النص المفهرس

صفحات 241-260

٢٤١
تفسير سورة هود : ٦
١٧٩٦١ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبامعاذ يقول ،
أخبرنا عبيد بن سلمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( وما من دابة فى
الأرض إلاّ على اللّه رزقها))، يعنى كلّ دابة ، والناسُ منهم.
وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يزعم أن كل مالٍ فهو
((دابة)) (١) = وأن معنى الكلام: وما دابة فى الأرض = وأن ((من)) زائدة. (٢).
٠
وقوله: (( ويعلم مستقرها ))، حيث تستقر فيه، وذلك مأواها الذى تأوى إليه ليلاً
أو نهارًا = ((ومستودعها)) الموضع الذى يودعها، إما بموتها، فيه، أو دفنها . (٣)
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٩٦٢ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
ابن التيمى ، عن ليث ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس قال :
(مستقرها))، حيث تأوى = (( ومستودعها )) ، حيث تموت .
١٧٩٦٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
معاوية، عن على ، عن ابن عباس قوله: ((ويعلم مستقرها)) ، يقول : حيث
تأوى = ((ومستودعها))، يقول: إذا ماتت.
(١) فى المطبوعة: ((كل مناش فهو دابة))، والذى أثبته هو نص المخطوطة، و((المال)) عند
العرب ، الإبل والأنعام، وسائر الحيوان مما يقتنى. وهذا وجه . ولكن الذى فى مجاز القرآن ، وهذا نص
كلامه، فهو ((كل آكل))، ولا قدرة لى على الفصل فى صواب ما قاله أبو عبيدة، لأن نسخة المجاز
المطبوعة ، ربما وجد فيها خلاف لما نقل عن أبى عبيدة فى الكتب الأخرى .
(٢) هذا نص أبى عبيدة فى مجاز القرآن ١: ٢٨٥.
(٣) انظر تفسير ((المستقر))، و((المستودع)) فيما سلف ١ : ٥٣٩ /١١ : ٤٣٤، ٥٦٢ -
١٢/٥٧٢ : ٣٥٨، ٠٣٥٩
ج ١٥ (١٧)

٢٤٢
تفسير سورة هود : ٦
١٧٩٦٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا المحاربى ، عن ليث، عن الحكم،
١٢/ عن مقسم، عن ابن عباس: ((يعلم مستقرها ومستودعها))، قال: ((المستقر))،
حيث تأوى = و((المستودع)) ، حيث تموت .
#
#
وقال آخرون: ((مستقرّها))، فى الرحم = ((ومستودعها))، فى الصلب.
ذكر من قال ذلك :
١٧٩٦٥ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((ويعلم مستقرها))، فى الرحم = ((ومستودعها))،
فى الصلب، مثل التى فى ((الأنعام)).(١)
١٧٩٦٦ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((ويعلم مستقرها ومستودعها))،
فالمستقر ما كان فى الرحم ، والمستودع ما كان فى الصلب .
١٧٩٦٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ يقول ،
أخبرنا عبيد قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((ويعلم مستقرها))، يقول : فى
الرحم = ((ومستودعها))، فى الصلب .
*
#
وقال آخرون: ((المستقر))، فى الرحم = و((المستودع))، حيث تموت.
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧٩٦٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، ويعلى، وابن فضیل، عن
إسمعيل، عن إبراهيم، عن عبد الله: ((ويعلم مستقرّها ومستودعها))، قال:
((مستقرها))، الأرحام = ((ومستودعها))، الأرض التى تموت فيها .
. قال، حدثنا عبيد اللّه، عن إسرائيل، عن السدى،
١٧٩٦٩ -
(١) انظر تفسير ((سورة الأنعام)) ١١: ٥٦٢ - ٥٧٢، والآثار هناك ..

٢٤٣
تفسير سورة هو : ٦
عن مرة، عن عبد الله: ((ويعلم مستقرها ومستودعها))، ((المستقر)) الرحم، و((المستودع))
المكان الذى تموت فيه .
وقال آخرون: (( مستقرها))، أيام حياتها = ((ومستودعها)) ، حيث تموت فيه .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٩٧٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الرحمن
ابن سعد قال ، أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس قوله: (( ويعلم مستقرها
ومستودعها))، قال: ((مستقرها))، أيام حياتها = ((ومستودعها))، حيث تموت ،
ومن حيث تُبْعث .
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القول الذى اخترناه فيه، لأن الله جل ثناؤه أخبر
أن ما رُزقت الدواب من رزق فمنه ، فأولى أن يتبع ذلك أن يعلم مثواها ومستقرّها ،
دون الخبر عن علمه بما تضمنته الأصلاب والأرحام .
*
ويعنى بقوله: ((كل فى كتاب مبين))، [ مبين] عدد كل دابة، (١) ومبلغ
أرزاقها ، وقدر قرارها فى مستقرّها ، ومدة لبثها فى مستودعها . كل ذلك فى كتاب
عند الله مثبت مكتوب = (( مبين)) ، يبين لمن قرأه أن ذلك مثبت مكتوب قبل
أن يخلقها ويوجدها . (٢)
وهذا إخبارٌ من الله جل ثناؤه الذين كانوا يثنون صدورهم ليستخفوا منه ، أنه
قد علم الأشياء كلها وأثبتها فى كتاب عنده قبل أن يخلقها ويوجدها .
يقول لهم تعالى ذكره : فمن كان قد علم ذلك منهم قبل أن يوجدهم ، فكيف
يخفى عليه ما تنطوى عليه نفوسهم إذا ثنوا به صدورهم ، واستغشوا عليه ثيابهم ؟
(١) زدت ما بين القوسين، لأنى رجحت أنه حق الكلام، وأن الناسخ ظن أنه تكرار فتركه .
(٢) انظر تفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين).

٢٤٤
تفسير سورة هود : ٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَيِنِ قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوتُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْذَ هَذَا إِلَّا سِخْرٌ مُّبِينٌ﴾ (٢)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : الله الذى إليه مرجعكم، أيها الناس، جميعاً
= ((هو الذى خلق السموات والأرض في ستة أيام))، يقول: أفيعجز من خلق ذلك
من غير شىء ، أن يعيد كم أحياءً بعد أن يميتكم ؟
وقيل : إن الله تعالى ذكره خلق السموات والأرض وما فيهن فى الأيام الستة،
فاجتُزِئٌ فى هذا الموضع بذكر خلق السموات والأرض، من ذكر خلق ما فيهنّ.
١٧٩٧١ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال ، أخبرنى إسمعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله
ابن رافع مولى أم سلمة ، عن أبى هريرة قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيدى فقال : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق
الشجر فيها يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ،
وبثّ فيها من كل دابة يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر من يوم الجمعة
فى آخر الخلق، فى آخر ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل . (١)
(١) الأثر: ١٧٩٧١ - هذا حديث صحيح، رواه مسلم فى صحيحه ١٧: ١٢٣، ورواه أحمد
فى مسنده ٢ : ٣٢٧، رقم: ٨٣٢٣ من ترقيم أخى رحمة الله عليه، فى الجزء الذى لم يطبع من
المسند . ورواه أبو جعفر فى تاريخه ١: ٢٨، ٢٩، ٣٢، جميعها من طريق القاسم بن بشر بن
معروف ، والحسين بن على الصدائى، عن حجاج، فهو صدر إسناد آخر غير هذا الإسناد ، وإن اتفق
سائره .

٢٤٥
تفسير سورة هود : ٧
١٧٩٧٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((فى ستة أيام ))، قال: بدأ خلق الأرض فى يومين ، وقدّر
فيها أقواتها فى يومين .
١٧٩٧٣ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن
أبى صالح ، عن كعب قال : بدأ الله خلق السموات والأرض يوم الأحد والاثنين
والثلاثاء والأربعاء والخميس ، وفرغ منها يوم الجمعة ، فخلق آدم فى آخر ساعة
من يوم الجمعة . قال : فجعل مكان كل يوم ألف سنة .
١٧٩٧٤ - وحدثت عن المسيب بن شريك، عن أبى روق، عن الضحاك: ٤/١٢
((وهو الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام))، قال : من أيام الآخرة ، كل
يوم مقداره ألف سنة. ابتدأ فى الخلق يوم الأحد، وختم الخلق يوم الجمعة ،
فسميت ((الجمعة))، وسَبّت يوم السبت ، فلم يخلق شيئاً .
وقوله: ((وكان عرشه على الماء))، يقول : وكان عرشه على الماء قبل أن يخلق
السموات والأرض وما فيهن ، (١) كما : -
١٧٩٧٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((وكان عرشه على الماء))،
قبل أن يخلق شيئاً .
١٧٩٧٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، نحوه .
هذا وقد نبتت ذابتة تريد أن تبطل نحو هذا الحديث بالرأى ، ثم بالطعن فى الصحابى الجليل أبى هريرة.
وسلك بعضهم إلى هذا مسلكاً معيباً عند أهل العلم ، فى استجلاب ضروب من الملفقات ، يريد بها مذمة
رجل من أصحاب رسول اللّه، غير متثبت من الأصل الذى يبنى عليه. فاللهم احفظ دينك من أهوائنا،
فىا أهلك الدين والدنيا غير الهوى المسلط على عقولنا ونفوسنا. وفى هذا الأمر مقال ليس هذا مكانه .
(١) انظر تفسير (العرش)) فيما سلف ١٢: ٤٨٢ /١٤: ١٥/٥٨٧: ١٨.

٢٤٦
تفسير سورة هود : ٧
١٧٩٧٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٩٧٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
((وكان عرشه على الماء))، ينبئكم ربكم تبارك وتعالى كيف كان بدءُ خلقه قبل أن
يخلق السموات والأرض .
١٧٩٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة: ((وكان عرشه على الماء ))، قال : هذا بدء خلقه قبل أن
يخلق السماء والأرض .
١٧٩٨٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد ، عن
يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حُدُس ، عن عمه أبى رزين العقيلى قال : قلت :
يا رسول الله، أين كان ربّنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: فى حَمَاءِ، (١)
ما فوقه هواء ، وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه على الماء . (٢)
١٧٩٨١ - حدثنا ابن وكيع ، ومحمد بن هرون القطان الرازقى قالا، حدثنا
يزيد بن هرون ، عن حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن
(١) ((العماء))، فى كلام العرب، السحاب. قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ((وإنما تأولنا هذا
الحديث على كلام العرب المعقول عنهم ، ولا ندرى كيف كان ذلك العماء)). وهذه كلمة عالم يعقل عن
ربه ، ولا يتنكر لخبر رسوله المبلغ عنه، العارف بصفاته، ويقاس عليه مثله مما ورد فى أحاديث بدء الخلق
وأشباهها، ما صح إسناد الخبر عن ذبى اللّه، بأبى هو وأمى. ونقل الترمذى فى سننه عن أحمد، عن يزيد
ابن هرون: ((العماء: أى ليس معه شىء)).
(٢) الأثر: ١٧٩٨٠ - ((حماد))، هو ((حماد بن سلمة))، مضى مراراً.
و((يعلى بن عطاء العامرى الطائفى))، ثقة، مضى برقم: ٢٨٥٨، ١١٥٢٧، ١١٥٢٩،
٠١٦٥٧٩
و((وكيع بن حدس))، أو ((ابن عدس)) أبو مصعب العقيلى الطائفى، ذكره ابن حبان فى الثقات.
مترجم فى التهذيب، والكبير ١٧٨/٢/٤، وابن أبى حاتم ٣٦/٢/٤.
و((أبو رزين العقيلى))، هو ((لقيط بن عامر بن المنتفق)) أو ((لقيط بن صبرة))، روى عن
النبي صلى الله عليه وسلم، مضى برقم: ٣٢٢٣ مضى التفريق هناك بينه وبين ((لقيط بن صبرة))،
وهذا الخبر رواه الطبرى فى تاريخه ١ : ١٩ من هذه الطريق نفسها.

٢٤٧
تفسير سورة هود : ٧
حُدُس ، عن عمه أبى رزين قال : قلت: يا رسول اللّه ، أين كان ربنا قبل أن
يخلق خلقه ؟ قال : كان فى عَماء ، ما فوقه هواء ، وما تحته هواء ، ثم خلق عرشه
على الماء . (١)
١٧٩٨٢ - حدثنا خلاد بن أسلم قال أخبرنا النضر بن شميل قال، أخبرنا
المسعودى قال، أخبرنا جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز، عن ابن حصين ،
وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتى قومٌ رسولَ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، فدخلوا عليه ، فجعل يبشرهم ، ويقولون : أعطنا ! حتى ساء ذلك
رسول اللّه ، ثم خرجوا من عنده . وجاء قوم آخرون فدخلوا عليه ، فقالوا : جئنا
نسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونتفقه فى الدين ، ونسأله عن بدء هذا
الأمر ؟ قال : فاقبلوا البُشْرى إذ لم يقبلها أولئك الذين خرجوا ! قالوا : قبلنا !
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الله ولا شىء غيره، وكان عرشه
على الماء ، وكتب فى الذكر قبل كل شىء ، ثم خلق سبع سموات ، ثم
أتانى آت فقال: تلك ناقتك قد ذهبت، فخرجتُ ينقَطِع دونها السَّراب، (٢)
ورواه أحمد فى مسنده ٤: ١١ من طريق يزيد بن هرون عن حماد، وص: ١٢ من طريق بهز، عن
حاد .
ورواه الترمذى فى التفسير، من طريق يزيد بن هرون، وقال: ((هذا حديث حسن)).
ورواه ابن ماجة فى سننه ١ : ٦٤، رقم : ١٨٢، من طريق يزيد .
انظر الأثر التالى رقم : ١٧٩٨١ .
(١) الأثر : ١٧٩٨١ - هو مكرر الأثر السالف، ومضى تخريجه هناك.
((محمد بن هرون القطان الرازق))، شيخ الطبرى، هكذا جاء فى المخطوطة أيضاً ، ومثله فى التاريخ
بغير ((الرازق))، ولم أجد ذلك فى الذى بين يدى من الكتب. وشيخ الطبرى الذى مر مراراً هو ((محمد بن
هرون بن إبراهيم الربعى الحربى البزاز))، ((أبو نشيط))، وجائز أن يكون وضع ((القطان)) مكان
((البزاز)) فهما متقاربان فى المعنى. أما ((الرازق))، فهذا مشكل. إنما يقال له ((الحربى)) أو ((الربعى))
وقد مضى ((أبو نشيط)) برقم: ٩٥١١، ١٠٣٧١، ١٤٢٩٤.
(٢) هكذا فى المخطوطة: ((ينقطع دونها السراب))، وهو صواب، ودليله رواية أحمد فى مسنده.
(فإذا السراب ينقطع بينى وبينها))، بمعنى ((ينتهى))، كما يقال: ((منقطع الوادى أو الرمل))، حيث
:

٢٤٨
تفسير سورة هود : ٧
ولوددتُ أنّ تركتها .(١)
١٧٩٨٣ - حدثنا محمد بن منصور قال، حدثنا إسحق بن سليمان قال ،
حدثنا عمرو بن أبى قيس ، عن ابن أبى ليلى ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد
ابن جبير، عن ابن عباس فى قوله: ((وكان عرشه على الماء))، قال : كان عرش
الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنّةً، ثم اتخذ دونها أخرى، ثم أطبقهما بلؤلؤة
واحدة قال: ﴿وَمِنْ دُوِهِمَاَ جَنْتَانِ﴾، [سورة الرحمن: ٦٢]. قال: وهى التى
ينتهى إليه طرفه. يريد : ينتهى الطرف إلى منتهى السراب من قبل بصره ، فهو لا يراها . وروى صاحب
اللسان حديث أبى ذر ((فإذا هى يقطع دونها السراب)) (بضم الياء وفتح القاف وتشديد الطاء)، وقال :
أى تسرع إسراعاً كثيراً تقدمت به وفاتت ، حتى إن السراب يظهر دونها ، أى من ورائها، لبعدها فى البر.
أما الحافظ ابن حجر فى شرح حديث عمران بن حصين هذا، فقد شرح رواية البخارى وهى ((فإذا
هى يقطع دونها السراب)) وقال: يقطع، بفتح أوله، أى: يحول بينى وبين رؤيتها السراب))، (الفتح
٦ : ٢٠٧) .
(١) الأثر: ١٧٩٨٢ - ((خلاد بن أسلم))، ((أبو بكر الصفار))، شيخ الطبرى، مضى
برقم : ٣٠٠٤، ١١٥١٢.
و ((النضر بن شميل المازنى النحوى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ١١٥١٢، ١٦٧٦٧.
و ((المسعودى))، هو ((عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة))، مضى مراراً، آخرها رقم : ١٥٣٤٩.
و ((جامع بن شداد المحاربى))، ثقة، روى له الجماعة، مضى برقم: ٨٢٨٩.
و ((صفوان بن محرز بن زياد المازنى))، ثقة، روى له الخمسة. مضى برقم : ٦٤٩٦، ١٢٨٦٦
و((ابن حصين))، هو («عمران بن حصين الخزاعى))، صحابى.
وهذا الخبر رواه الطبرى فى تاريخه ١ : ١٩، بهذا الإسناد نفسه.
ورواه البخارى مطولا من طريق الأعمش ، عن جامع بن شداد ، ورواه مختصراً من طريق سفيان ،
عن جامع بن شداد ( الفتح ٦: ٢٠٥ - ٢٠٧)، ومن طريق سفيان (الفتح ٨: ٧٦).
ورواه أحمد فى مسنده من طرق ، من طريق سفيان عن جامع مختصراً (٤: ٤٢٦، ٤٣٦) ومن
طريق الأعمش ، عن جامع مطولا (٤: ٤٣١، ٤٣٢) وهو إسناد البخارى بنحو لفظه .
وروايته من هذه الطرق الصحاح، تقيم رواية المسعودى، لأن ((المسعودى)) قد تكلموا فيه ، وأنه
اختلط بأخرة، والمرضى من حديثه ما سمعه القدماء منه. وكأن ((النضر بن شميل)) ممن روى عنه قديماً.
وقد رواه الحاكم فى المستدرك ٢ : ٣٤١ من طريق روح بن عبادة عن المسعودى نفسه ، عن جامع بن
شداد، عن صفوان بن محرز، عن بريدة الأسلمى الصحابى، بلفظه وقال: ((هذا حديث صحيح الإسناد
ولم يخر جاه)) ووافقه الذهبي. ولا أدرى متى سمع روح بن عبادة من المسعودى. فإن الاختلاف فى ((بريدة ))
و («عمران بن حصين))، يحتاج إلى فضل تحقيق.

٢٤٩
تفسير سورة هود : ٧
﴿لَ تَعْلَمُ نَفْسٌ) = أو قال: وهما التى لا تعلم نفس = ﴿مَا أُخْفِي لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ
أَعْيُنِ جَزَاءٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾، [سورة السجدة: ١٧]. قال: وهى التى لا تعلم الخلائق
ما فيها = أو: ما فيهما = يأتيهم كل يوم منها= أو : منهما = تحفة .
١٧٩٨٤ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن الأعمش،
عن المنهال ، عن سعيد بن جبير قال : سئل ابن عباس عن قول الله: ((وكان
عرشه على الماء))، قال: على أى شىء كان الماء؟ قال: على متن الريح. (١)
١٧٩٨٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن الأعمش ، عن سعيد بن جبير قال : سُئل ابن عباس عن قوله :
((وكان عرشه على الماء))، على أى شىء كان الماء؟ قال: على متن الريح. (٢)
١٧٩٨٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج، عن
ابن جريج ، عن سعيد ، عن ابن عباس ، مثله . (٣)
١٧٩٨٧ -.... قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا مبَشْر الحلبى ، عن
أرطاة بن المنذر ، قال : سمعت ضحرة يقول: إن اللّه كان عرشه على الماء ، وخلق
السموات والأرض بالحق ، وخلق القلم فكتب به ما هو خالق وما هو كائن من
خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبح الله ومجده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من الخلق. (١٤ ٥/١٢
(١) الأثر: ١٧٩٨٤ - رواه الحاكم فى المستدرك ٢: ٣٤١، من طريق الأعمش،
عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))
ووافقه الذهبي .
وسيأتى فى الذى يليه من طريق الأعمش، عن سعيد بن جبير، بلا واسطة . والأعمش يروى عن سعيد
ابن جبير .
ورواه الطبرى فى تاريخه من هذه الطريق نفسها ١: ٢٠، ٢١.
(٢) الأثر : ١٧٩٨٥ - هو مكرر الأثر السالف، من طريق الأعمش، عن سعيد بن جبير،
بلا واسطة ، ورواه بها الطبرى فى تاريخه ١ : ٢١ .
(٣) الأثر: ١٩٧٨٦ - مكرر الأثرين السالفين، ورواه الطبرى فى تاريخه منها ١ : ٢١.
(٤) الأثر: ١٧٩٨٧ - ((مبشر الحلبى))، هو ((مبشر بن إسماعيل الحلبى))، روى له الجماعة،
مضى برقم: ١٧٠٠١، وكان فى المطبوعة: ((ميسر))، وهو خطأ.

٢٥٠
تفسير سورة هود : ٧
١٧٩٨٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا إسماعيل بن
عبد الكريم قال ، حدثنى عبد الصمد بن معقل قال : سمعت وهب بن منبه يقول :
إن العرش كان قبل أن يخلق الله السموات والأرض ، ثم قبض من صفاة الماء
[قبضة]، (١) ثم فتح القبضة فارتفع دخاناً، (٢) ثم قضاهُنّ سبع سموات فى يومين.
ثم أخذ طينة من الماء فوضعها مكان البيت ، ثم دحا الأرض منها ، ثم خلق الأقوات
فى يومين ، والسموات فى يومين ، وخلق الأرض فى يومين ، ثم فرغ من
آخر الخلق يوم السابع.(٣)
#
وقوله: ((ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)) ، يقول: تعالى ذكره : وهو الذى خلق
السموات والأرض، أيها الناس، وخلقكم فى سته أيام = ((ليبلوكم))، يقول:
ليختبركم (٤) = ((أيكم أحسن عملاً))، يقول: أيكم أحسن له طاعة ، كما : -
١٧٩٨٩ - حُدّثنا عن داود بن المحبر قال، حدثنا عبد الواحد بن زيد، عن
كليب بن وائل ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه تلا
و((أرطاة بن المنذر السكونى))، ثقة، من أتباع التابعين، مترجم فى التهذيب، والكبير ٥٨/٢/١
وابن أبى حاتم ٣٢٦/١/١.
و ((ضمرة بن حبيب بن صهيب الزبيدى)) ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٣٨/٢/٢،
وابن أبى حاتم ٢ / ١/ ٤٦٧ .
وهذا الخبر رواه أبو جعفر فى تاريخه ١ : ٢١ من هذه الطريق نفسها ..
(١) فى المطبوعة: ((ثم قبض قبضة من صفاء الماء))، لم يحسن قراءة ما فى المخطوطة، فغيرها.
وزدت ((قبضة)) بين قوسين ، من رواية هذا الخبر ، بغير هذا الإسناد ، فى تاريخ الطبرى .
و((صفاة الماء))، كأنه عنى بها ((الزبدة البيضاء)) المذكورة فى الأثر رقم: ٢٠٤٤، ٧٤٢٨،
وفى الدر المنثور ٣ : ٣٢٢، من حديث الربيع بن أنس: ((كان عرشه على الماء، فلما خلق السموات
والأرض ، قسم ذلك الماء قسمين ، فجعل صفاء ( صفاة) تحت العرش ، وهو البحر المسجور ، فلا تقطر
منه قطرة حتى ينفخ فى الصور، فينزل منه مثل الطل، وتغبت منه الأجسام)).
(٢) فى المطبوعة: ((فارتفع دخان))، وفى تاريخ الطبرى: ((فارتفعت دخاناً))، وأثبت ما فى
المخطوطة .
(٣) الأثر: ١٧٩٨٨ - رواه الطبرى فى تاريخه ١: ٢٠ من طريق محمد بن سهل بن عسكر،
عن إسماعيل بن عبد الكريم ، مختصراً .
(٤) انظر تفسير ((البلاء)) فيما سلف ١٣: ٤٤٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٢٥١
تفسير سورة هود : ٧
هذه الآية: ((ليبلوكم أيكم أحسن عملاً))، قال: أيكم أحسن عقلاً، وأورع عن
محارم الله، وأسرع فى طاعة اللّه ؟ (١)
١٧٩٩٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)) ، يعنى الثقلين .
*
*
وقوله: ((ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا
إلا سحر مبين))، يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولئن قلت
لهؤلاء المشركين من قومك: إنكم مبعوثون أحياءً من بعد مماتكم ! فتلوت عليهم
بذلك تنزيلى ووحى = ((ليقولن إن هذا إلا سحر مبين))، أى: ما هذا الذى
تتلوه علينا مما تقول، إلا سحر مبينٌ لسامعه عن حقيقته أنه سحر. (٢)
وهذا على تأويل من قرأ ذلك: ﴿إِنْ هُذَا إلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
(١) الأثر: ١٧٩٨٩ - ((داود بن المحبر الطائى الثقفى))، صاحب ((كتاب العقل))، شبه
لا شىء ، كان لا يدرى ما الحديث ، هكذا قال أحمد بن حنبل. وهو ضعيف صاحب مناكير ،
وذكروا كتاب العقل، فقال الدارقطنى: ((كتاب العقل، وضعه أربعة، أولهم ميسرة بن عبد ربه ، ثم
سرقه منه داود بن المحبر ، فركبه بأسانيد غير أسانيد ميسرة . وسرقه عبد العزيز بن أبى رجاء ، فركبه
بأسانيد أخر. ثم سرقه سليمان بن عيسى السجزى، فأتى بأسانيد أخر)). وقال الحاكم: ((حدثونا عن
الحارث بن أبى أسامة عنه بكتاب العقل ، وأكثر ما أودع فى ذلك الكتاب من الحديث الموضوع على رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم)). مترجم فى التهذيب، والكبير ٢/ ٢٢٣/١، وابن أبى حاتم ١/ ٤٢٤/٢.
و ((عبد الواحد بن زيد البصرى))، القاص، شيخ الصوفية منكر الحديث، ضعيف بمرة، مترجم
فى تعجيل المنفعة ص: ٢٦٦، وميزان الاعتدال ٢: ١٥٧، وابن أبى حاتم ٣/ ٢٠/١.
و((كليب بن وائل بن هبار التيمى الشكرى))،روى عن ابن عمر. ثقة، وضعفه أبو زرعة، مترجم
فى التهذيب، والكبير ٤ /٢٢٩/١، وابن أبى حاتم ٣/ ٢ /١٦٧.
فهذا حديث ضعيف بمرة ، ولا أصل له .
(٢) فى المطبوعة: ((إلا محر لسامعه مبين حقيقته أنه محر))، وفى المخطوطة: ((إلا سحر أسامعه عن
حقيقته أنه سحر))، وبين ((سحر)) و((لسامعه)) حرف ((ط)) دلالة على الخطأ. وصواب العباره ما أثبته
إن شاء الله .
وانظر تفسير ((السحر)» فيما سلف ص: ١٥٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين).

٢٥٢
تفسير سورة هود : ٧ ، ٨
وأما من قرأ: (إِنْ هُذَا إِلاَّ سَاحِرٌ مُبِينٌ)، فإنه يوجُّه الخبر بذلك عنهم
إلى أنهم وَصَفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه فما أتاهم به من ذلك ساحرٌ مبين .
قال أبو جعفر : وقد بينا الصواب من القراءة فى ذلك فى نظائره ، فيما مضى
قبل ، بما أغنى عن إعادته ههنا .(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَبِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ
إِلَى أَنَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ: أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ
مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ > يَسْتَهْزِئُونَ﴾(١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، ولئن أخرنا عن هؤلاء المشركين من
قومك ، يا محمد ، العذابَ فلم نعجله لهم، وأنسأذا فى آجالهم = ((إلى أمة معدودة))،
ووقت محدود ، وسنين معلومة .
#
وأصل ((الأمة)) ما قد بينا فيما مضى من كتابنا هذا ، أنها الجماعة من الناس
تجتمع على مذهب ودين ، ثم تستعمل فى معان كثيرة ترجع إلى معنى الأصل
الذى ذكرت.(٢) وإنما قيل للسنين ((المعدودة )) والحين ، فى هذا الموضع ونحوه:
(( أمة))، لأن فيها تكون الأمة . (٣)
#
٠ ٠
وإنما معنى الكلام: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى مجىء أمة وانقراض أخرى قبلها .
(١) انظر ما سلف ١١: ٢١٦، ٢١٧، ٢٦٥.
(٢) انظر تفسير ((الأمة)) فيما سلف ١٣: ٢٨٥، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((معدودة)) فيما سلف ٣: ٤١٧ /٤: ٢٠٨، وما بعدها .

٢٥٣
تفسير سورة هود : ٨
وبنحو الذى قلنا من أن معنى ((الأمة))، فى هذا الموضع ، الأجل والحين ،
قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٩٩١ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن = وحدثنى المثنى
قال ، حدثنا أبو نعيم = قال ، حدثنا سفيان الثورى ، عن عاصم ، عن أبى
رزین ، عن ابن عباس =
١٧٩٩٢ - وحدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن عاصم ، عن أبى رزين ، عن ابن عباس: (( ولْن أخرنا عنهم العذاب
إلى أمة معدودة ))، قال : إلى أجل محدود .
١٧٩٩٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى، عن سفيان ، عن عاصم ،
عن أبى رزين، عن ابن عباس ، بمثله .
١٧٩٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، عن قتادة: ((إلى أمة معدودة)) ، قال : أجل معدود .
١٧٩٩٥ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربى ، عن جويبر ، عن
الضحاك ، قال : إلى أجل معدود .
١٧٩٩٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إلى أمة معدودة))، قال: إلى حين .
١٧٩٩٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٩٩٨ -.... قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله، عن ورقاء،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٩٩٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة))، يقول : أمسكنا

٢٥٤
تفسير سورة هود : ٨
عنهم العذاب = (( إلى أمة معدودة))، قال ابن جريج ، قال مجاهد: إلى حين .
١٨٠٠٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (( ولئن أخرنا عنهم العذاب
إلى أمة معدودة))، يقول: إلى أجل معلوم. (١)
٦/١٢
. .
وقوله: ((ليقولن ما يحبسه))، يقول: ((ليقولن))، هؤلاء المشركون =
(( ما يحبسه))، أىُّ شىء يمنعه من تعجيل العذاب الذى يتوعَّدنا به ؟(٢) تكذيباً
منهم به ، وظنًّا منهم أن ذلك إنَّما أخر عنهم لكذب المتوعّد ، كما : -
١٨٠٠٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال قوله: ((ليقولن ما يحبسه))، قال : للتكذيب به، أو أنه ليس بشىء.
..
وقوله: ((ألا يوم يأتيهم ليس مصروفًا عنهم)) ، يقول تعالى ذكره، تحقيقاً
لوعيده، وتصحيحًا لخبره: (( ألا يوم يأتيهم))، العذابُ الذى يكذبون به =
((ليس مصروفًا عنهم))، يقول : ليس يصرفه عنهم صارف ، ولا يدفعه عنهم
دافع، ولكنه يحلّ بهم فيهلكهم(٣) = ((وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون))،
يقول : ونزل بهم وأصابهم الذى كانوا به يسخرون من عذاب الله . (٤) وكان
استهزاؤهُم به الذى ذكره الله، قيلهم قبل نزوله: ((ما يحبسه))، و((هلا تأتينا به))؟ (٥)
٠ ٥
وبنحو الذى قلنا فى ذلك كان بعض أهل التأويل يقول .
(١) تجاوزت فى الترقيم رقم: ١٨٠٠١، سهواً.
(٢) انظر تفسير ((الحبس)) فيما سلف ١١ : ١٧٢.
(٣) انظر تفسير ((الصرف)) فيما سلف ١١: ١٣/٢٨٦: ١٤/١١٢: ١٥/٥٨٢: ٨٤
(٤) انظر تفسير ((حاق)) فيما سلف ١١ : ٢٧٢.
= وتفسير ((الاستهزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (هزأ)
(٥) فى المطبوعة: ((نقلا بأنبيائه))، وهذا خلط لا معنى له. وفى المخطوطة: ((ودهلا داحسابه))،.
والكلمة الأولى سيئة الكتابة، وسائر الحروف غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها إن شاء الله.

٢٥٥
تفسير سورة هود : ٩،٨
ذكر من قال ذلك :
٠
١٨٠٠٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون))، قال :
ما جاءت به أنبياؤهم من الحق .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَمِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَّا رَحْمَةً
ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَئُوسُ كَفُورٌ ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولئن أذَقنا الإنسان منّا رخاءً وسعةً
فى الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا(١) = وهى ((الرحمة)) التى ذكرها تعالى
ذكره فى هذا الموضع = ((ثم نزعناها منه))، يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته
مصائب أجاحته فذهبت به(٢) = ((إنه ليؤوس كفور))، يقول: يظل قَنِطًا من
رحمة الله، آيسًا من الخير .
#
#
وقوله: ((يؤوس))، ((فعول))، من قول القائل: ((يئس فلان من كذا، فهو
يؤوس ))، إذا كان ذلك صفة له . (٣)
وقوله: ((كفور))، ((يقول)): هو كفُور لمن أنعم عليه، قليل الشكر لربّه
المتفضل عليه بما كان وَهَب له من نعمته . (٤)
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ص: ١٤٦، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((النزع)) فيما سلف ١٢ : ١٣/٤٣٧: ١٧.
(٣) انظر تفسير ((اليأس)) فيما سلف ٩ : ٥١٦.
(٤) انظر تفسير ((الكفر)) فيما سلف من فهارس اللغة (كفر).

٢٥٦
تفسير سورة هود : ٩ - ١١
ذكر من قال ذلك :
#
١٨٠٠٤ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: (( ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور)».
قال : يا ابن آدم ، إذا كانت بك نعمة من الله من السعة والأمن والعافية ،
فكفور لما بك منها . وإذا نزعت منك نبتغى قَدْعك وعقلك ، (١) فيؤوس من
روح الله قنوطٌ من رحمته. كذلك المرء المنافق والكافر .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَبِنْ أَذَفْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ
مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ النَِّّئَاتُ عَنِّى إِنَّهُ، لَفَرِحٌ فَخُورٌ )
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَلِحَّتِ أُوْ لَنْبِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ
كَبِيرًا (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولئن نحن بسطنا للإنسان فى دنياه ،
ورزقناه رخاءً فى عيشه ، ووسعنا عليه فى رزقه ، وذلك هى النّعم التى قال الله جل
ثناؤه: ((ولئن أذقناة نعماء)) (٢) = وقوله: ((بعد ضراء مسته))، يقول : بعد
ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها(٣) = ((ليقولن" ذهب السيئات عنى))،
يقول تعالى ذكره: ليقولنّ عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة على، وزالت الشدائد
والمكاره = ((إنه لفرح فخور))، يقول تعالى ذكره : إن الإنسان لفرح بالنعم
(١) فى المطبوعة: ((يبتغى لك فراغك، فيؤوس ... ))، غير ما فى المخطوطة، وكان فيها هكذا:
((نسعى فرعك وعقلك فيؤوس ... ))، وصواب قراءتها ما أثبت. و((القدع)): الكف والمنع.
(٢) انظر تفسير ((النعماء)) فيما سلف من فهارس اللغة (نعم).
(٣) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٢١٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الضراء)) فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٢٥٧
تفسير سورة هود : ١١،١٠
التى يعطاها، مسرور بها(١) = ((فخور))، يقول: ذو فخر بما نال من السعة
فى الدنيا، وما بسط له فيها من العيش، (٢) وينسى صُرُوفها، ونكدَ العَوَائص
فيها ، (٣) ويدع طلب النعيم الذى يبقى ، والسرور الذى يدوم فلا يزول .
١٨٠٠٥ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن
ابن جريج قوله: ((ذهب السيئات عنى))، غيرَّةً بالله وجراءة علیه= ((إنه لفرح ))،
والله لا يحب الفرحين = ((فخور))، بعد ما أعطى، وهو لا يشكر الله.
#
ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذى وصفه بهاتين الصفتين: (( الذين صبروا
وعملوا الصالحات))، وإنما جاز استثناؤهم منه، لأن ((الإنسان))، بمعنى الجنس،
ومعنى الجمع، وهو كقوله: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّالْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعِلُوا
الصَّالِحَاتِ﴾، [سورة العصر: ١ - ٣]، (٤) فقال تعالى ذكره: (( إلا الذين صبروا
وعملوا الصالحات))، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها ، لم يثنهم ذلك
عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه . فإن نالوا فيها رخاء وسعةً ، شكروه
وأدّوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: (( أولئك لهم مغفرة))، يغفرها لهم، ولا
يفضحهم بها فى معادهم = ((وأجر كبير))، يقول : ولهم من اللّه مع مغفرة ذنوبهم،
ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التى عملوها فى دار الدنيا ، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم .
٧/١٢
١٨٠٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: ((إلا الذين صبروا)) عند البلاء = ((وعملوا الصالحات))، عند النعمة
(١) انظر تفسير ((فرح)) فيما سلف ١٤ : ٢٨٩.
(٢) انظر تفسير ((فخور)) فيما سلف ٨: ٣٥٠.
(٣) فى المطبوعة: ((نكد العوارض))، غير ما فى المخطوطة، و((الموائص)) جمع ((عائص))
أو ((عائصة))، ومثله ((العوصاء))، وكله معناه: الشدة والعسر والحاجة.
(٤) انظر معانى القرآن الفراء فى تفسير الآية. ومن هنا سأرجع إلى النسخة المخطوطة من معانى
القرآن ، لأن بقية الكتاب لم تطبع بعد . والنسخة التى أرجع إليها هى المحفوظة بدار الكتب المصرية تحت
رقم: ب ٢٤٩٨٦، مصورة عن نسخة مكتبة ((بغدادلى وهبى)) بالمكتبة السليمانية، بالآستانة.
ج ١٥ (١٨)

٢٥٨
تفسير سورة هود : ١٠- ١٢
= ((أولئك لهم مغفرة))، لذنوبهم = ((وأجر كبير))، قال : الجنة .
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَعَلَّكَ تَاركُ بَعْضَ مَا يُوحَىّ
إِلَيْكَ وَضَآئِقُ بِهِ ثُ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُواْ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ
جَاءَ مَعَهُ, مَلَكُ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: فلعلك،
يا محمد ، تارك بعض ما يوحى إليك ربك أن تبلغه من أمرك بتبليغه ذلك ،
وضائقٌ بما يوحى إليك صدرُك، فلا تبلغه إياهم، مخافة أن يقولوا: (( لولا أنزل عليه
كنز أو جاء معه ملك))، له مصدّق بأنه الله رسول" ! يقول تعالى ذكره: فبلغهم ما
أوحيته إليك، فإنك إنما أنت نذير تُنْذرهم عقابى، وتحذرهم بأسى على كفرهم
بى، وإنما الآيات التى يسألونكها عندى وفى سلطانى، أنزلها إذا شئت ، وليس عليك،
إلا البلاغ والإنذار = ((والله على كل شىء وكيل))، يقول: والله القيم بكل شىء،
وبيده تدبيره ، فانفذ لما أمرتك به ، ولا تمنعك مسألتهم إياك الآيات من تبليغهم
وحي ، والنفوذ لأمرى . (١).
#
وبنحو الذى قلنا فى ذلك ، قال بعض أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
*
١٨٠٠٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد قال : قال اللّه لِنبيه : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك
(١) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

٢٥٩
تفسير سورة هود : ١٣،١٢.
أن تفعل فيه ما أمرت، وتدعو إليه كما أرسلت. قالوا: ((لولا أنزل عليه كم)) ،
لا نرى معه مالاً! أين المال؟= ((أو جاء معه ملك)) ينذر معه ؟ = ((إنما أنت
نذير)» ، فبلغ ما أمرت .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنْهُ قُلْ فَأُتُواْ
بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ » مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ
إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كفاك
حجة على حقيقة ما أتيتهم به ، ودلالةً على صحة نبوّتك، هذا القرآن، من سائر
الآيات غيره، إذ كانت الآيات إنما تكون لمن أعطيها دلالةً على صدقه ، لعجز
جميع الخلق عن أن يأتوا بمثلها. وهذا القرآن، جميع الخلق عَجَزَةٌ عن أن يأتوا
بمثله، (١) فإن هم قالوا ((افتريته))، أى: اختلقته وتكذَّبته. (٢)
٠٠
#
= ودلّ على أن معنى الكلام ما ذكرنا، قوله: ((أم يقولون افتراه)) إلى آخر
الآية. ويعنى تعالى ذكره بقوله: ((أم يقولون افتراه))، أى: أيقولون افتراه ؟
٠
وقد دللنا على سبب إدخال العرب ((أم )) فى مثل هذا الموضع. (٣)
-فقل لهم يأتوا بعشر سُور مثل هذا القرآن = ((مفتريات))، يعنى: مفتعلات
مختلقات ، إن كان ما أتيتكم به من هذا القرآن مفترىً، وليس بآية معجزةٍ
(١) فى المطبوعة: ((جميع الخلق عجزت))، غير ما فى المخطوطة، فأفسد الكلام إفساداً.
(٢) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف من فهارس اللغة (فرى).
(٣) انظر تفسير ((أم)) فيما سلف ٢: ٣/٤٩٢: ٩٧/ ثم ١٤: ١٦٥، تعليق : ١،
والمراجع هناك.

٢٦٠
تفسير سورة هود : ١٣
كسائر ما سُئلته من الآيات ، كالكنز الذى قلتم هَلاّ أنزل عليه ؟ أو الملك الذي
قلتم : هلاّ جاء معه نذيراً له مصدقًا ؟ فإنكم قومى ، وأنتم من أهل لسانى ، وإذا
رجل منكم ، ومحالٌ أن أقدر أخلق وحدى مئة سورة وأربع عشرة سورة ، ولا تقدروا
بأجمعكم أن تفتروا وتختلقوا عشر سور مثلها ، ولا سيما إذا استعنتم فى ذلك بمن
شئتم من الخلق .
يقول جل ثناؤه ، قل لهم : وادعوا من استطعتم أن تدعوهم من دون الله =
يعنى سوى الله = لافتراء ذلك واختلاقه من الآلهة. فإن أنتم لم تقدروا على أن تفتروا
عشر سور مثله، فقد تبين لكم أنكم كذبةٌ فى قولكم: ((افتراه))، وصحّت
عندكم حقيقة ما أتيتكم به أنه من عند الله . ولم يكن لكم أن تتخيروا الآيات على
ربكم ، وقد جاءكم من الحجة على حقيقة ما تكذبون به أنه من عند الله ، مثل
الذى تسألون من الحجة ، وترغبون أنكم تصدّقُون بمجيئها .
وقوله: ((إن كنتم صادقين))، لقوله: ((فأتوا بعشر سور مثله))، وإنما هو:
قل: فأتوا بعشر سور مثله مفتريات ، إن كنتم صادقين أن هذا القرآن افتراه محمد
= وادعوا من استطعتم من دون الله على ذلك، من الآلهة والأنداد .
١٨٠٠٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج: (( أم يقولون افتراه))، قد قالوه = ((قل فأتوا بعشر سورمثله مفتريات)»،
وادعوا شهداء كم ، قال : يشهدون أنها مثله = هكذا قال القاسم فى حديثه .(١)
#
(١) يعنى أنه قال: ((وادعوا شهداء كم))، وإن لم يكن ذلك فى هذه الآية، بل هو فى غيرها،
وهى آية سورة البقرة : ٢٣ :
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ ◌ِمَّا نَزَّلْنَا ◌َلَى عَبْدِنَ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَأَدْعُوا
◌ُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.