النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ تفسير سورة يونس : ٥١،٥٠ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ أَرعَيْتُمْ إِنْ أَتَكُمْ عَذَابُهُ، بَيَتًا أَوْ نِهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِل مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾(٥) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : قل ، يا محمد ، لهؤلاء المشركين من قومك: أرأيتم إن أتاكم عذاب الله بياناً، يقول: ليلا أو نهاراً، (١) وجاءت الساعة وقامت القيامة ، أتقدرون على دفع ذلك عن أنفسكم ؟ يقول الله تعالى ذكره : ماذا يستعجلُ من نزول العذاب ، (٢) المجرمون الذين كفروا بالله، وهم الصَّالون بحرِّه دون غيرهم ، ثم لا يقدرون على دفعه عن أنفسهم ؟ # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ ءَآلْثَنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ ے تَسْتَعْجِلُون ﴾ (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أهنالك إذا وقع عذابُ الله بكم، أيها المشركون = ((آمنتم به))، يقول : صدقتم به فى حالٍ لا ينفعكم فيها التصديق، وقيل لكم حينئذ: آلآنَ تصدّقون به ، وقد كنّم قبل الآن به تستعجلون ، وأنتم بنزوله مكذّبون ؟ فذوقوا الآن ما كنتم به تكذّبون . ٠ ومعنى قوله: ((أثم))، فى هذا الموضع: أهنالك، وليست (ُثُمَّ)) هذه ها هنا التى تأتى بمعنى العطف . (٣) ... (١) انظر تفسير ((البيات)) فيما سلف ١٢ : ٢٩٩، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير ((الاستعجال)) فيما سلف ص: ٣٣. (٣) انظر تفسير ((ثم)) فيما سلف ٢: ٥٣٥ وفيه تفسير ((ثم)) المفتوحة، بمعنى: هنالك. وقد قال القرطبى فى تفسيره ٨: ٣٥١: ((وقيل إن ((ثم)) ههنا بمعنى ((ثم)) بفتح التاء فتكون ظرفاً، والمعنى: أهنالك، وهو مذهب الطبرى)). وقال أبو حيان فى تفسيره ٥ : ١٦٧ ((وقال الطبرى فى قوله: أثم، يضم الثاء أن معناه: أهنالك، وليست ((ثم)) هذه ههنا التى تأتى بمعنى العطف ، وما قاله الطبرى دعوى . ١٠٢ تفسير سورة يونس : ٥٣،٥٢ القول فى تأويل قوله تعالى (ثُم قِيلَ لِلَّذِين ظَلَمُوا ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ ﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ثم قيل للذين ظلموا))، أنفسهم، بكفرهم بالله = ((ذوقوا عذاب الخلد))، تجرّعوا عذابَ اللّه الدائم لكم أبداً، الذى لا فناء له ولا زوال (١) = ((هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون))، يقول : يقال لهم : فانظروا هل تجزون، أى: هل تثابون = ((إلا بما كنتم تكسبون))، يقول : إلا بما كنتم تعملون فى حياتكم قبل مماتكم من معاصى اللّه؟ (٢) # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقُّ هُوَ قُلْ إِى وربِّىَ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُم بِمُعْجِزِينَ﴾ (٢) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ويستخبرك هؤلاء المشركون من قومك ، يا محمد، (٣) فيقولون لك: أحق ما تقول، وما تعدنا به من عذاب الله فى الدار الآخرة ٨٦١/١ جزاءً على ما كنا نكسب من معاصى الله فى الدنيا؟ قل لهم يا محمد: ((إي وربى إنه لحق))، لا شك فيه، وما أنتم بمعجزى اللّه إذا أراد ذلك بكم ، بهربٍ ، أو امتناع، بل أنتم فى قبضته وسلطانه وملكه، إذا أراد فعل ذلك بكم، فاتَّقُوا اللّه فى أنفسكم . (٤) # (١) انظر تفسير ((الذوق)) فيما سلف ص: ٤٩، تعليق: ١، والمراجع هناك. = وتفسير ((الخلد)) فيما سلف من فهارس اللغة ( خلد) (٢) انظر تفسير ((الجزاء))، و((الكسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى)، ( كسب). (٣) انظر تفسير ((النبأ)) فيما سلف ص: ٥٤، تعليق: ٤، والمراجع هناك. (٤) انظر تفسير ((الإعجاز)) فيما سلف ١٤: ١٣١، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ١٠٣ تفسير سورة يونس : ٥٥،٥٤ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِى الْأَرْضِ لَأَفْتَدَتْ بِهِ > وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (@) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو أن لكل نفس كفرت بالله = و((ظلمها))، فى هذا الموضع، عبادتُها غيرَ من تستحق عبادته، (١) وتركها طاعة من يجب عليها طاعته = (( ما فى الأرض))، من قليل أو كثير = ((لافتدت به )) ، يقول: لافتدت بذلك كلِّه من عذاب الله إذا عاينته (٢) = وقوله: ((وأسروا الندامة لما رأوا العذاب))، يقول: وأخفتْ رؤساء هؤلاء المشركين من وضعائهم وسفلتهم الندامةَ، حين أبصرُوا عذاب الله قد أحاط بهم، وأيقنوا أنه واقع بهم = ((وقضى بينهم بالقسط))، يقول: وقضى الله يومئذ بين الأتباع والرؤساء منهم بالعدل (٣) = (( وهم لا يظلمون ))، وذلك أنه لا يعاقب أحداً منهم إلا بجريرته، ولا يأخذه بذنب أحدٍ ، ولا يعذِّب إلا من قد أعذر إليه فى الدنيا وأنذر وتابع عليه الحجج . # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ لِلّهِ مَا فِى الْسّمَوَّتْ وَالْأَرْضِ أََّ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ) قال أبو جعفر: يقول جل ذكره : ألا إنّ كل ما فى السموات وكل ما فى الأرض من شىء، لله ملْك، لا شىء فيه لأحدٍ سواه ، يقول: فليس لهذا الكافر (١) فى المطبوعة: ((من يستحق عبادة))، غير ما فى المخطوطة. (٢) انظر تفسير ((الافتداء)) فيما سلف من فهارس اللغة ( فدى). (٣) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ص: ٩٩، تعليق: ١، والمراجع هناك. ١٠٤ .. تفسير سورة يونس : ٥٥ - ٥٧ بالله يومئذ شىء يملكه فيفتدى به من عذاب ربّه، وإنما الأشياء كلها للذى إليه عقابه . ولو كانت له الأشياء التى هى فى الأرض ، ثم افتدى بها ، لم يقبل منه بدلاً من عذابه، فيصرف بها عنه العذاب ، فكيف وهو لا شىء له يفتدى به منه، وقد حقّ عليه عذاب الله؟ يقول الله جل ثناؤه: ((ألا إن وعد الله حق))، يعنى أن عذابه الذى أوعد هؤلاء المشركين على كفرهم، حقّ، فلا عليهم أن لا يستعجلوا به ، فإنه بهم واقع لا شك = ((ولكن أكثرهم لا يعلمون ))، يقول: ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون حقيقةً وقوع ذلك بهم، فهم من أجل جهلهم به مكذً بون. القول فى تأويل قوله تعالى ﴿هُوَ يُحْيِ ه وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ( قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الله هو المحبى المميت، لا يتعذّر عليه فعلُ ما أراد فعله من إحياء هؤلاء المشركين إذا أراد إحياءهم بعد مماتهم ، ولا إماتتهم إذا أراد ذلك ، وهم إليه يصيرون بعد مماتهم ، فيعاينون ما كانوا به مكذبين من وعيد اللّه وعقابه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿يَأَيُّهَا النَّاسِ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبْكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِى الصُّدُورِ وَهُدَى وَرَحْمَةُ للْمُؤْمِنِينَ )ہ) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لخلقه: (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم ))، يعنى: ذكرى تذكركم عقاب الله وتخوفكم وعيده (١) = ((من (١) انظر تفسير ((الموعظة)) فيما سلف ٨: ٥٢٨، تعليق: ٣، والمراجع هناك. ١٠٥ تفسير سورة يونس : ٥٧، ٥٨ ربكم)) ، يقول: من عند ربكم، لم يختلقها محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يفتعلها أحد، فتقولوا : لا نأمن أن تكون لاصحةَ لها. وإنما يعنى بذلك جلّ ثناؤه القرآن ، وهو الموعظة من الله . وقوله: ((وشفاء لما فى الصدور))، يقول: ودواءٌ لما فى الصدور من الجهل ، یشفى به الله جهل الجهال ، فیبرئ به داءهم، ويهدی به من خلقه من أراد هدايته به = (( وهدى))، يقول: وهو بيان لحلال الله وحرامه، ودليلٌ على طاعته ومعصيته = ((ورحمة))، يرحم بها من شاء من خلقه ، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى ، وينجيه من الهلاك والردى . وجعله تبارك وتعالى رحمة للمؤمنين به دون الكافرين به ، لأن من كفر به فهو عليه عمّى، وفى الآخرة جزاؤه على الكفر به الخلودُ فى لظَّ . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ بفَضْل اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ > فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٨) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( قل)) ، يا محمد، لهؤلاء المكذً بين بك وبما أنزل إليك من عند ربك =(١) ((بفضل الله))، أيها الناس ، الذى تفضل به عليكم ، وهو الإسلام ، فبيَّنه لكم ، ودعاكم إليه = ((وبرحمته))، التى رحمكم بها، فأنزلها إليكم، فعأَّمكم ما لم تكونوا تعلمون من كتابه، وبصرَّكم بها معالم دينكم، وذلك القرآن = (( فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون)) ، يقول : فإن الإسلام الذى دعاهم إليه ، والقرآن الذى أنزله عليهم ، خيرٌ مما يجمعون من حُطَام الدنيا وأموالها وكنوزها . ٨٧/١١ ... (١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((لهؤلاء المشركين بك))، وهو فاسد جداً، ورجحت أن الصواب ما أثبت . ١٠٦ تفسير سورة يونس : ٥٨ وبنحو ما قلنا فى ذلك قال جماعة من أهل التأويل . • ذكر من قال ذلك : ١٧٦٦٨ - حدثنى على بن الحسن الأزدى قال، حدثنا أبو معاوية، عن الحجاج ، عن عطية، عن أبى سعيد الخدرى فى قوله: (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا))، قال: ((بفضل الله))، القرآن = ((وبرحمته))، أن جعلكم من أهله . (١) ١٧٦٦٩ - حدثنى يحيى بن طلحة اليربوعى قال، حدثنا فضيل ، عن منصور، عن هلال بن يساف: (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا))، قال : بالإسلام الذى هداكم ، وبالقرآن الذى علّمكم . ١٧٦٧٠ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا ابن يمان قال ، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال: بالإسلام والقرآن = ((فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، من الذهب والفضّة . ١٧٦٧١ - حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان ، عن منصور، عن هلال بن يساف فى قوله: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال: ((فضل الله))، الإسلام، و((رحمته))، القرآن . ١٧٦٧٢ -حدثی علی بن سهل قال، حدثنا زید قال، حدثنا سفيان، عن منصور، عن هلال بن يساف فى قوله: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال : الإسلام والقرآن . (١) الأثر: ١٧٦٦٨ - ((على بن الحسن الأزدى))، شيخ الطبرى، مضى برقم: ١٠٢٥٨، وأننا لم نجد له ترجمة. وكان فى المطبوعة هنا ((بن الحسين))، وهو خطأ، وقع مثله عندنا فى هامش التعليق على الأثر المذكور ٩ : ٩٨، تعليق : ١ ١٠٧ تفسير سورة يونس : ٥٨ ١٧٦٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم وقبيصة قالا ، حدثنا سفيان ، عن منصور ، عن هلال بن يساف ، مثله . ١٧٦٧٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال ، مثله . ١٧٦٧٥ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة : ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا))، أما فضله فالإسلام، وأما رحمته فالقرآن. ١٧٦٧٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن الحسن: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال : فضله الإسلام ، ورحمته القرآن . ١٧٦٧٧ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال : القرآن . ١٧٦٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج، عن مجاهد: ((وبرحمته))، قال : القرآن . ١٧٦٧٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج قال، قال ابن عباس قوله: ((هو خير مما يجمعون))، قال : الأموال وغيرها . ١٧٦٨٠ - حدثنا على بن داود قال، حدثنى أبو صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس: ((قل بفضل الله وبرحمته))، يقول : فضله الإسلام ، ورحمته القرآن . ١٧٦٨١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن هلال: ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا))، قال: بكتاب الله، وبالإسلام = ((هو خير مما يجمعون)). ١٠٨ تفسير سورة يونس : ٥٨ وقال آخرون: بل ((الفضل))، القرآن = و((الرحمة))، الإسلام. • ذكر من قال ذلك : ١٧٦٨٢ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، قال: ((بفضل الله))، القرآن = ((وبرحمته))، حين جعلهم من أهل القرآن . ١٧٦٨٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا جعفر بن عون قال، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال: ((فضل اللّه))، القرآن ، و (( رحمته))، الإسلام. ١٧٦٨٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال ، أخبرنا هشيم ، عن جويبر، عن الضحاك، قوله: ((قل بفضل الله وبرحمته))، قال : ((بفضل الله))، القرآن = ((وبرحمته))، الإسلام. ١٧٦٨٥ - حدثنى يونس قال أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله : ٨٨/١١ ((قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا))، قال: كان أبى يقول : فضله القرآن ، ورحمته الإسلام . ٠ ٥ واختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((فبذلك فليفرحوا)). فقرأ ذلك عامة قرأة الأمصار: ﴿ فَلْيَفْرَحُوا﴾ بالياء ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ بالياء أيضاً ، على التأويل الذى تأولناه ، من أنه خبر عن أهل الشرك بالله . يقول : فبالإسلام والقرآن الذى دعاهم إليه ، فليفرح هؤلاء المشركون ، لا بالمال الذى يجمعون ، فإن الإسلام والقرآن خيرٌ من المال الذى يجمعون، وكذلك :- ١٧٦٨٦ - حدثت عن عبد الوهاب بن عطاء، عن هرون، عن أبى التيّاح : ١٠٩ تفسير سورة يونس : ٥٨ ((فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون))، يعنى الكفار . ٠ ٠ ورُوى عن أبيّ بن كعب فى ذلك ما :- ١٧٦٨٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن أسلم المنقرى ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبىّ بن كعب : أنه كان يقرأ: ﴿فَبِذَاكَ فَلْنَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾، بالتاء . ١٧٦٨٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عمرو بن عون قال، أخبرنا هشيم ، عن الأجلح ، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى ، عن أبيه ، عن أبى بن كعب ، مثل ذلك . وكذلك كان الحسن البصرى يقول : غير أنه فيما ذكر عنه كان يقرأ قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾، بالياء، الأول على وجه الخطاب، والثانى على وجه الخبر عن الغائب . وكان أبو جعفر القارئ ، فما ذكر عنه ، يقرأ ذلك نحو قراءة أبىّ ، بالتاء جميعاً . ٠ ٠ قال أبو جعفر: والصواب من القراءة فى ذلك ما عليه قرأة الأمصار من قراءة الحرفين جميعاً بالياء: ﴿فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجِمَعُونَ﴾ ، لمعنيين: أحدهما : إجماع الحجة من القرأة عليه . والثانى: صحته فى العربية، وذلك أن العرب لا تكاد تأمر المخاطب باللام والتاء ، وإنما تأمره فتقول: ((أفعل ولا تفعل)). وبعدُ، فإنى لا أعلم أحداً من أهل العربية إلاّ وهو يستردئ أمر المخاطب باللام ، ويرى أنها لغة مرغوب عنها ، غير الفراء ، فإنه كان يزعم أن اللآم فى ١١٠ تفسير سورة يونس : ٥٨ الأمر [ هى البناء الذى خلق له]، (١) واجهتَ به أم لم تُوَاجِه، إلا أن العرب حذفت اللام من فعل المأمور المواجته، لكثرة الأمر خاصةً فى كلامهم ، كما حذفوا التاء من الفعل . قال : وأنت تعلم أن الجازم والناصِب لا يقعان إلاّ على الفعل الذى أوله الياء والتاء والنون والألف، فلما حُدٍ فِت التاء ذهبت اللام، وأُحدٍ ثَت الألف فى قولك: ((اضرب)) و((افرح))، لأن الفاء ساكنة، فلم يستقم أن يستأنف بحرف ساكنٍ، فأدخلوا ألفاً خفيفة يقع بها الابتداء، كما قال: ﴿الدَّارَكُوا﴾، [سورة الأعراف: ٣٨].(٢) و﴿اثَّا قَلْتُمْ﴾، [سورة التوبة: ٣٨]. (٣) وهذا الذى اعتلّ به النمراء، عليه لاله . وذلك أن العرب إن كانت قد حذفت اللام فى المواجتَه وتركتها، فليس لغيرها إذا نطق بكلامها أن يُدْخِل فيه ما ليس منه، ما دام متكلِّماً بلغتها . فإن فعل ذلك ، كان خارجاً عن لغتها. وكتابُ اللّه الذى أنزله على محمد بلسانها، (٤) فليس لأحد أن يتلوه إلا بالأفصح من کلامها، وإن كان معروفاً بعضُ ذلك من لغة بعضها، فكيف بما ليس بمعروف من لغة حىّ ولا قبيلة منها ، وإنما هو دعوى لا تثبتُ بها [ حجة ] ولا صحة. (٥) (١) فى المطبوعة: ((أن اللام فى ذى التاء الذى خلق له))، وهو كلام ساقط بمرة واحدة. وكان فى المخطوطة: ((أن اللام فى هى البناء ... ))، والزيادة التى بين القوسين من عندى، لأن الناسخ أسقط، كما هو ظاهر . واستظهرت ذلك من كتاب الفراء ، وهذا كله نصه ، كما سيأتى. (٢) فى المطبوعة: ((اداركتم))، وفى المخطوطة ((قالوا: اداركوا واثاقاتم))، وأثبت نص الفراء. (٣) هذا كله نص الفراء فى معانى القرآن ١ : ٤٦٩. (٤) فى المطبوعة: ((وكلام الله))، والجيد ما فى المخطوطة. (٥) فى المطبوعة: ((لا ثبت بها ولا حجة))، وفى المخطوطة: ((لا تثبت بها ولا صحة)) فزدت ((حجة)) بين القوسين، لاقتضاء السياق إياها. ١١١ تفسير سورة يونس : ٥٩ القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ قُلْ أَرَعَيْتُم مَا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَا قُلْءَ اللهُ أَذِنَ لَكُمْ أُمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ﴾) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ((قل))، يا محمد، لهؤلاء المشركين = ((أرأيتم)) أيها الناس = (( ما أنزل الله لكم من رزق))، يقول : ما خلق الله لكم من الرزق فخَوَّلكموه ، وذلك ما تتغذون به من الأطعمة = ((فجعلتم منه حراماً وحلالاً))، يقول: فحللتم بعضَ ذلك لأنفسكم، وحرمتم بعضه عليها ، وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرِّمونه من حُروثهم التى كانوا يجعلونها لأوثانهم، كما وصفهم الله به فقال: ﴿وَجَعَلُوا لِهِ مِمَّا ذَرَأْ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأُنْعَمِ نَصِيِباً فَقَالُوا هَذَا لِلّهِ بِزَعِْهِمْ وَهْذَا لِشُرَ كَائِنَا﴾، [ سورة الأنعام: ١٣٦]. ومن الأنعام ما كانوا يحرّمونه بالتبحير والتسييب ونحو ذلك ، مما قد مناه فيما مضى من كتابنا هذا . (١) ٨٩/١١ يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))، يا محمد، ((آلله أذن لكم )) بأن تحرِّمُوا ما حرَّمتم منه، ((أم على اللّه تفترون))، أى: تقولون الباطل وتكذبون؟ (٢) * وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : ١٧٦٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال ، حدثنى معاوية ، عن على، عن ابن عباس قال: إن أهل الجاهلية كانوا يحرّمون أشياء أحلّها اللّه من الثياب وغيرها، وهو قول الله: ((قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه (١) أنظر ما سلف ١١ : ١١٦ - ١٣٤. (٢) انظر تفسير ((الافتراء)) فيما سلف من فهارس اللغة (فرى). ١١٢ تفسير سورة يونس : ٥٩ حراماً وحلالاً)، وهو هذا. فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ التى أَخْرَجَ لِبَادِهِ) الآية، [سورة الأعراف: ٣٢]. ١٧٦٩٠ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عى قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم)) إلى قوله: ((أم على اللّه تفترون))، قال: هم أهل الشرك . ١٧٦٩١ - حدثنى القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، عن عطاء الخراسانى ، عن ابن عباس قوله : (((فجعلتم منه حراماً وحلالاً))، قال: الحرث والأنعام = قال ابن جريج قال ، مجاهد : البحائر والسُّيَّب . ١٧٦٩٢ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((فجعلتم منه حراماً وحلالاً ))، قال : فى البحيرة والسائبة . ١٧٦٩٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً )) ، الآية ، يقول : كل رزق لم أحرُّم حرَّمتموه على أنفسكم من نسائكم وأموالكم وأولادكم ، اللّه أذن لكم فيما حرمتم من ذلك ، أم على اللّه تفترون ؟ ١٧٦٩٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً))، فقرأحتى بلغ: ((أم على اللّه تفترون))، وقرأ: ﴿وَقَالُوا مَا فِى بُطُونِ هَذِهِ الأَنَْمِ خَالِصَةٌ لِذُ كُورِ نَا وَنُحَرَّمٌ عَى أزْوَاجِنَا﴾، [سورة الأنعام: ١٣٩]، وقرأ: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَمٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ حتى بلغ: ﴿لاَ يَذْ كُرُونَ أَسْمَ اللهِ عَلَيْهَاَ﴾، [سورة الأنعام: ١٣٨]. فقال: هذا قوله، جعل لهم رزقاً، فجعلوا منه حراماً وحلالاً، وحرموا بعضه وأحلُّوا بعضه. ١١٣ تفسير سورة يونس : ٦٠،٥٩ وقرأ: ﴿فَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنٍ وَمِنَ الْتَزِ أثْنَيْنِ قُلْ آَلَّ كَرَيْنِ حَرِّمَ أَمِ الْأُنْثَيْنِ أُمَّا أُشْتَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ﴾، أىّ هذين حَرَّم على هؤلاء الذين يقولون وأحل لهؤلاء، ﴿ نَبْتُونِ بِعِلْمٍ إِنْ كُفْتُمْ صَادِقِينَ. أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللهُ بِهِذَا﴾، إلى آخر الآيات، [سورة الأنعام: ١٤٢ - ١٤٤]. ١٧٦٩٥ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً ))، هو الذى قال الله: ﴿وَجَعَلُوا بِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامُ نَصِيباً} إلى قوله: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ)، [سورة الأنعام: ١٣٦ ]. # القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ) ) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما ظن هؤلاء الذين يتخرَّصون على الله الكذبَ ، فيضيفون إليه تحريم ما لم يحرّمه عليهم من الأرزاق والأقوات التى جعلها الله لهم غذاءَ، أنَّ اللّه فاعلٌ بهم يوم القيامة بكذبهم وفريتهم عليه ؟ أيحسبون أنه يصفح عنهم ويغفر ؟ كلاّ ، بل يصليهم سعيراً خالدين فيها أبداً = ((إن الله لذو فضل على الناس))، يقول: إن اللّه لذو تفضّل على خلقه، بتركه معاجلة من افترى عليه الكذب بالعقوبة فى الدنيا، وإمهاله إياه إلى وروده عليه فى القيامة ج ١٥ (٨) ١١٤ تفسير سورة يونس : ٦٠ ، ٦١ = ((ولكن أكثرهم لا يشكرون))، يقول: ولكن أكثر الناس لا يشكرونه على تفضُّله عليهم بذلك ، وبغيره من سائر نعمه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَغْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِى الْأَرضِ وَلَا فِى الَّمَآءِ وَلَ أَصْغَرَ مِن ذُلِكَ وَلَآَ أَكْبَرَ إِلَّ فِى كِتَبٍ ٩٠/١١ مبینٍ ﴾ ٦١ قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( وما تكون ))، يا محمد = ((فى شأن))، يعنى: فى عمل من الأعمال = ((وما تتلومنه من قرآن))، يقول: وما تقرأ من كتاب الله من قرآن(١) = ((ولا تعملون من عمل))، يقول : ولا تعملون من عمل، أيها الناس ، من خير أو شر = ((إلا كنّا عليكم شهوداً))، يقول: إلا ونحن شهود لأعمالكم وشئونكم، إذ تعملونها وتأخذون فيها. (٢) # وبنحو الذى قلنا فى ذلك رُوِى القول عن ابن عباس وجماعة . ذكر من قال ذلك : ١٧٦٩٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((إذ تفيضون فيه))، يقول: إذ تفعاون . ٠ (١) انظر تغير ((التلاوة)) فيما سلف من فهارس اللغة (تلا). (٢) انظر تغير ((الإفاضة)) فيما سلف ٤: ١٧٠. ١١٥ . تفسير سورة يونس : ٦١ وقال آخرون : معنى ذلك ، إذ تشيعون فى القرآن الكذب . * ذكر من قال ذلك : ١٧٦٩٧ - حدثت عن المسيب بن شريك، عن أبى روق ، عن الضحاك : (((إذ تفيضون فيه))، يقول: تشيعون فى القرآن من الكذب. (١) ٠ ٠ ٠ وقال آخرون معنى ذلك : إذ تفيضون فى الحق . ذكر من قال ذلك : ١٧٦٩٨ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((إذ تفيضون فيه))، فى الحق ما كان . .. قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورقاء، ١٧٦٩٩ - ٠ عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله . ١٧٧٠٠ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . # قال أبو جعفر : وإنما اخترنا القول الذي اخترناه فيه ، لأنه تعالى ذكره أخبر أنه لا يعمل عبادُه عملاً إلا كان شاهدَه، ثم وصل ذلك بقوله: ((إذا تفيضون فيه))، فكان معلوماً أن قوله: ((إذ تفيضون فيه))، إنما هو خبرٌ منه عن وقت عمل العاملين أنه له شاهد = لا عن وَقْت تلاوة النبى صلى اللّه عليه وسلم القرآن ، لأن ذلك لو كان خبراً عن شهوده تعالى ذكره وقتَ إفاضة القوم فى القرآن، لكانت القراءة بالياء: ((إذ يفيضون فيه))، خبراً منه عن المكذبين فيه . فإن قال قائل : ليس ذلك خبراً عن المكذبين ، ولكنه خطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم، (٢) أنه شاهده إذْ تلا القرآن. (١) فى المطبوعة: ((فتشيعون)) بالفاء، لم يحسن قراءة المخطوطة. (٢) فى المطبوعة: ((ولكن خطاب))، بحذف الهاء، وأثبتها من المخطوطة. ١١٦ تفسير سورة يونس : ٦١ =فإن ذلك لو كان كذلك، لكان التنزيل: ((إذ تفيض فيه))، لأن النبى صلى الله عليه وسلم واحدٌ لاجمع، كما قال: ((وما تتلومنه من قرآن))، فأفرده بالخطاب - ولكن ذلك فى ابتدائه خطابَه صلى اللّه عليه وسلم بالإفراد، ثم عَوْده إلى إخراج الخطاب على الجمع، نظير قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، [سورة الطلاق: ١]، وذلك أن فى قوله: ((إذا طلقتم النساء))، دليلاً واضحاً على صرفه الخطاب إلى جماعة المسلمين مع النبى صلى الله عليه وسلم مع جماعة الناس غيره ، لأنه ابتدأ خطابه ، ثم صرف الخطاب إلى جماعة الناس والنبى صلى اللّه عليه وسلم فيهم. = وخبرٌ عن أنه لا يعمل أحدٌ من عباده عملاً إلا وهو له شاهد، (١) يحصى عليه ويعلمه كما قال: ((وما يعزب عن ربك))، يا محمد ، عمل خلقه ، ولا يذهب عليه علم شىء حيث كان من أرض أو سماء . ... وأصله من ((عزوب الرجل عن أهله فى ماشيته))، وذلك غيبته عنهم فيها . يقال منه: ((عزَبَ الرَّجل عن أهله يَعْزُبُ ويَعْزِبُ)). م = لغتان فصيحتان، قرأ بكل واحدة منهما جماعة من القرأة، وبأيتهما قرأ القارئ فمصيبٌ ، لاتفاق معنييهما ، واستفاضتهما فى منطق العرب ، غير أنى أميل إلى الضم فيه ، لأنه أغلب على المشهورين من القرأة . ٠٠٠ وقوله: ((من مثقال ذرة ))، يعنى : من زنة نملة صغيرة . يحكى عن العرب: ((خذ هذا، فإنه أخف مثقالاً من ذاك))، أى: أخفُّ وزناً. (٢) (١) قوله: ((وخبر عن أنه لا يعمل أحد)) معطوف على قوله فى أول هذه الفقرة: ((إنما هو خبر عن وقت عمل العاملين ... )) . (٢) انظر تفسير ((المثقال)) فيما سلف ٨: ٣٦٠، ومجاز القرآن لأبى عبيدة ١: ٢٧٨، وهو نص كلامه . ١١٧ تفسير سورة يونس : ٦١ . و ((الذرّة)) واحدة: ((الذرّ))، و((الذر))، صغار النمل.(١) ٠ ٠ ٠ قال أبو جعفر: وذلك خبرٌ عن أنه لا يخفى عليه جل جلاله أصغر الأشياء ٩١/١١ وإن خف فى الوزن كلّ الخفة، ومقاديرُ ذلك ومبلغه ، ولا أكبرها وإن عظم وثقل وزنه ، وكم مبلغ ذلك . يقول تعالى ذكره لخلقه : فليكن عملكم ، أيها الناس، فيما يرضى ربّكم عنكم، فإنّا شهود لأعمالكم، لا يخفى علينا شىء منها ، ونحن محصوها ومجازوکم بها . واختلفت القرأة فى قراءة قوله: (( ولا أصغر من ذلك ولا أكبر)). فقرأ ذلك عامة القرأة بفتح الراء من ﴿أصْغَرَ﴾ و ﴿أَكْبِرَ)، على أن معناها الخفض، عطفاً بالأصغر على الذرة، وبالأكبر على الأصغر، ثم فتحت راؤهما ، لأنهما لا يُجْرَيَان. وقرأ ذلك بعض الكوفيين: ﴿وَلاَ أَصْفَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ)، رفعاً، عطفاً بذلك على معنى: ((المثقال))، لأن معناه الرفع. وذلك أن ((مِنْ))، لو ألقيت من الكلام، لرفع ((المثقال))، وكان الكلام حينئذ: (( وما يعزُبُ عن ربك مثقالُ ذرة، ولا أصغرُ من مثقال ذرة ولا أكبرُ ))، وذلك نحو قوله: ﴿مِنْ خَالِقٍ غَيْرِ اللهِ﴾ و﴿غَيْرُ اللهِ﴾، [ سورة فاطر: ٣].(١) ... قال أبو جعفر: وأولى القراءتين فى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ بالفتح، على وجه الخفض والردّ على الذرة، لأن ذلك قراءة قرأة الأمصار، وعليه عَوَامُّ القرأة، (١) انظر تفسير ((الذرة)) فيما سلف ٨: ٣٦٠، ٣٦١. (٢) لم يذكر أبو جعفر قراءة الرفع فى هذه الآية، فى موضعها من تفسير ((سورة فاطر:))، فيما سيأتى ٢٢: ٧٧ (بولاق)، وسأشير إلى ذلك فى موضعه هناك . وهذا دليل آخر على اختصار أبى جعفر ، تفسيره فى مواضع ، كما أشرت إليه فى كثير من تعليقاتى. ١١٨ تفسير سورة يونس : ٦١ ، ٦٢ وهو أصْح فى العربية مخرجاً، وإن كان للأخرى وجهٌ معروفٌ . وقوله: ((إلا فى كتاب))، يقول: وما ذاك كله إلاّ فى كتاب عند الله =((مبين))، عن حقيقة خبر اللّه لمن نظر فيه، (١) أنه لا شىء كان أو يكون إلا وقد أحصاه الله جل ثناؤه فيه ، وأنه لا يعزُب عن اللّه علم شىء من خلقه حيث کان من سمائه وأرضه . # ١٧٧٠١ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((وما يعزب)) ، يقول: لا يغيب عنه . ١٧٧٠٢ - حدثنى محمد بن عمارة قال ، حدثنا عبد اللّه قال ، أخبرنا إسرائيل، عن أبى يحيى، عن مجاهد، عن ابن عباس: ((وما يعزب عن ربك))، قال : ما يغيب عنه . القول فى تأويل قوله تعالى ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ﴾) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ألا إن أنصار الله لا خوف عليهم فى الآخرة من عقاب الله، لأن الله رضى عنهم فآمنهم من عقابه = ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا . و ((الأولياء))، جمع ((ولى))، وهو النصير، وقد بينا ذلك بشواهده. (٢) # (١) انظر تغير ((مبين)) فيما سلف من فهارس اللغة ( بين). (٢) انظر تفسير ((الولى)) فيما سلف من فهارس اللغة (ولى)، ولكن ههنا تفصيل فى معنى ((أولياء الله))، لم يسبق له نظير. ١١٩ تفسير سورة يونس : ٦٢ واختلف أهل التأويل فيمن يستحقُّ هذا الاسم . فقال بعضهم: هم قومٌ يُذْكَرُ اللّه لرؤيتهم ، لما عليهم من سيما الخير والإخبات . • ذكر من قال ذلك : ١٧٧٠٣ - حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا، حدثنا ابن يمان قال ، حدثنا ابن أبى ليلى، عن الحكم ، عن مقسم، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس : ((ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولا هم يحزنون))، قال: الذين يُذْ كَرُ اللّه لرؤيتهم. ١٧٧٠٤ - حدثنا أبو كريب وأبو هشام قالا، حدثنا ابن يمان، عن أشعث ابن إسحق ، عن جعفر بن أبى المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله .(١) ١٧٧٠٥ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن يمان، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبى الضحى ، مثله . ١٧٧٠٦ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا جرير ، عن العلاء بن المسيب ، عن أبيه: ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، قال: الذين يُذْكَرَ الله لرؤيتهم. ١٧٧٠٧ -.... قال ، حدثنا ابن مهدى ، وعبيد اللّه، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب، عن أبى الضحى قال: سمعته يقول فى هذه الآية: ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، قال: من الناس مَفَاتِيح، (٢) إذا رُأُوا ذُكِرِ اللّه لرؤيتهم . (١) الأثر: ١٧٧٠٤ - ((أشعث بن إسحق بن سعد بن مالك القمى))، ثقة، مضى برقم: ٧٨، وهذا خبر مرسل . (٢) ((مفاتيح))، جمع ((مفتاح))، وهو الذى يفتح به الباب. وهذا يجاز، إنما أراد أنهم يفتحون باب الخير للناس، وأعظم الخير ذكر الله سبحانه وتعالى. ١٢٠ تفسير سورة يونس : ٦٢ ١٧٧٠٨ - .... قال، حدثنا أبى، عن مسعر، عن سَهْل أبى الأسد ، عن سعيد بن جبير قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((أولياء الله))، فقال: الذين إذا رُأوا ذُكر الله. (١) ١٧٧٠٩ -.... قال، حدثنا زيد بن حباب، عن سفيان ، عن حبيب ابن أبى ثابت، عن أبى وائل، عن عبد الله: ((ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون))، قال: الذين إذا رُأوا ذُكر الله لرؤيتهم ، ١٧٧١٠ -.... قال، حدثنا أبو يزيد الرازى، عن يعقوب ، عن جعفر ، ٩٢/١١ عن سعيد بن جبير ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: هم الذين إذا رُأوا ذكر اللّهُ. ١٧٧١١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا فرات ، عن أنى سعد، عن سعيد بن جبير قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ((أولياء اللّه))، قال : هم الذين إذا رُأوا ذُكِرِ اللّه. ١٧٧١٢ -.... قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنا هشم قال ، أخبرنا العوّام، عن عبد الله بن أبى الهذبل فى قوله: (( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) الآية، قال: إن ولى اللّه إذا رُؤِى ذُكِرِ اللّه. وقال آخرون فى ذلك بما : - ٥ ١٧٧١٣ - حدثنا أبو هشام الرفاعى قال، حدثنا ابن فضيل قال ، حدثنا (١) الأثر: ١٧٧٠٨ - ((سهل أبو الأسد القرارى الحنفى))، ثقة، مترجم فى الكبير ١٠٠/٢/٢، وابن أبى حاتم ٢٠٦/١/٢، وكان فى المطبوعة: ((سهل بن الأسد))، وهو تصرف من الناشر وفساد ، غير ما فى المخطوطة. و((القرارى))، بالقاف، قال البخارى: ((وقرار، قبيلة))، وهى من حنيفة، من بكر. ومما يذكر فى كتب الرجال ((سهل الفزارى)) بالفاء و((سهل بن فلان القرارى)) بالقاف، وهو عندهم مجهول، وأخشى أن يكون هو ((سهل القرارى))، انظر أيضاً ابن أبى حاتم ٢٠٦/١/٢، وميزان الاعتدال ١: ٤٣١، ولسان الميزان ٣ : ١٢٣. ومهما يكن ، فهذا خبر مرسل ، عن سعيد بن جبير .