النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
تفسير سورة يونس : ٣٠
١٧٦٥٤ -حدثی المثی قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت)) ،
قال : تختبر .
١٧٦٥٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٦٥٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
وقرأ ذلك جماعة من أهل الكوفة وبعض أهل الحجاز: ﴿ تَتْلُوكُلُّ نَفْسٍ
مَا أَسْلَفَتْ﴾، بالتاء.(١)
واختلف قارئو ذلك كذلك فى تأويله .
*
فقال بعضهم : معناه وتأويله : هنالك تتبع كل نفس ما قدَّمت فى الدنيا
لذلك اليوم . (٢)
وروى بنحو ذلك خبرٌ عن النبى صلى الله عليه وسلم، من وجْه وسند غير مرتضى
أنه قال: يَمْثُل لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله يوم القيامة، فيتَّبعونهم حتى
يوردوهم النار. قال: ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ((هنالك
تتلو كل نفس ما أسلفت)) . (٣)
٠ ٠
وقال بعضهم : بل معناه : يتلو كتاب حسناته وسيئاته ، يعنى يقرأ ، كما
قال جل ثناؤه: ﴿وَمُخْرِ جُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَتَابَا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾، [سورة الإسراء: ١٣].
٠ ٠ ٥
(١) انظر هذه القراءة وتفسيرها فيما سلف ٢ : ٤١١.
(٢) انظر تفسير ((يتلو)) فيما سلف من فهارس اللغة (تلا).
(٣) لم أجد نص الخبر فى غير هذا المكان، مسنداً ولا غير مسند.
ج ١٥ (٦)
:

٨٢
تفسير سورة يونس : ٣٠
وقال آخرون: ((تَتْلو)) تعاين. (١)
ذكر من قال ذلك :
#
١٧٦٥٧ - حدثی يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((هنالك تَتْلو كل نفس ما أسلفت))، قال: ما عملت، ((تتلو))،
تعاينه .
#
قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك أن يقال : إنهما قراءتان
مشهورتان، قد قرأ بكل واحدة منهما أئمة من القرأة، وهما متقاربتا المعنى . وذلك
أن من تبع فى الآخرة ما أسلفَ من العمل فى الدنيا ، هجم به على مَوْرده ، فيخبر
هنالك ما أسلف من صالح أوسئ فى الدنيا ، وإنّ مَنْ خَبَرما أسلف فى الدنيا
من أعماله فى الآخرة ، فإنما يخبرُ بعد مصيره إلى حيث أحلَّه ما قدم فى الدنيا من
عمله، فهو فى كلتا الحالتين مُتَّبع ما أسلف من عمله ، مختبرٌ له . فبأيّتهما قرأ
القارئ ، كما وصفنا، فمصيبٌ الصوابَ فى ذلك.
*
*
وأما قوله: ((وردّوا إلى الله مولا هم الحق))، فإنه يقول: ورجع هؤلاء المشركون
يومئذ إلى الله الذى هو ربُّهم ومالكهم، الحقّ لا شك فيه، دون ما كانوا يزعمون
أنهم لهم أرباب من الآلهة والأنداد = ((وضل عنهم ما كانوا يفترون))، يقول :
وبطل عنهم ما كانوا يتخرَّصون من الفرية والكذب على الله ، بدعواهم أوثانهم
أنها لله شركاء، وأنها تقرَّبهم منه زُلْفَى، (٢) كما :-
١٧٦٥٨ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
٨٠/١١ قوله: ((وردوا إلى اللّه مولاهم الحق وضل" عنهم ما كانوا يفترون))، قال: ما كانوا
(١) فى المطبوعة فى المواضع كلها ((تبلو)) بالباء، وفى المخطوطة غير منقوطة، والصواب بالتاء،
وذلك بين أيضاً من سياق التفسير لهذه القراءة .
(٢) انظر تفسير ألفاظ هذه الآية فيما سلف من فهارس اللغة.

٨٣
تفسير سورة يونس : ٣١،٣٠
يدعون معه من الأنداد والآلهة ، ما كانوا يفترون الآلهة ، وذلك أنهم جعلوها
أنداداً وآلهة مع اللّه افتراءً وكذباً.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ
وَالْأَرْضِ أَمن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصُرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحِىَّ مِنَ
الْمَيِّتِ ويُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَىِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ
الله فقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد، لهؤلاء المشركين بالله الأوثان والأصنام = «من يرزقكم من السماء»،
الغيثَ والقطر، ويطلع لكم شمسها ، ويُغْطِش ليلها ، ويخرج ضُحَاها = ومن
الأرض ، أقواتتكم وغذاء كم الذى ينْبته لكم، وثمار أشجارها = ((أم من يملك السمع
والأبصار )) ، يقول: أم من ذا الذى يملك أسماعكم وأبصاركم التى تسمعون بها :
أن يزيدَ فى قواها، أو يسلبكموها، فيجعلكم صمًّا، وأبصاركم التى تبصرون بها: أن
يضيئها لكم وينيرها، أو يذهب بنورها، فيجعلكم مُمْياً لا تبصرون = ((ومن يخرج
الحي من الميت))، يقول: ومن يخرج الشىء الحى من الميت = ((ويخرج الميت من
الحى))، يقول : ويخرج الشىء الميت من الحىّ.
...
وقد ذكرنا اختلاف المختلفين من أهل التأويل ، والصواب من القول عندنا
فى ذلك بالأدلة الدالّة على صحته، فى ((سورة آل عمران))، بما أغنى عن إعادته
فى هذا الموضع. (١)
(١) انظر ما سلف ٦ : ٣٠٤ - ٣١٢.
٥

٨٤
تفسير سورة يونس : ٣٢،٣١
=((ومن يدبر الأمر))، وقل لهم: من يُدبر أمر السماء والأرض وما فيهن،
وأمركم وأمرَ الخلق (١)؟ = (فسيقولون اللّه))، يقول جل ثناؤه: فسوف يجيبونك
بأن يقولوا: الذى يفعل ذلك كله اللّه = ((فقل أفلا تتقون))، يقول : أفلا تخافون
عقابَ اللّه على شرككم وادّعائكم ربًّا غيرَ من هذه الصفة صفتُه، وعبادتكم معه
من لا يرزقكم شيئاً، ولا يملك لكم ضرًّا ولا نفعاً ، ولا يفعل فعلاً ؟
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ
فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الْضَّلَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لخلقه : أيها الناس ، فهذا الذى يفعل
هذه الأفعال ، فيرزقكم من السماء والأرض ، ويملك السمع والأبصار ، ويخرج
الحى من الميت والميت من الحى، ويدبر الأمر = ((اللّه ربُّكم الحق))، لا شك
فيه = ((فماذا بعد الحق إلا الضلال))، يقول: فأى شىء سوى الحق إلا الضلال،
وهو الجور عن قصد السبيل؟ (٢) يقول: فإذا كان الحقُّ هوذا، فادّعاؤكم غيره
إلهاً وربًّا، هو الضلال والذهاب عن الحق لا شك فيه = ((فأنى تصرفون))،
يقول: فأىّ وجه عن الهدى والحق تُصرفون، وسواهما تسلكون، وأنتم مقرُّون بأن
الذى تُصْرَفون عنه هو الحق ؟ (٣)
(١) انظر تفسير ((تدبير الأمر)) فيما سلف ص: ١٩،١٨
(٢) انظر تفسير ((الضلال)) فيما سلف من فهارس اللغة (ضلل).
(٣) انظر تفسير ((الصرف)) فيما سلف ١٤: ٥٨٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٨٥
تفسير سورة يونس : ٣٤،٣٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ كَذَلِكَ حَقَتْ كَلِمَتُ
رَبِّكَ عَلَى الذِينِ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) )
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : كما قد صُرِف هؤلاء المشركون عن الحق
إلى الضلال = ((كذلك حقت كلمة ربك))، يقول: وجب عليهم قضاؤه وحكمه
فى السابق من علمه = ((على الذين فسقوا))، فخرجوا من طاعة ربهم إلى معصيته
وكفروا به (١) = (( أنهم لا يؤمنون))، يقول: لا يصدّقُون بوحدانية الله ولا بنبوة
نبيه صلى الله عليه وسلم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَ كَائِكُم مَّن
يَبْدَوَّأْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدُهُ قُل اللهُ يَبْدَوُّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنِى
تُوُفَكُونَ ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد = ((هل من شركائكم))، يعنى من الآلهة والأوثان = ((من يبدأ الخلق
ثم يعيده))، يقول: من ينشئ خَلْق شىء من غير أصل، فيحدث خلقه ابتداءً
= ((ثم يعيده)) ؛ يقول : ثم يفنيه بعد إنشائه ، ثم يعيده كهيئته قبل أن يفنيته،
فإنهم لا يقدرون على دعوى ذلك لها . وفى ذلك الحجة القاطعة والدّلالة الواضحة
على أنهم فى دعواهم أنها أربابٌ ، وهى الله فى العبادة شركاء ، كاذبون مفترون .
فقل لهم حينئذ ، يا محمد: اللّه يبدأ الخلق فينشئه من غير شىء ، ويحدثه من
(١) انظر تفسير ((الفسق)) فيما سلف من فهارس اللغة (فسق).

٨٦
تفسير سورة يونس : ٣٥،٣٤
غير أصل، ثم يفنيه إذا شاء، ثم يعيده إذا أراد كهيئته قبل الفناء = ((فأنى
٨١/١١ تؤفكون))، يقول: فأىّ وجه عن قصد السبيل وطريق الرُّشد تُصْرَفون وتُقْلَبُون؟ (١)
كا :-
١٧٦٥٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور، عن
معمر، عن الحسن: ((فأنى تؤفكون))، قال : أنى تصرفون؟.
وقد بينا اختلاف المختلفين فى تأويل قوله: ((أنى تؤفكون))، والصواب من القول
فى ذلك عندنا، بشواهده فى ((سورة الأنعام)). (٢)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَ كَائِكُم مَّن
يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ
أَحَقُّ أَنْ يُنَّبَعَ أَمَّنَ لَّا يَهِدِّىّ إِلَّا أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ
تَحْكُمُونَ﴾ ٢)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ((قل))،
يا محمد، لهؤلاء المشركين = ((هل من شركائكم)»، الذين تدعون من دون الله، وذلك
آلهتهم وأوثانُهم = ((من يهدى إلى الحق))، يقول: من يرشد ضالاً من ضلالته
(١) انظر تفسير ((الأفك)) فيما سلف ١٠: ٤٨٦ / ١١: ٥٥٤ /١٤: ٢٠٨.
(٢) أنظر ما سلف ١١: ٥٥٤. وقوله أنه ذكر ذلك فى سورة الأنعام، وهم من أبى جعفر،
فإنه لم يفصل بيان معنى ((الأفك))، إلا فى سورة المائدة (١٠: ٤٨٥، ٤٨٦). ولم يذكر قط
اختلاف المختلفين فى تفسيره . فأخشى أن يدل هذا النص ، على أن أبا جعفر كمان قد باعد بين أطراف
تفسيره ، فكان يسى الموضع الذى فصل فيه أحياناً. بل لعل هذا يدل أيضاً على أنه كان قد شرع فى
التفسير مطولا ، كما ذكر فى ترجمته، ثم اختصره هذا الاختصار . ويدل أيضاً، إذا صح ما قلته ،
على أنه كان قد أعد مادة كتابه إعداداً تاماً ، ثم أدخل فى كتابة تفسيره تعديلا كبيراً ، فلم يثبت فيه
كل ما كان أعده له . والله تعالى أعلم

٨٧
تفسير سورة يونس : ٣٥
إلى قصد السبيل ، ويسدّد جائراً عن الهدى إلى واضح الطريق المستقيم ؟ فإنهم
لا يقدرون أن يدَّعوا أن آلهتهم وأوثانهم تُرشد ضالاً أو تهدى جائزاً. وذلك أنهم
إن ادَّعوا ذلك لها، أكذبتهم المشاهدة، وأبان عجزها عن ذلك الاختبارُ بالمعاينة.
فإذا قالوا: ((لا))، وأقرّوا بذلك، فقل لهم: فاللّه يهدى الضالَّ عن الهدى إلى الحق =
((أفمن يهدى))، أيها القوم، ضالاً إلى الحقّ، وجائراً عن الرشد إلى الرشد=
((أحق أن يتبع))، إلى ما يدعو إليه = ((أمْ مَنْ لا يهدِّى إلا أن يُهدى)) ؟
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته عامة قرأة أهل المدينة: ( أَمَّنْ لاَ يَهْدِّى)، بتسكين الهاء ، وتشديد
الدال ، فجمعوا بين ساكنين (١) = وكأنّ الذى دعاهم إلى ذلك أنهم وجَّهوا
أصل الكلمة إلى أنه: أم من لا يهتدى، ووجدوه فى خطّ المصحف بغير ما قرأوا، (٢)
وأن التاء حذفت لما أدغمت فى الدال ، فأقرُّوا الهاء ساكنة على أصلها الذى كانت
عليه، وشدَّدُوا الدال طلباً الإدغام التاء فيها ، فاجتمع بذلك سكون الهاء والدال ،
وكذلك فعلوا فى قوله: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُوا فِى السَّبْتِ﴾، [سورة النساء: ١٥٤])،(٣)
وفى قوله: ﴿يَخْصِّمُون﴾، [سورة يس: ٤٩].(٤)
وقرأ ذلك بعض قرأة أهل مكة والشأم والبصرة = ﴿يَهَدِّى)، بفتح الهاء وتشديد
الدال، وأمُّوا ما أمَّه المدنيون من الكلمة، غير أنهم نقلوا حركة التاء من ((يهتدى))،
إلى الهاء الساكنة ، فحرَّكوا بحركتها ، وأدغموا التاء فى الدال فشدّدوها .
٠
(١) انظر ما قاله فى شبه هذه القراءة فيما سلف ٩ : ٣٦٢.
(٢) فى المطبوعة: ((بغير ما قرروا))، والصواب ما فى المخطوطة.
(٣) انظر ما سلف فى هذه القراءة ٩ : ٣٦٢.
(٤) انظر ما سيأتى فى هذه القراءة ٢٣: ١١ (بولاق).

٨٨
تفسير سورة يونس : ٣٥
وقرأ ذلك بعض قرأة الكوفة: ﴿يهدِّى)، بفتح الياء ، وكسر الهاء ، وتشديد
الدال ، بنحو ما قصده قرأة أهل المدينة ، غير أنه كسر الهاء لكسرة الدال من
((يهتدى))، استثقالاً للفتحة بعدها كسرة فى حرف واحدٍ .
٠٠ ٠
وقرأ ذلك بعدُ، عامة قرأة الكوفيين (١): (أُمْ مَنْ لاَ يَهَذِى)، بتسكين الهاء
وتخفيف الدال. وقالوا: إن العرب تقول: ((هديت)) بمعنى ((اهتديت))،
قالوا: فمعنى قوله: ((أم من لا يهدى)): أم من لا يَهْتَدى: إلاّ أن يهدى.
...
قال أبو جعفر: وأولى القراءة فى ذلك بالصواب، قراءةُ من قرأ: (أَمْ مَنْ
لاَ يَهَدِّى) بفتح الهاء وتشديد الدال ، لما وصفنا من العلة لقارئ ذلك كذلك ،
وأن ذلك لا يدفع صحته ذو علم بكلام العرب، وفيهم المنكر غيره . وأحقُّ الكلام
أن يقرأ بأفصح اللغات التى نزل بها ، كلامُ اللّه.
٠ ٠
٠
فتأويل الكلام إذاً : أفن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع ، أم من لا يهتدى
إلى شىء إلاّ أن يهدى ؟
وكان بعض أهل التأويل يزعم أن معنى ذلك : أم من لا يقدر أن ينتقل عن
مكانه إلا أن يُنْقل .
٠ ٠
وكان مجاهد يقول فى تأويل ذلك ما :-
١٧٦٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( أفمن يهدى إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدّى
إلا أن يهدى))، قال: الأوثان ، اللّه يهدى منها ومن غيرها من شاء لما شاء.
(١) فى المطبوعة: ((وقرأ ذلك بعض عامة قرأة، الكوفيين))، جعل ((بعد))، ((بعض))، فأفسد
الكلام وأسقطه .

٨٩
تفسير سورة يونس : ٣٦،٣٥
١٧٦٦١ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد قوله: ((أمن لا يهدى إلا أن يهدى))، قال ، قال :
الوثن .
وقوله: ((فما لكم كيف تحكمون ))، ألا تعلمون أن من يهدى إلى الحق
أحقُّ أن يتبع من الذى لا يهتدى إلى شىء، إلا أن يهديه إليه هاد غيره، فتتركوا
اتّباع من لا يهتدى إلى شىء وعبادته ، وتتبعوا من يهديكم فى ظلمات البر والبحر، ٨٢/١١
وتخلصوا له العبادة فتفردوه بها وحده، دون ما تشركونه فيها من آلهتكم وأوثانكم ؟
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمَا يَتْبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا
إِنَّ الظَّنَّ لَا يَغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلونَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وما يتبع أكثر هؤلاء المشركين إلا
ظنا ، يقول: إلا ما لا علم لهم بحقيقته وصحته ، بل هم منه فى شكّ وريبة (١)
=((إن الظن لا يغنى من الحق شيئاً))، يقول: إن الشك لا يغنى من اليقين شيئاً،
ولا يقوم فى شىء مقامَه، ولا ينتفع به حيث يحتاج إلى اليقين (٢) = ((إن الله عليم
بما يفعلون))، يقول تعالى ذكره : إن الله ذو علم بما يفعل هؤلاء المشركون ، من
اتباعهم الظن ، وتكذيبهم الحق اليقين ، وهو لهم بالمرصاد ، حيث لا يُغنى عنهم
ظنّهم من اللّه شيئاً . (٣)
(١) انظر تفسير ((الظن)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظنن).
(٢) انظر تفسير ((أغنى)) فيما سلف ١٤: ١٧٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (علم).

٩٠
تفسير سورة يونس : ٣٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَمَا كَانَ هُذَا الْقُرْءَانُ أَن
يُفْتَرَىُ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنِ تَصْدِيقَ الذِى بَيْنِ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
الْكِتَبِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ الْعُلَمِينَ﴾ (2)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما ينبغى لهذا القرآن أن يفترى من دون
اللّه،، يقول: ما ينبغى له أن يتخرَّصه أحد من عند غير الله. (١) وذلك نظير
قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍ أَنْ يُغَلَّ﴾، [سورة آل عمران: ١٦١]، (٢) بمعنى: ما ينبغى
لنبى أن يغلَّه أصحابُه .
وإنما هذا خبرٌ من الله جل ثناؤه، أنّ هذا القرآن من عنده، أنزله إلى محمد
عبده، وتكذيبٌ منه للمشركين الذين قالوا: ((هو شعر وكهانة))، والذين قالوا:
((إنما يتعلمه محمد من يحنّس الرومىّ)).(٣)
يقول لهم جل ثناؤه : ما كان هذا القرآن ليختلقه أحدٌ من عند غير الله،
لأن ذلك لا يقدر عليه أحدٌ من الخلق = ((ولكن تصديق الذى بين يديه ))،
يقول تعالى ذكره : ولكنه من عند الله، أنزله مصدّقاً لما بين يديه، أى: لما
قبله من الكتب التى أنزلت على أنبياء الله ، كالتوراة والإنجيل وغيرهما من كتب
الله التى أنزلها على أنبيائه = ((وتفصيل الكتاب))، يقول: وتبيان الكتاب الذى
كتبه الله على أمة محمد صلى الله عليه وآ له وسلم ، وفرائضه التى فرضها عليهم فى
(١) انظر تغير ((الافتراء)) فيما سلف من فهارس اللغة (فرى).
= وتفسير ((ما كان)) فيما سلف ٧ : ١٤/٣٥٣: ٥٠٩ - ٥١٤، ٥٦١ ، ٥٦٥.
(٢) هذه قراءة أهل المدينة والكوفة، بضم الياء وفتح الغين، بالبناء للمجهول، وهى غير قراءتنا فى
مصحفنا. وقد سلف بيانها وتفيرها واختلاف المختلفين فيها فيما سلف ٧ : ٣٥٣، ٣٥٤ . وانظر معافى
القرآن الفراء ١ : ٤٦٤.
(٣) فى المطبوعة: ((يعيش الرومى))، وأثبت ما فى المخطوطة. وذاك تصرف لا خير فيه.

٩١
تفسير سورة يونس : ٣٨،٣٧
السابق من علمه = ((لا ريب فيه))، يقول: لا شك فيه أنه تصديق الذى بين
يديه من الكتاب وتفصيل الكتاب ، من عند رب العالمين، لا افتراءٌ من عند غيره
ولا اختلاقٌ. (١)
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَبِهُ قَلْ فَأْتُوا
بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ
!صَدِقِينَ) (١٨)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : أم يقول هؤلاء المشركون : افترى محمد
هذا القرآن من نفسه فاختلقه وافتعله ؟ قل يا محمد لهم : إن كان كما تقولون إنى
اختلقته وافتريته ، فإنكم مثلى من العرب ، ولسانى مثل لسانكم ، وكلامى [ مثل
كلامكم ]، (٢) فجيئوا بسورة مثل هذا القرآن .
و ((الهاء)) فى قوله ((مثله))، كناية عن القرآن.
وقد كان بعض نحوبى البصرة يقول : معنى ذلك: قل فأتوا بسورة مثل
سورته = ثم ألقيت ((سورة))، وأضيف ((المثل)) إلى ما كان مضافاً إليه ((السورة ))،
كما قيل: ﴿وَاسْئَلَ الْقَرْيَةَ﴾، [سورة يوسف: ٨٢]، يراد به: واسأل أهل القرية.
(١) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما سلف ص: ٥٧، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الريب)) فيما سلف ١٤: ٤٩٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
= وتفسير ((العالمين)) فيما سلف ١٣: ٨٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) فى المخطوطة: ((ولسانى مثل لسانكم، وكلامى فجينوا)) أسقط من الكلام ما وضعته بين
القوسين استظهاراً، أما المطبوعة، فقد جعلها: ((ولسانى وكلامى مثل لسانكم))، فأساء.

٩٢
تفسير سورة يونس : ٣٨
وكان بعضهم ينكر ذلك من قوله ، ويزعم أن معناه : فأتوا بقرآن مثل هذا
القرآن .
٠ ٠
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى، أن ((السورة))، إنما
هى سورة من القرآن، وهى قرآن، وإن لم تكن جميع القرآن. فقيل لهم: (( فأتوا
بسورة مثله))، ولم يقل: ((مثلها))، لأن الكناية أخرجت على المعنى= أعنى معنى
((السورة)) = لا على لفظها، لأنها لو أخرجت على لفظها لقيل: ((فأتوا بسورة
مثلها )).
#
=((وادعوا من استطعتم من دون الله))، يقول: وادعوا، أيها المشركون، على أن
يأتوا بسورة مثلهامن قدرتم أن تدعوا علىذلكمن أولیائکموشر کائکم = «من دون
اللّه))، يقول: من عند غير الله، فأجميعُوا على ذلك واجتهدوا، فإنكم لا تستطيعون
أن تأتوا بسورة مثله أبداً .
...
وقوله: ((إن كنتم صادقين))، يقول : إن كنتم صادقين فى أن محمداً افتراه،
فأتوا بسورة مثله من جميع من يعينكم على الإتيان بها . فإن لم تفعلوا ذلك ،
فلا شك أنكم كَذَبَةٌ فى زعمكم أن محمداً افتراه، لأن محمداً لن يَعْدُوَ أن يكون
بشراً مثلكم ، فإذا عجز الجميع من الخلق أن يأتوا بسورة مثله ، فالواحد منهم
عن أن يأتى بجميعه أعجز .
٨٣/١١
٠

٩٣
تفسير سورة يونس : ٣٩
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ
بِعِلْمِهِ ے وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
فَأَنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الظُّلِمِينَ﴾
٣٩
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء المشركين ، يا محمد ، تكذيبك
ولكن بهم التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه ممَّا أنزل الله عليك فى هذا القرآن، (١) من
وعيدهم على كفرهم بربهم = ((ولما يأتهم تأويله))، يقول: ولما يأتهم بعدُ بَيَان
ما يؤول إليه ذلك الوعيد الذى توعّدهم الله فى هذا القرآن (٢) = ((كذلك كذب
الذين من قبلهم)) ، يقول تعالى ذكره : كما كذب هؤلاء المشركون ، يا محمد ،
بوعيد الله ، كذلك كذّب الأمم التى خلت قبلهم بوعيد الله إياهم على تكذيبهم
رسلهم وكفرهم بربهم = (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين))، يقول تعالى ذكره
لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم: فانظر، يا محمد ، كيف كان عُقْبى كفر من
كفر بالله، ألم نهلك بعضهم بالرجفة، وبعضهم بالحسْف، وبعضهم بالغرق؟ (٣)
يقول : فإن عاقبة هؤلاء الذين يكذبونك ويجحدون بآياتى من كفار قومك ، كالتى
كانت عاقبة من قبلهم من كفرة الأمم ، إن لم ينيبوا من كفرهم ، ويسارعوا إلى
التوبة .
(١) انظر تفسير ((الإحاطة)) فيما سلف ص: ٥١، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التأويل)) فيما سلف ١٢: ٤٧٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((العاقبة)) فيما سلف ١٣: ٤٣، تعليق: ١ والمراجع هناك.

٩٤
تفسير سورة يونس : ٤١،٤٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنْهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ ،
وَمِنْهُم مَّن لَّا يُؤْمِنُ بِهِ ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن قومك ، يا محمد ، من قريش ،
من سوف يؤمن به يقول : من سوف يصدّق بالقرآن ويقرُّ أنه من عند الله
= ((ومنهم لا يؤمن به)) أبداً، يقول: ومنهم من لا يصدق به ولا يقرُّ أبداً = ((وربك
أعلم بالمفسدين))، يقول: والله أعلم بالمكذّبين به منهم ، الذين لا يصدقون به
أبداً ، من كل أحدٍ ، لا يخفى عليه، وهو من وراء عقابه . فأما من كتبتُ له أنه
يؤمن به منهم ، فإنى سأتوب عليه . (١)
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لَّى عَمَلِي
وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيُّونَ مِمَّا أَعْمَل وَأَنَأْ بَرِىّءٌ مُّمَّا
تَعْمَلُونَ ﴾ ٤)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى اللّه عليه وآ له وسلم: وإن
كذبك ، يا محمد، هؤلاء المشركون ، وردُّوا عليك ما جئتهم به من عند ربك ،
فقل لهم: أيها القوم، لى دينى وعملى، ولكم دينكم وعملكم، لا يضرُّفى عملكم،
ولا يضركم عملى، وإنما يُجازَى كل عامل بعمله = ((أنتم بريون مما أعمل))، لا
تُؤْخذون بجريرته = (( وأنا برىء مما تعملون))، لا أوخذ بجريرة عملكم. (٢) وهذا كما
(١) انظر تفسير ((الفساد)) فيما سلف ١٤: ٨٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢٠) انظر تفسير ((برىء)) فيما سلف ١٤: ١٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٩٥
تفسير سورة يونس : ٤٢،٤١
قال جل ثناؤه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَ الْكَافِرُونَ ((لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ
مَا أَعْبُدُ﴾ [سورة الكافرون: ١ - ٣].
#
#
#
وقيل : إن هذه الآية منسوخة ، نسخها الجهاد والأمر بالقتال .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٦٦٢ - حدثی یونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله:
((وإن كذبوك فقل لى عملى ولكم عملكم))، الآية، قال: أمره بهذا، ثم نَسَخه
وأمره بجهادهم .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ
أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ومن
هؤلاء المشركين من يستمعون إلى قولك = ((أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون))،
يقول : أفأنت تخلق لهم السمع ، ولو كانوا لا سمع لهم يعقلون به ، أم أنا ؟
وإنما هذا إعلامٌ من الله عبادَه أن التوفيق للإيمان به بيده لا إلى أحد سواه .
يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: كما أنك لا تقدر أن تسمع، يا محمد ، من
سلبته السمع ، فكذلك لا تقدر أن تفهم أمری ونهي قلباً سلبته فهم ذلك ، لأنى
ختمتُ علیه أنه لا يؤمن .

٩٦
تفسير سورة يونس : ٤٤،٤٣
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَمِنْهُم مِّن يَنْظُرُ إِلَيْكَ
أَفَأَنتَ تَهْدِى الْعَمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ومن هؤلاء المشركين ، مشركى قومك ،
٨٤/١١ من ينظر إليك، يا محمد، ويرى أعلامك وحُجَجك على نبوتك، ولكن الله قد
سلبه التوفيقَ فلا يهتدى ، ولا تقدر أن تهديه ، كما لا تقدر أن تحدث للأعمى
بصراً يهتدى به = ((أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون))، يقول: أفأنت
يا محمد، تحدث لهؤلاء الذين ينظرون إليك وإلى أدلتك وحججك ، فلا يوفَّقون
للتصديق بك أبصارًا، لو كانوا مُمْياً يهتدون بها ويبصرون ؟ فكما أنك لا تطيق
ذلك ولا تقدر عليه ولا غيرك، ولا يقدر عليه أحدٌ سواى، فكذلك لا تقدر على
أن تبصّرهم سبيلَ الرشاد أنت ولا أحدٌ غيري، لأن ذلك بيدي وإلىّ .
وهذا من الله تعالى ذكره تسليةٌ لنبيه صلى اللّه عليه وسلم عن جماعةٍ ممن كفر
به من قومه وأدبر عنه فكذب ، وتعزية له عنهم ، وأمرٌ برفع طمعه من إنابتهم
إلى الإيمان بالله .
٠
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ
شَيْئًا وَلْكِنِ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الله لا يفعل بخلقه ما لا يستحقون
منه، لا يعاقبهم إلا بمعصيتهم إيّاه، ولا يعذبهم إلا بكفرهم به = ((ولكن الناس))،
يقول : ولكن الناس هم الذين يظلمون أنفسهم ، باجترامهم ما يورثها غضب
الله وسخطه .

٩٧
تفسير سورة يونس : ٤٥،٤٤
وإنما هذا إعلام من اللّه تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به،
أنه لم يسلُبْ هؤلاء الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يؤمنون الإيمانَ ابتداءً منه
بغير جرم سلف منهم وإخبارٌ أنه إنما سلبهم ذلك باستحقاقٍ منهم سَلْبته، لذنوبٍ
اكتسبوها ، فحق عليهم قول ربهم ، وطبع على قلوبهم .
مُهُمْ كَأَن
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ يَحْشَرُهُمْ
لَّمْ يَلْبَنُواْ إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسرَ
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ))
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ويوم نحشر هؤلاء المشركين فنجمعهم
فى موقف الحساب ، (١) كأنهم كانوا قبل ذلك لم يلبثوا إلا ساعة من نهار يتعارفون
فيما بينهم ، (٢) ثم انقطعت المعرفة، وانقضت تلك الساعة = يقول الله: ((قد خسر
الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين))، قد غبن الذين جحدوا ثوابَ اللّه
وعقابه حظوظتهم من الخير وهلكوا (٣) = ((وما كانوا مهتدين))، يقول: وما كانوا
موفّقين لإصابة الرشد مما فعلوا من تكذيبهم بلقاء الله، لأنه أكسبهم ذلك ما لا قبل
لهم به من عذاب الله .
(١) انظر تفسير ((الحشر)) فيما سلف ص: ٧٧،، تعليق: ٥، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((البث)) فيما سلف ص : ٤١.
(٣) انظر تفسير ((الخسران)) فيما سلف ١٤: ٣٤٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
ج ١٥ (٧ )

٩٨
تفسير سورة يونس : ٤٦
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ
أَوْ نَتَوَفَّيَّنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرَجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره وإما نرينّك، يا محمد، فى حياتك بعض"
الذى نعد هؤلاء المشركين من قومك من العذاب = ((أو نتوفينك))، قبل أن نريك
ذلك فيهم (١) = ((فإلينا مرجعهم))، يقول: فمصيرهم بكل حال إلينا، ومنقلبهم(٢)
= ((ثم اللّه شهيد على ما يفعلون))، يقول جل ثناؤه: ثم أنا شاهد على أفعالهم التى
كانوا يفعلونها فى الدنيا ، وأنا عالم بها لا يخفى علىّ شىء منها ، (٣) وأنا مجازيهم بها
عند مصيرهم إلىّ ومرجعهم، جزاء هم الذى يستحقّونه، كما : -
١٧٦٦٣ - حدثی المثی قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وإما نرينك بعض الذى نعدهم))، من العذاب
فى حياتك = ((أو نتوفينك))، قبل = ((فإلينا مرجعهم)).
١٧٦٦٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ،
عن ورقاء ، عن ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، نحوه .
١٧٦٦٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
*
(١) انظر تفسير ((التوفى)) فيما سلف ١٤: ١٥، تعليق: ٤، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((المرجع)) فيما سلف ص: ٥٤، تعليق: ٣، والمراجع هناك ..
(٣) انظر تفسير ((الشهيد)) فيما سلف من فهارس اللغة ( شهد).

٩٩
تفسير سورة يونس : ٤٨،٤٧
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولُ فَإِذَا
جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره: ولكل أمة خلت قبلكم ، أيها الناس ،
رسول أرسلته إليهم ، كما أرسلت محمداً إليكم ، يدعون من أرسلتهم إليهم إلى دين
الله وطاعته = ((فإذا جاء رسولهم))، يعنى: فى الآخرة ، كما : -
١٧٦٦٦ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج، عن ٨٥/١١
ابن جريج، عن مجاهد: (( ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم))، قال: يوم القيامة.
٠
#
وقوله: ((قضى بينهم بالقسط))، يقول: قضى حينئذ بينهم بالعدل(١)
= ((وهم لا يظلمون))، من جزاء أعمالهم شيئاً ، ولكن يجازى المحسن بإحسانه.
والمسىءُ من أهل الإيمان، إما أن يعاقبه اللّه، وإما أن يعفو عنه. والكافرُ، يخلّد
فى النار. فذلك قضاء الله بينهم بالعدل ، وذلك لا شكّ عدلٌ لا ظلمٌ".
١٧٦٦٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((قضى بينهم بالقسط ))، قال : بالعدل .
#
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ) (٨)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : ويقول هؤلاء
المشركون من قومك، يا محمد = ((متى هذا الوعد ))، الذى تعدنا أنه يأتينا من
(١) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ص: ٢١، تعليق: ٤، والمراجع هناك.

١٠٠
تفسير سورة يونس : ٤٩،٤٨
عند الله، وذلك قيام الساعة = ((إن كنتم صادقين))، أنت ومن تبعك ، فيما
تعدوننا به من ذلك
...
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِىَ ضَرًّا
وَلَا نَفْعَا إِلَّ مَا شَآءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا
يَسْتَشْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((قل ))، يا محمد، مستعجليك وعيد الله،
القائلين لك: متى يأتينا الوعد الذى تعدنا إن كنتم صادقين؟ = (( لا أملك لنفسى))،
أيها القوم، أى: لا أقدرُ لها على ضرّ ولا نفع فى دنيا ولا دين (١) = ((إلا ما شاء
اللّه))، أن أملكه، فأجلبه إليها بإذنه. يقول تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه
وسلم : قل لهم: فإذْ كنت لا أقدر على ذلك إلا بإذنه، فأنا عن القدرة على الوصول
إلى علم الغيب ومعرفة قيام الساعة ، أعجزُ وأعجز، إلا بمشيئته وإذنه لى فى ذلك
= ((لكل أمة أجل))، يقول: لكل قوم ميقاتٌ لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا
جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم (٢) = (( لا يستأخرون))، عنه، ((ساعة))،
فيمهلون ويؤخرون = (( ولا يستقدمون))، قبل ذلك ، لأن الله قضى أن لا يتقدم
ذلك قبل الحين الذى قدَّره وقضاه . (٣)
(١) انظر تفسير ((الملك)) فيما سلف ١٣ : ٣٠٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الأمة)) فيما سلف من فهارس اللغة (أم).
= وتفسير ((الأجل)) فيما سلف ص: ٣٣، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((استأخر)) و((استقدم)) فيما سلف ١٢ : ٤٠٤، ٤٠٥.