النص المفهرس
صفحات 561-580
٥٦١ تفسير سورة التوبة : ١٢٠،١١٩ وتأويل عبد اللّه، رحمة الله عليه، فى ذلك على قراءته، تأويلٌ صحيح ، غير أن القراءة بخلافها . ٠ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم وِّنَ اْأُعْرَابِ أَن يَتَخَلَّقُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَهُمْ لَا يُصِبَهُمْ ظَمَةٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا تَخْمَصَةٌ فِى سَبِيلِ اللهِ وَلَا يَطُّونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ اُلْكُفَّارَ وَلَا يَلُونَ مِنْ عَدُوّ ◌َيْلًا إِلََّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِثُ عَمَلٌ صَلِحْ إِنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ أْمُحْسِنِينَ) (وَّـ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : لم يكن لأهل المدينة ، مدينة رسول الله ٤٧/١١ صلى الله عليه وسلم = ((ومن حولهم من الأعراب))، ◌ُسكّان البوادى، الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، وهم من أهل الإيمان به ، أن يتخلفوا فى أهاليهم ولا دارٍ لهم ، (١) ولا أن يرغبوا بأنفسهم عن نفسه فى صحبته فى سفره والجهاد معه ، ومعاونته على ما يعانيه فى غزوه ذلك . (٢) يقول: إنه لم يكن لهم هذا= ((بأنهم))، من أجل أنهم، وبسبب أنهم = ((لا يصيبهم))، فى سفرهم إذا كانوا معه == ((ظمأ))، وهو العطش = ((ولا نصب))، يقول: ولا تعب = ((ولا مخمصة فى سبيل الله))، يعنى: ولا مجاعة فى إقامة دين الله ونصرته، وهدْم منّار الكفر (٣) = ((ولا يطأون موطئاً))، يعنى : أرضاً ، يقول : ولا يطأون أرضاً = (١) فى المطبوعة: ((ولا دارهم))، وأثبت ما فى المخطوطة. (٢) انظر تفسير ((رغب)) فيما سلف ٣ : ٨٩. (٣) انظر تفسير ((المخمصة)) فيما سيأتى ص: ٥٦٤، تعليق: ١. = وتفسير ((سبيل الله)) فيما سلف من فهارس اللغة (سيل). ج ١٤ (٣٦) ٥٦٢ تفسير سورة التوبة : ١٢٠ ((يغيظ الكفار))، وطؤهم إياها(١) = ((ولا ينالون من عدوّ فيلاً))، يقول: ولا يصيبون من عدوّ اللّه وَعدُوّهم شيئاً فى أموالهم وأنفسهم وأولادهم = إلا كتب الله لهم بذلك كله، ثواب عمل صالح قد ارتضاه (٢) = (( إن الله لا يضيع أجر المحسنين))، يقول : إن الله لا يدع محسناً من خلقه أحسن فى عمله فأطاعه فيما أمره، وانتهى عما نهاه عنه ، أن يجازيه على إحسانه ، ويثيبه على صالح عمله. (٣) فلذلك كتبَ لمن فعل ذلك من أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب ما ذكر فى هذه الآية ، الثواب على كلّ ما فعل ، فلم يضيّع له أجرَ فعله ذلك . وقد اختلف أهل التأويل فى حكم هذه الآية . ٠ فقال بعضهم : هى محكمة ، وإنما كان ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصةً، لم يكن لأحدٍ أن يتخلف إذا غزا خِلافَه فيقعد عنه ، إلا من كان ذا عُذْرٍ . فأما غيره من الأئمة والولاة، فإن لمن شاء من المؤمنين أن يتخلَّف خلافه، إذا لم يكن بالمسلمين إليه ضرورة . ذكر من قال ذلك : ٠ ١٧٤٦٢ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه )) ، هذا إذا غزا نبىُّ اللّه بنفسه، فليس لأحد أن يتخلف . ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: لولا أن أشقَّ على أمتى ما تخلَّفت خلف سريّة تغزو فى سبيل الله، لكنى لا أجد سَعَةً ، فأنطلق بهم معى ، ويشقّ على = أو : أكره = أن أدعهم بعدى . ١٧٤٦٣ - حدثنا على بن سهل قال، حدثنا الوليد بن مسلم قال ، سمعت (١) انظر تفير ((الغيظ)) فيما سلف ٧ : ٢١٥ / ١٦:١١٤. (٢) انظر تفسير ((كتب)) فيما سلف من فهارس اللغة ( كتب). (٣) انظر تفسير ((المحسن)) فيما سلف من فهارس اللغة (حسن). ٥٦٣ تفسير سورة التوبة : ١٢٠ الأوزاعى ، وعبد الله بن المبارك، والفزارى، والسبيعى، وابن جابر، وسعيد ابن عبد العزيز يقولون فى هذه الآية: (( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله)) إلى آخر الآية، إنها لأوّل هذه الأمة وآخرها من المجاهدين فى سبيل الله . ٠ وقال آخرون هذه الآية : نزلت وفى أهل الإسلام قلة ، فلما كثروا نسخها اللّه، وأباح التخلف لمن شاء فقال: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) [ سورة التوبة: ١٢٢ ] ذكر من قال ذلك : * ١٧٤٦٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى قوله: (( ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول اللّه))، فقرأ حتى بلغ: ((ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون))، قال: هذا حين كان الإسلام قليلاً. فلما كثر الإسلام بعدُ قال: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِقَةٌ﴾، إلى آخر الآية . # قال أبو جعفر : والصواب من القول فى ذلك عندى: أن الله عنى بها الذين وصفهم بقوله: ﴿وَجَاءَالمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ) الآية [سورة التوبة: ٩٠]. ثم قال جل ثناؤه: (( ما كان لأهل المدينة))، الذين تخلفوا عن رسول اللّه، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين قعدوا عن الجهاد معه ، أن يتخلفوا خِلافَه، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه . وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ندب فى غزوته تلك كلّ من أطاق النهوض معه إلى الشخوص ، إلا من أذن له ، أو أمره بالمقام بعده . فلم يكن لمن قدر على الشخوص التخلُّف. فعدّد ٤٨/١١ جل ثناؤه من تخلف منهم ، فأظهر نفاقَ من كان تخلُّفه منهم نفاقاً ، وعذر من کان تخلفه لعُدْرٍ ، وتاب على من كان تخلُّه تفريطاً من غير شك ولا ارتياب ٥٦٤ تفسير سورة التوبة : ١٢٠ : فى أمر الله، إذ تاب من خطأ ما كان منه من الفعل . فأما التخلف عنه فى حال استغنائه ، فلم يكن محظوراً ، إذا لم يكن عن كراهةٍ منه صلى الله عليه وسلم ٩ ذلك. وكذلك حكم المسلمين اليوم إزاء إمامهم. فليس بفرضٍ على جميعهم النهوض معه، إلا فى حال حاجته إليهم، لما لا بُدَّ للإسلام وأهله من حضورهم واجتماعهم واستنهاضه إياهم ، فيلزمهم حينئذ طاعته . وإذا كان ذلك معنى الآية ، لم تكن إحدى الآيتين اللتين ذكرنا ناسخة" للأخرى، إذ لم تكن إحداهما نافيةً حكم الأخرى من كل وجوهه ، ولا جاء خبر يوجّه الحجة بأن إحداهما ناسخة للأخرى . # * وقد بينا معنى (( المخمصة))، وأنها المجاعة، بشواهده، وذكرنا الرواية عمن قال ذلك فى موضعٍ غير هذا ، فأغنى ذلك عن إعادته ههنا. (١) وأما ((النيل))، فهو مصدر من قول القائل: ((نالتى ينالى))، و((نلت الشىء فهو منيل)). وذلك إذا كنت تناله بيدك، وليس من ((التناول)). وذلك أن ((التناول)) من ((النوال))، يقال منه: ((قُلْتُ له، أنول له))، من العطيّة. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب يقول: (( النيل)) مصدر من قول القائل: ((نالتى بخير ينولنى نوالاً))، و((أنالنى خيرًا إنالة). وقال: كأن ((النيل)) من الواو أبدلت ياء لخفتها وثقل الواو . وليس ذلك بمعروف فى كلام العرب ، بل من شأن العرب أن تصحِّح الواو من ذوات الواو ، إذا سكنت وانفتح ما قبلها . كقولهم: ((القَوْل)) و(العَوْل)) و((الحول)) ولو جاز ما قال، لجاز ((القَيْل)).(٢) * ٠ # : (١) انظر تفسير ((المخمصة)) فيما سلف ٩ : ٥٣٢ - ٥٣٤. (٢) انظر تفسير ((النيل)) فيما سلف ٣: ١٢/٥٨٧:٦/٢٠: ٤٠٨، ١٣/٤٦٩ : ١٣٣ ولم يفسر ((النيل)) فيما سلف بمثل هذا البيان فى هذا الموضع. وهذه ملاحظة نافعة فى استخراج المنهج الذى ألف به أبو جعفر تفسيره هذا . ٥٦٥ تفسير سورة التوبة : ١٢٢،١٢١ القول فى تأويل قوله ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةٌ وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيَا إِلََّ كُتِبَ لَهُمْ لِجْزِ بَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) (١) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ))، وسائر ما ذكر = ((ولا ينالون من عدوٌّ نيلاً)) = ((ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة))، فى سبيل اللّه (١) = ((ولا يقطعون))، مع رسول الله فى غزوه = ((واديًا)) إلا كتب لهم أجر عملهم ذلك، جزاءً لهم عليه ، كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التى كانوا يعملونها وهم مقيمون فى منازلهم ، كما :- ١٧٤٦٥ - حدثنا بشرقال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة))، الآية ، قال: ما ازداد قوم من أهليهم فى سبيل اللّه ◌ُ بُعْداً إلا ازدادوا من اللّه قرباً. # القول فى تأويل قوله ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفُرُواْ كَاَنَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِيَتَفَقَُّواْ فِى الَّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَمَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : ولم يكن المؤمنون لينفروا جميعاً. (٢) ٠ ٠ ٥ وقد بينا معنى (( الكافة)) بشواهده ، وأقوال أهل التأويل فيه ، فأغنى عن إعادته فى هذا الموضع. (٣) ٠ ٠ ٠ (١) لم يكن فى المخطوطة ولا المطبوعة: ((ولا كبيرة))، وردتها لأنها حق الكلام. (٢) انظر تفير ((النفر)» فيما سلف ٨: ١٤/٥٣٦: ٢٥٤، ٣٩٩ (٣) انظر تفسير ((الكافة)) فيما سلف ٤: ٢٥٧، ٢٥٨ / ١٤ : ٢٤٢. ٥٦٦ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ ثم اختلف أهل التأويل فى المعنى الذى عناه اللّه بهذه الآية، وما (( النفر))، الذى كرهه لجميع المؤمنين ؟ فقال بعضهم: وهو نَفْرٌ كان من قوم كانوا بالبادية ، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ منَ الْأُعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾، انصرفوا عن البادية إلى النبى صلى الله عليه وسلم، خشية أن يكونوا من تخلف عنه، وممن عُنِى بالآية. فأنزل الله فى ذلك عذرهم بقوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، وكره انصراف جميعهم من البادية إلى المدينة . ذكر من قال ذلك : * ١٧٤٦٦ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ))، قال : ناسٌ من أصحاب محمد صلى ٤٩/١١ اللّه عليه وسلم، خرجوا فى البوادى، فأصابوا من الناس معروفاً، ومن الخصب ما ينتفعون به ، ودَعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى ، فقال الناس لهم : ما تراكم إلاّ قد تركتم أصحابكم وجئتمونا ! فوجدوا فى أنفسهم من ذلك حرجاً، وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبى صلى الله عليه وسلم، فقال الله: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة))، يبتغون الخير = ((ليتفقهوا))، وليسمعوا ما فى الناس، وما أنزل اللّه بعدهم = ((ولينذروا قومهم))، الناس كلهم = ((إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)). ١٧٤٦٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل، عن ابن أبى نحح، عن مجاهد مثله = إلا أنه قال فى حديثه: فقال الله: ((فلولا فضر من كل فرقة منهم طائفة))، خرج بعض ، وقعد بعضٌ يبتغون الخير. ١٧٤٦٨ - .... قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد اللّه، عن ورفاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد ، نحو حديثه عن أبى حذيفة . ٥٦٧ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ ١٧٤٦٩ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، نحو حديث المثنى عن أبى حذيفة = غير أنه قال فى حديثه: ما نراكم إلا قد تركتم صاحبكم! وقال: ((ليتفقهوا))، ليسمعوا ما فى الناس . وقال آخرون : معنى ذلك: وما كان المؤمنون لينفروا جميعاً إلى عدوّهم، ويتركوا نبيهم صلى الله عليه وسلم وحده، كما : - ١٧٤٧٠ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد فى قوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، قال: ليذهبوا كلهم = فلولا نفر من كل حى وقبيلة طائفة، وتخلف طائفة = ((ليتفقهوا فى الدين))، ليتفقه المتخلفون مع النبى صلى الله عليه وسلم فى الدين = ولينذر المتخلفون النافرين إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون . ذكر من قال ذلك : ١٧٤٧١ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عبد اللّه قال، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، يقول : ما كان المؤمنون لينفروا جميعاً، ويتركوا النبى صلى اللّه عليه وسلم وحده = ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة))، يعنى عصبة، يعنى السرايا، ولا يتَسرّوا إلا بإذنه، فإذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن ، تعلمه القاعدون من النبى صلى الله عليه وسلم. قالوا : ((إن الله قد أنزل على نبيكم بعدكم قرآناً، وقد تعلمناه)). فيمكث السرايا يتعلّمون ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، [ويبعث سرايا أخر، فذلك قوله: ((ليتفقهوا فى الدين))، يقول يتعلمون ما أنزل الله على نبيه]، (١) ويعلموا السرايا إذا رجعت (١) ما بين القوسين، ليس فى المخطوطة، وزاده ناشر المطبوعة من الدر المنثور ٣: ٢٩٢، فيما أرجح . ٥٦٨ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ إليهم لعلهم يحذرون . (١) ١٧٤٧٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، إلى قوله: ((لعلهم يحذرون))، قال: هذا إذا بعث نبىُّ اللّه الجيوش، أمرهم أن لا يُعَرُّوا نبيه، وتقيم طائفة مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم تتفقه فى الدين ، وتنطلق طائفة تدعو قومها ، وتحذرهم وقائع الله فيمن خلا قبلهم . ١٧٤٧٣ - حدثنا الحسين قال ، سمعت أبا معاذ يقول ، حدثنا عبيد بن سلمان قال، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، الآية ، كان نبى الله إذا غزا بنفسه لم يحلَّ لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه ، إلا أهل العذر. وكان إذا أقام فأسرت السرايا ، لم يحلّ لهم أن ينطلقوا إلاّ بإذنه. فكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن ، تلاه نبى الله على أصحابه القاعدين معه . فإذا رجعت السرية ، قال لهم الذين أقاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله أنزل بعدكم على نبيه قرآناً))، فيقرأونهم ويفقهونهم فى الدين ، وهو قوله : (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، يقول: إذا أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم = ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة))، يعنى بذلك: أنه لا ينبغى للمسلمين ١ /، أن ينفروا جميعاً ونبيُّ اللّه قاعد، ولكن إذا قعد نبىُّ اللّه، تسرَّت السرايا، وقعد معه عُظْمُ الناس . وقال آخرون : بل معنى ذلك : ما هؤلاء الذين نفروا بمؤمنين ، ولو كانوا مؤمنين لم ينفر جميعهم ، ولكنهم منافقون. ولو كانوا صادقين أنهم مؤمنون ، لنفر بعضٌ ليتفقه فى الدين ، ولينذر قومه إذا رجع إليهم. (١) كان فى المطبوعة: ((ويعلمونه))، وفى الدر: ((ويعلمون))، وفى المخطوطة: ((ويعلموا)) عطفاً على قوله: ((ليفقهوا)). ٥٦٩ تفسير سورة التوبة : ١٢٣ · ذكر من قال ذلك : ١٧٤٧٤ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس قوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، فإنها ليست فى الجهاد ، ولكن لما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مُضَر بالسِّنين أجدبت بلادهم ، وكانت القبيلة منهم تُقْبل بأسرها حتى يحلُّوا بالمدينة من الجهْد، ويعتلُّوا بالإسلام وهم كاذبون ، فضيَّقوا على أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم وأجهدوهم ، وأنزل الله يخبر رسول اللّه أنهم ليسوا مؤمنين، فردّهم رسول الله إلى عشائرهم، وحذّر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: ((ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)) . # وقد روى عن ابن عباس فى ذلك قول ثالثٌ، وهو ما : - ١٧٤٧٥ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: (( وما كان المؤمنون لينفروا كافة)) إلى قوله: ((لعلهم يحذرون))، قال : كان ينطلق من كل حىّ من العرب عصابة" ، فيأتون النبى صلى الله عليه وسلم، فيسألونه عما يريدونه من دينهم ، ويتفقهون فى دينهم ، ويقولون لنبى الله: ما تأمرنا أن نفعله ، وأخبرنا ما نقول لعشائرنا إذا انطلقنا إليهم ؟ قال : فيأمرهم نبيّ اللّه بطاعة الله وطاعة رسوله، ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة. وكانوا إذا أتوا قومهم نادوا: ((إنّ من أسلم فهو منًّا))، وينذرونهم ، حتى إن الرجل ليعرِّف أباه وأمه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبرهم وينذرون قومهم . (١) فإذا رجعوا إليهم، يدعونهم إلى الإسلام ، وينذرونهم النار ، ويبشرونهم بالجنة . (١) هكذا جاءت هذه الجملة فى المخطوطة والمطبوعة، وهى جملة غريبة التركيب، أخشى أن يكون سقط منها شىء . ٥٧٠ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ وقال آخرون : إنما هذا تكذيب من اللّه لمنافقين أزرَوْا بأعراب المسلمين وغيرهم ، (١) فى تخلُّفهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم من قد عذره الله بالتخلف . * ذكر من قال ذلك : ١٧٤٧٦ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ابن عيينة ، عن سليمان الأحول، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿مَا كانَ لِأَهْلِ الْتَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَغْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّقُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾، إلى ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ﴾، قال ناس من المنافقين : هلك من تخلف ! فنزلت: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، إلى ((لعلهم يحذرون))، ونزلت: ﴿ وَأُلّذِينَ يُحَاجُونَ فِىِ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُ حُجْتَهُمْ دَاحِضَةٌ﴾، الآية [ سورة الشورى: ١٩]. ١٧٤٧٧ - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة قال ، حدثنا سليمان الأحول ، عن عكرمة ، قال : سمعته يقول : لما نزلت: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيماً﴾ [سورة التوبة: ٣٩]، ﴿وَمَا كانَ لِأَهْلِ الَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ} إلى قوله: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، قال المنافقون : هلك أصحاب البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه! وقد كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا إلى البدو، إلى قومهم يفقهونهم ، فأنزل الله: ((وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة، إلى قوله: ((لعلهم يحذرون))، ونزلت: ﴿ وَاُلَّذِينَ يُحَجُونَ فِى اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا أُسْتُجِيبَ لَهُ﴾ ، الآية . واختلف الذين قالوا : ((عنى بذلك النهىُ عن نَفْر الجميع فى السرية، وترك (١) فى المطبوعة: ((بأعراب المسلمين وعزروهم))، والصواب ما فى المخطوطة. ٥٧١ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ النبىّ عليه السلام وحده))، فى المعنيِّين بقوله: ((ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم)). فقال بعضهم : عنى به الجماعة المتخلفة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم. وقالوا: معنى الكلام : فهلاً نفر من كل فرقة طائفة للجهاد، ليتفقه المتخلفون فى ٥١/١١ الدين ، ولينذروا قومهم الذين نفروا فى السرية إذا رجعوا إليهم من غزوهم؟ وذلك قول قتادة، وقد ذكرنا رواية ذلك عنه، من رواية سعيد بن أبى عروبة، (١) وقد :- ١٧٤٧٨ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين)) الآية ، قال: ليتفقه الذين قعدوا مع نبى الله - ((ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم))، يقول : لينذروا الذين خرجوا إذا رجعوا إليهم . ١٧٤٧٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الحسن وقتادة: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، قالا: كافة ويدعوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم . # # وقال آخرون منهم : بل معنى ذلك : لتتفقه الطائفة النافرة دون المتخلفة ، وتحذر النافرةُ المتخلفة". ذكر من قال ذلك : ١٧٤٨٠ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر، عن الحسن: (( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين))، قال : ليتفقه الذين خرجوا ، بما يُريهم اللّه من الظهور على المشركين والنصرة ، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم . (١) انظر ما سلف رقم : ١٧٤٧٢. ٥٧٢ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى تأويل ذلك بالصواب أن يقال : تأويلُه : وما كان المؤمنون لينفروا جميعاً ويتركوا رسول اللّه وحده ، وأن اللّه نهى بهذه الآية المؤمنين به أن يخرجوا فى غزو وجهادٍ وغير ذلك من أمورهم ، ويدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيداً. ولكن عليهم إذا ◌َسَرَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية ، أن ينفر معها من كل قبيلة من قبائل العرب = وهى الفرقة (١) = ((طائفة))، وذلك من الواحد إلى ما بلغ من العدد، (٢) كما قال الله جل ثناؤه: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)) ، يقول: فهلا نفر من كل فرقة منهم طائفة ؟ (٣) وهذا إلى ها هنا، على أحد الأقوال التى رويت عن ابن عباس ، وهو قول الضحاك وقتادة . وإنما قلنا: هذا القول أولى الأقوال فى ذلك بالصواب، لأن الله تعالى ذكره حظر التخلف خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المؤمنين به من أهل المدينة مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن الأعراب، لغير عذر يُعذرون به، إذا خرج رسول اللّه لغزوٍ وجهادٍ عدوٍّ قبل هذه الآية بقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأُعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾، ثم عقب ذلك جل ثناؤه بقوله: ((وما كان المؤمنون لينفروا كافة))، فكان معلوماً بذلك = إذْ كان قد عرّفهم فى الآية التى قبلها اللازم لهم من فرض النَّفْر، والمباحَ لهم من تركه فى حال غزورسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشخوصه عن مدينته الجهاد عدوّ ، وأعلمهم أنه لا يسعهم التخلف خلافه إلا لعذر، بعد استنهاضه بعضهم وتخليفه بعضهم = أن يكون عقيب تعريفهم ذلك، تعريفُهم الواجبَ عليهم عند مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمدينته ، (١) انظر تفسير ((الفريق)) و((الفرقة)) فيما سلف: ص: ٥٣٩، تعليق: ١، والمراجع هناك . (٢) انظر تفسير ((طائفة)) فيما سلف: ص: ٤٠٣، تعليق: ١، والمراجع هناك. (٣) انظر تفسير ((لولا)) فيما سلف ١١: ٣٥٦، تعليق: ٢، والمراجع هناك. ٥٧٣ تفسير سورة التوبة : ١٢٢ وإشخاص غيره عنها، كما كان الابتداءُ بتعريفهم الواجب عند شخوصه وتخليفه بعضهم. وأما قوله: ((ليتفقهوا فى الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم))، (١) فإن أولى الأقوال فى ذلك بالصواب، قولُ من قال : ليتفقه الطائفة النافرة بما تعاين من نصر اللّه أهلَ دينه وأصحابَ رسوله، على أهل عداوته والكفر به ، فيفقه بذلك من مُعاينته حقيقةَ علم أمر الإسلام وظهوره على الأديان ، من لم يكن فقهه ، ولينذروا قومهم فيحذروهم أن ينزل بهم من بأس اللّه مثل الذي نزل بمن شاهدوا وعاينوا ممن ظفر بهم المسلمون من أهل الشرك = إذا هم رجعوا إليهم من غزوهم = ((لعلهم يحذرون))، (٢) يقول: لعل قومهم، إذا هم حذر وهم ما عاينوا من ذلك، ٥٢/١١ يحذرون فيؤمنون بالله ورسوله ، حذراً أن ينزل بهم ما نزل بالذين أخبروا خبرهم . وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، وهو قول الحسن البصرى الذى رويناه عنه، (٣) لأن (النفر)) قد بينا فيما مضى، أنه إذا كان مطلقاً بغير صلة بشىء، أنّ الأغلب من استعمال العرب إياه فى الجهاد والغزو . (٤) فإذا كان ذلك هو الأغلب من المعانى فيه، وكان جل ثناؤه قال: ((فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا فى الدين))، علم أن قوله: ((ليتفقهوا))، إنما هو شرط للنفر لا لغيره ، إذْ كان يليه دون غيره من الكلام . فإن قال قائل : وما تنكر أن يكون معناه : ليتفقه المتخلِّفون فى الدين ؟ قيل : ننكر ذلك لاستحالته. وذلك أن نَفْر الطائفة النافرة، أو كان سبباً لتفقه المتخلفة ، وجب أن يكون مقامها معهم سبباً لجهلهم وترك التفقه ، وقد علمنا أن (١) انظر تفسير ((التفقه)) فيما سلف ص: ٤١٣، تعليق: ٢، والمراجع هناك. (٢) انظر تفسير (الحذر)) فيما سلف ١٠ : ١٤/٥٧٥: ٣٣١. (٢) انظر ما سلف رقم : ١٧٤٨٠. ( ٤) انظر ما سلف ص: ٢٥١ - ٢٥٦. ٥٧٤ تفسير سورة التوبة : ١٢٣،١٢٢ مقامهم لو أقاموا ولم ينفروا لم يكن سبباً لمنعهم من التفقه . * # # وبعدُ، فإنه قال جل ثناؤه: ((ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم))، عطفاً به على قوله: ((ليتفقهوا فى الدين))، ولا شك أن الطائفة النافرة لم ينفروا إلاّ والإنذار قد تقدّم من اللّه إليها، وللإنذار وخوف الوعيد نَفرتْ، فما وجْهُ إنذار الطائفة المتخلفة الطائفة النافرةَ ، وقد تساوتا فى المعرفة بإنذار اللّه إياهما؟ ولو كانت إحداهما جائزٌ أن توصف بإنذار الأخرى ، لكان أحقَّهما بأن يوصف به ، الطائفة النافرة ، لأنها قد عاينت من قدرة الله ونصرة المؤمنين على أهل الكفر به ، ما لم تعاين المقيمة . ولكن ذلك إن شاء اللّه كما قلنا ، من أنها تنذر من حيِّها وقبيلتها من لم يؤمن بالله إذا رجعت إليه: أن ينزل به ما أنزل بمن عاينته ممن أظفر الله به المؤمنين من نُظَرائه من أهل الشرك . القول فى تأويل قوله ﴿ يَكَأَيُّهَ الَّذِينَ ءَامَنُوا قَتِلُواْ الَّذِينَ يُونَكَم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلْظَةً وَأَعْلَمُواْ أَنّْ اللهَ مَعَ الْمُثَّقِينَ ﴾ ١٢٣ قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله : يا أيها الذين صدّقوا اللّه ورسوله ، قاتلوا من وليكم من الكفار دون من بعد منهم. (١) يقول لهم : ابدأوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم داراً، دون الأبعد فالأبعد . وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ ، الروم، لأنهم كانوا سكان الشأم يومئذ ، والشأم كانت أقرب إلى المدينة من العراق . فأما بعد أن فتح اللّه على المؤمنين البلاد ، فإن الفرض على (١) انظر تفسير ((ولى)) فيما سلف من فهارس اللغة ( ولى). ٥٧٥ تفسير سورة التوبة : ١٢٣ أهل كل ناحية ، قتالُ من وليهم من الأعداء دون الأبعد منهم، ما لم يضطرّ إليهم أهل ناحية أخرى من نواحى بلاد الإسلام . فإن اضطروا إليهم ، لزمهم عونهم ونصرهم ، لأن المسلمين يدّ على من سواهم. ٥ # ولصحة كون ذلك كذلك ، تأوّل كلُّمن تأوّل هذه الآية ، أنّ معناها إيجاب الفرض على أهل كل ناحية قتال من وليهم من الأعداء . * ذكر الرواية بذلك عنهم : ١٧٤٨١ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن سفيان ، عن شبيب ابن غرقدة البارقى ، عن رجل من بني تميم قال ، سألت ابن عمر عن قتال الديلم قال : عليك بالروم ! (١) ١٧٤٨٢ - حدثنا ابن بشار، وأحمد بن إسحق، وسفيان بن وكيع قالوا ، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا سفيان، عن يونس ، عن الحسن: (( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)) ، قال : الديلم . ١٧٤٨٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن الربيع، عن الحسن : أنه كان إذا سئل عن قتال الروم والديلم، تلاهذه الآية: (( قاتلوا الذين يلونكم من الكفار )) . ١٧٤٨٤ - حدثنا ابن حميدقال ، حدثنا يعقوب قال، حدثنا عمران أخى قال : سألت جعفر بن محمد بن على بن الحسين فقلت : ما ترى فى قتال الديلم ؟ فقال: (١) الأثر: ١٧٤٨١- (شبيب بن غرقدة البارقى))، والمشهور ((السلمى))، مضى برقم: ٣٠٠٨، ٣٠٠٩، وهو تابعى ثقة. وهكذا جاء فى المخطوطة كما أثبته، ولكن ناشر المطبوعة كتبه هكذا ((عن شبيب بن غرقدة، عن عروة البارقى، عن رجل من بني تميم))، وهو لا يصح أبداً، لأن ((عروة البارق))، هو: ((عروة بن أبي الجعد البارقى))، وهو صحابى معروف، مضى أيضاً برقم: ٣٠٠٨. والذى حدث هناك أيضاً أنه زاد فى الإسناد ((عروة))، واستظهر أخى أنه زيادة فى الإسناد، وهو الصواب، ويؤيده ما حدث فى هذا الموضع، من ناسخ أو ناشر. وعذره فيما أظن شهرة ((شبيب بن غرقدة)) أنه (السلمى))، وأنه يروى عن ((عروة البارق))، فلما رأى ((شبيب بن غرقدة البارق))، ظن أنه خطأ فى الإسناد فأضاف ((عن عروة)) بين ((غرقدة))، و ((البارق)). ٥٧٦ تفسير سورة التوبة : ١٢٣ قاتلوهم ورابطوهم، فإنهم من الذين قال الله: ((قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)). (١) ١٧٤٨٥ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال ، حدثنا سفيان ، عن الربيع، عن الحسن: أنه سئل عن الشأم والديلم، فقال: ((قاتلوا الذين يلونكم من الكفار )) ، الديلم . ١٧٤٨٦ - حدثنى على بن سهل قال، حدثنا الوليد قال ، سمعت أبا عمرو ، ٥٣/١١ وسعيد بن عبد العزيز يقولان: يرابط كل قوم ما يليهم من مَسّالحهم وحصونهم ، ويتأوَّلان قول الله: ((قاتلوا الذين يلونكم من الكفار)). ١٧٤٨٧ - حدثنى يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد فى قوله: ((قاتلوا الذين يلونكم من الكفار))، قال : كان الذين يلونهم من الكفار العربُ، فقاتلهم حتى فرغ منهم . فلما فرغ قال اللّه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ باللهِ ولاَ بِالْيَوِْ الآخِرِ﴾، حتى بلغ، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، [ سورة التوبة: ٢٩]. قال: فلما فرغ من قتال من يليه من العرب ، أمره بجهاد أهل الكتاب . قال: وجهادهم أفضل الجهاد عند الله . وأما قوله: ((وليجدوا فيكم غلظة))، فإن معناه: وليجد هؤلاء الكفار الذين تقاتلونهم = ((فيكم))، أى: منكم شدةً عليهم (٢) = ((واعلموا أن الله مع المتقين))، يقول : وأيقنوا ، عند قتالكم إياهم ، أن اللّه معكم ، وهو ناصركم عليهم، فإن اتقيتم الله وخفتموه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، فإن الله ناصر من اتقاه ومعينه . (١) الأثر: ١٧٤٨٤ - ((يعقوب بن عبد الله القمى))، مضى مراراً، آخرها رقم : ١٦٩٦٠. وهو يروى عن أخويه: ((عبد الرحمن، وعمران))، ولم أجد لأخيه ((عمران)) ترجمة. (٢) انظر تفسير ((الغلظة)) فيما سلف ٧: ١٤/٣٤١: ٣٦٠. ٥٧٧ تفسير سورة التوبة : ١٢٤ القول فى تأويل قوله ﴿ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِتَ إِيَناَ فَأَمَّ الَّذِينَء امَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِعْنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ (١) قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : وإذا أنزل اللّه سورة من سور القرآن على نبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فمن هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم الله فى هذه السورة من يقول : أيها الناس، أيكم زادته هذه السورة إيماناً؟ يقول : تصديقاً بالله وبآياته. يقول الله: ((فأما الذين آمنوا))، من الذين قيل لهم ذلك = ((فزادتهم))، السورة التى أنزلت = ((إيماناً))، وهم يفرحون بما أعطاهم الله من الإيمان واليقين. (١) فإن قال قائل: أو ليس ((الإيمان))، فى كلام العرب، التصديق والإقرارُ ؟ (٢) قيل : بلى ! فإن قيل : فكيف زادتهم السورة تصديقاً وإقراراً ؟ قيل : زادتهم إيماناً حين نزلت ، لأنهم قبل أن تنزل السورة لم يكن ازمهم فرضُ الإقرار بها والعمل بها بعينها، إلاّ فى جملة إيمانهم بأن كل ما جاءهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من عند الله فحقٌّ. فلما أنزل الله السورة، أزمهم فرض الإقرار بأنها بعينها من عند الله، ووجب عليهم فرض الإيمان بما فيها من أحكام الله وحدوده وفرائضه ، فكان ذلك هو الزيادة التى زادتهم نزول السورة حين نزلت من الإيمان والتصديق بها . (١) انظر تفسير ((استبشر)) فيما سلف ٧ : ٣٩٦. (٢) انظر تفسير ((الإيمان)) فيما سلف من فهارس اللغة (أمن). ج ١٤ (٣٧) ٥٧٨ تفسير سورة الأعراف : ١٢٤، ١٢٥ وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل . · ذكر من قال ذلك : ١٧٤٨٨ - حدثنى محمد بن سعد قال ، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله: ((وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً))، قال : كان إذا نزلت سورة آمنوا بها ، فزادهم الله إيماناً وتصديقاً، وكانوا يستبشرون . ١٧٤٨٩ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا ابن أبى جعفر ، عن أبيه، عن الربيع فى قوله: ((فزادتهم إيماناً))، قال: خشية". ٥ ٥ القول فى تأويل قوله ﴿ وَأَمَّا الَّذِينَ فِى كُلُوبِهِمِ مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسَ إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَفِرُونَ) (١) قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((وأما الذين فى قلوبهم مرض ))، نفاق وشك فى دين الله، (١) فإن السورة التى أنزلت = ((زادتهم رجساً إلى رجسهم)) ، وذلك أنهم شكوا فى أنها من عند الله ، فلم يؤمنوا بها ولم يصدّقوا ، فكان ذلك زيادة شكّ حادثة فى تنزيل اللّه ، لزمهم الإيمان به عليهم، بل ارتابوا بذلك ، فكان ذلك زيادة نَتْنٍ من أفعالهم ، إلى ماسلف منهم نظيره من النّن والنفاق . وذلك معنى قوله: ((فزادتهم رجساً إلى رجسهم)) (٢) = ((وماتوا))، يعنى: هؤلاء المنافقين أنهم هلكوا = ((وهم كافرون))، يعنى : وهم كافرون بالله وآياته . (١) انظر تفسير ((المرض)) فيما سلف ١: ٢٧٨ - ٢٨١/ ١٠: ١٤/٤٠٤ : ١٢. (٢) انظر تفسير ((الرجس)) فيما سلف ص: ٤٢٥، تعليق: ٥، والمراجع هناك. ٥٧٩ تفسير سورة التوبة : ١٢٦ القول فى تأويل قوله ﴿أَوَ لَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامِ مَّرَّةً أَوْ مَرْتَيْنِ مُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذْكَّرُونَ﴾ (١) ٥٤/١١ قال أبو جعفر: اختلفت القرأة فى قراءة قوله: ((أو لا يرون)). فقرأته عامة قرأة الأمصار: ﴿ أَوَ لاَ يَرَوْنَ)، بالياء، بمعنى: أولا يرى هؤلاء الذين فى قلوبهم مرضُ النفاق ؟ * # وقرأ ذلك حمزة: ﴿أَوَ لاَ تَرَوْنَ)، بالتاء ، بمعنى: أو لا ترون أنتم ، أيها المؤمنون ، أنهم يفتنون ؟ # قال أبو جعفر: والصواب عندنا من القراءة فى ذلك، الياءُ ، علىوجه التوبيخ من الله لهم، لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه ، وصحة معناه . # # فتأويل الكلام إذاً : أو لا يرى هؤلاء المنافقون أنّاللّه يختبرهم فى كل عام مرة أو مرتين ، بمعنى أنه يختبرهم فى بعض الأعوام مرة ، وفى بعضها مرتين (١) = ثم ((لا يتوبون))، يقول: ثم هم مع البلاء الذى يحلّ بهم من اللّه، والاختبار الذى يعرض لهم ، لا ينيبون من نفاقهم ، ولا يتوبون من كفرهم ، ولا هم يتذكرون بما يرون من حجج الله ويعاينون من آياته، فيتعظوا بها، ولكنهم مصرُّون على نفاقهم؟ ٠ ٠ ٠ واختلف أهل التأويل فى معنى (( الفتنة)) التى ذكر الله فى هذا الموضع أن هؤلاء المنافقين يفتنون بها . فقال بعضهم : ذلك اختبارُ اللّه إياهم بالقحط والشدة . * ذكر من قال ذلك : (١) انظر تفسير ((الفتنة)) فيما سلف ص: ٢٨٦، تعليق: ٣، والمراجع هناك. ٥٨٠ تفسير سورة التوبة : ١٢٦ ١٧٤٩٠ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين))، قال: بالسَّنة والجوع . ١٧٤٩١ - حدثنى محمد بن عمرو قال ، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد فى قول الله: ((يفتنون))، قال: يبتلون = ((فى كل عام مرة أو مرتين))، قال : بالسنة والجوع. ١٧٤٩٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن ابن أبی نجیح ، عن مجاهد : «أو لا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين ))، قال : يبتلون بالعذاب فى كل عام مرة أو مرتين . ١٧٤٩٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله: ((يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين))، قال : بالسنة والجوع . . .. وقال آخرون : بل معناه : أنهم يختبرون بالغزو والجهاد . * ذكر من قال ذلك : ١٧٤٩٤ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله: ((أوَلا يرون أنهم يفتنون فى كل عام مرة أو مرتين))، قال: يبتلون بالغزو فى سبيل الله فى كل عام مرة أو مرتين. ١٧٤٩٥ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، مثله . ٠ وقال آخرون : بل معناه أنهم يختبرون بما يُشيع المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فيفتتن بذلك الذين فى قلوبهم مرض.