النص المفهرس

صفحات 201-220

٢٠١
تفسير سورة يونس : ٩٤
= ((فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك))، من أهل التوراة والإنجيل،
كعبد الله بن سلام ونحوه ، من أهل الصدق والإيمان بك منهم ، دون أهل
الكذب والكفر بك منهم .
٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٨٨٦ -حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال، حدثی حجاج ، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس فى قوله: (( فاسأل الذين يقرأون الكتاب من
قبلك))، قال: التوراة والإنجيل ، الذين أدركوا محمداً صلى اللّه عليه وسلم من
أهل الكتاب فآمنوا به . يقول : فاسألهم إن كنت فى شك بأنك مكتوب عندهم .
١٧٨٨٧ -حدثی یونس قال: أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليكَ فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك))،
قال: هو عبد الله بن سلام، كان من أهل الكتاب، فآمن برسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم .
١٧٨٨٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك))، قال:
هم أهل الكتاب
١٧٨٨٩ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ يقول ،
أخبرنا عبيد قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: (( فاسأل الذين يقرأون الكتاب
من قبلك))، يعنى أهل التقوى وأهلَ الإيمان من أهل الكتاب، ممن أدرك نبيّ اللّه
صلى الله عليه وسلم.
٠ ٠
فإن قال قائل: أو كان رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فى شكٌّ من خبرِ اللّه

٢٠٢
تفسير سورة يونس : ٩٤
أنه حقّ يقين، حتى قيل له: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين
يقرأون الكتاب من قبلك » ؟
قيل : لا، وكذلك قال جماعة من أهل العلم .
١١٦/١١
١٧٨٩٠ - حدثنى يعقوب بن إبراهيم قال ، حدثنا هشيم، عن أبى بشر ،
عن سعيد بن جبير فى قوله: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك))، فقال: لم
يشك النبى صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.
١٧٨٩١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا سويد بن عمرو، عن أبى عوانة ،
عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير فى قوله: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا
إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك)) ، قال : ما شك وما سأل .
١٧٨٩٢ - حدثنى الحارث قال، حدثنا القاسم بن سلام قال ، حدثنا
هشيم قال ، أخبرنا أبو بشر عن سعيد بن جبير = ومنصور ، عن الحسن ، فى
هذه الآية ، قال: لم يشك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسأل.
١٧٨٩٣ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
:
قوله: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك))،
ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل .
١٧٨٩٤ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرأون الكتاب
من قبلك))، قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل.
فإن قال: فما وجه مخرج هذا الكلام ، إذنْ ، إن كان الأمر على ما وصفت ؟
قيل : قد بيّنا فى غير موضع من كتابنا هذا ، استجازة العرب قول القائل
منهم لمملوكه: ((إن كنت مملوكى فانته إلى أمرى))، والعبد المأمور بذلك لا يشكّ
سيدُه القائل له ذلك أنه عبده. كذلك قول الرجل منهم لابنه: (( إن كنت

٢٠٣
تفسير سورة يونس : ٩٤
ابنى فبرَّنى))، وهو لا يشك فى ابنه أنه ابنه = وأنّ ذلك من كلامهم صحيح
مستفيض فيهم، وذكرنا ذلك بشواهده، وأنّ منه قول الله: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى
ابْنَ مَرْيَ أْ أَنْتَ قَلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُمِّىَ إِلَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾، [سورة المائدة: ١١٦]،
وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك . (١) وهذا من ذلك ، لم يكن صلى
الله عليه وسلم شاكًا فى حقيقة خبر اللّه وصحته، والله تعالى ذكره بذلك من أمره
كان عالماً ، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضاً، إذْ كان القرآن
بلسانهم نزل .
وأما قوله: ((لقد جاءك الحق من ربك)) الآية، فهو خبرٌ من الله مبتدأ.
يقول تعالى ذكره : أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسول"،
وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحّة ذلك ، ويجدون نعتك عندهم فى كتبهم
= (( فلا تكونن من الممترين ))، يقول: فلا تكونن من الشاكين فى صحة ذلك
وحقيقته . (٢)
#
ولو قال قائل : إن هذه الآية خوطب بها النبى صلى الله عليه وسلم ، والمراد
بها بعضُ من لم يكن صحّت بصيرته بنبوته صلى اللّه عليه وسلم ، ممن كان قد أظهر
الإيمان بلسانه، تنبيهاً له على موضع تعرُّف حقيقة أمره الذى يزيل اللَّبْس عن
قلبه، كما قال جل ثناؤه: ﴿بَأَيُّهَا النَِّيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِينَ وَالْمُنَافِقِينَ
إنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾، [سورة الأحزاب: ١]، كان قولاً غيرَ مدفوعة صحته .
#
(١) انظر ما سلف ١١: ٢٣٦، ٢٣٧، ومعانى القرآن للفراء ١: ٤٧٩.
(٢) انظر تفسير ((الامتراء)) فيما سلف ١٢: ٦١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٠٤
تفسير سورة يونس : ٩٥ - ٩٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بَّايَتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : ويقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : ولا تكونن ،
يا محمد، من الذين كذَّبوا بحجج اللّه وأدلته، فتكون ممن غُبن حظه ، وباع
رحمةَ الله ورضاه، بسَخَطه وعقابه.(١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ
، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّى
كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ
يَرَوُاْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين وجبت عليهم ، يا محمد
= ((كلمة ربك))، هى لعنته إياهم بقوله: ﴿أَلَاَ لْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾،
[ سورة هود: ١٨]، فثبتت عليهم .
=يقال منه: ((حق على فلان كذا يحقّ عليه))، إذا ثبت ذلك عليه ووجب. (٢)
#
**
وقوله: (( لا يؤمنون » ولو جاءتهم كل آية))، يقول: لا يصدقون بحجج اللّه،
ولا يقرُّون بوحدانية ربهم، ولا بأنك للّه رسول = ((ولو جاءتهم كل آية))،
وموعظة وعبرة ، فعاينوها، حتى يعاينوا العذاب الأليم، كما لم يؤمن فرعون وملأُه
(١) انظر تفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبى).
= وتفسير ((الخسران)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خسر).
(٢) انظر تفسير ((حق)) فيما سلف ص : ٨٥

٢٠٥
تفسير سورة يونس : ٩٧ ، ٩٨
إذ حقَّت عليهم كلمة ربّك حتى عاينوا العذاب الأليم ، فحينئذ قال :
﴿آ مَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّ الَّذِىِ آَمَنَتْ بِهِ بُوا إِسْرَائِيلَ﴾، [ سورة يونس: ٩٠]،
حين لم ينفعه قيلُه، فكذلك هؤلاء الذين حقّت عليهم كلمة ربك من قومك من عبدة
الأوثان وغيرهم ، لا يؤمنون بك فيتبعونك ، إلا فى الحين الذى لا ينفعهم إيمانهم .
١١٧/١١
٠ ٠ ٠
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٨٩٥ -حدثی المثی قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا
يؤمنون))، قال: حقّ عليهم سَخَط اللّه بما عصوه.
١٧٨٩٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن قتادة : ((إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون)) ، حقّ عليهم
سَخَط الله بما عصوه .
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ ءَامَنَتْ
فَنَفَعَهَآ إِيَمَنُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفْنَا عِنْهُمْ
عَذَابَ الْخِزْىِ فىِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ومَنَّعْنَهُمْ إِلَى حِينٍ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : فهلاّ كانت قرية آمنت؟ (١)
وهى كذلك فيما ذكر فى قراءة أبىّ .
ومعنى الكلام : فما كانت قرية آمنت عند معاينتها العذاب، ونزول سَخَط
الله بها، بعصيانها ربَّها واستحقاقها عقابه، فنفعها إيمانها ذلك فى ذلك الوقت، كما
لم ينفع فرعون إيمانه حين أدركه الغرق بعد تماديه فى غيِّه، واستحقاقه سَخَط اللّه
(١) انظر (لولا)) بمعنى ((هلا)) ٢: ٥٥٢، ١١/٥٥٣: ٢٦٦، ٣٤٣، ٣٥٦.

٢٠٦
تفسير سورة يونس : ٩٨
بمعصيته = إلا قوم يونس ، فإنهم نفعهم إيمانهم بعد نزول العقوبة وحلول السخط
بهم. فاستثنى اللّه قوم يونس من أهل القرى الذين لم ينفعهم إيمانهم بعد نزول
العذاب بساحتهم ، وأخرجهم منهم ، وأخبر خلقه أنه نفعهم إيمانهم خاصَّةً من
بين سائر الأمم غيرهم .
#
فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن قوله: ((فلولا كانت
قرية آمنت فنفعها إيمانها ))، بمعنى : فما كانت قرية آمنّت ، بمعنى الجحود ،
فكيف نصب ((قوم))، وقد علمت أن ما قبل الاستثناء إذا كان جحداً، كان
ما بعده مرفوعاً، وأن الصحيح من كلام العرب: (( ما قام أحدٌ إلا أخوك))، و(( ما
خرج أحدٌ إلاّ أبوك))؟ ! .
i
قيل : إن ذلك فيما يكون كذلك ، إذا كان ما بعد الاستثناء من جنس
ما قبله. وذلك أن ((الأخ)) من جنس ((أحد))، وكذلك ((الأب))، ولكن لو
اختلف الجنسان حتى يكون ما بعد الاستثناء من غير جنس ما قبله، كان الفصيح
من كلامهم النصبُ، وذلك لوقلت: (( ما بقى فى الدار أحدٌ إلا الوتد)، و(( ما عندنا
أحدٌ إلا كلباً أو حماراً))، لأن ((الكلب))، و((الوتد))، و ((الحمار))، من غير
جنس ((أحد))، ومنه قول النابغة الذبيانى:
• عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا الرَّبْع مِنْ أَحَدٍ .
ثم قال :
إِلَّ أَوَارِئَّ لأُيَا مَا أُبَيُّهَا وَالنُّوَى كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ اَجَدِّ(١)
فنصب ((الأوارى))، إذ كان مستثنى من غير جنسه . فكذلك نصب
((قوم يونس))، لأنهم أمة غير الأمم الذين استثنوا منهم، ومن غير جنسهم
(١٠) سلف الشعر وشرحه ٩: ٢٠٣، تعليق: ٣، ٤، والمراجع هناك.

٢٫٠٧
تفسير سورة يونس : ٩٨
وشكلهم ، وإن كانوا من بنى آدم . وهذا الاستثناء الذى يسميه بعض أهل
العربية الاستثناء المنقطع، (١) ولو كان ((قوم يونس)) بعض ((الأمة)) الذين
استثنوا منهم ، كان الكلام رفعاً ، ولكنهم كما وصفت .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك .
٠
١٧٨٩٧ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن عطاء الخراسانى، عن ابن عباس قوله: (( فلولا كانت قرية
آمنت فنفعها إيمانها))، يقول: لم تكن قرية آمنت فنفعها الإيمان إذا نزل بها بأس
اللّه، إلا قرية يونس = قال ابن جريج ، قال : مجاهد : فلم تكن قرية آمنت
فتفعها إيمانها ، كما نفع قوم يونس إيمانهم إلا قوم يونس .
١٧٨٩٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم
عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين))، يقول: لم يكن هذا فى الأمم
قبلهم، لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين حضرها العذابُ، فتُرِكِت، إلاّ قوم ١١٨/١١
يونس، لما فقدوا نبيَّهم وظنوا أن العذاب قد دنا منهم، قذف اللّه فى قلوبهم التوبة،
ولبسوا المسوح، [وفرقوا] بين كل بهيمة وولدها، (٢) ثم عجُوا إلى اللّه أربعين ليلة".
فلما عرف اللّه الصُّدق من قلوبهم ، والتوبة والندامة على ما مضى منهم ، كشف
الله عنهم العذاب بعد أن تدلّى عليهم . قال: وذكر لنا أن قوم يونس كانوا بنينوى
أرضِ الموصل .
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٧٩، ٤٨٠، وفيه زيادة بيان.
(٢) فى المطبوعة: ((وألهوا بين كل بهيمة ... ))، ولا معنى له، وفى المخطوطة: ((والموا)) غير
منقوطة، وقد أعيانى أن أجد لقراءتها وجهاً أرتضيه، فوضعت (وفرقوا) بين قوسين ، لأن هذه الكلمة بهذا
المعنى ولا شك، كمايتبين من الآثار التالية، ومن رواية هذا الأثر عن قتادة فى الدر المنثور ٣ : ٣١٧
وفيه مكان هذه الكلمة المبهمة: ((وفرقوا)) كالتى أثبت بين القوسين .

٢٠٨
تفسير سورة يونس : ٩٨
١٧٨٩٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة: (( إلا قوم يونس))، قال : بلغنا أنهم خرجوا فنزلوا على تل ،
وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ، يدعون الله أربعين ليلة ، حتى تاب عليهم .
١٧٩٠٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبد الحميد الجمانى، عن إسمعيل
ابن عبد الملك، عن سعيد بن جبير قال: غشَّى قوم يونس العذابُ، كما يغشِى
الثوبُ القبرَ .(١)
١٧٩٠١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن صالح المرى ، عن قتادة ، عن ابن عباس : إن العذاب كان هبط على قوم
يونس حتى لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثى ميل ، فلما دَعوْا كشف اللّه عنهم .
١٧٩٠٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد - وإسحق قال، حدثنا عبد الله، عن ورقاء = جميعاً
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم
يونس لما آمنوا )) ، قال ، كما نفع قوم يونس = زاد أبو حذيفة فى حديثه ، قال :
لم تكن قرية آمنت حين رأت العذاب فنفعها إيمانها ، إلا قوم يونس متعناهم.
١٧٩٠٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله بن
أبى جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس قال ، حدثنا رجل قد قرأ القرآن فى
صدره، فی إمارة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، (٢)فحدّث عن قوم يونس حين
أنذر قومه فكذّبوه ، فأخبرهم أن العذاب يصيبهم، وفارقهم. (٣) فلما رأوا ذلك
وغشيهم العذاب، [ لكنهم ] خرجوا من مساكنهم، (٤) وصعدوا فى مكان رفيع ، وأنهم
(١) معنى هذا: كما يغشى القبر بالثوب، إذا أدخل فيه صاحبه، كما جاء فى رواية هذا الأثر
فى الدر المنثور ٣ : ٣١٨، باللفظ الذى ذكرته. وانظر ما سيأتى رقم : ١٧٩٠٥.
(٢) قوله: ((قرأ القرآن فى صدره))، أى جمعه، فحفظه جميعاً.
(٣) فى المطبوعة: ((ففارقهم)) بالفاء، والصواب من المخطوطة.
(٤) فى المطبوعة: ((لكنهم))، ولا معنى لها، وفى المخطوطة: ((لكنهم)) غير منقوطة، ولست

٢٠٩
تفسير سورة يونس : ٩٨
جأروا إلى ربهم ودعوه مخلصين له الدين : أن يكشف عنهم العذاب ، وأن يرجع
إليهم رسولهم. قال: ففى ذلك أنزل: ((فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها
إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا ومتعناهم إلى
حين )) ، فلم تكن قرية غشيها العذاب ثم أمسك عنها ، إلا قوم يونس خاصة .
فلما رأى ذلك يونس، [ لكنه] ذهب عاتباً على ربه، (١) وانطلق مغاضباً وظنّ أن
لن يُقدَرَ عليه، حتى ركب فى سفينة، فأصاب أهلَها عاصفُ الريح = فذكر
قصة يونس وخبره .
١٧٩٠٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح قال: (( لما رأوا العذاب ينزل، فرَّقوا بين كل أنثى وولدها من الناس
والأنعام، ثم قاموا جميعاً فدعو الله، وأخلصوا إيمانهم فرأوا العذاب يكشف عنهم .
قال يونس حين كشف عنهم العذاب : أرجع إليهم وقد كذَبْتُهم ! وكان يونس
قد وعدهم العذاب بصبح ثالثةٍ ، فعند ذلك خرج مغضباً ، وساء ظنّه . (٢)
١٧٩٠٥ - حدثنى الحارث قال ، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن إسمعيل بن عبد الملك ، عن سعيد بن جبير قال : لما أرسل يونس إلى قومه
يدعوهم إلى الإسلام، وترك ما هم عليه . قال : فدعاهم فأبوا ، فقيل له : أخبرهم
أن العذاب مصبِّحهم ، فقالوا : إنا لم نجرب عليه كذباً ، فانظروا ، فإن بات
فيكم فليس بشىء، وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم . فلما كان فى جوف
الليل أخذ عُلاَثَةً فتزوّد منها شيئاً، (٣) ثم خرج، فلما أصبحوا تغشَّاهم العذاب،
أدرى ما صوابها، والمشكل أنه جاء مثلها فيما يلى، واستعصت على قراءتها فى الموضعين - فوضعتها بين
القوسين فى الموضعين .
(١) انظر التعليق السالف.
(٢) انظر تفسير ((ساءظنه)) فيما سلف ٣ : ٥٨٥، تعليق: ١٣/١: ٩٥، تعليق : ٤.
(٣) فى المطبوعة: ((أخذ مخلاته فتزود فيها شيئاً))، خالف رسم المخطوطة، وفيها رسم ما أثبته غير
منقوط. و ((العلاثة)) ( بضم العين ) : الأقط المخلوط بالسمن .
ج ١٥ (١٤)

٢١٠
تفسير سورة يونس : ٩٨
كما يتغشَّى الإنسان الثوبَ فى القبر ، ففرقوا بين الإنسان وولده ، وبين البهيمة
وولدها ، ثم عجُوا إلى اللّه فقالوا: آمنا بما جاء به يونس وصدّقنا! فكشف اللّه
عنهم العذاب. فخرج يونس ينظر العذاب فلم ير شيئاً، قال: جَرَّبوا علىّ كذباً!
فذهب مغاضباً لربه حتى أتى البحر .
١١٩/١١
١٧٩٠٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
إسرائيل ، عن أبى إسحق ، عن عمرو بن ميمون قال ، حدثنا ابن مسعود فى بيت
المال ، قال : إن يونس عليه السلام كان قد وعد قومه العذاب، وأخبرهم أنه يأتيهم
إلى ثلاثة أيام ، ففرّقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجأروا إلى الله واستغفروه.
فكف اللّه عنهم العذاب، وغدا يونس ينظر العذاب فلم ير شيئاً. وكان من كذب
ولم تكن له بيِّنَةٌ قُتِل ، فانطلق مغاضباً .
١٧٩٠٧ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا یحی بن واضح قال ، حدثنا
صالح المرى ، عن أبى عمران الجونى ، عن أبى الجَلْد جيلان قال : لما غشى قوم
يونس العذاب ، مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا له : إنّه قد نزل بنا العذاب،
فما ترى؟ فقال: قولوا: (( يا حىُّ حين لاحىَّ، ويا حى محىَ الموتى، ويا حَىُّ لا إله
إلا أنت))! فكشف عنهم العذاب، ومُتِّعوا إلى حين. (١)
١٧٩٠٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر قال: بلغنى فى حرف ابن مسعود: ((فلولا))، يقول: ﴿ فَهَلًا﴾.
#
وقوله: (( لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا))، يقول :
لما صدّقوا رسولهم، وأقروا بما جاءهم به، بعد ما أظلّهم العذاب وغشيهم أمْرُ اللّه
(١) الأثر: ١٧٩٠٧ - ((أبو الجلد))، هو ((جيلان بن أبى فروة الأسدى))، مضى برقم
٤٣٤، ٧٢٣، ٠١٩١٣

٢١١
تفسير سورة يونس : ٩٨ ، ٩٩
ونزل بهم البلاء، كشفنا عنهم عذاب الهوان والذلّ فى حياتهم الدنيا(١) = ((ومتعناهم
إلى حين))، يقول: وأخَّرنا فى آجالهم ولم نعاجلهم بالعقوبة ، وتركناهم فى الدنيا
يستمتعون فيها بآجالهم إلى حين مماتهم ، ووقت فناء أعمارهم التى قَضَيْتُ
فَنَاءها. (٢)
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَنْ فِى
الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ ) (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه: ((ولو شاء))، يا محمد = ((ربك لآمن
من فى الأرض كلهم جميعاً))، بك، فصدَّ قوك أنك لى رسول، وأن ما جئتهم به
وما تدعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص العبودة له ، حقٌّ، ولكن لا يشاء ذلك ،
لأنه قد سبق من قضاء الله قبل أن يبعثك رسولاً أنه لا يؤمن بك ، ولا يتبعك
فيصدقك بما بعثك اللّه به من الهدى والنور، إلا من سبقت له السعادةُ فى الكتاب
الأوّل قبل أن تخلق السموات والأرض وما فيهن . وهؤلاء الذين عجبوا من صِدْق
إيحائنا إليك هذا القرآن لتنذر به من أمرتك بإنذاره ، ممّن قد سبق له عندى أنهم
لا يؤمنون بك فى الكتاب السابق .
. ..
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٩٠٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى
(١) انظر تغير ((الخزى)) فيما سلف ١٤: ٣٣٠، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((المتاع)) فيما سلف من فهارس اللغة (متع).

٢١٢
تفسير سورة يونس : ٩٩
معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: (( ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض
كلهم جميعاً)، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللهِ﴾، [سورة يونس: ١٠٠]،
ونحو هذا فى القرآن ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص أن يؤمن
جميعُ الناس ويتابعوه على الهدى ، فأخبره الله أنه لا يؤمن إلا من قد سبق له من
الله السعادة فى الذكر الأوّل، (١) ولا يضلّ إلا من سبق له من اللّه الشقاء فى الذّكر
الأول .
٠
٥
فإن قال قائل: فما وجه قوله: ((لآمن من فى الأرض كلهم جميعاً))،
فـ((الكل)) يدل على ((الجميع))، و((الجميع)) على ((الكل))، فما وجه تكرار ذلك،
وكل واحدة منهما تغنى عن الأخرى ؟
قيل : قد اختلف أهل العربية فى ذلك :
فقال بعض نحوبى أهل البصرة: جاء بقوله: ((جميعاً)) فى هذا الموضع توكيداً،
كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إَهَيْنِ أَثْنَيْنِ﴾، [سورة النحل: ٥١]، ففى قوله: ((إلهين))
دليل على ((الاثنين)).
وقال غيره: جاء بقوله: ((جميعاً)) بعد ((كلهم))، لأن ((جميعاً)) لا تقع
إلا توكيداً، و((كلهم)) يقع توكيداً واسماً، فلذلك جاء بـ ((جميعاً)) بعد ((كلهم)).
قال : ولو قيل إنه جمع بينهما ليعلم أن معناهما واحد، لجاز ههنا . قال: وكذلك:
﴿إَهْنِ أَثْنَيْنِ)، العدد كله يفسر به، فيقال: ((رأيت قوماً أربعة))، فلما
١٢٠/١١ جاء ((باثنين))، وقد اكتفى بالعدد منه، لأنهم يقولون: ((عندى درهم ودرهمان))،
فيكفى من قولهم: ((عندى درهم واحد، ودرهمان اثنان))، فإذا قالوا: ((دراهم))،
قالوا: ((ثلاثة))، لأن الجمع يلتبس، و((الواحد)) و((الاثنان)) لا يلتبسان
(١) فى المطبوعة: ((لا يؤمن من قومه))، زاد ما ليس فى المخطوطة، فحذفته.

٢١٣
تفسير سورة يونس : ٩٩ ، ١٠٫٠
ثم بُنِى الواحد والتثنية على بناء [ ما] فى الجميع، (١) لأنه ينبغى أن يكون مع كل
واحدٍ واحدٌ، لأن ((درهماً)) يدل على الجنس الذى هو منه، و((واحد)) ، يدلُّ على
كل الأجناس. وكذلك ((اثنان))، يدلان على كل الأجناس، ((ودرهمان))،
يدلان على أنفسهما ، فلذلك جاء بالأعداد ، لأنه الأصل .
*
وقوله: ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين))، يقولُ جل ثناؤه لنبيه
محمد صلى اللّه عليه وسلم: إنه لن يصدقك، يا محمد، ولن يتبعك ويقرّ بما جئت
به إلا من شاء ربك أن يصدّقك ، لا بإكراهك إياه ، ولا بحرصك على ذلك
= ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)) لك ، مصدقين على ما جئتهم به من
عند ربك ؟ يقول له جل ثناؤه : فاصدَعْ بما تؤمر، وأعرض عن المشركين الذين
حقَّت عليهم كلمة ربّك أنَّهم لا يؤمنون .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تُؤْمِنَ
إِلَّا بإِذْنِ اللهِ وَيَجْعلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُون) ).
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه: وما كان لنفس خلقتها، من سبيل
إلى تصديقك ، يا محمد، إلاّ بأن آذن لها فى ذلك، (٢) فلا تجهدن" نفسك فى
طلب هداها ، وبلِّغْها وعيدَ اللّه، وعرِّفها ما أمَرَك ربك بتعريفها، ثم خَلِّها،
فإن هداها بيد خالقها .
(١) فى المطبوعة: ((لم يثن الواحد والتثنية على تنافى الجمع))، وهو لا معنى له. وفى المخطوطة:
(( ثم بنى الواحد والتثنية على بنا فى الجميع))، هكذا غير منقوطة، واستظهرت قراءتها كما أثبتها، بزيادة ((ما)
بين ((بناء))، و ((فى الجميع)). ومع ذلك فبقى فى بيان معنى هذا الكلام، شىء فى نفسى، أخشى أن يكون
سقط منه شىء ، فإنه غير واضح عندى .
(٢) انظر تفسير ((الإذن)) فيما سلف ص: ١٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك.

٢١٤
تفسير سورة يونس : ١٠٠ ، ١٠١
وكان الثورى يقول فى تأويل قوله: ((إلا بإذن الله))، ما :-
١٧٩١٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا سويد قال ، أخبرنا ابن المبارك ،
عن سفيان فى قوله: ((وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن اللّه))، قال: بقضاء الله.
٠
وأما قوله: ((ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون))، فإنه يقول تعالى ذكره :
إن الله يهدى من يشاء من خلقه للإيمان بك، يا محمد، ويأذن له فى تصديقك
فيصدقك ، ويتبعك ، ويقرّ بما جئت به من عند ربك = ((ويجعل الرجس))،
وهو العذابُ وغضب الله(١) = ((على الذين لا يعقلون))، يعنى: الذين لا يعقلون
عن الله حججه ومواعظه وآياته التى دلّ بها جل ثناؤه على نبوّة محمد صلى الله عليه
وسلم، وحقيقة ما دعاهم إليه من توحيد الله، وخَلْح الأنداد والأوثان .
١٧٩١١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن
على، عن ابن عباس قوله: ((ويجعل الرجس))، قال: السَّخَط .
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُل انظُرُواْ مَاذَا فِى السَّمَوَت
وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِى الْأَيْتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ) (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين من
قومك ، السائليك الآياتِ على صحّة ما تدعوهم إليه من توحيد الله ، وخلع الأنداد
والأوثان: انظروا، أيها القوم، ماذا فى السمواتِ من الآيات الدّالة على حقيقة ما
أدعوكم إليه من توحيد الله ، من شمسها وقمرها ، واختلافٍ ليلها ونهارِها، ونزول
الغيث بأرزاق العباد من سحابها = وفى الأرض من حبالها، وتصدُّعها بنباتها وأقوات
أهلها، وسائر صنوف عجائبها ، فإن فى ذلك لكم إن عقلتم وتدبّرتم عظةً ومعتبراً
(١) انظر تفسير ((الرجس)) فيما سلف ١٤: ٥٧٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٢١٥
تفسير سورة يونس : ١٠١، ١٠٢
ودلالةً على أن ذلك من فعل من لا يجوز أن يكون له فى ملكه شريك، ولا له على
تدبيره وحفظه ظهير = يُغْنيكم عما سواه من الآيات .
يقول الله جل ثناؤه: ((وما تُغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون))، يقول
جل ثناؤه : وما تغنى الحجج والعبر والرسل المنذرة عباد الله عقابه ، (١) عن قوم
قد سبق لهم من اللّه الشقاء ، وقضى لهم فى أم الكتاب أنهم من أهل النار ، لا يؤمنون
بشىء من ذلك ولا يصدّقُون به، ولوجاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم ؟ (٢)
#
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ ١٢١/١١
الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَأَنْتَظِرُواْ إِنِّى مَعَكُم مِّنَ
الْمُنْتَظِرِينَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، محذّراً
مشركى قومه من حلول عاجل نقمه بساحتهم نحوّ الذى حلَّ بنظرائهم من قبلهم
من سائر الأمم الخالية من قبلهم ، السالكة فى تكذيب رسل الله وجحود توحيد
ربّهم سبيلَهم : فهل ينتظر ، يا محمد ، هؤلاء المشركون من قومك، المكذّبون
بما جئتهم به من عند الله ، إلا يوماً يعاينون فيه من عذاب الله مثل أيام أسلافهم
الذين كانوا على مثل الذى هم عليه من المشرك والتكذيب ، الذين مضوا قبلهم
فخَلَوْا من قوم نوح وعاد ثمود ؟ قل لهم ، يا محمد، إن كانوا ذلك ينتظرون :
فانتظروا عقابَ الله إياكم ، ونزول سخطه بكم، إنى من المنتظرين هلاككم وبوارَ كم
بالعقوبة التى تحلُّ بكم من اللّه.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
(١) انظر تفسير ((أغنى)) فيما سلف ص: ٨٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((النذير)) فيما سلف ١٠ : ١٥٨.

٢١٦٠
تفسير سورة يونس : ١٠٢، ١٠٣
• ذكر من قال ذلك :
١٧٩١٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم))، يقول: وقائع اللّه فى
الذين خلوا من قبلهم ، قوم نوح وعاد وثمود .
١٧٩١٣ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر
عن أبيه ، عن الربيع بن أنس فى قوله: (( فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا
من قبلهم قل فانتظروا إنى معكم من المنتظرين )) ، قال : خوَّفهم عذابه ونقمته
وعقوبته ، ثم أخبرهم أنه إذا وقع من ذلك أمرٌ ، أنجى الله رسله والذين آمنوا معه ،
فقال الله: ((ثم ننجى رسلنا والذين آمنوا كذلك حقًّاً علينا ننجى المؤمنين)).
:
القول فى تأويل قوله تعالى {ثُمَّ نُنَجِّى رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره ، قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين من
قومك : انتظروا مثل أيام الذين خلوا من قبلكم من الأمم السالفة الذين هلكوا
بعذاب الله ، فإن ذلك إذا جاء لم يهلك به سواهم ومن كان على مثل الذى هم عليه
من تكذيبك، ثم ننجتى هناك رسولنا محمداً صلى الله عليه وسلم ومن آمن به وصدّقه
واتبعه على دينه ، كما فعلنا قبل ذلك برُسلنا الذين أهلكنا أممهم ، فأنجيناهم ومن
آمن به معهم من عذابنا حين حقّ على أمهم = ((كذلك حقًّاً علينا ننجى المؤمنين))،
يقول: كما فعلنا بالماضين من رسلنا فأنجيناها والمؤمنين معها وأهلكنا أمها ، كذلك نفعل
بك، يا محمد، وبالمؤمنين، فننجيك وننجى المؤمنين بك ، حقًّاً علينا غيرشك .
#

٢١٧
تفسير سورة يونس : ١٠٤
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ بَأَيُّهَا النَّاس إِن كُنتُمْ
فِى شَكِّ مِّن دِينِى فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ من دُونِ اللهِ وَلَكِنْ
أَعْبُدُ اللهَ الَّذِى يَتَوَفِّمُكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، قل ،
يا محمد ، لهؤلاء المشركين من قومك الذين عجبوا أن أوحيت إليك : إن كنتم
فى شك، أيها الناس، من دينى الذى أدعوكم إليه، فلم تعلموا أنه حقٌّ من عند الله،
فإنى لا أعبد الذين تعبدون من دون الله، من الآلهة والأوثان التى لا تسمع ولا تبصر
ولا تغنى عنّى شيئاً ، فتشكُّوا فى صحته .
وهذا تعريض ولحنٌ من الكلام لطيفٌ، (١) وإنما معنى الكلام : إن كنتم
فى شك من دينى ، فلا ينبغى لكم أن تشكوا فيه ، وإنما ينبغى لكم أن تشكوا فى
الذى أنتم عليه من عبادة الأصنام التى لا تعقل شيئاً، ولا تضر ولا تنفع . فأما دينى
فلا ينبغى لكم أن تشكُّوا فيه، لأنى أعبد الله الذى يقبض الخلق فيميتهم إذا شاء ،
وينفعهم ويضرُّهم إن شاء. (٢) وذلك أن عبادة من كان كذلك ، لا يستنكرها
ذو فطرة صحيحة . وأما عبادة الأوثان ، فينكرها كل ذى لبّ وعقلٍ صحيح .
وقوله: ((ولكن أعبد الله الذى يتوفاكم))، يقول: ولكن أعبد الله الذى يقبض
(١) ((اللحن))، التعريض والإيماء دون التصريح، وذلك بأن تعدل الكلام عن جهته، فيكون
أجود له ، وأشد إثارة الفطنة سامعه .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((وينفعهم ويضر من يشاء))، وكأنه سهو من الناسخ، فإن السياق
يقتضى ما أثبت .

٢١٨
تفسير سورة يونس : ١٠٤ - ١٠٦
أرواحكم فيميتكم عند آجالكم (١) = ((وأمرت أن أكون من المؤمنين))، يقول : وهو
الذى أمرنى أن أكون من المصدّقين بما جاءنى من عنده .
٠
٥
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدینِ
حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وأمرت أن أكون من المؤمنين)) = (( وأن
أقم))، و((أن)) الثانية عطفٌ على ((أن)) الأولى .
ويعنى بقوله: ((أقم وجهك الدين))، أقم نفسك على دين الإسلام، (٢)
= ((حنيفاً)) مستقيماً عليه، غير معوَجّ عنه إلى يهوديةٍ ولا نصرانية، ولا عبادة
١٢٢/١١ وثن (٣) = ((ولا تكونن من المشركين))، يقول: ولا تكونن ممن يشرك فى عبادة
ربه الآلهةَ والأندادَ ، فتكون من الهالكين .
#
٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَالَا
يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًّا مِّنَ الظَّلِمِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولا تدع ، يا محمد ، من دون معبودك
وخالقك شيئاً لا ينفعك فى الدنيا ولا فى الآخرة ، ولا يضرك فى دين ولا دنيا ،
يعنى بذلك الآلهة والأصنام . يقول: لا تعبدها راجياً نفعها أو خائفاً ضرَّها ، فإنها
(١) انظر تفسير ((التوفى)) فيما سلف ص: ٩٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الوجه)) فيما سلف ٢: ٥١٠ - ٥١٢، ٥٢٦ - ١٠/٥٤٦: ٢٣،
وما بعدها .
(٣) انظر تفسير ((الحنيف)) فيما سلف ١٢: ٢٨٣، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٢١٩
تفسير سورة يونس : ١٠٧،١٠٦
لا تنفع ولا تضر = ((فإن فعلت))، ذلك، فدعوتها من دون الله = ((فإنك إذاً من
الظالمين))، يقول: من المشركين باللّه الظالى أنفُسِهِم. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا
كَاشِفَ لَهُ، إِلَّهُو وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَذَ لِفَضْلِهِ مُيُصِيبُ
بِهِ ثُ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ > وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه : وإن يصبك اللّه، يا محمد، بشدة
أو بلاء ، (٢) فلا كاشف لذلك إلا ربّك الذى أصابك به ، دون ما يعبده هؤلاء
المشركون من الآلهة والأنداد (٣) = ((وإن يردك بخير))، يقول: وإن يردك ربك
برخاء أو نعمة وعافية وسرور (٤) = ((فلا راد" لفضله))، يقول: فلا يقدر أحدٌ أن
يحول بينك وبين ذلك، ولا يردّك عنه، ولا يحرمكه، لإنه الذى بيده السّرّاء والضرّاء،
دون الآلهة والأوثان، ودون ما سواه = (( يصيب به من يشاء ))، يقول : يصيب
ربك، يا محمد، بالرخاء والبلاء والسراء والضراء، من يشاء ويريد (٥) = ((من عباده
وهو الغفور))، لذنوب من تاب وأناب من عباده من كفره وشركه إلى الإيمان به
وطاعته = ((الرحيم))، بمن آمن به منهم وأطاعه، أن يعذبه بعد التوبة والإنابة. (٦)
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((الظالم لنفسه))، والسياق لا يليق به هذا، وظنى أنه سهو من الناسخ،
فلذلك أبدلت به ما أثبت .
(٢) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الضر)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضرر).
(٣) انظر تفسير ((الكشف)) فيما سلف ١١ : ١٣/٣٥٤: ١٥/٧٣: ٢٠٥،٣٦.
(٤) انظر تفسير ((الخير)) فيما سلف من فهارس اللغة (خير ).
(٥) انظر تفسير ((الإصابة)) فيما سلف من فهارس اللغة (صوب).
(٦) انظر تفسير ((الغفور)) و((الرحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رسم).

٢٢٠
تفسير سورة يونس : ١٠٨
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَ كُمُ
الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ
فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَ كِيلٍ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ((قل))،
يا محمد، للناس = ((يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم))، يعنى: كتاب
اللّه، فيه بيان كل ما بالناس إليه حاجة من أمر دينهم = ((فمن اهتدى))، يقول :
فمن استقام فسلك سبيل الحق ، وصدّق بما جاء من عند الله من البيان = ((فإنما
يهتدى لنفسه)) ، يقول : فإنما يستقيم على الهدى ويسلك قصد السبيل لنفسه ،
فإياها يبغى الخيرَ بفعله ذلك لا غيرها (١) = ((ومن ضل))، يقول: ومن اعوج
عن الحق الذى أتاه من عند الله، وخالف دينَه وما بعث به محمداً والكتاب
الذى أنزله عليه - ((فإنما يضل عليها ))، يقول : فإن ضلاله ذلك إنما يجنى به
على نفسه، لا على غيرها، لأنه لا يؤخذ بذلك غيرها، ولا يورد بضلاله ذلك المهالك"
سوى نفسه، ولا تزر وازرة وزر أخرى (٢) = ((وما أنا عليكم بوكيل))، يقول :
وما أنا عليكم بمسلَّط على تقويمكم، إنما أمركم إلى اللّه، وهو الذى يقوّم من يشاء
منكم ، وإنما أنا رسول مبلغ أبلغكم ما أرسلتُ به إليكم. (٣)
(١) انظر تفسير ((الاهتداء)» فيما سلف من فهارس اللغة ( هدى).
(٢) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(٣) انظر تفسير ((وكيل)) فيما سلف ١٢: ٣٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.