النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
تفسير سورة التوبة : ١٠١
المدينة ، ولكنا نحن نعلمهم ، كما : -
١٧١٢١ - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا معمر ،
عن قتادة فى قوله: ((ومن حولكم من الأعراب منافقون)) إلى قوله: ((نحن
نعلمهم))، قال: فما بال أقوام يتكلّفون علم الناس؟ فلانٌ فى الجنة وفلان فى النار !
فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال : لا أدرى ! لعمرى أنتَ بنفسك أعلم منك
بأعمال الناس، ولقد تكلفت شيئاً ما تكلفته الأنبياء قبلك! قال نبى الله نوح عليه
السلام: ﴿وَمَا عِلْمِى بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، [سورة الشعراء: ١١٢]، وقال نبى الله
شعيب عليه السلام: ﴿ يَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْإِنْ كُنْتُ مُؤْمِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحِفِيظٍ﴾
[ سورة هود: ٨٦]، وقال الله لنبيه عليه السلام: ((لا تعلمهم نحن نعلمهم)).
وقوله: ((سنعذبهم مرتين))، يقول: سنعذب هؤلاء المنافقين مرتين ، إحداهما
فى الدنيا ، والأخرى فى القبر .
ثم اختلف أهل التأويل فى التى فى الدنيا ، ما هى ؟
فقال بعضهم : هى فضيحتهم ، فضحهم الله بكشف أمورهم ، وتبيين
سرائرهم للناس على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم .
ذكر من قال ذلك :
١٧١٢٢ - حدثنا الحسين بن عمرو والعنقزى قال، حدثنا أبى قال ، حدثنا
أسباط ، عن السدى، عن أبى مالك، عن ابن عباس فى قول الله: ((ومن
حولكم من الأعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق)) إلى قوله: (( عذاب
عظيم))، قال: قام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خطيباً يوم الجمعة فقال: اخرج
يا فلان ، فإنك منافق ، اخرج ، يا فلان ، فإنك منافق . فأخرج من المسجد
ناساً منهم ، فضحهم . فلقيهم عمر وهم يخرجون من المسجد ، فاختباً منهم حياءً

٤٤٢
تفسير سورة التوبة : ١٠١
أنه لم يشهد الجمعة ، وظن أنّ الناس قد انصرفوا . واختبأوا هم من عمر ، ظنّوا
أنه قد علم بأمرهم . فجاء عمر فدخل المسجد ، فإذا الناس لم يصلُّوا ، فقال له
رجل من المسلمين : أبشر ، يا عمر ، فقد فضح اللّه المنافقين اليوم ! فهذا العذاب
الأول ، حين أخرجهم من المسجد . والعذاب الثانى ، عذابُ القبر. (١)
١٧١٢٣ - حدثنى الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال ، حدثنا سفيان ،
عن السدى، عن أبى مالك: (( سنعذبهم مرتين))، قال : كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم يخطب فيذكر المنافقين ، فيعذبهم بلسانه . قال : وعذاب القبر.
*
*
[ وقال آخرون: ما يصبهم من السبى والقتل والجوع والخوف فى الدنيا]. (٢)
ذكر من قال ذلك :
#
١٧١٢٤ - حدثنا محمدبن عبد الأعلى قال، حدثنا محمدبن ثور، عن معمر ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((سنعذبهم مرتين))، قال: القتل والسَِّاء .
١٧١٢٥ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ،
عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((سنعذبهم مرتين)) ، بالجوع ، وعذاب القبر .
قال: ((ثم يردون إلى هذا عذاب عظيم))، يوم القيامة .
٩/١١
١٧١٢٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا إسحق قال ، حدثنا جعفر بن عون ،
والقاسم ، ويحيى بن آدم ، عن سفيان ، عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد فى قوله :
(( سنعذبهم مرتين))، قال: الجوع والقتل = وقال يحيى: الخوف والقتل. (٣)
١٧١٢٧ - حدثنا أبو كريب قال ، حدثنا ابن يمان ، عن سفيان ،
عن ابن أبى نجيح ، عن مجاهد قال : بالجوع والقتل .
(١) الأثر: ١٧١٢٢ - رواه الهيثمى فى مجمع الزوائد ٧: ٣٣، وقال: ((رواه الطبرانى
فى الأوسط، وفيه الحسين بن عمرو بن محمد العنقزى، وهو ضعيف)).
(٢) هذه الترجمة التى بين القوسين، ليست فى المخطوطة ولا المطبوعة، استظهرتها من سياق
الأخبار التالية .
(٣) فى المطبوعة: ((بالجوع ... بالخوف))، بالباء فى أوله، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٤٣
تفسير سورة التوبة : ١٠١
١٧١٢٨ -حدثنا ابن و کیع قال، حدثنا یحیی بن یمان، عن سفيان ، عن
السدى، عن أبى مالك: ((ستعذبهم مرتين))، قال : بالجوع وعذاب القبر .
١٧١٢٩ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((سنعذبهم مرتين))، قال : الجوع
والقتل . (١)
٥
٥
وقال آخرون : معنى ذلك : ستعذبهم عذاباً فى الدنيا ، وعذاباً فى الآخرة .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧١٣٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد، عن قتادة :
((سنعذبهم مرتين))، عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، ثم يردون إلى عذاب عظيم.
ذكر لنا أن نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم أسرَّ إلى حذيفة باثنى عشر رجلاً من
المنافقين، فقال: ((ستة منهم تكفيكَهم الدّبيلة ، (٢) سراج من نار جهنم ، يأخذ
فى كنف أحدهم حتى تُفضى إلى صدره، وستة يموتون موتاً)). ذكر لنا أن عمر بن
الخطاب رحمه اللّه، كان إذا مات رجل يرى أنه منهم، نظر إلى حذيفة ، فإن
صلى عليه صلى عليه، وإلا تركه. وذكر لنا أن عمر قال لحذيفة: أنشُدُك اللّه،
أمنهم أنا ؟ قال : لا والله، ولا أومِن منها أحداً بعدَك!
١٧١٣١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر، عن الحسن: ((ستعذبهم مرتين))، قال : عذاب الدنيا ، وعذاب القبر.
١٧١٣٢ - حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن العلاء قالا، حدثنا بدل بن
المحبر قال، حدثنا شعبة، عن قتادة: ((سنعذبهم مرتين))، قال : عذاباً فى
الدنيا ، وعذاباً فى القبر .
(١) فى المطبوعة: ((بالجوع))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٢) ((الدبيلة)) فى اللغة، خراج ودمل كبير، تظهر فى الجوف، فتقتل صاحبها غالباً،
وهى تصغير ((دبلة)) ( بضم الدال ومكون الباء) ، بمثل معناها .

٤٤٤
تفسير سورة التوبة : ١٠١
١٧١٣٣ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج قال : عذاب الدنيا ، وعذاب القبر ، = ثم يردّون إلى عذاب النار .
٠
٠ ٠
وقال آخرون : كان عذابهم إحدى المرتين ، مصائبتهم فى أموالهم وأولادهم ،
والمرة الأخرى فى جهنم .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٣٤ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
(( سنعذبهم مرتين))، قال: أما عذابٌ فى الدنيا، فالأموال والأولاد. وقرأ قول الله:
﴿فَلاَ تُعْجِيْكَ أَمْوَالُهِم وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِىِ اَلْحَيَاةِ
الدُّنْيَا﴾، [سورة التوبة: ٥٥]، بالمصائب فيهم، هى لهم عذاب، وهى للمؤمنين أجر .
قال: وعذاب فى الآخرة، فى النار = ((ثم يردون إلى عذاب عظيم))، قال: النار.
#
وقال آخرون : بل إحدى المرتين ، الحدود ، والأخرى عذابُ القبر .
ذكر ذلك عن ابن عباس من وجه غير مرتضى . (١)
وقال آخرون: بل إحدى المرتين ، أخذ الزكاة من أموالهم ، والأخرى عذابُ
القبر .
ذكر ذلك عن سليمان بن أرقم ، عن الحسن .
وقال آخرون : بل إحدى المرتين، عذابهُم بما يدخل عليهم من الغَيْظِ فى
أمر الإسلام .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧١٣٥ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحق :
((سنعذبهم مرتين))، قال: العذاب الذى وعدَهم مرتين، فيما بلغنى، غَمَّهم بما هم
(١) فى المطبوعة: ((غير مرضى))، وأثبت ما فى المخطوطة

٤٤٥
تفسير سورة التوبة : ١٠١
فيه من أمر الإسلام، (١) وما يدخل عليهم من غيظ ذلك على غير حِسْبة ، ثم
عذابهم فى القبر إذا صاروا إليه ، ثم العذاب العظيم الذين يردُّون إليه ، عذابُ
الآخرة، (٢) والخُلْد فيه. (٣)
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب عندى أن يقال : إن الله
أخبر أنه يعذِّب هؤلاء الذين مرَدوا على النفاق مرتين، ولم يضع لنا دليلاً يوصِّل
به إلى علم صفة ذينك العذابين (٤) = وجائز أن يكون بعض ما ذكرنا عن القائلين
ما أنبئنا عنهم. وليس عندنا علم بأىِّ ذلك من أيٍّ. (٥) غير أن فى قوله جل ثناؤه
(ثم يردّون إلى عذاب عظيم))، دلالة على أن العذاب فى المرَّتين كلتيهما قبل دخولهم ١٠/١١
النار . والأغلب من إحدى المرتين أنها فى القبر .
وقوله: ((ثم يردون إلى عذاب عظيم))، يقول: ثم يردَّ هؤلاء المنافقون، بعد
تعذيب اللّه إياهم مرتين ، إلى عذاب عظيم ، وذلك عذاب جهنم .
(١) فى المطبوعة والمخطوطة: ((فيما بلغنى عنهم ما هم فيه أمر الإسلام))، والصواب من سيرة
ابن هشام .
(٢) فى المطبوعة: ((ويخلدون فيه))، وفى المخطوطة: ((ويخلد فيه))، وصواب قراءتها من
سيرة ابن هشام .
(٣) الأثر : ١٧١٣٥ - سيرة ابن هشام ٤: ١٩٨، وهو تابع الأثر السالف رقم:
١٧١٢٠ ٠
(٤) فى المطبوعة: ((نتوصل به))، وأثبت ما فى المخطوطة.
(٥) فى المطبوعة: ((بأى ذلك من بأى، على أن فى قوله ... ))، فحرف وبدل وأفسد
الكلام إفساداً .
وانظر القول فى ((أى ذلك كان من أى)) فيما سلف ص: ٣٦٥، تعليق: ١، والمراجع
هناك ، فقد مضت أخواتها كثيراً ، وحرفها النساخ .

٤٤٦
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
القول فى تأويل قوله ﴿ وَاخَرُونَ أَعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا
صَبِحَاوَاخَرَ سَبْا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١)
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره : ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق،
ومنهم ((آخرون اعترفوا بذنوبهم))، يقول: أقرُّوا بذنوبهم = ((خلطواعملا صالحاً))،
يعنى جل ثناؤه بالعمل الصالح الذى خلطوه بالعمل السيئء : اعترافهم بذنوبهم،
وتوبتهم منها، والآخر السيئ: هو تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،
حين خرج غازياً ، وتركهم الجهاد مع المسلمين .
فإن قال قائل: وكيف قيل: ((خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً))، وإنما
الكلام : خلطوا عملاً صالحاً بآخر سيء ؟
قيل : قد اختلف أهل العربية فى ذلك .
فكان بعض نحوبى البصرة يقول : قيل ذلك كذلك ، وجائزٌ فى العربية أن
يكون ((بآخر))، (١) كما تقول ((استوى الماء والخشبة))، أى: بالخشبة، ((وخلطت
الماء واللبن)).
وأنكر [ آخر] أن يكون نظير قولهم (٢): ((استوى الماء والخشبة))، واعتلّ
فى ذلك بأن الفعل فى ((الخلط)) عامل فى الأول والثانى ، وجائز تقديم كل واحد
منهما على صاحبه، وأن تقديم ((الخشبة)) على ((الماء)) غير جائز فى قولهم :
((استوى الماء والخشبة))، وكان ذلك عنده دليلاً على مخالفة ذلك ((الخلط)). (٣)
(١) لا شك أن الناسخ أسقط شيئاً من كلام أبى جعفر، وهو ظاهر لمن تأمل. وانظر التعليق التالى.
(٢) الذى بين القوسين فى المطبوعة وحدها، ولكنه كان فيها ((آخرون)). أما المخطوطة ففيها:
((وأنكر أن يكون نظير قولهم ... ))، وهذا أيضاً دال على إسقاط الناسخ بعض الكلام. وانظر
التعليق التالى .
(٣) فى المطبوعة: ((دليلا عندهم))، وأثبت ما فى المخطوطة، ولكن الناشر الأول غيره :

٤٤٧
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
قال أبو جعفر: والصواب من القول فى ذلك عندى: أنه بمعنى قولهم: ((خلطت
الماء واللبن ))، بمعنى : خلطته باللبن .
= ((عسى الله أن يتوب عليهم))، يقول: لعلّ اللّه أن يتوب عليهم = ((وعسي))
من اللّه واجب، (١) وإنما معناه : سيتوب اللّه عليهم ، ولكنه فى كلام العرب
على ما وصفت = ((إن الله غفور رحيم))، يقول: إن الله ذو صفح وعفو لمن
تاب عن ذنوبه ، وساترٌ له عليها = ((رحيم))، به أن يعذبه بها. (٢)
#
*
وقد اختلف أهل التأويل فى المعنىّ بهذه الآية ، والسبب الذى من أجله
أنزلت فيه .
فقال بعضهم : نزلت فى عشرة أنفس كانوا تخلّفوا عن رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم فى غزوة تبوك، منهم أبو لبابة ، فربط سبعةٌ منهم أنفسهم إلى السّوارى
عند مَقْدم النبى صلى اللّه عليه وسلم ، توبةً منهم من ذنبهم .
ذكر من قال ذلك :
*
١٧١٣٦ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على، عن ابن عباس قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً
وآخر سيئاً))، قال: كانوا عشرة رَهْطٍ ، تخلّفوا عن النبى صلى اللّه عليه وسلم فى
غزوة تبوك، فلما حضرَ رُجوع النبى صلى اللّه عليه وسلم، أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم
بسوارى المسجد، فكان ممرّ النبى صلى الله عليه وسلم إذا رجع فى المسجد عليهم. (٣)
لما وضع ((آخرون)) من عند نفسه. انظر التعليق السالف .
هذا ، وقد تركت الكلام على حاله ، لأنى لا أشك أن الناسخ تخطأ بعض كلام أبى جعفر .
(١) انظر تفسير ((عسى)) فيما سلف: ص ١٦٧، تعليق: ٥٠، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((غفور)) و((رحيم)) فيما سلف من فهارس اللغة (غفر)، (رحم).
(٣) فى المطبوعة: ((وكان))، وأثبت ما فى المخطوطة بالفاء.

٤٤٨
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثِقُون أنفسهم بالسوارى؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحابٌ
له تخلفوا عنك، يا رسول الله، [وحلفوا لا يطلقهم أحد]، حتى تطلقهم. وتعذرهم.(١)
فقال النبى عليه السلام : وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم، حتى يكون الله
هو الذى يطلقهم ، رغبوا عنى وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين ! فلما بلغهم ذلك
قالوا : ونحن والله لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله الذى يطلقنا! (٢) فأنزل الله تبارك
وتعالى: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن
يتوب عليهم)) = و((عسى)) من اللّه واجب. فلما نزلت، أرسل إليهم النبي صلى
اللّه عليه وسلم فأطلقهم وعَذَ رَهُمُ .
#
.*
وقال آخرون : بل كانوا ستة ، أحدهم أبو لبابة .
ذكر من قال ذلك :
#
١٧١٣٧ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم
١١/١١ خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئًا عسى الله)) إلى قوله: ((إن الله غفور رحيم))، وذلك
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك، فتخلف أبو لبابة وخمسة معه
عن النبي صلى اللّه عليه وسلم. ثم إن أبا لبابة ورجلين معه تفكّروا وندموا، وأيقنوا
بالهلكة، وقالوا: ((نكون فى الكِنَّ والطمأنينة مع النساء، ورسول اللّه والمؤمنون معه فى
الجهاد ! والله لنوثقنّ أنفسنا بالسّوارى، فلا نطلقها حتى يكون رسول الله صلى الله
عليه وسلم هو يطلقنا ويعذرُنا ))، فانطلق أبو لبابة وأوثق نفسه ورجلان معه بسوارى
المسجد ، وبقى ثلاثةُ نفرٍ لم يوثقوا أنفسهم. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) فى المخطوطة والمطبوعة: ((تخلفوا عنك يا رسول اللّه حتى تطلقهم وتعذرهم))، سقط
بعض الكلام وتمامه فى الدر المنثور: ((وحلفوا أنهم لا يطلقهم أحد حتى تطلقهم وتعذرهم))،
وآثرت ما وضعته بين القوسين .
(٢) فى المطبوعة والمخطوطة: ((ونحن بالله))، وآثرت ما كتبت.

٤٤٩
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
من غزوته ، وكان طريقه فى المسجد ، فمرّ عليهم فقال : من هؤلاء الموثقو أنفسهم
بالسوارى ؟ فقالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له ، تخلفوا عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم
وترضى عنهم ، وقد اعترفوا بذنوبهم. فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: والله
لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يكون الله هو يعذرهم ، وقد
تخلفوا عنى ، ورغبوا بأنفسهم عن غزو المسلمين وجهادهم ! فأنزل الله برحمته :
((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم
إن الله غفور رحيم)) = و((عسى)) من اللّه واجب- فلما نزات الآية أطلقهم رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وعذَرهم ، وتجاوز عنهم.
*
وقال آخرون : الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى كانوا ثمانية .
ذكر من قال ذلك :
٠
١٧١٣٨ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب ، عن زيد بن أسلم :
((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم
إن الله غفور رحيم))، قال: هم الثمانية الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى ، منهم
کرْدَم ، ومرداس ، وأبو لبابة .
١٧١٣٩ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يعقوب ، عن جعفر ،
عن سعيد قال : الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى : هلال ، وأبو لبابة ، وكردم ،
ومرداس ، وأبو قيس . (١)
وقال آخرون : كانوا سبعة .
ذكر من قال ذلك :
١٧١٤٠ - حدثنا بشر قال ، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
(١) هؤلاء خمسة، لم يذكر تمام الثمانية، كما تدل عليه ترجمة الكلام.
ج ١٤ (٢٩)

٤٥٠
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب
عليهم ))، ذكر لنا أنهم كانوا سبعة رَهْطٍ تخلفوا عن غزوة تبوك ، فأما أربعة
فخلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً : جدُّ بن قيس ، وأبو لبابة ، وحرام ، وأوس ،
وكلهم من الأنصار، وهم الذين قيل فيهم: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمِ صَدَقَةً تُطَهِرْهُمْ﴾ ،
الآية .
١٧١٤١ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، ، عن
معمر، عن قتادة: (( خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً)، قال : هم نفر من تخلف
عن تبوك ، منهم أبو لبابة ، ومنهم جدبن قيس ، تِيبَ عليهم = قال قتادة :
وليسوا بثلاثة .
١٧١٤٢ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال ، حدثنا أبو سفيان ،
عن معمر، عن قتادة: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم))، قال : هم سبعة ، منهم
أبو لبابة ، كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك ، وليسوا بالثلاثة .
١٧١٤٣ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ،
أخبرنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول فى قوله: ((وآخرون اعترفوا
بذنوبهم خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً))، نزلت فى أبى لبابة وأصحابه ، تخلفوا
عن نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى غزوة تبوك، فلما قَفَل رسول الله صلى الله عليه
وسلم من غزوته، وكان قريباً من المدينة ، ندموا على تخلفهم عن رسول اللّه وقالوا:
(نكون فى الظلال والأطعمة والنساء، ونبى الله فى الجهاد واللأواء! والله لنوثقن أنفسنا
بالسوارى، ثم لا نطلقها حتى يكون فى اللّه صلى الله عليه وسلم يطلقنا ويعذرنا!))،
وأوثقوا أنفسهم ، وبقى ثلاثة ، لم يوثقوا أنفسهم بالسوارى . (١) فقدم رسول الله صلى
١٢/١١ اللّه عليه وسلم من غزوته، فمرّ فى المسجد، وكان طريقه، فأبصرهم، فسأل
عنهم ، فقيل له : أبو لبابة وأصحابه، تخلفوا عنك، يانبى الله، فصنعوا بأنفسهم
(١) ((بالسوارى)) زيادة من المخطوطة، ليست فى المطبوعة

٤٥١
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
ما ترى ، وعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذى تطلقهم !
فقال نبى اللّه صلى اللّه عليه وسلم: لا أطلقهم حتى أومر بإطلاقهم ، ولا أعذرهم
حتى يعذرهم الله، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين! فأنزل الله: ((وآخرون
اعترفوا بذنوبهم))، إلى ((عسى الله أن يتوب عليهم)) = و((عسى)) من اللّه واجب =
فأطلقهم نبىُّ اللّه وعذرهم .
*
وقال آخرون : بل عنى بهذه الآية أبو لبابة خاصة ، وذنبه الذى اعترف به
فتيب عليه فيه ، (١) ما كان من أمره فى بنى قريظة .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٤٤ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا ابن نمير ، عن ورقاء ، عن ابن
أبى نجيح، عن مجاهد: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم))، قال: نزلت فى أبى لبابة،
قال لبنى قريظة ما قال .
١٧١٤٥ - حدثنى محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال ، حدثنا
عيسى، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم))، قال :
أبو لبابة ، إذ قال لقريظة ما قال ، أشار إلى حلقه : أن محمداً ذابحكم إن نزاتم
على حُكْم الله .
١٧١٤٦ - حدثنى المثنى قال ، حدثنا أبو حذيفة قال ، حدثنا شبل ، عن
ابن أبى نجيح، عن مجاهد: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم))، فذكر نحوه = إلا
أنه قال : إن نزلم علی حکمه .
١٧١٤٧ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد :
ربط أبو لبابة نفسه إلى سارية، فقال: لا أحلُ نفسى حتى يحانى الله ورسوله !
قال: فحلَّه النبى صلى الله عليه وسلم: وفيه أنزات هذه الآية: ((وآخرون اعترفوا
(١) فى المطبوعة: ((فتيب عليه منه))، وأثبت ما فى المخطوطة، وهى صواب محض.

٤٥٢
تفسير سورة التوبة : ١٠٢
بذنوبهم خلطوا عملاً صالحاً)) ، الآية .
١٧١٤٨ - حدثنا ابن وكيع قال ، حدثنا المحاربى ، عن ليث ، عن مجاهد :
((وآخرون اعترفوا بذنوبهم)) ، قال : نزلت فى أبى لبابة .
...
وقال آخرون : بل نزلت فى أبى لبابة ، بسبب تخلفه عن تبوك .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٤٩ - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور ، عن
معمر ، قال : قال الزهرى : كان أبو لبابة ممن تخلف عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى غزوة تبوك، فربط نفسه بسارية، فقال: والله لا أحلّ نفسى منها، ولا
أذوق طعاماً ولا شراباً ، حتى أموت أو يتوب الله على! فمكث سبعة أيام لا يذوق
طعاماً ولا شراباً حتى خرّ مغشيًا عليه ، قال : ثم تاب الله عليه ، ثم قيل له :
قد تیبعليك يا أبا لبابة ! فقال : والله لا أحلّ نفسى حتى يكون رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم هو يحانى! قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فحله بيده ، ثم
قال أبو لبابة : يا رسول الله ، إنّ من توبتى أن أهجر دار قومی التی أصبت فيها
الذنب ، وأن أنخلع من مالى كله صدقة إلى الله وإلى رسوله ! قال : يجزيك
يا أبا لبابة الثلث .
وقال بعضهم : عنى بهذه الآية الأعراب .
• ذكر من قال ذلك :
١٧١٥٠ -حدثی محمد بن سعد قال ، حدثی أبى قال ، حدثی عی
قال ، حدثنى أبى، عن أبيه ، عن ابن عباس: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم
خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً))، قال فقال: إنهم من الأعراب.
١٧١٥١ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا يزيد بن هرون ، عن حجاج
ابن أبى زينب قال : سمعت أبا عثمان يقول : ما فى القرآن آية أرجى عندى لهذه

٤٥٣
تغير سورة التوبة : ١٠٢
الأمة من قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم)) إلى: ((والله غفور رحيم)). (١)
قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب فى ذلك، قولُ من قال : نزلت
هذه الآية فى المعترفين بخطأ فعلهم فى تخلفهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،
وتركهم الجهادَ معه ، والخروجَ لغزو الروم، حين شخص إلى تبوك = وأن الذين
نزل ذلك فيهم جماعة ، أحدهم أبو لبابة .
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب فى ذلك، لأن الله جل ثناؤه قال: ((وآخرون
اعترفوا بذنوبهم))، فأخبر عن اعتراف جماعة بذنوبهم ، ولم يكن المعترفُ ١٣/١١
بذنبه، الموثقُ نفسه بالسارية فى حصار قريظة ، غير أبى لبابة وحده . فإذا كان ذلك
[كذلك]، (٢) وكان الله تبارك وتعالى قد وصف فى قوله: ((وآخرون اعترفوا بذنوبهم)»
بالاعتراف بذنوبهم جماعةً، عُلِيمٍ أن الجماعة الذين وصفهم بذلك ليست الواحد، (٣)
فقد تبين بذلك أن هذه الصفة إذ لم تكن إلا لجماعة ، وكان لا جماعةً فعلت
ذلك ، فيما نقله أهل السير والأخبار وأجمع عليه أهل التأويل ، إلا جماعة من
المتخلفين عن غزوة تبوك ، صحَّ ما قلنا فى ذلك. وقلنا: (( كان منهم أبو لبابة))،
الإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك
(١) الأثر: ١٧١٥١ - ((حجاج بن أبى زينب السلمى))، ((أبو يوسف الواسطى))،
((الصيقل))، ضعيف، ليس بقوى ولا حافظ. مترجم فى التهذيب، والكبير ٣٧٣/٢/١،
وابن أبى حاتم ١٦١/٢/١، وميزان الاعتدال ١: ٢١٥. وكان فى المطبوعة: ((بن أبى ذئب))،
وهو خطأ، والمخطوطة برسم المطبوعة غير منقوطة .
و((أبو عثمان))، هو النهدى، ((عبد الرحمن بن مل))، ثقة، أسلم على عهد رسول الله
ولم يلقه . مضى مراراً ، منها رقم : ١٣٠٩٧ - ١٣١٠٠.
وهذا الخبر خرجه السيوطى فى الدر المنثور ٣ : ٢٧٣، وزاد نسبته إلى ابن أبى شيبة،
وابن أبى الدنيا فى التوبة، وابن المنذر ، وأبى الشيخ ، والبيهقى فى شعب الإيمان .
(٢) ما بين القوسين زيادة يقتضيها السياق .
(٣) فى المطبوعة: ((أن الجماعة الذين وصفهم بذلك السبب غير الواحد))، أسماء قراءة
المخطوطة ، فحرف وزاد من عنده ، ما أفسد الكلام وأهلكه .

٤٥٤
تفسير سورة التوبة : ١٠٣
القول فى تأويل قوله (خُذْ مِنْ أَمْوَ لِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ
وَتُزَ كِّهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِذَّصَلَوْتَكَ سَّكَنْ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) )
قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: يا محمد،
خذ من أموال هؤلاء الذين اعترفوا بذنوبهم فتابوا منها = ((صدقة تطهرهم))، من
دنس ذنوبهم(١) = ((وتزكيهم بها))، يقول : وتنميهم وترفعهم عن خسيس منازل
أهل النفاق بها، إلى منازل أهل الإخلاص (٢) = ((وصل عليهم))، يقول : وادع
لهم بالمغفرة لذنوبهم، واستغفر لهم منها = ((إن صلاتك سكن لهم))، يقول : إن
دعاءك واستغفارك طمأنينة لهم، بأن الله قد عفا عنهم وقبل توبتهم (٣) = ((والله سميع
عليم ))، يقول : والله سميع لدعائك إذا دعوت لهم، ولغير ذلك من كلام خلقه =
((عليم))، بما تطلب لهم بدعائك ربّك لهم. وبغير ذلك من أمور عباده . (٤)
وبنحو ما قلنا فى ذلك قال أهل التأويل .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٥٢ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على ، عن ابن عباس قال : جاءوا بأموالهم = يعنى أبا لبابة وأصحابه = حين
أطلقوا، فقالوا : يا رسول الله ، هذه أموالنا فتصدّق بها عنا، واستغفر لنا ! قال:
ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئاً! فأنزل الله: (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم
(١) انظر تفسير (التطهير)) فيما سلف: ١٢: ٥٤٩، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٢) انظر تفسير ((التزكية)) فيما سلف من فهارس اللغة (زكا).
(٣) انظر تفسير ((الصلاة)) فيما سلف من فهارس اللغة (صلا).
= وتفسير ((سكن)) فيما سلف ١١ : ٥٥٧.
(٤) انظر تفسير ((سميع)) و((عليم)) فيما سلف من فهارس اللغة (سمع)، (علم).

٤٥٥
تفسير سورة التوبة : ١٠٣
وتزكيهم بها))، يعنى بالزكاة: طاعة اللّه والإخلاص = ((وصل عليهم))، يقول:
استغفر لهم .
١٧١٥٣ - حدثنى محمد بن سعد قال، حدثنى أبى قال ، حدثنى عمى
قال ، حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : لما أطلق رسول الله صلى الله
عليه وسلم أبا لبابة وصاحبيه ، انطلق أبو لبابة وصاحباه بأموالهم ، فأتوا بها رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالوا: خذ من أموالنافتصدَّق بهاعنا، وصلّ علينا- يقولون:
استغفر لنا = وطهرنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا آخذ منها شيئاً حتى
أومر. فأنزل الله: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن
صلاتك سكن لهم )) ، يقول : استغفر لهم من ذنوبهم التى كانوا أصابوا . فلما
نزلت هذه الآية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم جزءاً من أموالهم فتصدَّق بها عنهم.
١٧١٥٤ - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يعقوب ، عن زيد بن أسلم قال :
لما أطلق النبى صلى الله عليه وسلم أبا لبابة والذين ربطوا أنفسهم بالسَّوارى، قالوا:
يا رسول الله، خذ من أموالنا صدقة تطهرنا بها! فأنزل الله: ((خذ من أموالهم
صدقة تطهرهم )) ، الآية .
١٧١٥٥ - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا جرير، عن يعقوب ، عن جعفر ،
عن سعيد بن جبير قال : قال الذين ربطوا أنفسهم بالسوارى حين عفا عنهم :
يا نبيّ اللّه؛ طهّر أموالنا! فأنزل الله: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم
بها)). وكان الثلاثة إذا اشتكى أحدهم اشتكى الآخران مثله ، وكان عمى منهم
اثنان ، فلم يزل الآخر يدعو حتى عَمِى .
١٧١٥٦ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد ، عن قتادة
قال : الأربعة : جدُّ بن قيس ، وأبو لبابة ، وحرام ، وأوس ، هم الذين قيل
فيهم : ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتز کیہم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن
لهم ))، أى : وقارٌ لهم، وكانوا وعدوا من أنفسهم أن ينفقوا ويجاهدوا ويتصدّقوا .
١٤/١١

٤٥٦
تفسير سورة التوبة ١٠٣
١٧١٥٧ - حدثت عن الحسين بن الفرج قال، سمعت أبا معاذ قال ، أخبريه
عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك، قال : لما أطلق فىّ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم أبا لبابة وأصحابه ، أتوا نبيّ اللّه بأموالهم فقالوا: يا نبي الله ، خذ من أموالنا
فتصدَّق به عنا ، وطهّرنا، وصلِّ علينا = يقولون: استغفر لنا = فقال نبي الله:
لا آخذ من أموالكم شيئاً حتى أومر فيها! فأنزل الله عز وجل: (( خذ من أموالهم.
صدقة تطهرهم))، من ذنوبهم التى أصابوا = ((وصل عليهم))، يقول : استغفر
لهم . ففعل نبى الله عليه السلام ما أمرَه اللّه به .
١٧١٥٨ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثى حجاج، عن
ابن جريج قال ، قال ابن عباس قوله: (( خذ من أموالهم صدقة))، أبو لبابة
وأصحابه = ((وصل عليهم)) ، يقول: استغفر لهم ، لذنوبهم التى كانوا أصابوا .
١٧١٥٩ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد فى
قوله: (( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن
لهم ))، قال : هؤلاء ناسٌ من المنافقين ممن كان تخلف عن النبى صلى الله عليه
وسلم فى غزوة تبوك ، اعترفوا بالنفاق ، وقالوا : يا رسول الله ، قد ارتبنا ونافقنا
وشككنا، ولكن توبةٌ جديدة، وصدقةٌ نخرجها من أموالنا! فقال الله لنبيه عليه
الصلاة والسلام: ((خذ من أموالهم صدقةٌ تطهرهم وتزكيهم بها))، بعد ما قال :
﴿وَلَاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمُ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، [سورة التوبة: ٨٤].
واختلف أهل العربية فى وجه رفع (تزكيهم)).
فقال بعض نحوبي البصرة: رفع ((تزكيهم بها))، فى الابتداء ، وإن شئت
جعلته من صفة ((الصدقة))، ثم جئت بها توكيداً، وكذلك ((تطهرهم)).
#

٤٥٧
تفسير سورة التوبة : ١٠٣
وقال بعض نحوبى الكوفة: إن كان قوله: ((تطهرهم)) للنبى عليه السلام،
فالاختيار أن تجزم، لأنه لم يعدعلى ((الصدقة)) عائد، (١) و ((تزكيهم))، مستأنفٌ.
وإن كانت الصدقة تطهرهم وأنت تزكيهم بها ، جاز أن تجزم الفعلين وترفعهما .
قال أبو جعفر: والصواب فى ذلك من القول، أن قوله: ((تطهرهم))، من
صلة ((الصدقة))، لأن القرأة مجمعة على رفعها ، وذلك دليل على أنه من صلة
((الصدقة)). وأما قوله: ((وتزكيهم بها))، فخبر مستأنف"، بمعنى: وأنت تزكيهم
بها ، فلذلك رفع .
واختلف أهل التأويل فى تأويل قوله: ((إن صلانك سكن لهم)).
فقال بعضهم : رحمة لهم .
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٦٠ - حدثنى المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال ، حدثنى معاوية ،
عن على ، عن ابن عباس، ((إن صلاتك سكن لهم))، يقول : رحمة لهم .
وقال آخرون : بل معناه : إن صلاتك وقارٌ لهم.
* ذكر من قال ذلك :
١٧١٦١ - حدثنا بشر قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: ((إن صلاتك
سكن لهم )) ، أى : وقارٌ لهم .
واختلفت القرأة فى قراءة ذلك .
فقرأته قرأة المدينة: ﴿إنّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌْ لَهُمْ﴾ بمعنى: دعواتك.
(١) فى المطبوعة: ((بأنه لم يعد))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٥٨
تغير سورة التوبة : ١٠٣، ١٠٤
وقرأ قرأة العراق وبعض المكيين: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، بمعنى: إن
دعاءك .
قال أبو جعفر: وكأنّ الذين قرأوا ذلك على التوحيد ، رأوا أن قراءته بالتوحيد
أصحُ، لأن فى التوحيد من معنى الجمع وكثرة العدد ما ليس فى قوله: ((إن صلواتك
سكن لهم))، إذ كانت ((الصلوات))، هى جمع لما بين الثلاث إلى العشر من
العدد، دون ما هو أكثر من ذلك . والذى قالوا من ذلك ، عندنا كما قالوا ،
وبالتوحيد عندنا القراءةُ لا العلة، لأن ذلك فى العدد أكثر من ((الصلوات))، (١)
ولكن المقصود منه الخبر عن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم وصلواته أنه سكن
لهؤلاء القوم ، (٢) لا الخبر عن العدد . وإذا كان ذلك كذلك ، كان التوحيد فى
((الصلاة))، أولى .
القول فى تأويل قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
عَنْ عِبَادِهِ م وَ يَأْخِذِ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الثَّوْابُ الرَّحِيمُ) )
قال أبو جعفر : وهذا خبرٌ من الله تعالى ذكره ، أخبر به المؤمنين به : أن
١ ١٥ قبول توبة من تاب من المنافقين، وأخذ الصدقة من أموالهم إذا أعطوها، ليسا إلى
نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم = وأن نبيَّ اللّه حين أبى أن يطلق من ربط نفسه بالسوارى
من المتخلفين عن الغزو معه، وحين ترك قبول صدقتهم بعد أن أطلق اللّه عنهم حين أذن
له فى ذلك، إنما فعل ذلك من أجل أن ذلك لم يكن إليه صلى اللّه عليه وسلم، وأن ذلك
إلى الله تعالى ذكره دون محمد، وأن محمداً إنما يفعل ما يفعل من تركٍ وإطلاقٍ
(١) فى المطبوعة: ((وبالتوحيد عندنا القراءة لا لعلة أن ذلك فى العدد ... ))، غير ما فى
المخطوطة ، وهو صواب محض .
(٢) فى المطبوعة: ((وصلاته))، وأثبت ما فى المخطوطة.

٤٥٩
تفسير سورة التوبة : ١٠٤
وأخذ صدقة وغير ذلك من أفعاله، بأمر الله . فقال جل ثناؤه: ألم يعلم هؤلاء
المتخلفون عن الجهاد مع المؤمنين، الموثقو أنفسهم بالسوارى، القائلون: ((لا نُطاق
أنفسناحتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذى يطلقنا))، السَّائلو رسول الله
صلى الله عليه وسلم أخذَ صدقة أموالهم، أنّ ذلك ليس إلى محمد، وأن ذلك إلى
اللّه، وأن الله هو الذى يقبل توبة من تابٍ من عباده أو يردُّها، ويأخذ صدقة من
تصدَّق منهم أويردُّها عليه دون محمد، فيوجُّهوا توبتهم وصدقتهم إلى الله، ويقصدوا
بذلك قصدَ وجهه دون محمد وغيره، ويخلصوا التوبة له، ويريدوه بصدقتهم، ويعلموا
أن الله هو التواب الرحيم؟ = يقول: المراجع لعبيده إلى العفو عنهم إذا رجعوا إلى
طاعته ، الرحيم بهم إذا هم أنابوا إلى رضاه من عقابه.(١)
#
وكان ابن زيد يقول فى ذلك ما : -
١٧١٦٢ - حدثنى يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد :
قال الآخرون = يعنى الذين لم يتوبوا من المتخلفين : هؤلاء ، يعنى الذين تابوا ،
كانوا بالأمس معنا لا يكلّمون ولا يجالسون، فما لهم؟ فقال الله: ((إن اللههو يقبل
التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن اللّه هو التواب الرحيم)). (١)
١٧١٦٣ - حدثنا محمد بن المثنى قال ، حدثنا محمد بن جعفر قال ، حدثنا
شعبة قال ، أخبرنى رجل كان يأتى حماداً ولم يجلس إليه = قال شعبة : قال
العوام بن حوشب: هو قتادة ، أو ابن قتادة ، رجل من محارب = قال : سمعت
عبد الله بن السائب = وكان جاره = قال : سمعت عبد الله بن مسعود يقول :
ما من عبد تصدق بصدقة إلا وقعت فى يد الله، فيكون هو الذى يضعُها فى يد
السائل. وتلا هذه الآية: ((وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)). (٢)
(١) انظر تفسير ((التوبة))، ((التواب))، ((الرحيم))، فيما سلف من فهارس اللغة
( توب)، ( رحم) .
(٢) الأثر: ١٧١٦٣ - ((قتادة))، أو ((ابن قتادة))، رجل من محارب. لم أجده هكذا.

٤٦٠
تفسير سورة التوبة : ١٠٤
١٧١٦٤ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال ، أخبرنا
الثورى ، عن عبد الله بن السائب ، عن عبد الله بن أبى قتادة المحاربى ، عن
عبد الله بن مسعود قال: ما تصدّق رجلٌ بصدقة إلا وقعت فى يد اللّه قبل أن تقع
فى يد السائل، وهو يضعها فى يد السائل. ثم قرأ: ((ألم يعلموا أن الله هو يقبل
التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات)).(١)
١٧١٦٥ - حدثنا أحمد بن إسحق قال، حدثنا أبو أحمد قال ، حدثنا
سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن عبد الله بن قتادة، عن ابن مسعود، بنحوه. (١)
١٧١٦٦ - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن
عبد الله بن السائب ، عن عبد الله بن أبى قتادة، قال قال عبد الله: إن الصدقة
تقع فى يد الله قبل أن تقع فى يد السائل. ثم قرأ هذه الآية: ((هو يقبل التوبة
عن عباده ويأخذ الصدقات)). (١)
ولم أجد أحداً تكلم فى أمره أو ذكره. وصريح هذا الإسناد يدل على أن ((قتادة)) أو ((ابن قتادة))
المحاربى، هذا، هو الذى أخبر شعبة، وهو الذى كان يأتى حماداً، ولم يجلس إليه، وأنه هو الذى
سمع من عبد الله بن السائب، وكان جاره، وأن ((عبد الله بن السائب)) هو الذى سمع من عبد الله
ابن مسعود . وهذا إشكال :
فإن ((عبد الله بن السائب))، هو ((عبد الله بن السائب الكندى))، روى عن أبيه، وزادان
الكندى . وعبد الله بن معقل بن مقرن، وعبد الله بن قتادة المحاربى (كما سيأتى فى الآثار التالية).
وروى عنه الأعمش، وأبو إسحقى الشيبانى، والعوام بن حوشب ، وسفيان الثورى . وهو ثقة ، مترجم
فى التهذيب، وابن أبى حاتم ٧٥/٢/٢، ولم يذكروا له رواية عن ابن مسعود كما ترى ، بل ذكروا
روايته عن ((عبد اللّه بن قتادة المحاربى))، كما سيأتى فى الآثار التالية.
فأنا أخشى أن يكون فى إسناد هذا الخبر شىء ، بدلالة الآثار التى تليه ، وهى مستقيمة على
ما ذكر فى كتب الرجال ، وأخشى أن يكون شعبة سمعه عن رجل كان يأتى حماداً ولم يجلس إليه ،
عن عبد الله بن السائب، عن قتادة، أو ابن قتادة، رجل من محارب = ثم سمعه من العوام بن حوشب،
عن عبد الله بن السائب، عن قتادة، أو ابن قتادة، رجل من محارب = وأن يكون الناسخ قد أفسد
الإسناد. وانظر الكلام على ((عبد الله بن أبى قتادة المحاربى)) أو ((عبد الله بن قتادة)) فى التعليق
على الآثار التالية .
(١) الآثار: ١٧١٦٤ - ١٧١٦٦ - ((عبد الله بن السائب الكندى))، مضى فى التعليق
السالف .