! ! وأما ((عمرو بن الأزهر العتكى))، فهو كذاب يضع الحديث، وكان أبو سعيد الحداد يقول : ((كان عمرو بن الأزهر يكذب مجاوبة))، قيل له: ((كيف هذا))؟ قال: ((رجل أسلم ثوباً إلى حائك ينسجه)) !! مترجم فى ابن أبى حاتم ٢٢١/١/٣، وتاريخ بغداد ١٢: ١٩٣، وميزان الاعتدال ٢: ٢٨١، ولسان الميزان ٤: ٣٥٣. فهذا خبر هالك من جميع نواحيه . (٢) هذه مقالة الفراء فى معانى القرآن، فى تفسير الآية. ٢٩٢ تفسير سورة هود : ٧١ ((الضحك))، الحيض. وقد قال بعضهم: ((الضحك)) الثَّغْرُ، (١) وذكر بيت أی ذؤيب : هُوَ الضَّحْكُ إلَّا أَنَّهُ عَلُ النَّحْل (٢) فَجَاءَ بِمِزْيجٍ لمَ يَرَ النَّاسُ مِْلَهُ وذكر أنَّ بعض أصحابه أنشده فى ((الضحك))، بمعنى الحيض: (٣) وَضِحْكُ الأُرَانِبِ فَوْقَ الصَّفَا كَمِثْلِ دَمِ الجُوْفِ يَوْمَ اللَّا(٤) قال : وذكر له بعض أصحابه أنه سمع للكميت : فَأضْحَكَتِ الضَّبَاعَ سُيُفُ سَعْدٍ بِقَتْلَى مَا دُفِنَّ ◌َلاَ وُدِيناً(٥) وقال: يريدُ الحيض. قال: وبلحرث بن كعب يقولون: ((ضحكت النخلة ))، إذا أُخرجت الطَّلع أو البُسْر. وقالوا: ((الضَّحْك))، الطلع. قال: وسمعنا من يحكى: ((أضحكت حوضًا))، أى: ملأته حتى فاض . قال: وكأن المعنى قريبٌ بعضه من بعض كله ، لأنه كأنه شىءٌ يمتلى فيفيض . # (١) فى المطبوعة: ((الضحك العجب))، وفى المخطوطة: ((العسى)) سيئة الكتابة، كأنه لم يحسن قراءة المخطوطة التى نقل عنها ، والبيت الذى استشهد به دال على صواب ما أثبتناه . (٢) ديوانه ( ديوان الهذليين) ٤٢:١، واللسان (ضحك)، وغيرهما ، من قصيدة من عجائبه، ذكر فى آخرها الخمر ، وكيف تزودها من أهل مصر وغزة، وأقبل بها يقطع الأرض ، حتى بات بمزدلفة ( جمع) ، ومنى ، فقال قبل البيت : فَاتَ بِمْعِ، ثُمَّ ثَمَّ إِلَى مِّى فَأَصْبَحَ رَأْداً يبتغى المِّجَ بِالسَّخْلِ وقوله: ((رأداً))، أى طالبا، و((المزج)) العسل، يمزج بالخمر، و((السحل)) يعنى: بنقد الدراهم. يقول: فلما طلب ذلك ((المزج)) اشترى بماله ((مزجاً))، أى: عسلا، كأنه ثغر حسناء فى بياضه وصفائه ورقته. هكذا قالوا، وفى النفس منه شىء. وأجود منه عندى أن يقال إن ((الضحك)) فى هذا البيت ، هو طلع النخل حين ينشق عما فى جوفه ، وهو أبيض شديد البياض والنقاء . (٣) لم أعرف قائله . (٤) اللسان ( ضحك). (٦) اللسان (ضحك)، من قصيدة له مشهورة، لم أجدها مجموعة فى مكان، ويزعمون أن الضبع تحيض ، إذا أكلت لحوم الناس أو شربت دماءهم . وكان ابن دريد يرد هذا ويقول : من شاهد الضباع عند حيضها فيعلم أنها تحيض ؟ ٣٩٤ تفسير سورة هود : ٧١ قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التى ذكرت فى ذلك بالصواب، قولُ من قال: معنى قوله: ((فضحكت))، فعجبت من غفلة قوم لوط عمَّا قد أحاط بهم من عذاب الله وغفلتهم عنه . وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب ، لأنه ذكر عقيب قولهم لإبراهيم : ((لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط)). فإذا كان ذلك كذلك، وكان لا وجه للضحك والتعجب من قولهم لإبراهيم: ((لا تخف))، كان الضحك والتعجب إنما هو من أمر قوم لوط . # # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾ ﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فبشّرنا سارة ، امرأة إبراهيم ، ثوابًا منا لها على نكيرها وعجبها من فعل قوم لوط = ((بإسحق))، ولدًا لها = ((ومن وراء إسحق يعقوب))، يقول: ومن خلف إسحق يعقوب ، من ابنها إسحق . ٠ ٠ ٠ و ((الوراء))، فى كلام العرب، ولد الولد، وكذلك تأوَّله أهل التأويل . « ذكر من قال ذلك : ١٨٣٢١ - حدثنا حميد بن مسعدة قال، حدثنا بشر بن المفضل قال، حدثنا داود، عن عامر قال: ((ومن وراء إسحق يعقوب))، قال: ((الوراء))، ولد الولد . ١٨٣٢٢٠ - حدثنا عمرو بن على، ومحمد بن المثنى قال كلُّ واحد منهما، حدثنى أبو اليسع إسمعيل بن حماد بن أبى المغيرة مولى الأشعرى قال : كنت إلى جنب جدّى ، أبى المغيرة بن مهران ، فى مسجد علىّ بن زيد، فر بنا الحسنُ ابن أبى الحسن فقال : يا أبا المغيرة ، من هذا الفتى ؟ قال : ابنى من ورائى. ٣٩٥ تفسير سورة هود : ٧١ فقال الحسن: ((فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب)).(١) ١٨٣٢٣ - حدثنا عمرو بن على، ومحمد بن المثنى قالا، حدثنا محمد بن أبى عدى قال ، حدثنا داود بن أبى هند، عن الشعبى فى قوله: (( فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب))، قال: ولد الولد هو ((الوراء)). ١٨٣٢٤ - حدثنى إسحق بن شاهين قال حدثنا . خالد ، عن داود ، عن عامر فى قوله: ((ومن وراء إسحق يعقوب))، قال: ((الوراء))، ولد الولد . ١٨٣٢٥ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية ، عن داود ، عن الشعبى ، مثله . ١٨٣٢٦ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا أبو عمرو الأزدى قال : سمعت الشعبى يقول : ولد الولد ، هم الولد من الوَرَاء . ١٨٣٢٧ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ، عن حبيب بن أبى ثابت قال : جاء رجل إلى ابن عباس ومعه ابن ابنه ، فقال : من هذا معك؟ قال : هذا ابن ابنى . قال : هذا ولدُك من الوراء! قال : فكأنه شقَّ على ذلك الرجل ، فقال ابن عباس: إن الله يقول: ((فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب )) ، فولد الولد هم من الوراء . ١٨٣٢٨ - حدثی موسی بن هرون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدى قال: لما ضحكت سارة. وقالت: ((عجبًا لأضيافنا هؤلاء، إنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم ، وهم لا يأكلون طعامنا))! قال لها جبريل: أبشرى بولد اسمُه إسحق ، ومن وراء إسحق يعقوب. فَضربتْ وَجْهَهَا عجبًا، فذلك قوله: ﴿ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾، [سورة الذاريات: ٢٩]. وقالت: ((أألد (١) الأثر: ١٨٣٢٢ - ((أبو اليسع))، إسماعيل بن حماد بن أبى المغيرة، مولى الأشعرى))، لم أجده فى مكان آخر . والذى وجدته : ٤٦/١٢ ((إسماعيل بن حماد بن أبى سليمان، مولى الأشعرى))، مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٥١/١/١، وابن حاتم ١٦٤/١/١، وروى عنه ((عمر بن على بن مقدم))، ولم يروعنه ((عمرو بن على الفلاس))، وإذاً فليس هو هو . فيبقى مجهولا حتى نجد له ترجمة . ٣٩٦ تفسير سورة هود : ٧١ وأنا عجوزوهذا بعلى شيخًا إن هذا لشىء عجيب))، قالوا: ((أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد))، قالت سارة : ما آية ذلك ؟ قال : فأخذ بيده عودًا يابسا فلواه بين أصابعه ، فاهتز أخضر . فقال إبراهيم : هُو اللّه إذاً ذبيحًاً. ١٨٣٢٩ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : ((فضحكت)) = يعنى سارة ، لما عرفت من أمر الله جل ثناؤه ، ولما تعلم من قوم لوط = فبشروها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب = بابن، وبابن ابن. فقالت: وصكت وجهها = يقال: ضربت على جبينها = (( يا ويلتاءألد وأنا عجوز))، إلى قوله: (( إنه حميد مجيد)). # واختلفت القرأة فى قراءة ذلك . فقرأته عامة قرأة العراق والحجاز: ﴿ وَمِنْ وَرَاءِ إسْحَقَ يَعْقُوبُ)، برفع ((يعقوب))، ويعيد ابتداء الكلام بقوله: ((ومن وراء إسحق يعقوب)). وذلك ، وإن كان خبراً مبتدأ ، ففيه دلالة على معنى التبشير. ٠ ٠٠ وقرأه بعض قرأة أهل الكوفة والشأم، ﴿وَمِنْ وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ﴾، نصبًاً. فأما الشأى منهما ، فذكر أنه كان ينحو بـ ((يعقوب))، نحو النصب ، بإضمار فعل آخر مشاكل للبشارة ، كأنه قال : ووهبنا له من وراء إسحق يعقوب . فلما لم يظهر ((وهبنا))، عمل فيه ((التبشير))، وعطف به على موضع ((إسحق)). إذا كان ((إسحق))، وإن كان مخفوضًا، فإنه بمعنى المنصوب بعمل (( بشرنا))، فيه ، كما قال الشاعر : (١) أَوْ مِثْلَ أُسْرَةِ مَنْظُورٍ بِنِ سَيَّارٍ (٣) حِثِ بِمِثْلِ بَنِ بَدْرٍ لِقَوْمِهِمِ (١): هو جرير . (٢) ديوانه: ٣١٢، ٣١٣، ونقائض جرير والأخطل: ١٤٤، وسيبويه ١: ٤٨، ٨٦، والفراء فى معانى القرآن، فى تفسير الآية، من جياد قصائده فى هجاء الأخطل ، يقول له : ٣٩٧ تفسير سورة هود : ٧١ أُوْ حَارِثَاً، يَوْمَ نَادَى القَوْمُ: يَاحَارِ! أُوْ عَامِرَ بْنَ طُفَيْلٍ فِى مُرَكْبِهِ ... وأما الكوفىّ منهما ، فإنه قرأه بتأويل الخفض ، فيما ذكر عنه ، غير أنه نصبه لأنه لا يُجْرَى . وقد أنكر ذلك أهل العلم بالعربية، من أجل دخول الصفة بين حرف العطف والاسم.(١) وقالوا: خطأ أن يقال: ((مررت بعمرٍو فى الدَّار وفى الدار زيد))، وأنت عاطفبـ ((زيد)) على ((عمرو))، إلا بتكرير الباء وإعادتها. فإن لم تعد ، كان وجهُ الكلام عندهم الرفع ، وجاز النصبُ، فإن قُدّم الاسم على الصفة، جاز حينئذ الخفض. وذلك إذا قلت: ((مررت بعمرٍو فى الدار، وزيدٍ فى البيت)). وقد أجاز الخفضَ، والصفةُ معترضةٌ بين حرف العطف والاسم ، بعضُ نحوبى البصرة . # قال أبو جعفر: وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب عندى، قراءةُ من قرأه رفعًا، لأن ذلك هو الكلام المعروف من كلام العرب ، والذى لا يتناكره أهلُ العلم بالعربية ، وما عليه قرأةُ الأمصار. فأما النَّصب فيه، فإن له وجهًا، غير أنّى لا أحبُّ القراءة به ، لأن كتابَ الله نزلَ بأفصح ألسُن العرب، والذى هـ أولى بالعلم بالذى نزل به من الفصاحة . يَا غُزْرَ تَغْلِبَ دَارَ الدُّلِّ والعَارِ لاَ تَفْخَرَنَّ، فإنَّ اللهَ أَنْزَلَكُمْ لِلِمُسْلِينَ، ولاَ مُسْتَشْهَدٌ شَارِى مَا فِيَكُمُ حَكَمٌ تُرْضَى حُكُومَتُهُ ثم يقول البيتين ، وبينهما بيت ثالث : أوْ مَثْلَ آلِ زُهَيْرٍ، والقَنَا قِصَدٌ وَاَخَيْلُ فِى رَهَجٍ مِنْهَا وَإِعْصَارِ وهو فى هذه القصيدة يفخر ببنى قيس عيلان بن مضر بن نزار جميعاً ، على بنى ربيعة بن نزار ، وهم جذم الأخطل التغلبى. فذكر ((بنى بدر))، الفزاريين من قيس عيلان، و((منظور بن سيار الفزارى))،و((آل زهير بن جذيمة))، العبسيين، و((عامر بن الطفيل)) من بنى جعفر بن كلاب، و ((الحارث بن ظالم المرى))، من بنى ذبيان، ثم تابع ذكر سائر قبائل قيس. (١) ((الصفة)) يعنى حرف الجر، كما سلف مراراً، انظر فهارس المصطلحات. ٣٩٨ تفسير سورة هود : ٧٢، ٧٣ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قَالَتْ يُوَيْلَتَىّ ءَأَلِّدُ وَأَنَاْعَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَىُّ عَجِيبٌ ﴾ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِاللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَ كَتُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ، حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قالت سارة لما بُشِّرت بإسحق أنَّها تلد، تعجبًا مما قيل لها من ذلك، إذ كانت قد بلغت السن التى لا يلد من كان قد بلغتها من الرجال والنساء = وقيل: إنها كانت يومئذ ابنة تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مئه سنة . وقد ذكرت الرواية فيما روى فى ذلك عن مجاهد قبلُ.(١) وأما ابن إسحق فإنه قال فى ذلك ما :- ١٨٣٣٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق قال : كانت سارة يوم بُشِّرت بإسحق، فيما ذكر لى بعض أهل العلم ، ابنة تسعين سنة ، وإبراهيم ابن عشرين ومئة سنة . ٠ ٥ = ((يا ويلتا))، وهى كلمة تقولها العرب عند التعجب من الشىء، والاستنكار للشىء. فيقولون عند التعجب: (( وَيَلُّ امُّه رجلاً ما أرْجَله))!(٢) وقد اختلف أهل العربية فى هذه الألف التى فى ((يا ويلتا)). فقال بعض نحوبى البصرة: هذه ألف حقيقة، إذا وقفت قلت: (( يا ويلتاه ))، (١) انظر ما سلف رقم: ١٨٣٢٠. (٢) انظر تفسير ((الويل)) فيما سلف ٢ : ٢٦٧ - ٢٦٩، ٢٧٣. ٣٩٩ تفسير سورة هود : ٧٢ ، ٧٣ وهى مثل ألف الندبة ، فلطفت من أن تكون فى السكت ، وجعلت بعدها الهاء ، لتكون أبين لها ، وأبعد فى الصوت . ذلك لأن الألف إذا كانت بين حرفين ، كان لها صدى، كنحو الصوت يكون فى جَوْف الشىء فيتردد فيه، فتكون أكثر ٧٤/١٢ وأبين . وقال غيره: هذه ألف الندبة، فإذا وقفت عليها فجائز ، وإن وقفت على الهاء فجائزٌ. وقال : ألا ترى أنهم قد وقفوا على قوله: ﴿ويَدْءُو الإنْسَانُ﴾، [سورة الإسراء: ١١]، فحذفوا الواو وأثبتوها، وكذلك: ﴿ماكُنَّا نَبْغِى﴾، [سورة الكهف: ٦٤]، بالياء، وغير الياء . قال : وهذا أقوى من ألف الندبة وهائها . ٠ ٠ ٠ قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى أنَّ هذه الألف ألف الندبة ، والوقف عليها بالهاء وغير الهاء جائز فى الكلام ، لاستعمال العرب ذلك فى كلامهم . وقوله: (((ألد وأنا عجوز))، تقول: أنى يكون لى ولد = ((وأنا عجوز وهذا بعلى شيْخًا )). ٠٠ ٠ و((البعل))، فى هذا الموضع، الزوج. وسمى بذلك، لأنه قَيِّم أمرها، كما سموا مالك الشىء ((بعله))، وكما قالوا للنخل التى تستغنى بماء السماء عن سفى ماء الأنهار والعيون ((البعل))، لأن مالكَ الشىء القيِّمُ به، والنخل البعلُ، بماء السماء حياته . (١) ٠ ٠ ٠ وقوله = ((إن هذا لشىء عجيب))، يقول: إن كون الولد من مثلى ومثل بعلى، على السن التى بها نحن، لشىء عجيب = (( قالوا أتعجبين من أمر اللّه))، (١) انظر تفسير ((البعل)) فيما سلف ٤: ٥٢٦، ٩/٥٢٧: ٢٦٧، ولم يذكر فيهما مثل هذا التفصيل فى معناه . وهذا من فعله ، دال على طريقته فى التأليف . ٤٠٠ : تفسير سورة هود : ٧٣، ٧٤، ٧٥ يقول الله تعالى ذكره: قالت الرسل لها: أتعجبين من أمرٍ أمرَ الله به أن يكون، وقضاء قضاه الله فيك وفى بعلك . = وقوله: ((رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت))، يقول: رحمة الله وسعادته لكم أهل بيت إبراهيم (١) = وجعلت ((الألف واللام))، خلفًا من الإضافة = وقوله: ((إنه حَميدٌ مجيد))، يقول : إن اللّه محمود فى تفضله عليكم بما تفضل به من النعم عليكم وعلى سائر خلقه (٢) = ((مجيد))، يقول: ذو مجد ومَدْح وَثَناء كريم . # يقال فى ((فعل)) منه: ((مَجُد الرجل يمجُدُ مَجَادَةً)، إذا صاركذلك. وإذا أردت أنك مدحته قلت: ((مجَّدته تمجيداً)). القول فى تأويل قوله تعالى﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَ هِيمَ الرَّوْعُ وَجَآَتْهُ الْبُشْرَىُ يُجَدِلُنَا فِى قَوْمٍ لُوطِ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوهُ مُنِيبُ) ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : فلما ذهب عن إبراهيم الخوفُ الذى أوجسه فى نفسه من رسلنا ، حين رأى أيديهم لا تصل إلى طعامه ، وأمن أن يكون قُصد فى نفسه وأهله بسوء = ((وجاءته البشرى)، بإسحق، ظَلّ= ((يجادلنا فى قوم لوط)). ٠ ٠ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : ١٨٣٣١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة (١٠) انظر تفسير ((البركات)) فيما سلف من فهارس اللغة (برك). (٢) انظر تفسير ((الحميد)) فيما سلف ه : ٩/٥٧٠: ٢٩٦.