النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
تفسير سورة التوبة : ١١٧
١٧٤٢٨ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((لقد تاب الله على النبىّ والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة))،
الآية، الذين اتبعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى غزوة تبوك قبل الشأم فى لهَبَان
الحرّ، على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهدٌ شديد، حتى لقد ذُكر لنا
أن الرجلين كانا يشقّان التمرة بينهما ، وكان النفر يتناولون التمرة بينهم، يمصُّها هذا ثم
يشرب عليها، ثم يمصُها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوهم .
١٧٤٢٩ - حدثنى يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى عمرو بن
الحارث، عن سعيد بن أبى هلال، عن عتبة بن أبى عتبة ، عن نافع بن جبير بن
مطعم ، عن عبد الله بن عباس : أنه قيل لعمر بن الخطاب رحمة اللّه عليه فى شأن
العسرة ، فقال عمر : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك فى قيظ
شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع ، حتى إن كان
الرجل ليذهب يلتمسُ الماء، فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع ، حتى إن الرجل
لينحر بعيره ، فيعصر فَرْئه فيشربه، (١) ويجعل ما بقى على كبده ، فقال
أبو بكر : يا رسول الله، إن الله قد عوّدك فى الدعاء خيراً، فادع لنا! قال:
تحب ذلك ؟ قال : نعم ! فرفع يديه ، فلم يَرْجِعهما حتى قالت
السماء، فأظلَّت، ثم سكبت ، (٢) فلأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها، (٣)
(١) ((الفرث))، سرجين الكرش ما دام فى الكرش.
(٢) ((قالت السماء)»، أى: أقبلت بالسحاب، وكان فى المطبوعة: ((مالت)) وأثبت ما فى
المخطوطة. وهو مطابق لما فى مجمع الزوائد، وفى ابن كثير، وغيره ((سالت)) وليست بشىء. وهذا تعبير
عزيز جيد .
وقوله: ((فأظلت))، أى: جاء السحاب بالظل، وفى ابن كثير وغيره ((فأهطلت))، وليست
بشىء. وفى مجمع الزوائد: ((فأطلت))، وكأنه تصحيف .
(٣) فى المطبوعة: ((ثم رجعنا ننظر فلم نجدها، جاوزت العسكر))، غير ما كان فى
المخطوطة، وهو صواب مطابق لما فى المراجع. وقوله: ((ذهبنا ننظر))، العرب تضع ((ذهب)) فى
الكلام ظرفاً للفعل، انظر ما سلف ١١: ١٢٨، تعليق: ١، ثم ص: ٢٥٠، فى كلام أبى جعفر،
والتعليق : ١ ، ثم رقم : ١٦٢٠٦.

٥٤٢
تفسير سورة التوبة : ١١٧، ١١٨
جازت العسكر . (١)
١٧٤٣٠ - حدثنى إسحق بن زيادة العطار قال، حدثنا يعقوب بن محمد
قال ، حدثنا عبد الله بن وهب قال ، حدثنا عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن
أبى هلال ، عن نافع بن جبير ، عن ابن عباس قال : قيل لعمر بن الخطاب
رحمة الله عليه : حدّثنا عن شأن جيش العسرة ! فقال عمر: خرجنا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر نحوه. (٢)
#
#
القول فى تأويل قوله ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الّذِينَ خُلِّفَوْ حَتَّىَّ إِذَا
مَنَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَاَ رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُواْ أَنْ
لََّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَبَ عَلَيْهِمْ لِتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ﴾
ـم
(١) الأثر: ١٧٤٢٩ - ((عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصارى المصرى))، ثقة متقن،
مضى مراراً ، آخرها رقم : ١٣٥٧٠، ١٦٧٣٢.
و((سعيد بن أبى هلال الليثى المصرى))، ثقة، مضى مراراً، آخرها رقم : ١٣٥٧٠.
و ((عتبة بن أبى عتبة))، هو ((عتبة بن مسلم التيمى))، ثقة، مترجم فى التهذيب، وابن أبى حاتم
١/٣/ ٣٧٤.
و ((نافع بن جبير بن مطعم))، تابعى ثقة، أحد الأئمة. مترجم فى التهذيب، والكبير ٤ /٨٢/٢،
وابن أبى حاتم ٤ /٤٥١/١.
ورجال إسناد هذا الخبر ثقات .
وهذا الخبر خرجه الهيشمى فى مجمع الزوائد ٦: ١٩٤، ١٩٥، وقال: ((رواه البزار، والطبرانى
فى الأوسط، ورجال البزار ثقات)).
وخرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣: ٢٨٦، ونسبه إلى ابن جرير، وابن خزيمة، وابن حبان،
والحاكم وصححه ، وابن مردويه ، وأبى نعيم ، والبيهقى فى الدلائل .
وهو فى دلائل النبوة لأبي نعيم ص: ١٩٠ فى باب ((ذكر ما كان فى غزوة تبوك))،، بهذا الإسناد.
وذكره ابن كثير فى تفسيره ٤ : ٢٥٧، ٢٥٨، والبغوى بهامشه .
(٢) الأثر: ١٧٤٣٠ - ((إسحق بن زيادة العطار))، شيخ الطبرى، مضى برقم: ١٤١٤٦،
ولم نجد له ذكراً، وقد مضى هناك: ((إسحق بن زياد العطار النصرى)) بغير تاء فى ((زياد)) فى المطبوعة
والمخطوطة . وغير ممكن فضل القول فى ذلك، مالم نجد له ترجمة تهدى إلى الصواب .

٥٤٣
تفسير سورة التوبة : ١١٨
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ((لقد تاب اللّه على النبيّ والمهاجرين
والأنصار)) = ((وعلى الثلاثة الذين ◌ُخُلِّقُوا))، وهؤلاء الثلاثة الذين وصفهم الله
فى هذه الآية بما وصفهم به فيما قيل ، هم الآخرون الذين قال جل ثناؤه :
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ ◌ِأَمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ
حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة: ١٠٦]، فتاب عليهم عز ذكره ، وتفضل عليهم .
وقد مضى ذكرمن قال ذلك من أهل التأويل ، بما أغنى عن إعادته فى هذا
الموضع . (١)
قال أبو جعفر : فتأويل الكلام إذاً : ولقد تاب الله على الثلاثة الذين خلفهم
اللّه عن التوبة ، فأرجأهم عمَّن تاب عليه ممن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، كما : -
١٧٤٣١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا
معمر ، عمن سمع عكرمة فى قوله: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال: 'ُخُلِّقُوا
عن التوبة .
١٧٤٣٢ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة :
أما قوله: ((خلفوا))، فخلِّفوا عن التوبة .
٥
= ((حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت))، يقول: بسعتها، (٢) غمًا
وندماً على تخلفهم عن الجهاد مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم = (( وضاقت عليهم
أنفسهم))، بما نالهم من الوَجْد والكرْب بذلك = ((وظنوا أن لا ملجأ))، يقول:
وأيقنوا بقلوبهم أن لا شىء لهم يلجأون إليه مما نزل بهم من أمر الله من البلاء، (٣)
( ١) انظر ما سلف ص : ٤٦٤ - ٤٦٧ .
(٢) انظر تفسير ((رحب)) فيما سلف. ص : ١٧٩.
(٣) انظر تفسير ((الظن)) فيما سلف ٢: ١٧ - ٢٠، ٥/٢٦٥ : ٣٥٢.
= وتفسير ((الملجأ)) فيما سلف ص : ٢٩٨.

٥٤٤
تفسير سورة التوبة : ١١٨
بتخلفهم خلافَ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ينجيهم من كربه ، ولا مما
٤١/١١ يحذرون من عذاب الله، إلا الله، ثم رزقهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى
ما يرضيه عنهم ، لينيبوا إليه، ويرجعوا إلى طاعته والانتهاء إلى أمره ونهيه = ((إن
اللّه هو التواب الرحيم))، يقول: إن اللّه هو الوهّاب لعباده الإنابة إلى طاعته ،
الموفّقُ من أحبَّ توفيقه منهم لما يرضيه عنه = (الرحيم))، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة،
أو يخذل من أراد منهم التوبة والإنابةَ ولا يتوب عليه. (١)
وبنحو ما قلنا فى تأويل ذلك قال أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك :
١٧٤٣٣ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن
أبى سفيان، عن جابر فى قوله: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال : كعب
ابن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن ربيعة، وكلهم من الأنصار. (٢)
١٧٤٣٤ - حدثنى عبيد بن محمد الوراق قال ، حدثنا أبو أسامة ، عن
الأعمش ، عن أبى سفيان ، عن جابر ، بنحوه = إلا أنه قال: ومرارة بن الربيع ،
أو : ابن ربيعة، شكّ أبو أسامة . (٣)
(١) انظر تفسير ((التواب))، و((الرحيم))، فيما سلف من فهارس اللغة (ثوب)، (رحم).
(٢) الأثر: ١٧٤٣٣ - ((مرارة بن ربيعة))، المشهور: ((مرارة بن الربيع))، ولكنه
هكذا جاء فى المخطوطة والمطبوعة هنا. ثم جاء فى الأخبار التالية ((الربيع)). وقد مضى مثل هذا الاختلاف
وأشد منه فيما سلف فى التعليق على رقم : ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، ١٧١٨٣. وذكر ابن كثير فى
تفسيره ٤ : ٢٦٤، وذكر هذا الخبر فقال: (( وكذا فى مسلم: ربيعة، فى بعض نسخه ، وفى بعضها :
مرارة بن الربيع)).
(٣) الأثر: ١٧٤٣٤ - ((عبيد بن محمد الوراق))،، هو ((عبيد بن محمد بن القاسم بن
سليمان بن أبى مريم))، ((أبو محمد الوراق النيسابورى))، مكن بغداد، وحدث بها عن موسى بن هلال
العبدى وأبى النضر هاشم بن القاسم ، والحسن بن موسى الأشيب، ويعقوب بن محمد الزهرى ، وبشر بن
الحارث. كان ثقة، مات سنة ٢٥٥، ولم أجد له ترجمة فى غير تاريخ بغداد ١١ : ٩٧، وروى
عنه الطبرى فى موضغين من تاريخه ٢: ٢٠٢، ٢٥٠، روى عن روح بن عبادة.
وكان فى المطبوعة: ((عبيد بن الوراق))، لم يحسن قراءة المخطوطة، لأن الناسخ كتب ((عبيد بن
محمد)) كلمة واحدة مشتركة الحروف.

٥٤٥
تفسير سورة التوبة : ١١٨
١٧٤٣٥ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا أبى ، عن إسرائيل ، عن جابر ،
عن عكرمة وعامر: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال: أرْجئوا، فى أوسط ((براءة)).
١٧٤٣٦ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج، عن مجاهد: ((الثلاثة الذين خلفوا))، قال : الذين أرجئوا فى أوسط
((براءة))، قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ﴾، [سورة التوبة: ١٠٦]، هلال
بن أمية، ومرارة بن رِبْعِىّ، وكعب بن مالك.(١).
١٧٤٣٧ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح ، عن مجاهد: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، الذين أرجئوا فى
وسط ((براءة)).
١٧٤٣٨ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن أبيه ، عن ليث ، عن
مجاهد: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال: كلهم من الأنصار ، هلال بن
أمية ، ومرارة بن ربيعة ، وكعب بن مالك .
١٧٤٣٩ -.... قال ، حدثنا ابن ثمير، عن ورقاء، عن ابن أبى نجيح ،
عن مجاهد: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال : الذين أرحثوا .
... قال ، حدثنا جرير ، عن يعقوب، عن جعفر ، عن
١٧٤٤٠ - .
سعيد قال: ((الثلاثة الذين خلفوا))، كعب بن مالك وكان شاعراً ، ومرارة بن
الربيع، وهلال بن أمية ، وكلهم أنصارىّ . (٢)
١٧٤٤١ -.... قال، حدثنا أبو خالد الأحمر ، والمحاربى، عن جويبر ،
عن الضحاك، قال : كلهم من الأنصار: هلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ،
وكعب بن مالك .
وأما ((مرارة بن الربيع)) أو (ابن ربيعة))، فانظر التعليق السالف ..
(١) الأثر: ١٧٤٣٦ - ((مرارة بن ربعى))، هكذا فى المخطوطة كما أثبته، وفى المطبوعة
((ابن ربيعة)) ولكن هكذا، جاءهنا، كالذى مضى فى رقم : ١٧١٧٧، ١٧١٧٨، فانظر التعليق هناك.
(٢) فى المطبوعة: ((أنصار))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو صواب خض.
ج ١٤ (٣٥)

٥٤٦
تفسير سورة التوبة : ١١٨
١٧٤٤٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال: أخبرنا هاشم ،
عن جويبر، عن الضحاك قوله: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال : هلال
ابن أمية ، وكعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، كلهم من الأنصار .
١٧٤٤٣ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قوله: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، إلى قوله: (( ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو
التواب الرحيم )) ، كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن ربيعة ، تخلفوا
فى غزوة تبوك. ذكر لنا أن كعب بن مالك أوثق نفسه إلى سارية ، فقال : لا
أطلقها = ولا أطلق نفسى (١) = حتى يُطْلقنى رسول الله صلى الله عليه وسلم!
فقال رسول الله: والله لا أطلقه حتى يطلقه ربُّه إن شاء! وأما الآخر فكان تخلف
على حائط له كان أدرك ، (٢) فجعله صدقة فى سبيل الله،، وقال: والله لا أطعمه!
وأما الآخر ، فركب المفاوز يتبع رسول الله ، ترفعه أرض وتَضَعه أخرى ، وقدماه
تَشَكْشَلَان دماً. (٣)
١٧٤٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا عبيد اللّه ، عن إسرائيل ، عن
السدى، عن أبى مالك قال: ((الثلاثة الذين خلفوا))، هلال بن أمية ، وكعب
ابن مالك ، ومرارة بن ربيعة .
١٧٤٤٥ -.... قال ، حدثنا أبو داود الحفرى، عن سلام أبى الأحوص ،
عن سعيد بن مسروق ، عن عكرمة: ((وعلى الثلاثة الذين خلفوا))، قال : هلال
ابن أمية ، ومرارة ، وكعب بن مالك .
١٧٤٤٦ - حدثنى يعقوب قال ، حدثنا ابن علية قال، أخبرنا بن عون ،
(١) فى المطبوعة: ((لا أطلقها، أو لا أطلق نفسى))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) ((الحائط))، هو البستان من النخيل، إذا كان عليه حائط، وهو الجدار. ويقال لها
أيضاً ((حديقة))، لإحداق سوره بها. فإذا لم يكن عليها حائط، فهى ((ضاحية))، لبروزها للعين .
و ((أدرك الثمر))، أى بلغ نضجه.
(٣) ((تشلشلان))، ((تتشلشلان))، على حذف إحدى التاءين. ((تشلشل الماء والدم))، إذا
تبع قطران بعضه بعضاً فى سيلانه متفرقاً .

٥٤٧
تفسير سورة التوبة : ١١٨
عن عمر بن كثير بن أفلح قال: قال كعب بن مالك: ما كنت فى غزاة أيسر ٤٢/١١
للظهر والنفقة منى فى تلك الغزاة ! قال كعب بن مالك : لما خرج رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم قلت: ((أتجهز غداً ثم ألحقه))، فأخذت فى جهازى، فأمسيت
ولم أفرغ. فلما كان اليوم الثالث ، أخذت فى جهازى ، فأمسيت ولم أفرغ ،
فقلت : هيهات ! سار الناس ثلاثاً! فأقمت . فلما قدم رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، جعل الناس يعتذرون إليه ، فجئت حتى قمت بين يديه ، فقلت : ما
كنت فى غزاة أيسر للظهر والنفقة منى فى هذه الغزاة ! فأعرض عنى رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم، فأمر الناس أن لا يكلمونا، وأمِرَتْ نساؤنا أن يتحوَّكن عنّا.
قال : فتسوَّرت حائطاً ذات يوم ، فإذا أنا بجابر بن عبد اللّه ، فقلت : أىْ
جابر ! نشدتك بالله، هل علمتنى غششت الله ورسوله يوماً قطُّ ؟ فسكت عنى
فجعل لا يكلمنى. (١) فبينا أنا ذات يوم ، إذ سمعت رجلاً على الثنيَّة يقول :
كعب ! كعب! حتى دنا منى، فقال: بشّروا كعباً . (٢)
١٧٤٤٧ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، أخبرنى يونس ،
عن ابن شهاب قال : غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم غزوة تبوك ، وهو يريد
الروم ونصارى العرب بالشأم ، حتى إذا بلغ تبوك ، أقام بها بضع عشرة ليلة ،
ولقيه بها وفد أذْرُح ووفد أيلة ، فصَالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على
الجزية ، ثم قَفَل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من تبوك ولم يجاوزها، وأنزل الله:
((لقد تابَ اللّه على النبى والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه فى ساعة العسرة)) الآية،
(١) انظر ((جعل))، وأنها من حروف الاستعانة فيما سلف ١١: ٢٥٠، فى كلام الطبرى،
والتعليق هناك رقم: ١، والتعليق على الأثر رقم : ١٣٨٦٢.
(٢) الأثر: ١٧٤٤٦ - ((عمر بن كثير بن أفلح المدنى))، مولى أبي أيوب الأنصارى، ثقة
ذكره ابن حبان فى أتباع التابعين، وكأنه لم يصح عنده لقيه للصحابة . وذكر غيره أنه روى عن كعب
ابن مالك - وابن عمر ، وسفينة . ومضى برقم : ٠١٢٢٢٣
وهذا الخبر رواه أحمد فى مسنده ٤: ٤٥٤، ٤٥٥، من هذه الطريق نفسها بنحوه .

٥٤٨
تفسير سورة التوبة : ١١٨
والثلاثة الذين خلفوا ، رَهْطٌ ، منهم : كعب بن مالك ، وهو أحد بنى سَلِمة ،
ومرارة بن ربيعة ، وهو أحد بنى عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية ، وهو من بنى
واقف ، وكانوا تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك الغزوة فى بضعة
وثمانين رجلاً. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، صَدَقه أولئك
حديثهم ، واعترفوا بذنوبهم ، وكذب سائرهم ، فحلفوا لرسول الله صلى الله عليه
وسلم : ما حبسهم إلا العذر ، فقبل منهم رسول اللّه وبايعهم ، ووكلَهم فى سرائرهم
إلى الله، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام الذين خُلِّفُوا، وقال لهم
حين حدّثُوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم : قد صدقتم ، فقوموا حتى يقضى الله فيكم.
فلما أنزل الله القرآن، تابَ على الثلاثة، وقال للآخرين: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ
إِذَا أُنْقْلَمْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿لاَ يَرْضَى عَنِ القَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾
[ سورة التوبة: ٩٥ ، ٩٦ ].
= قال ابن شهاب : وأخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك :
أن عبد الله بن كعب بن مالك = وكان قائد كعبٍ من بنيه حين عمى = قال :
سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى غزوة تبوك. قال كعب : لم أتخلَّف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
فى غزوة غزاها قط ، إلا فى غزوة تبوك ، غير أنى قد تخلفت فى غزوة بدر ، ولم
يعاتبْ أحداً تخلف عنها، إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون
يريدون عِيرَ قريش ، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد. ولقد
شهدتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام،
وما أحبُّ أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكرَ فى الناس منها.(١).
= فكان من خبرى حين تخلفت عن النبي صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك ،
(١) قوله: ((أذكر))، أى أشهر ذكراً .

٥٤٩
تفسير سورة التوبة : ١١٨
أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسرَ منى حين تخلفت عنه فى تلك الغزوة ، والله ما
جمعت قبلها راحلتين قطُّ حتى جمعْتُهما فى تلك الغزوة . فغزاها رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم فى حرِّ شديد، واستقبل سفرًا بعيداً ومفاوٍزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا،
فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهَّبُوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجهه الذى يريد، والمسلمون
مع النبى صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظٌ = يريد بذلك:
الديوان = قال كعب: فما رجلٌ يريد أن يتغيّب إلا يظنَّ أن ذلك سيخفى، مالم ٤٣/١١
ينزل فيه وَحْىٌ من الله. وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت
الثمار والظلال، وأنا إليهما أصعرُ. (١) فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمون معه ، وطفقت أغدو لكى أتجهز معهم، [ فأجع ولم أقض شيئاً ،
وأقول فى نفسى: (( أنا قادر على ذلك إذا أردت! ))، فلم يزل ذلك يتمادىبى، حتى
استمرّ بالناس الجدُّ. فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه]، (٢)
ولم أقض من جهازى شيئاً . ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً . فلم يزل ذلك
يتمادى [ بى]، (٣) حتى أسرعوا وتفارط الغزْوُ، (٤) وهممت أن أرتحل فأدركهم،
فياليتنى فعلت ! فلم يُقْدَر ذلك لى . فطفقت إذا خرجت فى الناس بعد خروج
النبى صلى الله عليه وسلم يحزننى أنىّ لا أرى لى أسوةً إلاّ رجلاً مغموصاً عليه فى
النفاق ، (٥) أو رجلاً ممن عذر اللّه من الضعفاء. ولم يذكرنى رسول الله صلى الله
(١) ((أصعر))، أى: أميل، على وزن ((أفعل)) التفضيل، وأصله من ((الصعر)) (بفتحين) ،
وهو ميل فى الوجه ، كأنه يلتفت إليه شوقاً .
(٢) الذى بين القوسين ساقط من المخطوطة، وأثبته من رواية مسلم فى صحيحه. وكان فى المطبوعة:
(( ... لكى أتجهز معهم، فلم أقضى من جهازى شيئاً))، أما المخطوطة، فكان فيها ما يدل على أن الناسخ
قد أسقط من الكلام: (( ... لكى أتجهز معهم والمسلمون معه ولم أقض من جهازى شيئاً)).
(٣) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم .
(٤) ((تفارط الغزو))، أى فات وقته، ومثله ((تفرط))، وفى الحديث: (( أنه نام عن العشاء
حتى تفرطت )) ، أى : فات وقتها .
(٥) ((أسوة))، أى: قدوه ومثلا. و ((المغموص عليه))، من قولهم ((غمص عليه قولا قاله))،
أى: عابه عليه ، وطعن به عليه . ويعنى: مطعوناً فى دينه، متهماً بالنفاق .

٥٥٠
تفسير سورة التوبة : ١١٨
عليه وسلم حتى بلغ تبوك ، فقال وهو جالس فى القوم بتبوك : ما فعل كعب بن
مالك ؟ فقال رجل من بنى سَلِمَة: يا رسول اللّه، حبسه بُرْداه، والنظر فى عطْفيْه! (١)
[فقال معاذ بن جبل: بئس ما قلت! والله يا رسول الله، ما علمنا عليه إلا خيراً]! (٢)
فسكت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فبينا هو على ذلك، رأى رجلاً مُبَيِّضاً
يزول به السرابُ، (٣) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة! فإذا
هو أبو خيثمة الأنصارى ، وهو الذى تصدَّق بصاع التمر ، فلمزه المنافقون . (٤)
= قال كعب : فلما بلغنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجَّه قافلاً من
تبوك، حضرنى بثَّى، (٥) فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: (( بم أخرج من
سَخَطه غداً))؟ وأستعين على ذلك بكل ذى رأى من أهلى. فلما قيل: ((إن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظَلّ قادماً!))، زاح عنى الباطل، (٦) حتى عرفت
أنى لن أنجو منه بشىء أبداً، فأجمعت صدقه، (٧) وصبح رسول الله صلى الله عليه
وسلم قادماً ، (٨) وكان إذا قدم من سفر ، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس
للناس . فلما فعل ذلك ، جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، و کانوا
(١) ((النظر فى عطفيه))، كناية عن إعجابه بنفسه، واختياله بحسن لباسه. و((العطفان))،
الجانبان ، فهو يتلفت من شدة خيلائه .
(٢) الزيادة بين القوسين، من صحيح مسلم. وظاهر أن الناسخ أسقطها فى نسخه .
(٣) ((المبيض)) (بتشديد الباء وكسرها)، هو لابس البياض. و((يزول به السراب))،
أى : يرفعه ويخفضه ، وإنما يحرك خياله .
(٤) ((لمزه))، عابه وحقره.
(٥) فى المطبوعة: ((حضرفى همى))، لم يحسن قراءة المخطوطة، والذى فيها مطابق لرواية مسلم
فى صحيحه. و((البث))، أشد الحزن. وذلك أنه إذا اشتد حزن المرء، احتاج أن يفضى بغمه وحزنه إلى
صاحب له يواسيه ، أو يسليه ، أو يتوجع له .
(٦) ((أظل قادماً))، أى: أقبل ودذا قدومه، كأنه ألقى على المدينة ظله. وقوله: ((زاح عنى
الباطل))، أى : زال وذهب وتباعد.
(٧) ((أجمعت صدقه))، أى: عزمت على ذلك كل العزم، (أجمع صدقه)) و((أجمع على
صدقه))، سواء .
(٨) فى المطبوعة: ((وأصبح))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى صحيح مسلم.

٥٥١
تفسير سورة التوبة : ١١٨
بضعةً وثمانين رجلاً ، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم وبايعهم
واستغفر لهم ، ووكل سرائرهم إلى الله. حتى جئتُ، فلما سلمت تبسم تبسّمٌ
المغْضَب ثم قال : تعالَ ! فجئت أمشى حتى جلست بين يديه ، فقال لى:
ما خلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك ؟ قال قلت: يا رسول اللّه، إنى والله لو جلست
عند غيرك من أهل الدنيا ، لرأيت أنى سأخرج من سَخَطه بعذرٍ ، لقد أعطيتُ
جَدَلاً، (١) ولكنى والله لقد علمت لئن حدََّتك اليوم حديثَ كذبٍ ترضى به
عنى، ليوشكنّ اللّه أن يُسْخِطَك علىّ، ولئن حدثتك حديث صِدْق تجدُ علىّ
فيه، (٢) إنى لأرجو فيه عفوَ اللّه، (٣) والله ما كان لى عُدْر! والله ما كنت قطُّ
أقوى ولا أيسرَ منى حين تخلفت عنك! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمّا هذا فقد صَدَق ، قم حتى يقضى الله فيك! فقمت، وثار رجال من بنى
سلمة فاتبعونى وقالوا : والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا! لقد عجزتَ فى أن
لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون، (٤)
فقد كان كافِيَك ذنْبَك استغفارُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لك! قال: فوالله
ما زالوا يؤثّبونى حتى أردت أن أرجع إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأكذّبَ
نفسى! قال : ثم قلت لهم: هل لقى هذا معى أحدٌ ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان
قالا مثلَ ما قلت، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قال قلت: من هما ؟ قالوا : مرارة
ابن ربيع العامرى ، (٥) وهلال بن أمية الواقفى . فذكروا لى رجلين صالحين قد
(١) ((الجدل))، اللدد فى الخصومة، والقدرة عليها، وعلى مقابلة الحجة بالحجة.
(٢) ((تجد)) من ((الوجد))، وهو الغضب والسخط.
(٣) هكذا فى المخطوطة: ((عفو الله)) ومثله فى مسند أحمد ٣: ٤٦٠ وفى صحيح مسلم ((عقبى
الله))، أى: أن يعقبنى خيراً، وأن يثبتنى عليه.
(٤) فى المطبوعة حذف ((فى)) من قوله: ((لقد عجزت فى أن لا تكون))، وهى ثابتة فى
المخطوطة، وهى مطابقة لما فى صحيح مسلم. وأما الذى فى المطبوعة، فهو مطابق لما فى البخارى من رواية
غيره .
(٥) فى المطبوعة: ((ابن الربيع))، وأثبت ما فى الخطولة، وانظر روايته فى مسلم ((مرارة بن

٥٥٢
تفسير سورة التوبة : ١١٨
شهدا بدراً، فيهما أسوة. (١) قال: فمضيت حين ذكروهما لى . (٢)
= ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيُّها الثلاثة، (٣) من
بين من تخلّف عنه . قال : فاجتنبنا الناسُ وتغيّروا لنا، حتى تنكرت لى فى
نفسى الأرض ، فما هى بالأرض التى أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلةً ، فأمّا
صاحباى فاستكانا وقعدا فى بيوتهما يبكيان ، وأمّا أنا ، فكنت أشبَّ القوم وأجلدهم،
٠ ٤٤/١ فكنت أخرج وأشهد الصلاة وأطوف فى الأسواق، ولا يكلمنى أحدٌ ، وآتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو فى مجلسه بعد الصلاة ، فأقول فى نفسى :
((هل حرك شفتيه بردّ السلام أم لا؟))، ثم أصلى معه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ
على صلاتى نظر إلى، وإذا التفت نحوه أعرض عنى ، حتى إذا طال ذلك علىّ من
جَفْوة المسلمين ، مشيت حتى تسوَّرت جدار حائط أبى قتادة = وهو ابن عمى ،
وأحبُّ الناس إلىّ = فسلمت عليه، فوالله ما ردّ علىّ السلام! فقلت: ياأبا قتادة،
أنشدك بالله ، هل تعلم أنى أحب الله ورسوله؟ فسكت . قال: فعُدْت فناشدته ،
فسكت ، فعدت فناشدته ، فقال : الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناى، وتولَّيت
حتى تسوّرت الجدار .
= فبينا أنا أمشى فى سوق المدينة، إذا بنبطىّ من نَبط أهل الشام ممن قدم بالطعام
يبيعه بالمدينة، يقول : من يدلُّ على كعب بن مالك؟ قال: فطفق الناس يشيرون
ربيعة))، وما قالوا فى اختلاف رواه مسلم. وما قالوه أيضاً فى روايته ((العامرى))، وأن صوابها ((العمرى))
نسبة إلى بنى عمرو بن عوف .
(١) فى المطبوعة: ((لى فيهما أسوة))، زاد من عنده ما ليس فى المخطوطة، ولا فى صحيح مسلم.
وإنماهو من رواية البخارى ، بغير هذا الإسناد .
(٢) ((مضيت))، أى: أنفذت ما رأيت. من قولهم: ((مضى فى الأمر مضاء)) نفذ،
و ((أمضاه)) أنفذه.
(٣) قوله: ((أيها الثلاثة))، أى: خصصنا بذلك دون سائر المعتذرين. وهذه اللفظة تقال
فى الاختصاص، وتختص بالمخبر عن نفسه والمخاطب، تقول: ((أما أنا فأفعل هذا، أيها الرجل))،
يعنى نفسه. أنظر ما سلف ٣ : ١٤٧، تعليق: ١، فى الخبر رقم: ٢١٨٢.

٥٥٣
تفسير سورة التوبة : ١١٨
له، حتى جاءنى فدفع إلىّ كتاباً من ملك غسان ، وكنت كاتباً ، فقرأته ، فإذا
فيه: ((أما بعدُ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك اللّه بدار هَوَانٍ
ولا مَضْعَةِ، فالحق بنا نُوَاسِك)).
= قال: فقلت حين قرأته: وهذا أيضاً من البلاء !! فتأمَّمتُ بها التنُّور فسجرته
به . (١) حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحى، (٢) إذا رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأتينى فقال: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأمرك أن
تعتزل امرأتك . قال فقلت : أطلِّقها ، أم ماذا أفعل ؟ قال : لا ، بل اعتزلها
فلا تقربها . قال: وأرسل إلى صاحبى بذلك . قال : فقلت لامرأتى : الحفى
بأهلك فكونى عندهم حتى يقضى اللّه فى هذا الأمر. (٣)
= قال : فجاءت امرأة هلالٍ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول
اللّه، إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم"، فهل تكره أن أخدُمَه؟ فقال :
لا، ولكن لا يقرَبَنْك! قالت فقلت: إنه والله ما به حركة إلى شىء! ووالله
(١) ((فتأمت))، وهكذا فى المخطوطة أيضاً، وفى رواية البخارى ((فيتممت)). وأما فى صحيح مسلم،
((فتيانمت))، وقال النووى: ((هكذا هو فى جميع النسخ ببلادنا، وهى لغة فى: تيممت، ومعناها:
قصدت)). وأما القاضى عياض، فقال فى مشارق الأنوار (أمم): ((ومثله : فيتممت بها التنور ،
كذا رواه البخارى . ولمسلم: فتأمت ، وكلاهما بمعنى، سهل الهمزة فى رواية ، وحققها فى أخرى = أى :
قصدت )).
ثم انظر تفسير ((الأم)) و((التأم)) فى تفسير أبى جعفر فيما سلف ٥: ٥٥٨ /٨: ٤٠٧ /
٩ : ٤٧١.
وفى المطبوعة: ((فتأمت به))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى مسلم والبخارى، إلا أن فى
مسلم ((فسجرتها بها)، وفى البخارى: ((فسجرته بها)). وأنث ((بها))، إرادة لمعنى الصحيفة، وهى
الكتاب، ثم رجع بالضمير إلى ((الكتاب)).
و ((التنور))، الكانون الذى يخيز فيه .
و ((سجر التنور))، أوقده وأحماه وأشبع وقوده، وأراد: أنه زاد التنور التهاباً، بإلقائه الصحيفة
فى ذاره . وهذا كلام معجب ، أراد به أن يسخر من رسالة ملك غسان إليه .
(٢) ((استلبث))، أى: أبطأ وتأخر.
(٣) فى المطبوعة: ((تكونى عندهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهو مطابق لما فى صحيح مسلم. وفى
البخارى بغير هذا الإسناد: ((فَتَكَرفى)).

٥٥٤
تفسير سورة التوبة : ١١٨
ما زال يبكى مُنْذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ! قال : فقال لى بعض
أهلى : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى امرأتك، فقد أذن لامرأة
هلال أن تخدُمه ؟ قال فقلت : لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
وما يدرينى ماذا يقول لى إذا استأذنته فيها ، وأنا رجل شابٌ !
= فلبئت بعد ذلك عشرليال ، فكمل لنا خمسون ليلةً من حين نهى رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم عن كلامنا. (١) قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين
ليلة على ظهر بيتٍ من بيوتنا ، فبينا أنا جالس على الحال التى ذكر الله منّاً، (٢)
قد ضاقت علىّ نفسى وضاقت علىّ الأرض بما رحبت، سمعتُ صوت صارخٍ
أوْ فى على جبل سَلْع ، (٣) يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك، أبشر ! قال :
فخررت ساجداً ، وعرفت أن قد جاء فرجٌ . قال : وآذن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، (٤) فذهب الناس يبشروننا ، (٥)
فذهب قِبَلَ صاحبى مبشرون، وركض رجل إلىّ فرساً ، وسعى ساعٍ من أسْلَم
قِبَلى ، وأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرعَ من الفرس . فلما جاءنى الذى
سمعت صوته يبشرنى، نزعت له ثوبيَّ فكسوتهما إياه ببشارته ، والله ما أملك غيرهما
يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٦)
(١) فى صحيح مسلم (حين نهى عن كلامنا))، وضبط ((نهى)) بالبناء للمجهول، ورواية أبى جعفر،
تصحح ضبطه بالبناء للمعلوم أيضاً .
(٢) فى المطبوعة: ((التى ذكر الله عنا)»، غير ما فى المخطوطة، هو مطابق لما فى صحيح مسلم،
وهو العربى العريق .
(٣) ((أوفى عليه))، صعده وارتفع عليه، فأشرف على الوادى منه واطلع.
(٤): ((آذن)) أعلم الناس بها. ورواية مسلم: ((فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس))،
والذى هنا مطابق لرواية البخارى ، بغير هذا الإسناد .
(٥) ((ذهب))، سلف ما كتبته عن الاستعانة بقولهم: ((ذهب)) و((جعل)). انظر رقم:
١٧٤٢٩، ص: ٥٤١، تعليق ٣، والمراجع هناك.
(٦) انظر ص : ٥٥٣، تعليق : ١.

٥٥٥
تفسير سورة التوبة : ١١٨
فتلقَّانى الناس فوجاً فوجاً يهنئونى بالتوبة ويقولون: لتَهْنتَ توبة الله عليك! (١) حتى
دخلت المسجد ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس فى المسجد حوله الناس ،
فقام إلىّ طلحة بن عبيد اللّه يهرول حتى صافحنى، وهنأنى، والله ما قام رجل
من المهاجرين غيره = قال : فكان كعب لا ينساها لطلحة (٢) = قال كعب:
فلما سلمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال، وهو يبرُقُ وجهه من المرور :
أبشر بخير يومٍ مرَّ عليك منذ ولدتك أمك ! فقلت: أمن عندك ، يا رسول الله،
أم من عند الله؟ قال: لا، بل من عند الله! وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ٤٥/١١
إذا ◌ُسُرَّ استنار وجهه، حتى كأن وجهه قطعة قمر ، وكنا نعرف ذلك منه .
= قال : فلما جلست بين يديه قلت : يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع
من مالى صدقةً إلى اللّه وإلى رسوله. (٣) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أمسك بعض مالك ، فهو خيرٌ لك ! قال فقات: فإنى أمسك سهمى الذى بخير.
وقلت: يا رسول اللّه، إن الله إنما أنجانى بالصدق، وإنّ من توبتي أن لا أحدّث
إلاّ صدقاً ما بقيت! قال: فوالله ما عملت أحداً من المسلمين أبلاه الله فى
صدْق الحديث ، منذ ذكرت ذلك لرسول الله عليه السلام، أحسن مما ابتلانى، (٤)
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((لتهنك))، وهى كذلك فى رواية البخارى بغير هذا الإسناد،
وفى صحيح مسلم المطبوع: ((لتهنئك))، وذكره القاضى عياض فى مشارق الأنوار (هنا) فقال:
((ولتهنك توبة الله، يهمز، ويسهل)). وقد ذكر صاحب لسان العرب (هنا) أن العرب تقول:
((ليهنئك الفارس)) بجزم الهمزة، و((ليهنيك الفارس)) بياء ساكنة، ولا يجوز ((ليهنك)) كما تقول
العامة))، والذى قاله ونسبه للعامة ، صواب لا شك فيه عندى .
(٢) قال الحافظ فى الفتح: ((قالوا: سبب ذلك أن النبى صلى اللّه عليه وسلم كان آخى بينه
وبين طلحة، لما آخى بين المهاجرين والأنصار، والذى ذكره أهل المغازى أنه كان أخا الزبير ، لكن
كان الزبير أخا طلحة فى أخوة المهاجرين، فهو أخو أخيه)).
(٣) (( انخلع من ماله))، أى: خرج من جميع ماله، وتعرى منه كما يتعرى الإنسان إذا خلع
ثوبه . وأراد : إخراجه متصدقاً به .
(٤) ((أبلاه)) أى: أنعم عليه .

٥٥٦
تفسير سورة التوبة : ١١٨
والله ما تعمَّدت كِذْبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومى هذا ،
وإنى أرجو أن يحفظنى اللّه فيما بقى. قال: فأنزل الله: ((لقد تابَ اللّه على النبى))،
حتى بلغ: ((وعلى الثلاثة الذين خُلِّفُوا)) إلى: ((اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين)).
= قال كعب : واللهما أنعم الله على" من نعمةٍ قطُّ بعد أن هَدَانى للإسلام
أعظم فى نفسى من صدقى رسول اللهصلى الله عليه وسلم، أن لا أكون كذبته، (١)
فأهلك كما هلك الذين كذبوه ، فإن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحى، ثرًّ
ما قال لأحدٍ: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا أَنقَبْتُ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَعْرِضُوا
عِنْهُمْ إِنَهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَمُ جَزَاءَا بِا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ إلى قوله: {لاَ يَرْضَى
عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة: ٩٥، ٩٦].
= قال كعب: خُلِّنا، أيها الثلاثة، (٢) عن أمر أولئك الذين قَبِل رسول
الله صلى الله عليه وسلم توبتهم حين حلفوا له ، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ
رسول الله صلى الله عليه وسلم أمْرَنا حتى قضى الله فيه. فبذلك قال الله: ((وعلى
الثلاثة الذين خلفوا ))، وليس الذى ذكر اللّه مما خُلِّمْنا عن الغزو، (٣) إنما هو
تخليفه إيّانا، (٤) وإرجاؤه أمرنا عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه . (٥)
(١) ((أن لا أكون))، ((لا)) زائدة، كالتى فى قوله تعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ
أَمَرْتُكَ﴾ [ سورة الأعراف: ١٢]. انظر ما سلف فى تفسير الآية ١٢ : ٣٢٣ - ٣٢٥.
(٢) فى المطبوعة: ((خلفنا)) دون ((كنا))، لم يحسن قراءة المخطوطة، وما أثبته مطابق ارواية
مسلم فى صحيحه ..
(٣) فى صحيح مسلم: ((مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو))، والذى هنا وفى المخطوطة، مطابق لما
فى رواية البخارى بغير هذا الإسناد .
(٤) فى المطبوعة: ((ختم الجملة بقوله: ((فقبل منهم)) بالجمع، خالف ما فى المخطوطة، وهو مطابق
لما فى صحيح مسلم والبخارى .
(٥) الأثر : ١٧٤٤٧ - حديث كعب بن مالك ، سيرويه أبو جعفر من طرق ، سأبينها بعد.
أما روايته هذه من طريق ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، فهو إسناد مسلم فى صحيحه ١٧ : ٨٧
٩٨، وانظر التعليق على الأخبار التالية. وانظر الأثرين السالفين رقم : ١٦١٤٧، ١٧٠٩١،
والتعليق عليهما .

٥٥٧
تفسير سورة التوبة : ١١٨
١٧٤٤٨ - حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى الليث ، عن
عقيل، عن ابن شهاب قال ، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك:
أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائد كعب من بنيه حين عميی= قال :
سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم فى غزوة تبوك، فذكر نحوه .(١)
١٧٤٤٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن أور ، عن
معمر ، عن الزهرى ، عن عبد الرحمن بن كعب ، عن أبيه قال : لم أتخلف عن
النبي صلى اللّه عليه وسلم فى غَزَاة غَزَاها إلا بدراً، ولم يعاتب النبيُّ صلى الله عليه
وسلم أحداً تخلف عن بدر ، ثم ذكر نحوه . (٢)
١٧٤٥٠ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة، عن ابن إسحق ، عن
ابن شهاب الزهرى ، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصارى ،
ثم السلمى ، عن أبيه ، أن أباه عبد الله بن كعب = وكان قائد أبيه كعب حين
أصيب بصره = قال : سمعت أبى كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما
تخلفت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى غزوة غزاها ، غير أنى كنت تخلفت
عنه فى غزوة بدر، ثم ذكر نحوه. (٣)
(١) الأثر : ١٧٤٤٨ - من هذه الطريق رواه الطريق البخارى فى صحيحه (الفتح ٨ : ٨٦ -
٩٣)، وأحمد فى مسنده ٣ : ٤٥٩، ٤٦٠، الحديث بطوله.
(٢) الأثر: ١٧٤٤٩ - من هذه الطريق، طريق معمر، رواه أحمد فى مسنده ٦ : ٣٨٧ -
٣٩٠. وانظر أيضاً ما رواه أحمد فى مسنده ٣: ٤٥٦، روايته من طريق يعقوب بن إبراهيم ، عن
ابن أخى الزهرى محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهرى، الحديث بطوله، وصحيح مسلم
١٧ : ٩٨ - ٠١٠٠
(٣) الأثر: ١٧٤٥٠ - سيرة ابن هشام ٤: ١٧٥ - ١٨١، الحديث بطوله.

٥٥٨
تفسير سورة التوبة : ١١٩
القول فى تأويل قوله ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ اللهَ وَكُونُواْ
مَعَ الصَّدِقِينَ﴾.
(١١٩
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين ، معرّفّهم سبيل النجاة من عقابه ،
والخلاص من أليم عذابه: (( يا أيها الذين آمنوا))، بالله ورسوله = ((اتقوا الله))،
وراقبوه، بأداء فرائضه، وتجنب حدوده = ((وكونوا))، فى الدنيا ، من أهل ولاية
الله وطاعته، تكونوا فى الآخرة = ((مع الصادقين))، فى الجنة . يعنى : مع من
صَدَق اللّهَ الإيمانَ به ، فحقَّق قوله بفعله ، ولم يكن من أهل النفاق فيه ،
الذين يكذّب قيلَهم فعلُهم .
وإنما معنى الكلام : وكونوا مع الصادقين فى الآخرة باتقاء اللّه فى الدنيا،
كما قال جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَ اللهُ
عَلَيْهِمْ مِنَ الغَبِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشَّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٧٠].
٤٦/١١
وإنما قلنا: ذلك معنى الكلام ، لأن كون المنافق مع المؤمنين غيرُ نافعه بأىّ
وجوه الكون كان معهم ، إن لم يكن عاملاً عملهم . وإذا عمل عملهم فهو منهمٍ ،
وإذا كان منهم، كان وجْهُ الكلام أن يقال: ((اتقوا اللّه وكونوا مع الصادقين))، (١)
ولتوحيه الكلام إلى ما وجَّهنا من تأويله، فسَّر ذلك من فسّره من أهل التأويل بأن
قال : معناه : وكونوا مع أبى بكر وعمر ، أو: مع النبى صلى الله عليه وسلم
والمهاجرين ، رحمة الله عليهم.
٠ ٥
• ذكر من قال ذلك أو غيره فى تأويله :
(١) فى المطبوعة: ((كان لا وجه فى الكلام أن يقال))، غير ما فى المخطوطة، والذى فيها
ما أثبته ، وهو مستقيم صحيح. والذى جاء به من عنده مفسد للكلام .

٥٥٥
تفسير سورة التوبة : ١١٩
١٧٤٥١ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب، عن زيد بن أسلم ، عن
نافع فى قول الله: ((اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))، قال: مع النبى صلى الله
عليه وسلم وأصحابه .
١٧٤٥٢ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا حبويه أبو يزيد ، عن يعقوب
القمى، عن زيد بن أسلم ، عن نافع قال: قيل للثلاثة الذين خُلِّفوا: ((يا أيها
الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))، محمدٍ وأصحابه .
١٧٤٥٣ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق بن إسمعيل ، عن عبد الرحمن
المحاربى، عن جويبر، عن الضحاك فى قوله: ((وكونوا مع الصادقين))، قال :
مع أبى بكر وعمر وأصحابهما ، رحمةُ اللّه عليهم.
١٧٤٥٤ -.... قال، حدثنا محمد بن يحيى قال ، حدثنا إسحق بن
بشر الكاهلى قال ، حدثنا خلف بن خليفة ، عن أبى هاشم الرمّانى ، عن سعيد
ابن جبير فى قول الله: ((اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))، قال: مع أبى بكر
وعمر ، رحمة الله عليهما. (١)
١٧٤٥٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قوله: ((اتقوا الله وكونوا مع الصادقين))، قال : مع المهاجرين
الصادقين
وكان ابن مسعود فيما ذكر عنه، يقرؤه: ﴿وَكُونُوا مِن الصَّادِقِينَ﴾، ويتأوّله :
أنّ ذلك نهْىٌ من اللّه عن الكذب.
* ذكر الرواية عنه بذلك :
١٧٤٥٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا آدم العسقلانى قال ، حدثنا شعبة ،
(١٤) لأثر: ١٧٤٥٤ - ((أبوهاشم الرمانى)) ثقة، روى له الجماعة. مختلف فى اسمه،
مضى برقم : ١٠٨١٨.

٥٦٠
تفسير سورة التوبة : ١١٩
عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود يقول : قال ابن
مسعود: إن الكذب لا يحلُ منه جدّ ولا هزلٌ، اقرأوا إن شئتم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
أَتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، قال: وكذلك هى قراءة ابن مسعود: ((من
الصادقين )) ، فهل ترون فى الكذب رُخْصَة ؟
١٧٤٥٧ -.... قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك ،
عن شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت أبا عبيدة ، عن عبد الله ، نحوه .
١٧٤٥٨ -.... قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة ، عن
عمرو بن مرة قال : سمعت أبا عبيدة يحدّث عن عبد الله قال: الكذب لا يصلح
منه جدّ ولا هزل، اقرأوا إن شئتم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مِنَ
الصَّادِقِينَ ) = وهى كذلك فى قراءة عبد اللّه = فهل ترون من رخصة فى الكذب ؟
١٧٤٥٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبى ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ،
عن عبد الله قال: لا يصلح الكذب فى هزلٍ ولا جدّ. ثم تلا عبد الله: ((اتقوا
الله وكونوا)) ما أدرى أقال: ((من الصادقين)) أو ((مع الصادقين))، وهو فى
كتابى ((مع الصادقين )».
١٧٤٦٠ -.... قال ، حدثنا أبى، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن
أبى معمر، عن عبد الله ، مثله .
. قال، حدثنا أبى، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة ،
١٧٤٦١ - ٠ ٠٠
عن أبى عبيدة ، عن عبد اللّه ، مثله .
قال أبو جعفر : والصحيح من التأويل فى ذلك، هو التأويل الذى ذكرناه
عن نافع والضحاك. وذلك أنّ رسوم المصاحف كلّها مجمعة على: (( وكونوا مع
الصادقين))، وهى القراءة التى لا أستجيز لأحد القراءةَ بخلافها .