النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تفسير سورة يونس : ٤
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((إنه يبدأ الخلق ثم يعيده))، يحييه ، ثم يميته ، ثم
یبدؤه ، ثم يحييه .
١٧٥٥١ -.... قال ، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، بنحوه .
٠
٠
وقرأت قرأة الأمصار ذلك: ﴿ إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾، بكسر الألف من ((إنه))،
على الاستئناف .
وذكر عن أبى جعفر الرازى أنه قرأه، ﴿ أَنَّهُ)، بفتح الألف من ((أنه)).
٠ ٠
= كأنه أراد: حقًّا أنه يبدأ الخلق ثم يعيده، فـ ((أنّ)) حينئذ تكون رفعاً، كما
قال الشاعر : (١)
أَحَقًّا عِبَادَ اللهِ أَنْ لَسْتُ زَائراً رُبِىَ جَنَّةٍ إِلاَّ عَلَىَّ رَقِيبُ (٢)
٠ ٠
وقوله: ((ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط))، يقول : ثم يعيده
من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره = ((ليجزى الذين آمنوا)) ، يقول :
ليثيب من صدق الله ورسوله، وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال ، واجتنبوا ما
نهاهم عنه، على أعمالهم الحسنة (٣) = ((بالقسط))، يقول: ليجزيهم على الحسن من
أعمالهم التى عملوها فى الدنيا الحسنَ من الثواب ، والصالحَ من الجزاء فى الآخرة
= وذلك هو(القسط))، و((القسط))، العدلُ والإنصاف، (٤) كما : -
١٧٥٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
(١) لم أعرف قائله.
(٢) فى المطبوعة: ((أباحبة إلا على رقيب))، وهو تحريف لما فى المخطوطة، وهو فيها هكذا،
غير منقوط: ((رباحه))، وصواب قراءته ما أثبت.
(٣) انظر تفسير ((الجزاء)) فيما سلف من فهارس اللغة (جزى).
(٤) انظر تفسير ((القسط)) فيما سلف ١٢: ٣٧٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٢٢
تفسير سورة يونس : ٤
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((بالقسط))، بالعدل .
وقوله: (( والذين كفروا لهم شرَاب من حميم))، فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما
أعدَّ اللّه للذين كفروا من العذاب ، وفيه معنى العطف على الأول . لأنه تعالى
ذكره عمّ بالخبر عن معادٍ جميعهم، كفارِهِم ومؤمنيهم، إليه . ثم أخبر أن إعادتهم
ليجزى كلَّ فريق بما عمل، المحسنَ منهم بالإحسان، والمسىءَ بالإساءة . ولكن لما
كان قد تقدم الخبر المستأنَفُ عما أعدّ للذين كفروا من العذاب، ما يدلُّ سامعَ ذلك
على المرادِ ، ابتدأ الخبر، والمعنىُّ العطف، فقال: والذين جحدوا الله ورسوله وكذبوا
بآيات الله = ( لهم شراب)) فی جهنم ((من حميم))،وذلك شراب قد أُغلی واشتدّ حره،
حتى إنه فيما ذكر عن النبى صلى اللّه عليه وسلم ليتساقطُ من أحدٍ هم حين يدنيه منه فروةُ
رأسه، وكما وصفه جل ثناؤه: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوِى الْوُجُوهَ﴾، [سورة الكهف: ٢٩].
وأصله: ((مفعول)) صرف إلى ((فعيل))، وإنما هو ((محموم))، أى مسخّن.
وكل مسخَّن عند العرب فهو ((حميم))، (١) ومنه قول المرقش :
وَكُلُّ يَوْمٍ لَهَا مِقْطَرَةٌ فِيهَاِكِبَا مُعَدٌّ وَحَيمٍ(٢)
يعنى بـ ((الحميم))، الماءَ المسخّن .
وقوله: ((عذاب أليم)) ، يقول : ولهم مع ذلك عذاب موجع ، (٣) سوى
الشراب من الحميم ، بما كانوا يكفرون بالله ورسوله .
(١) انظر تفسير ((حميم)) فيما سلف ١١ : ٤٤٨، ٤٤٩.
(٢) سلف البيت وتخريجه وشرحه ١١: ٤٤٨، وروايته هناك: ((فى كل مسى)).
(٣) انظر تفسير ((أليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ألم).

٢٣
تفسير سورة يونس : ٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ
ضِيَاءٍ وَالْقَمَرَ نُورا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ آلِّنِينَ
واْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْأَيْتِ لِقَوْمٍ
يَعْلَمُونَ﴾ ﴾)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن ربكم الله الذى خلق السموات
والأرض = ((هو الذى جعل الشمس ضياء))، بالنهار= ((والقمر نوراً))، بالليل. ومعنى:
ذلك: هو الذى أضاء الشمسَ وأنار القمر = ((وقدّره منازل))، يقول: قضاه فسوّاه
منازلَ ، لا يجاوزها ولا يقصر دُونها، على حالٍ واحدةٍ أبداً. (١)
٠
#
وقال: ((وقدّرَه منازل))، فوحّده، وقد ذكر ((الشمس)) و((القمر))، فإن ٦٢/١١
فى ذلك وجهين :
أحدهما: أن تكون ((الهاء)) فى قوله: ((وقدره))، للقمر خاصة ، لأن
بالأهلة يُعرف انقضاءُ الشهور والسنين ، لا بالشمس .
والآخر : أن يكون اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ، كما قال فى موضع آخر :
﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾، [سورة التوبة: ٦٢]، وكما قال الشاعر: (٢)
رَمَنِ بِأَمْرِ كُنْتُ مِنْهُ وَالِى بَرِيًّا، وَمِنْ جُولِ الطَِّىِّ رَمَانِى(٣)
(١) انظر تفسير ((التقدير)) فيما سلف ١١ : ٥٦٠.
(٢) هو ابن أحمر، أو : الأزرق بن طرفة بن العمرد الفراصى.
(٣) معانى القرآن للفراء ١: ٤٥٨، اللسان (جول)، وغيرهما . وكانت بينه وبين رجل
حكومة فى بئر، فقال خصمه: ((إنه لص ابن لص))، فقال هذا الشعر، وبعده :
دَمَانِىَ لِصَّا فِى لُصُوصٍ، ومَدَعا ◌ِها وَالِى فيما مضَى رَجُلان

٢٤
تفسير سورة يونس : ٥ ، ٦
وقوله: ((لتعلموا عدد السنين والحساب))، يقول: وقدّر ذلك منازل
= ((لتعلموا))، أنتم أيها الناس = ((عدد السنين))، دخول ما يدخل منها، أو
انقضاءَ ما يستقبل منها، وحسابها- يقول: وحساب أوقات السنين، وعدد أيامها ،
وحساب ساعات أيامها = (( ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق ))، يقولُ جل ثناؤه : لم
يخلق الله الشمس والقمر ومنازلهما إلا بالحق . يقول الحق تعالى ذكره : خلقت
ذلك كله بحق وحدى، بغير عون ولا شريك = ((يفصل الآيات))، يقول :
يبين الحجج والأدلة (١) = ((لقوم يعلمون))، إذا تدبروها، حقيقةَ وحدانية الله ،
وصحةَ ما يدعوهم إليه محمد صلى الله عليه وسلم، من خلع الأنداد، والبراءة من الأوثان.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ فِى أَخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ
وَمَا خَلَقَ الله فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَأَيْتٍ لٌقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره ، منبُها عبادَه على موضع الدّلالة على
ربوبيته، وأنه خالق كلِّ ما دونه: إن فى اعتقاب الليل النهارَ ، واعتقابِ النهار
الليلَ، إذا ذهب هذا جاء هذا ، وإذا جاء هذا ذهب هذا ، (٣) وفيما خلق الله
فى السموات من الشمس والقمر والنجوم ، وفى الأرض من عجائب الخلق الدالة
على أن لها صانعاً ليس كمثله شىء = ((لآيات))، يقول: الأدلة وحججاً وأعلاماً
واضحة = ((لقوم يتقون)) اللّه، فيخافون وعيده ويخشون عقابه على إخلاص العبادة لربهم.
#
#
ورواية البيت على الصواب: ((ومن أجل الطوى))، و((الطوى)): البئر. و((الجول)) و((الجمال !!
ناحية من نواحى البئر إلى أعلاها من أسفلها .
(١) انظر تفسير ((التفصيل)) فيما ملف: ١٥٢:١٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك
= وتفسير ((الآية)) فيما سلف من فهارس اللغة (أبي).
(٢) انظر تفسير ((اختلاف الليل والنهار)) فيما سلف ٣: ٢٧٢، ٢٧٣.

٢٥
تفسير سورة يونس : ٦ ، ٧ ، ٨
فإن قال قائل: أوَ لا دلالة فيما خلق الله فى السموات والأرض على صانعه،
إلا لمن اتقى الله ؟
قيل: فى ذلك الدلالة الواضحةُ على صانعه لكل من عمَّت فطرته، وبرئ
من العاهات قلبه . ولم يقصد بذلك الخبرَ عن أن فيه الدلالة لمن كان قد أشعرَ
نفسه تقوى الله، وإنما معناه: إن فى ذلك لآيات لمن اتَّقى عقاب الله، فلم يحمله
هواه على خلاف ما وضحَ له من الحق، لأن ذلك يدلُ كل ذى فطرة صحيحة على
أن له مدبِّرًا يستحقّ عليه الإذعان له بالعبودة، دون ما سواه من الآلهة والأنداد.
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا
وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأْنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ ءَايَتِنَا
غَفِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَنْهُمُ النَّارُ بمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : إن الذين لا يخافون لقاء نا يوم القيامة ،
فهم لذلك مكذّبون بالثواب والعقاب، متنافسون فی زین الدنيا وزخارفها، راضُون بها
عوضاً من الآخرة ، مطمئنين إليها ساكنين (١) = والذين هم عن آيات الله =
وهی أدلته على وحدانيته،وحججه على عباده، فى إخلاص العبادة له = ((غافلون))،
معرضون عنها لاهون، (٢) لا يتأملونها تأمثّل ناصح لنفسه ، فيعلموا بها حقيقة
ما دلَّهم عليه، ويعرفوا بها بُطُول ما هم عليه مقيمون = ((أولئك مأواهم النار))،
يقول جل ثناؤه: هؤلاء الذين هذه صفتهم = ((مأواهم))، مصيرهم إلى النار نار
(١) انظر تفسير ((الاطمئنان)) فيما سلف ١٣: ٤١٨، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الغفلة)) فيما سلف ١٣: ٢٨١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
...

٢٦
تفسير سورة يونس : ٨،٧
جهنم فى الآخرة (١)= ((بما كانوا يكسبون))، فى الدنيا من الآثام والأجْرام،
ويجْترحون من السيئات . (٢)
#
والعرب تقول: ((فلان لا يرجو فلاناً))، إذا كان لا يخافه، ومنه
قول الله جل ثناؤه: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِهِ وَقَاراً﴾، [سورة نوح: ١٣]، (٣)
ومنه قول أبي ذؤيب :
إِذَا لَسَعَّتْهُ النَّحْلُ لَ يُرْجِ لَسْمَهَ وَخَفَهَاَ فِى بَيْتِ نُب حَوَاسِلِ (٤)
٠٠
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
٦٣/١١
ذكر من قال ذلك :
*
١٧٥٥٣ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((واطمأنوا بها))، قال : هو
مثل قوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيهَا﴾.
١٧٥٥٤ - حدثى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة
الدنيا واطمأنوا بها))، قال: هو مثل قوله: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَاَ
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [سورة هود: ١٥].
١٧٥٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٥٥٦ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
قوله ((إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن
(١) انظر تفسير ((المأوى)) فيما سلف ١٤: ٤٢٥، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الكسب)) فيما سلف من فهارس اللغة (كسب).
(٣) انظر تفسير ((الرجاء)) فيما سلف ٩ : ١٧٤، ١٧٥.
( ٤) مضى البيت وتخريجه وشرحه فيما سلف ٩ : ١٧٤ .

٢٧
تفسير سورة يونس : ٧ - ١٠
آياتنا غافلون))، قال : إذا شئتَ رأيتَ صاحب دُنْيا، لها يفرح، ولها يحزن،
ولها يسخط ، ولها يرضى .
١٧٥٥٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها))، الآية كلها،
قال: هؤلاء أهل الكفر. ثم قال: ((أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون)).
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الْأُنْهَرُ
فِى جَنَّتِ النَّعِيمِ (١) دَعْوَنْهُمْ فِيهَا سُبْحَنَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ
فِيهَا سَلَمٌ وَءَاخِرُ دَعْوَنُهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِ رَبِّ الْعُلَمِينَ﴾ (٢)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات))،
إن الذين صدَّقوا الله ورسوله =(( وعملوا الصالحات))، وذلك العمل بطاعة الله والانتهاء
إلى أمره (١) = ((يهديهم ربهم بإيمانهم))، يقول: يرشدهم ربهم بإيمانهم به، إلى
الجنة، كما :-
١٧٥٥٨ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجرى من تحتهم
الأنهار فى جنات النعيم))، بلغنا أن نبيَّ اللّه صلى الله عليه وسلم قال: إن المؤمن
إذا خرج من قبره صُوِّر له عمله فى صورة حَسَنة ، فيقول له : ما أنت ؟ فوالله
إنى لأراك امرأ صِدْقٍ ! فيقول: أنا عملك! فيكون له نوراً وقائداً إلى الجنة . وأما
الكافر إذا خرج من قبره ، صُوِّر له عمله فى صورة سيئة وشارة سيئة ، (٢)
(١) انظر تفسير ((الصالحات)) فيما سلف من فهارس اللغة ( صلح) .
(٢) فى المطبوعة: ((وبشارة))، والصواب ما أثبته من المخطوطة.

.. ٢٨
تفسير سورة يونس : ٩ ، ١٠
فيقول : ما أنت ؟ فوالله إنى لأراك امرأ سوء! فيقول: أنا عملك ! فينطلق به حتى
يدخله النار .
١٧٥٥٩ - حدثی محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((يهديهم ربهم بإيمانهم))،
قال : يكون لهم نوراً يمشون به .
١٧٥٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجیح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٥٦١ -.... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد ، مثله .
١٧٥٦٢ - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد مثله = وقال ابن جريج: (( يهديهم ربهم بإيمانهم))،
قال: يمثل له عمله فى صورة حسنة وریحٍ طيبة،يعارِض صاحبه ويبشره بكل خير ،
فيقول له: من أنت ؟ فيقول: أنا عملك ! فیجعل له نوراً من بین یدیه حتى يدخله
الجنة، فذلك قوله: ((يهديهم ربهم بإيمانهم)). والكافر يمثل له عمله فى صورة سيئة
وريح منتنة، فيلازم صاحبه ويُلازُّهُ حتى يقذفه فى النار. (١)
#
وقال آخرون: معنى ذلك : بإيمانهم، يهديهم ربهم لدينه . يقول : بتصديقهم
هداهم .
* ذكر من قال ذلك :
(١) فى المطبوعة: ((ويلاده))؛ بالدال، وأثبت ما فى المخطوطة. ((لازه يلازه ملازة وازازاً))،
قارنه ولزمه ولصق به .
.

٢٩
تفسير سورة يونس : ٩، ١٠
٠
٠
(١)
·
٠
٠
٠
٠ ٠٠
وقوله: (( تجرى من تحتهم الأنهار))، يقول: تجرى من تحت هؤلاء المؤمنين
الذين وصف جل ثناؤه صفتهم، أنهار الجنة = ((فى جنات النعيم))، يقول: فى ٦٤/١١
بساتين النعيم ، الذى نعَّ اللّه به أهل طاعته والإيمان به . (٢)
...
فإن قال قائل: وكيف قيل: ((تجرى من تحتهم الأنهار))، وإنما وصف
جل ثناؤه أنهار الجنة فى سائر القرآن أنها تجرى تحت الجنات ؟ وكيف يمكن
الأنهار أن تجرى من تحتهم ، إلا أن يكونوا فوق أرضها والأنهار تجرى من تحت
أرضها ؟ وليس ذلك من صفة أنهار الجنة ، لأن صفتها أنها تجرى على وجه الأرض
فی غیر أخاديد ؟
قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ ، وإنما معنى ذلك: تجرى من
دونهم الأنهار إلى ما بين أيديهم فى بساتين النعيم ، وذلك نظير قول الله :
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، [سورة مريم: ٢٤]. ومعلوم أنه لم يجعل ((السرى))
تحتها وهى عليه قاعدة = إذا كان ((السرى))، هو الجدول = وإنما عنى به: جعل
دونها بين يديها، وكما قال جل ثناؤه مخبراً عن قيل فرعون، (أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ
وَهْذِهِ الْأَنْهَرُ تَجْرِى مِنْ تَحْفِى﴾، [ سورة الزخرف: ٥١]، بمعنى: من دونى،
بین یدیّ .
(١) لم يذكر شيئاً بعد قوله: ((ذكر من قال ذلك))، وفى هامش المخطوطة ((كذا))، وهو دليل
على أنه سقط قديم .
(٢) انظر تفسير ((جنات النعيم)) فيما سلف ١٠ : ٤٦١، ٤٦٢.

٣٠
تفسير سورة يونس: ٩ ، ١٠
وأما قوله: ((دعواهم فيها سبحانك اللهم))، فإن معناه: دعاؤهم فيها: سبحانك
اللهم ، (١) كما :-
١٧٥٦٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسین قال ، حدثی حجاج، عن
ابن جريج قال: أخبرت أن قوله: ((دعواهم فيها سبحانك اللهم))، قال : إذا
مرّ بهم الطيرُ يشتهونه، (٢) قالوا: ((سبحانك اللهم)) ، وذلك دعواهم ، فيأتيهم
الملك بما اشتهوا، فيسلم عليهم، فيردّون عليه، فذلك قوله: ((وتحيتهم فيها سلام)).
قال : فإذا أكلوا حمدوا الله ربّهم، فذلك قوله: ((وآخر دعواهم أن الحمد لله
رب العالمين)).
١٧٥٦٤ - حدثنا بشرقال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: (( دعواهم فيها سبحانك اللهم))، يقول: ذلك قولهم فيها = (( وتحيتهم فيها
سلام)) .
١٧٥٦٥ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا عبيد اللّه الأشجعى قال، سمعت
سفيانًا يقول: ((دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام))، قال: إذا أرادوا
الشىء قالوا: ((اللهم))، فيأتيهم ما دَعَوا به .
٠٠
وأما قوله: ((سبحانك اللهم))، فإن معناه: تنزيهًا لك، يا رب ، مما أضاف
إليك أهل الشرك بك، من الكذب عليك والفِرْية. (٣)
...
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧٥٦٦ - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس قال ، سمعت أبى .
(١) انظر تفسير ((الدعوى)) فيما سلف ١٢ : ٣٠٣، ٣٠٤.
(٢) فى المطبوعة: ((فيشتهونه)) بالفاء، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٣) انظر تفسير ((سبحان)) فيما سلف ١٤، ٢١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٣١
تفسير سورة يونس : ١٠،٩
عن غير واحدٍ، عطيةُ فيهم: ((سبحان اللّه))، تنزيهٌ لله.
١٧٥٦٧ - حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال،
حدثنا سفيان ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب قال : سمعت موسى بن طلحة
قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((سبحان الله))، قال: إبراء الله
عن السوء . (١)
١٧٥٦٨ - حدثنا أبو كريب، وأبو السائب، وخلاد بن أسلم قالوا، حدثنا
ابن إدريس قال ، حدثنا قابوس ، عن أبيه : أن ابن الكوّاء سأل عليًّا رضى الله
عنه عن (( سبحان الله))، قال: كلمة رضيها اللّه لنفسه.
١٧٥٦٩ - حدثنى نصر بن عبد الرحمن الأودى قال، حدثنا أبو أسامة ،
عن سفيان بن سعيد الثورى ، عن عثمان بن عبد الله بن موهب الطلحى ، عن
موسى بن طلحة قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ((سبحان الله))،
فقال : تنزيهاً لله عن السوء. (١)
١٧٥٧٠ - حدثنى على بن عيسى البزار قال ، حدثنا عبيد الله بن محمد
قال ، حدثنا عبد الرحمن بن حماد قال ، حدثی حفص بن سليمان قال ، حدثنا
طلحة بن يحيى بن طلحة ، عن أبيه ، عن طلحة بن عبيد الله قال : سألت
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير ((سبحان الله))، فقال: هو تنزيه الله
من كل سوء . (٢)
(١) الأثر: ١٧٥٦٧، ١٧٥٦٩ - ((سفيان)) بن سعيد، هو الثورى الإمام المشهور .
و ((عمان بن عبد الله بن موهب التيمى))، مولى آل طلحة ينسب إلى جده يقال: ((عمان بن موهب)»
تابعى ثقة ، روى عن ابن عمر، وأبى هريرة، وأم سلمة. مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم
٠١٥٥/١/٣
و((موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمى))، تابعى ثقة، روى عن أبيه وغيره من الصحابة. مترجم
فى التهذيب، والكبير ٤ /٢٨٦/١، وابن أبى حاتم ٤ / ١/ ١٤٧.
وهو خبر مرسل ، وسيأتى موصولا فى الذى يليه ، ولكنها أخبار لا يقوم إسنادها .
(٢) الأثر: ١٧٥٧٠ - ((على بن عيسى البزار))، شيخ الطبرى، هو ((على بن عيسى بن

٣٢
تفسير سورة يونس : ٩ ، ١٠
١٧٥٧١ - حدثنى محمد بن عمرو بن تمام الكلى قال، حدثنا سليمان بن
أيوب قال ، حدثنى أبى ، عن جدى ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه قال :
قلت: يا رسول الله، قول ((سبحان الله))؟ قال: تنزيه الله عن السوء. (١)
=(وتحيتهم))، يقول: وتحية بعضهم بعضاً = ((فيها سلام))، أى: سَلِمْتَ
وأَمَنْتَ مما ابتُلى به أهل النار. (٢)
والعرب تسمى الملك ((التحية))، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:
أَزُورُ بِاَ أَبَ قَبُوسَ حَّى أُنِخَ عَى تَجِيَّتٍِّ مِنْدِى(٣)
٦٥/١١
يزيد البغدادى الكراجكى ، ثقة ، مضى برقم : ٢١٦٨.
و((عبيد الله بن محمد بن حفص التميمى، العيشى))، من ولد عائشة بنت طلحة، ثقة، مستقيم
الحديث . مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٣٣٥/٢/٢.
و ((عبد الرحمن بن حماد بن عمران بن موسى بن طلحة بن عبيد الله))، منكر الحديث، لا يحتج به.
مترجم فى لسان الميزان ٣: ٤١٢، وابن أبى حاتم ٢/ ٢٢٦/٢، وميزان الاعتدال ٢: ١٠٢.
و((حفص بن سليمان الأسدى البزار)»، ضعيف الحديث، مضى برقم: ٥٧٥٣، ١١٤٥٨.
و ((طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد اللّه التيمى))، وثقه ابن معين وغيره، وقال البخارى: ((منكر
الحديث))، وقال فى كتاب الضعفاء الصغير ص: ٤٦: ((ليس بالقوى))، مترجم فى التهذيب، وابن
أبى حاتم ٢ / ١ / ٤٧٧ .
وأبوه: ((يحي بن طلحة بن عبيد الله التيمى))، تابعى ثقة. مترجم فى التهذيب، والكبير
٤ / ٢/ ٢٨٣، وابن أبى حاتم ٤ / ٠١٦٠/٢
وهذا خبر هالك الإسناد ، كمارأيت .
(١) الأثر: ١٧٥٧١ - ((محمد بن عمرو بن تمام الكلبى، المصرى))، أبو الكروس ، شيخ
الطبرى، مترجم فى ابن أبى حاتم ٤ / ١/ ٣٤.
و ((سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة)) روى نسخة، عن أبيه عن آبائه عامة،
أحاديثه لا يتابع عليها، وروى أحاديث مناكير. وذكره ابن حبان فى الثقات . مترجم من التهذيب
وابن أبى حاتم ٢ / ١ / ١٠١.
وهذا خبر ضعيف الإسناد أيضاً .
(٢) انظر تفسير ((التحية)) فيما سلف ٨ : ٥٨٦ - ٥٩٠.
(٣) من قصيدة طويلة له، رواها أبو على القالى فى أماليه ٣: ١٤٧ - ١٥٠، واللسان (حيا)،
مع اختلاف فى الرواية .

٣٣
تفسير سورة يونس : ١٠ ، ١١
ومنه قول زهير بن جناب الكلبي :
قَدْ ◌ِلْتُهُ إِلاَّ الْتَّحِيَّه(١)
مِنْ كُلِّ مَآَنَلَ الفَتَى
٠ ٠ ٠
وقوله: ((وآخر دعواهم))، يقول: وآخر دعائهم (٢) = (( أن الحمد لله رب
العالمين))، يقول: وآخر دعائهم أن يقولوا: ((الحمد لله رب العالمين))، ولذلك
خففت (( أن )) ، ولم تشدّد، لأنه أريد بها الحكاية
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشَّرَّ
أَسْتِعْجَلَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ
لَا يَرْجُونَ لِقَآَنَا فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولو يعجل الله للناس إجابةَ دعائهم فى
الشرّ، وذلك فيما عليهم مضرّة فى نفس أو مال = ((استعجالهم بالخير))، يقول :
كاستعجاله لهم فى الخير بالإجابة إذا دعوه به = (( لقضى إليهم أجلهم))، يقول :
لهلكوا، وعُجَّل لهم الموت، وهو ((الأجل)). (٣)
...
وعنى بقوله: ((لقضى))، لفرغ إليهم من أجلهم، (٤) ونُبذ إليهم، (٥) كما
قال أبو ذؤيب :
(١) من أبيات له، ذكرتها فى شرح طبقات فحول الشعراء ٣٠ - ٣٢، وفى كتاب المعمرين:
٢٦، واللسان (بجل)، ( حيا)، والأغانى ٢١: ٦٦ (ساسى)، وغيرها كثير .
(٢) انظر تفسير ((الدعوى)) فيما سلف ص: ٣٠، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الأجل)) فيما سلف ١٣: ٢٩٠، تعليق: ٦، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((قضى)) فيما سلف ١٣: ٥٦٦، تعليق ٢، والمراجع هناك.
(٥) فى المطبوعة: ((وتبدى لهم))، غير ما فى المخطوطة إذ لم يحسن قراءته.
ج ١٥ (٣)

٣٤
تفسير سورة يونس : ١١
وَعَلَيْنَاَ مَسْرُودَتَنِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ، أَوْ صَنَعُ السَّوَابِعِ تُبَّعُ(١)
=((فنذر الذين لا يرجون لقاءنا))، يقول : فندع الذين لا يخافون عقابنا، ولا
يوقنون بالبعث ولا بالنشور (٢) = ((فى طغيانهم))، يقول: فى تمرّدهم وعتوّهم(٣)=
((يعمهون )) ، يعنى : يترددون . (٤)
وإنما أخبرجل ثناؤه عن هؤلاء الكفرة بالبعث بما أخبر به عنهم ، من طغيانهم
وترددهم فيه عند تعجيله إجابة دعائهم فى الشرّ لو استجاب لهم ، أن ذلك كان
يدعوهم إلى التقرُّب إلى الوثن الذى يشرك به أحدهم ، أو يضيف ذلك إلى أنه من
فعله .
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧٥٧٢ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قوله: (( ولو يعجل الله للناس الشر
استعجالهم بالخير))، قال: قولُ الإنسان إذا غضب أولده وماله: ((لاباركَ الله
فيه ولعنه)) !
١٧٥٧٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: (( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير))،
قال: قولُ الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: ((اللهم لا تبارك فيه والعنه))!
(١) سلف البيت وتخريجه وشرحه ٢ : ٥٤٢.
(٢) انظر تفسير ((يذر)) فيما سلف من فهارس اللغة ( وذر).
= وتفسير ((الرجاء)) فيما سلف ص: ٢٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ١٣: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر تفسير ((العمه)) فيما سلف ١٣: ٢٩١، تعليق: ٢، والمراجع هناك.

٣٥
تفسير سورة يونس : ١١
فلو يعجّل اللّه الاستجابة لهم فى ذلك ، كما يستجاب فى الخير ، لأهلكهم .
١٧٥٧٤ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا عبد الله عن
ورقاء ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله: (( ولو يعجل الله للناس الشر
استعجالهم بالخير))، قال: قول الإنسان لولده وماله إذا غضب عليه: ((اللهم
لاتبارك فيه والعنه ))= ((لقضى إليهم أجلهم))، قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته .
١٧٥٧٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، عن مجاهد قوله: (( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير))،
قال: قول الرجل لولده إذا غضب عليه أو ماله: ((اللهم لا تبارك فيه والعنه))!
قال الله: ((لقضى إليهم أجلهم))، قال: لأهلك من دعا عليه ولأماته. قال:
((فنذر الذين لا يرجون لقاءنا ))، قال يقول: لا نهلك أهل الشرك، ولكن
نذرهم فى طغيانهم يعمهون .
١٧٥٧٦ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن قتادة قوله: (( ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير))، قال:
هو دعاء الرجل على نفسه وماله بما يكره أن يستجاب له .
١٧٥٧٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: ((لقضى إليهم أجلهم))، قال: لأهلكناهم. وقرأ: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى
ظَهْرِهَا مِنْ دَابَةٍ ﴾، [ سورة فاطر: ٤٥]. قال: يهلكهم كلهم.
#
ونصب قوله: ((استعجالهم))، بوقوع ((يعجل)) عليه ، كقول القائل:
((قمت اليوم قيامَك)) بمعنى: قمت كقيامك، وليس بمصدّرٍ من ((يعجل))،
لأنه لو كان مصدَّراً لم يحسن دخول (( الكاف)) = أعنى كاف التشبيه = فيه. (١)
٥
(١) انظر معانى القرآن للفراء ١ : ٤٥٨.

٣٦
تفسير سورة يونس : ١١ ، ١٢
٦٦/١١
واختلفت القرأة فى قرأة قوله: (( لقضى إليهم أجلهم)).
فقرأ ذلك عامة قرأة الحجاز والعراق: ﴿لَقُضِىَ إلَيْهِمْ أُجَلَهُمْ﴾، على وجه ما لم
يسمَّ فاعله، بضم القاف من ((قضى)) ورفع ((الأجل)).
وقرأه عامة أهل الشام: ﴿لَقَضَى إِلَيْهِمْ أَجَلَهُمْ﴾، بمعنى: لقضى اللّه إليهم
أجلهم .
#
*
قال أبو جعفر: وهما قراءتان متفقتا المعنى ، فبأيتهما قرأ القارئ فيصيب ، غير
أنى أقرؤه على وجه ما لم يسمَّ فاعله ، لأن عليه أكثر القرأة .
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا مَسّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانًا
لِجَنَبِهِىٌ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن ◌َّمْ
يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلِمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا أصابَ الإنسان الشدّة والجهد (١)
= ((دعانا لجنبه))، يقول: استغاث بنا فى كشف ذلك عنه = ((لجنبه))،
يعنى مضطجعاً لجنبه = (( أو قاعداً أو قائماً))، بالحال التى يكون بها عند نزول ذلك
الضرّ به = ((فلما كشفنا عنه ضره))، يقول: فلما فرّجنا عنه الجهد الذى أصابه (٢)
=((مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرمسه))، يقول: استمرَّ على طريقته الأولى قبل أن يصيبه
الضر ، (٣) ونسى ما كان فيه من الجهد والبلاء أو تناساه ، وترك الشكر لربه الذى
(١) انظر تفسير ((المس)) فيما سلف ١٤: ٦٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
= وتفسير ((الضر)» فيما سلف من فهارس اللغة ( ضرر ).
(٢) انظر تفسير ((الكشف)) فيما سلف ١١ : ١٣/٣٥٤ : ٧٣.
(٣) انظر تفسير ((مر)) فيما سلف ١٣: ٣٠٤، ٣٠٥.

٣٧
تفسير سورة يونس : ١٢، ١٣
فرّج عنه ما كان قد نزل به من البلاء حين استعاذ به ، وعاد للشرك ودعوى
الآلهةِ والأوثانِ أرباباً معه. يقول تعالى ذكره: ((كذلك زيّن للمسرفين ما كانوا
يعملون))، يقول: كما زُيِّن لهذا الإنسان الذى وصفنا صفته، (١) استمرارُه على
كفره بعد كشف اللّه عنه ما كان فيه من الضر، كذلك زُيّن الذين أسرفوا فى
الكذب على الله وعلى أنبيائه، فتجاوزوا فى القول فيهم إلى غير ما أذن الله لهم به، (٢)
ما كانوا يعملون من معاصى الله والشرك به .
. . .
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
« ذكر من قال ذلك :
١٧٥٧٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ،
عن ابن جريج قوله: (( دعانا لجنبه))، قال: مضطجعاً.
#
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن
قَبْلِكُمْ لَمَا ظَلَمُواْ وَجَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ وَمَا كَانُواْ
◌ِيُؤْمِنُواْ كَذَلِك نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولقد أهلكنا الأمم التى كذبت رسل الله
من قبلكم، أيها المشركون بربهم (٣) = ((لما ظلموا))، يقول: لما أشركوا وخالفوا
أمر الله ونهيه (٤) = ((وجاءتهم رسلهم))، من عند الله = ((بالبينات))، وهى الآيات
(١) انظر تفسير ((التزيين)) فيما سلف ١٤: ٢٤٥، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((الإسراف)) فيما سلف ١٢: ٥٤٨، تعليق: ١، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((القرون)) فيما سلف ١١ : ٢٦٣.
(٤) انظر تفسير ((الظلم)) فيما سلف من فهارس اللغة (ظلم).

٣٨
تفسير سورة يونس : ١٣، ١٤
والحجج التى تُبين عن صِدْق من جاء بها. (١) ومعنى الكلام : وجاءتهم رسلهم
بالآيات البينات أنها حق = (( وما كانوا ليؤمنوا)) ، يقول: فلم تكن هذه الأمم
التى أهلكناها ليؤمنوا برسلهم ويصدّقوهم إلى ما دعوهم إليه من توحيد الله وإخلاص
العبادة له = ((وكذلك نجزى القوم المجرمين))، يقول: تعالى ذكره: كما أهلكنا
هذه القرون من قبلكم، أيها المشركون ، بظلمهم أنفسهم ، وتكذيبهم رسلهم ،
وردُّهم نصيحتَهم ، كذلك أفعل بكم فأهلككم كما أهلكتهم بتكذيبكم رسولكم
محمداً صلى الله عليه وسلم، وظلمكم أنفسكم بشرككم بربكم ، إن أنتم لم تُنيبوا
وتتوبوا إلى الله من شرككم ، فإن من ثواب الكافربى على كفره عندى ، أن أهلكه
بسَخَطَى فى الدنيا، وأوردُه النار فى الآخرة.
#
القول فى تأويل قوله تعالى {ثُمَّ جَعَلْتَكُمْ خَلٍَفَ فِى
الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعمَلُونَ﴾ (٦)
قال أبو جعفر يقول تعالى ذكره : ثم جعلناكم، أيها الناس، خلائف من
بعد هؤلاء القرون الذين أهلكناهم لما ظلموا ، تخلفونهم فى الأرض ، وتكونون فيها
بعدهم (٢) = (لننظر كيف تعملون)) يقول: لينظر ربكم أين عملكم من عمل من هلك
من قبلكم من الأم بذنوبهم وكفرهم بربهم ، تحتذون مثالَهم فيه، فتستحقون من
العقاب ما استحقوا ، أم تخالفون سبيلتهم فتؤمنون بالله ورسوله وتقرّون بالبعث
بعد الممات ، فتستحقون من ربكم الثواب الجزيل ، كما :-
١٧٥٧٩ - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد،
(١) انظر تفسير ((البينات)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٢) انظر تفسير ((الخلائف)) فيما سلف ١٣: ١٢٢، تعليق: ١، والمراجع هناك.

٣٩
تفسير سورة يونس : ١٤
عن قتادة قوله: ((ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون))، ٦٧/١١
ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال: صدق ربُّنا، ما جعلنا خلفاء
إلا لينظر كيف أعمالنا، فأرُوا اللّه من أعمالكم خيراً بالليل والنهار، والسر والعلانية .
١٧٥٨٠ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة فهد قال ،
حدثنا حماد ، عن ثابت البنانى ، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى : أن عوف بن
مالك قال لأبى بكر رضى الله عنه: رأيتُ فيما يرى النائم كأن سبباً دُلِّ من السماء،
فانتُشِط رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، (١) ثم دُلّى فانتُشِط أبو بكر، ثم ذُرِع
الناس حول المنبر، (٢) ففضَل عمر رضى الله عنه بثلاث أذرع إلى المنبر. فقال
عمر : دعنا من رؤياك ، لا أرَبَ لنا فيها ! فلما استخلف عمر قال : يا عوف،
رؤياك! قال: وهل لك فى رؤياى من حاجة ؟ أو لم تنتهزنى ! قال: ويحك! إنى
كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه! فقصَّ عليه الرؤيا،
حتى إذا بلغ: ((ذُرِع الناس إلى المنبر بهذه الثلاث الأذرع))، قال: أمّا إحداهن،
فإنه كائن خليفةً . وأما الثانية ، فإنه لا يخاف فى الله لومة لائم . وأما الثالثة ،
فإنه شهيد. قال فقال: يقول الله: ((ثم جعلناكم خلائف فى الأرض من بعدهم
لننظر كيف تعملون))، فقد استخلفت يا ابن أم عمر، فانظر كيف تعمل . وأما
قوله: ((فإنى لا أخاف فى اللّه لومة لائم))، فما شاء اللّه. وأما قوله: ((فإنى شهيد))،
فأنَّى لعمر الشهادة، والمسلمون مُطيفون به! ثم قال: إن الله على ما يشاء قدير. (٣)
(١) ((انتشط)) (بالبناء للمجهول)، أى: انتزع، جذب إلى السماء ورفع إليها، من قولهم: ((نشط
الدلو من البئر))، إذا نزعها وجذبها من البئر صعداً بغير بكرة .
(٢) ((ذرع الناس))، أى: قدر ما بينهم وبين المنبر بالذراع. يقال: ((ذرع الثوب))،
إذا قدره بالذراع .
(٣) الأثر: ١٧٥٨٠ - ((زيد بن عوف القطعى))، ((أبو ربيعة))، ((فهد))، متروك، وقد
مضى برقم : ٥٦٢٣، ١٤٢١٥، ١٤٢١٨، ١٤٢٢١. وكان فى المطبوعة هنا: ((يزيد بن عوف ،
أبو ربيعة، بهذا))، ومثله فى تفسير ابن كثير ٤: ٢٨٧، وهو اتفاق غريب على الخطأ!
وهذا الخبر، رواه ابن سعد بغير هذا اللفظ، بإسناد حسن فى كتاب الطبقات الكبير ٢٣٩/١/٣.

٤٠
تفسير سورة يونس : ١٥
القول فى تأويل قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُثْلَىْ عَلَيهِمْ ءَايَاتُنَا
بَيِّنَتِ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا أَنْتِ بِقُرْءَانٍ غَيْرٍ هُذَآ أَوْ
بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِّ أَنْ أَبَدِّلَهُ، مِن تِلْقَآَىٍ نَفْسِىَ إِنْ أَّبعُ إِلَّا
مَا يُوحَىّ إِلَىَّ إِنِّىَّ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ
عَظِيمٍ)(٥)
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا قرئ على هؤلاء المشركين آيات
كتاب الله الذى أنزلناه إليك، يا محمد (١) = ((بينات))، واضحات ، على الحق
دالات (٢) =(( قال الذين لا يرجون لقاءنا))، يقول: قال الذين لا يخافون عقابنا،
ولا يوقنون بالمعاد إلينا ، ولا يصدّقون بالبعث، (٣) لك = ((ائت بقرآن غير هذا أو
بدّله))، يقول: أو غيّره (٤) = ((قل)) لهم، يا محمد = (( ما يكون لى أن أبدله من
تلقاء نفسى ))، أى: من عندى . (٥)
*
والتبديل الذى سألوه، فيما ذكر ، أن يحوّل آية الوعيد آية وعد ، وآية الوعد
وعيداً، والحرامَ حلالاً ، والحلال حراماً. فأمر الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم أن
يخبرهم أن ذلك ليس إليه، وأن ذلك إلى من لا يردّ حكمه، ولا يُتَعَقَّب قضاؤه،
وإنما هو رسول مبلّغ ومأمور مُتّبع .
وقوله: ((إن أتبع إلا ما يوحى إلى ))، يقول: قل لهم: ما أتبع فى كل ما آمركم
*
(١) انظر تفسير ((تلا)) فيما سلف ١٣: ٥٠٢، تعليق: ٣، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((بينات)) فيما سلف من فهارس اللغة (بين).
(٣) انظر تفسير ((الرجاء)) فيما سلف ص: ٣٤، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٤) انظر تغير ((التبديل)) فيما ساف ١١: ١٢/٣٣٥: ٦٢، وفهارس اللغة (بدل).
(٥) انظر تغير ((تلقاء»: إسلف ١٢ : ٤٦٦.